Полный текст (317 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الثلاثة، فصار منها مدبران: خير وشر، وهم يرون النكاح، وصاحبهم كينان وهو سرياني الأصل.
وقال الحرانيون - وهم عبدة النجوم -: مقالة ألمانية، إلا أنهم زعموا: أن المدبرات للعالم: السبعة الأفلاك، والبروج الأثنا عشر.
وقال المزادكة - أصحاب مزدك الفارسي -: بمثل مقالة ألمانية، إلا أنها نكحت وسفكت الدماء، وكان مزدك في وقت قباد بن فيروز بن يزدجرد الملك الفارسي، فخرج مزدك، ومن قال بقوله، على قباذ، فقالوا: إن الله جعل الأرض لعباده بالسوية، فتظالم الناس، واستأثر بعضهم على بعض، ونحن قاسمون بين الناس، ورادون على الفقراء حقوقهم في أموال الأغنياء.
وقالت المجوس وهم ثلاثة أصناف: الجرمدينية والهرابذة والموابذة.
فقالت الجرمدينية: أصل العالم النور، إلا أنه مسخ بعضه بعضاً لما غضب، فاستحال الممسوخ ظلمة، فالخير من النور، والشر من الظلمة، والأصل واحد، وهو النور، وذبحت ونكحت.
وقالت الهرابذة: الصانع واحد قديم، وهو نور، وليس كمثله في النور والعظمة والقدرة والعلم، والطول والعرض، شيء، وإنه هم همة فتولد منها الظلام،
стр. 142
فهو إبليس، فمنه جميع الشرور، وذبحت ولم تنكح، وصاحبهم زرادشت، وهو فارس الأصل.
وقالت الموابذة - وهم قضاة المجوس وأصحاب خزائن كتبهم وعلومهم -: بقدم النور والظلام، وإنهما سميعان بصيران، إلا أن بينهما جواً، وهو مكان لهما فيه جولانهما، ورأوا النكاح على طريق التزويج، ورأوا الذبح للبهائم، وقالوا بنبوة زرادشت.
وقالت الدهرية: بقدم العالم، وقدم الدهر، وتدبيره للعالم، وتأثيره فيه، وأنه ما أبلى الدهر من شيء أحدث شيئاً آخر؛ وقد حكى الله عنهم ذلك في كتابه بقوله : (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر) . فإنما يعني به، الذي يقضي عليكم بما تنسبونه إلى الدهر، وللعرب أشعار كثيرة في ذم الدهر، منها قول الشاعر:
الدهر أبلاني وما أبليته ... والدهر غيرني وما يتغير
والدهر قيدني بقيد مبرم ... فمشيت فيه وكل يوم يقصر
وقال صنف من البراهمة، وهم ثلاثة أصناف: العالم قديم، وله مدبر قديم، منيب معاقب، يفرح ويحزن، ويرضى ويغضب، وإنه ليس من جنس العالم، وليس على الخلق طاعة غير المعرفة.
فهذه أقوال من يثبت أول العالم وقدمه من الملحدين، وهم ستة وعشرون صنفاً اختلاف من قال بحدوث العالم.
стр. 143
وقال صنف من البراهمة: العالم محدث - على مقالة المسلمين - إلا أنهم قالوا: إن الصانع حكيم، وليس من صفة الحكيم أن يبعث الرسل إلى المعلوم منه خلاف القبول، لأنه متى فعل ذلك كان عابثاً منقوصاً جاهلاً، والله يتعالى عن ذلك، وقالوا بالتوحيد، وأبطلوا الرسل والكتب، وقالوا: ليس بين الله وبين خلقه واسطة غير العقل، وإنما هو شيء رآه العقلاء، فمن أراد أن يجعل نفسه نبياً، فليفعل، وقالوا: لا يجب على الخلق إلا معرفة الله وترك المظالم.
وقال صنف آخر من البراهمة: العالم محدث، وله محدث، إلا من مدبرات العالم: السبعة الأفلاك، والبروج الاثنا عشر، وإمامهم برهم، وهو هندي الأصل.
وقالت اليهود: العالم محدث وله محدث، ثم اختلفوا على أربعة أصناف: الجالوتية، والعنانية، والأصفهانية، والسامرية.
فقالت: الجالوتية - أصحاب رأس الجالوت -: بالتشبيه، وذلك أنهم ادعوا أن معبودهم أبيض الرأس واللحية، واحتجوا بأنهم وجدوا في سفر دانيال
стр. 144
أو سفر شعيا رأيت قديم الأيام قاعداً على كرسي من نور وحوله الأملاك، فرأيته أبيض اللحية والرأس، والجالوتية يقولون: إن الله تعالى ملك الأرض يوسف بن يعقوب ونحن وارثوه والناس مماليك لنا.
وقالت العنانية - أصحاب عنان -: بالتوحيد ونفي التشبيه، كما قالت المعتزلة من المسلمين.
وقالت الأصفهانية: بالتشبيه، مثل الجالوتية، إلا أنها زعمت أن عزيراً ابن الله على جهة التبني، كما اتخذ الله إبراهيم خليلاً.
وقالت السامرية: مثل مقالة العنانية، إلا أنها زعمت أنه لم ينبأ من الأنبياء إلا موسى ويوشع بن نون.
وقالت النصارى: بحدث العالم وأن له محدثاً، ثم افترقوا أربع فرق: اليعقوبية، والنسطورية، والفولية، والملكانية.
فقالت اليعقوبية: إن الله لم يكن بجسم فتجسم، ولم يكن في مكان فصار في مكان متجسداً متناسياً، بعد أن كان غير متجسد ولا متناس، وهو المسيح، ودليلهم
стр. 145
في ذلك أنهم قالوا: لما كان قادراً على الزيادة في حدثه، كان قادراً على الزيادة في ذاته، ولو لم يقدر على الزيادة في ذاته لكان عاجزاً، وهو القادر على ما يشاء.
وقالت النسطورية: إن الله تعالى ثلاثة أقانيم، وهو أقنوم واحد، الأب والابن وروح القدس، كقولك الله الرحمن الرحيم، والمعنى واحد، كالشمس لها حر وضوء وذات، وهي شيء واحد، وأنه لم يزل لاهوتاً قائماً في مكان، ثم اتخذ ناسوتا، وهو المسيح، فصار له مكان لإظهار الصنع والتدبير، ومعنى اللاهوت: الإله، والناسوت الذي انتقل إليه، هو الإنسان.
وقالت المالكانية: إن الله أقنوم واحد، إلا أنه اسم لثلاثة معان: الأب والابن والجوهر، والجوهر عندهم روح القدس، ومعناهم في قولهم: أب وابن وجوهر، أي بدن وروح وكلام، وإن له علماً هو غيره، وإنه لم يزل قديماً معه.
وقالت الفولية: قولك الله، اسم لمعنى واحد، والعلم غيره، وهو قديم معه، وزعمت أن المسيح ابن الله على جهة التبني والمحبة، كما اتخذ الله موسى نجياً، وإبراهيم خليلاً.
وقال أصحاب التناسخ منه بزرجمهر بن بختكان الفارسي ومن قال بقوله: بإثبات الصانع ونفى التشبيه، ودوام الدنيا على الأبد. قالوا: لأن الصانع الحكيم لا يوصف بالبداوات، ولا يهدم بنيان الحكمة. قالوا: ولا يفعل ذلك إلا عابث. وقالوا بدوام التعبد، وهو معرفة الله تعالى، وترك المظالم، وبدوام الثواب والعقاب، فالثواب انتقال أرواح المحسنين إلى الأبدان الأنسية، والعقاب انتقال أرواح المسيئين إلى أبدان البهائم والسباع والهوام، وبقولهم قال خالد الهمذاني.
وقالت الفضائية: يحدث العالم، وأن له محدثاً، وهو الفضاء، ثم افترقوا بفرقتين:
стр. 146
فقالت فرقة منهم: العالم محدث، وله صانع، وصانعه قديم، وهو الفضاء، وهو جسم طويل عريض، مكان للأشياء، والأشياء فيه وتحتاج إليه، لأنهم لا يعقلون إلا ما كان عريضاً طويلاً، وإنه أكبر من كل شيء، ولا يجوز أن يكون شيء أكبر منه، وبعض الأجسام تغيب عن بعض، ولا يغيب عنه شيء منها.
وقالت فرقة منهم: صانع العالم: فضاء، ليس بجسم، والأشياء فيه، ودليلهم على أنه ليس بجسم: أن جميع الأجسام تحتاج إلى أمكنة، وهو لا يحتاج إلى مكان، ويجوز عليها الزوال والتغيير، ولا يجوز عليه.
وقالت كفار العرب: بحدث العالم، وأن له محدثاً، وهم صنفان: فقال صنف منهم، وهم عبدة الأوثان: صانع العالم قديم، إلا أنه مستغن عن عبادة خلقه، ولا يقوون على عبادته، وإنما يعبدون الأوثان لتقربهم غليه، وقد حكى عنهم ذلك بقوله : (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) وأثبتوا المعاد، والثواب، والعقاب.
وقال صنف منهم: صانع العالم قديم، متفضل غير معذب، وإنه يخلق خلقاً ويتفضل عليهم، ثم يميتهم، ويخلق خلقاً بعدهم على الدوام، بغير غاية ولا نهاية، وأنكروا المعاد والبعث، وقد ذكرهم الله تعالى في كتابه بقوله: (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير) .
فأما المسلمون، فهم ست فرق: المعتزلة، والمرجية، والشيعة، والخوارج، والحشوية، والعامة، وهم مجمعون على حدث العالم ووحدانيته، ثم اختلفوا بعد ذلك في معبودهم.
فقالت المعتزلة كلها، والخوارج، والمرجية، إلا أبا حنيفة، والزيدية من الشيعة، إلا سليمان بن جرير، فإنه خالف في العلم: إن الله تعالى واحد ليس كمثله شيء،
стр. 147
ولا تدركه الأبصار في دنيا ولا آخرة، ولا تكيفه العقول، ولا تضبطه الأوهام، ولا تمثله القلوب، ولا تحده الأفكار، ولا تقطعه المقادير، ولا تقع عليه مساحة، وإنه غير جسم، ولا له حدود، ولا أقطار، ولا يجوز عليه التنقل من مكان إلى مكان، ولا من حال إلى حال.
وقال أبو حنيفة، وضرار بن عمرو، ومن قال بقولهما: أنه يدرك في المعاد، بحاسة سادسة؛ وقالوا: لن يكون شيء موجود إلا وله أنية ومأنية، وعلمك بالأنية غير علمك بالمانية، وذلك أن تسمع الصوت، فتعلم أن له مصوتاً، ويجهل ما هو، فعلمك بما هو، غير علمك بأن له مصوتاً.
وقال سليمان بن جرير الرقي من الزيدية: بنفي التشبيه، إلا أنه زعم أن الله عالم شيء، لا هو هو، ولا هو غيره وإنه وعلمه قائم معه؛ قال: ولا يجوز أن يكون عالم بغير علم، ولا يجوز أن يكون الشيء علم نفسه، ولا يجوز أن يكون علم الله غيره، لأنه لو كان غيره، لكان عالماً بغيره، ووقع التغاير بينهما.
وقالت الجهمية - من المجبرة أصحاب جهم بن صفوان الترمذي -: بنفي التشبيه وزعموا أن العلم محدث؛ قالوا: ولا يجوز ن يقال إن الله شيء، ولكنه منشئ الشيء؛ قالوا: لأنه لم يقع اسم الشيء إلا على مخلوق، ولا يكون الله تعالى بصفة الخلق. وقالوا: لم يزل العالم على أنه يكون علمه، كما لم يزل الخالق على أنه يكون بخلقه.
وقالت الإسماعيلية من الجعفرية: إن الله لا شيء، ولا لا شيء، لأن من قال: إنه شيء، فقد شبهه، ومن قال إنه لا شيء، فقد نفاه؛ فقالوا فيه بالنفي والإثبات جميعاً.
وقال هشام بن الحكم من القطيعة ومن قال بقوله: هو شيء جسيم، لا طويل ولا عريض، نور من الأنوار، له قدر من الأقدار، مصمت ليس بما فوق ولا
стр. 148
متخلل، وهو كالسنبلة والذرة، يتلألأ من كل نواحيه. وقالوا: لا يعقل شيئاً إلا موجوداً أو معدوماً، والموجود عندهم ما كان جسيماً محتملاً للصفات، وما خرج من الصفات، فهو عندهم عدم خارج من الوجود. وقالوا: لم يكن في مكان، ثم أحدث المكان فاستوى بحدث الحركة.
وقالت الجوالقة - منهم هشام بن سالم، وشيطان الطلق، ومن قال بقولهما -: هو صورة من الصور على صورة الإنسان، إلا أنه نور من الأنوار، ليس له لحم ولا دم، وله حواس؛ قالوا: ولا يعقل عالماً أبداً يدرك علماً، إلا بالحواس، وأحالوا أن يوصف بغير ما تحيط به أوهامهم.
وقالت المقاتلية - من المجبرة أصحاب مقاتل بن سليمان -: هو لحم ودم، وله صورة كصورة الإنسان؛ قالوا: لأنا لم نشاهد شيئاً موسوماً بالسمع والبصر والعقل والعلم والحياة والقدرة، إلا ما كان لحماً ودماً.
وقالت الحشوية: هو واحد ليس كمثله شيء، ومعنى ذلك، أي ليس كمثله شيء، في العظمة والسلطان والقدرة والعلم والحكمة، وهو موصوف عندهم بالنفس واليد والسمع والبصر، وحجتهم في ذلك من الكتاب قوله تعالى: (يد الله فوق أيديهم) وقوله: (ويحذركم الله نفسه) وقوله تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه) وقوله: (وكان الله سميعاً بصيراً) .
وقالوا: لا تدركه الأبصار في الدنيا، ولكنها تدركه في الآخرة، ويحتجون بقوله تعالى: (إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) وبقوله: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) وبقول النبي ﵌: (سترون ربكم يوم القيامة، كما ترون القمر ليلة أربع عشرة) .
فهذه خمسون مقالة من اختلاف الناس في صانعهم .
стр. 149
وأما اختلاف المسلمون في الإمامة.
فقالت المعتزلة والخوارج، إلا النجدات، والشيعة، وأكثر المرجية: إن الإمامة فرض واجب من الله تعالى يجب على المسلمين إقامتها، وإن الناس لا يصلحون إلا على إمام واحد يجمعهم، ويمنع بعضهم من بعض، وينفذ أحكامهم، ويقيم حدودهم، ويغزوا بجيوشهم. ويقسم فيأهم، وغنائمهم، وصدقاتهم بينهم.
وقالت الحشوية، وبعض المرجية والنجدات من الخوارج: إن الإمامة ليست لازمة، ولا واجبة، ولكن إن أمكن الناس أن ينصبوا إما ما عدلا من غير إراقة دم ولا حرب، فحسن، وإن لم يفعلوا ذلك، وقام كل رجل منهم بأمر منزله، ومن يشتمل عليه من ذوي قرابة ورحم وجار، فأقام فيهم الحدود والأحكام على كتاب الله وسنة نبيه، جاز ذلك، ولم يكن بهم حاجة إلى إمام، ولا يجوز إقامة السيف والحرب.
وافترق المشتون للإمامة: بم تستحق؟ فصاروا ثلاث فرق: فقالت فرقة: هي بالشورى، وهم جميع الأمة إلا الشاذ القليل.
وقالت فرقة: هي بالقربى والوراثة.
وقالت فرقة: هي بالنص.
فأما من يقول بالشورى: فقالت المعتزلة، والمرجية، والخوارج، وبعض الحشوية، والحزيرية، والبترية، وهما فرقتان من الزيدية: إن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم
стр. 150
لم ينصا على رجل بعينه واسمه، فيجعلوه إماماً للناس، وإن الإمامة شورى بين خيار الأمة وفضلائها، يعقدونها لأصلحهم لهم، ما لم يضطروا إلى العقد قبل المشورة، لفتق يخاف حدوثه على الأمة، فإذا خافوا وقوع ذلك، وبادر قوم من خيار الأمة وفضلائها، أو رجلان من عدو لها وأهل الشورى، فعقدوا الإمامة لرجل يصلح لها ويصلح على القيام بها، ثبتت إمامته، ووجبت على الأمة طاعته، وكان على سائر الناس الرضاء.
ثم اختلف الذين أوجبوا الأمامية: هل يجوز كون إمامين، أو أكثر في وقت واحد؟ فقال بعضهم: لا يجوز ذلك، لما فيه من الاختلاف والانتشار.
وقال بعضهم: يجوز كون إمامين وثلاثة، وأكثر من ذلك، في البلدان المتقاربة، في وقت واحد.
ثم اختلفوا في إمامة المفضول: فقال أهل الشورى جميعاً، إلا الشاذ القليل منهم: إن الإمامة لا يستحقها إلا الفاضل الذي يعرف فضله، وتقدمه على جميع الأمة في خلال الخير، إلا أن تحدث علة، أو يعرض أمر يكون فيه نصب المفضول للإمامة: أصلح للأمة، وأجمع لكلمتها، وأحقن لدمائها، وأقطع لاختلافها، ولطمع العدو فيها؛ أو يكون في الفاضل علة، تمنعه من القيام، كالمرض ونحوه؛ فذا كانت الحال كذلك، فالمفضول أحق بها من الفاضل، ولا يجوز أن يولي الفاضل على هذه الحال.
قالوا: ولن يجوز أن يكون المفضول عطلاً من الفقه والعلم، أو معروفاً بريبة، أو سوء، بل يكون خيراً فاضلاً من عداد العلماء، وإن كان في الأمة من هو خير أو أفضل أو أعلم منه.
وقال سليمان بن جرير، والبترية من الزيدية: إذا كان الحال بهذه الصفة،
стр. 151
فإقامة المفضول جائزة، وهي هدى وصواب، غير أن إقامة الفاضل على كل حال أفضل وأصوب وأصلح.
وقال قوم من المعتزلة، منهم عمرو بن بحر الجاحظ، وأكثر الشيعة، وأكثر المرجية: إن الإمامة لا يستحقها إلا الفاضل على كل حال، ولا يجوز أن تصرف إلى المفضول ما وجد الفاضل.
ثم اختلفوا فيها: فيمن تكون من الناس؟ فقال بعض المعتزلة، وبعض المرجية، وجميع الخوارج، وقوم من سائر الفرق: إن الإمامة جائزة في جميع الناس، لا يختص بها قوم دون قوم، وإنما تستحق بالفضل والطلب، وإجماع كلمة أهل الشورى.
وقال إبراهيم بن سيار النظام، مولى بلحارث بن عباد من بني قيس بن ثعلبة، وهو أحد فرسان المتكلمين، ومن قال بقوله من المعتزلة وغيرهم: الإمامة لأكرم الخلق وخيرهم عند الله، واحتجوا بقوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا الآية) . قال: فنادى جميع خلقه الأحمر منهم والأسود، والعربي والعجمي، ولم يخص أحداً منهم دون أحد، فقال: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) ، فمن كان أتقى الناس لله، وأكرمهم عند الله، وأعلم بالله، وعملهم بطاعته، كان أولاهم بالأمامة، والقيام في خلقه، كائناً من كان منهم، عربياً كان أو عجمياً.
قال مصنف الكتاب: وهذا المذهب الذي ذهب إليه النظام، هو أقرب
стр. 152
الوجوه إلى العدل، وأبعدها من المحاباة.
وقال بعض المعتزلة والمرجية: هي في قريش، ما وجد فيهم من يصلح لها، فإن لم يوجد فيهم من يصلح لها، جازت في الفضلاء من سائر الناس.
وقال الشيعة: لن تخرج من قريش، ولن تخلو قريش ممن يصلح للقيام بها.
وقال ضرار: إن الأعجمي أولى بها من العربي، لأن إزالته أهون وأيسر، متى احتيج إلى ذلك.
فهذا قول الشورى.
وقالت الراوندية: إن أولى الناس بالأمامة، بعد رسول الله ﵌: عمه العباس بن عبد المطلب، لأنه أقرب إلى رسول الله ﵌ نسباً وأمسهم بهم رحماً، وأولاهم بميراثه في مقامه، واحتجوا بقول الله تعالى: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) ، قالوا: ولا إمامة في النساء بالإجماع، فيكون لفاطمة إرث في الإمامة، ولا ولد لرسول الله ﵌ من الرجال لقول الله تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم) ، ولا يرث بنو العم وبنو البنت مع العم شيئاً، فيكون لعلي ولولد فاطمة إرث مع العباس في الإمامة، فصار العباس وبنوه أولى بها من جميع الناس بهذه الوجوه.
وقال مروان بن سليمان بن يحيى بن أبي حفصة:
أنّي يكون ولَيْسَ ذاك بكائِنٍ ... لبني البنَاتِ وِرَاثة الأعمَام
ولهذا السبب قالت الجعفرية: هي متوارثة في ولد الحسين، ولا يرث العم مع البنت شيئاً.
واختلف الذين قالوا: إن الإمامة بالنص، على ضربين:
стр. 153
فمنهم من قال: إنها منصوصة بالتسمية، منصوصة بالإشارة والوصف ومنهم من قال: إنها منصوصة بالتسمية والتعيين.
فقال قوم من المرجية، والحشوية: إن النبي ﵌ نص على أبي بكر بالإشارة والصفة، ودل على إمامته واستخلافه بما أمره به من الصلاة بالناس، وبغير ذلك مما رووه من الأخبار.
وقال قوم من الحشوية: إن النبي ﵌ نص على إمامة أبي بكر بالتسمية، والتعيين، ونصبه للناس واستخلفه.
وقالت الشيعة كلها: إن علياً ﵇ كان أولى الناس بمقام رسول الله ﵌ بعده، وأحقهم بالأمامة والقيام بالأمر في أمته، وأجمعوا على ذلك. ثم افترقوا ست فرق: سبئية، وسحابية، وغرابية، وكاملية، وزيدية، وإمامية.
فقالت السبئية - عبد الله بن سبأ، ومن قال بقوله -: إن علياً حي لم يمت، ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، ويرد جميع الناس على دين واحد قبل يوم القيامة.
وقال عبد الله بن سبأ للذي جاء بنعي علي ﵇ إلى المدائن: لو جئتنا بدماغه في صورة لعلمنا أنه لا يموت، حتى يسوق العرب بعصاه.
فقال ابن عباس - وقد ذكر له قول ابن سبأ -: لو علمنا ذلك ما زوجنا نساءه، ولا اقتسمنا ميراثه.
وقالت السحابية: إن علياً لم يمت وإنه معبودهم، وإنه تشبه للناس في صورة علي ﵇، وإن البرق سيفه، والرعد صوته، وقد قال فيهم الشاعر:
برئت من الخوارج لست منهم ... ومن قول الروافض وابن داب
стр. 154
ومن قومٍ إذا ذكروا علياً ... يردون السلام على السحاب
وقالت الغرابية: إن علياً ﵇ أشبه بالنبي ﵌ من الغراب بالغُراب، فغلط جبريل ﵇ حين بعث بالرسالة إلى علي لشبه النبي ﵌.
وقال الكاملية - أصحاب ابن كامل، ومن قال بقوله -: كفرت الأمة وضلت، بصرفها الأمر إلى غير علي، وكفر علي - وحاشا له من الكفر - بترك للقيام، والدعاء إلى نفسه، والجهاد على إمامته، وتضييع الوصية بالأمور التي أوصي بها إليه.
وافترقت الزيدية ثلاث فرق: بترية، وجريرية، وجارودية.
فقالت البترية: إن علياً ﵇ كان أفضل الناس بعد رسول الله ﵌، وأولاهم بالأمامة، وأن بيعة أبي بكر وعمر ليست بخطأ، لأن علياً ﵇ سلم لهما بمنزلة رجل كان له حق على رجل فتركه له، ووقفت في أمر عثمان، وشهدت بالكفر على من حارب علياً؛ وسموا البترية، لأنهم نسبوا إلى كثير النوى، وكان المغيرة بن سعد يلقب كثيراً بالأبتر.
وقالت الجريرية: إن علياً كان الأمام، بعد رسول الله ﵌، وإن بيعة أبي بكر وعمر، كانت خطأ لا يستحق عليه اسم الكفر، ولا اسم الفسوق، وإن الأمة قد تركت الأصلح، وبرئت من عثمان سبب إحداثه، وشهدت عليه وعلى من حارب علياً بالكفر.
وقالت الجارودية: إن رسول الله ﵌، نص على علي ﵇ بالإشارة والوصف، دون التسمية والتعيين، وإنه أشار إليه، ووصفه بالصفات التي لم توجد إلا فيه، وإن الأمة ضلت وكفرت بصرفها الأمر إلى غيره،
стр. 155
وإن رسول الله ﵌ نص على الحسن والحسين ﵉ بمثل نصه على علي، ثم الأمام بعد هؤلاء الثلاثة ليس بمنصوص عليه، ولكن الإمامة شورى بين الأفاضل من ولد الحسن والحسين، فمن شهر منهم سيفه، ودعا إلى سبيل ربه، وباين الظالمين، وكان صحيح النسب، من هذين البطنين، وكان عالماً زاهداً شجاعاً، فهو الإمام.
وافترقت الجارودية في نوع آخر ثلاث فرق: أ - فرقة زعمت أن محمد بن عبد الله النفس الزكية بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب لم يمت، ولا يموت، حتى يملأ الأرض عدلاً، وأنه القائم المهدي المنتظر عندهم؛ وكان محمد بن عبد الله خرج على المنصور فقتل بالمدينة.
ب - وفرقة زعمت أن محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب، حي لم يمت، ولا يموت، حتى يملأ الأرض عدلاً، وأنه المهدي المنتظر عندهم؛ وكان محمد بن القاسم هذا خرج على المعتصم بالطالقان فأسره المعتصم، فلم يدر بعد ذلك كيف كان خبره.
ج - وفرقة زعمت أن يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن لعي بن أبي طالب حي لم يمت، وأنه القائم المهدي المنتظر عندهم، ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلاً؛ وكان يحيى بن عمر هذا خرج على المستعين، فقتل بالكوفة.
هذه رواية أبي القاسم البلخي عن الزيدية، وليس باليمن من فرق الزيدية غير الجارودية وهم بصنعاء وصعدة وما يليهما.
ومنهم فرقة، يقال لها الحسينية يقولون: إن الحسن بن القاسم بن علي ابن عبد الله بن محمد بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن ابن علي بن أبي طالب حي لم يمت، ولا يموت، حتى يملأ الأرض عدلاً، وأنه
стр. 156
القائم المهدي المنتظر عندهم؛ وكان قتل يوم السبت الرابع من شهر صفر سنة أربع وأربعمائة، وكان مولده في سنة ثماني وسبعين وثلثمائة سنة، قتله همدان في موضع من أعمال صنعاء.
ويقولون في الحسين هذا: إنه أفضل من رسول الله ﵌، وإن كلامه أبهر من كلام الله، ومعنى: أبهر عندهم من كلام الله: أي أقطع لخصوم الملحدين من كلام الله؛ ويروون أن من لم يقل بقولهم هذا فيه فهو من أهل النار.
ثم افترقوا فرقتين: فرقة تزعم أنه يأتيهم في السر ولا ينقطع عن زيارتهم، في حال مغيبه، وأنهم لا يفعلون شيئاً إلا بأمره.
وفرقة تبطل ذلك، ويقولون: إنه لا يشاهد بعد الغيبة، إلى وقت ظهوره وقيامه، وإنما هم يعملون بما وضع في كتبه.
وقالت الأمامية جميعاً: إن رسول الله ﵌ نص على إمامة علي ﵇ باسمه وعينه ونسبه، ونصبه للناس إماماً واستخلفه وأظهر الأمر في ذلك إلى غيره، وإن الإمامة ضلت وكفرت بصرفها الأمر إلى غيره.
ثم افترقت الإمامية فرقتين: فقالت فرقة منهما: إن الإمام بعد علي ابنه الحسن بن علي، ثم الحسين بن علي، ثم ابنه محمد بن علي الباقر وهو ابن الحنفية، وهذه الفرقة تسمى الكيسانية.
وقالت الفرقة الثانية: إن الإمام بعد الحسين بن علي: ابنه علي بن الحسين، ثم محمد بن علي الباقر وهو أبو جعفر.
ثم افترقت الكيسانية ثلاث فرق: فقالت فرقة منهم تسمى الكربية - أصحاب أبي كرب الضرير والسيد الحميري -: إن محمد بن الحنفية حي لم يمت، مقيم بجبال رضوى بين ملكين في صورة أسد ونمر يحفظانه من عن يمينه وشماله يأتيه رزقه بكرة وعشياً، وإن الله تعالى يبعث إليه كل يوم ملائكة تحادثه وتحمل إليه من ثمار الجنة ما يأكله. وإنه القائم
стр. 157
المهدي المنتظر عندهم، ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، وإن الجبال لم تخلق إلا من أجله، ولله فيه تدبير عجيب، لا يعلمه غيره.
وبعض الكربية تقول: إنما فعل به ذلك عقوبة له على ركونه إلى عبد الملك ابن مروان وبيعته إياه، قال الشاعر الكربية:
يا شعيب رضوى ما لمن بك لا يرى ... وبنا من الصبابة أوثق
حتى متى وإلى متى وكم المدى ... يا ابن الوصي وأنت حي ترزق
وقال شاعرهم:
ألا إن الأئمة من قريش ... ولاة الأمر أربعة سواء
عليٌ والثلاثة من بنيه ... هم الأسباط لبس بهم خفاء
فسبطٌ سبط إيمان وبرٍ ... وسبطٌ غيبته كربلاء
وسبط لا يذوق الموت حتى ... يقود الخيل يقدمها اللواء
تغيب لا يرى عنا زماناً ... برضوى عنده عسل وماء
وقال شاعرهم أيضاً:
ألا قل للوصي فدتك نفسي ... أطلت بذلك الجبل المقاما
أضر بمعشرٍ والوك منا ... وسموك الخليفة والأماما
стр. 158
وعادوا فيك أهل الأرض طراً ... مقامك عنهم ستين عاما
وما ذاق ابن خولة طعم موتٍ ... ولا وارت له أرضٌ عظاما
هدانا الله إذ جرتم لأمرٍ ... به وعليه تلتمس التماما
تمام مودة المهدي حتى ... تروا راياتنا تترى نظاما
وكان محمد بن الحنفية تحول إلى الطائف، هارباً من عبد الله بن الزبير، فمات بالطائف، سنة إحدى ومائتين وهو ابن خمس وستين سنة.
وقالت الفرقة الثانية من الكيسانية - وهم أصحاب الرجعة، حيان السراج ومن قال بقولهم -: إن محمد بن الحنفية ميت بجبال رضوى، وإنه يرجع إلى الدنيا، ويبعث قبل يوم القيامة، ويبعث معه شيعته، فيملك بهم الدنيا، ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، ولا تقبل التوبة ممن خالفه، وإن الله تعالى عناه بقوله: (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل) .
وقالت الفرقة الثالثة من الكيسانية: إن محمد الحنفية قد مات، وإنه أوصى إلى ابنه عبد الله بن محمد وهو أبو هاشم، وهو الإمام بعده، فهلك أبو هاشم ولا عقب له، وكان عظيم القدر.
ثم افترق أصحاب أبي هاشم من بعده خمس فرق:
стр. 159
فقالت فرقة منهم: إن أبا هاشم أوصى إلى ابن أخيه الحسن بن علي بن محمد ابن الحنفية، وإنه الإمام بعده، وإن الحسن بن علي أوصى إلى ابنه علي بن الحسن، وإنه الإمام بعد أبيه؛ فهلك علي بن الحسن ولا عقب له، فهم ينتظرون رجعة محمد ابن الحنفية إلى الدنيا، بعد موته، ويقولون: أنه سيرجع قبل يوم القيامة ويملك، فهم في التيه لا إمام لهم بعده إلى أن يرجع محمد بن الحنفية.
وقالت الفرقة الثانية من أصحاب أبي هاشم: إن الإمام بعد أبي هاشم: محمد ابن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، وإن أبا هاشم صار بأرض السراة بعد متصرفه من الشام، فأوصى إلى محمد بن علي، فهو الإمام بعده، ثم أفضت الخلافة إلى بني العباس بوصية بعضهم إلى بعض.
ثم افترقت هذه الفرقة فرقتين: فرقة يقال لها: المسلمية: زعمت أن أبا مسلم الخراساني، حي لم يمت، وتسمى أيضاً: الحرمية.
قال أبو القاسم البلخي: وعندنا منهم ببلخ قوم يستحلون المحارم، على ما بلغني عنهم.
وفرقة تقول يموت أبي مسلم.
وقالت الفرقة الثالثة من أصحاب أبي هاشم، وهم الحزبية: إن أبا هاشم أوصى إلى عبد الله بن حرب الكندي، وإنه الأمام بعده، وإن روح أبي هاشم تحولت فيه، ووقفوا على كذبه فرفضوه فذهبوا إلى المدينة يلتمسون إماماً، فلقيهم عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، فدعاهم إلى إمامته، فأجابوه وقالوا بإمامته، وادعوا أن أبا هاشم أوصى إليه.
وكان عبد الله بن معاوية يقول: إنه رب، وإن العلم ينبت في قلبه، كما تنبت
стр. 160
الكمأة والعشب، وإن الأرواح تتناسخ، وإن روح الله كانت في آدم ثم نسخت حتى صارت فيه، فعبدته شيعته، وكفروا بالقيامة، وزعموا أن الدنيا لا تفنى، واستحلوا الخمر والميتة وغيرهما من المحارم، وتأولوا قول الله تعالى: (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناحٌ فيما طعموا) .
فلما هلك عبد الله بن معاوية، افترقت الحزبية بعده فرقتين: أ - فرقة قالت: إنه حي بجبال أصبهان، ولا يموت حتى يلي أمور الناس، ويملأ الأرض عدلاً، وإنه المهدي المنتظر عندهم.
ومنهم من يقول: حتى يقود نواصي الخيل مع المهدي.
ب - وفرقة قالت: إنه مات، فبقوا بعده مذبذبين لا إمام لهم.
وقالت الفرقة الرابعة من أصحاب أبي هاشم: إن أبا هاشم أوصى إلى بيان بن سمعان التميمي، وإنه الإمام بعده، وليس لبيان أن يوصي بها في عقبه، ولكنها ترجع إلى الأصل؛ وكان بيان بن سمعان يقول: إن الله تعالى على صورة الإنسان وإنه يهلك ويبقى وجهه، لقوله تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه) ، وادعى أنه يدعو الزهرة باسم الله الأعظم فتجيبه؛ فبلغ خبره خالد بن عبد الله القسري فقتله.
وقالت الفرقة الخامسة من أصحاب أبي هاشم: إن الإمام بعد أبي هاشم علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب، ثم اجتمعت هذه الفرقة من أصحاب أبي هاشم على إمامة أبي جعفر الباقر مع الفرقة التي قالت: إنها في ولد الحسين، فصاروا فرقة واحدة.
стр. 161
ثم اختلفوا فصاروا ثلاث فرق: جعفرية ومنصورية ومغيرية.
فقالت الجعفرية: إن الإمام بعد محمد بن علي الباقر ابنه جعفر بن محمد.
ثم افترقت الجعفرية ست فرق: ناووسية، وإسماعيلية، وشمطية، وفحطية، وجوالقية، وخطابية.
فقالت الناووسية: إن جعفر بن محمد حي لم يمت، ولا يموت حتى يملك شرق الأرض وغربها ويملأها عدلاً، وإنه القائم المهدي المنتظر عندهم؛ ونسبت هذه الفرقة إلى رجل من أهل البصرة يقال له: ابن ناووس، كان ذا قدر فيهم.
وقالت الإسماعيلية: إن جعفراً نص على ولده إسماعيل أنه الإمام بعده، وجعل الوصية إليه، لأنه كان أسن ولده وآثرهم عنده، فمات إسماعيل في حياة أبيه.
ثم افترقت الإسماعيلية فرقتين: أ - فقالت فرقة منهم: إن الإمام بعد جعفر ابنه إسماعيل وإنه حي لم يمت، ولا يموت حتى يملك الأرض، ويكون إماماً بعد أبيه، واحتجوا بأن جعفراً قال: ما كان الله ليدوا له علي في إمامة إسماعيل.
ب - وقالت الفرقة الثانية من الإسماعيلية - وهم يسمون المباركية نسبوا إلى عظيم من عظمائهم يسمى المبارك -: إن الإمام بعد جعفر ابن ابنه محمد بن إسماعيل بن جعفر، لأن جعفراً كان جعل الأمر والوصية لإسماعيل دون سائر ولده، وأن إسماعيل قد مات في حياة أبيه وأوصى إلى ولده محمد بن إسماعيل بمقامه من أبيه، فصار محمد ولي عهد جده جعفر، دون عمومه، فلما مات جعفر استحق محمد الإمامة بعده بذلك.
ثم افترقت المباركية فرقتين: أ - فقالت فرقة منهم: إن محمد بن إسماعيل بن جعفر حي لم يمت، ولا يموت حتى
стр. 162
يملأ الأرض عدلاً، وإنه القائم المهدي المنتظر عندهم، واحتجوا بروايات لهم عن النبي ﵌ أن سابع الأئمة قائمهم.
قالوا فالسبعة: علي، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، والسابع محمد بن إسماعيل بن جعفر.
ب - وقالت الفرقة الثانية من المباركية: إن محمد بن إسماعيل قد مات، وإن الإمامة في ولده من بعده.
ثم اختلفت هذه الفرقة في الحاكم بأمر الله.
فقالت فرقة: إنه قتل في شعب من شعاب المقطم ليلاً، وكان يركب إليه كل ليلة، ويتفرد فيه.
وقالت الفرقة الثانية: إنه حي لم يمت، ولا يموت حتى يملك جميع الأرض ويملأها عدلاً، وإنه المهدي المنتظر عندهم.
وقالت الشمطية من الجعفرية: إن الإمام بعد ابنه محمد بن جعفر، وإن الإمامة من بعد محمد في ولده، وقد كان خرج محمد بن جعفر وهو المعروف بديباجة ... على المأمون، ثم أسر وأتى به المأمون فعفا عنه وتوفي بحرجان، وله عقب، ونسبت هذه الفرقة إلى رجل من كبرائهم يقال له: يحيى بن أبي شمط.
وقالت الفطحية: إن الإمام بعد جعفر ابنه عبد الله بن جعفر، وكان أكبر من خلف من ولده، وسموا الفطحية، لأن عبد الله كان أفطح الرأس، وأفطح القدم، أي عريضها، قال الراعي يصف جملاً:
له عنقٌ عاري المحال وكاهلٌ ... كلوح اليماني ذو أساس أفطح
والمحال: فقار الظهر. والكاهل: ما بين العنق إلى الظهر. والساس: أطراف الفقار.
стр. 163
وقيل: إنما نسبوا إلى رجل من رؤسائهم يسمى: عبد الله بن فطح؛ وتسمى الفطحية أيضاً: العمارية، نسبوا إلى رجل من عظمائهم يقال له: عمار الساباطي.
قال أبو القاسم البلخي: والفطحية أعظم فرق الجعفرية، وأكثرهم جمعاً؛ قال: وقد مال إلى العمارية خلق كثير من الزرارية.
والزرارية كثر الشيعة فقهاً وحديثاً، قال: والفطحية يزعمون أن زرارة ابن أعين كان على مقالتهم وإنه لم يرجع عنها، وزعم بعضهم أنه رجع عنها حين سأل عبد الله بن جعفر عن مسائل فلم يجد عنده جوابها، فتركه وقال بإمامة موسى بن جعفر.
وقال بعضهم: لم يأتم به، ولكنه أشار إلى المصحف وقال: هذا إمامي.
ثم أن الفطحية بعد موت عبد الله بن جعفر قالوا بإمامة أخيه موسى بن جعفر، وقالوا: هو الإمام من بعد عبد الله بن جعفر، ودخلوا في القطعية.
وقالت الجوالقية: إن الإمام بعد جعفر ابنه موسى بن جعفر، وإن جعفر نص على إمامة موسى عند جمهور شيعته.
ثم افترقت الجوالقية بعد حياة موسى بن جعفر الثانية، فصاروا ثلاث فرق: فقالت فرقة منهم: إن موسى بن جعفر قد مات، وقطعوا على موته فسموا: القطعية.
وقالت فرقة: إن موسى بن جعفر حي لم يمت، ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلاً، وإنه القائم المهدي المنتظر عندهم، وهذه الفرقة تسمى: الواقفة وتسمى
стр. 164
أيضاً: الممطورة. لأن رجلاً منهم ناظر يونس بن عبد الرحمن، وهو من القطعية، فقال له يونس: لأنتم أنتن علي من الكلاب الممطورة.
وقالت فرقة: لا ندري أمات موسى بن جعفر أو لم يمت، إلا أنا مقيمون على إمامته حتى يصح أمره لنا، وأمر هذا المنصوب، يعنون ولده.
ثم افترقت القطعية فرقتين: أ - فقالت فرقة منهما: إن الإمام بعد موسى بن جعفر ابنه علي بن موسى، وإن الإمام بعد علي بن موسى محمد بنعلي بن موسى، ومات أبوه علي وهو ابن أربع سنين، وقيل ابن ثماني سنين. فاختلف الذين قالوا بإمامة محمد بن علي، فقال بعض المؤتمين به: إنه كان إماماً في حال صغره واجب الطاعة عالماً بما تعلمه الأئمة من الأحكام والحلال والحرام، وغير ذلك من أمور الدين، يجب استفتاؤه في الحوادث، ويصلح لما يصلح له غيره من الأئمة؛ وقالوا: ليس كبر السن من شرائط الإمامة.
وقال بعضهم: إنه كان في تلك الحال إماماً، على أن الأمر له وفيه دون سائر الناس، ولا يصلح للأمامة في وقته أحد غيره، فإما يجتمع فيه في تلك الحال ما اجتمع في الأئمة المتقدمين من خلال الإمامة فلا. قالوا: ولا يجوز أن يؤمهم في الصلاة، ولا يجب استفتاؤه في الحوادث في ذلك الوقت، وإنما يتولى ذلك غيره من أهل الصلاح منهم إلى وقت إدراكه، وقالوا بعد ذلك: إن الإمام بعد محمد ابن علي ابنه علي بن محمد، وإن الإمام بعد علي ابنه الحسن بن علي وهو المعروف بالعسكري، ومات العسكري، وهو الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى ابن جعفر بن محمد، في شهر ربيع الأول لثمان خلون منه، سنة ستين ومائتين،
стр. 165
ولا ولد للعسكري، فاختلط عليه أمره، فقالوا: إن له ولداً مكتوماً يظهره الله إذا شاء، وإنه القائم المهدي المنتظر عندهم، وإن خواص شيعته تعرفه وتلقاه، وإنه يظهر إذا شاء الله.
ورووا أخباراً عن أسلافهم أن الأئمة من آل محمد اثنا عشر إماماً لا يزيدون ولا ينقصون، أولهم علي ثم الحسن ثم الحسين، ثم علي بن الحسين ثم محمد بن علي ثم جعفر بن محمد ثم موسى بن جعفر ثم علي بن موسى ثم محمد بن علي ثم علي بن محمد ثم الحسن بن علي العسكري.
قالوا: فهؤلاء أحد عشر إماماً، والثاني عشر هو ولد العسكري هذا المستور الذي ادعوه، وهو المهدي المنتظر عندهم.
وهؤلاء يسمون: القطعية والإثني عشرية، وهم أكثر الشيعة عدداً على وجه الأرض.
وقالت الخطابية: إن الإمام بعد جعفر أبو الخطاب، واسمه محمد بن أبي زينب مولى لبني أسد؛ وقالوا: إن الأئمة أنبياء لا يزال منهم رسولان، واحد صامت، والآخر ناطق، فالصامت علي، والناطق محمد، وإن رسل الله تترى، أي اثنان في كل وقت. قالوا: فجعفر أحد الرسولين إليهم، والآخر أبو الخطاب. وقالوا: إن ولد الحسين وشيعتهم بناء الله وأحباؤه. وقالوا: إن عبادة الأئمة واجبة، وتأولوا في ذلك قول الله تعالى: (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ... الآية) . وعبدوا أبا الخطاب وقالوا: إنه الههم، وأن جعفر بن محمد إلههم أيضاً، إلا أن أبا الخطاب أعظم من جعفر ومن على. وخرج أبو الخطاب على أبي جعفر المنصورة فقتله عيسى بن موسى في سبخة الكوفة.
والخطابية يستحلون شهادة الزور لمن وافقهم في دينهم على من خالهم
стр. 166
في الأموال والدماء والفروج؛ وتقول: إن دماء مخالفيهم، وأموالهم، ونساءهم: لهم حلال.
ثم افترقت الخطابية أربع فرق: فرقة يقال لها: المعمرية، عبدوا معمراً الصفار وكان رجلاً يبيع الحنطة، كما عبدوا أبا الخطاب. وزعموا أن الدنيا لا تفنى، وأن الجنة هي ما يصيب الناس من العافية والخير، وأن النار ما تصيب الناس من خلاف ذلك. وقالوا بالتناسخ وإنهم لا يموتون ولكن ترفع أرواحهم إلى السماء وتوضع في أجساد غير تلك الأجساد واستحلوا الخمر والزنا وسائر المحرمات ودانوا بترك الصلاة.
وقالت الفرقة الثانية من الخطابية: إن جعفر بن محمد هو الله، ولكن تشبه للناس في صورة جعفر، وزعموا أن كل ما حدث في قلوبهم وحي، وأن كل مؤمن يوحى إليه، وتأولوا قول الله تعالى: (وأوحى ربك إلى النحل) وقوله: (وإذ أوحيت إلى الحواريين) . وزعموا أن فيهم خيراً من جبريل ومن ميكائيل ومن محمد. وزعموا أنه لا يموت منهم أحد، ون أحدهم إذا بلغ عبادته رفع إلى الملكوت. وادعوا معاينة موتاهم وأنهم يرونهم بكرة وعشياً.
وقالت الفرقة الثالثة من الخطابية: بتكذيب هؤلاء في الموت، وقالوا: أنهم يموتون ولا يزال منهم خلف في الأرض أئمة وأنبياء، وعبدوا جعفراً كما عبده المتقدمون، وزعموا أنه ربهم، وضربوا خيمة في كناسة الكوفة ثم اجتمعوا يلبون لجعفر، ويدعون إلى عبادته، وهؤلاء يسمون: العميرية، نسبوا إلى عمير بن البنان العجلي وكان رئيسهم، فأمر عمير بن هبيرة بعمير بن البنان فقتل وصلب في كناسة الكوفة، وحبس قوماً من أصحابه.
وقالت الفرقة الرابعة من الخطابية: بالبراءة من هؤلاء، وقالوا: بربوبية جعفر
стр. 167
وانتحلوا النبوة والرسالة، إنما خالفوهم في البراءة من أبي الخطاب فقط، لأن جعفراً أظهر البراءة من أبي الخطاب حين لبى به أصحابه في الطريق، وهؤلاء يسمون: المفضلة، نسبوا إلى رئيس لهم كان صيرفياً يسمى المفضل.
قال البلخي: وقد مال إلى الائتمام بمحمد بن إسماعيل جماعة من الخطابية أيضاً، ودخلوا في المباركية.
وقالت المغيرية: إن الإمام بعد أبي جعفر، محمد بن علي الباقر المغيرة بن سعد العجلي، وإن أبا جعفر أوصى إلى المغيرة، فهم يأتمون به إلى أن يظهر المهدي، والمهدي عندهم: محمد بن عبد الله النفس الزكية ابن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵇، فلما أظهر المغيرة هذا القول، برئت منه الجعفرية، وكان المغيرة بن سعد يدعي أنه نبي، وأنه يعلم اسم الله الأكبر، وأن معبوده رجل من نور على رأسه تاج من نور، وله من الأعضاء مثل ما للرجال، وله جوف، وقلب ينبع بالحكمة، وأن حروف أبجد على عدد أعضائه، فالألف موضع قدمه، لاعوجاجها؛ وذكر الصاد فقال: لو رأيتم موضع الصاد منه لرأيتم أمراً عظيماً، يعرض لهم بالعورة، وأنه قد رآه وقال: إنه يحيي الموتى بالاسم الأعظم.
وبلغ خالد بن عبد الله القسري خبره، فقتله وصلبه، فاستأمت المغيرية بعده جابر الجعفي، فمات جابر، فادعى وصيته بكر الأعور الهجري العتات فاستأموه، ثم هجموا منه على الكذب فخلعوه، وانصرفوا إلى عبد الله بن المغيرة بن سعد، فنصبوه إماماً، فأكل عبد الله أموالهم.
وقالت المنصورية: إن الإمام بعد محمد بن علي الباقر، أبو منصور العجلي،
стр. 168
وإن محمد بن علي إنما أوصى إلى أبي منصور دون بني هاشم، كما أوصى موسى إلى يوشع بن نون، دون ولده، ودون ولد هارون، ثم أن الإمام بعد أبي منصور يرجع إلى ولد علي.
وقال أبو منصور: إنما أنا مستودع، وليس لي أن أضعها في غيري، إلى أن يظهر المهدي المنتظر، وهو محمد بن عبد الله النفس الزكية.
وقال أبو منصور: إن آل محمد هم السماء، وشيعتهم الأرض، وإنه هو الكسف الساقط من بني هاشم.
وقال: في نزل: (وإن يروا كسفاً من السماء ساقطاً) .
وقال: إنه عرج إلى السماء فمسح معبوده رأسه بيده، ثم قال: أي بني اذهب فبلغ عني، ثم نزل به إلى الأرض.
ويمين أصحابه إذا حلفوا أن يقولوا: لا والكلمة.
وزعم أن عيسى أول ما خلق الله من خلقه، ثم علي، وأن رسل الله لا تنقطع أبداً، وكفر بالجنة والنار، وزعم أن الجنة رجل والنار رجل، واستحل الزنا وأحل ذلك لأصحابه، وزعم أن الميتة والدم والخمر والميسر، وغير ذلك من المحارم: حلال. وقال: إن ذلك أسماء رجال حرم الله ولايتهم، وأسقط جميع الفرائض مثل الصلاة والزكاة والحج والصيام؛ وقال: هي أسماء رجال أوجب الله ولايتهم. واستحل خنق المخالفين، وأخذ أموالهم. فأمر به يوسف بن عمر فقتل وصلب.
وافترقت المنصورية بعد أبي منصور فرقتين: حسينية، ومحمدية.
فقالت: الحسينية إن الإمام بعد أبي منصور ولده الحسين بن أبي منصور، وجعلوا له الخمس مما وقع في أيديهم من الخنق.
стр. 169
وقالت المحمدية: إن الإمام بعد أبي منصور محمد بن عبد الله النفس الزكية، لأن أبا منصور قال: إنما أنا مستودع وليس لي أن أضعها في غيري، ولكنه محمد ابن عبد الله.
فهذه الشيعة في الإمامة على ما حكاه عنهم أبو عيسى الرزاق، وزرقان بن موسى، وأبو القاسم البلخي في كتبهم.
وأما الخوارج: فقد ذكرنا أقوالهم في أصل الإمامة، وسنذكر من فرقهم ما ذكره أبو القاسم البلخي ورواه عنهم من الاختلاف.
فمن فرق الخوارج النجدية: إمامهم نجدة بن عامر الحنفي، والذي تفردوا به أنهم قالوا: أن المخطئ بالجهل معذور، فمن اسحل شيئاً من طريق الاجتهاد مما هو محرم فهو معذور على جهله. قالوا: ومن خاف العذاب على المجتهد المخطئ في الأحكام متى تقوم عليه الحجة فهو كافر. وقالوا: من نقل عن دار هجرتهم فهو منافق. وقالوا: دماء أهل العهد في دار النقية حلال، وبرئوا ممن حرمها. وقالوا: إن أصحاب الحدود المذنبين منهم غير خارجين من الأيمان، والمذنبين من غيرهم كفار. وقالوا: لا ندري لعل الله يعذب المؤمنين بقدر ذنوبهم في غير النار. وقالوا: من أصر على نظرة محرمة، أو كذبة فهو مشرك؛ ومن زنى أو سرق غير مصر فهو مسلم.
ومنهم الفديكية. إمامهم أبو فديك قاتل نجدة بن عامر بعد إحداثه، ولا يعلم لهم قول أبدعوه، غير إنكارهم على نجدة ونافع ابن الأزرق أحداثهما.
ومنهم العطوية: إمامهم عطية بن الأسود الحنفي، وكان عطية أنكر على نجدة، ونافع بن الأزرق، ما أحدثاه، ومضى إلى سجستان وخراسان، فهو أصل الخوارج بهما.
стр. 170
ومن العطوية: العجزية: إمامهم عبد الكريم بن العجرد، وهم يقولون: يجب دعاء الطفل إذا بلغ، ويجب البراءة منه قبل ذلك حتى يدعى إلى الإسلام.
ومن العجاردة: الميمونية: إمامهم ميمون، وقيل: إن ميموناً هذا كان رجلاً من أهل بلخ، وقيل: بل كان عبد الكريم بن العجرد، والميمونية لا يرون إلا قتال السلطان خاصة، وأعوانه، ومن رضي بحكمه، ومن طعن في دينهم. وهم يجيزون نكاح بنات البنين، وبنات البنات، وبنات الأخوات، وبنات بني الأخوة. ويقولون: إن الله حرم نكاح البنات والأخوات، وبنات الأخ، وبنات الأخت، وأحل ما وراء ذلك. وهم يقولون بالعدل. وكانت الغلبة بخراسان وسجستان لهؤلاء وللعجاردة.
ومن الميمونية: الحلفية: وهم يخالفون الميمونية في القول بالعدل، ويقولون بالجبر، وهم بكرمان. وقالوا: لا نستحل العقد لإمام بعده، حتى يصح لنا خبره، أو يتم مائة وعشرين سنة، من يوم ولد، وكان إمامهم هذا يحارب الحمزية.
ومن الميمونية: حمزية: إمامهم حمزة بن أدرد، وهم يجيزون كون إمامين وأكثر من ذلك في وقت واحد، وهم يقولون بالعدل.
ومن العجاردة خازمية: وهم يقولون بالأحبار، ويقولون: إن الولاية والعداوة صفتان في الذات.
ومن الخازمية: مجهولية: وهم يقولون: من لم يعلم الله تعالى بجميع أسمائه فهو له جاهل، وإن أفعال العباد ليست بمخلوقة، وإن الاستطاعة مع الفعل كالكون إلا ما شاء الله.
ومن الخازمية: معلومية: وهم يقولون: من علم الله ببعض أسمائه فلم يجهله.
ومن العجاردة: صلتية: إمامهم عثمان بن أبي الصلت، والصلت بن أبي الصلت. وهم يقولون: إذا استجاب الرجل في الإسلام توليناه، وبرئنا من أطفاله،
стр. 171
لأنهم ليس لهم إسلام حتى يدركوا، فيدعوا إلى الإسلام ويسلموا.
ومن العجاردة فرقة يقولون: ليس لأطفال المؤمنين، ولا لأطفال الكافرين ولاية ولا عداوة حتى يدركوا ويسلموا.
ومن العجاردة: ثعلبية: إمامهم ثعلبة، وهم يقولون في الأطفال: إنهم مشتركون في عقاب آبائهم، وإنهم ركن من أركانهم، وبعض من أبعاضهم.
ومن الثعلبية: أخنسية: إمامهم الأخنس، وهم يقفون عن جميع ما في دار النقية من أهل القبلة، إلا من عرفوه بإسلام، أو كفر، ويحرمون البيات والاغتيال والقتل في السر، وأن يبدأ أحد بقتال حتى يدعى إلى الإسلام، فبرئ منهم جمهور الثعالبة.
ومن الثعالبة: معبدية: إمامهم معبد، وهم يرون أخذ زكاة أموال عبيدهم إذا استغنوا، وإعطاءهم من زكاتهم إذا افترقوا، وكان مواليهم على رأيهم أو لم يكونوا، فبرئت منهم الثعالبة.
ومن الثعلبية: شيبانية: إمامهم شيبان بن سلمة الخارج في أيام أبي مسلم، وكان أحدث أحداثاً منها معاونة أبي مسلم، فبرئت منه الخوارج وقتل؛ فقالت الشيبانية: إنه قد تاب، وقال سائر الثعالبة: لا تقبل توبة مثله، إلا بأن يقص منه، أو يعفو صاحب الحق، وبرئوا ممن أجاز توبته.
ومن الثعالبة: رشيدية: إمامهم رشيد، وهم يقولون: إنه يجب فيما يسقي الفيول الجارية، والأنهار، نصف العشر، فبرئت منهم الثعالبة.
ومن الثعالبة: مكرمية: إمامهم أبو مكرم، وهم يقولون: إن تارك الصلاة كافر،
стр. 172
وليس من قبل ترك الصلاة كفر، ولكن من قبل جهله. وكذلك قالوا في سائر الفرائض. وقالوا: من أتى كبيرة، فقد جهل الله تعالى. وقالوا بالموافاة، وهو أن الله إنما يتولى عباده، ويعاديهم على ما هم صائرون إليه لا على أعمالهم. فبرئت منه الثعالبة.
ومن الخوارج الأباضية: إمامهم عبد الله بن أباض التميمي من مقاعس تيم الحارث بن عمر بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم.
قال أبو القاسم البلخي: حكى أصحابنا أن عبد الله بن أباض لم يمت حتى ترك قوله أجمع، ورجع إلى الاعتزال، والقول بالحق.
قال: والذي يدل على ذلك، أن أصحابه لا يعظمون أمره.
وجمهور الأباضية يقولون: إن مخالفيهم من أهل القبلة كفار، وليسوا بمشركين، حلال مناكحتهم، وحلال غنيمة أموالهم عند الحرب من السلاح والكراع، حرام ما وراء ذلك من سبيهم وقتلهم في السر، إلا من دعا إلى شرك في دار تقية وادعى الإسلام، ولا ذمة له. وقالوا: إن الدار، دار مخالفيهم، دار توحيد، إلا عسكر السلطان فإنه دار بغي. وقالوا: من سرق وزنى، أقيم عليه الحد، ثم استنيب، فن تاب وإلا قتل.
واختلفوا في النفاق.
فقالت فرقة منهم: النفاق براءة من الشرك، واحتجوا بقوله تعالى (لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء) .
стр. 173
وقالت فرقة منهم: كل نفاق شرك، لأنه يضاد التوحيد.
وقالت فرقة منهم: لا حجة لله على أحد في توحيد إلا بخبر، أو ما يقوم مقام الخبر من إيماء أو إشارة.
وقالت فرقة منهم: لا يجوز أن يخلي الله عباده من التكليف لوحدانيته ومعرفته.
وقالت فرقة منهم: يجوز أن يخليهم الله من ذلك.
وقالت فرقة منهم: من دخل في دين الإسلام وجبت عليه الشرائع والأحكام، ثم وقف على ذلك، أو لم يقف، سمعه، أو لم يسمعه.
وقالت فرقة منهم: يجوز أن يبعث الله نبياً بلا دليل.
وقالت فرقة منهم: من ورد عليه الخبر بأن الخمر قد حللت، وأن القبلة قد حولت، فعليه أن يعمل بذلك، أخبره بذلك مؤمن أو كافر، وعليه أن يفعل ذلك بالخبر، وليس عليه أن يعلم ذلك بالخبر.
وقالت فرقة منهم: من قال بلسانه إن الله واحد، وعني المسيح، فهو صادق في قوله مشرك بقلبه.
وقالت فرقة منهم: ليس على الناس المشي إلى الصلاة والزكاة والحج، ولا شيء من أسباب الطاعة، التي توصل بها إليها؛ وإنما عليهم فعلها بعينها فقط.
وقالت فرقة منهم: الدرهم بدرهمين يداً بيد حلال. وقالوا: قد يكون في الإنسان إيمان، ولا يسمى به مؤمناً.
وقالت فرقة منهم: بتحليل الأشربة التي يسكر كثيرها، إذا لم تكن الخمر بعينها؛ وحرموا السكر، وهم يرون قتل المشبهة وبسبيهم وغنيمة أموالهم ويجهزون على جريحهم.
стр. 174
ومن الأباضية. حفصية: إمامهم حفص بن أبي المقدام. وهم يقولون: إن ما بين الشرك والكفر معرفة الله، فمن عرف الله، ثم كفر بما سواه من رسول أو كتاب أو جنة أو نار، أو عمل جميع الجنايات، فهو كافر بريء من الشرك؛ ومن جهل الله وأنكره، فهو مشرك.
ومنهم اليزيدية: إمامهم يزيد بن أبي أنيسة، قال: إن الله تعالى سيبعث رجلاً من العجم، وينزل عليه كتاباً من السماء، ثم يكتب في السماء، وينزل عليه جملة واحدة، فيترك شريعة محمد ويأتي بشريعة أخرى وغيرها، وإن ملته تكون الصابية، وليست هذه الصابية؛ ولكن الصابين الذين ذكرهم الله في كتابه، قال: ولم يأتوا بعد؛ وزعم أن في هذه الأمة شاهدين عليها، وأنه أحدهما، وأنه لا يدري أمضى الآخر، أم هو كائن؟ فبرئ منه جل الأباضية.
ومن الخوارج الواقفة: من قصتهم أن رجلاً منهم يقال له: إبراهيم من أهل المدينة، كان يصبي في منزله من دين إلى دين - قال أبو عبيدة: صبى من دينه إلى دين آخر، كما تصبي النجوم، أي تخرج من مطالعها - ومعه جماعة منهم، فبعث جارية له إلى السوق كانوا يتولونها، فأبطأت، فغضب إبراهيم وقال: لأبيعها في الأعراب فقال له رجل ممن حضر - يقال له ميمون غير الذي من العجاردة - فكيف يسعك أن تبيع جارية مسلمة من قوم كفار؟ فقال إبراهيم: إن الله أحل البيع وحرم الربا، وقد مضى أسلافنا وهم يستحلون ذلك؟؟؟!! فبرئ ميمون ممن استحل بيعها، ووقف سائر من في البيت، فلم يقولوا بتحليل ولا تحريم، وكتبوا إلى علمائهم يسألونهم عن ذلك، فأفتوا أن بيعها حلال، وبأن يستناب أهل البيت من توقفهم في ولاية إبراهيم، وبأن يستناب ميمون، وبالبراءة من امرأة كانت
стр. 175
معهم وقفت، فماتت قبل ورود الفتوى، فأبى من كان في البيت أن يبرأوا منها، وأن يتوبوا من الوقوف، وثبتوا عليه، فسموا: الواقفة، فبرئت منهم الخوراج.
ومن الخوارج الضحاكية: إمامهم الضحاك، وهم يجيزون أن تزوج المرأة المسلمة عندهم من كفار قولهم في دار النقية، كما يجوز للرجل منهم أن يتزوج الكافرة من قومه في دار التقية؛ فأما دار العلانية، ودار حكمهم، فلا يجوز؛ فبرئت منهم الخوارج، ووقفت فرقة في ذلك فسموا الواقفة، وقالوا: لا نعطي هذه المرأة من حقوق المسلمين شيئاً، ولا نصلي عليها إن ماتت، ونقف في أمرها، ومنهم من برئ منها.
ومن الخوارج البيهسية: وإمامهم أبو بيهس الهصيم بن جابر وهم يقولون: إن السكر من كل شراب حلال الأصل موضوع عمن سكر منه، وكل ما كان من ترك صلاة أو شتم فهو موضوع عن صاحبه، لا حد فيه ولا حكم، ولا يكفر أهله بشيء من ذلك، ما داموا في حال السكر؛ وقالوا: إن الشراب الذي هو حلال الأصل، لم يأت فيه من التحريم ولا إقلال أو إكثار أو سكر، ويقولون: إنه لا يسلم أحد حتى يقر بمعرفة الله ، ومعرفة رسوله، ومعرفة ما جاء به محمد ﵌ جملة من الشريعة؛ وقالوا: من جهل شيئاً من ذلك فهو مشرك، وقالوا: بقتل الغيلة، وأخذ مال المخالفين.
ومن البيهسية: العوفية: وهم يقولون: إذا كفر الإمام كفرت بكفره الرعية، الشاهد منهم والغائب، وصارت الدار دار شرك، يحل قتل أهلها وسبيهم على كل حال.
стр. 176
قال المداني: طلب الحجاج أبابيهس الهيصم بن جابر، وهو أحد بني سعد بن ضبيعة بن قيس أيام الوليد، فهرب إلى المدينة، فلم يعرفه أحد، فطلبه الحجاج، فأعياه، فبلغ الوليد أنه بمكة، فكتب إلى عثمان بن حبان المري فيه، ووصفه له صفته، فظفر به عثمان وحبسه، وكان يسامره إلى أن ورد الكتاب من الوليد بقطع يديه ورجليه وصلبه، ففعل به ذلك.
ومن الخوارج الصفرية: نسبوا إلى إمامهم زياد بن الأصفر، وزعم قوم أن الذي نسبوا إليه عبد الله بن الصفار، ونهم الصفرية بالصاد، وهم يقولون: إن كل ذنب مغلظ كفر وشرك، وكل شرك كيادة للشيطان، وهو قول الخوارج إلا الفضيلية.
والصفرية يجيزون مناكحة المشركين والمشركات، وأكل ذبائحهم وقبول شهادتهم ومواريثهم، ويحتجون بأن النبي ﵌ زوج بناته من المشركين في دار التقية.
ومن الخوارج: الفضيلية: وهم يقولون: إن كل معصية صغرت أو كبرت، فهي شرك، وإن صغائر المعاصي مثل كبائرها؛ ويقولون: إنه لا يكفر عندهم من قال بضرب من الحق وهو يضمر غيره، نحو أن يقول: لا إله إلا الله، وهو يريد قول النصارى، أي الذي له الولد والزوجة، أو يريد ضما قد الحدوة، ويقول: محمد رسول الله، وهو يعني غيره، ممن هو حي، وأشباه ذلك.
ومن الخوارج الشمراخية: إمامهم عبد الله بن شمراخ، وهم يصفون خلف من صلى إلى القبلة، ولو كان يهودياً أو نصرانياً ينافق بصلاته.
ومن الخوارج الأزارقة إمامهم نافع بن الأزرق الحنفي، وهو أول من الحد
стр. 177
الخلاف من الخوارج، وهم يقولون: إن من أقام من المسلمين في دار الكفر، فهو كافر، ويرون قتل النساء والأطفال، ويحتجون بقول الله تعالى: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ... الآية إلى قوله كفاراً) .
ومن الخوارج: البدعية وهم يقولون: إن الصلوات ركعتان بالعشي وركعتان بالغداة، لا غير ذلك، لقول الله تعالى: (وأقم الصلاة طرفي النهار) .
والبدعية يقطعون بالشهادة على أنفسهم وموافقتهم أنهم من أهل الجنة من غير شرط ولا استثناء.
وأصل فرق الخوارج: الأزارقة، والأباضية، والنجدية، والصفرية، وسائرها متفرع من هذه الفرق، وقيل: سائرها متفرع من الصفرية.
هذه أصول فرق الشيعة والخوارج المشهورة التي نسبت إلى أول من ابتدعها منهم وقال بها من أئمتهم.
فأما الفروع التي تفرعت منها والشعب التي تشعبت عنها فهي كثيرة، وكذلك أئمة هاتين الفرقتين الخارجون، والداعون إلى الجهاد لا يجمع ذكرهم إلا كتاب مفرد.
والشيعة والخوارج أشد فرق الأمة تمسكاً بالأئمة، وأكثرهم اختلافاً وتفرقاً وبراءة من ولاية بعضهم.
وإنما سميت الشيعة: شيعة، لمشايعتهم علي بن أبي طالب، ولأولاده ﵈؛ والمشايعة: الموالاة والمناصرة، والشيعة: الأولياء والأنصار والأصحاب والأحزاب، ومنه قوله تعالى: (ومن شيع الأولين) ، وقوله: (وإن من شيعته لإبراهيم) ، ومنه قول الكميت بن زيد الأسدي:
إذا الخيل وراها العجاج وتحته ... غبارٌ أثارته السنابك أصهب
стр. 178
فما لي إلا آل أحمد شيعةٌ ... وما لي إلا مشعب الحق مشعب
المشعب: الطريق ويقال شيع الرجل: إذا صحبه، والمشايعة أيضاً: المخالطة والمشاركة في الأمر وغيره، ومنه يقال: سهم مشاع أي غير مقسوم، وسهم شائع أيضاً، كما يقال سائر وسار، قال أبو ذؤيب يصف ظبية:
فسود ماء المزد فاهاً فلونها ... كلون النؤور وهي أدماء سارها
أي سائرها، وقال آخر في صفة الوتد:
ومشج أماسوا قذاله ... فبدا وغيب ساره المعزاء
وقيل: إن اسم الشيعة مأخوذ من السهم الشائع، فإن صح هذا، فالشيعة جمع شاع، مثل حيرة جمع حار، والشيعة أيضاً من غير هذا: مثل الأسد وهو ولده وهو الشيع أيضاً، ويقال: هذا شوع هذا وشيع هذا: للذي ولد بعده، ولم يولد بينهما، ويقال: آتيك غداً شيع غد: أي بعد غد، قال عمر بن أبي ربيعة:
قال الخليط غداً تصدعنا ... أو شيعه أفلاً تود عناء
ويقال: إن الشيع: المقدار، ويقال: أقام شهراً أو شيعه، ويقال: شيع الراعي بأبله، وشايع، إذا صاح بها، ودعاها إذا استأخر بعضها: والمصدر: المشايعة والشياع، الشياع: صوت مزمار الراعي، قال قيس بن أبي ذريح الكناني، أخو ليث بن بكر بن كنانة، المشهور بالعشق:
стр. 179
إذا ما تذكرين يحن قلبي ... حنين النيب تطرب للشياع
ويقال شيعه: أحرقه، ويقال: شيعت النار بالحطب تشييعاً إذا أذكيتها به، والمشيع: الشجاع، قال أبو ذؤيب:
فتبادروا وتواقفت خيلاهما ... وكلاهما بطلٌ للقاء مشيع
الرواية المشهورة: بطل اللقاء مخدع بالخاء المعجمة ودال مهملة، أي خدع مراراً في الحرب حتى صار مجرباً، ويروى: مجذع بالذال المعجمة مفتوحة أي مقطع، أي مضروب بالسيف. والمشايع: اللاحق.
وكانت الشيعة الذين شايعوا علياً ﵇ على قتال طلحة والزبير وعائشة، ومعاوية، والخوارج في حياة علي ﵇، ثلاث فرق: فرقة منهم، وهم الجمهور الأعظم الكثير، يرون إمامة أبي بكر وعمر، وعثمان، إلى أن غير السيرة، وأحدث الأحداث.
وفرقة منهم، أقل من أولئك عدداً: يرون الإمام بعد رسول الله ﵌: أبا بكر، ثم عمر، ثم علياً، ولا يرون لعثمان إمامة؛ قال أيمن ابن خزيم الأسدي:
له في رقاب الناس عهدٌ وبيعةٌ ... كعهد أبي حفص وعهد أبي بكر
وحكى الجاحظ أنه كان في الصدر الأول لا يسمى: شيعياً، إلا من قدم علياً على عثمان؛ ولذلك قيل: شيعي، وعثماني؛ فالشيعي: من قم علياً على عثمان، والعثماني: من قدم عثمان على علي.
стр. 180
وكان واصل بن عطاء ينسب إلى التشيع في ذلك الزمان. لأنه كان يقدم علياً على عثمان.
وفرقة منهم يسيرة العدد جداً، يرون علياً أولى بالإمامة بعد رسول الله ﵌، ويرون إمامة أبي بكر وعمر كانت من الناس على وجه الرأي والمشورة، ويصوبونهم في رأيهم ولا يخطئونهم، إلا أنهم يقولون: إن إمامة علي كانت أصوب وأصلح.
ولم تزل الشيعة على هذه الأقوال الثلاثة، إلى أن قتل الحسين بن علي ﵇، ثم افترقت الشيعة بعده على ثلاث فرق: فرقة قالت: إن الإمام بعد الحسين ابنه علي بن الحسين، وإن الإمامة بعد الحسين في ولده خاصة، لأنها استقرت في يده فلم تكن لتخرج من أيدي ولده إلى غيرهم، وإنها تمضي قدماً قدماً لا تأخذ يميناً ولا شمالاً، وإنها لا ترجع القهقرى ولا تمشي إلى وراء، ولا تكون إلا بنص من الإمام الأول على الإمام الثاني، وإن الأرض لا تخلو من إمام طرفة عين، إما مشهور وإما مستور، ولهذا سموا: بالإمامية، لالتزامهم بالإمام.
وقالت الفرقة الثانية: لم يصح عندنا أن الحسين عهد إلى أحد، ولا دعى ابنه علي إلى بيعة، فنحن نقف حتى نرى رجلاً من أحد البطنين - يعنون: ولد الحسن والحسين - يصح لنا ولادته، وزهده، وعلمه، وشجاعته، وعدالته، وورعه، وكرمه، يشهر السيف، ويباين الظالمين، فتلزمنا طاعته، فسموا: الواقفة، فمكثوا بعد قتل الحسين ستين سنة، حتى قام زيد بن علي بن الحسين بالكوفة،
следующие страницы →