← Адаб

Адаб · id 22885

الحور العين

نشوان الحميري

Полный текст (317 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

قال المداني: طلب الحجاج أبابيهس الهيصم بن جابر، وهو أحد بني سعد بن ضبيعة بن قيس أيام الوليد، فهرب إلى المدينة، فلم يعرفه أحد، فطلبه الحجاج، فأعياه، فبلغ الوليد أنه بمكة، فكتب إلى عثمان بن حبان المري فيه، ووصفه له صفته، فظفر به عثمان وحبسه، وكان يسامره إلى أن ورد الكتاب من الوليد بقطع يديه ورجليه وصلبه، ففعل به ذلك. ومن الخوارج الصفرية: نسبوا إلى إمامهم زياد بن الأصفر، وزعم قوم أن الذي نسبوا إليه عبد الله بن الصفار، ونهم الصفرية بالصاد، وهم يقولون: إن كل ذنب مغلظ كفر وشرك، وكل شرك كيادة للشيطان، وهو قول الخوارج إلا الفضيلية. والصفرية يجيزون مناكحة المشركين والمشركات، وأكل ذبائحهم وقبول شهادتهم ومواريثهم، ويحتجون بأن النبي ﵌ زوج بناته من المشركين في دار التقية. ومن الخوارج: الفضيلية: وهم يقولون: إن كل معصية صغرت أو كبرت، فهي شرك، وإن صغائر المعاصي مثل كبائرها؛ ويقولون: إنه لا يكفر عندهم من قال بضرب من الحق وهو يضمر غيره، نحو أن يقول: لا إله إلا الله، وهو يريد قول النصارى، أي الذي له الولد والزوجة، أو يريد ضما قد الحدوة، ويقول: محمد رسول الله، وهو يعني غيره، ممن هو حي، وأشباه ذلك. ومن الخوارج الشمراخية: إمامهم عبد الله بن شمراخ، وهم يصفون خلف من صلى إلى القبلة، ولو كان يهودياً أو نصرانياً ينافق بصلاته. ومن الخوارج الأزارقة إمامهم نافع بن الأزرق الحنفي، وهو أول من الحد

стр. 177

الخلاف من الخوارج، وهم يقولون: إن من أقام من المسلمين في دار الكفر، فهو كافر، ويرون قتل النساء والأطفال، ويحتجون بقول الله تعالى: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ... الآية إلى قوله كفاراً) . ومن الخوارج: البدعية وهم يقولون: إن الصلوات ركعتان بالعشي وركعتان بالغداة، لا غير ذلك، لقول الله تعالى: (وأقم الصلاة طرفي النهار) . والبدعية يقطعون بالشهادة على أنفسهم وموافقتهم أنهم من أهل الجنة من غير شرط ولا استثناء. وأصل فرق الخوارج: الأزارقة، والأباضية، والنجدية، والصفرية، وسائرها متفرع من هذه الفرق، وقيل: سائرها متفرع من الصفرية. هذه أصول فرق الشيعة والخوارج المشهورة التي نسبت إلى أول من ابتدعها منهم وقال بها من أئمتهم. فأما الفروع التي تفرعت منها والشعب التي تشعبت عنها فهي كثيرة، وكذلك أئمة هاتين الفرقتين الخارجون، والداعون إلى الجهاد لا يجمع ذكرهم إلا كتاب مفرد. والشيعة والخوارج أشد فرق الأمة تمسكاً بالأئمة، وأكثرهم اختلافاً وتفرقاً وبراءة من ولاية بعضهم. وإنما سميت الشيعة: شيعة، لمشايعتهم علي بن أبي طالب، ولأولاده ﵈؛ والمشايعة: الموالاة والمناصرة، والشيعة: الأولياء والأنصار والأصحاب والأحزاب، ومنه قوله تعالى: (ومن شيع الأولين) ، وقوله: (وإن من شيعته لإبراهيم) ، ومنه قول الكميت بن زيد الأسدي: إذا الخيل وراها العجاج وتحته ... غبارٌ أثارته السنابك أصهب

стр. 178

فما لي إلا آل أحمد شيعةٌ ... وما لي إلا مشعب الحق مشعب المشعب: الطريق ويقال شيع الرجل: إذا صحبه، والمشايعة أيضاً: المخالطة والمشاركة في الأمر وغيره، ومنه يقال: سهم مشاع أي غير مقسوم، وسهم شائع أيضاً، كما يقال سائر وسار، قال أبو ذؤيب يصف ظبية: فسود ماء المزد فاهاً فلونها ... كلون النؤور وهي أدماء سارها أي سائرها، وقال آخر في صفة الوتد: ومشج أماسوا قذاله ... فبدا وغيب ساره المعزاء وقيل: إن اسم الشيعة مأخوذ من السهم الشائع، فإن صح هذا، فالشيعة جمع شاع، مثل حيرة جمع حار، والشيعة أيضاً من غير هذا: مثل الأسد وهو ولده وهو الشيع أيضاً، ويقال: هذا شوع هذا وشيع هذا: للذي ولد بعده، ولم يولد بينهما، ويقال: آتيك غداً شيع غد: أي بعد غد، قال عمر بن أبي ربيعة: قال الخليط غداً تصدعنا ... أو شيعه أفلاً تود عناء ويقال: إن الشيع: المقدار، ويقال: أقام شهراً أو شيعه، ويقال: شيع الراعي بأبله، وشايع، إذا صاح بها، ودعاها إذا استأخر بعضها: والمصدر: المشايعة والشياع، الشياع: صوت مزمار الراعي، قال قيس بن أبي ذريح الكناني، أخو ليث بن بكر بن كنانة، المشهور بالعشق:

стр. 179

إذا ما تذكرين يحن قلبي ... حنين النيب تطرب للشياع ويقال شيعه: أحرقه، ويقال: شيعت النار بالحطب تشييعاً إذا أذكيتها به، والمشيع: الشجاع، قال أبو ذؤيب: فتبادروا وتواقفت خيلاهما ... وكلاهما بطلٌ للقاء مشيع الرواية المشهورة: بطل اللقاء مخدع بالخاء المعجمة ودال مهملة، أي خدع مراراً في الحرب حتى صار مجرباً، ويروى: مجذع بالذال المعجمة مفتوحة أي مقطع، أي مضروب بالسيف. والمشايع: اللاحق. وكانت الشيعة الذين شايعوا علياً ﵇ على قتال طلحة والزبير وعائشة، ومعاوية، والخوارج في حياة علي ﵇، ثلاث فرق: فرقة منهم، وهم الجمهور الأعظم الكثير، يرون إمامة أبي بكر وعمر، وعثمان، إلى أن غير السيرة، وأحدث الأحداث. وفرقة منهم، أقل من أولئك عدداً: يرون الإمام بعد رسول الله ﵌: أبا بكر، ثم عمر، ثم علياً، ولا يرون لعثمان إمامة؛ قال أيمن ابن خزيم الأسدي: له في رقاب الناس عهدٌ وبيعةٌ ... كعهد أبي حفص وعهد أبي بكر وحكى الجاحظ أنه كان في الصدر الأول لا يسمى: شيعياً، إلا من قدم علياً على عثمان؛ ولذلك قيل: شيعي، وعثماني؛ فالشيعي: من قم علياً على عثمان، والعثماني: من قدم عثمان على علي.

стр. 180

وكان واصل بن عطاء ينسب إلى التشيع في ذلك الزمان. لأنه كان يقدم علياً على عثمان. وفرقة منهم يسيرة العدد جداً، يرون علياً أولى بالإمامة بعد رسول الله ﵌، ويرون إمامة أبي بكر وعمر كانت من الناس على وجه الرأي والمشورة، ويصوبونهم في رأيهم ولا يخطئونهم، إلا أنهم يقولون: إن إمامة علي كانت أصوب وأصلح. ولم تزل الشيعة على هذه الأقوال الثلاثة، إلى أن قتل الحسين بن علي ﵇، ثم افترقت الشيعة بعده على ثلاث فرق: فرقة قالت: إن الإمام بعد الحسين ابنه علي بن الحسين، وإن الإمامة بعد الحسين في ولده خاصة، لأنها استقرت في يده فلم تكن لتخرج من أيدي ولده إلى غيرهم، وإنها تمضي قدماً قدماً لا تأخذ يميناً ولا شمالاً، وإنها لا ترجع القهقرى ولا تمشي إلى وراء، ولا تكون إلا بنص من الإمام الأول على الإمام الثاني، وإن الأرض لا تخلو من إمام طرفة عين، إما مشهور وإما مستور، ولهذا سموا: بالإمامية، لالتزامهم بالإمام. وقالت الفرقة الثانية: لم يصح عندنا أن الحسين عهد إلى أحد، ولا دعى ابنه علي إلى بيعة، فنحن نقف حتى نرى رجلاً من أحد البطنين - يعنون: ولد الحسن والحسين - يصح لنا ولادته، وزهده، وعلمه، وشجاعته، وعدالته، وورعه، وكرمه، يشهر السيف، ويباين الظالمين، فتلزمنا طاعته، فسموا: الواقفة، فمكثوا بعد قتل الحسين ستين سنة، حتى قام زيد بن علي بن الحسين بالكوفة،

стр. 181

في زمن هشام بن عبد الملك، فبايعوه، فسموا: الزيدية. وقالت الفرقة الثالثة: إن الإمام بعد الحسين أخوه محمد بن علي، وهو ابن الحنفية، واحتجوا في ذلك بأن علياً ﵇ أحضره في وقت وصيته مع أخويه الحسن والحسين، ووصاه بطاعتهما، ووصاهما ببره وتعظيمه، قالوا: فلم يحضره في الوصية إلا وله شرك في الإمامة، وهذه الفرقة تسمى الكيسانية، نسبوا إلى رئيس لهم يقال له: كيسان، وهو مولى لبطن من بجيلة بالكوفة، وقيل: إن كيسان مولى لعلي ﵇. وقيل: إن كيسان هو المختار بن أبي عبيد الثقفي، وإن علياً سماه بذلك، وكان المختار كيسانياً، يؤمن بالرجعة، ويقول: إن محمد بن الحنفية، سيموت، ثم يبعث هو وشيعته، فيملأ الأرض عدلاً، وكان يدعى أن خروجه كان عن أمره، وتتبع قتلة الحسين بن علي، فقتل عمر بن سعد بن أبي وقاص وابنه حفص بن عمر، وقتل شمر بن ذي الجوشن الضبابي، ووجه إبراهيم بن الأشتر، فقتل عبد الله ابن زياد، وغيرهم، وغلب على الكوفة، حتى خرج نفر من أهل الكوفة يستنجدون أهل البصرة على المختار، فخرج أهل البصرة مع مصعب بن الزبير، فقاتلوه، وكان في عسكر مصعب: عبد الله بن علي بن أبي طالب، ومحمد بن الأشعث ابن قيس، فقتلهما المختار؛ ثم قتل المختار، قتله صراف بن يزيد الحنفي في سنة سبع وستين، وعقب المختار لكوفة كثير، وكان المختار يزعم أن جبريل يأتيه وينزل عليه قرآناً، وهو أحد الكذابين، قال فيه أعشى همدان، وفي الحجاج ابن يوسف:

стр. 182

إن ثقيفاً منهم الكذابان ... كذابها الماضي وكذابٌ ثان إنا سمونا للكفور الفتان ... حين طغى الكفر بعد الإيمان بالسيد الغطريف عبد الرحمن ... يا رب مكن من ثقيف همدان وكان المختار توعد أسماء بن خارجة بن حصن الفزاري، وولد سعيد بن قيس ابن يزيد بن ذي مرت الهمداني. بهدم داريهما، وبلغ أسماء بن خارجة أن المختار يقول لأصحابه: إنه نزل عليه في قرآنه: (لتنزلن من السماء نار بالدهماء، فلتخوفن دار أسماء!!) فقال أسماء: ويلي على ابن الخبيثة، قد عمل في داري قرآناً!! لا أقف بعد هذا؛ فهرب أسماء من المختار، فهدم داره وأحرقها، وحالت همدان دون دار صاحبهم؛ فقال عبد الله بن الزبير الأسدي، يؤنب مضر في هدم دار أسماء: فلو كان من همدان أسماء أصحرت ... كتائب من همدان صعر خدودها لهم كان ملك الناس من قبل تبع ... تقود وما في الناس حي يقودها وقيل لعبد الله بن عمر: إن المختار يعمد إلى كرسي فيجعله على بغل أشهب، ويحف بالديباج، ثم يطوف حوله هو وأصحابه فيستسقون به ويستنصرون به، ويقولون: هذا الكرسي فينا، مثل تابوت آل موسى. فقال ابن عمر: فأين بعض جنادبة الأزد عنه؟ قال هشام بن محمد بن السائب الكلبي: يعني: جندب بن كعب بن عبد الله ابن حر بن عامر بن مالك بن ذهل بن ثعلبة بن ظبيان، قاتل الساحر الذي يقال له: بستاني، وكان يلعب للوليد بن عقبة، يريد أنه يقتل رجلاً، ثم يحييه، ويدخل

стр. 183

في فم ناقة، ثم يخرج من حيائها، فرآه جندب بن كعب يفعل ذلك؛ فقال لمولى له صقل: أعطني سيفاً هذاماً، فأعطاه السيف، فأقبل جندب إلى الساحر فضربه ضربة فقتله، ثم قال: أحي نفسك، فأخذه الوليد بن عقبة فحبسه؛ فلما رأى السجان صلاة جندب، وصومه، خلى سبيله؛ فأخذ الوليد السجان فقتله؛ قال أعشى همدان في المختار وأصحابه: شهدت عليكم أنكم سبيئة ... وأني بكم يا شرطة الكفر عارف وأن ليس كالكرسي فينا وإن سعت ... شبام حواليه ونهم وخازف وإن شاكر طافت به وتمسحت ... بأعواده وأدبرت لا تساعف وسميت الرافضة من الشيعة: رافضة، لرفضهم زيد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب، وتركهم الخروج معه، حين سألوه البراءة من أبي بكر وعمر، فلم يجبهم على ذلك. وروى عوانة بن الحكم قال: لما استتب الأمر لزيد بن علي ﵇ جمع أصحابه فخطبهم وأمرهم بسيرة علي بن أبي طالب في الحرب. فقالوا: قد سمعنا مقالتك، فما تقول في أبي بكر وعمر؟ فقال: وما عسيت أن أقول فيهما؟ صحبا رسول الله ﵌ بأحسن الصحبة، وهاجرا معه، وجاهدا في الله حق جهاده، ما سمعت أحداً من أهل بيتي تبرأ منهما، ولا يقول فيهما إلا خيراً. قالوا: فلم تطلب بدم أهل بيتك، ورد مظالمهم إذاً، وليس قد وثبا على سلطانهم، فنزعاه من أيديكم، وحملا الناس على أكتافكم، يقتلونكم إلى يومكم هذا؟

стр. 184

فقال لهم زيد: إنما وليا علينا وعلى الناس، فلم يألوا العمل بكتاب الله وسنة رسوله. قالوا: فلم يظلمك بنو أمية إذاً، إن كان أبو بكر وعمر لم يظلماك! فلم تدعونا إلى قتال بني أمية، وهم ليسوا لكم ظالمين، لأن هؤلاء إنما تبعوا في ذلك سنة أبي بكر وعمر؟ فقال لهم زيد: إن أبا بكر وعمر ليسا كهؤلاء، هؤلاء ظالمون لكم ولأنفسهم، ولأهل بيت نبيهم، وإنما أدعوكم إلى كتاب الله ليعمل به، وإلى السنة أن يعمل بها، وإلى البدع أن تطفأ، وإلى الظلمة من بني أمية أن تخلع وتنفى، فإن جبتم سعدتم، وإن أبيتم خسرتم، ولست عليكم بوكيل. قالوا: إن برئت منهما وإلا رفضناك!! فقال زيد: الله أكبر، حدثني أبي أن رسول الله ﵌ قال لعلي ﵇: (إنه سيكون قوم يدعون حبنا لهم نبزٌ يعرفون به، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإنهم مشركون) . اذهبوا فإنكم الرافضة. ففارقوا زيداً يومئذٍ فسماهم: الرافضة، فجرى عليهم هذا الاسم. وروى السيد أبو طالب يحيى بن الحسين بن هارون الحسني في كتاب الدعامة: أن جميع فرق الأمة اجتمعت على إمامة زيد بن علي ﵇، إلا هذه الفرقة التي تقدم ذكرها. فقال: لما شهر فضله وتقدمه، وظهر علمه وبراعته، وعرف كماله، الذي تقدم به أهل عصره، اجتمع طوائف الناس، على اختلاف آرائهم، على مبايعته، فلم يكن الزيدي أحرص عليها من المعتزلى، ولا المعتزلى أسرع إليها من المرجى،

стр. 185

ولا المرجى من الخارجي، فكانت بيعته ﵇ مشتملة على فرق الأمة، مع اختلافها، ولم يشذ عن بيعته إلا هذه الطائفة العلية التوقيف. قال: ومن الواضح الذي لا إشكال فيه، أن زيد بن علي، يذكر مع المتكلمين إن ذكروا، ويذكر مع الزهاد إن ذكروا، ويذكر مع الشجعان وأهل المعرفة بالضبط والسياسة، وكان أفضل العترة، لأنه كان مشاركاً لجماعتهم في جميع خصال الفضل، ومتميزاً عنهم بوجوه لم يشاركوه فيها. فمنها: اختصاصه بعلم الكلام، الذي هو أجل العلوم، وطريق النجاة والعلم الذي لا ينتفع بسائر العلوم إلا معه، والتقدم فيه، والاشتهار عند الخاص والعام. هذا أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ يصفه في صنعة الكلام ويفتخر به ويشهد له بنهاية التقدم، وجعفر بن حارث في كتاب الديانة، وكثير من معتزلة بغداد كمحمد ابن عبد الله الإسكافي وغيره، وينسبون إليه في كتبهم، ويقولون: نحن زيدية. وحسبك في هذا الباب انتساب المعتزلة إليه، مع أنها تنظر إلى الناس بالعين التي ينظر بها ملائكة السماء إلى أهل الأرض مثلاً، فلولا ظهور علمه وبراعته، وتقدمه كل أحد في فضيلته، لما انقادت له المعتزلة. وإذا أردت تحقيق ما قلناه فسم بعض تلامذتهم، أو متوسطهم أن ينسب إلى غيره من أهل البيت، ممن لا تحصيل له في رتبة زيد بن علي، ليسمع منه العجائب. ومن الوجوه التي اختص بها: تميزه عن جماعتهم بفضل الفصاحة والبيان. ومنها: اختصاصه بعلم القرآن ووجوه القراءات، وله قراءة مفردة مروية عنه. ومنها: تقدمه بالشجاعة، والرغبة في الجهاد، فقد روى عنه ﵇ أنه

стр. 186

لما خفقت الروايات على رأسه، قال: الحمد لله الذي أكمل لي ديني بعد أن كنت أستحي من رسول الله ﵌ أن أرد عليه، ولم آمر في أمته بمعروف، ولم أنه عن منكر. ومما يدل على صحة ما رواه السيد أبو طالب من إجماع فرق الأمة، على زيد ابن علي، لما كان من فضله، قول شاعر الخوارج يرثي زيداً ﵇ ويقرع الزيدية: يا با حسين والأمور إلى مدى ... أولاد درزة أسلموك وطاروا يا با حسين لو شراة عصابةٍ ... علقتك كان لوردهم إصدار وقال أيضاً: أولاد درزة أسلموك مبلا ... يوم الخميس لغير ورد الصادر تركوا ابن فاطمة الكرام تقوده ... بمكان مسخلة لعين الناظر وروى حسن بن علي، عن يحيى بن أبي يعلا، عن عمر بن موسى، قال: قلت لزيد بن علي: أكان علي إماماً؟ فقال: كان رسول الله ﵌ نبياً مرسلاً، لم يكن أحد من الخلق بمنزلة رسول الله ﵌، ولا كان لعلي ما ينكر الغالية، فلما قبض رسول الله ﵌، كان علي من بعده إماماً للمسلمين في حلالهم وحرامهم، وفي السنة عن نبي الله، وتأويل كتاب الله، فما جاء به علي من حلال أو حرام أو كتاب أو سنة، أو أمر أو نهي، فرده الراد عليه، وزعم

стр. 187

أنه ليس من الله، ولا من رسوله، كان رده عليه كفراً، فلم يزل ذلك حتى أظهر السيف، وأظهر دعوته، واستوجب الطاعة، ثم قبضه الله شهيداً. ثم كان الحسن والحسين، فوالله ما ادعيا منزلة رسول الله، ولا كان من رسول الله ﵌ من القول فيهما ما قال في علي ﵇، وأيضاً أنه قال: سيدا شباب الجنة، فهما كما سماهما رسول الله ﵌، وكانا إمامين عدلين، فلم يزالا كذلك، حتى قبضهما الله تعالى شهيدين. ثم كنا ذرية رسول الله ﵌ من بعدهما ولد الحسن والحسين، ما فينا إمام مفترضة طاعته، ووالله ما ادعى علي بن الحسين أبي ولا أحد منزلة رسول الله ﵌، ولا منزلة علي، ولا كان من رسول الله فينا ما قال في الحسن والحسين، يغر أنا ذرية رسول الله ﵌؛ فهؤلاء يقولون: حسدت أخي وابن أخي!! أحسد أبي حقاً هو له؟ لبئس الولد أنا من ولد، إني إذاً لكافر، إن جحدته حقاً هو له من الله. فوالله ما ادعاها علي بن الحسين، ولا ادعاها أخي محمد بن علي، منذ صحبته حتى فارقني. ثم قال: إن الإمام منا أهل البيت، المفروض علينا وعليكم وعلى المسلمين، من شهر سيفه، ودعا إلى كتاب ربه وسنة نبيه، وجرى على أحكامه، وعرف بذلك، فذلك الإمام الذي لا تسعنا وإياكم جهالته. فأما عبد جالس في بيته، مرخ عليه ستره، مغلق عليه بابه، يجري عليه أحكام الظالمين، لا يأمر بمعروف، ولا ينهي عن منكر، فأنى يكون ذلك إماماً مفروضة طاعته؟ وفي فضل زيد بن ما روى محمد بن سالم، قال: قال لي جعفر بن محمد: يا محمد هل شهدت عمي زيداً؟ قلت: نعم، قال: فهل رأيت فينا مثله؟ قلت: لا، قال:

стр. 188

ولا أظنك والله ترى فينا مثله، إلى أن تقوم الساعة؛ كان والله سيدنا، ما ترك فينا لدين ولا دنيا مثله. وروى عن محمد بن علي أنه قال - وأشار إلى زيد -: هذا سيد بني هاشم، إذا دعاكم فأجيبوه، وإذا استنصركم فانصروه. وروى أن زيداً بن علي دخل على هشام بن عبد الله فدار بينهما كلام، حتى قال له هشام: إنك لترجى بالخلافة وأنت ابن أمة؟ فقال له زيد: يا أمير المؤمنين، إن أمي مع أمك كأم إسماعيل مع أم إسحاق فلم يمنعه ذلك من أن جعله صديقاً نبياً. فلما خرج زيد أتبعه هشام بصره، وقال: كذب من قال: ذهب أهل بيت فيهم مثل هذا. ثم خرج زيد بن علي بالكوفة على هشام بن عبد الملك - ووالى العراق يومئذ يوسف بن عمر الثقفي - فقتل زيد في المعركة، وذهبت أصحابه، فعلم به يوسف بن عمر، فنبشه وصلبه. ثم كتب هشام يأمر أن يحرق. فأحرق ونسف في الفرات. ثم خرج ابنه يحيى بن زيد بالجورجان على الخليع الكافر الوليد بن يزيد ابن عبد الملك بن مروان، فبعث نصر بن سيار إليه، وأحضر المازني، فحاربه، فقتل يحيى بن زيد بالجورجان من أرض خراسان بقرية يقال لها أرعوية، ودفن في بعض الخانات. وكان الوليد بن يزيد زنديقاً خليفاً، كافراً، فصيحاً شاعراً، ونظر يوماً إلى المصحف ليتفاءل، فوقع على قوله تعالى: (واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد) ، فجعل المصحف غرضاً يرميه، ثم مزقه وأحرقه وقال يخاطب المصحف:

стр. 189

أتوعد كل جبارٍ عنيد ... فها أنا ذاك جبارٌ عنيد إذا لاقيت ربك يوم حشرٍ ... فقل يا رب حرقني الوليد وقال أيضاً: تلعب بالخلائق هاشميٌ ... بلا وحي أتاه ولا كتاب أتوعدني الحساب ولست أدري ... أحق ما تقول من الحساب فقل لله يمنعني طعامي ... وقل لله يمنعني شرابي وقال أيضاً: يا أيها السائل عن ديننا ... وهم على دين أبي شاكر نشربها صرفاً وممزوجةً ... بالسخن أحياناً وبالفاتر وقال أيضاً: أدر الكأس يمينا ... لا تدرها ليسار أسق هذا ثم هذا ... صاحب العود النضار من كميت عتقوها ... منذ دهر في جرار ختموها بالأفاوي ... هـ وكافور وقار فلقد أيقنت أني ... غير مبعوث لنار

стр. 190

سأروض الناس حتى ... يركبوا أي؟.. الحمار وذروا من يطلب الجن؟ ... ؟ ة يسعى لتبار وأما قول الوليد بن يزيد: فقل لله يمنعني طعامي ... البيت، فإن هذا البيت لبجير بن عبد الله بن عامر بن سلمة القشيري، في شعره الذي رثى به هشام بن مغيرة المخزومي، إلا أن الوليد قلب البيت فجعل عروضه ضروباً وضروبه عروضاً، وهذا قول بجير: تحيتي بالسلامة أم بكر ... وهل لك بعد رهطك من سلام ذريني أصطبح يا بكر إني ... رأيت الموت نقب عن هشام ونقب عن أبيك وكان قرماً ... من الفتيان شراب المدام فود بنو المغيرة لو فدوه ... بألف من رجال أو سوام وود بنو المغيرة لو فدوه ... بألف مدجج وبألف رام وكائن بالطوى طوى بدر ... من الفتيان والخيل الجسام وكائن بالطوى طوى بدرٍ ... من الأحسان والقوم الكرام وكائن بالطوى طوى بدرٍ ... من الشيزى تكلل بالسنام أيوعدنا ابن كبشة أن سنحيا ... وكيف حياة أصداء وهام أيعجز أن يرد الموت عني ... ويحييني إذا بليت عظامي ألا من مبلغ الرحمن عني ... بأني مفطرٌ شهر الصيام فقل لله يمنعني شرابي ... وقل لله يمنعني طعامي

стр. 191

وكان المشركون يسمون النبي ﵌: ابن كبشة، وابن أبي كبشة. وكان أبو كبشة، رجلاً من خزاعة، مخالفاً لقريش في عبادة الأوثان، وكان يعبد الشعرى العبور، وقد ذكر الله تعالى ذلك في كتابه بقوله: (وإنه هو رب الشعرى) ، أي رب هذا النجم الذي يعبد من دونه. وأبو كبشة جد جد النبي ﵌ لأمه، وأم النبي ﵌: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، وأم وهب بن عبد مناف كبشة بنت أبي كبشة الخزاعي. وممن رمى بالزندقة من أهل الإسلام: معن بن زايدة بن عبد الله بن زايدة بن مطر بن شريك بن عمرو الشيباني. ومنهم عبد السلام بن رعبان، وقيل إنه القائل: هي الدنيا وقد نعموا بأخرى ... وتسويف الظنون من السوافي فإن يك بعض ما قالوه حقاً ... فإن المبتليك هو المعافي ومنهم أبو نواس الحسن بن هانئ، وقيل إنه وجد في بيته بعد موته هذان البيتان: باح لساني بمضمر السر ... وذاك أني أقول بالدهر وليس بعد الممات حادثةٌ ... وإنما الموت بيضة العقر وقيل: كان سبب موته أنه كان صديقاً لبني نوبخت، ولهم إليه إحسان، وكان لهم مذهب في التشيع، فأغرى بهجائهم، وكان لهم كاتب بغدادي، يقال له زنبور، فروى عليه هجاء كثيراً فيهم، من ذلك قوله في رئيس لهم يقال له إسماعيل: خبز إسماعيل كالوشي ... إذا ما شق يرفا عجباً من محكم الصنعة ... فيه كيف يخفى

стр. 192

الأبيات. وكان مما روى عنه أيضاً في هجائهم، وهجاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، يقول فيه: لله رافضة بليت بهم ... يتلاحظون بأعين خزر يرضون أن أرضى أبا حسن ... لهم وأبرأ من أبي بكر فلأجمعن على عدوانه ... ولأشهدن عليه بالكفر ولأشكرن لراحةٍ ضربت ... تلك المفارق آخر الدهر فلما بلغتهم هذه الأبيات سقوه سماً فمات منه. وقيل: بل كانوا في منتزه لهم عند سليمان بن أبي سهل، ومعهم أبو نواس وزنبور، فأنشد زنبور هذا الشعر، وقد عمل فيهم الشراب، فقاموا إلى أبي نواس فداسوا بطنه، فلم يزل يضع أمعاءه حتى مات. ومنهم عبد الكريم بن نويرة الدهلي، وهو الذي سير عن رسول الله ﵌ أربعة آلاف حديث كذباً، فقتله محمد بن سليمان بن علي بالكوفة وصلبه، فقال للمسلمين حين أحس بالقتل: اعملوا ما شئتم فقد لبست عليكم دينكم وجعلت حلالكم حراماً وحرامكم حلالاً، ودسست عليكم في كتبكم أربعة آلاف حديث كذباً، كل يعملون به منها. ومنهم الأخطل، الشاعر: غياث بن غوث بن الصلت التغلبي، وهو القائل: ولست بصائم رمضان عمري ... ولست بآكل لحم الأضاحي ولست براكب عيساً بكوراً إلى بطحاء مكة للنجاح

стр. 193

ولست بقائم كالغير أدعو ... مع الأصباح حي على الفلاح ولكني سأشربها شمولا ... وأسجد قبل منبلج الصباح وغير هؤلاء ممن رمي بالزندقة، وهم كثير، واختصارهم أولى من ذكرهم، إلا أنا ذكرناهم عند ذكر الوليد بن يزيد وما كان من كفره. وكان الوليد بن يزيد، أحد خلفاء بني أمية، فلما أعلن بالكفر خرج عليه ابن عمه، يزيد بن عبد الملك، وهو الذي يقال له: الناقص، وخرجت معه الغيلانية، وهم يقولون بالعدل والتوحيد، فقتل الوليد، وولي الأمر بعده وسمي الناقص، لأنه نقص الجند من أرزاقهم. وكان يزيد بن الوليد صالحاً، مرضي السيرة، ولم يكن من خلفاء بني أمية مثله، ومثل عمر بن عبد العزيز. فلما استولى يزيد على الأمر، قام في الناس خطيباً، فقال - بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ﵌: والله ما خرجت أشراً، ولا بطراً، ولا حرصاً على الدنيا، ولا رغبة في الملك، وما أطري نفسي وإني لها لظلوم، ولكني خرجت غضباً لله، ولدينه، وداعياً إلى كتاب الله، وسنة نبيه، لما هدمت معالم الهدى، وأطفئ نور أهل التقى، وظهر الجبار العنيد، المستحل لكل حرمة، والراكب لكل بدعة، مع أنه والله ما كان ليؤمن بيوم الحساب، وأنه لابن عمي في الحسب وكفيئي في النسب، فلما رأيت ذلك استخرت الله في أمري، وسألته ألا يكلني إلى نفسي، واستعنت من أطاعني من أهل ولايتي،

стр. 194

إلى أن أراح الله منه العباد، وطهر منه البلاد، بحول الله وقوته، لا بحولي وقوتي. أيها الناس: إن لكم علي ألا أضع حجراً، ولا أجري نهراً، ولا أكتنز مالاً، ولا أعطيه زوجة ولا ولداً، ولا أنقل مالاً من بدل إلى بلد، حتى أسد فقرة ذلك البلد، وخصصت أهله بما يغنيهم، فإن فضلت فضلة نقلته إلى البلد الذي يليه، ممن هو أحوج إليه، ولا أجهزكم في ثغوركم، فأفتنكم وفتن أهاليكم، ولا أغلق بابي دونكم، فيأكل قويكم ضعيفكم، ولا أحمل أهل جزيتكم ما أجليهم به عن بلادهم، ولكن لكم عطاياكم كل سنة، وأرزاقكم في كل شهر، حتى تستدر المعيشة بين المسلمين، فيكون أقصاهم كأدناهم؛ فإن أنا وفيت لكم بهذا، فعليكم السمع والطاعة وحسن المؤازرة؛ وإن لم أف لكم، فلكم أن تخلعوني إلا أن تستتيبوني، فإن تبت قبلتم مني، فإن رأيتم أحداً، أو عرفتموه بالفضل يعطيكم من نفسه، مثل ما أعطيتكم، وأردتم أن تبايعوه، فأنا أول من يبايعه، ويدخل في طاعته. أيها الناس، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم. وكانت ولاية يزيد بن الوليد خمسة أشهر ثم مات. وولي بعده مروان بن محمد بن مروان، وهو الذي يقال له الحمار، فأمر بيزيد ابن الوليد، فنبش وصلب، وكان مروان الحمار آخر خلفاء بني أمية. قال البلخي: ولا أعلم كورة يغلب فيها التشيع إلا قُمّ وبلاد إدريس وأهلها معتزلة.

стр. 195

وباليمن من الشيعة فرقتان: الجارودية من الزيدية، والمباركية من الإسماعيلية. وأول من دعا باليمن إلى مذهب الزيدية، ونشر مذهب أئمتهم: يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ولقبه الهادي إلى الحق، فنزل بين خولان، وغلب على صعدة. فخرج أحمد بن عبد الله بن محمد بن عباد الأكيلي من اليمن، إلى العراق، وافداً على المعتضد بالله في آخر أيامه، يستنجده على يحيى بن الحسين، فوجد المكتفي قد بويع له، فواجهه المكتفي بالعراق، وأمر معه بالجيوش العظيمة، حتى ورد كتاب أبي مزاحم عج بن شاح، وإلى الحرمين، يخبر أن يحيى بن الحسين العلوي خرج من صنعاء، ففتر السلطان عن ذلك العزم. قال أبو محمد الحسن بن أحمد الهمذاني في الجزء الأول من الأكليل: حدثني أبو الصباح الحسن بن أحمد عن أبيه، قال: دخلت على الخليفة فبثثت له خبري، وأعلمته بما قصدت له، من نجدته لي. فقال لي: أتيت على حاجتك، وبلغت منا أقصى مرادك. قال: ثم أدخلت عليه بعد ذلك، ليتأكد علي في بعثه، الذي يبعث معي. قال: فألح علي في ذلك. قال: فقلت يا أمير المؤمنين، إنهم خدمك يصيرون إلى بلدك، وإلى جوار رعيتك وطاعتك. قال: فقال لي: إن لأهل اليمن وثبات كوثبات السباع النهمة.

стр. 196

قال: فما أقمنا إلا أياماً حتى أتى كتاب عج، يذكر إخراج العلوي من صنعاء. فقال لي الوزير: كيف رأيت قول أمير المؤمنين؟ قال: قلت: الله أعلم حيث يجعل رسالاته، ما جعله الله عميد هذا الخلق بأمر قريب. وأحمد بن عبد الله القائل في شعره إلى العراق: هي العين أمست والكرى لا يطيعها ... ففيم تلوم النفس أو ما صنيعها والقائل أيضاً: لعمرك ما زال المطايا نواجياً ... لهن رسيم دائمٌ وخبيب شعرين من أحسن الأشعار وأفصحها. وأول من نشر مذهب الإسماعيلية باليمن منهم: الداعي أبو القاسم أبو الحسن بن فرج بن حوشب بن زادان الكوفي، وهو منصور مستور؛ وهم يرون أن محمد بن إسماعيل بن جعفر كان بالمدينة، وولد بها ولدين: جعفر وإسماعيل، وأقام حتى شهر أمره في زمن الرشيد، فحدث به يوماً أن يومئ إليه، فبعث بحمله إليه، وحدث محمد فاتخذ سرباً، وغاب فيه زماناً واستتر في داره بالمدين ة، ثم أنه بعد أن هدأ عنه الطلب خرج مستتراً، وخلف ولديه بالمدينة، فصار إلى نيسابور. ثم صار إلى أرض ديلم لا يعرف مكانه إلا خواص شيعته، وهو يجول في ارض الديلم إلى نيسابور، وولد هنالك ولداً يكتمون اسمه، ويسمونه: الإمام المستور. وتوفي محمد بن إسماعيل بالمشرق، وأوصى إلى ابنه هذا بالأمامة، وأكد عليه في سترة اسمه.

стр. 197

قال: وكذلك توصي إلى ولدك الذي تعهد إليه وتأمره أن يوصي إلى ولده بمثل ذلك، فإنه لا يزال الأمر مستوراً، حتى يظهره الله بالرابع من ولدك، فيقوم بالغرب وينجز الله له وعده، وينصب راية لا تنكس إلى يوم القيامة، من ولده يكون القائم المنتظر. فمضى ابنه بعده على هذه السيرة، وهم يلقبونه بالمهدي، ثم أوصى إلى ابنه الثاني بمثل ذلك، وهو يلقب بالمقتدي، ثم أوصى إلى ابنه الثالث بمثل ذلك، وهو يلقب بالهادي. ثم انتقل الهادي إلى الكوفة، وبعث منها المنصور أبا القاسم بن فرج بن حوشب بن زادان الكوفي داعياً إلى اليمن، وأمره أن يقصد اليمن، وينزل بعدن لاعه، في مغرب اليمن، فإن الله قسم لليمانية ألا يتم أمر في هذه الشريعة إلا بنصرهم، وأمره أن يدعو إلى ابنه عبد الله المهدي. قال: فأما أنا فلا حظ لي في الملك، وبعث معه علي بن الفضل الخنفري وكان قد وفد إليه من اليمن، فخرجا جميعاً إلى مكة، ثم افترقا. فقصد المنصور عدن لاعه، وقصد ابن فضل إلى أرض يافع، ثم أن المنصور شهر السيف وطلع جبل مسور واستفتحه، وأسر العامل الذي كان فيه للأمير إبراهيم بن محمد بن يعفر الحوالي، وبنى حصن مسور ونزل به، وغلب على تلك الناحية؛ فبعث إليه الهادي بأبي عبد الله الحسين بن أمرن الهرمزي، ولقبه المنصور أيضاً، وأمره أن يبعث أبا عبد الله هذا من اليمن إلى المغرب، فإن على يديه تمام الأمر، فبعثه المنصور، فمضى أبو عبد الله إلى كتامة، وهم من حمير من ولد مرة بن عبد شمس ابن وابل الغوث بن حيدان بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع ابن حمير الأكبر - وكتامة هؤلاء في بلد البرابر - فنزل بينهم، وكان يعلم أولادهم،

стр. 198

فلقب بالمعلم وعرف به، ثم عرف بالشيعي وبالمشرقي، وربما لقب بالصنعاني، فمكث فيهم ستة عشر سنة، حتى تم له الأمر، وخرج عبد الله المهدي، بعد أن كان أبوه قد نزل بالشام هارباً من العراق مستتراً، فأقام في مدينة سلمية، من أعمال حمص، حتى مات الهادي في الستر، وهو آخر المستوزرين، وطلب ابنه عبد الله أشد الطلب، وبعث له المكتفي من يقبض عليه من سلمية، فهرب بوقته، حتى صار إلى سواحل الشام، ثم مضى إلى مصر فأقام بها، ثم لحقه الطلب، فخرج إلى المغرب، فظفر به بولده بسجلماسة، فحبسا وبلغ إلى أبي عبد الله الشيعي خبره، وقد كان استفتح القيروان، فكتم أمره، وسار بكتامة حتى نزل بسلجماسة، فافتتحها، وأخرج المهدي وابنه عبد الله، وقال لكتامة: هذا الذي بايعتكم له، فاجتمعوا على بيعته، وسار مع أبي عبد الله، وقد ملك المغرب كله، وجعل فيه العمال، وصارت إليه أموال عظيمة، مما جمعه أبو عبد الله من الأخماس والهدايا والوصايا والزكاة في مدته التي أقام فيها بينهم، وجاء المهدي حتى نزل القيروان، وبنى مدينة المهدية على ساحل البحر الغربي، واتخذها دار خلافته، وولده بمصر يخرج الأمر منهم، من رجل إلى ولده بالنص عليه - كما مر ذكره في فرق الخطابية - إلى وقت الحافظ ويومنا هذا، وهو سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة سنة من مهاجرة النبي ﵌. وسار علي بن فضل الخنفري إلى أرض يافع، فاشتدت وطأته باليمن، واستولى على أكثر مخالفيه، وأعلن بالكفر، وأحل جميع المحرمات، وخرج المساجد، وكان يدعي أنه نبي، فقال فيه بعض شعراء أهل عصره: خذي العود يا هذه واضربي ... نقيم شرائع هذا النبي تولى نبي بني هاشم ... وهذا نبي بني يعرب فحط الصلاة وحط الزكاة ... وحط الصيام ولم يتعب وغالب الظن أنه كان من الخطابية، لأنهم يدعون أنهم أنبياء.

стр. 199

وابن فضل أول من سن القرمطة في اليمن، والقرمطة عند أهل اليمن عبارة عن الزندقة، وصاحبها عندهم قرمطي فجمعه قرامطة. فلما مات علي بن فضل، قام ابنه بالمذيخرة من بعده، وفرق الأموال في أصحابه، فخرج الأمير أسعد بن يعفر بن إبراهيم بن محمد بن يعفر بن عبد الرحمن ابن كريب الحوالي من صنعاء، في رجب سنة ثلاث وثلاثمائة، ومعه قواد اليمن، فلم يزل يحارب القرامطة، حتى استفتح بلدانهم، ودخل المذيخرة في جمادى الأولى سنة أربع وثلثمائة، فحاصرهم حتى نزلوا على حكمه، وظفر بهم في رجب من هذه السنة، فتمثل منهم خلقاً كثيراً، وأخذ أموالاً عظيمة، يقصر عنها الوصف، وسبى نساء ابن فضل، فوهب بنته لابن أخيه قحطان بن عبد الله بن أبي يعفر، فولدت له عبد الله بن قحطان أمير اليمن؛ وبيع من القرامطة ناس كثير، وأخذ ولدين لعلي ابن فضل، وجماعة من رؤساء القرامطة، معه إلى صنعاء، وأمر بهم فذبحوا جميعاً، وطرحت أبدانهم في بئر في الجبانة، وأخذت رؤوسهم فبقرت ووجه بها في أربعة صناديق إلى مكة، فنصبت هنالك أيام الموسم. وسميت الخوارج: خوارج، لخروجهم على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ ورضي الله عنه، ومحاربتهم إياه. ولهم أسماء غير الخوارج يسمون بها. فمن أسمائهم: الحرورية: سموا بذلك لنزولهم بحروراء، اسم قرية، تمد وتقصر. ومن أسمائهم: الشراة، سموا بذلك لأنهم يقولون: إنهم شروا أنفسهم من الله بالجهاد.

стр. 200

ومن أسمائهم: المحكمة: سموا بذلك لإنكارهم التحكيم في صفين، وقالوا: لا حكم إلا لله. ون أسمائهم: المارقة: وهم لا يرضون بهذا الاسم ويرضون بسائر الأسماء، وكان منهم عبد الرحمن بن ملجم المرادي، قاتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁. قال عمران بن حطان الخارجي الشاعر، من بني سدوس، يمدح عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله: يا ضربة من تقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا إني لأذكره حيناً فأحسبه ... أوفى البرية عند الله ميزانا أكرم بقوم بطون الطير قبرهم ... لم يخلطوا دينهم بغياً وعدوانا فبلغت الأبيات القاضي أبا الطيب الطبري فقال: إني لأبرأ مما أنت قائله ... عن ابن ملجم الملعون بهتانا إني لأذكره يوماً فألعنه ... وألعن الدهر عمران بن حطانا عليك ثم عليه الدهر متصلاً ... لعائن الله إسراراً وإعلانا فأنتم من كلاب النار جاء به ... نص الشريعة برهاناً وتبيانا وكان علي بن محمد، الذي يسمى علوي البصرة، من الخوارج، وكان يرى رأي الأزارقة.

стр. 201

قال البلخي: وأفعاله في النساء والصبيان تدل على ذلك. قال: وله خطبة يقول في أولها: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، ألا لا حكم إلا لله. وكان يرى أن الذنوب كلها شرك، وكان أنصاره الزنج، وكان خرج بالبصرة سنة خمس وخمسين ومائتين، فقتله علي بن أحمد الموفق. وفي نسبه اختلاف، فمن الناس من يقول: هو علي بن محمد بن علي بن أحمد ابن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. ومن الناس من يقول: إنه دعي، وإنه من أهل الري من قرية يقال لها: وزوى. وفيه يقول علي بن محمد العلوي الزيدي الكوفي: يقول لك ابن عمك من تعيذ ... لتبت أو لنوح أو لهود لهجت بنا بلا نسب إلينا ... ولو نسب اليهود إلى القرود لحقت بنا على عجل كأنا ... على وطن وأنت على البريد فهبنا قد رضيناك ابن عم ... فمن يرضى بأحكام اليهود والكور التي تغلب عليها الخوارج: الجزيرة، والموصل، وعمان، وسجستان. وأهل عمان أباضية، وأئمتهم من الأزد من بطن يقال له: التحمد بن حمى بن غيمان بن نصر بن زهران بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد، وهم غير منقطعين من سائر الكور. ومن الأباضية باليمن: طائفة من همدان في مغارب همدان.

стр. 202

ومنهم أيضاً طائفة بحضرموت من همدان أيضاً من بشق، بطن من بطون همدان. وممن أنكر أمر الحكمين، وليس من الخوارج، بل من أنصار علي وأوليائه: الأحنف بن قيس، والأشتر النخعي، والحسن بن أبي الحسن البصري، وهؤلاء يتولون علياً ﵇ قبل التحكيم وبعده. وسميت المرجية: مرجية، لأنهم يرجون أمر أهل الكبائر، من أهل محمد، إلى الله تعالى، ولا يقطعون على العفو عنهم ولا على تعذيبهم، ويحتجون بقوله تعالى: (وآخرون مرجون لأمر الله، إما يعذبهم وإما يتوب عليهم) ويقولون: إخلاف الوعد كذب، وإخلاف الوعيد عفو وتفضل وكرم، ولو تهدد رجل عبداً من عبيده قد أساء إليه، وعصى وخالف أمره، وتوعده بالجلد أو القتل أو الصلب أو غير ذلك من العذاب، ثم عفا عنه، وأخلف وعيده، ما كان يسمى كاذباً عند العرب؛ واحتجوا بقول الشاعر عامر بن الطفيل: ولا يرهب ابن العم مني صولتي ... ولا إحنتي من قوله المتهدد وإني إذا أوعدته ووعدته ... لمخلف ميعادي ومنجز موعدي قالوا: فجائز أن يخلف الله وعيده في القرآن، ولا يعذب أحداً من أهل الكبائر من المسلمين، ويجوز أن يعذبهم بقدر ذنوبهم، وأرجوا الأمر في ذلك إلى الله تعالى، يقال: أرجوا وأرجأوا، بالهمزة والتخفيف، فسموا: المرجية. وليس من كور الإسلام كورة إلا والمرجية غالبون عليها إلا القليل منها. والمرجية على ضربين: منهم يقولون بالعدل والتوحيد، مثل: الغيلانية والشمرية.

стр. 203

وضرب منهم يقولون: بالجبر والتشبيه. وخرجت المرجية على الحجاج بن يوسف الثقفي، مع عبد الرحمن بن الأشعث، حين قال الحجاج على المنبر: أيها الناس، أرسول أحدكم في حاجته أكرم أم خلفته في أهله؟ فقالوا: إنه كفر بذلك؛ وكان الشيعي فيمن خرج، وخرجت منهم الغيلانية مع يزيد بن الوليد الناقص على الخليع الكافر الوليد بن يزيد فقتلوه. وسميت الحشوية: حشوية، لأنهم يحشون الأحاديث التي لا أصل لها في الأحاديث المروية عن رسول الله ﵌، أي يدخلونها فيها وليست منها، وجميع الحشوية يقولون بالجبر والتشبيه. وسميت العامة: عامة، لالتزامهم بالعموم، الذي اجتمع عليه أهل الخصوص، وهم الذين يقولون بالأصول ولا يعرفون شيئاً من الفروع، ويقرون بالله، وبرسوله، وكتابه، وما جاء به رسوله على الجملة، ولا يدخلون في شيء من الاختلاف. وسميت القدرية: قدرية: لكثرة ذكرهم القدر، وقولهم في كل ما يفعلونه قدره الله عليهم. والقدرية يسمون: العدلية، بهذا الاسم، والصحيح ما قلناه، لأن من أكثر من ذكر شيء نسب إليه، مثل من أكثر من رواية النحو، نسب إليه، فقيل: نحوي، ومن أكثر من رواية اللغة نسب إليها، فقيل: لغوي، وكذلك من أكثر من ذكر القدر، وقال في كل فعل يفعله: قدره الله عليه، قيل: قدري، والقياس في ذلك مطرد. وسميت المعتزلة: معتزلة، لقولهم بالمنزلة بين المنزلتين، وذلك أن المسلمين اختلفوا في أهل الكبائر من أهل الصلاة. فقالت الخوارج: هم كفار مشركون. وقال بعض المرجية: إنهم مؤمنون لإقرارهم بالله ورسوله وبكتابه، وبما جاء به رسوله، وإن لم يعملوا به.

стр. 204

وقالت المعتزلة: لا نسمهم بالكفر ولا بالإيمان؛ ولا يقولون: إنهم مشركون ولا مؤمنون، ولكن يقولون: إنهم فساق؛ فاعتزلوا القولين جميعاً، وقالوا بالمنزلة بين المنزلتين، فسموا: المعتزلة. ومن الناس من يقول: إنما سموا معتزلة، لاعتزالهم مجلس الحسن بن أبي الحسن البصري، وكان الذي اعتزله عمرو بن عبيد ومن تبعه، ذكر ذلك ابن قتيبة في المعارف. ومن الناس من يقول: سموا معتزلة، لاعتزالهم علي بن أبي طالب ﵇ في حروبه، وليس كذلك، لأن جمهور المعتزلة، وأكثرهم إلا القليل الشاذ منهم، يقولون: إن علياً ﵇ كان على الصواب، وإن من حاربه فهو ضال، وتبرأوا ممن لم يتب من محاربته، ولا يتولون أحداً ممن حاربه إلا من صحت عندهم توبته منهم؛ ومن كان بهذه الصفة فليس بمعتزل عنه ﵇، ولا يجوز أن يسمى بهذا الاسم. وقال كثير من المعتزلة: إن أفضل الأمة بعد نبيها: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، بتقدمه لنظرائه في خصال الفضل في الدين. قال قاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد، في شرح الأصول الخمسة - وهذا القول هو الذي يقول به أكثر شيوخنا البغداديين، وبعض البصريين، وهو الذي نصره الشيخ أبو عبد الله ﵀، والمشهور في كتب أبي علي وأبي هاشم، الوقوف في ذلك - قال: وإنما استحق ﵇ الفضل من جهة الأفعال، لا من جهة الأخبار، التي يرويها الشيعة، لأنها غير مجمع عليها، وهي مع ذلك تحتمل التأويل، والأفعال التي استحق بها الفضل في الدين، فهي العلم والتبحر فيه، والورع

стр. 205

والزهد والتقى، والهجرة، والسبق إلى الإسلام، والجهاد، والدعاء إلى الله ، وتعليم الناس الفروع والأصول؛ ومعلوم من حال أمير المؤمنين التقدم في هذه الخصال، فيجب أن نشهد بأنه أفضل الأمة، لا بأن الأخبار دلت على فضله. والمعتزلة يسمون: لسان الكلام، ويسمون: العدلية، لقولهم بالعدل والتوحيد. وقيل: إن المعتزلة ينظرون إلى جميع المذاهب كما تنظر ملائكة السماء إلى أهل الأرض مثلاً، ولهم التصانيف الموضوعات، والكتب المؤلفات في دقائق التوحيد، والعدل والتنزيه لله ، ما لا يقوم به سواهم ولا يوجد لغيرهم، ولا يحيط به علماً لكثرته إلا الله ، وكل متكلم بعدهم يغترف من بحارهم، ويمشي على آثارهم؛ ولهم في معرفة المقالات، والمذاهب المبتدعات، تحصيل عظيم، وحفظ عجيب، وغوص بعيد، لا يقدر عليه غيرهم، ينقدون المذاهب كما تنقد الصيارفة الدنانير والدراهم. ويقال: إن لمذهب المعتزلة أسانيد تتصل بالنبي ﵌، ليس لأحد من فرق الأمة مثلهم، ولا يمكن خصومهم دفعه، وذلك أن مذهبهم مستند إلى واصل بن عطاء، وإن واصلاً يستند إلى محمد بن علي بن أبي طالب وهو ابن الحنفية، وإلى ابنه أبي هاشم عبد الله بن محمد بن علي، وإن محمد يسند إلى أبيه علي بن أبي طالب ﵁، وأن علياً يسند إلى النبي ﵌. وكان واصل بن عطاء من هل المدينة، رباه محمد بن الحنفية وعلمه، وكان مع ابنه أبي هاشم في الكتاب، ثم صحبه بعد موت أبيه صحبة طويلة؛ وحكى عن بعض العلماء أنه قيل له: كيف كان علم محمد بن علي؟ قال: إذا أردت أن تعلم ذلك فانظر إلى أثره في واصل. ثم انتقل واصل إلى البصرة، فلزم الحسن بن أبي الحسن البصري.

стр. 206

وكان واصل ألثغ بالراء، فما زال يروض نفسه، حتى أسقط الراء من كلامه في محاجته للخصوم وخطبه. قال البلخي: وله الخطبة المشهورة التي ارتجلها بحضرة عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، فأسقط منها الراء، فذكرته الشعراء بذلك، قال الشاعر: ويجعل البر قمحاً في تصرفه ... وجانب الراء حتى احتال للشعر ولم يطق مطراً والقول يعجله ... فعاد بالغيث إشفاقاً من المطر وقال صفوان الأنصاري: ملقنٌ مفهمٌ فيما يحاوله ... جمٌ خواطره جواب آفاق وقال آخر: تكلفوا القول والأقوام قد حفلوا ... وحبروا خطباً ناهيك من خطب فقام مرتجلاً تغلي بديهته ... كمرجل القين لما حف باللهب وجانب الراء لم يشعر بها أحدٌ ... قبل التصفح والإغراق في الطلب وقال آخر: فهذا بديه لا كتحبير قائل ... إذا ما أراد القول زوره شهرا وقال آخر: عليم بإبدال الحروف وقامعٌ ... لكل خطيب يغلب الحق باطله

стр. 207

وقال بشار بن برد الموعت وذكر خطبته، وكان واصل يكنى بأبي حذيفة: أبا حذيفة قد أوتيت معجبةً ... من خطبة بدهت من غير تفكير وإن قولاً يروق الخالدين معاً ... لمسكتٌ مخرسٌ من غير تحبير وروى عن رجل جليل من أصحاب الحسن أنه قال: ما كنا نعد علينا أيام واصل ملكاً. قال البلخي: وفرق واصل رسله في البلاد، يدعون إلى دين الله. فأنفذ إلى المغرب: عبد الله بن الحارث، فأجابه الخلق، وهنالك بلد يدعى البيضاء، يقال إن فيه مائة ألف يحملون السلاح، يعرف أهله بالواصلية. وأنفذ إلى اليمن: القاسم بن الصعدي. وإلى الجزيرة: أيوب بن الأوتر. وإلى خراسان: حفص بن سالم، وأمره بلقاء جهم ومناظرته. وإلى الكوفة: الحسن بن ذكوان، وهو من اصحاب الحسن وسليمان بن أرقم. وإلى أرمينية: عثمان بن أبي عثمان الطويل، أستاذ أبي الهذيل، وكان واصل قال له: اخرج إلى أرمينية، فقال له: يا أبا حذيفة، خذ شطر مالي وأنفذ غيري. فقال له: أنت يا طويل، فلعل الله أن يصنع لك!! قال عثمان: فخرجت فربحت مائة ألف درهم عن صفقة يدي، وأجابني أكثر أهل أرمينية. وكان قال له: الزم سارية من سواري المسجد تصلي عندها حتى يعرف مكانك، ثم إذا كان كذا وكذا من شهر كذا فابتدئ في الدعاء للناس إلى الحق، فأتى أجمع أصحابي في هذا الوقت ونبتهل في الدعاء لك والرغبة إلى الله، والله ولي توفيقك. وعتب رجل من المعتزلة جليل على عمرو بن عبيد في شيء كان بينهما، فأنشد معرضاً:

стр. 208

إن الزمان، وما تفنى عجائبه ... أبقى لنا ذنباً واستأصل الراسا ثم قال: يرحم الله واصل بن عطاء!! قال: فرفع عمرو رأسه، وقد اغرورقت عيناه؛ ثم قال: نعم، يرحم الله واصل ابن عطاء، كان لي رأساً، وكنت له ذنباً، والله ما رأيت أعبد من واصل قط، والله ما رأيت أزهد من واصل قط، والله ما رأيت أعلم من واصل قط، والله الذي لا إله إلا هو، لصحبت واصل بن عطاء ثلاثين سنة، أو قال: عشرين سنة، ما رأيته عصى الله قط. وأرباب المذاهب من المعتزلة، ومصنفو الكتب، منهم: أبو حذيفة واصل ابن عطاء، وعمرو بن عبيد، وروى عمر عن واصل عن الحسن بن أبي الحسن البصري، وروى عن عمر وسفيان الثوري، وسفيان بن عتبة، وأبي يوسف، وأبي مطيع. وبعد واصل وعمروا: أبو الهذيل محمد بن الهذيل العلاف، وهو من أهل البصرة مولى لعبد القيس؛ وأبو اسحق إبراهيم بن سيار النظام، وهو من أهل البصرة؛ وأبو المعتم بن عباد السلمي، وهشام بن عمرو الفوطي، وأبو سهل بشر ابن المعتمر رئيس المعتزلة بالبصرة، وجميع معتزلة بغداد، وأبو عمر ثمامة بن أشرس النميري، وأبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ الكناني، وغير هؤلاء أيضاً ممن صنف الكتب منهم، وهم كثير لا يجمع ذكره إلا كتاب مفرد. وخرجت المعتزلة مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب على أبي جعفر المنصور، ورئيس المعتزلة يومئذ: بشير الرحال، وكان متقلداً سيفاً حمائله تسعة، وعليه مدرعة صوف، متشبهاً بعمار

стр. 209

ابن ياسر، فقتلوا بين يديه صبراً، وذلك أن أصحاب إبراهيم انهزموا، فوقف هو والمعتزلة، فقتلوا جميعاً بباخمرى على ستة عشر فرسخاً من الكوفة. وكان أبو جعفر المنصور يقول: ما خرجت المعتزلة حتى مات عمرو بن عبيد. وكان بلغ المنصور أن محمد بن عبد الله، النفس الزكية، كتب إلى عمرو بن عبيد يستمليه؛ فضاق المنصور بذلك ذرعاً وأرسل إلى عمرو بن عبيد، فلما وصله، أكرمه وشرفه، وقال له: بلغني أن محمد بن عبد الله كتب إليك كتاباً؛ قال عمرو: قد جاءني كتاب، يشبه أن يكون كتابه؛ فقال له المنصور: فبم أجبته؟ قال: لم أجبه إلى ما أراد؛ فقال المنصور: أجل، ولكن أحب أن تحلف لي ليطمئن قلبي؛ فقال عمرو: ولئن كنت كذبتك تقية، لأحلفن لك تقية؛ فقال له المنصور: أعني بأصحابك؛ فقال له عمرو: أظهر الحق والعدل، يتبعك أهله. فقال له المنصور: عظنا يا أبا عثمان. فقال عمرو: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد ... إلى آخرها. فبكى المنصور بكاء شديداً كأنه لم يسمع تلك الآيات إلا الساعة. ثم قال: اتق الله، فإن الله قد أعطاك الدنيا بأسرها، فأفقد نفسك منه ببعضها، واعلم أن الأمر الذي صار إليك إنما كان في يد غيرك ممن كان قبلك، ثم أفضى إليك، وكذلك يخرج منك إلى من هو بعدك، وأحذرك ليلة تمخض صبيحتها عن يوم القيامة. فبكى المنصور بكاء شديداً، كبكائه الأول، حتى كادت نفسه تفيض.

стр. 210

فقال له سليمان بن مخالد: رفقاً بأمير المؤمنين فقد أتعبته منذ اليوم. فقال له عمرو: اسكت لا أبا لك، وماذا خفت عليه إن بكى من خشية الله؟ فلما هم عمرو بالنهوض، قال له المنصور: هل من حاجة يا أبا عثمان؟ فقال عمرو: نعم، وذلك ألا تبعث إلي حتى آتيك؛ قال المنصور: إذاً لا نلتقي؛ فقال عمرو: عن حاجتي سألتني؛ فقال المنصور: أستحفظك الله، وودعه. وانصرف عمرو. والكور التي تغلب عليها الاعتزال والقول بالعدل، على ما حكى البلخي: عمانة، وهي مدينة كبيرة؛ وتدمر أيضاً، وهي من بناء الشياطين لسليمان بن داوود ﵇؛ وبلاد المدارح كلها، وأهلها كلبٌ وقضاعة، وتدمر أيضاً في أيدي كلب وأعرابهم بين حمص إلى رحبة مالك بن طوق، وعامة كلب يذهبون مذهب الاعتزال؛ وكثير من قرى الشام، منها: نهبا، وأزكه، وبعلبك، وغير ذلك. ومن الغرب: البيضاء، وهي كور كبيرة، يقال إن فيها مائة ألف يحملون السلاح يقال لهم: الواصلية، وقد تقدم آنفاً، وبها أيضاً صنف من الصفرية؛ وطنجة: وهي بلاد إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي ابن أبي طالب، وهم معتزلة، وكان رئيسهم إسحاق بن محمود بن عبد الحميد، وهو الذي اشتمل على إدريس بن عبد الله بن الحسن، حين ورد عليه، فأدخله في الاعتزال. ومن اليمن: وهب بن منبه وأصحابه، وهم أبناء فارس الذين باليمن، ثم ارتدوا بعد ذلك عن الاعتزال، حين وليت بنو أمية اليمن، وكان بنو أمية يسمون المعتزلة:

стр. 211

شيعة، لمحبتهم علياً ﵁، فضربوا من الأبناء لهذا السبب اثنتين وسبعين رقبة، فارتدوا عن ذلك. وأكثر أهل أرمينية، وفيهم ضرارية، وبعض أهل أذربيجان، وبعضهم خوارج. ومن كور الأهواز: عسكر مكرم كلها، وهي كورة عظيمة فيها بشر كثير، يقال إن بها مائة ألف حائك، سوى سائر أهل الصناعات، ورامهرمز، وستر، والسوسن وغير ذلك. ومن كور فارس: سيراق، وغيرها أيضاً. وكورة أيضاً بكرمان. ومن كور السند: المنصورة، وكورة أيضاً غيرها، وقيل عامة السند. ومن جزيرة العرب: هجر، والبحرين، وعامة الأيلة، وعامة البصرة. واعلم أن أول اختلاف جرى بين الأمة بعد نبيها ﵌، اختلافهم في الإمامة يوم سقيفة بني ساعدة. فقالت الأنصار لقريش: الإمامة فينا وفيكم، منا أمير ومنكم أمير. وقالت قريِش: نحن عترة رسول الله ﵌، والإمامة في قريش دون غيرهم، ونحن الأمراء وأنتم الوزراء. فجرى هذا الاختلاف في الإمامة بين الأمة إلى يومنا هذا. فمن الناس من يقول: الإمامة في قريش خاصة. ومنهم من يقول: هي في جميع الناس. وكانت الأنصار قد بايعوا يوم السقيفة أبا ثابت سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب ابن الخزرج، فحسده ابن عمه بشير بن سعد بن خلاس بن زيد بن مالك الأصغر

стр. 212

ابن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج. فكسر بشير على سعد، وكان بشير أول من بايع أبا بكر من جميع الناس، ثم تبعته الأنصار، فازدحموا على بيعة أبي بكر، ورفضوا بيعة سعد، وكان سعد بن عبادة مريضاً يوم السقيفة: فقال قائل: لا تطأوا سعد، لا تقتلوا سعداً؛ فقال عمر بن الخطاب: اقتلوا سعداً، قتله الله؛ فقام قيس بن سعد بن عبادة فلزم بلحية عمر، وقال: والله لو قذذت منه شعرة لأخذت ما فيه عيناك. فقال سعد: والله لولا المرض لتسمعن لسعد بين لابنيها زئير كزئير الأسد يخرجك منها وأصحابك إلى حيث كنتم أذلة صاغرين! ولم يبايع سعد أبا بكر ولا عمر، وخرج إلى الشام غاضباً من قومه في خذلانهم إياه، فمات بحوران لسنتين ونصف من خلافة عمر بن الخطاب. وللأنصار أشعارٌ كثيرة في يوم السقيفة، يلوم فيها بعضهم بعضاً على خذلانهم سعد بن عبادة، ويعنفون بشير بن سعد، وابن الحصين، ومن تبعهما منهم في ميلهم إلى قريش وكسرهم على سعد. فمن أشعار الأنصار: قول الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري: سعى بن الحصين في العناد لحاجةٍ ... وأسرع منه في الفساد بشير يظنان أنا قد أتينا عظيمةً ... وخطبهما فيما تراه صغير وما صغر إلا بما كان منهما ... وخطبهما لولا الفساد كبير ولكنه من لا يراقب قومه ... قليلٌ ذليلٌ فاعلمن وحقير فيا ابن الحصين وابن سعد كلاكما ... بتلك التي تعنى الرجال خبير ألم تعلما لله در أبيكما ... وما الناس لا أكمهٌ وبصير بأنا ذا ما سار منا كتائبٌ ... أسودٌ لها بالغايتين زئير

стр. 213

نصرنا وآوينا النبي وماله ... سوانا من أهل المكتين نصير فديناه بالأبناء بعد دمائنا ... وأموالنا والمشركون حضور وكنا له في كل أمر يرينه ... سهاماً حداداً ضمهن جفير وكان عظيماً أنني قلت منهم ... أميرٌ ومنا يا بشير أمير وقال حسان بن ثابت: لا تنكرن قريش فضل صاحبنا ... سعد وما في مقالي اليوم من أود قالت قريشٌ لنا السلطان دونكم ... لا تطمعن بهذا الأمر من أحد قلنا لهم ثوروا حقاً فنتبعه ... لسنا نريد سواه آخر الأبد إن كان عندكم عهدٌ فيظهر في ... أشاخ بدر وأهل الشعب من أحد نحن الذين ضر بنا الناس عن عرض ... حتى استقاموا وكانوا بيضة البلد في كل يوم لنا أمرٌ نفوز به ... يعطي الإله عليه جنة الخلد لستم بأولى به منا لأن لنا ... وسط المدينة فضل العز والعدد وإننا يوم بعنا الله أنفسنا ... لم نبد خوفاً على مالٍ ولا ولد والناس حربٌ لنا في الله كلهم ... مثل الثعالب تغشى غابة الأسد وقال آخر من الأنصار: علام قريش تطلب الأمر دوننا ... وكأن نبيان يكونان في عصر فتحمل رأياً خالف الرأي بيننا ... وفرقنا يوم السقيفة بالغمر وهل كان لولا ذاك، خلق مكابر ... لنا من جميع الخلق في ساعة العسر

стр. 214

وقال آخر منهم: وخبرتمونا أنما الأمر بيننا ... خلاف رسول الله يوم التشاجر فهلا وزيراً واحداً تحسبونه ... إذا ما عددنا منكم ألف آمر سقى الله سعداً يوم ذاك ولا سقى ... عراجلة هابت صدور البواتر وقال آخر منهم أيضاً: مالي أقاتل عن قوم إذا قدروا ... عدنا عدواً وكنا قبل أنصارا ويل أمها أمة لو أن قائدها ... يتلو الكتاب ويخشى العار والنارا أما قريش فلم نسمع بمثلهم ... غدراً وأقبح في الإسلام آثارا ضلوا سوى عصبة حاطوا نبيهم ... بالعرف عرفاً وبالإنكار إنكارا وقال آخر منهم أيضاً: دعاها إلى حرماننا وجفائنا ... تذكر قتلي في القليب تكبكبوا فإن يغضب الأبناء من قتل من مضى ... فوالله ما جئنا قبيحاً فتعتبوا وكان المهاجرون والأنصار مجمعين على الشورى غير مختلفين في ذلك، يدل على ذلك قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ في نهج البلاغة في كتاب كتبه إلى معاوية: إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً، كان ذلك لله رضي، وإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة، ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على ابتاعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى. وقوله في الرسالة: وما فعلت حكماء الهند، في عبادة البد، واختيار العباد منهم

стр. 215

في المواقيت، بأبكار كاليواقيت، بضم لهم منهن والتثام، ولمس للفروج للبر لا للآثام، بعد تجردهن وتجردهم من الثياب، لزوال الشك والارتياب. من حكمة الهند أنهم يقدمون في معرفة الحساب والنجوم، ويقدمون في معرفة الطب وعلاج الأدواء. والبد: الصنم بلغة الهند، وجمعه بددة، وهي أصنامٌ ينحتونها بأيديهم، ثم يعبدونها، ويجعلون لها بيوتاً كمساجد المسلمين، وفيها بنات رؤسائهم موهوبة لتلك البددة عل وجه التقرب بها، والنذور والكفارات، وتلك النساء واقفة للفساد والفجور، يأمرها أهلها بذلك، ويرون أن لهم فيه أجراً عظيماً، ولهم عباد ورهبان في تلك البيوت، متجردون من اللباس، يدعون الزهد في الدنيا، لا يسمون الماء، يتبركون بأوساخهم، ويختبرونهم بتلك النساء وملاعبتها، فمن اشتقاق من أولئك العباد إلى تلك النساء وأنعظ، فقد كفر كفراً عظيماً عندهم، وأتى بأعظم منكر، وألحقوه أنواع العذاب والنكال وقتلوه. هذا في الزهاد خاصة، وأما غيرهم منهم فلا ينكر عليهم الفجور بتلك النساء. وهذا عجيب في جمع الهندبين الحكمة في دنياهم، والجهل العظيم في دينهم، وكذلك غيرهم بهذه الصفة، وإنك لتلقي الرجل الذكي الفطن الكامل من الناس، فترى من معرفته بأمور الدنيا وفطنته فيما يعيي به غيره، وحسن نظره، وإصابة حدسه، وجودة تمييزه، وشدة ذكائه، ما يستحق به الفضل على غيره، ويستوجب به المزية على سواه، ثم إذا باحثته في أمور دينه، أنكرت منه ما عرفت، ووجدته رجلاً مستلب اللب، عازب الفهم، أعمى البصيرة، كالمصاب في عقله، والصبي في مهده. قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في كتاب الأخبار: بعد، فإن الناس
следующие страницы →