← Адаб

Адаб · id 22885

الحور العين

نشوان الحميري

Полный текст (317 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

للحب: أين تريد؟ قال اليمن، قال الكرم: وأنا معك؛ وكذلك أهل اليمن بهذه الصفة، إلا أن العي غالب لهم. ولما ظفر الحجاج بعبد الرحمن بن الأشعث، أتى بأيوب بن يزيد البليغ الفصيح، الذي يقال له ابن القرية ابن النمر بن قاسط، وكان ابن القرية، مع ابن الأشعث، فكان له وللحجاج حديث، فسأله الحجاج عن البلدان والأمصار وأهلها فوصفهم له بصفاتهم، حتى انتهى إلى اليمن، فقال له الحجاج: أخبرني عن اليمن؛ قال: أصل العرب، وأهل البيوتات والحسب، هم الدهماء عدداً، والبكم أبداً. قوله: ومربع الأدِيب، مستوبل جديب. المرتع: موضع الرُّتوع، وهو المرعى. قال قيس بن زهير العبسي: تعلم أن خير الناس ميتٌ ... على جفر الهباءة لا يريم ولولا بغيه ما زلت أبكي ... عليه الدهر ما طلع النجوم ولكن الفتى حمل بن بدر ... بغى والبغي مرتعه وخيم أظن الحلم دل على قومي ... وقد يستجهل الرجل الحليم ومارست الرجال ومارسوني ... فمعوج علي ومستقيم والمستوبل: غير الموافق يقال: استوبل الرجل البلاد، إذا لم توافقه في جسمه.

стр. 107

فهما في الاجتراح فعل أمر، وفي الإطراح واو عمرو، أتى بها للفرق بينه وبين عمر، إذا اتسق بالكلام واستمر، واستغنى عنها بدخول الألف، التي جعلت عوضاً في المنصرف ظروف وغى، لا يظفر منهم بألمعي، يصفون رعا البذج والعدان، وكل ورع منهم هدان، بشدة فارس زبيد، وعبادة عمرو بن عبيد. فهما: يعني: العالم والأديب أنهما موقوفان عن الاكتساب وقوف فعل الأمر، مطرحان عندهم اطرح واو عمرو. والاجتراح: الاكتساب، ومنه قوله تعالى: (ما جرحتم بالنهار) وقوله تعالى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات) ومنه سميت كلاب الصيد: جوارح. قال تعالى: (وما علمتم من الجوارح) ومنه جوارح الإنسان، وهي أعضاؤه التي يكتسب بها، قال الحطيئة: ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ ... حمر الحواصل لا ماء ولا شجر ألقيت جارحهم في قعر مظلمة ... فاغفر، عليك سلام الله يا عمر يقال لهذا الفعل: موقوف، ولا يقال له: مجزوم، لأنه لم يدخل عليه عامل فيجزمه، فلما خلى من المضارعة خلا من الإعراب، وأصل البناء للأفعال والحروف إلا ما ضارع الأسماء من الأفعال، فأعرب لمضارعته إياها. وأما واو عمرو: فإنما زادها الكتاب فرقاً بين مشتبهين، بين عمرو وعمر، في حال الرفع والخفض، فإذا صاروا إلى النصب حذفوا الواو، لأن الاشتباه قد زال بانصراف عمرو وزيادة الألف منه التي جعلت عوضاً من التنوين.

стр. 108

والظروف: جمع ظرف وهو الوعاء، وظروف الإنسان: جسمه، قال المغيرة بن حساء التميمي يهجو أخاه صخرا: أبوك أبي وأنت أخي ولكن ... تفاضلت الطبائع والظروف وأمك حين تنسب أم صدق ... ولكن ابنها طبع سخيف والغي: الجهل يقال منه: رجل غيي، على فعيل وغي على فعل، وغيابا، ويقال أيضاً: فحل غيابا: إذا لم يهتد للضراب. والألمعي: الذكي الفطن الذي يعرف الأمور قبل كونها، قال أوس بن حجر: الألمعي الذي يظن الظن م ... كأن قد رأى، وقد سمعا نصب الألمعي بفعل متقدم. وكذلك اليلمعي. والبذج: الصغير من أولاد الضأن، قال أبو محرز المحاربي: قد هلكت جارتنا من الهمج ... وإن تجع تأكل عتوداً أو بذج والهمج ههنا، قيل: سوء التدبير في المعاش، وقيل الهمج: الجوع. والعتود: الصغير من أولاد المعز، وهو ما رعى وقوى، وهو مثل البذج، وجمعه: عدان، والأصل: عتدان، مثل: قعود وقعدان، فأدغمت التاء في الدال لقرب المخرجين، لأنهما من الحروف النطعية وهي ثلاثة: الطاء والتاء والدال، ومخرجها من النطع، وهو ما ظهر من غار الفم الأعلى. والورع: الجبان الهيوب، قال الراعي: فبت أنجو بها نفساً تكلفني ... مالاً يهم به الجثامة الورع قال ابن السكيت: هو الصغير الضعيف.

стр. 109

والهذان: الأحمق الخامل، وجمعه هذون، قال الراعي يصف الجواري: يمشين مشي الهجان الأدم أقبلها ... خل الطريق هدان غير مهتاج فارس زبيد: عمرو بن معدي يكرب الزبيدي، وكان أشد الناس وأشجعهم، من مضى منهم ومن غبر، وكان يقال لكل فارس من العرب: فارس بني فلان، إلا عمرو بن معد يكرب، فيقال له: فارس العرب جميعاً، وله أيام في الجاهلية مشهورة، وبقي إلى زمن عمر بن الخطاب. وشهد معه الفتوح، وشهد القادسية مع سعد بن أبي وقاص، فأجمعت العرب والعجم على شدته. وله أشعار يتعتب فيها على سعد، منها قوله: ألم خيالٌ من أميمة موهناً ... وقد جعلت أولى النجوم ثغور ونحن بصحراء العُذيب ودارها ... حجازية أن المحل شطير أكر بباب القادسية معلماً ... وسعد بن وقاص على أمير وسعد أمير شره دون خيره ... كثير الشذى كابي الزناد قصير تذكر هداك الله وقع سيوفنا ... بباب قديسٍ والمكر عسير عشيةً ود القوم لو أن بعضهم ... يعار جناحي طائرٍ فيطيرُ وقال أيضاً: إذا قتلنا ولم يبك لنا أحد ... قالت قريش ألا تلك المقادير

стр. 110

ونحن بالصف إذ تدمى حواجبنا ... نعطي السوية مما يخلص السكير نعطي السوية من طعن له بعد ... ولا سوية إذ تعطى الدنانير وقال أيضاً: وكانت قريش تحمل البر تارة ... تجاراً فأضحت تحمل السم منقعاً واختلف الرواة في موت عمرو، فمنهم من قال: أنه استشهد في بعض فتوح عمر، وقال محمد بن الحسن بن دريد في كتاب الاشتقاق: أنه مات على فراشه من حية لسعته. وأما عمرو بن عبيد بن ناب، فأصله من كابل من ثغور بلخ، وهو مولى لآل عرادة من يربوع بن مالك، وكان أبوه عبيد من أصحاب شرط بالبصرة، وكان الناس إذا رأوا عمراً مع أبيه قالوا: خير الناس ابن شر الناس، فيقول عبيد: صدقتم، هذا إبراهيم وأنا أزر. ومن جبله أصحاب الحسن بن أبي الحسن البصري، وكان الحسن إذا ذكر، قال: خير فتيان هل البصرة. قال أبو القاسم البلخي: لعمرو فضائل كثيرة لا يجمعها إلا كتاب مفرد، حج أربعين سنة ماشياً وبعيره يقاد يركبه الفقير والضعيف والمنقطع به، وكان يحي الليل كله في ركعة، فعل ذلك غير مرة في المسجد الحرام. وقال أبو جعفر المنصور، لما صلى على قبر عمرو بن عبيد بمران: ما بقي على الأرض أحد يستحي منه.

стр. 111

ورثاه المنصور فقال: صلى عليك الله من متوسد ... قبراً مررت به على مران قبراً تضمن مؤمناً متحنفاً ... صدق الآله ودان بالقرآن فلو أن هذا الدهر أبقى واحداً ... أبقى لنا حقاً أبا عثمان وكان عمرو يكنى: أبا عثمان. وقال بعضهم: إن المنصور أنشد الأبيات وهي لغيره. وذكر العتبي أنها للمنصور. وقال المنصور: القيت الحب للناس فلقطوا إلا عمرو بن عبيد، ومعاذ بن معاذ، ثم إن معاذاً أثنى جناحيه فلقط. وكان سفيان بن عيينة يقول: ما رأيت عيني مثل عمرو بن عبيد، وقد رأى التابعين فمن دونهم. وقال بعضهم: رأيت عمراً بمكة، فرأيته كأن حديث عهد بمصيبة، ثم رأيته بمنى، فرايته كأنه أحضر للقود، ثم رأيته بعرفة فرأيت رجلاً كان النار لم تخلق إلا له. قوله: وفهم حكيم فرهود، وبركة كليم المهود. يعني بحكيم فرهود: الخليل بن أحمد العروضي النحوي وفرهود حي من الأزد بعمان، ويقال لهم الفراهيد أيضاً، منهم الخليل بن أحمد هذا، وهم من ولد فرهود بن شبان بن مالك بن فهم أخي جذيمة الأبرش بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عدنان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله ابن مالك بن نضر بن الأزد ويقال الأسد. وكان الخليل ذكياً فطناً لطيفاً عالماً، وهو أول من استخرج علم العروض

стр. 112

وابتدعه، وفتق عيون النحو وشرح علله؛ وهو صاحب كتاب العين، الذي هو أصل لكتب اللغة ومنه تفرعت، وكان الخليل شاعراً فصيحاً، فقيل له: لم لا تقول الشعر؟ فقال: لأني آبي رديه ويأباني جيده. قال ابن قتيبة: أنشدني ابن هاني، قال: أنشدنا سعد بن مسعدة الأخفش للخليل بن أحمد: اعمل بعلمي ولا تنظر إلى عملي ... ينفعك علمي ولا يضررك تقصيري قال وأنشدنا له أيضاً: كفاك لم تخلقا للندى ... ولم يك لؤمهما بدعه فكفٌ عن الخير مقبوضة ... كما خط عن مائه تسعه وأخرى ثلاثة آلافها ... وتسعمئنيها لها شرعه وقال أيضاً: الله صور كفه ... مما يراه فأبدعه من تسعة في تسعة ... وثلاثة في أربعه وكان الخليل ورعاً ديناً مع علمه، ودرس في علم النحو فبلغ منه مبلغاً ثم رفضه، والخليل أيضاً القائل:

стр. 113

أبلغ سليمان أني منه في سعة ... وفي غنى غير أني لست ذا مال سخا بنفسي أني لا أرى أحداً ... يموت هولاً ولا يبقى على حال فالرزق عن قدرٍ لا الضعف ينقصه ... ولا يزيدك فيه خول مختال ُوالفقر في النفس لا في المال تعرفه ... ومثل ذاك الغنا في النفس لا المال وأما كليم المهود: فهو عيسى ﵇، وأمه هي مريم بنت عمران ابن ماثان بن يعاقيم من ولد داود ﵇ من سبط يهودا ابن يعقوب. وكان زكريا أيضاً من ولد داود. وكان هو وعمران في زمن واحد. وكانت تحت زكريا أشياع بنت عمران أخت مريم، وكان يحيى وعيسى ﵉ ابنى خالة، وكان زكريا نجاراً، وأشاعت اليهود أنه ركب من مريم الفاحشة. وقتلوا زكريا في جوف شجرة قطعوها وقطعوه معها. قال ابن قتيبة في كتاب المعارف: ويذكر في الأنجيل أن يوسف بن داود النجار خطب مريم وتزوجها، فلما صارت عنده وجدها حبلى قبل أن يباشرها، وكان رجلاً صالحاً، فكره أن يفشي عليها، وعزم على أن يسرحها خفة، فتراءى له ملك في النوم فقال: يا يوسف بن داود:؛ إن امرأتك مريم ستلد غلاماً يسمى عيسى، وهو ينجي أمته من خطاياهم. ونشأ عيسى في حجر يوسف بن داود، وذهب به وبأمه إلى أرض الخليل، فسكن بها قرية تسمى: نصران، من أرض الشام، وقيل: ناصره، فلذلك قيل: نصارى.

стр. 114

وقد قص الله تعالى في كتابه من خبره وخبر أمه وكلامه في المهد، وإحيائه الموتى أبين القصص. قوله: (وسخاء أبي عدي، ووقارسيد أهل الوبر في الندى) . الندى والنادي: المجلس، ومنه قوله تعالى: (وتأتون في ناديكم المنكر) . وأبو عدي: حاتم بن عبد الله بن سعيد الحشرج الطائي، الجواد، أكرم الناس جميعاً، وأسخاهم، لماضيهم وغابرهم، وكرمه مشهور، يمثل به العالم والجاهل، يزداد جدة على مر الليالي والأيام. وأتى رسول الله ﷺ بساياطي، وفيهم جارية ظاهرة الجمال. قال علي بن أبي طالب ﵁: فقلت: لأستوهبنها من رسول الله ﷺ . فقالت: يا رسول الله: إني بنت من يشبع الجائع، ويكسو العاري، ويفك العاتي، ويؤثر الجار على نفسه، وما رد طالب حاجة قط، إني بنت حاتم طي. فقال رسول الله ﵌: (إن الله يحب مكارم الأخلاق، ولو كان أبو ك مسلماً لترحمنا عليه) ، وخلى سبيلها. وابنه عدي بن حاتم، كان يكنى أبا طريف، وكان طوالاً، إذا ركب الفرس كادت رجلاه تخطان الأرض. وقدم على عمر بن الخطاب، فكأنه رأى منه جفاء، فقال: أما تعرفني يا أمير المؤمنين؟ فقال: بلى والله أعرفك، أكرمك الله بأحسن المعرفة: أسلمت إذ كفروا، وعرفت إذ نكروا، ووفيت إذ غدروا، وأقبلت إذ أدبروا، فقال: حسبي يا أمير المؤمنين، حسبي. وشهد مع علي ﵁ يوم الجمل، ففقئت عينه في ذلك اليوم، وقتل ابنه

стр. 115

محمد، وقتل ابنه الآخر في قتال الخوارج. وشهد عدي مع علي ﵇ صفين، ومات في زمن المختار، وهو ابن مائة وعشرين سنة، وأوصي ألا يصلي عليه المختار. ولا عقب لعدي بن حاتم من الذكور، وإنما عقب حاتم بن عبد الله الطائي من ولد عبد الله بن حاتم، وهم ينزلون بنهر كربلا. ودخل رجل على المأمون، فكلمه بكلام أعجبه، فقال: ممن الرجل؟ فقال: من طي. فقال: من أي طي؟ فقال: من ولد عدي بن حاتم. فقال المأمون: ألصلبه؟ قال الرجل: نعم. فقال المأمون: هيهات أضللت؟! إن أبا طريف لم يعقب. وأما سيد الوبر: فهو قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر التميمي، وفد على رسول الله ﷺ في وفد تميم بعد الفتح فأسلم، وكان شريفاً، وسماه ﵌: سيد أهل الوبر، وهو الذي رثاه عبدة بن الطيب فقال: عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما تحية من غادرته غرض الردي ... إذا زار عن شحط بلادك سلما فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما وكان لقيس من الولد ثلاثة وثلاثون ابناً، وكان قيس موقوراً حليماً. وكان الأحنف بن قيس، واسمه: صخر بن قيس، وقيل: الضحاك بن قيس التميمي أحلم العرب جميعاً. وقيل للأحنف: ممن تعلمت الحلم؟ فقال: من عمي قيس بن عاصم، والله لقد كان ذات يوم يحدثنا بحديث، إذا أقبل جماعة معهم قتيل يحملونه وأسير موثق يقودونه،

стр. 116

فقالوا لقيس: هذا ابنك قتله ابن أخيك، فوالله ما حل حبوته ولا قطع حديثه حتى فرغ منه، ثم التفت إلى ابن أخيه فقال: يا بني، والله ما ضررت إلا نفسك، ولا قطعت إلا يدك، ولا قصصت إلا جناحك، ولا أهنت إلا عضدك. ثم قال لبنيه: حلوا الرباط عن أخيكم، واذهبوا جميعاً فواروا أخاكم، وادفعوا إلى أمه مائة من إبلي، فإنها امرأة فينا غريبة. قوله: وبيان شيخ إياد، وقصيد الضليل وزياد. يعني بشيخ إياد: قس بن ساعدة الأيادي، وهو حكيم العرب وفصيحها، وأول: من قال: أما بعد، وكان على دين المسيح، قبل مبعث النبي ﷺ يخطب الناس بعكاظ على جمل أحمر وله حديث. والضليل: كثير الضلال، كما يقال: رجل شريب: كثير الشراب. وعني بالضليل: امرؤ القيس بن حجر الملك الكندي، وسئل علي رضي عنه: من اشعر الناس؟ فقال: الملك الضليل. وذكر امرؤ القيس عند النبي ﵌، فقال: ذلك سيد الشعراء وحامل لوائهم يوم القيامة بيده يقودهم حتى يدهدى في النار. وحكى هذا الخبر الأعشى، فقال: ليت هذا القول قيل لي، وأنا المدهدي في النار. قال أبو عبيدة: مر لبيد بن ربيعة، بمجلس لنهد بالكوفة، وكان يتوكأ على عصا، فلما جاوزه أمروا فتى منهم أن يلحقه فيسأله: من أشعر الناس؟ ففعل. فقال له لبيد: الملك الضليل، يعني: امرء القيس، فرجع، فقالوا: ألا سألته: ثم من؟ فرجع فسأله، فقال: صاحب المحجن، يعني نفسه.

стр. 117

وأما زياد: فهو زياد بن عمرو، وهو النابغة الذبياني، وهو من فحول الشعراء. قوله: ووفاء رب الأبلق الفرد، في الترك المتروك عنده والسرد. الترك: جمع تركة: وهي البيضة، وبيضة الحديد. قال لبيد يصف درعاً: فخمة ذفراء ترني بالعرى ... قرد مانياً وتركا كالبصل وفخمة: أي ضخمة. وذفراء: منتنة الريح. وترني: أي تشدد. والقردماني: حصن كان له بتيماء. والسموءل بن عاديا وفي العرب، يضرب بوفائه المثل، وكان من خبره: أن امرأ القيس بن حجر الكندي لما سار إلى ملك الروم قيصر مستنصراً على بني أسد، حين قتلوا أباه، مر في طريقه بالسموءل بن عادياء، من السلاح والمتاع، فوجه إلى السموءل رجلاً من أهل بيته، يقال له: الحارث بن مالك في جيش عظيم. فلما دنوا من الحصن، حصن السموءل، أغلق باب الحصن وامتنع فيه. فقال له الحارث: أعطني سلاح امرئ القيس. فقال: لا سبيل إلى ذلك. وكان للسموءل ابن خارج الحصن يتصيد، فظفر به الحارث، فقال للسموءل: إختر: إما تسليم سلاح امرئ القيس، وإما قتل ابنك؟ فقال: لا أسلم وديعتي أبداً، فاصنع ما أنت صانع. فقتل ابنه، فضربت العرب المثل بوفاء السموءل، فقال كن كالسموءل إذ طاف الهمام به ... في جحفل كسواد الليل جرار

стр. 118

بالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصين وجار غير غدار إذا سامه خطتي خسف فقال له ... قل ما تشاء فأني سامع حار فقال: ثكل وغدر، أنت بينهما ... فاختر وما فيهما حظ لمختار فشك غير طويل ثم قال له ... اقتل أسيرك إني مانع جاري وقال آخر: فاعتبر بابن عادياً أخي الحصن بتيماء من سراة اليهود إذ أتاه الهمام فابتاع منه ... خفرة الجار بابنه المودود فابتنى بالوفاء مكرمة الدهر ولم يرض باللقا الزهيد قوله: ويجعلون الخاظئ من الهزلي، والشاكي من العزلي، ويحسبون أن السراب ما تروى به الظما، أين السراب، من السراب، من الشراب، والآل، من ضحضاح اللآل؟ كم غر خايله جهام، وسر خامله كهام، أذهل من سوائم الأنعام، إلا في كفاية العام، من الشراب والطعام، ومذاهب ضاقت فيها المذاهب، وتضاهى اللص والراهب، أطل منها الفهم، على وهم، وظفر القلب، بخلب، يسندون إلى الأحبار الأخبار، ويولون عن ألبابهم الأدبار، ويفندون العقول، بخبر منقول، وهنت منه القوى، وهن الأقوى، وضعف الأسناد، ضعيف السناد، بين طب، داع إلى عطب، يفيد جليسه، تدليسه، ويمنح إخوانه، زوانه، قد فتن بمين راقه، ضمنه أوراقه، يتعلق برواية، من الغواية، وعلة، من التعلة، وخلاف، عن الأسلاف، ويحتج بحائف، من الصحائف، وفاتر، من الدفاتر، يتلومنها سطوراً،

стр. 119

أصبح عمودها عن الرشد ماطوراً فهي حبالة المنمس، وصحيفة المتلمس. الخاظئ: السمين، قال امرؤ القيس: لها متنتان خطاتا كما ... أكب على ساعديه النمر أراد خظاتان، فحذف النون استخفافا، ويقال: أراد خظتا، فرد الألف التي كانت سقطت لاجتماع الساكنين في الواحد لما تحركت التاء. وقال آخر: خاظي البضع لحمه خظا بظا والهزلى: جمع مهزول. قال المرار: ترى فصلانه في الورد هزلي ... وتسمن في المقالي والحبال والشاكي: ذو الشوكة وهو الحد في سلاحه. ومنه قوله تعالى: (وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم) . وهو قلب الشائك. والعزلي: جمع أعزل وهو الذي لاسلاح معه. والسراب: الذي يكون نصف النهار لاطئاً بالأرض، ومنه قوله تعالى: (كسراب بقيعة) . والآل: الذي يرفع الشخوص بالغداة في هذا الموضع. والآل: آل الرجل، وهم أشياعه، وأتباعه وأهل ملته. ومنه قوله تعالى: (أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) . ومنه قول القائل في الصلاة وغيرها: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد. قال عبد المطلب ابن هاشم:

стр. 120

نحن آل الله في بلدته ... لم يزل ذاك على عهد ابرهم يريد: إبراهيم الخليل ﵇. ويقال: آل الأمير: رعيته إذا ساسها، ومنه قول عمر: قد ألنا وأيل علينا. وآل الرجل أيضاً: أهله، وهو من الأول. والضحضاح: الماء القريب القعر. وخايله: أي راجيه. والجهام: السحاب الذي لا ماء فيه. والكهام: السيف الذي لا يقطع، والرجل الكهام: الذي لا جداء عنده، هو من الأول. والذهول: الغفلة والنسيان. ومنه قوله تعالى: (يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت) . والسوائم: جمع سائمة، وهي التي ترعى، ومنه قوله تعالى: (فيه تسيمون) والمذاهب: الأولى: جمع مذهب، وهو الدين، والمذاهب الأخرى: جمع مذهب: وهو السيرة والقصد. والمضاهاة، والمقاناة، والمشابهة: بمعنى واحد، ومنه قول الله تعالى: (يضاهون قول الذين كفروا) . واللص: الخارب، والخارب: الذي يسرق البعران خاصة. والراهب: واحد الرهبان، وهم العباد. وأطل: أي أشرف. والقلب: الرجل المنقلب في الأمور من عمله بها، يقال: رجل حول قلب، أي متقلب متحول من الحيلة. يقال: تحول وتحيل، وبالواو أفصح. والخلب: البرق الكاذب.

стр. 121

والأسناد: النص والرواية. والأحبار: جمع حبر، وهو العالم - بكسر الحاء - مشتق من الحبر وهو المداد، لأنه يحفظ العلم، كما يحفظه المداد، وقد تفتح الحاء، والكسر أفصح، لأنه يجمع على أحبار. والتفنيد: التكذيب ومنه قوله تعالى: (لولا أن تفندون) والقوى: جمع قوة. والوهن: الضعف، منه قوله تعالى (وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت) والأقواء والسناد: من عيوب الشعر، وقد تقدم ذكر ذلك. والطب: العالم. والعطب: الهلاك. والتدليس: خلط الباطل بالحق. ومنه تدليس البائع السلعة على المشتري، إذا كتم عيبها. والزوان: الاخلاط الغثة في الطعام من الحنذره وغيرها. والمين: الكذب. ويقال: راقه الشيء: إذا أعجبه، يروقه، فهو له رائق. والتعلة: ما يتعلل به، مثل التحلة: ما يتحلل به. ومنه قوله تعالى (تحلة أيمانكم) . والأسلاف: الآباء والكبراء. والحائف: المائل. والفاتر: الضعيف، ومنه فتور العين. والمأطور: المعطوف. يقال: أطر العود يأطره أطراً: إذ عطفه، وفي

стр. 122

الحديث: (يأطروه على الحق أطراً) ، أي يعطفوه، وتأطر الرمح: تثنيه وانعطافه. قال الشاعر: ونتم أناس تشمصون عن القنا ... إذا صاد في أكنافكم وتأطرا الشمص: الطرد، قال الشاعر: وحث بعيرهم حاد شموص والمنمس: الذي يتخذ الناموس، والناموس: قترة الصائد. والمتلمس: لقب جرير بن عبد المسيح بن عبد الله الشاعر منم بني دوقن من ضبيعة بن ربيعة من نزار، ويسمى: المتلمس، لقوله: قهذا أوان العرض جن ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمس وكان المتلمس ينادم عمرو بن هند ملك الحيرة هو وطرفة بن العبد، الشاعر، من قيس بن ثعلبة بن عكابة، من بكر بن وائل، فهجوا عمراً، فمن هجائهما قول طرفة: إن شرار الملوك قد علموا ... طراً وأدناهم من الدنس عمرو وقابوس وابن أمهما ... من يأتهم للخنا بمحتبس يأتي الذي لا تخاف سبته ... عمرو وقابوس قينتا عرس يصبح عمرو على الأمور وقد ... خضخض ما للرجال كالفرس

стр. 123

فلما علم عمرو بهجائهما إياه: كتب لهما كتابين إلى عامله بالبحرين يأمره أن يقتلهما أقبح قتله، وقال لهما: قد كتبت بحائزتكما إليه، فانصرفا، حتى إذا صارا في النجف، قال المتلمس لطرفة: يا طرفة أنت حدث غر، وكلنا قد هجا الملك ولا آمن مكره بنا في كتابيه، فهل لك أن تقرأ كتابيه؟ فقال طرفة: همة الملك أرفع من هذا، ولو هم بذلك لكان على بابه أعظم لهيبته. وغدا المتلمس إلى غلام من أهل الحيرة ليقرئه الصحيفة. ومضى طرفة ولم يلو عليه. فلما قص الغلام الصحيفة إذا فيها: أما بعد، فإذا أتاك الملتمس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حياً. فقال الغلام: ثكلت المتلمس أمه، وهو لا يعرفه. فأخذ المتلمس الصحيفة وخرج لأن يحدث طرفة ويرده فلم يلحقه. فألقى المتلمس صحيفته في نهر الحيرة وقال: وألقيتها بالثني من جنب كافر ... كذلك أقنو كل قط مضلل رضيت لها لما رأيت مدادها ... يجول به التيار في كل جدول والثني: ما انثنى من الوادي والنهر، والكافر هاهنا: النهر العظيم، واقنو: أجزى، والقط: الصحيفة والصك، والبيت الأول مجزوم. وهرب المتلمس نحو الشام، وأتى طرفة إلى عامل البحرين، فقتله، فقال المتلمس: من مبلغ الشعراء عن أخويهم ... خبراً فتصدقهم بذاك الأنفس أودى الذي علق الصحيفة منهما ... ونجا حذار حياته المتلمس

стр. 124

ألقى صحيفته ونجت كوره ... عنس مداخلة الفقارة عرمس فضربت العرب المثل بصحيفة المتلمس. وقد ذكرها الفرزدق في شعره إلى مروان بن الحكم، وذلك أن الفرزدق مدح سعيد بن العاص بشعر يقول فيه: ترى الغر الجحاجح من قريش ... إذا ما الأمر بالحدثان عالاً قياماً ينظرون إلى سعيد ... كأنهم يرون به الهلالا فقال مروان: ألا جعلتهم جلوساً؟ فقال: لا والله إلا قياماً، وأنت من بينهم صافن، فحقد ذلك عليه مروان، وكتب له كتاباً مختوماً إلى بعض عماله يأمره فيه يجلد الفرزدق، فأبى الفرزدق أن يغدو إلى العامل، فكتب إليه مروان: قل للفرزدق والسفاهة كاسمها ... إن كنت تارك ما أمرتك فاجلس أي: الحق بنجد، يقال: جلس: إذا أتى نجداً، فرد عليه الفرزدق: يا مرو إن عطيتي محبوسة ... ترجو الحباء وربها لم ييأس

стр. 125

وأمرت لي بصحيفة مختومة ... يخشى علي بها حباء النقرس ألق الصحيفة يا فرزدق إنها ... نكراء مثل صحيفة المتلمس قوله وأب، أفرى وما رأب، يلقن وليده، تقليده، يلهم ابنه، افنه، فحفظ الآخر عن الأول، ما ليس عليه بمعول، وبعض على بعض زار، وهو مثقل من الأوزار، يرى ضده جاهلاً غبياً، ولو كان صديقاً أو نبياً، ويجعل مخالفه مخطياً، وعن اللحاق بالسوابق مبطياً، ويعد سكيته سابقاً مجلياً، لا لاحقاً مصلياً، ومجلى غيره فشكلاً، وجليه الواضح مشكلا، كل يداوي سقيماً من مقالته، فمن لنا بصحيح ما به سقم؟ غلبت على الفطن الأهواء، فكل جؤجؤ هواء، واستحسنت الأسواء، فالحسن وضده سواء، كل يؤسس على هار، ويصل الليل بلا نهار، قد صك بالعمى، صكة عمى، وشغف بالغي، شغف غيلان بمي، بذ الداء كل أس، وأعجز رد العضد من الآس، صمي لقد أغرب هاتف الحمام، وأتى لوي الكمد بإمام، أغتى من طرب، أم هتف لغير أرب، لعله فقد غلفاً، فرضع من مر الفراق خلفاً، فهو عروة الحمائم، ومرقشهن الهائم، أو فجع بهديل، موف على البديل، هلك بزعمهم في عصر نوح، وكل حمامة تؤبنه وتنوح، تأبين متمم لمالك، ومراثيه لأخيه الهالك، وعلم ربك ما في الصدور، وحم على الرضا والسخط كل مقدور. أفرى، يقال: أفرى الرجل الشيء: إذا أفسده، وفراه: إذا أصلحه. والرأب: الإصلاح، يقال: رأب الشيء يرأبه: إذا أصلحه. والأفن: قلة العقل، والأفن: إحصاء ما في الضرع من اللبن، قال المخبل التميمي، ثم أحد بني قريع، واسمه الربيع بن ربيعة:

стр. 126

إذا أفنت أروى عيالك أفنها ... وإن حينت أربى على الوطب حينها والغبي: ذو الغباوة، وهي قلة الفطنة، يقال: غبي عن الأمر يغبو غباوة، وقال أبو عبيد: غبيت الشيء أغباه، وغبي علي مثله. والصديق: كثير التصديق، مثل الشريب: كثير الشراب، وما شاكله، ومن ذلك سمي أبو بكر الصديق: لكثرة تصديقه للنبي ﵌، ومن ذلك قوله تعالى: والصديقين والشهداء والصالحين) . وأما النبي: ففيه وجهان، إذا همزته فهو من الأنباء، وهو الأخبار عن الله ، وإذا شددته ولم تهمزه، فهو من النبوة، والنباوة: وهو الارتفاع، والنبي: الطريق، النبى: المكان المرتفع، قال أوس بن حجر يرثي فضالة بن كلدة الأسدي: على السيد الصعب لو أنه ... يقوم على ذروة الصاقب لأصبح رتماً دقاق الحصى ... مكان النبي من الكاثب الكاثب هنا: اسم جبل فيه رمل، وحوله رواب يقال لها النبي، الواحد: ناب، مثل غار وغرى، يقول: لو قام فضالة على الصاقب، وهو جبل، يذلله لسهل له حتى يصير كالرمل الذي في الكاثب، ونصب مكان على الظرف، ويقوم: بمعنى يقام. والرتم: الكسر والدق. والسكيت والمجلي والمصلي: من خيل الحلبة، وقد تقدم ذكر ذلك، والفشكل: هو السكيت.

стр. 127

والجؤجؤ: الصدر، والهواء: الذي لا عقل له؛ قال زهير: كأن الرحل منها فوق صعل ... من الظلمان جؤجؤه هواء والتأسيس: البناء. والهار: المنهدم، وهو الهائر أيضاً، يقال هار البناء يهور، وتهور، وانهار: إذا انهدم، ومنه قوله تعالى: (فانهار به في نار جهنم) . وصكة عمي: نصف النهار، يقال إن رجلاً من العرب يقال له عمي أغار على قوم نصف النهار فأخذهم، فسمي ذلك الوقت صكة عمي. والشغف: أشد الحب، ومنه قوله تعالى (قد شغفها حباً) أي بلغ الحب شغفها، والشغاف: غلاف القلب. وأما غيلان: فهو غيلان بن عقبة، وهو ذو الرمة الشاعر. ومي: المرأة التي يشبب بها، وهي من ولد طلبة بن قيس بن عاصم المنقري.

стр. 128

وبذ الداء: أي غلب الداء. والآسي: المداوي، يقال: أسا يأسو، فهو آس، أي داوى، فهو مداو. والعضد: الشجر المقطوع، قال عبد مناف بن ربع الهذلي: فالطعن شغشغة والضرب هيقعة ... ضرب المعول تحت الديمة العضدا الشغشغة: حكاية صوت الطعن. والهيقعة: حكاية صوت الضرب بالسيف. والمعول: الذي يبني عالة، وهي شجرة يقطعه الراعي فيستظل به. وقال: تحت الديمة: لأنه أسمع لصوته إذا ابتل. والمعول: الذي يتخذ العالة. والعالة: شبه الظلة يستظل بها عن المطر. والآس: الرماد في هذا الموضع. والآس أيضا: الهدس. ويقال للداهية: صمي صماء، مثل جذام وقطام، مبنى على الكسر، أي: زيدي. ويقال: أغرب الرجل، إذا أتى بالغريب، وكذلك غيره. والكمد: الحزن. والطرب: خفة تصيب الإنسان من شدة الفرح أو شدة الغمر. والأرب: الحاجة في هذا الموضع، وكذلك الأربة والمأربة، بفتح الراء وضمها. والأرب أيضاً: العلم والعقل، قال أبو العيال الهذلي في عبد بن زهرة: يلف طوائف الفرسا ... ن وهو بلفهم أرب والإلف: الصاحب، وكذلك الأليف. قال الشاعر: وكل أليف فاقد لأليفه ... ومعترف بالبين حتى البهائم

стр. 129

والخلف والطبي: الضرع، وجمعه أخلاف وأطباء. وعروة ومرقش: رجلان من الشعراء. والهائم: المشتاق في هذا الموضع. والهائم: العطشان، والهيام: العطش، والهيم: الإبل التي أخذها الهيام، وهو داء. والهديل: الذكر من الحمام، ويسمى أيضاً: ساق حر. قال حميد بن ثور الهلالي: وما هاج هذا الشوق إلا حمامه ... دعت ساق حر ترحه وترنما وحم: أي قدر. وأحم: أي دنا. قال: حييا ذلك الغزال الأحما ... إن يكن الفراق أجما والعرب تزعم أن هديلاً كان في عصر نوح صاده خارج من جوارح الطير، فكل حمامة تبكي عليه من ذلك الوقت إلى آخر الدنيا. والموفى: الزائد في هذا الموضع، والموفى: المشرف. والبديل: البدل. والتأبين: مدح الميت. والتقريظ (بالظاء والضاد المعجمتين) : مدح الحي. وأما متمم: فهو متمم بن نويرة اليربوعي الشاعر، وله مرات كثيرة في أخيه مالك بن نويرة، منها قوله: وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا

стр. 130

قلما تفرقنا كأني ومالكاً ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا ومنها قوله: وقالوا: أتبكي كل قبر رأيته ... لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك فقلت لهم: إن الأسى يبعث الأسى ... دعوني فهذا كله قبر مالك الأسى الأول: جمع أسوة وهي التعزية، ومنه قوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) . والأسى الثاني: الحزن، وهو مصدر أسى يأسى: إذا حزن، ومنه قوله تعالى: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم) . وكان مالك بن نويرة ممن قتل في الردة، قتله خالد بن الوليد، وتزوج امرأته، وقتل من قومه مقتلة عظيمة، وبهذا السبب سخط عمر بن الخطاب على خالد بن الوليد. ودخل متمم بن نويرة على أبي بكر، وهو يصلي بالناس، وكان متمم رجلاً ذميماً أعور، فاتكأ على سية قوسه ثم قال يرثي أخاه مالكاً: نعم القتيل إذا الرياح تناوحت ... خلف الستور قتلت يا ابن الأزور فقال أبو بكر: زد، فبكى متمم وانحط على سية قوسه حتى دمعت عينه العوراء، ثم قال: لا يمسك العوراء تحت ثيابه ... حلو شمائله عفيف المئزر ولنعم حشو الدرع كنت وخاسراً ... ولنعم مأوى الطارق المتنور

стр. 131

فقام إليه عمر بن الخطاب، وقال: لوددت أني رثيت أخي بما رثيت به أخاك. فقال له متمم: رفه عنك أبا حفص، فلو صار أخي حيث صار أخوك ما رثيته. فقال عمر: ما عزاني أحد عن أخي يمثل تعزيتك. وكان زيد بن الخطاب استشهد يوم مسيلمة. قوله: إلا أنه سلم من كفر واسلام، وتحصن عن الملام بأحصن لام، وتحلى بأطواق، لم تبع في الأسواق، واستشار جذلاً بمذل، ناء عن العذل، وترنم بأوزان، مسلية عن الأحزان، لا يضفر من العروض إلى ميزان، وصدح بقريض، عزب عن الغريض، ورجع بألحان حسان، كررها بإحسان، وعري من خطل الإنسان. اللام: جمع لأمة، وهي الدرع الحصينة، مهموز، ويجوز تخفيفه والجذل: الفرح. والمذل: اذاعة السر. والعذل: وهو اللوم. والترنم: الصوت. والأوزان: جمع وزن، وهو استواء حروف أبيات الشعر بغير زيادة ولا نقصان. والقريض: الشعر، يقال منه: قرض يقرض: إذا قال الشعر، وقرضه يقرضه: إذا حاذاه، ومنه قوله تعالى: (وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال) ، قال ذو الرمة: إلى ظعن يقرضن أجواز مشرف ... شمالاً وعن أيمانهن الفوارس المشرف والفوارس: موضعان، يقول: نظرت إلى ظعن يجزن بين هذين الموضعين، مشرف: اسم رمل. ويقال: صدح الطائر: إذا صوت. وعزب: أي غاب، ومنه قوله تعالى: (لا يعزب عنه مثقال ذرة) .

стр. 132

والغريض ومعبد: رجلان كانا يحسنان الغناء. والترجيع: ترديد الصوت في الحلق. والألحان: جمع لحن، وهو الصوت في هذا الموضع. والألحان: المعاني، واحدهن: لحن، ومنه قوله تعالى (ولتعرفنهم في لحن القول) أي في معناه، واللحن بالتحريك: الفطنة، ومنه قوله ﷺ : (لعل أحدكم ألحن بحجته من بعض) : أي أفطن، قال مالك بن أسماء بن خارجة الفزاري: وحديث ألذه هو مما ... ينعت الناعتون يوزن وزنا منطق رائع ويلحن أحيا ... ناً وخير الحديث ما كان لحنا يريد: إنها تتكلم بشيء وهي تريد غيره، وتعرض في حديثها فتزيله عن جهته من فطنتها وذكائها، كما قال الله : (ولتعرفنهم في لحن القول) ، أي فحواه ومعناه. واللحن: الخطأ في الكلام، وهو إزلة الإعراب عن معناه. والخطل: المنطق الفاسد، والفحش، ومنه سمى الأخطل الشاعر. قوله: ما فعلت قدما العرب في عبادة الأوثان، وليس مع الله في الإلهية شريك ثان، وما سنت جهالهم في الجاهلية، على قبر الميت من صبر البلية، وارتباط الفرس أو المطية، وعد ترك ذلك من الخطية، كيلا يصبح ذلك الميت بين الركبان ماشياً، إذا هب إلى الجمع يوم يبعث الناس عاشياً. الأوثان: جمع وثن، وهي حجارة كانت تعبد من دون الله، وكانوا يتقربون

стр. 133

بعبادتها إلى الله ، وقد ذكر الله ذلك في كتابه ، حيث يقول: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) . وأول من دعا العرب إلى عبادة الأوثان، وغير دين إسماعيل: خزاعة، واسمه عمرو بن لحلي، واسم لحي ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر الأزدي، وهو أول من بحر البحيرة، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي، وقد ذكر الله ذلك في كتابه بقوله: (ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام) . وكان لبني حنيفه في الجاهلية صنم من حيس فعبدوه دهراً طويلات، ثم أصابتهم مجاعة فأكلوه، فعيرتهم العرب بذلكن قال الشاعر: أكلت حنيفة ربها ... زمن التقحم والمجاعه لم يحذروا من ربهم ... سوء العواقب والتباعه أحنيف هلا إذ جهلت م ... صنعت ما صنعت خزاعه نصبوه من حجر أصم م ... وكلفوا العرب اتباعه وقال رجل من بني تميم: أكلت ربها حنيفة من جوع ... قديماً بها ومن أعواز واطلع رجل من العرب يوماً على صنم لهم فرأى عليه ثعلباً يبول، فقال: أربٌّ يبول الثعلبان برأسه ... لقد ذل من بالت عليه الثعالب وصبر البلية: حبسها، ومنه قوله تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي) .

стр. 134

والمصبورة - التي نهى عنها في الحديث - هي المحبوسة على الموت، ومنه قولهم: قتل صبراً، إذا حبس على القتل حتى يقتل. والبلية: الفرس أو الناقة تحبس عند قبر صاحبها ولا تعلف ولا تسقى حتى تموت، وهي من سنن الجاهلية على موتاهم، ليركبها صاحبها يوم البعث، وكانوا يرون ذلك ديناً. قال جريبة ابن أشيم الفقعسبي يوصي ابنه: يا سعد إما أهلكن فأنني ... أوصيك إن أخا الوصاة الأقرب لا تتركن أباك يعثر خلفهم ... تعباً يخر على اليدين وينكب ولقل لي مما جعلت مطية ... في الهام أركبها إذا ما ركبوا ويقال: هب النائم، إذا استيقظ من نومه هباً؛ وهبت الريح هبوباً، وهب التيس: إذا هاج وصاح، هبيباً، وهبت الناقة في سيرها: إذا تساقطت فيه وتهافتت هباباً، قال لبيد: فلها هباب في الزمام كأنها ... صهباء راح مع الجنوب جمامها ويقال: عشوت إليه: أي استدللت إليه ببصر ضعيف، قال الحطيئة: متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد ويقال أيضاً: عشوت إليه: أي قصدته، وعشوت عنه: أي صددت عنه، ومنه قوله تعالى (ومن يعش عن ذكر الرحمن) .

стр. 135

وكان لقوم من العرب أيضاً في الجاهلية أديان غير عباده الأوثان. فكانت اليهودية في حمير، وبني كنانة، وبلحرث بن كعب، وكندة. وكانت النصرانية في ربيعة وغسان، وبعض قضاعة. وكانت المجوسية في تميم، منهم زرارة بن عدس التميمي، وابنه حاجب بن زرارة، وكان تزوج بنته، ومنهم الأقرع بن حابس، وكان مجوسياً، والأسود جد وكيع بن حسان، كان مجوسياً. وكانت الزندقة في قريش، أخذوها من الحيرة. المذاهب وسنذكر في هذا الموضع جملة من عيون المذاهب، مختصرة تكون سبباً لنظر الناظر وتذكرة، ونقتصر منها على المذاهب المشهورة، والمقالات المأثورة، ونسند كل مذهب منها إلى أول من ابتدعه، وسنه لمن بعده وشرعه. ونقتصر على أئمة الأديان وأربابها، ومصنفي الكتب وأصحابها، ولا نتعدى الأصول إلى الفروع، ولا نذكر التابع اكتفاء بذكر المتبوع، ونبين اختلاف المختلفين من الأنام، في معرفة المعبود والإمام، فما اختلافهم في سوى هذين الوجهين، فاختصرناه خوفاً أن يطول به الكتاب، لو ذكرناه، والله الموفق للصواب، والمسدد لما يرضيه من العمل في جميع الأسباب. اعلم أن الناس اختلفوا في معرفة الصانع، فقال بعضهم: العلم محدث، لما فيه من دلائل الحديث، من التأليف والتصوير، والحركة والسكون، وذلك دليل على أن له صانعاً قديماً بخلافه.

стр. 136

وقال بعضهم: هو قديم، لأنههم لم يشاهدوا شيئاً إلا من شيء، كالإنسان لا يكون إلا من نطفة، والطائر لا يكون إلا من بيضة، وإنما يقع نمو ذلك باعتدال الحر والبرد، والرطوبة واليبس، ويقع فسادها بإفراط أحدها فيه. ثم اختلف من قال بقدم العالم. فقالت الهولانية - أرسطاليس، ومن قال بقوله هيولى -: له قدم، وتفسير الهيولى: أصل الأشياء، مثل القطن للثوب، هو هيولى له، والهيولي هو المدبر للعالم، وهو أصل له لم يزل، وقوة معه، فالعالم لن ينفك من عرض وجوهر، فالجوهر هو القابل للأعراض؛ والهيولى حرك القوة، فحرك البرد، ثم حركها فحدث الحر، فقبلهما الجوهر؛ والجوهر قديم معه؛ واعتلوا في ذلك: أنهم يرون الإنسان ضعيفاً؛ ثم يرونه قوياً، والذات قائمة بعينها، فعلموا أن القوة لمعنى الحدث، والضعف لمعنى الحدث؛ ودليلهم على الجوهر أنه قابل للأعراض: أن البشرة يحدث فيها الألوان، وهي قائمة بعينها، وذلك دليل على أن العين غير الألوان، والطعوم؛ ودليلهم على الفعل: أنك ترى الإنسان قد يحدث الفعل بعد إذ كان غير فاعل له، والفعل عرض، كذلك يجوز أن يحدث الهيولي أعراضاً هو غيرها، ولا يقال: كيف حدث هذا الفعل؟ كما لا يقال: كيف حدثت هذه الحركة من الإنسان؟ وقالت الأطباء - جالينوس، ومن قال بقوله -: أربع طبائع لم يزل العالم منها: الحر والبرد والرطوبة واليبس، قياساً على تأثيرها في المشاهد.

стр. 137

وقالت الفلاسفة: أربع طبائع لم تزل، وخامس معها بخلافها، والدليل على ذلك: أنهم لما رأوا الشيء لن ينقلب عن حاله التي كان عليها، مثل النار لن تنقلب رطوبة أبداً ولا برداً؛ وكذلك هذه الأربع الطبائع لما كانت غير محتازة للفعل، فلما احتاجت؛ فهي بحالها الأولى لن تنتقل عن طباعها؛ فلما رأوا الاحتياز والتمثيل، علموا أن ذلك المحتاز المثل هو الخامس. وقالت الجوهرية: جوهرة قديمة واحدية الذات، وإنما اختلفت على قدر التقاء أجزاء الجوهرة وحركاتها، فإذا كان جزءان كان ذلك حراً، فإذا كان ثلاثة صار برداً، فإذا كان ذلك أربعة صار رطوبة، وعلى هذا المثال، واثبتوا الحركات، وزعموا أن حركة قبل حركة إلى ما لا نهاية. وقال أصحاب الجثة: إن العالم كله لم يزل بصورة تفلقت هذه الجثة عنها؛ فكان الخلق كاملاً فظهر، وأنكروا أن يكون كانت غير صورة، فيحتاج إلى مصور. وقال هرموس: أربع طبائع وخامس لم تزل - مثل مقالة الفلاسفة - وأثبت العالم ساكناً لم يحرك، والسكون عنده ليس بمعنى والحركة معنى؛ ودليله على ذلك: أنه لما وجد الفعل هو الحركة، وهو زوال عن المكان، فوجده لا يبقى زمنين، ووجده ليس بمحبوس ولا مدرك، وهو فعل، كان محالاً أن يكون السكون فعلاً، لأن السكون لبث في المكان، ولو كان فعلاً، كان يكون زوالاً، كما أن الفعل الزوال. وقال بلعم بن باعور: إن العالم قديم، وإن له مدبراً بخلافه من جميع المعاني، وأثبت الحركات، فقال: إن الحركة الأولى هي الحركة الثانية معادية، وإن الجسم

стр. 138

يبقى الأزمنة، والحركة لا تبقى، فمحال أن يكون الحديث كالقديم، وإن النفس معنى سادس غير الحواس الخمس. وقال بعض اليوناينة: أربع طبائع لم تزل، وخامس بخلافها، وفضاء، والفضاء عندهم ليس بجسم، وأنه مكان الأشياء، وأنه ليس بمعنى، وقالوا: بل حركات، على مثل مقالة أصحاب الجوهرة. وقال بعض اليونانية الآخرون - وهم أصحاب الأسبطون -: بمثل مقالة بلعم بن باعور، إلا أنهم زعموا أن العالم لم يزل متحركاً بحركت لا نهاية لها، وادعوا ذلك من قبل أنهم أنكروا حدث شيء في العالم، وأنكروا أن تكون الحركة لها أول وآخر، لأنها لو كان لها أول وآخر، ثبت حدث العالم، لأنه غير منفك منها. وقالت السمينة من الهند: العالم قديم كله، إلا أنهم لا يدرون أكان الإنسان قبل النطفة، أو كانت النطفة قبل الإنسان؟ لأنهم لم يروا إنساناً إلا من نطفة، ولا نطفة إلا من إنسان، ولا يدرون أيهما قبل صاحبه إلا ن لهما أولاً، وأن أحدهما مولد عن الآخر؛ وقالوا: لا موجود إلا ما وقعت عليه الحواس، وأنكروا الأعراض. وقالت السوفسطانية: لا حقيقة للأشياء، وإنما هي خيالات، وليس لها صفات، ولا حالات متغايرات، ولا يقال: موجودة ولا معدومة، قياساً على ما يرى، ولا حقيقة له. وقالت الشكاك: بإثبات الحواس، وزعم أنه محال أن يكون شيء إلا من شيء، مثل السنبلة، محال أن تكون إلا من الحبة والهواء والأرض والماء، واستحال أن يصور الشيء عندهم نفس، فقالوا: لا ندري، أقديمة أم محدثة؟ اختلاف الثنوية وقالت المانية - أصحاب ماني، وهو سرياني -: الأصل

стр. 139

شيئان قديمان، وهما جسمان محدودان، نور وظلام خلافان، سميعان بصيران، عالمان، كل واحد منهما في نفس اسم لخمسة معان: اللون والطعم والرائحة والمحسة والصوت، وإنهما كانا غير ممتزجين، ثم امتزجا فحدثت الصور لامتزاجها، فالنور فاعل الخير، والظلام فاعل الشر، والدليل على ذلك: أنهم وجدوا الذات الواحدة لا يكون فيها فعلان متضادان، مثل النار لا يكون فيها التبريد، والثلج لا تكون منه الحرارة والشيخين كذلك فاعل الخير غير فاعل الشر، وفاعل الشر غير فاعل الخير، وأنهما كانا قبل الامتزاج متماسين على مثل الظل والشمس؛ وليس في مذهبهم ذبيحة ولا نكاح. وقالت الديصانية: شيئان قديمان خلاقان، أحدهما حي، والآخر موات، فالحي هو النور الحساس الدارك، وهو يؤثر ما كان في العالم من جنسه، من الخير والحياة، والموات هو الظلام، الذي لا ينتقل إلا بالنور، وهو يؤثر ما كان في

стр. 140

العالم من جنسه من الموت والشر، وكل واحد منهما معنى في نفس، ولون كل هو طعمه، وهو رائحته، وهو صوته، وهو شيء واحد، ودليلهم على قدمهما استحالة حدث شيء إلا من شيء قبله، ودليلهم على حياة النور: تنقل الشمس وحركتها، والظلام قائم بحاله. وقالت المرقيونية - أصحاب يعقوب بن مرقيون - ثلاثة أشياء قديمة: شيئان نور وظلام، فالنور فاعل الخير، والظلام فاعل الشر، وثالت معدل بينهما ليس من جنسهما، وهما مصطلحان على فعله. وهم يرون النكاح وأكل اللحم، ويكرهون الذبيحة لما فيها من الألم. وقالت الماهانية - أصحاب ماهان وهو فارسي الأصل -: بمثل مقالة المرقيونية، إلا أنهم وافقوا المانية في كراهية النكاح والذبائح. وقال الصابؤن: شيئان قديمان: نور وظلام، فالنور عالم، والظلام جاهل، لأن النور يدخل على الظلام، ولا يدخل الظلام عليه، وذبحوا ونكحوا، وصاحبهم قابيل، وهو سرياني الأصل، وقيل إن الصابئين قوم يعبدون الملائكة، وقيل: إن الصابئين قوم يخرجون من دين إلى دين. وقالت الصامونية: بمثل ما قاله الصابئين في النور والظلام، إلا أنهم خالفوا الصابئين في الذبائح والنكاح، وصاحبهم صامون، وهو سرياني الأصل. وقالت الكنانية: الأصل ثلاثة: الماء والأرض والنار، ثم امتزجت هذه

стр. 141

الثلاثة، فصار منها مدبران: خير وشر، وهم يرون النكاح، وصاحبهم كينان وهو سرياني الأصل. وقال الحرانيون - وهم عبدة النجوم -: مقالة ألمانية، إلا أنهم زعموا: أن المدبرات للعالم: السبعة الأفلاك، والبروج الأثنا عشر. وقال المزادكة - أصحاب مزدك الفارسي -: بمثل مقالة ألمانية، إلا أنها نكحت وسفكت الدماء، وكان مزدك في وقت قباد بن فيروز بن يزدجرد الملك الفارسي، فخرج مزدك، ومن قال بقوله، على قباذ، فقالوا: إن الله جعل الأرض لعباده بالسوية، فتظالم الناس، واستأثر بعضهم على بعض، ونحن قاسمون بين الناس، ورادون على الفقراء حقوقهم في أموال الأغنياء. وقالت المجوس وهم ثلاثة أصناف: الجرمدينية والهرابذة والموابذة. فقالت الجرمدينية: أصل العالم النور، إلا أنه مسخ بعضه بعضاً لما غضب، فاستحال الممسوخ ظلمة، فالخير من النور، والشر من الظلمة، والأصل واحد، وهو النور، وذبحت ونكحت. وقالت الهرابذة: الصانع واحد قديم، وهو نور، وليس كمثله في النور والعظمة والقدرة والعلم، والطول والعرض، شيء، وإنه هم همة فتولد منها الظلام،

стр. 142

فهو إبليس، فمنه جميع الشرور، وذبحت ولم تنكح، وصاحبهم زرادشت، وهو فارس الأصل. وقالت الموابذة - وهم قضاة المجوس وأصحاب خزائن كتبهم وعلومهم -: بقدم النور والظلام، وإنهما سميعان بصيران، إلا أن بينهما جواً، وهو مكان لهما فيه جولانهما، ورأوا النكاح على طريق التزويج، ورأوا الذبح للبهائم، وقالوا بنبوة زرادشت. وقالت الدهرية: بقدم العالم، وقدم الدهر، وتدبيره للعالم، وتأثيره فيه، وأنه ما أبلى الدهر من شيء أحدث شيئاً آخر؛ وقد حكى الله عنهم ذلك في كتابه بقوله : (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر) . فإنما يعني به، الذي يقضي عليكم بما تنسبونه إلى الدهر، وللعرب أشعار كثيرة في ذم الدهر، منها قول الشاعر: الدهر أبلاني وما أبليته ... والدهر غيرني وما يتغير والدهر قيدني بقيد مبرم ... فمشيت فيه وكل يوم يقصر وقال صنف من البراهمة، وهم ثلاثة أصناف: العالم قديم، وله مدبر قديم، منيب معاقب، يفرح ويحزن، ويرضى ويغضب، وإنه ليس من جنس العالم، وليس على الخلق طاعة غير المعرفة. فهذه أقوال من يثبت أول العالم وقدمه من الملحدين، وهم ستة وعشرون صنفاً اختلاف من قال بحدوث العالم.

стр. 143

وقال صنف من البراهمة: العالم محدث - على مقالة المسلمين - إلا أنهم قالوا: إن الصانع حكيم، وليس من صفة الحكيم أن يبعث الرسل إلى المعلوم منه خلاف القبول، لأنه متى فعل ذلك كان عابثاً منقوصاً جاهلاً، والله يتعالى عن ذلك، وقالوا بالتوحيد، وأبطلوا الرسل والكتب، وقالوا: ليس بين الله وبين خلقه واسطة غير العقل، وإنما هو شيء رآه العقلاء، فمن أراد أن يجعل نفسه نبياً، فليفعل، وقالوا: لا يجب على الخلق إلا معرفة الله وترك المظالم. وقال صنف آخر من البراهمة: العالم محدث، وله محدث، إلا من مدبرات العالم: السبعة الأفلاك، والبروج الاثنا عشر، وإمامهم برهم، وهو هندي الأصل. وقالت اليهود: العالم محدث وله محدث، ثم اختلفوا على أربعة أصناف: الجالوتية، والعنانية، والأصفهانية، والسامرية. فقالت: الجالوتية - أصحاب رأس الجالوت -: بالتشبيه، وذلك أنهم ادعوا أن معبودهم أبيض الرأس واللحية، واحتجوا بأنهم وجدوا في سفر دانيال

стр. 144

أو سفر شعيا رأيت قديم الأيام قاعداً على كرسي من نور وحوله الأملاك، فرأيته أبيض اللحية والرأس، والجالوتية يقولون: إن الله تعالى ملك الأرض يوسف بن يعقوب ونحن وارثوه والناس مماليك لنا. وقالت العنانية - أصحاب عنان -: بالتوحيد ونفي التشبيه، كما قالت المعتزلة من المسلمين. وقالت الأصفهانية: بالتشبيه، مثل الجالوتية، إلا أنها زعمت أن عزيراً ابن الله على جهة التبني، كما اتخذ الله إبراهيم خليلاً. وقالت السامرية: مثل مقالة العنانية، إلا أنها زعمت أنه لم ينبأ من الأنبياء إلا موسى ويوشع بن نون. وقالت النصارى: بحدث العالم وأن له محدثاً، ثم افترقوا أربع فرق: اليعقوبية، والنسطورية، والفولية، والملكانية. فقالت اليعقوبية: إن الله لم يكن بجسم فتجسم، ولم يكن في مكان فصار في مكان متجسداً متناسياً، بعد أن كان غير متجسد ولا متناس، وهو المسيح، ودليلهم

стр. 145

في ذلك أنهم قالوا: لما كان قادراً على الزيادة في حدثه، كان قادراً على الزيادة في ذاته، ولو لم يقدر على الزيادة في ذاته لكان عاجزاً، وهو القادر على ما يشاء. وقالت النسطورية: إن الله تعالى ثلاثة أقانيم، وهو أقنوم واحد، الأب والابن وروح القدس، كقولك الله الرحمن الرحيم، والمعنى واحد، كالشمس لها حر وضوء وذات، وهي شيء واحد، وأنه لم يزل لاهوتاً قائماً في مكان، ثم اتخذ ناسوتا، وهو المسيح، فصار له مكان لإظهار الصنع والتدبير، ومعنى اللاهوت: الإله، والناسوت الذي انتقل إليه، هو الإنسان. وقالت المالكانية: إن الله أقنوم واحد، إلا أنه اسم لثلاثة معان: الأب والابن والجوهر، والجوهر عندهم روح القدس، ومعناهم في قولهم: أب وابن وجوهر، أي بدن وروح وكلام، وإن له علماً هو غيره، وإنه لم يزل قديماً معه. وقالت الفولية: قولك الله، اسم لمعنى واحد، والعلم غيره، وهو قديم معه، وزعمت أن المسيح ابن الله على جهة التبني والمحبة، كما اتخذ الله موسى نجياً، وإبراهيم خليلاً. وقال أصحاب التناسخ منه بزرجمهر بن بختكان الفارسي ومن قال بقوله: بإثبات الصانع ونفى التشبيه، ودوام الدنيا على الأبد. قالوا: لأن الصانع الحكيم لا يوصف بالبداوات، ولا يهدم بنيان الحكمة. قالوا: ولا يفعل ذلك إلا عابث. وقالوا بدوام التعبد، وهو معرفة الله تعالى، وترك المظالم، وبدوام الثواب والعقاب، فالثواب انتقال أرواح المحسنين إلى الأبدان الأنسية، والعقاب انتقال أرواح المسيئين إلى أبدان البهائم والسباع والهوام، وبقولهم قال خالد الهمذاني. وقالت الفضائية: يحدث العالم، وأن له محدثاً، وهو الفضاء، ثم افترقوا بفرقتين:
следующие страницы →