Полный текст (317 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
قوله: وتارة تجعله من مصادر اللفيف.
فإن اللفيف من الأفعال ما كان معتل العين واللام، مثل: طوى، وشوى، وكوى، وما شكله. تقول في مصادره: طويت الكتاب طياً، وشويت اللحم شياً، وكويت الجرح كياً. وكان أصله: طَوْياً، وشَوْياَ، وكَوْياً. إلا أن الواو والياء إذا اجْتَمَعَتَا وسكنت الأولى منهما قلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء، ومثل ذلك قولهم: سيد، وميت، وهين، وجيد، وحيز، للمكان؛ أصل ذلك كله: سَيْوِد، ومَيْوِت، وهَيْوِن، وجَيْوِد، وحَيْوِز. فانقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء. يدل على ذلك أنها فيعل، من السؤدد، والموت، والهَوان، والجود، والحوز.
فصل
في مثل ذلك من التصريف
إذا انكسر ما قبل الواو وكانت الواو لاماً قلبت ياء، مثل قولهم: غازية، وغادية، وما شاكله. والأصل: غازوة، وغادوة. فإن كانت الواو عيناً قويت بتوسطها ولم تقلب، مثل قولهم: حِوَل، وعِوَض، وطِوَل. قال القطامي التغلبي:
إنا محيوكَ فاسلم أيها الطلل ... وإن بليت وإن طالت بك الطول
وإذا كانت الواو عيناً في فَعْل وجمعته على فعال، قلبت الواو ياء، كقولك: حوض وحِياض، وثوب وثياب، وسَوْط وسِياط. فإن كانت عيناً في فعِيل لم تقلب، كقولك: طويل وطِوّال، وقويم وقِوَام؛ وذلك للفرق بين الجمعين
стр. 72
لئلا يلتبس أحدهما بالآخر. وقد قلبت في جمع فَعِيل، وهو شاذ. قال الطائي:
تَبيّن لي أن القماءة ذِلّةٌ ... وأن أعزاء الرجال طِيالها
وإذا اعتَلَتْ عين الفعلِ بالواو والياء، وانقلبت ألفاً في الماضي، انْقَلبت الواو والياء هَمزتين بعد ألف الفاعل، نحو قامَ فهو قائم، وسار فهو سائر، وهاب فهو هائب. فإن صحنا في الماضي في اسم الفاعل نحو: عار فهو عاور، وحول فهو حاول، وصيد فهو صايد، غير مهموز.
وإذا اجتمع في أول الكلمة واوان قلبت الأولى منهما همزة، وذلك في جمع واصل وتصغيره، فتقول في جمعه: أواصِل، وفي تصغيره. أوَيْصِل. والأصل: وَواصل، ووُيصل. وذلك لكراهية اجتماع وَاوَيْن في أول الكلمة وثقل النطق بهما. فأما قوله تعالى: (ما وُورِي عنهما) فإنما ذلك على أن الواو الثانية مدت لأنها بدل من ألف واريت. قال الشاعر في الهمزة:
ضرَبتْ صدرها إلي وقالت ... يا عَديّاً لقد وقتك الأواقي
والأصل الواو في جمع وَاقية، كعافية وعواف.
هذا رأي أبي عمرو في نصب الاسم العلم المنادى الذي جاز ثبوته في ضرورة الشعر، واعتل في ذلك برده إلى أصله، والخليل ينونه ويرفعه على لفظه. ومثل ذلك قول الفرزدق:
سلام الله يا مطراً عليها ... وليس عليك يا مطر السلام
فإن يكن النكاح أحل شيءٍ ... فإن نكاحها مطراً حرام
стр. 73
والخليل يرويه يا مطر بالرفع، ويا عدي.
فإن توسطت الواوان صحنا، كقولك في النسب إلى نوى وهَوى: نَوَوِيّ وهَووِيّ.
وإذا جمعت فاعلاً من معتل العين على فُعَّل فبناء ذوات الياء على الياء، كقول أبي النجم:
نباتُه بين التلاع السيل
وكقول الهذلي:
وإذا هم نزلوا فمأوى العيل
وبناء ذوات الواو على الواو، كقولك: صوم وقوم. ويجوز البدل بالياء لثقل الجمع، فنقول: في صوم: صيم، وفي قوم: قيم. قال الراجز:
لولا الإله ما سكنا خضما ... ولا ظللنا بالمشائي قيما
وقال ذوا الرمة
ألا طرقتنا مية بنة منذرٍ ... فما أرق النيام إلا سلامها
هكذا أنشده ابن الأعرابي بالياء.
стр. 74
وإذا كان لام الاسم واواً مثل: دَلوْ وحقَو، وجمعته على أفعل أبدلت كسرة الواو ياء، كقولك: أدل وأحْق، والأصل: أدلوٌ وأحقوٌ. فإن جمعه على فُعول قلت: دلِيٌّ وحُقيٌّ. وكذلك في جمع عَصا عصّيّ، لأن أصل ألِفها الواو. والأصل: دلو، وعصوّ، وحقوّ. وربما جاء بعض ذلك على أصله، قال الشاعر:
أليس من البلاء وجيب قلبي ... وإبضاعي الهموم مع النجو
فأحزن أن تكون على صديق ... وأفرح أن تكون على عدو
النجو: السحاب، ها هنا، جمع نجو.
وحكى أبو حاتم عن أبي زيد في الصدر: بهوٌ وبُهوٌّ، وبُهى. وحكى ابن الأعرابي: أبٌ وأبو، وأخ وأخو. وأنشد للقاني يمدح الكسائي:
أبي الذم أخلاق الكسائي وانتمى ... إلى المجد أخلاق الأبو السوابق
فإن جمعته على فعال قلبت الواو همزة، كقول حسان:
لساني صارمٌ لا عيب فيه ... وبحري لا تكدره الدلاء
قوله يحل منه قوة بعد قوة، وتحطه من ربوة إلى هوة؛ وزمانٌ كأبي
стр. 75
قابوس، في النعيم والبوس؛ يُسيئ بذوي الإحسان، ويشكر ثم يشكي بلسان؛ يثيب المحسن بعقوبةٍ وكيد، كما صنع بعبيدٍ وعدي بن زيد.
الربوة: المكان المرتفع، وقد تقدم ذكرها، وجمعها ربى. والهوة: المكان المنخفض، وجمعها هوى.
أبو قابوس، كنية النعمان بن المنذر بن المنذر بن امرئ القيس بن عمرو ابن عدي بن نصر، الملك اللخمي، صاحب الغريين والطربالين. والطربالان: صومعتان، كان يغريهما بدم من يقتله إذا ركب بوم بُوُّسِه. وكان له يومان يومٌ يسميه يوم نَعيم، إذا ركب فيه ولقيه من يستحق العقوبة حياه وأكرمه وأبلغه مناه. ويوم يسميه يوم بؤس، إذا ركب فيه ولقيه من أوليائه من يستحق الحباء والإحسان قتله ومثل به. فلقيه عبيد بن الأبرص الشاعر، من بني أسد، في يوم بؤسه، وكان له ولياً، فقال له النعمان: ما جاء بك في هذا اليوم؟ وددت لو أنك لقيتنا في غيره. فقال عبيد: أتتك بحائن رجلاه. فأرسلها مثلاً. فقال له النعمان: أنشدنا شعرك الذي تقول فيه:
أقفز من أهله ملحوب
فقال عبيد:
أقفر من أهله عبيد ... فاليوم لا نبدي ولا نعيد
فقال له النعمان، تمن ما شئت غير نفسك، فلا بد من القتل. فقال: لا أجد شيئاً أعز علي من نفسي فأتمناه. فقتله في ذلك اليوم.
الكيد: المكر والعداوة، ومنه قوله تعالى: (إنهم يكيدون كيدا) . وأما عدي بن زيد بن حماد بن زيد بن أيوب بن محروف العبادي الشاعر، فهو من تميم بن مر. وكان من خبره أنه كان كاتب كسرى أبرويز بن
стр. 76
هر من بن كسرى أنو شروان بن قباذ بن فيروز بن يزد جرد، الملك الفارسي، يترجم له بالفارسية ما يرد من كتب العرب. وكان النعمان بن المنذر نشأ في حجر آل عدي بن زيد، فطلب كسرى رجلاً يستعمله على العرب، فاحتال عدي بن زيد في توليته النعمان، وكان له فيه هوى لتربيتهم إياه، وكان للنعمان عدة إخوة. فقال عدي لكل واحد من إخوة النعمان: إذا قال لك الملك: أتكفيني العرب كلها؟ فقل: نعم، أكفيك العرب كلها ما خلا بني أبي. فأدخلهم واحداً واحداً على كسرى، وهو يسألهم، ويجيبونه بما قال لهم عدي بن زيد. ثم أدخل النعمان على كسرى بعد إخوته، وكان أزراهم منظراً. وقال له: إذا قال لك الملك: أتكفيني العرب كلها؟ فقل: نعم أكفيك العرب كلها. فإذا قال: وتكفيني بني أبيك؟ فقل: إذا لم أكفك بني أبي فكيف أكفيك العرب كلها. فسأله كسرى. فقال له كما قال له عدي. فولاه على جميع العرب بسبب عدي ولطف احتياله. وكان عدي بن مرينا مع بعض إخوة النعمان، وكان ببغض عدياً ويحسده. فجعل عدي بن مرينا يقع في عدي بن زيد عند النعمان ويحمله عليه ويقول للنعمان: إنه يحقرك ولا يعرف قدرك، ولا آمن أن يشي بك إلى كسرى. فغضب النعمان من ذلك وبعث إلى عدي بن زيد يستزيره. فأتاه عدي. فأمر النعمان بحبسه والتضيق عليه. فقال في السجن أشعاراً كثيرة يستعطف النعمان فيها، منها قوله:
أبلغ النعمان عني مألكاً ... أنه قد طال حبسي وانتظاري
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري
قاعداً يكرب نفسي بثها ... وحراماً كان حبسي واحتقاري
стр. 77
وعداتي شيمتت أعجبهم ... أنني غيبت عنهم في إساري
لامرئ لم يبل مني سقطةً ... إن أصابته ملمات العثار
وقال:
ألا من مبلغ النعمان عني ... وقد تهدى النصيحة بالمغيب
أحظى كان سلسلة وقيداً ... وغلاً والبيان لدى الطبيب
أتاك بأنني قد طال حبسي ... فلم تسأم لمسجون غريب
وبيتي مقفر الأرجاء فيه ... أرامل قد هلكن من النحيب
يبادرن الدموع على عدي ... كشن خانه خرز الربيب
يحاذرن الوشاة على عدي ... وما قرفوا عليه من الذنوب
فقد أضحى إليك كما أرادوا ... وقد ترجى الرغائب ملمثيب
فإن أخطأت أو أوهمت أمراً ... ففد يهم المصافي بالحبيب
وإن أظلم فقد عاقبتموني ... وإن أظلم فذلك من نصيبي
فهل لك أن تدارك ما لدينا ... ولا تغلب على الرأي المصيب
فإني قد وكلت اليوم أمري ... إلى رب قريب مستجيب
وابتت عنده امرأته أميمة ليلة في السجن ومعها ابنته هند جويرية صغيرة.
стр. 78
فلما رأت الغل قالت: يا أبت، أي شيء هذا في يدك؟ فبكت أمها من ذلك وبكت هي. فقال يذكر ذلك في شعره:
ولقد ساءني زيارة ذي قر ... بى صغير لودنا مشناق
ساءها ما بنا تبين في الأي ... دي وإشناقها إلى الأعناق
فلما نامت الصبية دنت منه أمها فحدثته ساعة، ثم قال:
فاذهبي يا أميم غير بعيد ... لا يؤاتي العناق من في الوثاق
واذهبي يا أميم إن يشأ الل ... هـ يفرج من أزم هذا الخناق
أو تكن وجهة فتلك سبيل الن ... اس لا تمنع الحتوف الرواقي
فلما بعث إلى النعمان بأشعاره رق له وندم على ما جاء منه. فخشي أن يخلي عنه فيمكر به. وقد عرف ذنبه إليه. فتركه حتى جاءه كتاب من كسرى في أمر عدي فقطع به. فأمر حرس السجن بقتل عدي فقتلوه، وقال: إنه كان يتشكى. وأمر رسولي كسرى أن يدخلا السجن. فدخلا عليه وهو ميت، وأعطاهما النعمان ذهباً ليحسنا عذره عند كسرى، ففعلا.
وكان لعدي بن زيد ولد يقال له: زيد بن عدي، وكان أديباً عاقلاً، فتوصل زيد بن عدي إلى كسرى حتى أحله محل أبيه، ثم جعل زيد بن عدي يذكر نساء آل المنذر بالجمال والأدب، ويصفهن لكسرى ويرغبه فيهن، حتى اشتاق إلى النكاح منهن فقال زيد بن عدي: ابعث أيها الملك إلى النعمان
стр. 79
في نكاح بعض بناته، وما أظنه يجيبك إلى ذلك احتقاراً لك. فكتب كسرى إلى النعمان كتاباً في بعض بناته، وأرسل رسولين، ومعهما زيد بن عدي. فلما دخلوا على النعمان قرأ الكتاب. فقال له النعمان: وما يصنع الملك بنسائنا وأين هو عن مها السواد - والمها: البقر الوحشية. والعرب تشبه النساء بالمها - فحرف زيد القول وقال: إنه قال: أين هو عن البقر لا ينكحهن. فطلب كسرى النعمان. فهرب منه حيناً، ثم بدا له أن يأتيه بالمدائن فأتاه. فلقيه زيد بن عدي، فقال له: انج نعيم، بالتصغير. فقال النعمان: لألحقنك بأبيك: قال زيد بن عدي: إني قد شددت لك أخية لا يقطعها المهر الأرن. فأمر كسرى فصف له ثمانية آلاف جارية صفين، فلما صار بينهن قلن: أما للملك فينا غنى عن بقر السواد. فعلم النعمان أنه غير ناج منه. ثم أرسل إليه: أنت القائل: عليك ببقر السواد؟ فأرسل إليه النعمان يعتذر. فأبى أن يقبل منه، وأمر به فبطح في ساباط الفيلة. فوطئته حتى مات. فقال الأعشى يذكر أبرويز:
هو المدخل النعمان بيتاً سماؤه ... نحور فيولٍ بعد بيت مسردق
وفنى ملك آل المنذر. وولي كسرى إياس بن قبيصة الطائي، فوليها ثمانية أشهر، ثم مات إياس بعين التمر، واضطرب آل كسرى وضعف ملكهم، وظهر الإسلام.
وروى أن الحرقة بنت النعمان بن المنذر استأذنت في الدخول على سعد
стр. 80
ابن أبي وقاص بالكوفة، وذلك بعد وقعة القادسية، وكانت في حياة أبيها إذا خرجت خرجت معها مائتا جارية، يفرشن لها الديباج، ويسترنها بمطارف الخز. فأذن لها سعد، فدخلت امرأة متضائلة. فقال لها سعد: أنت حرقة؟ قالت: نعم. فكرر عليها ثلاثاً. فقالت: وما الذي يعجبك من أمري يا سعد؟ كنا ملوك هذا المصر يجبى إلينا خرجه، ويطيعنا أهله، أيام المدة والدولة؛ فلما حل القدر، وأدبر الأمر، صاح بنا صائح الدهر؛ قفرق شملنا، وصدع عصانا، وسلبنا ملكنا. وكذلك الدهر يا سعد ليس يأتي قوماً بحبرة، إلا وأعقبه عبرة، وأنشأت تقول:
فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيه سوقة نتنصف
فأف لدينا لا يدون نعيمها ... تقلب تارات بنا وتصرف
قوله: يختلف بصرفه الملوان، في النبات والحيوان؛ فلخيره من الشر عقيب، وعلى النعم من النقم رقيب؛ كما اتعتقب في الطويل عقيبان، وارتقب في المضارع رقيبان؛ وذلك أن من المحار، حذفهما معاً في حال؛ إلا في شعر شاذ، قمن بإشقاذ؛ وأعباء المؤونة، تفتقر إلى معونة؛ افتقار السبعة النواقص إلى الأربع الصلات، وعوائدها التي هي عنها غير منفصلات.
صرف الدهر: حدثانه. والملوان: الليل والنهار. قال ابن مقبل العامري تميم بن أبي:
ألا يا ديار الحي بالسبعان ... أمل عليها بالبلى الملوان
وهما أيضاً الجديدان والعصران. قال النابغة:
стр. 81
لم يلبث العصران أن عصفا ... ولكل باب يسرا مفتاحاً
ومثله لحميد بن ثور:
ولا يلبث العصران يوم وليلة ... إذا طلبا أن يدركا ما تيمما
العقيب: المعاقب. والرقيب: الحارس. ومنه قوله تعالى: (إلا لديه رقيب عتيد) . والعقيبان، في الطويل: الياء والنون من مفاعيلن. والرقيبان، في المضارع أيضاً: الياء والنون من مفاعيلن إذا سقط أحدهما ثبت الآخر. حذفهما معاً. يعني أن العقيبين والرقيبين لا يجوز حذفهما معافي حال واحدة. والشاذ: القليل الذي لا يعتد به. ويقال: هو قمن بكذا وقمن وقمين، كل ذلك بمعنى، فإذا كسرت ميمه ثنيت وجمعت، وإذا فتحت الميم لم يجز التثنية ولا الجمع. الإشقاذ: الإقصاء والإبعاد. قال عامر بن كثير المحاربي:
لقد غضبوا علي وأشقذوني ... فصرت كأنني فرأ منار
والفرأ: حمار الوحش. ومنار: مطرود تارة بعد تارة. والأعباء: جمع عبء، وهو الثقل.
والسبعة النواقص، هي: الذي، والتي، وما، ومن، وأن، وأي، والألف واللام، في اسم الفاعل واسم المفعول. يجمعها قول الشاعر:
ألا إن أسماء النواقص سبعة ... وهي الذي ثم التي ثم ما ومن
وأي بعد هذا ثم لام مضافة ... إلى ألف من بعد ذلك ثم أن
стр. 82
هذه الأسماء السبعة لا تتم إلا بصلاتها، وصلاتها أربع: الفعل وما اتصل به من فاعل ومفعول وغير ذلك، والظرف، والمبتدأ وخبره، والجزاء وجوابه. ولا يفرق بينها وبين صلاتها بشيء ليس من الصلة ولا يجوز تقديم صلاتها عليها، ولا توقع بعد أخبارها، ولا يجوز نعت الاسم الموصول ولا توكيده ولا العطف عليه، ولا الاستثناء منه إلا بما صلته. وإنما لم يجز ذلك لأنه مع صلته بمنزله اسم واحد، تقول في الذي إذا وصلته بالفعل: الذي قام زيد. فالذي، رفع بالابتداء، وقام، صلته. وفي قام ضمير يعود على الذي. وتقول في التثنية: اللذان قاما الزيدان؛ وفي الجمع: الذي قاموا الزيدون. فإذا وصلت بالظرف قلت: الذي أمامك زيد، والذي خلفك عمرو، والذي في الدار أخوك وإذا وصلته بالابتداء والخبر قلت: الذي أبوه منطلق زيد، فالذي مبتدأ. وخبره زيد. وصلة الذي قولك أبوه منطلق. فالأب، مبتدأ ثان، وخبره منطلق، والهاء، في قولك أبوه هي العائد على الذي. وتقول ذا وصلته بالجزاء: الذي إن يأته تأتك زيد. فالذي، مبتدأ، وخبره زيد. والجزاء وجوابه صلة. ومثله: الذي إن تكرمه يكرمك زيد، وما أشبه ذلك. وسبيل مَا، ومَنْ سَبيل الذي في الصلة، إلا أنهما يقعان في التثنية الجمع بلفظ واحد على المذكر والمؤنث والاثنين والجميع، كقولك: من قام الزيدون، توحد الفعل، وإن شئت ثنيته وجمعته فقلت: من قاما الزيدان، ومن قاموا الزيدون. وقد جاءت اللغتان في كتاب الله تعالى في توحيد الفعل: (ومنهم من يستمع إليك) . وقال في جمعه: (ومنهم من يستمعون إليك) . وقال الفرزدق:
تمش فإن عاهدتني لا تخونني ... تكن مثل من يا ذئب يصطحبان
стр. 83
وتقول في المؤنث: من قام هند، ومن قام الهندان، ومن قام الهندات. وإن شئت قلت: من قمت هند، ومن قامتا الهندان. ومن قمن الهندات. وقد قرئ في كتاب الله تعالى: (ومَنْ يَقْنَتْ منكنْ لله ورسوله) . بالتاء والياء، على الوجهين جميعاً.
وسبيل مَا سبيل مَنْ في قولك: ما أكلت الخبز، وما شربت الماء. وسبيل أي إذا كانت خبراً سبيل مَا، ومَنْ. كقولك: أيهم في الدار أخوك. تريد: الذي في الدار أخوك. وكذلك: أيهم قام عمرو، وما أشبهه.
وأنْ إذا كانت بتأويل المصدر كقولك: أحب أن تقوم، ويعجبني أن تقوم.
والألف واللام، إذا كانتا بمعنى الذي والتي في اسم الفاعل والمفعول المشتقين من الأفعال، كقولك: القائم زيد، والخارج عمرو. وتقديره: الذي قام زيد، والذي خرج عمرو؛ وفي التثنية: القائمان الزيدان؛ وفي الجمع: القائمون الزيدون. تقديره: اللذان قاما الزيدان، والذين قاموا الزيدون، هذا في اللازم. وتقول في المتعدي: الضارب عمراً زيد، والضاربان العمرين الزيدان، والضاربون العمرين الزيدُونَ، هذا في الإخبار عن الفاعل. فإذا أخبرته عن المفعول قلت: الضاربه زيد عمرٌو. وتقديره: الرجل الذي ضربه زيد عمرو. وفي التثنية والجمع: الضار بهما الزيدانِ العمرانِ، والضاربهم الزيدون العمرون، قوله: وجار على غير السبيل جار، لا ينسخ ليله بإفجار؛ شاركته في الطبع بالجوار، شركة إعراب الجوار، في الخطاب والحوار، فالرواة منه في أمر مريج، لا يتفق له العلماء على تخريج؛ وحاسد، يبيع الثمين بكاسد؛ ويروم تغطية
стр. 84
الشمس، براحته وأنامله الخمس، ينظر سليم الطرف بأحوله، نظر آخر الرجز إلى أوله؛ وخليل كاسمه خليل، بين الصحيح والعليل؛ يمد الكف بين الأساس والروي) .
السبيل: الطريق الواضح، يذكر ويؤنث. والإفجار: موافاة الفجر. الحِوار، بالكسر: الجواب؛ يقال: كلمته فما رد إلى حوارا وحويراً ومحورة. والحوار، بالضم: ولد الناقة. قال الشاعر يصف الإبل:
رعت قطناً حتى كأن حوارها ... ملمعة دأياته بطلاء
والطلاء هاهنا: القطران. والدأيات: فقار الظهر، واحدتها دأية؛ ولذلك قيل للغراب: ابن دأية.
وإعراب الجوار، في مثل قول امرئ القيس:
كأن ثبيراً في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمل
ولم يوجد لخفضه علة غير جوار ما قبله، وهي علة ضعيفة. وكان الأصمعي يرويه مزملُ بالرفع على الإكفاء، وهو من عيوب الشعر.
الرواة: جمع راوية للحديث والعلم. والمريج: المختلط. ومنه قوله تعالى: (فهم في أمر مريج) . قال أبو دواد:
مرج الدين فأعددت له ... مشرف الحارك محبوك الكتد
стр. 85
فأما قوله تعالى: (مَرَجَ البحرينِ يلتقِيانِ) فإنما هو خلاهما فأرسلهما.
والثمين: غالي الثمن كثير من كل شيء. والكاسد: ضد الثمين؛ يقال: كسدت السلعة؛ ومنه قوله تعالى: (وتجارة تَخْشَون كسَادها) . ويقال: إن الكسيد: الدون من كل شيء.
نظر آخر الرجز. يعني أن أول الرجز سالم تام وآخره ناقص قد دخلت عليه العلل، وقد تقدم ذكره. ومن الناس من لا يرى الرجز شعراً، لأن رسول الله ﵌ قال: (أنا ابن عبد المطلب، أنا النبي لا كذب) . والله تعالى يقول: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له) .
الخليل، الأول: الصديق، وهو من المخالة، وهي المصادقة، قال طرفة:
كل خليل كنت خاللته ... لا ترك الله له واضحه
كُلهمُ أروغ من ثعلب ... ما أشبه الليلة بالبارحه
والخليل الثاني: مأخوذٌ من إخلال المودة، وهو نقصانها، ومنه اختلال الجسم، وهو نقصانه. والخليل. الفقير، وهو من إخلال الحال. والجرباء: السماء. قال ذو الرمة:
كأن في كبد الجرباء حاجته ... يرعى كواكبها طوراً ويرتقب
والحرباء. في هذا الموضع: ذكر أم حبين. والحرباء، أيضاً: مسامير الدرع. قال لبيد يصف درعاً:
стр. 86
أحكم الجنثي من عوراتها ... كل حرباء إذاً أكره صل
والحزباء الأرض الغليظة، بالزاي. ولا يلزم الشاعر إعادته بعينه وتكريره، وأي حروف المعجم، ما وقع بعد ألف التأسيس، فهو الدخيل.
والروي: الحرف الذي تبنى عليه القصيدة. وسنذكر في هذا الموضع جملة مختصرة من علم الروي يستدل بها من وقف عليها، فمن أحب علم ذلك بكماله فهو في مختصرنا المعروف: كتاب بيان مشكل الروي، وصراطه السوي.
اعلم ن الروي على وجهين: مطلق ومقيد. فالمطلق ما كان متحركاً موصولاً. ووصله بأحد أربعة أحرف، وهي: الهاء والواو، والياء، والألف. هذه حروف الوصل التي تأتي بعد الروي المتحرك، ولا يأتي بعدها شيء من الحروف، إلا أن تتحرك هاء الصلة فيجيء بعدها الخروج. والخروج أحد ثلاثة أحرف. وهي: الألف، والواو، والياء. ولا يكون بينه وبين الروي حرف غيره.
ويأتي قبل الروي أيضاً التأسيس والدخيل. فالتأسيس لا يكون إلا ألفاً ساكنة بينها وبين الروي حرف يسمى الدخيل. فهذه الحروف التي تأتي قبل الروي وبعده.
وأما الحركات فيه سبت، وهي: الرسن، والحذو، والتوجيه، والإشباع، والمجرى، والنفاذ. فالرسن: حركة ما قبل ألف التأسيس. والحذو: حركة ما قبل الردف. والتوجيه: حركة ما قبل الروي في المقيد، والفراء يسمى الدخيل توجيهاً، ويسميه، إذا دخل الفتح فيه على الكسر والضم، دخيلاً. والإشباع: حركة الدخيل في الشعر المطلق، ذكر ذلك سيعد بن مسعدة. وقيل إن الخليل لم
стр. 87
يذكره. والمجرى: حركة الروي. والنفاذ: حركة هاء الوصل.
والمقيد من الروي ما سكن حرف رويه. وهو ينقسم على ثلاثة أضرب: مقيد مجرد، ومقيد مردف، ومقيد مؤسس.
فالمقيد المجرد لا يلزمه من الحروف إلا حرف واحد، وهو الروي، ولا من الحركات إلا حركة واحدة، وهي التوجيه فقط، وهي مثل قول الشاعر، وهو لبيد:
إن تقوى ربنا خير نفل ... وبإذن الله ريثي وعجل
فاللام رويٌّ والحركة التي قبله توجيه.
والمقيد المردف يلزمه حرفان، وهما: الردف، والروي؛ وحركة واحدة، وهي الحذو. وهو مثل قول الشاعر:
يا صاح ما هاجك من رسم خال ... ودمنةٍ تعرفها وأطلال
اللام روي، والألف الذي قبله ردف، والفتحة التي قبل الألف حذو.
وأما ياء الردف وواوه فيعتقبان في القصيدة؛ لأن الضمة أخت الكسرة، ولا يجوز دخول الألف معها، وذلك مثل قول الشاعر:
يا أمة الواحد فيم الصدود ... والقلب عان في هواكم عميد
فالدال روى، والواو والياء ردف، والضمة التي قبل الواو والكسرة التي قبل الياء حذو.
والمقيد المؤسس يلزمه حركتان وثلاثة أحرف، فالحركتان الرسن والتوجيه. والأحرف: التأسيس، والدخيل، والروي. وهو مثل قول الشاعر:
نهنه فؤادك إن من ... يبكي من الحدثان عاجز
فالزاي روى، والجيم دخيل، وحركته إشباع. والألف التي قبل الجيم تأسيس، والحركة التي قبلها رسن.
стр. 88
والمطلق ينقسم على ثلاثة أضرب: مطلق يلزمه الخروج، ومطلق مردف، ومطلقٌ يلزمه التأسيس والخروج.
فالمطلق المجرد يلزمه حرفان، وهما الروي والوصل؛ وحركة واحدة، هي المجرى. وهو مثل قول امرئ القيس:
وتعطو برخص غير شئن كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل
ومثله قول الأعشى:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبت كما بات السليم مسهدا
ومثله قول أبي ذؤيب:
أمن المنون وربيها تتوجع ... والدهر ليس بمعتب من يجزع
ومثله قول طرفة:
أشجاك الربع أم قدمه ... أم رماد دارس حممه
واللام والدال والعين والميم في هذه الأبيات، كل حرف منها روي للبيت الذي هو فيه. فالياء التي بعد اللام، والألف التي بعد الدال، والواو التي بعد العين، والهاء التي بعد الميم، كل حرف منهن وصل للروي الذي قبله. وحركة الروي المجرى.
стр. 89
والمطلق المردف يلزمه حركتان: الحذو والمجرى؛ وثلاثة أحرف: الدف، والروي، والوصل. وهو مثل قول القطامي فيما كان ردفه ألفاً:
قفي قبل التفرق يا ضباعا ... ولا يك موقف منك الوداعا
فالعين روي، والألف التي بعدها وصل، وحركة العين المجرى، وحركة ما قبل الردف حذو.
وما كان ردفه واوا أو ياء في المطلق، كقول امرئ القيس:
أبلغ سلامة أن الصبر مغلوب ... وإنما حبها شوق وتعذيب
ومثله قول الآخر:
وما أنا للشيء الذي ليس نافعي ... ويغضب منه صاحبي بقؤول
والمطلق الذي يخرج يلزمه حركتان وثلاثة أحرف. فالحركتان: المجرى، والنفاذ. والأحرف: الوصل، والروي، والخروج. وهو مثل قول ابن هرمة فيما كان خروجه ألفاً:
إن سليمى والله يكلؤها ... ضنت بشيء ما كان يرزؤها
فالهمزة روي، والهاء وصل، والألف خروج، وحركة الهمزة مجرى، وحركة هاء الوصل نفاذ. وما كان خروجه ياء مثل قول الكميت:
وعلمك جهل إذا ما وثقت ... بمن ليس يؤمن من غدره
وما كان خروجه واواً مثل قول الشاعر:
وبلدٍ يضل فيه ركبه ... ما زلت حتى ذل عندي صعبه
والمطلق المؤسس الذي يلزمه الردف والخروج يلزمه أربعة أحرف وثلاث حركات. فالأحرف: الردف، والري، والوصل، والخروج. والحركات: الحذو، والمجرى. والنفاذ. وهو مثل قول لبيد فيما كان خروجه ألفاً:
عقت الديار محلها فمقامها ... بمنى تأيد غولها فرجامها
الميم روي، وحركته مجرى، والهاء التي بعد الميم وصل، وحركتها نفاذ، والألف التي بعدها الهاء خروج، والألف التي قبل الميم ردف، والفتحة التي قبلها حذو. وما كان خروجه واواً مثل قول رؤبة:
وبلد عامية أعماؤه ... كأن لون أرضه سماؤه
وما كان خروجه ياء مثل قول الآخر:
فانقض مثل النجم من سمائه
والمطلق المؤسس يلزمه أربعة أحرف وثلاث
стр. 90
حركات. فالأحرف: التأسيس، والدخيل، والروي، والوصل. والحركات: الرسن، والإشباع، والمجرى. وهو مثل قول الشاعر:
ألا يا ديار الحي بالأخضر اسلمي ... وليس على الأيام والدهر سالم
فالميم روي، والواو التي بعدها وصل، واللام التي قبل الميم دخيل، والألف التي قبل اللام تأسيس، والحركة التي قبل الألف رسن، وحركة اللام إشباع، وحركة الميم المجرى. ومثله فيما كان وصله ياء قول النابغة:
كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب
стр. 91
ومثله فيما كان وصله ألفاً قول جرير:
لنا كل مشبوب يروي بكفه ... غرارا سنان ديلمي وعامله
والمطلق المؤسس الذي يخرج يلزمه خمسة أحرف وأربع حركات. فالأحرف: التأسيس، والدخيل، والروي، والوصل، والخروج. والحركات: الرسن، والإشباع، والمجرى، والنفاذ. وهو مثل قول الشاعر فيما كان خروجه واواً:
وليل لا أنيس به ... مطحلبةٌ جوانبه
وردت وليله داج ... وقد غارت كواكبه
الياء روي، وحركته مجرى، والهاء وصل، وحركتها نفاذ، والواو التي بعد الهاء خروج، والنون في جوانبه دخيل، وحركته إشباع، والألف التي قبل النون تأسيس، والفتحة التي قبلها رسن.
ومثله فيما كن خروجه ياء مثل قول الشاعر:
أشكو إليك زماناً داؤه أبداً ... ينحي علي بكل من كلاكله
ومثله فيما كان خروجه ألفاً قول الشاعر:
يوشك من فر من منيته ... في بعض غراته يوافقها
فصل
في أحكام حروف الوصل إذا كانت رويا
إذا تحرك ما قبل الهاء من سنخ الكلمة كانت روياً ولم تكن وصلاً، كقول رؤبة:
стр. 92
قالت أُبيلي لي ولم أسبه ... ما السن إلا غفلة المدله
فإن لم يكن من السنخ فهي وصل لا غير.
ويجوز أن تكون الهاء الأصلية وصلاً مع الهاء الزائدة، مثل أن تبنى القصيدة على كتابه وخطابه، ثم يجيء فيها المتشابه وما شاكل ذلك. وكذلك لو كانت القصيدة على جداره وحذاره، ثم جاء فيها الفاره والكاره لكان جائزاً.
وإذا سكن ما قبل الهاء كانت روياً ولا ينظر من سنخ الكلمة كانت أم من غيره، وذلك مثل قول جعل صريع الركبان يصف دلواً:
شلت يدا فارية فرتها ... وعميت عين التي أرتها
أساءت الخرز فأنجلتها ... أعارت الإشفى وقدرتها
مسك شبوبٍ ثم وفرتها ... لو كانت النازع أصغرتها
فالروي الهاء في هذه الأبيات.
وروى أبو الحسن العروضي أن أبا إسحاق سئل عن الروي في قول أبي عبادة:
ميلوا إلى الدار من ليلى نحييها
стр. 93
فزعم أنه الياء، فروجع في ذلك فلم ينتقل عنه. وإنما ذكر ذلك أبو الحسن يعيبه عليه؛ لأن مذهب الخليل والطبقة الذين بعده أن الروي الهاء في قول أبي عبادة، وأن الروي الساكن لا يكون بعده وصل، ومثل ذلك قول الشاعر:
إن قلبي كاد يكويه ... ذو دلالٍ لا أسميه
لان حتى لو مشى ذر عل ... يه كاد يدميه
هذا في الزائدة. وأما الأصلية فمثل قول الشاعر:
ألا لا قبح الرحم ... ن ذاك الوجه من وجه
فما إن عاين الناس ... له في الناس من شبه
وأما الواو، فإذا سكن ما قبلها وكانت أصلية لم تكن إلا روياً، مثل قول الراجز:
إني إذا ما خذلتني دلوي ... سقيت من حوض غزير الصفو
ما لم يكن في طرف من شكو
وكذلك إذا انفتح ما قبل الواو، لم تكن إلا رويا، ولا يجوز أن تكون وصلاً مثل: غزوا ورموا. وأنشد محمد بن يزيد المبرد ويحيى بن زياد الفراء في مختصرهما:
حدثنا الراوون فيما رووا ... أن شرار الناس قوم عصوا
وإذا انضم ما قبل الواو وكانت أصلية جاز أن تكون روياً، في مثل تخفيف: عدو وهدو، ويغزو ويدعو، وجاز أن تكون وصلاً، وكونها وصلاً أكثر عند الفصحاء. فإن كانت الواو المضموم ما قبلها غير أصلية لم تكن إلا وصلاً لا غير. وقد جاءت روياً في قول مروان بن الحكم، وهو محمول على الإقواء، وهو قوله:
стр. 94
هل نحن إلا مثل من كان قبلنا ... نموت كما ماتوا ونحيا كما حيوا
وينقص منا كل يوم وليةٍ ... ولا بد أن نلقي من الأمر ما لقوا
وأما الياء فإذا تحركت فإنها تكون روياً، ولا يجوز أن تكون وصلاً في مثل قول الشاعر:
رميتيه فأقصدت ... وما أخطأت الرميه
بسهمين مليحين ... أعارتكهما الظبيه
وكذلك إذا سكنت الياء وانفتح ما قلها فإنها تكون روياً أيضاً في مثل تخفيف الغيّ والطيّ وما شاكله.
وإذا سكنت الياء وانكسر ما قبلها فإنها تكون وصلاً، كانت من السنخ أو زائدة. وقد جعلها بعضهم روياً إذا كنت من السنخ مثل قول الشاعر:
ألم تكن حلفت بالله العلي ... إن مطاياك لمن خير المطي
ومثل قول الآخر:
أشاب الصغير وأفنى الكبي ... ر الغداة ومر العشي
إذا ليلة أهرمت أختها ... أني بعد ذلك يوم فتي
تروح مع المرء حاجاته ... وحاجة من عاش لا تنقضي
تموت مع المرء حاجاته ... وتبقى له حاجةٌ ما بقي
وكذلك إذا كانت الياء مخففة من ياء النسب مثل قول الشاعر:
فنجدية وحرورية ... وأزرق يدعو إلى أزرقي
فملتنا أننا مسلمون ... على دين صديقنا والنبي
وأما الألف، فإذا كانت بدلاً من التنوين، أو مع هاء التأنيث، أو كانت للترنم، فلا يجوز أن تكون رؤياً. وإذا كانت من السنخ أو كانت زائدة للتأنيث
стр. 95
أو للإلحاق، فإن كونها روياً جائز، مثل أن تكون القافية على: كرى، وبلى، وعصا، والشنفري، وحبو كرى، وما شاكل ذلك، وهي التي تسمى المقصورة. قال الشاعر في ألف السنخ:
أتعب جوناتٍ معاً خفن المسا ... تسعاً وهقلا بينها يعدو النجا
وقال:
إن أمير المؤمنين قد بنى ... على الطريق علماً مثل الصوى
فصل
في اختلاف الحروف والحركات
وما يعاب من ذلك وما لا يعاب
ذكر التوجيه
قد روي عن الخليل أنه كان يرى اختلاف التوجيه عيباً. إلا أنه يجيز الضمة مع الكسرة ولا يجيز الفتحة معهما. ولم يكن سعيد بن مسعدة والقراء يريان في ذلك بأساً. وقد جاء في أشعار الفصحاء؛ قال الأعشى:
أتهجر غانيةً أم تلم ... أم الحبل واهٍ بها منجذم
ثم قال:
وصهباء طاف بهوديها ... فأبرزها وعليها ختم
стр. 96
وقال أبو ذؤيب:
عرفت الديار لأم الرهي ... ن بين الظباء فوادي عشر
ثم قال:
فجاء وقد فصلته الشما ... ل عذب المذاقة يسراً خصر
وقد استعملوا ذلك في المقيد والمؤسس. قال الحطيئة:
شاقتك أظعان لليلي ... يوم ناظرةٍ بواكر
ثم قال:
الواهب المائة الهجا ... ن وفوقها وبرٌ مظاهر
قال الشيخ أبو العلاء أحمد بن سليمان التنوخي، المعروف بالمعري: هو عندي في المقيد والمؤسس أقبح منه في المقيد المجرد، لأنه يختلف الحرف بالحركات بين حرفين لازمين. وليس كذلك في المجرد.
ذكر الحذو والردف
إذا كان بيت مردفاً وبيتٌ لا ردف له، فذلك من السناد، وهو عيب من عيوب الشعر، ولا يجوز، وهو مثل قول الحطيئة:
стр. 97
من الروم والأحبوش حتى تناولا ... بأيديهما مال المرازبة الغلف
ثم قال:
وبالطوف نالا خير ما ناله الفتى ... وما المرء إلا بالتقلب والظرف
ومنه قول الكسعي:
ندمت ندامة لو أن نفسي ... تطاوعني إذاً لقطعت خمسي
ثم قال:
تبين لي سفاهُ الرأي مني ... لعمر أبيك حين كسرت قومي
ويجوز في الردف دخول الواو على الياء والياء على الواو، ولا يجوز دخول الألف عليهما، وكذلك في الحذو، ولا يجوز دخول الضمة على الكسرة، والكسرة على الضمة، ولا يجوز دخول الفتحة عليهما. فإن دخلت فهو شاذ. وهو مثل قول عدي:
فوافاها رقد جمعت فيوجاً ... على أبواب حصن مصلتينا
стр. 98
ثم قال:
فقددت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذباً ومينا
ومثل قول عبيد:
فإن يك فاتني شابي ... وأمسى الرأس منه كاللجين
ثم قال:
فقد ألج الخباء على عذارى ... كأن عيونهن عيون عين
وكقول عمرو بن معد يكرب:
تقول ظعينتي لما رأته ... شريجاً بين مبيضٍ وجون
تراه كالثغام يعل مسكاً ... يسوء الغاليات إذا فلينى
ثم قال:
لصلصلة اللجام برأس مهري ... أحب إلي من أن تنكحيني
ذكر الرسن والتأسيس
لا يجوز اختلاف الرسن ولا اختلاف التأسيس، لأن التأسيس ألف ساكنة مفتوح ما قبلها، فإذا انكسر ما قبلها وانضم خرجت عن كونها ألفاً ولم تكن بتأسيس. فإن وقع ذلك فهو من السناد ولا يجوز. وقد روى أن العجاج قال:
يا دار سلمى يا سلمى ثم اسلمي ... بسمسم أو عن يمين سمسم
стр. 99
ثم قال:
فخندفٌ هامة هذا العلم
وروي أن رؤبة كان يعيب هذا على أبيه. وحكى عن يونس النحوي أنه كان يهمز العالم على رأي من يرى همزه. وإذا صح ذلك فليس سناداً، لأن الهمزة من الحروف السالمة، ولا يكون التأسيس إلا أحد حروف الكلمة التي فيها الروي، فإن كانت الألف من غير الكلمة التي فيها الروي، فليست بتأسيس، وهو مثل قول العجاج:
ما هاج أحزاناً وشجواً قد شجا
ثم قال:
فهن يعكفن به إذا حجا ... يربض الأرطى وحقف أعوجا
عكف النبيط يلعبون الفنزجا
ومثل قول عنترة:
ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر ... للحرب دائرةٌ على ابني ضمضم
الشاتمي عرضي ولم اشتمهما ... والناذرين إذا لم القهما دمي
فإن كان ما بعد ألف التأسيس كلمة مضمرة قائمة بنفسها أو متصلة بحرف، كان البيت مؤسساً، فالأول مثل قول زهير:
رأيتهم لم يدفعوا بنفوسهم ... منيته لما رأوا أنها هيا
стр. 100
والثاني كقول الآخر:
ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى ... من الأمر أو يبدو لهم ما بدا ليا
قال الشيخ أبو العلاء: وإذا كان التأسيس منفصلاً جاز أن يجعل لغواً، فإن بنيت القصيدة على مثل قولك: معطياً ومولياً، ثم جاء فيها: بداليا، لكان ذلك عند أهل العلم جائزاً، وذلك في الاستعمال. قال: وكذلك لو بنيت قصيدة أخرى قوافيها: منعماً ومكرماً، لجاز أن يجيء فيها: كما هما، على أن تجعل الألف في كما لغواً.
ذكر الدخيل والإشباع
يجوز اختلاف الدخيل في ذاته، ولا يجوز اختلاف حركاته. وقد أجازوا الضمة مع الكسرة، لأنهما أختان، ولم يجيزوا الفتحة معهما، وجاء ذلك في أشعار الفصحاء. قال النابغة:
فبت كأني ساورتني ضئيلةٌ ... من الرقش في أنيابها السم ناقع
ثم قال:
بمصطحبات من لصافٍ وثبرةٍ ... يزرن إلالاً سيرهن التدافع
стр. 101
وقال الهذلي:
لعمر أبي عمرٍ ولقد ساقه الردى ... إلى جدث يوزي له بالأهاضب
ثم قال:
فلم يرها الفرخان بعد مسائها ... ولم يهدآ في عشها من تجاوب
وهو كثير في أشعارهم غير معيب.
وأما دخول الفتحة على الكسرة والضمة فهو سناد، ولا يجوز ذلك، مثل قول ورقاء بن زهير:
رأيت زهيراً تحت كلكل خالدٍ ... فأقبلت أسعى نحوه وأبادر
إلى بطلين ينهضان كلاهما ... يحاول نصل السيف والسيف نادر
ثم قال:
فشلت يميني يوم أضرب خالداً ... ويمنعه مني الحديد المظاهر
ذكر الروي والمجري
لا يجوز اختلاف الروي ولا اختلاف المجري. فإن اختلف الروي فهو الإقواء، وهو عيب لا يجوز، مثل قول الراجز:
стр. 102
بازل عامين فتى سني ... لمثل هذا ولدتني أمي
وأما اختلاف المجرى، فهو الإكفاء، وهو من عيوب الشعر ولا يجوز، وهو مثل قول النابغة:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد
ثم قال:
بمخضب رخص كأن بنانه ... عنم يكاد من اللطافة يعقد
ذكر الوصل والنفاذ والخروج
لا تختلف حركة الروي إذا كان الوصل واواً، وإذا اختلف حركة الروي، فهو الإكفاء، وهو من السناد، ولا يجوز، وقد تقدم تفسيره وأما الهاء فلا تختلف إذا كانت ساكنة، وإذا تحركت واختلفت حركتها فهو الإكفاء.
ومن عيوب الشعر: الإيطاء وهو إعادة القافية والمعنى واحد، وهو مثل قوله:
أبى القلب إلا أن تزيد بلابله ... وتهتاج من ذكر الحبيب بلابله
قال الفراء: هو إذا تقارب، وإذا تباعد لم يكن به بأس.
ومن عيوب الشعر: التضمين، وهو ألا يتم البيت إلا بما بعده، ويكون معناه في البيت الذي بعده، وقد استعمله الفصحاء، قال بشر بن أبي خازم:
стр. 103
وسعداً فسائلهم والرباب ... وسائل هوازن عنا إذا ما
لقيناهم كيف نعليهم ... بواتر يفلقن بيضاً وهاما
وهو كثير في أشعارهم. وبعضه أهون من بعض.
قوله: يتمثل كل ساعة في صورة، ولا يقف على طريقة محصورة، يلبس كل حين إهاب حرف، ويبدو في هيئة وظرف؛ ما ضره لو كان كالوصل والخروج، ولم يتنقل في المنازل والبروج، وأناس ليسوا على الحقيقة بناس، ولا الفكر بذاكر لهم ولا بناس؛ أهل نيرب ودد، خفضهم عن السؤدد، خفض ما بعد المائة من العدد، فهم في النسبة أنفار، وفي التجربة أصفار، ربيعهم جماد، وعِدُّهم ثِمَاد؛ ونَقْدهم عِدَّة ضِمَار، وجَوادهم وسكيتُهم مِضْمار، عندهم مَربع العالم، دارس المعالم.
الإهاب: الجلد ما لم يدبغ، وهو استعارة في هذا الموضع، لأن كل حرف من حروف المعجم يقع بين ألف التأسيس والروي فهو دخيل. وقد تقدم ذكره، وكذلك الوصل والخروج، قد تقدم ذكرهما.
والنيرب: النميمة، قال الراعي:
وفي الأقربين ذو أذاة ونيرب
والدد: اللهو، قال رسول الله ﷺ : (لست من ددٍ ولا ددٌ مني) ، وكذلك الددن أيضاً: اللهو. قال عدي بن زيد:
أيها القلب تعلل بددن ... إن همي في سماع وأذن
стр. 104
والسؤدد: العلو والشرف.
من العدد: فلا يكون ما بعد المائة إلا مخفوضاً بالإضافة، نحو مائة رجل ومائة امرأة، ومائتا رجل، وثلاثمائة رجل، وما شاكله، فإن نونت وأدخلت النون نصب على التفسير، قال الربيع بن ضبع الفزاري:
إذا عاش الفتى مائتين عاماً ... فقد ذهب اللذاذة والفتاء
والنسبة في الحساب الهندي: العدد، كقولك. واحد، اثنان، ثلاثة، وما شاكل ذلك.
والتجربة: الاختبار، قال النابغة يصف السيوف:
تخيرن من أزمان يوم حليمةٍ ... إلى اليوم قد جربن كل التجارب
والأصفار: جمع صفر، وهو علامة لخلو تلك المنزلة التي هو فيها من العدد، وهو مأخوذ من صفرت يداه، إذا افتقر، وصفر البيت، إذا خلا، وقد تقدم ذكر ذلك.
والجماد: الأرض التي لم تمطر.
والعد من الماء: ما كانت له مادة فلا تنقطع أبداً.
والثماد: جمع ثمد وهو الماء القليل الذي لا مادة له فهو ينقطع، قال النابغة:
واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام شرا وارد الثمد
والضمار: الوعد الكاذب، قال الراعي:
стр. 105
وأنضاء أنخن إلى سعيد ... طروقاً ثم عجلن ابتكارا
حمدن مزاره فأصبن منه ... عطاء لم يكن عدة ضمارا
والسكيت، بتخفيف الكاف وتشديدها: آخر خليل الحلبة وهو العاشر منها، وهي خيل تضمر للسباق، يقال للسابق من الخيل: المجلي، وللثاني: المصلي، وللثالث: المسلي. وللرابع: التالي، وللخامس: المرتاح، وللسادس: العاطف، وللسابع: الحظي، وللثامن: المؤمل، وللتاسع: اللطيم، وللعاشر: السكيت، وهو آخر الخليل سبقاً.
والمضمار: الموضع الذي تضمر فيه الخيل للسباق، وهو أن يقصر بعد السمن على الحب وعلى الشيء اليسير من العلف.
والمربع: المنزل في الربيع خاصة.
والربع: المنزل في الربيع وغيره. وجعل منزل العالم مربعاً لما فيه من الفوائد، تشبيهاً بالمنزل في الربيع لما فيه من الخصب.
والمعالم: جمع معلم وهو الأثر، يعني: أن منزل العالم مهجور، وكذلك هو باليمن خاصة. وكان يقال لكل عالم من الناس: عالم بني فلان، وعالم أرض بني فلان، إلا وهب بن منبه، فكان يسمى: عالم الناس، وهو من أبناء فارس باليمن، فذكر وهب يوماً في مجلس الحسن البصري، فقال الحسن: وأي رجل! لكنه وقع بين حاكه. وقيل جاءه العلم بالعراق، وجاءه المال بمصر، وجاءه السلطان باليمن.
ومن أمثال الناس السائرة: قيل للعلم: أين تريد؟ قال العراق، قال العقل: وأنا معك. وقيل للمال: أين تريد؟ قال: مصر، قال البخل: وأنا معك. وقيل
стр. 106
للحب: أين تريد؟ قال اليمن، قال الكرم: وأنا معك؛ وكذلك أهل اليمن بهذه الصفة، إلا أن العي غالب لهم.
ولما ظفر الحجاج بعبد الرحمن بن الأشعث، أتى بأيوب بن يزيد البليغ الفصيح، الذي يقال له ابن القرية ابن النمر بن قاسط، وكان ابن القرية، مع ابن الأشعث، فكان له وللحجاج حديث، فسأله الحجاج عن البلدان والأمصار وأهلها فوصفهم له بصفاتهم، حتى انتهى إلى اليمن، فقال له الحجاج: أخبرني عن اليمن؛ قال: أصل العرب، وأهل البيوتات والحسب، هم الدهماء عدداً، والبكم أبداً.
قوله: ومربع الأدِيب، مستوبل جديب.
المرتع: موضع الرُّتوع، وهو المرعى. قال قيس بن زهير العبسي:
تعلم أن خير الناس ميتٌ ... على جفر الهباءة لا يريم
ولولا بغيه ما زلت أبكي ... عليه الدهر ما طلع النجوم
ولكن الفتى حمل بن بدر ... بغى والبغي مرتعه وخيم
أظن الحلم دل على قومي ... وقد يستجهل الرجل الحليم
ومارست الرجال ومارسوني ... فمعوج علي ومستقيم
والمستوبل: غير الموافق يقال: استوبل الرجل البلاد، إذا لم توافقه في جسمه.
стр. 107
فهما في الاجتراح فعل أمر، وفي الإطراح واو عمرو، أتى بها للفرق بينه وبين عمر، إذا اتسق بالكلام واستمر، واستغنى عنها بدخول الألف، التي جعلت عوضاً في المنصرف ظروف وغى، لا يظفر منهم بألمعي، يصفون رعا البذج والعدان، وكل ورع منهم هدان، بشدة فارس زبيد، وعبادة عمرو بن عبيد.
فهما: يعني: العالم والأديب أنهما موقوفان عن الاكتساب وقوف فعل الأمر، مطرحان عندهم اطرح واو عمرو.
والاجتراح: الاكتساب، ومنه قوله تعالى: (ما جرحتم بالنهار) وقوله تعالى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات) ومنه سميت كلاب الصيد: جوارح. قال تعالى: (وما علمتم من الجوارح) ومنه جوارح الإنسان، وهي أعضاؤه التي يكتسب بها، قال الحطيئة:
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ ... حمر الحواصل لا ماء ولا شجر
ألقيت جارحهم في قعر مظلمة ... فاغفر، عليك سلام الله يا عمر
يقال لهذا الفعل: موقوف، ولا يقال له: مجزوم، لأنه لم يدخل عليه عامل فيجزمه، فلما خلى من المضارعة خلا من الإعراب، وأصل البناء للأفعال والحروف إلا ما ضارع الأسماء من الأفعال، فأعرب لمضارعته إياها.
وأما واو عمرو: فإنما زادها الكتاب فرقاً بين مشتبهين، بين عمرو وعمر، في حال الرفع والخفض، فإذا صاروا إلى النصب حذفوا الواو، لأن الاشتباه قد زال بانصراف عمرو وزيادة الألف منه التي جعلت عوضاً من التنوين.
стр. 108
والظروف: جمع ظرف وهو الوعاء، وظروف الإنسان: جسمه، قال المغيرة بن حساء التميمي يهجو أخاه صخرا:
أبوك أبي وأنت أخي ولكن ... تفاضلت الطبائع والظروف
وأمك حين تنسب أم صدق ... ولكن ابنها طبع سخيف
والغي: الجهل يقال منه: رجل غيي، على فعيل وغي على فعل، وغيابا، ويقال أيضاً: فحل غيابا: إذا لم يهتد للضراب.
والألمعي: الذكي الفطن الذي يعرف الأمور قبل كونها، قال أوس بن حجر:
الألمعي الذي يظن الظن م ... كأن قد رأى، وقد سمعا
نصب الألمعي بفعل متقدم. وكذلك اليلمعي.
والبذج: الصغير من أولاد الضأن، قال أبو محرز المحاربي:
قد هلكت جارتنا من الهمج ... وإن تجع تأكل عتوداً أو بذج
والهمج ههنا، قيل: سوء التدبير في المعاش، وقيل الهمج: الجوع.
والعتود: الصغير من أولاد المعز، وهو ما رعى وقوى، وهو مثل البذج، وجمعه: عدان، والأصل: عتدان، مثل: قعود وقعدان، فأدغمت التاء في الدال لقرب المخرجين، لأنهما من الحروف النطعية وهي ثلاثة: الطاء والتاء والدال، ومخرجها من النطع، وهو ما ظهر من غار الفم الأعلى.
والورع: الجبان الهيوب، قال الراعي:
فبت أنجو بها نفساً تكلفني ... مالاً يهم به الجثامة الورع
قال ابن السكيت: هو الصغير الضعيف.
стр. 109
والهذان: الأحمق الخامل، وجمعه هذون، قال الراعي يصف الجواري:
يمشين مشي الهجان الأدم أقبلها ... خل الطريق هدان غير مهتاج
فارس زبيد: عمرو بن معدي يكرب الزبيدي، وكان أشد الناس وأشجعهم، من مضى منهم ومن غبر، وكان يقال لكل فارس من العرب: فارس بني فلان، إلا عمرو بن معد يكرب، فيقال له: فارس العرب جميعاً، وله أيام في الجاهلية مشهورة، وبقي إلى زمن عمر بن الخطاب. وشهد معه الفتوح، وشهد القادسية مع سعد بن أبي وقاص، فأجمعت العرب والعجم على شدته. وله أشعار يتعتب فيها على سعد، منها قوله:
ألم خيالٌ من أميمة موهناً ... وقد جعلت أولى النجوم ثغور
ونحن بصحراء العُذيب ودارها ... حجازية أن المحل شطير
أكر بباب القادسية معلماً ... وسعد بن وقاص على أمير
وسعد أمير شره دون خيره ... كثير الشذى كابي الزناد قصير
تذكر هداك الله وقع سيوفنا ... بباب قديسٍ والمكر عسير
عشيةً ود القوم لو أن بعضهم ... يعار جناحي طائرٍ فيطيرُ
وقال أيضاً:
إذا قتلنا ولم يبك لنا أحد ... قالت قريش ألا تلك المقادير
стр. 110
ونحن بالصف إذ تدمى حواجبنا ... نعطي السوية مما يخلص السكير
نعطي السوية من طعن له بعد ... ولا سوية إذ تعطى الدنانير
وقال أيضاً:
وكانت قريش تحمل البر تارة ... تجاراً فأضحت تحمل السم منقعاً
واختلف الرواة في موت عمرو، فمنهم من قال: أنه استشهد في بعض فتوح عمر، وقال محمد بن الحسن بن دريد في كتاب الاشتقاق: أنه مات على فراشه من حية لسعته.
وأما عمرو بن عبيد بن ناب، فأصله من كابل من ثغور بلخ، وهو مولى لآل عرادة من يربوع بن مالك، وكان أبوه عبيد من أصحاب شرط بالبصرة، وكان الناس إذا رأوا عمراً مع أبيه قالوا: خير الناس ابن شر الناس، فيقول عبيد: صدقتم، هذا إبراهيم وأنا أزر.
ومن جبله أصحاب الحسن بن أبي الحسن البصري، وكان الحسن إذا ذكر، قال: خير فتيان هل البصرة.
قال أبو القاسم البلخي: لعمرو فضائل كثيرة لا يجمعها إلا كتاب مفرد، حج أربعين سنة ماشياً وبعيره يقاد يركبه الفقير والضعيف والمنقطع به، وكان يحي الليل كله في ركعة، فعل ذلك غير مرة في المسجد الحرام.
وقال أبو جعفر المنصور، لما صلى على قبر عمرو بن عبيد بمران: ما بقي على الأرض أحد يستحي منه.
следующие страницы →