← Адаб

Адаб · id 22885

الحور العين

نشوان الحميري

Полный текст (317 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

شيعة، لمحبتهم علياً ﵁، فضربوا من الأبناء لهذا السبب اثنتين وسبعين رقبة، فارتدوا عن ذلك. وأكثر أهل أرمينية، وفيهم ضرارية، وبعض أهل أذربيجان، وبعضهم خوارج. ومن كور الأهواز: عسكر مكرم كلها، وهي كورة عظيمة فيها بشر كثير، يقال إن بها مائة ألف حائك، سوى سائر أهل الصناعات، ورامهرمز، وستر، والسوسن وغير ذلك. ومن كور فارس: سيراق، وغيرها أيضاً. وكورة أيضاً بكرمان. ومن كور السند: المنصورة، وكورة أيضاً غيرها، وقيل عامة السند. ومن جزيرة العرب: هجر، والبحرين، وعامة الأيلة، وعامة البصرة. واعلم أن أول اختلاف جرى بين الأمة بعد نبيها ﵌، اختلافهم في الإمامة يوم سقيفة بني ساعدة. فقالت الأنصار لقريش: الإمامة فينا وفيكم، منا أمير ومنكم أمير. وقالت قريِش: نحن عترة رسول الله ﵌، والإمامة في قريش دون غيرهم، ونحن الأمراء وأنتم الوزراء. فجرى هذا الاختلاف في الإمامة بين الأمة إلى يومنا هذا. فمن الناس من يقول: الإمامة في قريش خاصة. ومنهم من يقول: هي في جميع الناس. وكانت الأنصار قد بايعوا يوم السقيفة أبا ثابت سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب ابن الخزرج، فحسده ابن عمه بشير بن سعد بن خلاس بن زيد بن مالك الأصغر

стр. 212

ابن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج. فكسر بشير على سعد، وكان بشير أول من بايع أبا بكر من جميع الناس، ثم تبعته الأنصار، فازدحموا على بيعة أبي بكر، ورفضوا بيعة سعد، وكان سعد بن عبادة مريضاً يوم السقيفة: فقال قائل: لا تطأوا سعد، لا تقتلوا سعداً؛ فقال عمر بن الخطاب: اقتلوا سعداً، قتله الله؛ فقام قيس بن سعد بن عبادة فلزم بلحية عمر، وقال: والله لو قذذت منه شعرة لأخذت ما فيه عيناك. فقال سعد: والله لولا المرض لتسمعن لسعد بين لابنيها زئير كزئير الأسد يخرجك منها وأصحابك إلى حيث كنتم أذلة صاغرين! ولم يبايع سعد أبا بكر ولا عمر، وخرج إلى الشام غاضباً من قومه في خذلانهم إياه، فمات بحوران لسنتين ونصف من خلافة عمر بن الخطاب. وللأنصار أشعارٌ كثيرة في يوم السقيفة، يلوم فيها بعضهم بعضاً على خذلانهم سعد بن عبادة، ويعنفون بشير بن سعد، وابن الحصين، ومن تبعهما منهم في ميلهم إلى قريش وكسرهم على سعد. فمن أشعار الأنصار: قول الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري: سعى بن الحصين في العناد لحاجةٍ ... وأسرع منه في الفساد بشير يظنان أنا قد أتينا عظيمةً ... وخطبهما فيما تراه صغير وما صغر إلا بما كان منهما ... وخطبهما لولا الفساد كبير ولكنه من لا يراقب قومه ... قليلٌ ذليلٌ فاعلمن وحقير فيا ابن الحصين وابن سعد كلاكما ... بتلك التي تعنى الرجال خبير ألم تعلما لله در أبيكما ... وما الناس لا أكمهٌ وبصير بأنا ذا ما سار منا كتائبٌ ... أسودٌ لها بالغايتين زئير

стр. 213

نصرنا وآوينا النبي وماله ... سوانا من أهل المكتين نصير فديناه بالأبناء بعد دمائنا ... وأموالنا والمشركون حضور وكنا له في كل أمر يرينه ... سهاماً حداداً ضمهن جفير وكان عظيماً أنني قلت منهم ... أميرٌ ومنا يا بشير أمير وقال حسان بن ثابت: لا تنكرن قريش فضل صاحبنا ... سعد وما في مقالي اليوم من أود قالت قريشٌ لنا السلطان دونكم ... لا تطمعن بهذا الأمر من أحد قلنا لهم ثوروا حقاً فنتبعه ... لسنا نريد سواه آخر الأبد إن كان عندكم عهدٌ فيظهر في ... أشاخ بدر وأهل الشعب من أحد نحن الذين ضر بنا الناس عن عرض ... حتى استقاموا وكانوا بيضة البلد في كل يوم لنا أمرٌ نفوز به ... يعطي الإله عليه جنة الخلد لستم بأولى به منا لأن لنا ... وسط المدينة فضل العز والعدد وإننا يوم بعنا الله أنفسنا ... لم نبد خوفاً على مالٍ ولا ولد والناس حربٌ لنا في الله كلهم ... مثل الثعالب تغشى غابة الأسد وقال آخر من الأنصار: علام قريش تطلب الأمر دوننا ... وكأن نبيان يكونان في عصر فتحمل رأياً خالف الرأي بيننا ... وفرقنا يوم السقيفة بالغمر وهل كان لولا ذاك، خلق مكابر ... لنا من جميع الخلق في ساعة العسر

стр. 214

وقال آخر منهم: وخبرتمونا أنما الأمر بيننا ... خلاف رسول الله يوم التشاجر فهلا وزيراً واحداً تحسبونه ... إذا ما عددنا منكم ألف آمر سقى الله سعداً يوم ذاك ولا سقى ... عراجلة هابت صدور البواتر وقال آخر منهم أيضاً: مالي أقاتل عن قوم إذا قدروا ... عدنا عدواً وكنا قبل أنصارا ويل أمها أمة لو أن قائدها ... يتلو الكتاب ويخشى العار والنارا أما قريش فلم نسمع بمثلهم ... غدراً وأقبح في الإسلام آثارا ضلوا سوى عصبة حاطوا نبيهم ... بالعرف عرفاً وبالإنكار إنكارا وقال آخر منهم أيضاً: دعاها إلى حرماننا وجفائنا ... تذكر قتلي في القليب تكبكبوا فإن يغضب الأبناء من قتل من مضى ... فوالله ما جئنا قبيحاً فتعتبوا وكان المهاجرون والأنصار مجمعين على الشورى غير مختلفين في ذلك، يدل على ذلك قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ في نهج البلاغة في كتاب كتبه إلى معاوية: إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً، كان ذلك لله رضي، وإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة، ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على ابتاعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى. وقوله في الرسالة: وما فعلت حكماء الهند، في عبادة البد، واختيار العباد منهم

стр. 215

في المواقيت، بأبكار كاليواقيت، بضم لهم منهن والتثام، ولمس للفروج للبر لا للآثام، بعد تجردهن وتجردهم من الثياب، لزوال الشك والارتياب. من حكمة الهند أنهم يقدمون في معرفة الحساب والنجوم، ويقدمون في معرفة الطب وعلاج الأدواء. والبد: الصنم بلغة الهند، وجمعه بددة، وهي أصنامٌ ينحتونها بأيديهم، ثم يعبدونها، ويجعلون لها بيوتاً كمساجد المسلمين، وفيها بنات رؤسائهم موهوبة لتلك البددة عل وجه التقرب بها، والنذور والكفارات، وتلك النساء واقفة للفساد والفجور، يأمرها أهلها بذلك، ويرون أن لهم فيه أجراً عظيماً، ولهم عباد ورهبان في تلك البيوت، متجردون من اللباس، يدعون الزهد في الدنيا، لا يسمون الماء، يتبركون بأوساخهم، ويختبرونهم بتلك النساء وملاعبتها، فمن اشتقاق من أولئك العباد إلى تلك النساء وأنعظ، فقد كفر كفراً عظيماً عندهم، وأتى بأعظم منكر، وألحقوه أنواع العذاب والنكال وقتلوه. هذا في الزهاد خاصة، وأما غيرهم منهم فلا ينكر عليهم الفجور بتلك النساء. وهذا عجيب في جمع الهندبين الحكمة في دنياهم، والجهل العظيم في دينهم، وكذلك غيرهم بهذه الصفة، وإنك لتلقي الرجل الذكي الفطن الكامل من الناس، فترى من معرفته بأمور الدنيا وفطنته فيما يعيي به غيره، وحسن نظره، وإصابة حدسه، وجودة تمييزه، وشدة ذكائه، ما يستحق به الفضل على غيره، ويستوجب به المزية على سواه، ثم إذا باحثته في أمور دينه، أنكرت منه ما عرفت، ووجدته رجلاً مستلب اللب، عازب الفهم، أعمى البصيرة، كالمصاب في عقله، والصبي في مهده. قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في كتاب الأخبار: بعد، فإن الناس

стр. 216

يحضون الدين من فاحش الخطأ، وقبيح المقال، بما لا يحضون به سواه من جميع العلوم والآراء والآداب، والصناعات؛ ألا ترى أن الفلاح والصائغ والنجار، والمهندس والمصور، والكاتب والحاسب، من كل أمة، لا تجد بينهم من التفاوت في الفهم والعقل والصناعة، ولا من فاحشة الخطأ وإفراط النقص، مثل الذي تجد في أديانهم، وفي عقولهم، عند اختيار الأديان؛ والدليل على ما وصفت لك: ن الأمم التي عليها المعتمد في العقل والبيان والرأي والأدب والاختلاف في الصناعات، من ولد سام خاصة: العرب والهند والروم والفرس، ومتى نقلتهم من علم الدين، حسبت عقولهم مجتبلة وفطرهم مسترقة. كالعرب فإنها مخصوصة بأمور، منها: البيان الذي ليس مثله بيان، واللغة التي ليس مثلها في السعة لغة، وقيافة الأثر الإمام قيافة البشر، وليس في الأرض قوم غير العرب يرون المتباينين في الصور، والمتفاوتين في الطول والقصر، والمختلفين في الألوان، فيعلمون أن هذا الأسود ابن لهذا الأبيض، وهذا الطويل ابن أخي هذا القصير، وهذا القبيح عم هذا المليح. وللعرب الشعر الذي لم يشاركهم فيه أحد من العجم. قال: وقد سمعت للعجم كلاماً حسناً، وخطباً طوالاً يسمونها أشعاراً، فأما أن يكون لهم شعر على أعاريض معلومة وأوزان معروفة، إذا نقص منها حرف أو زاد حرف، أو ترك ساكن أو سكن متحرك، كسره وغيره، فليس يوجد إلا للعرب خاصة دون غيرهم، وليس في الأرض قوم أعنى بذم جليل القبيح ودقيقه، وبحمد دقيق الحسن وجليله، من العرب، حتى لو أجهد أفطن البرية وأعقل الخليقة أن يذكر معنى لم يذكروه لما أصابه. وللعرب من صدق الحس، وصواب الحدس، وجودة الظن، وصحة الرأي، ما لا يعرف لغيرهم؛ ولهم العزم الذي لا يشبهه عزم، والصبر الذي لا يشبهه صبر،

стр. 217

والجود والأنفة والحمية التي لا يدانيهم أحد فيها، ولا يتعلق بها روميٌ ولا هندي ولا فارسي، لأن هذه الأمم كلها بخلاف العرب شيماً. ثم لهم من بعد الهمم، والطلب بالطوائل، ما ليس لغيرهم، مع المعرفة بمساقط النجوم، والعلم بالأنواء، وحسن المعرفة بما يكون منها للاهتداء. ولهم خط العربية، مع الحفظ لأنسابهم، ومحاسن أسلافهم، ومساوئ أكفائهم، للتعاثر بالقبيح والتفاخر بالحسن، ليجعلوا ذلك عوناً لهم على إثبات الجميل، واصطناع المعروف، ومزجرة لهم عن إثبات القبيح وفعل العار، وليؤدبوا أولادهم بما أدبهم به آباؤهم، ثم الحفظ الذي لا يقدر أحد على مثله، وإن دونه عنده وجلده في كتبه. وخصلة لا تصاب إلا فيهم، وذلك أن العي والبيان في كل قوم مبثوث متفرق، ولست واجداً بالبادية عياً رأساً، على أنهم وإن تفاوتوا في البيان فليس ذلك بمخرج أحسنهم إلى العي. وفيهم أيضاً خصلة لا تصاب إلا فيهم، وذلك أن سلفة كل جيل وعلية كل صنف إذا اشتد تشاجرهم، فطالت ملاحاتهم، وكثر مزاحمهم، والدعابة بينهم، وجدتهم يخرجون إلى ذكر الحرمات، وشتم الأمهات، واللفظ السيئ، والسفه الفاحش، ولست بسامع من هذا وشبهه حرفاً بالبادية، لا من صغيرهم ولا كبيرهم، ولا جاهلهم، ولا عالمهم، وكيف يقولون هذا والحيان منهم يتعايبان بدون ذلك. وليس في الأرض صبيان في عقول الرجال غير صبيانهم، وكل شيء تقوله

стр. 218

العرب، فهو سهل عليها وبطبيعة منها؛ وكل شيء تقوله العجم، فهو تكلف واستكراه. وللعرب البديهة في الرأي والقول خاصة، ولهم الكنى مع أسماء خاصة، وهي من التعظيم؛ وقد زعم قوم من الفرس: أن فيهم الكنى، واحتجوا بقول عدي ابن زيد. أين كسرى كسرى الملوك أبوسا ... سان أم أين قبله سابور وليس كذلك، إنما كناه عدي بن زيد على عادته، حين أراد تعظيمه، إن صحت الكنية في هذا البيت. فأما عمرو بن العلاء، ويونس النحوي، وأبو عبيدة، فرووا جميعاً أن عدياً قال: أين كسرى كسرى الملوك أنوشر ... وان، أم أين قبله سابور فأخطأ الرواية، وقيل ذلك عنه من لا علم له، وليس في الأرض أعجمي له كنية إلا أن تسكنيه العرب. وليس في الناس أشد عجبا بالخيل من العرب، ولا أصنع لها، وأكثر لها ارتباطا، ولا أشد لها إيثاراً، ولا أهجا لمن لا يتخذها، أو لمن اتخذها وأهانها، وأهزلها، ولا أمدح لمن اتخذها وأكرمها ولم يهنها، ولذلك أضيفت الخيل إليهم بكل لسان، حتى قالوا جميعاً: هذا فرس عربي، ولم يقولوا: هذى فرس هندي، ولا رومي، ولا فارسي، فحصنوها تحصين الحرم، وصانوها صون الأعراض، ليبتذلوها يوم الروع وليدركوا عليها الثأر. وكانوا يؤثرونها على أنفسهم وأولادهم، ويصبرون على مؤونتها في الجدب والأزل، ويغتبقون الماء القراح، ويؤثرونها بالحليب، لأنها كانت حصونهم

стр. 219

ومعاقلهم؛ وقالوا في إيثارها أشعاراً كثيرة في الجاهلية والإسلام، ليقتدى الآخر منهم بالأول، ولتبقى ذكر مآثرهم وقديم مفاخرهم. فمن أشعارهم في الجاهلية: قول الأسعر الجعفي، اسمه مرثد بن حمران، وسمي الأسعر ببيت قاله، البيت: فلا تدعني الأقوام من آل مالكٍ ... إذا أنا لم أسعر عليهم وأثقب وهو هذا: لكن قعيدة بيننا مجفوة ... ناد جناجن صدرها لها غنا تقفي بعيشة أهلها وثابة ... أو جرشع عبل المحارم والشوى وقال خالد بن جعفر بن كلاب: أريغوني إراغتكم فإني ... وحذفة كالشجا تحت الوريد مقربة أسويها بخزٍ ... وألحفها ردائي في الجليد وأوصى الحالبين ليؤثروها ... لها لبن الخلية والصعود وقال الضبي:

стр. 220

نوليها الصريح إذا شتونا ... علاتنا ونلى السمارا وقال عمرو بن مالك: وسابح كعقاب الدجن أجعله ... دون العيال له الإيثار واللطف وقال جرير بن لوذان، وقيل لعنترة:؟ لا تذكرى مهري وما أطعمته فيكون جلدك مثل جلد الأجرب كذب العتيق وماء شن باردٌ ... إن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي إني امرؤ إن يأخذوني عنوة ... أقرن إلى سير الركاب وأجنب إني لأخشى أن تقول حليلتي ... هذا غبار ساطعٌ فتلبب إن العدو لهم إليك وسيلةٌ إن يأخذوك تكحلي وتخضبي ويكون مركبك العقود وحدجه ... وابن النعامة يوم ذلك مركبي وقال لبيد بن ربيعة: معاقلنا التي نأوي إليها ... بنات الأعوجية والسيوف الأعوجية: منسوبة إلى الأعوج: فرس كريم. وقال المرار بن منقذ الحنظلي:

стр. 221

أخلصته حولين أمسح وجهه ... وأخو المواطن من يصون ويدأب وجعلته دون العيال مقربا ... حتى انجلت وهو الدخيل المقرب وقال طفيل بن عوف الغنوي: إني وإن قل مالي لا يفارقني ... مثل النعامة في أوصالها طول أو ساهم الوجه لم تقطع أباجله ... يصان وهو ليوم الروع مبذول تقريبها المرطى والجوز معتدل ... كأنه سبد بالماء مغسول وقال آخر:؟ بنى عامر إن الخيول وقاية لأنفسكم والموت وقتٌ مؤجل أهينوا لها ما تكرمون وباشروا ... صيانتها والصون بالخيل أجمل متى تكرموها يكرم المرء نفسه ... وكل امرئ من قومه حيث ينزل وقال آخر من بني تميم، قد سأله بعض الملوك فرسالة يقال لها: سكاب، فمنعه إياها: أبيت اللعن إن سكاب علقٌ ... نفيسٌ لا يباع ولا يعار مفداةٌ مكرمةٌ علينا ... يجاع لها العيال ولا تجاع

стр. 222

سليلة سابقين تناجلاها ... إذا نسباً يضمهما الكراع وفيها عزةٌ من غير نفرٍ ... يحيدها إذا حر القراع فلا تطمع أبيت اللعن فيها ... ومنعكها بشيء يستطاع وكفى يستقل بحمل سيفي ... وبي ممن تهضمني امتناع وحولى من بني قحفان شيبٌ ... وشبانٌ إلى الهيجا سراع إذا فزعوا فأمرهم جميعٌ ... وإن لاقوا فأيديهم شعاع ولهم أشعار كثيرة غير هذه في إكرام الخيل في الجاهلية، غير ما قالوا في الإسلام. قال: وهم مع ما حكيت لك من صحة العقل، وكرم الطبيعة، وحسن البيان، وسعة المعرفة، وجودة الرأي، وشدة الأنفة: يعبدون الحجارة، ويحلفون بها، ويحاربون دون كسرها، وتهجينها، وينكسون لها، ويدعونها آلهة، ويخاطبونها، ولا يستجيزون عيبها، وينكرون على من ينتقصها، ثم مع ذلك ربما رموا بها، واتخذوا سواها، ثم كانوا يرون أن الرجل منهم إذا مات فلم يأخذ وليه بعده بعيره، فيحفر له حفرة ثم يقيده على شفيرها، ويطرح برذعته على وجهه ورأسه، ثم لا يسقيه ولا يعلفه حتى يموت، ثم ن ذلك الرجل الميت بزعمهم يحيا يوم القيامة حافياً راجلاً، وإذا فعل ذلك أتى راكباً، وذلك البعير البلية، قال أبو زبيد:

стр. 223

كالبلايا رؤوسها في الولايا ... مانحات السموم حر الخدود يعني الناقة التي كانت تعكس على قبر صاحبها، ثم تطرح الولية على رأسها إلى أن تموت، وقال الطرماح: منازل لا ترى الأنصاب فيها ... ولا حفر المبلى للمنون أي أنها منازل أهل الإسلام دون أهل الجاهلية، ويقولون: أيما رجل قتل، فلم يطلب وليه بدمه، خلق من دماغه طير يسمى: هامة، فلا يزال يزقو على قبره، وينعى إليه عجز وليه، حتى يبعث، قال الشاعر: فإن تك هامة بهراة تزقو ... فقد أزقيت بالمروين هاما وقال جريبة بن أشيم الأسدي، وهو أحد شياطين بني أسد وشعرائها: لا تزقون لي هامة فوق مرقب ... فإن زقى الهام أخبث خابثٍ وقال توبة بن الحمير: فلو أن ليلى الأخيلية سلمت ... علي ودوني تربةٌ وصفائح لسلمت تسليم البشاشة أو زقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح وكانوا يقولون: أيما شريف قتل، فوطأته امرأة مقلاة: عاش ولدها، قال بشر بن أبي حازم:

стр. 224

تظل مقاليت النساء يطأنه ... يقلن: ألا يلقى على المرء مئزر وكانوا يقولون: إذا كان لرجل ألف بعير فلم يفقأ عين بعير منها: إن السواف تأتي على إبله، فإن زادت على ألف: فقأ عينيه جميعاً، فذلك: المفقأ والمعمى. وكانوا إذا أجدبت بلادهم، فأرادوا الاستمطار: أخذوا بعيراً أورق فشدوا في ذنبه العشر والسلع وصعدوه في جبل وأشعلوا في ذنبه النار، ودعوا وتضرعوا، فإن لم يفعلوا ذلك لم يستجب الله منهم، بزعمهم. وكانوا إذا وقع العر في الأبل: يأخذون بعيراً سليماً لا عيب فيه، فيقطعون مشفره ثم يكوونه، ليذهب العر من سائر الإبل وإلا فشا فيها، قال النابغة: وحملنني ذنب امرئ وتركته ... كذي العر يكوي غيره وهو راتع وكانوا يرون أن النهيس إذا علقوا عليه الحلي سلم، وإن لم يعلقوها عليه هلك. وكان الرجل منهم إذا غزا عقد خيطا في ساق شجرة، فإذا رجع ورآه منحلاً، فقد خانته قعيدته، بزعمهم، وإن وجده بحاله، فقد حفظت نفسها، قال الشاعر: هل ينفعنك اليوم إن همت بهم ... كثرة ما توصى وتعقاد الرتم والرتمة: اسم الخيط بعينه. وكانوا يقولون: إذا أحب الرجل امرأة وأحبته، فإن لم يشق عليها برقعها وتشق رداءه، فسد حبهما، وإن فعلا ذلك، دام حبهما، قال سحيم عبد بني الحساس:

стр. 225

وكم قد شققنا من رداء محبرٍ ... ومن برقع عن طفلةٍ غير عانس إذا شق برد شق بالبرد مثله ... دواليك حتى كلنا غير لابس هذا مع إيمانهم بغزو الجن وتلون الغيلان، وأن الجن هي التي طردت أهل وبارعن ديارهم، وصارت الجن سكانها، فليس بها إلا الجن والوحش. ومع مذهبهم في الحامي والبحيرة والوصيلة والسائبة، مع أمور كثيرة لا يحتاج إلى ذكرها. وإنما أردنا من ذلك أن يعرف الناس تفاوت ما بين حال العاقل في دنياه ودينه، فإذا صار إلى التكذيب والتصديق والأيمان والكفر، صار إلى غير الذي كان. قال: ثم ملنا إلى الهند، فوجدناهم يقدمون في الحساب والنجوم، ولهم الخط الهندي خاصة، ويقدمون في الطب، ولهم أسرار الطب وعلاج فاحش الأدواء، ولهم حفظ التماثيل، ونحت الصور مع التصوير بالأصباغ كزي المحاريب وأشباه ذلك، ولهم الشطرنج، وهي أشرف لعبة، وأكثرها تدبيراً وفطنة، ولهم صنعة السيوف، ولهم

стр. 226

الكنكلة، وهو وتر واحد على قرعه فيقوم مقام العود والصنج، ولهم ضروب الرقص والخفة، ولهم الثقافة خاصة، ولهم السحر، والتدخين، والخطب الطوال، ولهم الرأي والنجدة والصبر، وليس لأحد من الصبر ما لهم، ولهم الزي الحسن والأخلاق المحمودة، والسواك والخضاب. وهم - مع جميع ما ذكرنا -: أصحاب بددة، ينحتونها بأيديهم، ويوجبون عبادتها على أنفسهم، وهم اجتلبوها وأوجبوا طاعتها، ثم يتكفنون، ويتصندلون، ويحملون معهم الألطاف والهدايا، ويدخلون النيران، إذا اشتاقوا إلى موتاهم، على أنهم بزعمهم يرجعون إلى أهليهم، إذا قضوا أوطارهم من زيارة موتاهم، لا ينهى الآخر طول غيبة الأول، مع هذه الحكمة الشريفة، والأخلاق السنية، والمعرفة الحسنة، يعرفون من أمر الدنيا ما لا يعرفه أحد، ويجهلون من أمر الدين ما لا يجهله أحد. قال: ثم ملنا إلى الروم، فوجدناهم أطباء وحكماء، ومنجمين، ولهم أصول اللحون وصنعة القرسطون، وكيان الكتب، وهم الغايات في التصوير، يصور مصورهم الإنسان حتى لا يغادر شيئاً، ثم لا يرضى بذلك حتى يصوره شاباً، وإن شاء كهلاً، وإن شاء شيخاً، ثم لا يرضى بذلك حتى يصوره باكياً أو ضاحكاً، ثم لا يرضى بذلك حتى يجعله جميلاً ناعماً عتيقاً، ثم لا يرضى بذلك حتى يفصل بين ضحك السامت، وضحك الخجل، وبين المبتسم والمستعبر، وبين ضحك السرور وضحك الهازئ، وضحك المتهدد، فيركب صورة في صورة، وصورة في صورةٍ، وصورةً في صورة؛ ثم لهم في البناء ما ليس لغيرهم، ومن الخطر والنجر والصناعة ما ليس لسواهم. ثم هم مع ذلك أصحاب كتاب وملة، ولهم بعد في الجمال والحساب، والقضاء

стр. 227

في النجوم، والخط، والنجدة والرأي، وأنواع المكيدة، ما لا ينكر ولا يجحد؛ وإنما قلت عقول الزنج، وأشباه الزنج، لتباعدهم عن هذه الخصال. ثم هم - مع ذلك أجمع -: يرون أن الآلهة: ثلاثة بطن اثنان وظهر واحد، كما لا بد للمصباح من الدهن، والفتيلة، والوعاء، فكذلك جوهر الآلهة، فزعموا أن مخلوقاً استحال خالقاً، وأن عبداً تحول رباً، ون حديثاً انقلب قديماً، إلا أنه قد قتل وصلب بعد هذا، وفقد، وجعل على رأسه أكاليل الشوك، ثم أحيا نفسه بعد موته، وإنما أمكن عبيده من أخذه وأسره، وسلطهم على قتله وصلبه، ليواسي أنبياءه بنفسه، وليتحبب إليهم بالتشبيه بهم، ولأن يستصغروا جميع ما صنع بهم، ولئلا يعجبوا بأعمالهم فيستكثرونها لربهم، فكان عذرهم أعظم من جرمهم. قال: فلولا أنا رأينا بأعيننا، وسمعنا بآذاننا، لما صدقنا ولا قبلنا أن قوماً متكلمين، وأطباء ومنجمين، ودهاة وحساباً، وكتبة وحذاق كل صنعة، يقولون في إنسان رأوه يأكل ويشرب، ويبول وينجو ويجوع ويعطش، ويكتسي ويعري، ويزيد وينقص، ثم يقتل بزعمهم ويصلب: إنه رب خالق، وإله رازق، وقديم غير محدث، يميت الأحياء ويحيى الموتى، وإن شاء خلق أضعافاً للدنيا، ثم يفخرون بقتله وصلبه، كما يفخر اليهود بقتله وصلبه. قال: ثم ملنا إلى فارس، فوجدنا هناك العقول التي لا تبلغها عقول، والأحلام التي لا تشبهها أحلام والسياسة العجيبة، والملك المؤبد، وترتيب الأمور، والعلم بالعواقب؛ ثم كانوا مع ذلك يغشون الأمهات، ويأكلون الميتة، ويتوضون إلا بوال، والماء لهم مباح، ويعظمون النار، وهم أظهروها، فإذا شاءوا أطفأوها؛ ويقولن: بأن الله تعالى كان وحده لا شيء معه، فلما طالت وحدته استوحش، فلما استوحش

стр. 228

فكر، فلما فكر، تولد من فكرته أهر من، وهو إبليس، فلما مثل بين يديه أراد قتله، فلما أراد قتله امتنع، فصالحه إلى أجل معلوم، ووادعه إلى مدة مسماة، على لا يمتنع عليه إذا استوفى الأجل وبلغ المدة؛ ثم أن أهر من نوى الغدر، وذلك شيمته، فأنشأ يخلق أصناف الشر، يستمد بها عليه؛ فلما عرف ذلك منه أنشأ يخلق أصناف الخير، ليضع بإزاء كل جند جنداً، وله بعد ذلك فضل قوته، وإنه يسمى القديم دونه. ثم قولوا في قسمة العوالم الخمس عندهم، وفي أسمائها وجواهرها وهيآتها، وفي خلق مهنة ومهينة وهما آدم وحواء، وفي سويين المنتظر عندهم، ولا يستطيع وصفه أحمق منقوص، ولا عالم تام، ولو جهد كل جهده واستفرغ كل قوته. قال: ووجه يستدل به على قلة عناية الناس بأكثر الدين، وإن شأنهم تعظيم الرجال، والاستسلام للمنشأ، والذهاب مع العصية والهوى، والرضى بالسابق إلى القلوب، واستثقال التمثيل، وبغض التحصيل، ما تجد من اعتقاد أكثر البصريين وسوادهم لتقديم عثمان بن عفان، ومن اعتقاد أكثر الكوفيين وسوادهم لتقديم علي بن أبي طالب ﵇، ومن اعتقاد أكثر الشآمين لدين بين أمية، وتعظيم عثمان وحب بني مروان، حتى غلط لذلك قوم، فزعموا أن ذلك من قبل الطالع، وقال آخرون: بل من عمل التربة، كما تجد لأهل كل ماء وهواء وطينة: نوعاً من الأخلاق، والمنظر والزي، والصناعة واللغة؛ وليس ذلك - أكرمك الله - إلا من قبل تقليد السلف، وحب الرجال، وما وقع في القلوب، وهيجته المحبة، لأن تقليد الآباء هو الذي ارتهنهم، وحب الرجال هو الذي أعماهم وأصمهم، والنسق على التقليد هو الذي ملأ خواطرهم، وأمات قلوبهم، ولو كن ذلك من قبل الطالع أو التربة، لما حسن الأمر والنهي، ولما جاز الحمد والثواب، واللائمة والعقاب، ولما كان لإرسال الرسل معنى؛ ولو كان ذلك للطالع والبلدة،

стр. 229

لجاز ذلك في المصيب كما في المخطئ، ولجاز في الناظر كما جاز في المقلد. وإنما صير أكثر أهل البصرة عثمانية، لأنهم كانوا صنائع ثلاثة أمراء عليهم: أولهم عبد الله بن عامر، والثاني زياد، والثالث الحجاج بن يوسف، وهؤلاء الثلاثة الغايات في حب عثمان وبين أمية، فلم يقصروا في تقديمه واستمالة الناس إليه بالترغيب والترهيب، والسياسة والتدبير، ولصنائع ابن عامر فيهم فزع إليهم طلحة والزبير وعائشة، حين قدموا عليهم يطلبون بدم عثمان، ولأن علياً ﵇ حاربهم وقتل أعلامهم وفل حدهم، ولذلك قال رجل من كبراء البصريين في علي ﵇: كيف أحب رجلاً قتل من قومي من لدن كانت الشمس ههنا إلى أن صارت ههنا إحدى عشرة مائة. ولو كان هذا من قبل البحث والنظر، لما صار أهل عمان كلهم أباضية، وغيرهم مرجية، ولما اختار أولاد النصارى كلهم النصرانية، وأولاد اليهود كلهم اليهودية، وأولاد المجوس كلهم المجوسية؛ وكيف يجوز أن يعتقد أولاد اليهود كلهم اليهودية بالنظر؟ وقد تجد الأخوين ينظران في الشيء الواحد فيختلفان في النظر، ولربما نظر الناظر فيصير له في كل عام قول، ولربما كان ذلك في كل شهر؛ فصح أن دين الناس بالتقليد لا بالنظر، وليس التقليد إلى الحق بأسرع منه إلى الباطل. وروى الجاحظ في كتاب الأخبار أيضاً، عن أبي إسحاق إبراهيم بن سيار النظام، أنه قال - في الأخبار المروية عن رسول الله ﵌: وكيف يجيز السامع صدق المبخر، إذا كان لا يضطره خبره، ولم يكن معه علم يدل على صدق غيبه، ولا شاهد قياس يصدقه، وكون الكذب غير مستحيل منه مع كثرة العلل التي يكذب الناس لها ودقة حيلهم فيها، ولو كان الصادق عند الناس لا يكذب، والأمين لا يخون، والثقة لا ينسى، والوفي لا يغدر، لطابت المعيشة، ولسلموا من سوء العاقبة.

стр. 230

قال إبراهيم: وكيف نأمن كذب الصادق، وخيانة الأمين، وقد ترى الفقيه يكذب في الحديث، ويدلس في الإسناد، ويدعى لقاء من لم يبلغه، من غريب الخبر ما لم يسمعه، ثم لا يرى أن يرجع عن ذلك في مرضه بل أن تغرغر نفسه وقد أيقن بالموت، وأشفى على حفرته، بعد طول إصراره، والتمتع بالرياسة في حياته، وأكل أموال الناس به؟ ولولا أن الفقهاء والمحدثين، والرواة والصلحاء المرضيين، يكذبون في الأخبار، ويغلطون في الآثار، لما تناقضت آثارهم، ولا تدافعت أخبارهم. قالوا: ولو وجب علينا تصديق المحدث اليوم لظاهر عدالته، لوجب علينا تصديق مثله، وإن روى ضد روايته، وخلاف خبره، وإذا نحن قد وجب علينا تصديق المتناقض، وتصحيح الفاسد، لأن الغلط في الأخبار، والكذب في الآثار، لم تجده خاصاً في بعض دون بعض!! قال إبراهيم: وكيف لا يغلطون، ولا يكذبون، ولا يجهلون، ولا يتناقضون؛ والذين رووا منهم أن النبي ﵌ قال: لا عدوى ولا طيرة، وأنه قال: فمن أعدى الأول؟ هم الذين رووا أن النبي ﵌ قال: فر من المجذوم فرارك من الأسد، وأتاه رجل مجذوم ليبايعه بيعة الأسلام، فأرسل إليه من بايعة مخافة أعدائه؛ وأن النبي ﵌ حين توجه إلى بدر أراد أن ينزل الصفرا، وهي بين جبلين، فسأل عن اسميهما، وعن الحيين النازلين بهما، فقيل: ينزلهما بنو النار، وبنو حراق، بطنان من بني عفار، فتطير منهما، وتعداهما إلى غيرهما، واسم الجبلين الضيقين. وأنه قال: الشؤم في المرأة والدار والدابة. قال: والذين يروون أن النبي ﵌ قال: خير أمتي القرن الذي بعثت فيه، هم الذين رووا أن النبي صل الله عليه وآله وسلم قال: (مثل أمتي مثل المطر لا يدري أوله خير أم آخره) . قال: والذين رووا منهم أن الصعب بن جثامة قال: يا رسول الله ذرارى المشركين

стр. 231

تطأهم خيلنا في ظلم الليل عند الغارة؛ قال: اقتلوهم فإنهم مع آبائهم؛ وأنه حين أغزى أسامة بن زيد إلى ناحية الشام، أمر أن يحرق المشركين بالنار وذراريهم؛ هم الذين يروون أن النبي ﵌ بعث سرية فقتلوا النساء والصبيان، فأنكر النبي ﵌ ذلك إنكاراً شديداً؛ فقالوا: يا رسول الله، إنهم ذراري المشركين؛ وإن خالد بن الوليد لما قتل بالغمصا الأطفال، رفع النبي ﵌ يديه، حتى رأى المسلمون بياض أبطيه، وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد، ثم بعث عليا ﵇ فوداهم. قال: والذين يروون أن خديجة قالت للنبي ﵌: يا رسول الله أرأيت أطفالي منك أين هم؟ قال: هم في الجنة، قالت: أفرأيت أطفالي من غيرك أين هم؟ قال: في النار، فأعادت عليه الكلام، فقال مثل ذلك، فلما أعادت عليه، قال: ن سكت وإلا أسمعتك ضغاءهم في النار. وإن عقبة بن أبي معيط لما أمر النبي ﵌ بقتله قال: من للصبية؟ قال: النار. هم الذين رووا أن النبي ﵌ قال: المؤودة في الجنة والشهيد في الجنة وإن أولاد المشركين خدم أهل الجنة. قال: والذين رووا أن النبي ﵌ قال: إن الله جل ذكره أوحى إلي إني خلقت عبادي كلهم حنفاء فأتتهم الشياطين فاغتالتهم عن دينهم، وانه قال: كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه الذين يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. هم الذين رووا أن النبي صلى الله عليه قال: اعملوا

стр. 232

فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فهو يعمل للسعادة، وإن كان من أهل الشقاء فهو يعمل للشقاء؛ وأن الله مسح ظهر آدم فقبض قبضتين، فأما الذين في قبضته اليمنى فقال: إلى الجنة برحمتي، وقال للذين في اليسرى: إلى النار ولا أبالي، والسعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقى في بطن أمه، وإذا وقعت النطفة في الرحم أوحى الله إلى ملك الأرحام: اكتب فيقول: يا رب ما أكتب؟ قال: اكتب شقياً أو سعيداً. والذين رووا أن القدرية مجوس هذه الأمة، وأنهم قد لعنوا على لسان سبعين نبياً؛ هم الذين رووا أن ميكائيل كان قدرياً حتى خصمه جبريل، وأن موسى كان قدرياً حتى خصمه عمر. قال: وتلوا علينا قول الله : (وإبراهيم الذي وفى، ألا تزر وازرةٌ وزر أخرى) . ثم رووا أن ولد الزنا شر الثلاثة، وأن المعول عليه يعذب بعويل أهله، وأيما صبي مات ولم يعف عنه أبواه فهو محتبس عن الجنة حتى يعفا عنه. قال: وتلوا علينا: (الله أعلم حيث يجعل رسالاته) وقوله: (ولقد اخترناهم على علم على العالمين) ، وأن النبي ﵌ قال: (ما كفر نبيٌ قط) ، ثم رووا أن النبي ﵌ على دين قومه أربعين سنة، وأنه قال: ما ذبحت للعزى إلا كبشاً واحداً؛ وأنه زوج ابنتيه: عتبة بن أبي لهب وأبا العاص بن الربيع، وأنه قال - قبل الوحي - لزيد بن عمرو ابن نفيل: يا زيد، إنك فارقت دين قومك وشتمت ألهتهم، فقال له زيد: يا أيها الإنسان إياك والردى ... فإنك لن تخفى من الله خافياً

стр. 233

والذين رووا أن النبي ﵌ قال: لا يفضلني أحدٌ على يونس بن متى، فقد كان يرفع له في اليوم الواحد مثل عمل جميع أهل الأرض؛ هم الذين رووا أن النبي ﵌ قال: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا أول من يدخل الجنة ولا فخر، وإن كل نبي يقول في القيامة: نفسي نفسي!! وأنا أقول: أمتي أمتي، ومعي لواء الحمد) وهم الذين رووا أن النبي ﵌ قال: لا تفضلوا بعض الأنبياء على بعض، فإنهم بنو علات أمهاتهم واحدة، والذين رووا أن النبي ﵌ قال: إن روح الشهداء تكون في حواصل طير خضر تأوي الليل إلى قناديل في الجنة، وإن الأرواح في الهوا جنود مجندة، تتشام كما تتشام الخيل، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، وأن النبي ﵌ وقف على قليب بدر فقال: يا عتبة بن ربيعة، يا شبيبة بن ربيعة، يا أبا جهل، يا أمية بن خلف: هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فقيل له في ذلك، فقال: والذي نفسي بيده إنهم ليسمعون كما تسمعون، وإن منكراً ونكيراً ليأتيان الرجل في قبره فيسألانه: من ربك وما دينك؟ وأن النبي ﵌ قال: والذي نفسي بيده إنهم ليسمعون خفق نعالكم. هم الذين تلوا علينا: (وما أنت بمسمع من في القبور) وأن النبي ﵌ قال: اللهم رب الرواح الفانية والأجساد البالية. وأن عبد الله بن عباس سئل عن الأرواح أين تكون إذا فارقت الأجساد وأين تذهب الأجساد إذا بليت؟

стр. 234

قال: أين يذهب السراج، إذا طفئ، وأين يذهب البصر إذا عمى، وأين يذهب لحم الصحيح إذا مرض؟ فقال السائل: لا أين!! قال: كذلك الأرواح، إذا فارقت الأجساد. قال: والذين رووا أن النبي ﵌، قال: ليؤمكم خياركم فإنهم وفدكم إلى الجنة؛ وقال: صلاتكم قربانكم، فلا تقربوا بين أيديكم إلا خياركم، ولا صلاة لإمام قوم له كارهون. هم الذين رووا: صلوا خلف كل إمام، براً كان أو فاجراً، ولا بد من إمام بر أو فاجر. قال: والذين رووا أن النبي ﵌ قال: وأذن لي أن أحدث عن ملك من الملائكة رجلاه في الأرض السفلى وعاتقه تحت العرش، ما بين عاتقة إلى شحمة أذنه سبعمائة عام، خفقان الطير المسرع؛ هم الذين رووا أن الله ينزل عشية عرفة، ويوم النصف من شعبان على جمل أورق، وأنه ينزل في قفص من ذهب. والذين رووا أن أربعة أملاك التقوا، واحداً من المشرق، والآخر من المغرب، وآخر من السماء السابعة، وآخر من الأرضيين السفلى، فقال كل واحد منهم للآخر: أين تركت ربك؟ فقال: من عند ربي جئت!! هم الذين رووا أن حمل العرش من فرق غضب الله يثقل العرش على كواهلهم، وأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن ، وأن النبي ﵌ قال: أتاني ربي في أحسن صورة فوضع كفه بين كتفي فوجدت برد أنامله بين ثدي. قال إبراهيم: ثم يتحدث فقيههم بمثل هذه الأحاديث، ويخبر بمثل هذه الأخبار، ويشهد على الله بمثل هذه الشهادة، وهو غير محتفل بذلك ولا مستحٍ منه.

стр. 235

وإنما ذكر الجاحظ والنظام: أن دين الناس بالتقليد، لا بالنظر والبحث والاستدلال، وقد ذم الله تعالى في كتابه المقلدين فقال: (إنا وجدنا آباءنا على أمةٍ وإنا على آثارهم مقتدون) الأمة ههنا: الدين. وقالت العلماء: المقلد مخطئ في التقليد، ولو أصاب الحق، لأن من اعتقد الحق بغير حجة ولا دليل، مثل من اعتقد الباطل بغير حجة ولا دليل، وإذا دخل في الحق بالتقليد، خرج منه بالتقليد، قال الشاعر في ذم التقليد: ما الفرق بين مقلدٍ في دينه ... راضٍ بقائده الجهول الحائر وبهيمة عمياء قاد زمامها ... أعمى على عوج الطريق الجائر وفي كل أهل مذهب ثقة يسندون إليه، وعالم يعتمدون عليه، وكلهم يحتج بقول الله تعالى، ويروى عن رسول الله ﷺ ، وقد كثر التدليس في الكتب، والزيادة في الأخبار، والتأويل لكتاب الله ، على قدر الأهواء والمذاهب والآراء. فيجب على العاقل التيقظ والتحرز والتحفظ من التقليد، الذي هلك به الأولون والآخرون، وجار عن قصد السبيل الحائرون، أعاذنا الله من إتباع الأهواء في الدين، وانقياد الأتباع والمقلدين. وقوله في الرسالة: فمن شبق منهم وانعظ، فقد كفر وما اتعظ. والشبق: شهوة النكاح، وهو مصدر شبق يشبق شبقاً، قال رؤبة بن العجاج: لا يترك الغيرة من عهد الشبق ويقال انعظ الرجل: إذا تحرك عضوه.

стр. 236

وقوله: ووجب عليه القتل، وعبادته مكيدة وختل، فعملت رجالهم في استحضار المنية، وحمل للهدايا السنية، والتكفن والتضمخ بالصندل. وقوله: وطرح النفوس في النار طرح عود المندل. عود المندل: الذي يتبخر به، والمندل: بلد من بلاد الهند إليها ينسب العود، قال العجير السلولي يصف جارية بطيب الريح: إذا ما مشت نادى بما في ثيابها ... ذكى الشذا والمندلي المطيب والشذا: كسر العود ههنا، ويروى: المندلي المطير. وقوله: شوقاً إلى زيارة من هلك من الأحباب. وقوله: وكم للجهل في الناس من سورة وعباب!! السورة: الحدة، ومنه سورة الشراب. والعباب: الكثرة والزيادة، ومنه عباب الماء. وقوله: وما فعلت الروم في عبادة الصليب، والحض على ذلك والتأليب، وأكل لحوم الخنازير، بغير تثريب على الأكل ولا تعزير، وقولهم أمكن ربهم عبيده من أسره وغلبه، وأقدرهم على قتله وصلبه، ليتأسى بذلك أنبياؤه، ويتشبه حزبه وأولياؤه، ثم أحيا نفسه بعد الموت، وأعادها بعد الفوت. صليب النصارى معروف، والصليب: المصلوب، ومنه صليب النصارى، مثل قتيل وصريع وما شاكله، والصليب أيضاً: الودك: قال مرة بن خويلد الهذلي، وذكر عقابا:

стр. 237

جريمة ناهض في رأس نيقٍ ... ترى لعظام ما جمعت صليبا يقال: اصطلب الرجل: إذا جمع العظام، فاستخرج ودكها ليأتدم به، قال الكميت الأسدي: واحتل برك الشتاء منزله ... وبات شيخ العيال يصطلب ويقال: المصلوب من هذا، لأنه يسيل ودكه على العود الذي يصلب عليه، والصليب العلم، قال النابغة: ظلت أقاطيع أنعام مؤبلةٍ ... لدى صليب على الزراء منصوب والحض: الحث، ومنه قوله تعالى: (ولا يحضون على طعام المسكين) والتأليب: الجمع، يقال: ألب الجيش: إذا جمعه. والتثرب: اللوم والتعنيف، ومنه قوله تعالى: (لا تثريب عليكم اليوم) . والتعزير: الضرب والتأديب، وهو الحد، والتعزيز أيضاً - في غير هذا الموضع -: التعظيم، ومنه قوله تعالى: (وتعزروه وتوقروه) .

стр. 238

وقوله: وما فعلت الفرس في عبادة النيران، وغسل الوجوه بأبوال الثيران، وأكل الميتة ووطء الأمهات، بصريح الحدود لا الشبهات، واحتجوا بأن الذبح مؤلم ضار، والنكاح لأهله سار. النيران: جمع نار، وهو جمع فعل بفتح الفاء إلا أنه معتل العين بالألف، وكان أصل ألفه واواً يدل على ذلك تصغيره فتقول: نويرة. والثيران: جمع ثور، وهو جمع فعل بتسكين العين، وأتى الجمعان بلفظ واحد. وكانت المجوس يغسلون وجوههم بأبوال البقر، تخشعاً وتقرباً إلى الله تعالى، قال الشاعر فيهم، وفي غيرهم من أهل المذاهب: عجبت لكسرى وأشياعه ... وغسل الوجوه ببول البقر وقول النصارى إلهٌ يضام ... ويظلم حقاً ولا ينتصر وقول اليهود إلهٌ يحب ... كسيس لدماء وريح الفتر وقوم أتوا من أقاصي البلاد ... لرمي الجمار ولثم الحجر فوا عجباً من مقالاتهم ... أيعمى عن الحق كل البشر قوله: وقالوا للخلق فاعلان متضادان، أحدهما إهر من والآخر يزدان، فيزدان فاعل الخير والسرور، واهر من فاعل الغم والشرور، وقالوا ليس الحكيم

стр. 239

لما بني من الحكمة هادماً، ولا يصبح على الفعل الحسن نادماً، ونسبوا فعل ذلك إلى العبث، وصريح الأديان شبيه بالخبث. وما فعل أصحاب السبت في استقباح نسخ الأديان، وحظر المناهل على الصيدان، إلا منهلاً واحداً للفارط والتالي، والعشار والمتالي، وقالوا النسخ هو البدا، ولا يجوز على الرحمن أبداً، ورووا عن موسى أنه قال إن شريعته غير منسوخة، وعقدها غير محلولة ولا مفسوخة، وحججهم من التوراة، وكل الفرق ظاهر العورات. الصديان: العطشان. والمنهل: المورد. والنهل: الشرب في أول الورد، ومنه اشتقاق المنهل. والحظر: المنع والتحريم، ومنه قوله تعالى: (وما كان عطاء ربك محظوراً) . والفارط: المتقدم في طلب الماء. والتالي: الذي يتلوه. والعشائر: جمع عشراء وهي الحوامل التي لها عشرة أشهر منذ حملت، ثم كثر استعمال ذلك حتى قيل لكل حامل عشراء. والمتالي: التي يتلوها أولادها. وقوله: وما فعلت الجالوتية منهم في مضاهاتها الرقوب، وإرثها الأرض عن يوسف بن يعقوب، وما وجدت في سفر شعيا أو دانيال من صفة قديم الأيام، أنه لا يزال من الأملاك في فيام، قاعداً على الكرسي، بيده ناصية كل وحشي وأنسي، أبيض اللحية والرأس. المضاهاة: المشابهة، ومنه قوله تعالى: (يضاهون قول الذين كفروا) . والرقوب ههنا: المرأة التي لا يعيش لها ولد، والرقوب ههنا: المرأة التي ترقب

стр. 240

موت زوجها لترثه. والرقوب: الناقة التي لا تشرب مع الأبل إذا ازدحمت على الحوض لكرمها. والجالوتية يقولون: إن الله ملك الأرض يوسف بن يعقوب ونحن وارثوه، والناس مماليك لنا. والسفر: الكتاب، جمعه أسفار. وشعياً: هو شعيا بن راموص النبي ﵇، وهو نبي من أنبياء بني إسرائيل. وقديم الأيام عندهم: هو الله تعالى. والقيام: الجماعة. وقوله: لما مر علي من الأحراس. وما فعلت السامرية منهم في عبادة العجل الذي له خوار، ولكل جلس من المذاهب شين وعوار، والسامرية بالقول يعلنون، ألا نبوءة لغير موسى ويوشع بن نون. وما فعلت العزيزية منهم في عزير، وسيرهم فيه بأبعد السير، ورفعه له من درجة النبوة، إلى نبوة الأبوة. الأحراس: الدهور، واحدها حرسٌ، وهو الدهر. وقوله: وما فعل أصحاب الأحد في المسيح، وسيرهم فيه بالعنق الفسيح، وقولهم في الحي القيوم، هو ثلاثة أقانيم يوصف بأقنوم، أبٌ وابن وروح قدس، وكل يدين بتظنن وحدس؛ وحججهم من الإنجيل، وضل عن قصد السبيل كل جبل.

стр. 241

وما فعلت منهم اليعقوبية، فيما جعلت لعيسى من الربوبية؛ زعمت أنه كان قديماً لا في مكان، ثم تجسم فصار جسداً ذا أركان، وأه تناسى بعد علم، وتجسم بعد أن كان غير جسم، وأنه قادر على الزيادة في الذات، ليصل بذلك إلى اللذات، ونفوا عنه لذلك وهن العجز، وما يختص بغيره من المنع والحجز، لأنه القادر على ما يشاء، لا يتعذر عليه الفعل والإنشاء. أصحاب الأحد: النصارى، وهم يعظمون من الأيام الأحد، مثل ما تعظم اليهود السبت، ويعظم المسلمون الجمعة. والعنق: السير الفسيح. والأقانيم: الأشياء بلغة النصارى، واحدها: أقنوم. وقوله: وما فعلت النسطورية منهم في صفات اللاهوت، واستتاره ببدن الناسوت. اللاهوت: الإله بلغة النصارى. والناسوت: الإنسان بلغتهم. وقوله: وقولهم في الماسح والممسوح، ولم يزل الجهل نازلاً بكل سوح. الماسح عندهم: هو الله تعالى. والممسوح: هو الذي انتقل إليه، وهو عيسى. والسوح: جمع ساحة. وقوله: وما فعلت الفلاسفة في ضرب المزاهر، والأطناب في الأعراض والجواهر، ووصف المركب والبسيط، وما ظفروا من الدين بفسيط، وأقدامهم على أبطال الشرائع؛ وقولهم بتدبير الأربع الطبائع. والمزاهر: جمع مزهر وهو العود. والأطناب: المبالغة. والأعراض: جمع عرض، وهو صفة الجوهر.

стр. 242

والجواهر: جمع جوهر، وهو القائم بذاته الحامل للأعراض، والجوهر عندهم على ضربين: مركب وبسيط، فالمركب: هو الجسم مثل الجسد وما شاكله، والبسيط: هو النفس والروح وما شاكل ذلك، والنفس: هي الروح عندهم، وهي القوة الناطقة، فكل جسم عندهم جوهر، وليس كل جوهر جسماً. والفسيط: قلامة الظفر. والفسيط: ثفروق التمرة، وهو قمعها. وقوله: وقد قالوا مع الأربع بخامس، كقول هرمس الهرامس، وأكثر الفلاسفة، على غير الطريق عاسفة، وفي أباض من الحيرة راسفة، وشموسها المنيرة كاسفة. وما فعلت الهيولانية في قدم الهيولى الذي عندهم أصل الأشياء، ومدبر للموات والأحياء، بتحريك قوة في الجوهر أصلية، قديمة أزلية، تجعل الميت ناطقاً من الحيوان، وتنفرد بتدبير هذه الأكوان؛ وقولهم بقدم الجوهر القابل للأعراض، والصحاح أشبه شيء بالمراض، وقيل هي مقالة أرسطاطاليس. هرمس الهرامس بهذه اللغة: حكيم الحكماء. والعسف: الأخذ على غير الطريق. والأباض: الحبل الذي يوبض به البعير، يقال: أبض البعير يأبضه: إذا شد رسغ يده إلى عضده. والرسفان: مشى المقيد. وقوله: ومن اطلع على الأغنياء وجدهم مفاليس. وما فعل أصحاب التناسخ في تنقل الأرواح في الأجساد، وصلاحها بعد الفساد، ومثوبة المحسنين بالأبدان الأنسية، وإلهياً كل الحسية، وعقوبة

стр. 243

المقدمين على الجرائم، بأبدان أعجم البهائم، ودوام الدنيا على الأبد. يقال: اطلع الأمر واطلع على الأمر: بمعنى إذا أشرف عليه وعرف حقيقته، وقد جاءت اللغتان معاً في كتاب الله، قال الله تعالى: (اطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهداً) وقال تعالى: (لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً) وقوله: وما للمثرين من سبد ولا لبد، وقيل: هي مقالة بزرجمهر ابن بختكان، وكم انقاد للغي حكيم واستكان. وما فعلت في تعطيلها الزنادقة، وفصلت في أحكامها المزادقة، زعموا أن أهل الأرض في الأرزاق متظالمون، وأنهم بين الناس في ذلك حاكمون. المثرون: الأغنياء أصحاب الثراء وهو المال. والسبد: الشعر. واللبد: الصوف، يقال للنقير: ما له سبد ولا لبد، قال الراعي: أما الفقير الذي كانت حلوبته ... رفق العيال فلم يترك له سبد وقوله: يقسمون الأرزاق بالسوية، ولا يجيزون الأثرة باللوية وما فعلت الفضائية في عبادة الفضاء، ورد الحكم له والقضاء، والمشبه في الخلق والإمضاء، قالوا لحاجة كل شيء في الشاهد إليه، وغناه عما أحاط به واستولى عليه، ولأنه لا تحصره الأماكن، ولا يغرب عنه ولا يشبهه متحرك ولا ساكن، وقالوا لأنه غير متناه، وما نهى الجاهل عن الجهالة ناه.

стр. 244

وما فعلت المانية الغوية، ومن وافقها من الثنوية، إذ جعلت مع الله صانعاً، وله عن بعض الأفعال مانعاً؛ وقولهم بتدبير ربين خلاقين، وضدين متشاقين، حيين عالمين، ومن جميع الآفات سالمين، وهما النور والظلام، وما رشد الشيخ ولا الغلام، فالنور عن فعل القبيح متعال، والظلام لكل شر فعال؛ قالوا ولن يكون التضاد من الذات الواحدة ممكناً، فيكون المحسن مسيئاً والمسيء محسناً، كما ليس في النار برودة، ولا الثلج حرارة. اللوية: ما خبأته المرأة لزوجها من الطعام وآثرته به، وكذلك ما خبأت لغيره، قال الراعي: الآكلين اللوايا دون ضيفهم ... والقدر مخبوءة منها أثافيها قوله: ولا في الشرى حلاوة، ولا في الأرى مرارة. وما فعلت الديصانية في تدبير حي وميت، وطال التعلل بعسى وليت، فالحي هو النور الحساس الدراك، والميت هو الظلام الذي ليس له حراك، وكلاهما بزعمهم ربان، على البرية يعتقبان، ولكل واحد منهما في الخلق من جنسه تأثير، وأود المذاهب وسقطها كثير. وما فعلت المرقبونية في تدبير الثلاثة الأرباب، خالق الهرم وخالق الشباب، وثالث بينهما معدل، لما استقبح من أفعالهما مبدل. وما فعل الصابؤن في عبادتهم للملائكة المتعبدين، وخروجهم من دين إلى دين.

стр. 245

وما فعلت البراهمة في نفي الوسائط، وكم للصحة والسقم من شائب وسائط، إلا واسطة العقل فإنها عندهم غير منفية، وشواهدها النيرة غير غامضة ولا خفية، قالوا لأن إرسال المرسل إلى من علم أنه يعصيه ويمثل برسله، دليل عندهم على عبث المرسل وجهله. وما فعلت الأطباء في تدبير الطبائع، وكم للضرر من شارٍ وبائع؟ وما فعلت الفلكية في تدبير الفلك، وسلوك سبيل الغي فيمن سلك. وما فعل الحرانيون عبدة النجوم، وأصحاب الظن والهجوم، في تدبير البروج والأملاك، على قدر نزولها في الأفلاك، وقضائها في الخبرات والشرور، على التوالي والمرور. الشرى: الحنظل. والأرى: العسل. وقوله: وليس في التنجيم، غير ترجيم، ولا عند الكواكب، نفع لواكن ولا واكب. وما فعلت السوفسطائية في نفي الحقائق، وقطع الأسباب في الدين والعلائق، لقد جار عن الحق سوفسطا، ومال عن الطريق الوسطى. الترجيم، والرجم: الظن الذي لا يوقف على حقيقته. والواكن: الطائر الذي يحضن بيضته في وكنه، يقال: وكن الطائر يكن وكوناً، ووكن الطائر، ووكنته وكره. والواكب: الذي يدرج في مشيته، والوكبان: مشية فيها درجان، ويقال: ظبية وكوب، ومن ذلك اشتقاق الموكب. والمنجمون يزعمون أنهم يدركون في علم النجوم ما سيكون من علم الغيب، الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، ولا يشاركه فيه أحد من خلقه، وفساد قولهم ظاهر،

стр. 246

لقوله تعالى: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول) ، ولقوله تعالى: (لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء) وغير ذلك من الآيات. وفي نهج البلاغة أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇، لما عزم على المسير إلى الخوارج، فقال له رجل من أصحابه: يا أمير المؤمنين، إن سرت في هذا الوقت خشيت ألا تظفر بمرادك من طريق علم النجوم، فقال ﵇: أتزعم أنك تهدي إلى الساعة التي من سار فيها صرف عنه الشر، وتخوف من الساعة التي من سار فيها حاق به الضر؟ فمن صدق بهذا، فقد كذب القرن، واستغنى عن الاستعانة بالله في نيل المحبوب، ودفع المكروه، وتبتغي بقولك للعامل بأمرك أن يوليك الحمد دون ربه، لأنك بزعمك هديته إلى الساعة التي نال فيها النفع وأمن الضر؟ ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس إياكم وتعلم النجوم إلا ما يهتدى به في بر وبحر فإنها تدعو إلى الكهانة، والمنجم كالكاهن والكاهن كالساحر، والساحر كالكافر، والكافر في النار، سيروا على اسم الله .

стр. 247

وقوله: ولقد اختص ما ذهب إليه بمذهبه، وبعد عن الأسفار قطع غيهبه. وما فعل أصحاب الدهر، ومن قال بتدبير السنة والشهر، فيما نقل عنهم من الأقوال، من قدم الأعيان وحدث الأحوال، وبعضهم يقول بقدم الصفات، وما ظفر ذو السقم بالمعافات. وأما فرق هذه الملة، فللتقاطع مستحلة، يكفر بعضهم بعضاً، ويرى عداوته عليه فرضاً، وقد أمسكت كل طائفة برئيس، وعدت حسناً منه كل بئيس، ولكل محاسن ومساو، وقولٍ ليس بمتساويٍ، وقل من يوجد على غير دين أبيه، ومعلمه وأقربيه، وداء الناس في دينهم داء قديم، ما صح معه من النغل أديم. يقال: أسفر الصبح: إذا أضاء، والقطع: ظلمة آخر الليل، ومنه قوله تعالى: (فأسر بأهلك بقطع من الليل) قال الشاعر: افتحي الباب وانظري في النجوم ... كم علينا من قطع ليلٍ بهيم البهيم: الذي لا يخلط لونه لون سواه. والغيهب: الظلمة، وجمعه غياهب. وقوله: ومن أوضع في المذاهب، وقع في الغياهب، وأغرق في البحث عن الفرق، لم ير ناجياً من الغرق. الإيضاع: الإسراع في السير، ومنه قوله تعالى: (ولأوضعوا خلالكم) . وقوله: أو نظر في املل، عثر على الزلل، وأشرف على اختلاف، مؤد إلى إتلاف، وهجم على رياض مرة الثمار، منهجة للأعمار. يقال عثر على الشيء: إذا اطلع عليه، ومنه قوله تعالى: (وكذلك أعثرنا عليهم) .

стр. 248

وقوله: وموارد ماؤها أجاج، والمسيغ لها مجاج. الأجاج: الماء المثلج المر. والمسيغ: الذي يسوغ له الشراب، يقال: ساغ الشراب في الحق، إذا نزل، وكانت له لذاذة. والمجاج: الذي يمج الماء من فيه، أي يصبه. وقوله: في العين الصحيحة عور، وفي القناة الصليبة خور، يشقى بها الغامز والعاجم، شقاء وافد البراجم، فهل عند ضد أو ولي، من نب جلي؟ الخور: الضعف، يقال: رمح خوارٌ أي ضعيف رخو غير صليب، ورجل خوار: أي ضعيف، وهو من الأول مصدره الخور، قال عمر بن لجأ التميمي يهجو جريراً: بل أنت نزرة خوارٍ على أمةٍ ... لا يسبق الحلبات اللؤم والخور والغمر: اللمس باليد ليعرف لاسمين من غيره، قال جرير: غمز ابن مرة يا فرزدق كينها ... غمز الطبيب نغانغ المعذور وعجم العود: عضه ليعرف صلابته من خوره. ومن أمثال العرب: إن الشقي وافد البراجم، وكان سبب ذلك أن عمراً ابن هند، عم النعمان بن منذر - وهو الذي يلقب مضرط الحجارة لتجبره وشدة ملكه - كان له أخ مسترضع في بني تميم، يقال له أسعد، فخرج يوماً يتصيد، فمر بأبل لرجل من بني تميم، فرمى ناقة منها فعقرها، فجاء صاحبها، فلما رآها معقورة وثب عليه فقتلة، فنذر عمرو بن هند أن يقتل من بني تميم مائة، فغزاهم يوم

стр. 249

أوارة، فأقبل يقتلهم على الثنية، أي العقبة، وآلى ليقتلنهم حتى تصل دماؤهم الحضيض وليحرقنهم؛ فقال له الوصاف، وهو الحارث بن مالك من بني ضبيعة ابن عجل بن الحر: أيها الملك، لو ذبحت الخلق كلهم على حلق واحد، ما بلغت دماؤهم الحضيض، وكنت قد أفسدت ملكك، ولم تبرر أليتك، ولكن صب على دم كل قتيل منهم قربة من ماء؛ ففعل، فبلغت دماؤهم الأرض، فسمى الحارث الوصاف لذلك؛ وأمر عمرو فاحتفر له حفير عظيم، وألقى فيه الحطب واشتعلت النار، فألقى فيها تسعة وتسعون رجلاً منهم، وبقي واحد من نذره، وأبصر رجل من البراجم، لم يعلم بذلك الدخان، وشم القتار فظن أنه طعام يصنع، فأقبل إلى النار؛ فأخذ فأتى به عمرا بن هند؛ فقال: ممن أنت؟ قال: رجل من البراجم والبراجم حي من تميم - فقال عمرو: إن الشقي وافد البراجم، فأرسلها مثلا، وألقى الرجل في النار، فتم نذره مائة. وقوله: يحدث عنه الرائد بما لقي، ويمسك عما بقي، ويزبل دجى الشكوك والشكاه، بقبس هدى لاقبس مشكاه. الرائد: الذي يتقدم في طلب الكلأ، يقال: لا يكذب الرائد أهله. والشكاة: الشكاية، قال أبو ذؤيب الهذلي: وعيرها الواشون أني أحبها ... وتلك شكاةٌ ظاهر عنك عارها أي ينبو عنك، ولا يعلق بك. والقبس: شعلة من النار، يقال: قبست من فلان ناراً، واقتبست منه علماً، ومنه قوله تعالى: (بشهاب قبس) . والمشكاة: الكوة التي ليست بنافذة، ومنه قوله تعالى: (كمشكاة فيها مصباح) . وقوله: يصدق جهينة الخبر عن أخيها، ويبلغ الخاتمة من توخيها. يعني بذلك قول الشاعر:

стр. 250

تسائلني جهينة عن أخيها ... وعند جهينة الخبر اليقين قال أبو بكر بن دريد في كتاب الاشتقاق: إن قولهم في هذا البيت خطأ، وهو قول العامة، وإنما هو جفينة، وله حديث. وقوله أكثر من ينتحل السنة، في دجنة، والعامة في طرق الحيرة آمه، والقدرية، للطعن درية، وحجة الرافضة، عند الله داحضة، والحشوية، غوية شوية، وركبت المرجية، مطية غير منجية، ومشت الخوارج، بأقدام عوارج، ونزلت المعتزلة، من الفضل بمنزله، فهم ملائكة الأرض، وأعلم الناس بالسنة والفرض، فرسان الكلام، وذروة أهل الإسلام. الدجنة: الظلماء في كتاب الخليل، قال أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا الرازي في المجمل: ولو خففه الشاعر لجاز، كقول حميد الأرقط: حتى انجلت دجا الدجون والآمة: القاصدة، والأم: القصد، ومنه قوله تعالى: (ولا آمين البيت الحرام) . ويقال: فلان غيي شوىٌّ اتباع له، وكذلك غويٌّ شويٌّ. وقوله: وجارأ كثر الشيعة، عن منهج الشريعة، واتخذوا الغلو ديناً، والسب خدينا، كم ينتظر لهم إمام غائب، ولم يؤب من سفر المنون آيب، وطال انتظار السبائية لعلي، وأتت فيه السحابية بالكفر الجلي، وأخرجته إلى الربوبية من الإنسانية، كما فعلت في أئمتها الكيسانية، وطال انتظار جعفر ابن الباقر على الناووسية العمية، كما طال انتظار أبي مسلم على الجرميه، وانتظار الحاكم بأمر الله على الحاكمية، واستراحت القطعية في موسى بن جعفر الإمام انتظار الواقفة الممطورة، وأكاذيبها المسطورة، وطال انتظار ولد الحسن بن علي،
следующие страницы →