وفي حديث أبي هريرة: " ... وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك في كل ليلة".
وعن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لله عند كل فطر عتقاء" (١) .
رسول الله ﷺ أجود الناس:
وقد جبل الله نبيه ﷺ على أكمل الأخلاق وأشرفها، وكان ﷺ فيّ أجود بني آدم.
في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله ﷺ حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة، وزاد أحمد في آخره "لا يسأل عن شيء إلى أعطاه".
قال ابن حجر في "الفتح" (٤/١٣٩) : "قال الزين بن المنير: وجه التشبيه بين أجوديته ﷺ بالخير وبين أجودية الريح المرسلة أن المراد بالريح ريح الرحمة التي يرسلها الله تعالى لإنزال الغيث العام الذي يكون سبباً لإصابة الأرض الميتة وغير الميتة، أيْ فيعم خيره وبره مَنْ هو بصفة الفقر والحاجة، ومَنْ هو بصفة الغنى والكفاية أكثر مما يعمّ الغيث الناشئة عن الريح المرسلة".
* وفي الصحيحين عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وأشجع الناس، وأجود الناس.
"وكان جوده بجميع أنواع الجود، من بذل العلم والمال، وبذل نفسه لله تعالى في إظهار دينه، وهداية عباده، وإيصال النفع إليهم بكل طريق، من إطعام
стр. 212
جائعهم، ووعظ جاهلهم، وقضاء حوائجهم، وتحمل أثقالهم، ولم يزل ﷺ على هذه الخصال الحميدة منذ نشأ، ولهذا قالت له خديجة في أول مبعثه: والله لا يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق، ثم تزايدت هذه الخصال فيه بعد البعثة وتضاعفت أضعافاً كثيرة.
* وفي "صحيح مسلم" عن أنس قال: "ما سئل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئاً إلا أعطاه، فجاء رجل فأعطاه، فجاء رجل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة".
وفي رواية: "يعطي عطاء ما يخاف الفقر".
قال أنس: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يمسي حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها.
وفيه أيضاً عن صفوان بن أمية قال: "لقد أعطاني رسول الله ما أعطاني وإنه لمن أبغض الناس إليّ فما برح يعطني حتى إنه لأحب الناس إليّ".
قال ابن شهاب أعطاه يوم حنين مائة من الغنم ثم مائة ثم مائة.
* وفي مغازي الواقدي: أن النبي ﷺ أعطى صفوان يومئذ وادياً مملوءً إبلاً ونعماً فقال صفوان: أشهد ما طابت بهذا إلا نفس نبي.
* وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم أن الأعراب علقوا بالنبي ﷺ مرجعه من
حنين يسألونه أن يقسم بينهم فقال: "لو كان لي عدد هذه العضاه نعماً لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذوباً ولا جباناً".
وفيهما عن جابر قال: ما سئل رسول الله ﷺ شيئاً فقال لا، وأنه قال لجابر: "لو جاءنا مال البحرين لقد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا وقال بيديه جميعاً".
* وخرج البخاري من حديث سهل بن سعد أن شملة أهديت للنبي ﷺ فلبسها وهو يحتاج إليها فسأله إياها رجل فأعطاه فلامه الناس وقالوا كان محتاجاً
стр. 213
إليها وقد علمت أنه لا يرد سائلاً فقال: إنما سألتها لتكون كفني فكانت كفنه (١) .
* وعن ابن مسعود قال: دخل النبي ﷺ على بلال وعنده صُبرة من تمر فقال: "ما هذا يا بلال؟ " قال: أعد ذلك لأضيافك، قال: "أما تخشى أن يكون لك دخان في نار جهنم؟! أنفق بلال! ولا تخشى من ذي العرش إقالاً" (٢) .
وعند الطبراني قال: "أما تخشى أن يفور له بخار في نار جهنم؟! ".
وعن أنس أيضاً قال: كان رسول الله ﷺ لا يدخر شيئاً لغد (٣) .
وعن سمرة بن جندب ﵁، أن رسول الله ﷺ كان يقول: "إني لألج هذه الغرفة ما ألجها إلا خشية أن يكون فيها مال فأتوفى ولم أنفقه" (٤) .
قال ابن رجب:
"كان جوده ﷺ كله لله وفي ابتغاء مرضاته فإنه كان يبذل المال إما لفقير أو محتاج أو ينفقه في سبيل الله أو يتألف به على الإسلام من يقوي الإسلام بإسلامه، وكان يؤثر على نفسه وأهله وأولاده فيعطي عطاء يعجز عنه الملوك مثل كسرى وقيصر ويعيش في نفسه عيش الفقراء، فيأتي عليه الشهر والشهران لا يوقدْ في بيته نار وربما ربط على بطنه الحجر من الجوع، وكان قد أتاه سبي فشكت إليه فاطمة ما تلقى من خدمة البيت وطلبت منه خادماً يكفيها مؤنة بيتها فأمرها أن تستعين بالتسبيح والتكبير والتحميد عند نومها وقال: لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوي بطونهم من الجوع" (٥) .
стр. 214
وقال أيضاً: "كان ﷺ بعد الرسالة جوده في رمضان أضعاف ما كان قبل ذلك، فإنه كان يلتقي هو وجبريل ﵇ وهو أفضل الملائكة وأكرمهم ويدارسه الكتاب الذي جاء به وهو أشرف الكتب وأفضلها وهو يحث على الإحسان ومكارم الأخلاق، وقد كان رسول الله ﷺ هذا الكتاب له خلقاً بحيث يرضى لرضاه ويسخط لسخطه ويسارع إلى ما حث عليه، ويمتنع مما زجر عنه فلهذا كان يتضاعف جوده وأفضاله في هذا الشهر لقرب عهده بمخالطة جبريل ﵇ وكرة مدارسته له هذا الكتاب الكريم الذي يحث على المكارم والجود، ولا شك أن المخالطة تؤثر وتورث أخلاقاً من المخالطة.
كان بعض الشعراء قد امتدح ملكاً جواداً فأعطاه جائزة سنية فخرج بها من عنده وفرّقها كلها على الناس وأنشد:
لمستُ بكفي كفه أبتغي الغنا ... ولم أدر أن الجود من كفه يعدي
فبلعْ ذلك الملك فأضعف له الجائزة.
وقد قال بعض الشعراء يمتدح بعض الأجواد ولا يصلح أن يكون ذلك إلا لرسول الله ﷺ :
تعوّد بسط الكف حتى لو أنه ... ثناها لقبض لم تجبه أنامله
تراه إذا ما جئته متهللاً ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله
هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحله
ولو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد بها فليتق الله سائله
سمع الشبلي قائلاً يقول: يا الله ... يا جواد، فتأوه وصاح وقال: "كيف يمكنني أن أصف الحق بالجود ومخلوق يقول في شكله فذكر هذه الأبيات ثم بكى، وقال: بلى يا جواد فإنك أوجدت تلك الجوارح وبسطت تلك الهمم فأنت الجواد كل الجود. فإنهم يعطون عن محدود وعطاؤك لا حد له ولا صفة، فيا جوادا يعلوا
стр. 215
كل جواد وبه جاد كل من جاد" (١) .
* وفي تضاعف جوده ﷺ في شهر رمضان بخصوصه فوائد كثيرة:
* منها شرف الزمان ومضاعفة أجر العامل فيه.
* ومنها إعانة الصائمين والقائمين والذاكرين على طاعاتهم فيستوجب المعين لهم مثل أجرهم.
وفي حديث زيد بن خالد ﵁، قال رسول الله ﷺ : "من فطر صائماً كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً" (٢) .
وفي حديث آخر: عن زيد بن خالد ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : "من فطر صائماً، أو جهز غازياً، فله مثل أجره" (٣) .
* ومنها أن شهر رمضان شهر يجود الله فيه على عباده بالرحمة والمغفرة والعتق من النار لا سيما في ليلة القدر.
والله تعالى يرحم من عباده الرحماء كما قال ﷺ : "إنما يرحم الله من عباده الرحماء" فمن جاد على عباد الله جاد الله عليه بالعطاء والفضل والجزاء من جنس العمل.
* ومنها أن الجمع بين الصيام والصدقة من موجبات الجنة كما جاء في حديث علي ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة غرفاً يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها قالوا: لمن هي يا رسول الله قال: لمن طيّب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى بالليل والناس نيام"، وهذه الخصال كلها كون في رمضان فيجتمع فيه للمؤمن الصيام والقيام والصدقة وطيب الكلام.
стр. 216
قال بعض السلف: الصلاة توصل صاحبها إلى نصف الطريق والصيام يوصله إلى باب الملك والصدقة تأخذ بيده فتدخله على الملك.
وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: "من أصبح منكم اليوم صائماً" قال أبو بكر: أنا، قال: "من تبع منكم اليوم جنازة" قال أبو بكر: أنا، قال: "من تصدق بصدقة"، قال أبو بكر: أنا، قال: "فمن عاد منكم مريضاً" قال أبو بكر: أنا، قال: "ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة".
* ومنها أن الجمع بين الصيام والصدقة أبلغ في تكفير الخطايا واتقاء جهنم: والمباعدة عنها وخصوصاً إذا ضم إلى ذلك قيام الليل.
فالصيام جنة، وفي حديث معاذ: "الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وقيام الرجل من جوف الليل" يعني أن يطفئ الخطيئة أيضاً وقد صرّح بذلك في رواية الإمام أحمد.
وفي الحديث الصحيح عنه ﷺ : "اتقوا النار ولو بشق تمرة".
* ومنها: الصدقة تجبر ما في الصوم من خلل: إن الصيام لابد أن يقع فيه خلل أو نقص، وتكفير الصيام للذنوب مشروط بالتحفظ مما ينبغي التحفظ منه.
وعامة صيام الناس لا يجتمع في صومه التحفظ كما ينبغي ولهذا نهى أن يقول الرجل: صمت رمضان كله أو قمته كله.
فالصدقة تجبر ما فيه من النقص والخلل، ولهذا وجب فى آخر شهر رمضان زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث.
والصيام والصدقة لهما مدخر في كفارات الإيمان ومحظورات الإحرام وكفارة الوطء في رمضان ولهذا كان الله تعالى قد خيّر المسلمين في ابتداء الأمر بين الصيام وإطعام المسكين ثم نسخ ذلك وبقي الإطعام لمن يعجز عن الصيام لكبره.
ومن أخّر قضاء رمضان حتى أدركه رمضان آخر فإنه يقضيه ويضم إليه إطعام مسكين لكل يوم تقوية له عند أكثر العلماء، كما أفتى به الصحابة.
стр. 217
وكذلك من أفطر لأجل غيره كالحامل والمرضع على قول طائفة من العلماء.
* ومنها "أن الصائم يدع طعامه وشرابه لله، فإذا أعان الصائمين على التقوِّي على طعامهم وشرابهم كان بمنزلة من ترك شهوة لله وآثر بها أو واسى منها ولهذا يشرع له تفطير الصوام معه إذا أفطر لأن الطعام يكون محبوباً له حينئذ فيواسي منه حتى يكون ممن أطعم الطعام على حبه، ويكون في ذلك شكر لله على نعمة إباحة الطعام والشراب له ورده عليه بعد منعه إياه فإن هذه النعمة إنما عرف قدرها عند المنع منها" (١) .
مواساة السلف:
كان كثير من السلف يواسون من إفطارهم أو يؤثرون به ويطوون:
* كان ابن عمر يصوم ولا يفطر إلا مع المساكين، فإذا منعه أهله عنهم لم يتعش تلك الليلة، وكان إذا جاءه سائل وهو على طعامه أخذ نصيبه من الطعام وقام فأعطاه للسائل فيرجع وقد أكل أهله ما بقي في الجفنة فيصبح صائماً ولم يأكل شيئاً، وكان يتصدق بالسكر ويقول: "سمعت الله يقول: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) والله يعلم أني أحب السكر".
واشتهى بعض الصالحين من السلف طعاماً وكان صائماً فوضع بين يديه عند فطوره فسمع سائلاً يقول: من يقوض الملي الوفي الغني؟ فقال: عبده المعدم من الحسنات. فقام وأخذ الصحفة فخرج بها إليه وبات طاوياً.
* وجاء سائل إلى الإمام أحمد فدفع إليه رغيفين كان يعدهما لفطره ثم طوى وأصبح صائماً.
* وكان الحسن يُطعم إخوانه وهو صائم تطوعاً ويجلس يروّحهم وهم يأكلون.
* وكان ابن المبارك يطعم إخوانه في السفر الألوان من الحلواء وغيرها وهو صائم.
стр. 218
سلام الله على تلك الأرواح، رحمة الله على تلك الأشباح، لم يبق منهم إلا أخبار وآثار، كم بينْ من يمنع الحق الواجب عليه وبين أهل الإيثار.
لا تقعدن لذكرنا في ذكرهم ... ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد
* وله فوائد أخر:
قال الشافعي ﵁: أحب للرجل الزيادة بالجود في شهر رمضان اقتداء برسول الله ﷺ ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل كثير منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم وكذا قال القاضي أبو يعلى وغيره من أصحابنا أيضاً" (١) .
يا إخوتاه:
قال ﷺ : "أفضل الأعمال أن تدخل على أخيك المؤمن السرور، أو تقضي عنه ديناً أو تطعمه خبزا" (٢) .
* وقال ﷺ : "أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه ديناً أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إليّ من أن أعتكف في المسجد شهراً.... الحديث" (٣) .
* وقال ﷺ : "خير الناس أنفعهم للناس" (٤) .
* وقال ﷺ : "الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار" (٥) .
стр. 219
* وقال ﷺ : "صنائع المعروف تقي مصارع السوء، والصدقة خفياً تطفيء غضب الرب، وصلة الرحم زيادة في العمر، وكل معروف صدقة، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة" (١) .
أخي: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ قال: أي الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" (٢) .
* وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "اعبدوا الرحمن، وأطعموا الطعام، وأفشوا السلام، تدخلوا الجنة بسلام" (٣) .
* وقال ﷺ : "ليس صدقة أعظم أجراً من ماء" (٤) .
يا هذا اسمع إلى حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه الحر، فوجد بئرا، فنزل فيها، فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يلهث؛ يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر، فملأ منه، ثم أمسكه بفيه حتى رَقِيَ، فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له" قالوا: يا رسول الله! إن لنا في البهائم أجراً؟ فقال: "في كل كبد رطبة أجر" (٥) .
أو هذا الحديث.. قال ﷺ : "بينما كلب يطيف (٦) بركيه (٧) ، كاد يقتله العطش، إذا رأته بغيّ من بغايا بني إسرائيل، فنزعت مُوقها (٨) فاستقت له، فغفر لها".
стр. 220
أو "غُفر لامرأة مومسة، مرت بكلب على رأس ركي يلهث، كاد يقتله العطش، فنزعت خفها، وأوثقته بخمارها، فنزعت (١) له من الماء، فغفر لها بذلك".
هذا في كلب، فما ظنك الصائم الطائع لربه، وما ظنك بعظيم المغفرة حتى المومسة.
يا أخي ... قال ﷺ : "إن لله تعالى أقواماً يختصهم بالنعم لمنافع العباد، ويقرها فيهم ما بذلوها، فإذا منعوها، نزعها منهم، فحولها إلى غيرهم" (٢) .
* يا أخي: الصدقة والإطعام باب لرفعة الدرجات.
قال ﷺ : "وأما الدرجات: فإطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام" وكلها في رمضان.
* أختي الصائمة: تصدقي بطعام بيتك ولا تجاوزي المعتاد إن كان ذلك يغضب زوجك.
عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة، كان لها أجرها بما أنفقت ولزوجها أجره بما اكتسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئاً" (٣) .
* أخي: ... قال ﷺ : "داووا مرضاكم بالصدقة" (٤) .
عن عليّ بن الحسين بن شقيق قال: سمعت ابن المبارك وسأله رجل: يا أبا عبد الرحمن! قرحة خرجت من ركبتي منذ سبع سنين، وقد عالجت بأنواع العلاج، وسألت الأطباء، فلم أنتفع به؟ قال: اذهب فانظر موضعا يحتاج الناس للماء فاحفر هناك بئراً فإنني أرجو أن ينبع هناك عين، ويمسك عنك الدم، ففعل الرجل فبرئ" (٥) .
стр. 221
* أخي: في صومك تذكر قول عبيد بن عمير: "يحشر الناس يوم القيامة أجوع ما كانوا قط، وأعطش ما كانوا قط، وأعرى ما كانوا قط، فمن أطعم لله أشبعه الله، ومن سقى لله سقاه الله، ومن كسا لله كساه الله".
* وقال الشعبي: "من لم ير نفسه إلى ثواب الصدقة أحوج من الفقير إلى صدقته فقد أبطل صدقته وضرب بها وجهه".
أخي: ما قدر كسرة تعطيها، أو ما سمعت أن الرب يربيها؟ فيراها صاحبها كجبل أحد، أفيرغب عن مثل هذا أحد؟!.
ما قدر لقمة لا ييالي بها أحد حتى يصير كجبل أُحد؟! ... واعجباً للقمة كانت قليلة فكثرت، وفانية فبقيت.
إن اللقمة إذا أُكلت صارت أذى وقبائح في الحش، وإذا تصدق بها صارت إذاً مدائح عند العرش.
* إن تطوعات البدن لا تتعدى المتطوع، وإن نفع الصدقة متعدد متنوع.
من فطر صائما قد صبر من عشائه إلى فجره فله مثل أجره.
* أما تعلم أن الصدقة تزيد في العمر، ثم إنها والله سريعة الخلف، وحافظة بعد الموت للخلف، واعلم أن إنفاق كل حبة يثمر لك الوفاق والمحبة.
"في كل سنبلة مائة حبة..".
وفي شهر الجود والمواساة نهدي هذه القصيدة لمن أداموا الشبع والجشاء:
الجوع ... الجوع!!
يموتُ المسلمون ولا نُبَالي ... ونهرِفُ (١) بالمكارم والخصالِ
ونحيَا العُمرَ أوتارا وقَصفا ... ونحيا العمرَ في قِيل وقالِ
стр. 222
وننسى إخوةً في الله ذَرَّتْ ... بهم كف الزمان على الرمالِ
تُمَزقُهم نُيُوبُ الجوعِ حتى ... يكاد الشيخُ يَعْثُرُ بِالعِيالِ
يَشُدون البُطونَ عَلَى خَوَاء ... وَيقْتَسِمُون أرْغِفَةَ الخيالِ
وتَضْرِبهم ريَاحُ الموتِ هُوجا ... وفي أحْداقِهم نَزْفُ الليالي
ونَاموا في العراءِ بِلا غِطاء ... وساروا في العراءِ بِلا نِعَالَ
كأن البيدَ تَلفِظُهُم فَتَجْري ... بهم بيد إلى بيد خَوَالِ
يَسيلُ لُعَابُهم لَهَفا وتَذوِي ... عيونُهُم على جَمر السؤالِ
وَلَيتَ جراحَهم في الجسم لكِنْ ... جراحُ النفس أقَتلُ للرجالِ
يَمُدون الحبالَ وَليستَ شِعري ... انَقْطعُ أمْ سَنُمْسِك بالحبال؟
وقبل الجوع تَنْهَشُهم كِلاب ... من الإفرِنْج داميَةُ النِّصَالِ
يَؤَدونَ الضريبة كل يوْم ... بِمَا مَلَكُوا ودينُ الله غال
صِلابٌ إنما الأَيامُ رُقْط ... (وَيَثْنِي الجوعُ أعْناقَ الرجالِ)
أتَوْا للشَرق عَل الشرق دَرء ... إذا بالشرق يَنفُر كالثَّعَالي
لماذا كل طائِفَة أغاثَت ... بَنيهَا غَيرُكم أهْلَ الهِلال!؟
تَرَى الصُّلْبان قد نَفَرَتْ وهَبتْ ... يهودٌ بالدواءِ وبالغِلالِ
هَبُوهُم بعضَ سَائمةِ البَرَارِي ... هَبُوهُم بعضَ سابِلةِ النمالِ
نَسيتُم "واتقوا يوماً ثقيلاً" ... به النيرانُ تَقْذِف كالجبالِ؟!
تَفُورُ وتَزْفَرُ الأحشاءُ زَفْراً ... كأن شرارَها حُمرُ الجمالِ
ونحن المسلمينَ ننامُ حتى ... يَضِيقَ الدهرُ بالنوْمِ الخَبالِ
стр. 223
جَلَستُم والآرائك فَاخِرات ... وأوْجفْتُم (١) على الفُرُش الغَولي
وَرَصعْتُم قُصُورَكُم مَرايَا ... لِتنْطِقَ بِالْبَهَاءِ وبالجمَالِ
ومَاجَ العطرُ وائتلقت جِنانُ ... كأن العُمْرَ ليس إلى زَوالِ!!
نَنَامُ على "الرِّيالِ" وإن صَحَوْنا ... فإن الفجرَ فاتحةُ الرِّيَال (٢)
***
стр. 224
رمضان شهر فتح أبواب الجنان
* عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا جاء رمضان، فُتحتْ أبواب الجنة، وغُلقت أبواب النار وصُفدت الشياطين" (١) .
وفي رواية لمسلم: "فتحت أبواب الرحمة، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين".
* وقال ﷺ : "إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفّدت (٢) الشياطين، ومردة الجن، وغلقت أبواب النار، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، ويناد مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة" (٣) .
وفي رواية ابن خزيمة: الشياطين مردة الجن أي بغير واو.
* وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغَل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم" (٤) .
اعلم يا أخي أن فتح أبواب الجنة في رمضان حقيقة لا تحتاج إلى تأويل وهذه نعمة عظيمة ومنة كريمة من الله يتفضل بها على عباده في هذا الشهر فأبواب الجنان مغلقة لا تفتح إلا في تمام النعمة.
يقول ابن القيم ﵀ في قوله تعالى: (وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها) الآية [الزمر: ٧٣] .
стр. 225
"أما الجنة فإنها دار الله ودار كرامته ومحل خواصه وأوليائه، فإذا انتهوا إليها صادفوا أبوابها مغلقة فيرغبون إلى صاحبها ومالكها أن يفتحها لهم ويستشفعون إليه بأولي العزم من رسله وكلهم يتأخر عن ذلك حتى تقع الدلالة على خاتمهم وسيدهم وأفضلهم ﷺ فيقول: "أنا لها فيأتي إلى تحت العرش ويخر ساجداً لربه فيدعه ما شاء أن يدعه ثم يأذن له في رفع رأسه وأن يسأل حاجته فيشفع إليه سبحانه في فتح أبوابها فيشفعه ويفتحها تعظيماً لخطرها وإظهاراً لمنزلة رسوله ﷺ وكرامته عليه" وإن مثل هذه الدار التي هي دار ملك الملوك رب العالمين إنما يدخل إليها بعد تلك الأهوال العظيمة التي أولها من حين عقل العبد في هذه الدار إلى أن انتهى إليها، وما ركبه من الأطباق طبقا بعد طبق وقاساه من الشدائد شدة بعد شدة حتى أذن الله تعالى لخاتم أنبيائه ورسله وأحب خلقه إليه أن يشفع إليه في فتحها لهم، وهذا أبلغ وأعظم في تمام النعمة وحصول الفرح والسرور مما يقدر بخلاف ذلك لئلا يتوهم الجاهل أنها بمنزلة الخان الذي يدخله من شاء فجنة الله عالية غالية بين الناس وبينها من العقبات والمفاوز والأخطار ما لا تنال إلا به فما لمن اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ولهذه الدار فليعد عنها إلى ما هو أولى به وقد خلق له وهيئ له.
وهنا يدرك الإنسان قيمة فتح أبواب الجنة في رمضان.
عجباً لمن يعلم أن الجنة فوقه موجودة تزخرف وتفتح أبوابها في رمضان ثم لا يشتاق إليها ويسعى لها على الأجفان.
قال ﷺ : "من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة".
فاحذر أن تقدم على جنة عرضها السماوات والأرض وليس لك فيها موضع قدم.
إن الحياة للأرض حياة تليق بالديدان والزواحف والحشرات والهوام، والوحوش والأنعام، فأما الجنة فهي الحياة اللائقة بذلك الإنسان الكريم على الله وأودع روحه الإيمان الذي ينزع به إلى السماء وإن استقرت على الأرض قدماه.
стр. 226
إن مستوى النعيم في هذه الدنيا معروف، ومستوى النعيم هناك يليق بالخلود، فأين غاية من غاية؟!.
إنها الجنة التي غرس غراسها الرحمن بيده.... إنها الجنة الجزاء الرفيع الخالص الفريد، الجزاء الذي يتجلى فيه ظلال الرعاية الخاصة، والإعزاز الذاتي، والإكرام الإلهي والحفاوة الربانية بهذه النفوس (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاءً بما كانوا يعملون) [السجدة: ١٧] .
حفاوة من الله سبحانه وتوليه بذاته العلية إعداد المذخور لهم عنده من الحفاوة والكرامة هذا المذخور لا يطلع عليه أحد سواه، والذي يظل عنده خاصة مستوراً حتى يكشف لأصحابه عند لقياه.
يا الله! كم ذا يفيض الله على عباده من كرمه (١) .
إنها الجنة التي لا يسأل بوجه الله العظيم غيرها لكرامتها على الله.
إنها الجنة التي اشتاق إليها الصالحون من هذه الأمة فسلوا عنها جعفر الطيار وعمير بن الحمام وحرام بن ملحان وأنس بن النضر وعامر بن أبي فهيرة وعمرو بن الجموح وعبد الله بن رواحة.
إنها الجنة دار كرامة الرحمن فهل من مشمر لها.... إنها الجنة فاعمل لها بقدر مقامك فيها.... إنها الجنة فاعمل لها بقدر شوقك إليها.
فواعجبا لها كيف نام طالبها، وكم لم يسمح بمهرها في رمضان خاطبها، كيف طاب العيش في هذه الدار بعد سماع أخبارها، وكيف قر للمشتاق القرار دون معانقة أبكارها.
إنها الجنة دار الموقنين بوعد الله المتهجدين في ليل رمضان، الصائمين نهاره، المطعمين عباد الله وهذا من موجبات الجنة.
стр. 227
قال ﷺ : "إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها قالوا لمن هي يا رسول الله. قال: لمن أطعم الطعام وأدام الصيام وصلى بالليل والناس نيام"
تسعى بهم أعمالهم سوقا إلى ... الجنات سوق الخيل بالركبان
صبروا قليلا فاستراحوا دائما ... يا عزة التوفيق للإنسان
حمدوا التقى عند الممات كذا السرى ... عند الصباح فحبذا الحمدان
وحدت بهم عزماتهم نحو العلى ... وسروا فما نزلوا إلى نعمان
باعوا الذي يفنى من الخزف الخسيس ... بدائم من خالص العقيان
رفعت لهم في السير أعلام السعا ... دة والهدى يا ذلة الحيران
فتسابق الأقوام وابتدروا لها ... كتسابق الفرسان يوم رهان
إنها الجنة ... "ما حليت لأمة من الأم مثلما حُلِّيتْ لأمتنا هذه ومع هذا لا نرى لها عاشقا".
وأخو البصيرة حاضر متيقظ ... متفرد عن زمرة العميان
يسمو إلى ذاك الرفيق الأرفع ... الأعلى وخلّى اللعب للصبيان
إنها الجنة ...
لو كنت تعلم من خطبت ... ومن طلبت جعلت السعي منك لها على الأجفان
حور تزف إلى ضرير مقعد ... يا محنة الحسناء بالعميان (١)
إنها الجنة ... وكيف يقدر قدر دار غرسها الله بيده، وجعلها مقراً لأحبابه، وملأها من رحمته وكرامته ورضوانه، ووصف نعيمها بالفوز العظيم، وملكها بالملك الكبير، وأودعها الخير بحذافيره، وطهرها من كل عيب وآفة ونقص.
فإن سألت عن أرضها وتربتها فهي المسك والزعفران، وإن سألت عن سقفها
стр. 228
فهو عرش الرحمن، وإن سألت عن ملاطها فهو المسك الأذفر، وإن سألت عن حصبائها فهو اللؤلؤ والجوهر.
وإن سألت عن بنائها فلبنة من فضة ولبنة من ذهب، وإن سألت عن أشجارها فما فيها شجرة إلا وساقها من ذهب وفضة، لا من الحطب والخشب، وإن سألت عن تصفيق الرياح لأشجارها فإنها تستفز بالطرب لمن يسمعها، وإن سألت عن ظلها ففيها شجرة واحدة يسير الراكب المجد السريع في ظلها مائة عام لا يقطعها.
* وإن سألت عن علاليها وجواسقها فهي غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار، وإن سألت عن ارتفاعها فانظر إلى الكوكب الطالع أو الغارب في الأفق الذي لا تكاد تناله الأبصار، وإن سألت عن لباس أهلها فهو الحرير والذهب، وإن سألت عن سماعهم فغناء أزواجهم من الحور العين، وأعلى منه سماع أصوات الملائكة والنبيين، وأعلى منهما سماع خطاب رب العالمين.
وإن سألت عن أزواجهم فهن الخيرات الحسان اللاتي كالياقوت والمرجان.
فما ظنك بامرأة إذا ضحكت في وجه زوجها أضاءت الجنة من ضحكها، وإذا انتقلت من قصر إلى قصر قلت هذه الشمس متنقلة في بروج فلكها أفما تعدُّ مهرها من الآن.. وهو طول التهجد بالقرآن في ليل رمضان، وخلوف الفم بالنهار من آثار الصيام.
عجبا لك إن نبي الله موسى خدم العبد الصالح عشر سنوات مهرا لزواجه من ابنته، فكم تخدم مولاك لأجل بنات الجنان الحور الحسان، فوالله ما انتقلن من الجنة ولا أكلن منها ولا خلقن إلا فيها من ترك دفء الفوالق في ليل رمضان كان جزاؤه من جنس عمله وزوّج من الحور الحسان، أما علمت يا أخي أن مفاتيح الجنة مع أصحاب الليل هم خزانها وحراسها، وإن سألت عن يوم المزيد وزيارة العزيز الحميد فذلك موجود في الصحاح والسنن والمسانيد من رواية جرير وصهيب وأبي هريرة وأبي موسى وأبي سعيد.
فيا لذة الأسماع بأطيب محاضرة، ويا قرة عيون الأبرار بالنظر إلى وجه الكريم
стр. 229
في الدار الآخرة، ويا ذلة الراجعين بالصفقة الآخرة (وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة * ووجوه يومئذ باسرة * تظن أن يفعل بها فاقرة) [القيامة: ٢٢-٢٥] .
فحي على جنات عدن فإنها ... منازلك الأولى وفيها المخيم
ولكننا سبي العدو فهل ترى ... نعود إلى أوطاننا ونسلم
فلله أبصار ترى الله جهرة ... فلا الحزن يغشاها ولا هي تسأم
فيا نظرة أهدت إلى الوجه نضرة ... أمن بعدها يسلو المحب المتيم
أحبتنا عطفا علينا فإننا ... بنا ظمأ والمورد العذب أنتم
***
стр. 230
رمضان شهر غلق أبواب النيران
مَر بك في الحديث أنه في شهر رمضان تغلق أبواب النار فما يفتح منها باب فما أطيبها من نعمة يمن الله بها على العباد. حين يغلق الشر بحذافيره..
أخي: عجباً لمن علم أن النار تسجر ويضحك ملء فيه، أما سمع أن النار "أعدت للكافرين" (إن جهنم كانت مرصاداً * للطاغين مآبا) [النبأ: ٢١-٢٢] .
وقوله ﷺ : "وأيم الذي نفسي بيده، لو رأيتم ما رأيت، لضحكتم قليلاً وبكيتم كثيراً". قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: "رأيت الجنة والنار" (١) .
النار التي رآها رسول الله ﷺ يحطم بعضها بعضاً والتي قال عنها ﷺ لما رآها "لم أر منظراً كاليوم قط أفظع" فالنار مخلوقة ومعدة فإياك أن تكون من وقودها.
"فيا أيها الغافل عن نفسه، دع التفكر فيما أنت مرتحل عنه، واصرف الفكر إلى موردك، فإنك أخبرت بأن النار مورد الجميع إذ قال: (وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً * ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا) [مريم: ٧١-٧٢] .
فأنت من الورود على يقين ومن النجاة في شك. فاستشعر في قلبك هول ذلك المورد فعساك تستعد للنجاة منه، وتأمل في حال الخلائق، وقد قاسوا من دواهي القيامة ما قاسوا، فبينما هم في كربها وأهوالها وقوفاً ينتظرون حقيقة أنبائها وتشفيع شفعائها، إذ أحاطت بالمجرمين ظلمات ذات شعب، وأظلت عليهم نار ذات لهب، وسمعوا لها زفيرا وجرجرة تفصح عن شدة الغيظ والغضب، فعند ذلك أيقن المجرمون بالعطب، وجثت الأم على الركب، حتى أشفق البرآء من سوء المنقلب.
وخرج المنادي من الزبانية قائلا: أين فلان بن فلان المسوّف نفسه في الدنيا بطول الأمل، المضيع عمره في سوء العمل؟ فيبادرونه بمقامع حديد، ويستقبلونه بعظائم التهديد، ويسوقونه إلى العذاب الشديد، وينكسونه في قعر الجحيم، ويقولون له (ذق إنك أنت العزيز الكريم) فأسكنوا داراً ضيقة الأرجاء، مظلمة المسالك،
стр. 231
مبهمة المهالك، يخلد فيها الأسير ويوقد فيها السعير، طعام أهلها الزقوم، وشرابهم فيها الحميم، ومستقرهم الجحيم، الزبانية تقمعهم والهاوية تجمعهم، أمانيهم فيها الهلاك وما لهم منها فكاك، قد شدت أقدامهم إلى النواصي، واسودت وجوهم من ظلمة المعاصي، ينادون من أكنافها، ويصيحون في نواحيها وأطرافها: يا مالك قد حق علينا الوعيد، يا مالك قد أثقلنا الحديد، يا مالك قد نضجت منا الجلود، يا مالك أخرجنا منها فإنا لا نعود، فتقول الزبانية: هيهات لات حين أمان ولا خروج لكم من دار الهوان".
يا هذا: أحدثك عن نار غم قرارها، مظلمة أقطارها، حامية قدورها، فظيعة أمورها، عقابها عميم، عذابها أليم، بلاؤها شديد، وقعرها بعيد، سلاسل وأغلال، ومقامع وأنكال، زمانهم ليل حالك، ضجيجهم ضجيج هالك، يصطرخون فيها فلا يجيبهم مالك".
يدعون بالويل والثبور، ومقامع الحديد تهشم بها جباهم، ويتفجر الصديد من أفواههم، تنقطع من العطش أكبادهم، وتسيل على الخدود أحداقهم، لهيب النار سار في بواطن أعضائهم وحيات الهاوية وعقاربها تأخذ بأشفارهم.
يا هذا: جهنم سوداء ماؤها أسود شجرها أسود، أهلها سود مقبوحون، كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلماً.
أخي:
عياذا بالله: أن تكون من قوم لباسهم نار ومهادهم نار لحُف من نار وسرابيلهم القطران ومساكن من نار في شر دار وأسوء عذاب أكلاً أكلاً وحطماً حطماً قد أكلوا من النار، ومشوا على النار ثم عاشوا بعد ذلك. لا يهدأون ولا ينامون ولا يموتون.
فيها غلاظ شداد من ملائكة ... قلوبهم شدة أقسى من الحجر
لهم مقاميع للتعذيب مرصدة ... وكل كسر لديهم غير منجبر
стр. 232
سوداء مظلمة شعثاء موحشة ... دهماء محرقة لواحة البشر
يا ويلهم تحرق النيران أعظمهم ... فالموت شهوتهم من شدة الضجر
ضجوا وصاحوا زماناً ليس ينفعهم ... دعاء داع ولا تسليم مصطبر
وكل يوم لهم في طول مدتهم ... نزع شديد من التعذيب والسعر
يا هذا يا صبيح الوجه: كم من وجه صبيح ولسان فصيح غدا بين أطباق النار يصيح.
وسيق المجرمون وهم عراة ... إلى ذات السلاسل والنكال
فنادوا ويلنا ويلا طويلا ... وعجوا في سلاسلها الطوال
فليسوا ميتين فيستريحوا ... وكلهم بحر النار صال
أخي: إنك قد جربت جلدك في الشوكة تدميه، في العثرة تؤذيه، في ضربة الشمس تؤثر فيه.... أحدنا يؤثر الظل على الشمس فما بالنا لا نؤثر الجنة على النار.
فيا عجبا ندري بنار وجنة ... وليس لذي نشتاق أو تلك نحذر
إذا لم يكن خوف وشوق ولا حيا ... فماذا بقي فينا من الخير يذكر
وليس لحر صابرين ولا بلى ... فكيف على النيران يا قوم نصبر
وفوت جنان الخلد أعظم حسرة على تلك فليستحسر المتحسر يا من يؤذيك حر الهجير ويأخذ بأنفاسك.... أما سمعت قول رسولك ﷺ : "لو كان في هذا المسجد مائة ألف أو يزيدون، وفيه رجل من أهل النار فتنفس فأصاب نفسه لاحترق المسجد بمن فيه" (١) .
يا جميل المحيا.. أما سمعت قول نبيك ﷺ : "ضرس الكافر، أو ناب الكافر، مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاث" (٢) .
стр. 233
وقوله ﷺ : "ضرس الكافر يوم القيامة مثل أحد، وعرض جلده سبعون ذراعا، وعضده مثل البيضاء، وفخذه مثل وَرقان، ومقعده من النار ما بيني وبن الربذة" (١) .
"ليكون ذلك أنكى في تعذيبهم، وأعظم في تعبهم ولهيبهم يا حَسَنَ المطعم والمشرب: تذكر قول الله : هذا فليذوقوه حميم وغساق".
وتذكر قول نبيك ﷺ : "لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا، لأفسدت على أهل الأرض معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه" (٢) .
فهل تصبر على الزقوم والغسلين والضريع وطعام ذي غصة؟!.
ويا من غذي بلذيذ الشراب أين أنت من الحميم والغساق وطينة الخبال والصديد؟!.
"يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر على صور الناس تعلوهم نار الأنيار يساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال".
ألبسوا النضيح من النحاس، وضعوا خروج الأنفاس، فالأنفاس في أجوافهم تتردد، والنيران على أبدانهم توقد، قد أطبقت عليهم الأبواب، وغضب عليهم رب الأرباب، وقيل للخزان أن أطبقوا وقيل للنيران أن أحرقي ... يا نار كلي، يا نار أنضجي، كلي ولا تقتلي" (٣) .
"توهم نفسك يا أخي وأنت تطلب الروح فلا روح بين الحميم وبين النار أبداً، فلما اشتد بك الكرب وبلغ منك المجهود ذكرت الجنان، فهاجت غصة من فؤادك إلى حلقك أسفاً على جوار الله وحزناً على نعيم الجنة وبرد مائها وطيب عيشها، تسأل أهل الجنة شراباً فأجابوك بالخيبة فتقطع قلبك حسرة بما خيبوا من أملك، ففزعت إلى الله بالنداء بالمرجع والعتبى أن يردك إلى الدنيا فمكث عنك دهراً طويلاً فلا يجيبك هواناً بك، وأن صوتك عنده ممقوت، وجاهك عنده ساقط، ثم ناداك بالخيبة منه أن (اخسئوا فيها ولا تكلمون) .
стр. 234
فيا إياسك ويا إياس أهل النار وقد سمعوا رجوف أبوابها قد أغلق، وانقطع الرجاء ألا فرج أبداً، ولا مخرج منها، عذاب لا زوال له عن بدنك، ودوام حرق قلبك ومضضك، أحزان لا تنقضى وهموم لا تنفد، وسقم لا يبرأ، وقيود لا تحل، وأغلال لا تفك أبداً، وعطش لا يروون بعده أبدا، كرب لا يهدأ أبداً، لا يرحم بكاؤهم، ولا يجاب دعاؤهم.
"إن أهل النار ليبكون حتى لو أجريت السفن في دموعهم جرت، وإنهم ليبكون الدم" (١) لا يغاثون عند تضرعهم، ولا تقبل توبتهم، ولا تقال عثرتهم، فتوهم ذلك بعقل فارغ، رحمة لضعفك، وارجع عما يكره مولاك، وترضي ربك عسى أن يرضى عنك، وأعِذْ به بعقلك، واستقله يقلل عثرتك، وابك من خشيته عسى أن يرحمك، فإن الخطر عظيم، وإن البدن ضعيف، والموت منك قريب، فاحذر الله وخفه واستح منه وأجله، ولا تستخف بنظره، ولا تتهاون باطلاعه، وأجلّ مقامه عليك، وعلمه بك، فلا طاقة لك بغضبه، ولا قوة لعذابه، ولا صبر لك على عقابه، ولا صبر عندك عن جواره، فتدارك نفسك قبل لقائه، فكأنك بالموت قد نزل بك بغتة فتوهم ما وصفت لك فإنما وصفت بعض الجمل، فتوهم ذلك بعقل فارغ موقن عارف بما قد جنيت على نفسك، وما استوجبت بجنايتك، وفكر في مصيبتك في دينك، ولير الله عليك أثر المصيبة لعله أن يرحمك فيتجاوز عنك بمغفرته وعفوه.... جعلنا الله وإياك من زمرة العابدين الخائفين، وأقطعنا عمالات المتقين" (٢) .
***
стр. 235
رمضان شهر الصبر والتربية
والصبر جواد لا يكبو، وصارم لا ينبو، وجند لا يهزم، وحصن حصين لا يهدم، وهو أنصر لصاحبه من الرجال بلا عدة ولا عدد، ومحله من الظفر محل الرأس من الجسد.
* وقد ضمن الوفي الصادق لأهله في محكم الكتاب، أنه يوفيهم أجرهم بغير حساب.
* وأخبرهم أنه معهم بهدايته ونصره العزيز وفتحه المبين، فقال تعالى: (واصبروا إن الله مع الصابرين) [الأنفال: ٤٦] ، فظفر الصابرون بهذه المعية بخير الدنيا والآخرة، وفازوا بها بنعمه الباطنة والظاهرة.
* وجعل سبحانه الإمامة في الدين منوطة بالصبر واليقين، فقال تعالى وبقوله اهتدى المهتدون: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) [السجدة: ٢٤] .
* وأخبر أن الصبر خير لأهله مؤكداً باليمين، فقال تعالى: (ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) [النحل: ١٢٦] .
* وأخبر أن مع الصبر والتقوى لا يضر كيد العدو ولو كان ذا تسليط فقال تعالى: (وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط) [آل عمران: ١٢٠] .
* وأخبر عن نبيه يوسف الصديق أن صبره وتقواه وصّلاه إلى محل العز والتمكين فقال: (إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) [يوسف: ٩٠] .
* وعلّق الفلاح بالصبر والتقوى، فعقل ذلك منه المؤمنون، فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) [آل عمران: ٢٠٠] .
* وأخبر عن محبته لأهله وفي ذلك أعظم ترغيب للراغبين فقال تعالى: (والله يحب الصابرين) [آل عمران: ١٤٦] .
стр. 236
* ولقد بشر الصابرين بثلاث كل منها خير مما عليه أهل الدنيا يتحاسدون فقال تعالى: (وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) [البقرة: ١٥٥، ١٥٦] .
* وأوصى عباده بالاستعانة بالصبر والصلاة على نوائب الدنيا والدين فقال تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) [البقرة: ٤٥] .
* وجعل الفوز بالجنة لا يحظى به إلا الصابرون فقال تعالى: (إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون) [المؤمنون: ١١١] .
* وأخبر أن الرغبة في ثوابه والإعراض عن الدنيا وزينتها لا ينالها إلا أولو الصبر المؤمنون فقال تعالى: (وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون) [القصص: ٨٠] .
* وأخبر أن دفع السيئة بالتي هي أحسن تجعل المسيء كأنه ولي حميم، وأن هذه الخصلة لا يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم.
* وأخبر سبحانه خبراً مؤكداً بالقسم: (إن الإنسان في خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) [العصر: ٢، ٣] .
* وقسّم خلقه قسمين أصحاب ميمنة وأصحاب مشأمة، وخص أهل الميمنة أهل التواصي بالصبر والمرحمة.
* وخص بالانتفاع بآياته أهل الصبر وأهل الشكر تمييزا لهم بهذا الحظ الموفور.
فقال في أربع من آياته: (إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) .
* وعلق المغفرة والأجر بالعمل الصالح والصبر، وذلك على من يسّره يسير فقال: (إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير) .
* وأخبر أن الصبر والمغفرة من العزائم التي تجارة أربابها لا تبور، فقال: (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور) [الشورى: ٤٣] .
* وأمر رسول الله ﷺ بالصبر والحكمة، وأخبر أن صبره إنما هو لربه وبذلك جميع المصائب تهون.
стр. 237
فقال: (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا) [الطور: ٤٨] .
وقال: (واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون) [النحل: ١٢٧] .
والصبر آخية (١) المؤمن التي يجول ثم يرجع إليها، وساق إيمانه الذي لا اعتماد له إلا عليها.
قال ﷺ : "الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها" (٢) .
* وقال ﷺ : "ما رزق عبد خيراً له ولا أوسع من الصبر" (٣) .
* قال عمر بن الخطاب: "أفضل عيش أدركناه بالصبر".
وقال عليّ بن أبي طالب: الصبر مطية لا تكبو، وقال الحسن: الصبر كنز من كنوز الجنة لا يعطه الله إلا لعبد كريم عنده، وقال عمر بن عبد العزيز: ما أنعم الله على عبده نعمة فانتزعها منه فعاضه مكانها الصبر إلا كان ما عَوّضه خيرا مما انتزعه" (٤) .
واعلم يا أخي وأنت في شهر الصبر "أنّ من تعلق بصفة من صفات الرب تعالى أدخلته تلك الصفة عليه، وأوصلته إليه، والرب تعالى هو الصبور، بل لا أحد أصبر على أذى سمعه منه، وهو صبر من أعظم مصبور عليه، فإن مقابلة أعظم العظماء وملك الملوك وأكرم الأكرمين بغاية القبح وأعظم الفجور، ونسبته إلى كل ما لا يليق به، والقدح في كماله وأسمائه والإلحاد في آياته، وتكذيب رسله ﵈، ومقابلتهم بالشتم والأذى، وتحريق أوليائه وقتلهم وإهانتهم لا يصبر عليه إلا الصبور
стр. 238
الذي لا أحد أصبر منه، ولا نسبة لصبر جميع الخلق من أولهم إلى آخرهم إلى صبره سبحانه. والله يحب أسماءه وصفاته، ويحب مقتضى صفاته، وظهور آثارها في العبد، فهو صبور يحب الصابرين.
وإذا كان سبحانه يحب المتصفين بآثار صفاته، فهو معهم بحسب نصيبهم من هذا الاتصاف، ورمضان شهر الصوم، والصوم تجتمع فيه معاني الصبر الثلاثة: الصبر على ألم الجوع والعطش، والصبر على المعاصي، والصبر على الطاعات.
أما الصبر عن المعاصي: فما أحوجنا في رمضان إلى كظم الغيظ عمن أساء إلينا قال ﷺ : "من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله على رؤوس الخلائق حتى يخيره من الحور العين ويزوجه منها ما شاء" (١)
وفي الصحيح: "ومن كظم غيظاً ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضى يوم القيامة".
ورحم الله من قال:
والصبر بالأرواح يعرف فضله ... صبر الملوك وليس بالأجسام (٢)
فاصبر صبر الكرام، فالكريم يصبر عن معصية الرحمن، واللئيم يصبر في طاعة الشيطان، فاللئام أصبر الناس في طاعة أهوائهم وشهواتهم، وأقل الناس صبراً عن معصية ربهم، فيصبر على البذل في طاعة الشيطان أتم صبر، ولا يصبر على البذل في طاعة الله في أيسر شيء.
ويصبر على تحمل المشاق لهوى نفسه في مرضاة عدوه، ولا يصبر على أدنى المشاق في مرضاة ربه.
ويصبر على ما يقال في عرضه في المعصية، ولا يصبر على ما يقال في عرضه إذا أوذي في الله.
стр. 239
ويبذل عرضه في هوى نفسه ومراده، ولا يصبر على التبذل لله في مرضاته وطاعته.
فهو أصبر شيء على التبذل في طاعة الشيطان ومراد النفس، واعجز شيء عن الصبر على ذلك في الله، وهذا أعظم اللؤم، ولا يكون صاحبه كريما عند الله، ولا يقوم مع أهل الكرم إذا نودي بهم يوم القيامة على رؤوس الأشهاد ليعلم أهل الجمع من أولى بالكرم اليوم أين المتقون.
فليصبر الإنسان عن معصية الله في هذا الشهر، ولا يبيع حظه مع الله بشهوة تذهب لذاتها وتبقى تبعتها، تذهب الشهوة وتبقى الشقوة. ويعينه على صبره عن شهواته مشهد قهره لشيطانه والظفر به، ومشهد العوض وهو ما وعد الله سبحانه من تعويض من ترك الحرام، ومشهد البلاء والعافية، فإن البلاء ليس إلا الذنوب، والعافية المطلقة هي الطاعات وعواقبها.
يصبر العبد عن المعصية في رمضان حذرا من الوقوع في الحرام، وإبقاء لنور وبهجة الإيمان.
يصبر عن معصيته إيمانا بالوعيد وحبا لله وحياءً من مولاه.
يصبر على فتنة النفس، والشهوة وجاذبيته للأرض، وثقلة اللحم والدم، والرغبة في المتاع والسلطان، أو في الدعة والاطمئنان، وصعوبة الاستقامة على صراط الإيمان والاستواء على مرتقاه، مع المعوقات والمثبطات في أعمال النفس وفي ملابسات الحياة، وفي منطق البيئة وفي تصورات أهل الزمان.
لابد من الصبر:
الصبر على فتنة الأهل والأحباء الذين يخشى عليهم أن يصيبهم الأذى بسببه وهو لا يملك عنهم دفعا. والصبر على فتنة إقبال الدنيا على المبطلين تصاغ لهم الأمجاد الكاذبة، والصبر على الغربة في البيئة والاستيحاش بالعقيدة حين ينظر المؤمن فيرى كل ما حوله وكل من حوله غارقاً في تيار الضلالة وهو وحده موحش غريب طريد.
стр. 240
* ويصبر في رمضان على طاعة الله والدعوة إليه وهو أعلى أنواع الصبر والصبر على الطاعة والدعوة أمانة الله في الأرض لا يحملها إلا من هم لها أهل، وفيهم على حملها قدرة، وفي قلوبهم تجرد لها وإخلاص، وإلا الذين يؤثرونها على الراحة والدعة، وعلى الأمن والسلامة، وعلى المتاع والإغراء، فهي أمانة كريمة، ومن ثَمَّ تحتاج إلى طراز خاص يصبر ويصبر.
والنفس بالصبر تصهرها الشدائد فتنفي عنها الخبث، وتستجيش كامن قواها المذخورة فتستيقظ وتتجمع ويشتد غورها ويصلب، فإذا طال الأمد، وأبطأ نصر الله، لا يثبت إلا من يؤتمن على تلك الأمانة الكبرى، أمانة السماء في الأرض، وأمانة الله في ضمير المؤمن. إن الصابرين ليتسلمون الأمانة وهي عزيزة على نفوسهم بما أدوا لها من غالي الثمن، وبما صبروا لها من الصبر على المحن.
والذي يصبر على الأذى والحرمان يشعر ولا شك بقيمة الأمانة التي بذل فيها ما بذل فلا يسلمها رخيصة بعد كل هذه التضحيات.
قال رسول الله ﷺ : "أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (١) .
وقال رسول الله ﷺ : "أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، لقد كان أحدهم يبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يجوبها (٢) ، فيلبسها، ويبتلى بالقمل حتى يقتله، ولأحدهم كان أشد فرحاً بالبلاء من أحدكم بالعطاء" (٣) .
* لا بد من صبر على طاعة الله والاستقامة على دربه وبذل النفس في مرضاة الله. وهنا لابد من نصح للحركة الإسلامية بعدم العجلة، والحماس الفائر، ولنا في قصة بني إسرائيل العبر: (ألم تر إلى الملاء من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي
стр. 241
لهم ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا ومالنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين) [البقرة: ٢٤٦] إلى نهاية الآيات.
(فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده..) الآية [البقرة: ٢٤٩] .
"فالتفلت من الطاعة والنكوص عن التكليف سمة كل حركة لا تنضج تربيتها الإيمانية، فهي سمة بشرية عامة لا تغير منها إلا التربية العالية الطويلة الأمد العميقة التأثير.
ومِنْ ثَمَّ ينبغي للقادة أن يكونوا منها على حذر، وأن تحسب حسابها في الطريق الوعر كي لا تفاجأ بها، فيتعاظمها الأمر، فهي متوقعة من الجماعات البشرية التي لم تخلص من الأوشاب، ولم تصهر ولم تطهر من هذه العقابيل" (١) .
لابد للقادة أن يربو الجيل على الصمود للرغبات والشهوات، والصمود على الحرمان والمتاعب، والصبر على قيام الليل في رمضان باب هذا، وصيام النهار والذكر أعلى درجات الطاعة.
إنه لابد من الصبر:
الصبر على طول الطريق الشائك، الصبر على قلة الناصر، الصبر على عناد القلب ومضاضة الإعراض عن طريق الله، والتواء النفوس الصبر على انتفاش الباطل، أن ترى الشر نافشاً والخير ضاوياً، ولا شعاع في الأفق ولا معلم في الطريق.
يا إخوتاه:
الصبر نبل غاية، وطهارة قصد، ونظافة طريق.
لابد من صبر على الطاعة والتربية ينفض عنا الكسل والخمول، ويستجيش ما في شباب الأمة من مكنونات مذخورة للدور النبيل الذي يمليه رمضان شهر الصبر وشهر الفتوحات.
стр. 242
(وقال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين * قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون) [الأعراف: ١٢٨-١٢٩] .
إنه ليس لأصحاب الدعوة إلى رب العالمين إلا ملاذ واحد، وهو الملاذ الحصين الأمين والأولى، واحد وهو الولي القوي المتين، وعليهم أن يصبروا حتى يأذن الولي بالنصرة في الوقت الذي يقدره بحكمته وعلمه، وألا يعجلوا، فهم لا يطلعون الغيب، ولا يعلمون الخير.
على الناس ألا يتبرموا من طول الطريق فالعاقبة للصابرين طال الزمن أم قصر، فلا يخالج قلوب الداعين إلى رب العالمين قلق على المصير، ولا يخايل لهم تقلب الذين كفروا في البلاد، فيحسبونهم باقين.
لابد للدعاة أن يصبروا على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات بالصبر على الطاعة.
وانظر إلى مناجاة موسى لربه وإعداده لنفسه بالصوم كي تصفو الروح وتشف وتستضيء وتتقوى العزيمة على مواجهة حمل الأمانة والدعوة.
قال تعالى: (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة ... ) الآية [الأعراف: ١٤٢] .
قال ابن كثير "فذكر تعالى أنه واعد موسى ثلاثين ليلة، قال المفسرون فصامها موسى ﵇ وطواها، فلمّا تم الميقات استاك بلحاء شجرة، فأمره الله أن تكمل العشرة أربعين".
صيام ومناجاة ... ختمها بعشر ذي الحجة..
وهكذا.. فالتمرن بالصبر على الطاعة يؤهل النفوس للأدوار العظيمة.
يا إخوتاه ويا حملة الدعوة ... هذه أيامكم.. أيام الصبر في رمضان ومنها العظة ولابد من الصبر.
стр. 243
لقد كان أول توجيه للأمة الوسط الشهيدة على الناس ذات الشخصية الخاصة والكيان الخاص هو الاستعانة بالصبر والصلاة على تكاليف هذا الدور العظيم.
قال تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) [البقرة: ٤٥] .
قال ابن جرير في "تفسيره" (١/٢٥٩) : "وقد قيل: إن معنى الصبر في هذا الموضع: الصوم، والصوم بعض معاني الصبر عندنا".
يتكرر ذكر الصبر -منه الصوم- في القرآن كثيراً، ذلك أن الله سبحانه يعلم ضخامة الجهد الذي تقتضيه الاستقامة على الطريق بين شتى النوازع والدوافع، والذي يقتضيه القيام على دعوة الله في الأرض بين شتى الصراعات والعقبات، والذي يتطلب أن تبقي النفس مشدودة الأعصاب، مجندة القوى، يقظة للمداخل والمخارج.. ولابد من الصبر في هذا كله.
لابد من الصبر على الطاعات، والصبر على عناد المشاقين لله، وفضح أساليبهم وأهدافهم، الصبر على الكيد بشتى صنوفه، والصبر على بطء النصر، والصبر على بُعد الشُقَّة.
عن خباب بن الأرت ﵁ قال: "شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله تعالى هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت فلا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون" (١) .
لابد من تربية للنفوس بالبلاء وبالجوع، لابد من هذا البلاء ليؤدي المؤمنون تكاليف العقيدة، كي تعز على نفوسهم بمقدار ما أدّوا في سبيلها من تكاليف، فالتكاليف هنا هي الثمن النفيس الذي تعز به العقيدة في نفوس أهلها قبل أن تعز في نفوس الأخرين.
стр. 244
لن يدرك الآخرون قيمتها إلا حين يرون ابتلاء أهلها بها، وصبرهم على بلائها، عندئذ ينقلب المعارضون للعقيدة باحثين عنها، مقدرين لها، مندفعين إليها.
ولابد من البلاء كذلك ليصلب عود أصحاب العقيدة ويقوى، فالشدائد تستجيش مكنون القوى ومذخور الطاقة، وتفتح في القلب منافذ ومسارب ما كان ليعلمها المؤمن في نفسه إلا تحت مطارق الشدائد، والقيم والموازين والتصورات ما كانت لتصح وتدق وتستقيم إلا في جو المحنة التي تزيل الغبش من العيون، والران عن القلوب.
وأهم من هذا كله، أو القاعدة لهذا كله.. الالتجاء إلى الله وحده حين تهتز الأسناد كلها، وتتوارى الأوهام وهي شتى، ويخلو القلب إلى الله وحده لا يجد سنداً إلا سنده، وفي هذه اللحظة فقط تنجلي الغشاوات وتتفتح البصيرة، وينجلي الأفق على مدّ البصر ... لا حول إلا حول الله، ولا ملجأ إلّا إليه.
قال تعالى: (وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيية قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) [البقرة: ١٥٥-١٥٧] .
إنا لله.. كلنا.. كل ما فينا.. كل كياننا وذاتيتنا.. لله. وإليه المرجع والمآب في كل أمر، وفي كل مصير.. التسليم.. التسليم المطلق..
هؤلاء هم الصابرون.. الذين يبلغهم الرسول الكريم بالبشرى من المنعم الجليل.. وهؤلاء هم الذين يعلن المنعم الجليل مكانهم عنده جزاء الصبر الجميل (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) .
"صلوات من ربهم ورفعهم بها إلى المشاركة في نصيب نبيه الذي يصلي عليه هو وملائكته سبحانه وهو مقام كريم.. ورحمة.. وشهادة من الله بأنهم هم المهتدون.. وكل أمر من هذه هائل عظيم".
إن الله يضع الصبر في كفة.. ويضع في الكفة الأخرى أمراً واحداً.. صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون.. إنه لا يعدهم هنا نصراً.. ولا يعدهم هنا تمكيناً، ولا يعدهم هنا مغانم، ولا يعدهم هنا شيئاً إلا صلوات الله ورحمته وشهادته
стр. 245
لقد كان الله يعد هذه الجماعة لأمر أكبر من ذواتها، وأكبر من حياتها، فكان من ثَم يجردها من كل غاية، ومن كل هدف، ومن كل رغبة من الرغبات البشرية، حتى الرغبة في انتصار العقيدة - كان يجردها من كل شائبة تشوب التجرد المطلق له ولطاعته ولدعوته.. كان عليهم أن يمضوا في طريقهم لا يتطلعون إلى شيء إلا رضى الله وصلواته ورحمته وشهادته لهم بأنهم مهتدون.. هذا هو الهدف، وهذه هي الغاية.. وهذه هي الثمرة الحلوة التي تهفو إليها قلوبهم وحدها.. فأما ما يكتبه الله لهم بعد ذلك من النصر والتمكين فهو لدعوة الله التي يحملونها.
إن الكفة ترجح بهذا العطاء فهو أثقل في الميزان من كل عطاء.. أرجح من النصر وأرجح من التمكين وأرجح من شفاء غيظ الصدور.
"هذه هي التربيه التي أخذ الله بها الصف المسلم ليعده ذلك الإعداد العجيب وهذا هو المنهج الإلهي في التربية لمن يريد استخلاصهم لنفسه ودعوته ودينه من بين البشر أجمعين" (١) .
* * *
стр. 246
رمضان شهر الشكر
رمضان شهر الشكر والحياء.. ولو سجدنا لله على إبر الشوك إلى يوم لقياه ما قدرنا حق عطاياه.. فكيف بنعم الله وفضله في رمضان شكر على الإسلام وكفى بها نعمة! أم شكر على نعمة البقاء وإدراك رمضان ونحن أحياء؟ أم شكر على غفران الذنوب؟ أم شكر على فتح أبواب الجنان؟ أم شكر على غلق أبواب النيران؟ أم شكر على تصفيد الشياطين؟ أم شكر على إجابة الدعاء؟ أم شكر على العتق من النيران؟ أم شكر على رفرفة الأرواح نحو الملأ؟ أم شكر على التحرير من ثقلة الأرض وحمأة الطين؟ أم شكر على التهجد والتراويح؟ أم شكر على الصدقات والتسبيح؟ أم شكر على مواساة الفقير؟ قال تعالى: (ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) .
ولله در محمود الورّاق إذ يقول:
إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... عليّ له في مثلها يجب الشكرُ
فكيف وقوع الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمرُ
إذا مسّ بالسرّاء عمّ سرورها ... وإنْ مسّ بالضراء أعقبها الأجر
وما منهما إلا له فيه منّة ... تضيق بها الأوهام والبر والبحر
الشكر لله درجات، تبدأ بالاعتراف بفضله والحياء من معصيته، وتنتهي بالتجرد لشكره، والقصد إلى هذا الشكر في كل حركة بدن، وفي كل لفظة لسان وفي كل قطرة جنان.. مع كل خفقة ووجيب قلب.
ومن كلام شيخ الإسلام ابن القيم مفرقاً: "جعل الله الشكر مفتاح كلام أهل الجنة فقال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده) ، وقال: (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) .
ومنزلة الشكر من أعلى المنازل، وهي فوق "الرضى" وزيادة، فالرضى مندرج
стр. 247
في الشكر بل يندرج فيه جميع مقامات الإيمان حتى المحبة والرضى والتوكل، وتالله ليس لخواص أولياء الله وأهل القرب منه سبيل أرفع من الشكر ولا أعلى وهو نصف الإيمان.
* وقد قرن الله تعالى ذكره بذكره مع أنه قال: (ولذكر الله أكبر) ، وكلاهما هو المراد بالخلق والأمر قال تعالى: (فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون) [البقرة: ١٥٢] .
* وقرن سبحانه الشكر بالإيمان فقال تعالى: (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم) الآية.
* وأخبر سبحانه أن أهل الشكر هم المخصوصون بمنّته عليهم من بين عباده فقال تعالى: (وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين) [الأنعام: ٥٣] .
* وقسّم العباد إلى شكور وكفور قال تعالى: (إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً) [الإنسان: ٣] .
* وقد أمر الله به، ونهى عن ضده وذمه، فقال تعالى: (إن الإنسان لربه لكنود) [العاديات: ٦] .
يعد المصائب وينسى النعم.
يا أيها الظالم في فعلهِ ... والظلم مردود على من ظَلَمْ
إلى متى أنت وحتى متى ... تشكو المصيبات وتنسى النَّعَمْ
* وهو غاية الرب من عبده، وهو الغاية من خلقه وأمره، قال تعالى: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) [النحل: ٧٨] .
* وقد أخبر سبحانه إنما يعبده من يشكره، فمن لم يشكره لم يكن من أهل عبادته فقال: (واشكروا لله إن كنتم إيّاه تعبدون) .
стр. 248
* وأول وصية وصى بها الإنسان بعد ما عقل عنه الشكر له وللوالدين: (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصالُه في عامين أن اشكر لي ولوالديك إليّ المصير) [لقمان: ١٤] .
* وأخبر أن رضاه في شكره فقال تعالى: (وإن تشكروا يرضه لكم) .
* وأثنى على أهله ووصف به خواصّ عباده، وأثنى عليه خليله إبراهيم ﵊ بشكر نعمه فقال: (إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين شاكراً لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم) [النحل: ١٢١] ، فختم صفات خليله بأنه شاكر، فجعل الشكر غاية خليله.
* وأمر عبده موسى أن يتلقى ما آتاه من النبوة والرسالة والتكليم بالشكر فقال تعالى: (يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين) [الأعراف: ١٤٤] .
* وقد أثنى الله على أول رسول بعثه إلى أهل الأرض بالشكر فقال تعالى: (ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبداً شكوراً) [الإسراء: ٣] ، وفي تخصيص نوح ها هنا بالذكر، وخطاب العباد بأنهم ذريته إشارة إلى الاقتداء به فإنه أبوهم الثاني، فإن الله لم يجعل للخلق بعد الغرق نسلاً إلا من ذريته كما قال تعالى: (وجعلنا ذريته هم الباقين) [الصافات: ٧٧] .
* وقلة أهله في العالمين تدل على أنهم هم خواصه كقوله: (وقليل من عبادي الشكور) .
* وقابل الله سبحانه بين الشكر والكفر فقال عن نبيه سليمان ﵊ (هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر، ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن الله غني كريم) [النمل: ٤٠] .
* ووعد أهله بأحسن جزائه، وجعله سبباً للمزيد من فضله (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد) [إبراهيم: ٧] .
* وقد وقف سبحانه كثيراً من الجزاء على المشيئة كقوله: (فيكشف ما تدعون
стр. 249
إليه إن شاء) ، وقوله في الرزق: (يرزق من يشاء) ، وفي المغفرة (يغفر لمن يشاء) ، والتوبة (ويتوب الله على من يشاء) ، وأطلق جزاء الشكر إطلاقاً حيث قال: (وسنجزي الشاكرين) ، (وسيجزي الله الشاكرين) .
* ولماّ عرف إبليس قدر مقام الشكر وأنه من أجل المقامات وأعلاها، جعل غايته أن يسعى في قطع الناس عنه فقال: (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين) .
* واشتق الله للشاكرين اسماً من أسمائه، فإنه سبحانه هو الشكور، فأعطاهم من وصفه، وسمّاهم باسمه، وحسبك بهذا محبة للشاكرين وفضلاً، وهو يوصّل الشاكر إلى مشكوره، بل يعيد الشاكر مشكوراً، قال تعالى: (إن هذا كان لكم جزاءً وكان سعيكم مشكوراً) [الإنسان: ٢٢] .
* وفي الصحيحين عن النبي ﷺ : "أنه قام حتى تورّمت قدماه، فقيل له: تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: أفلا أكون عبداً شكوراً".
وقال لمعاذ: "والله يا معاذ، إني لأحبك، فلا تنس أن تقول في دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" (١) .
* وقال ﷺ : "ليتخذ أحدكم قلباً شاكراً، ولساناً ذاكراً، وزوجة مؤمنة تعينه على أمر الدنيا" (٢) .
* والشكر مبني على خمسة قواعد:
(١) خضوع الشاكر للمشكور وإضافة النعم إلى موليها بنعت الاستكانة له.
(٢) حبه له، قال سلمان: ذكر النعم يورث الحب.
стр. 250
(٣) اعترافه بنعمته ومعرفته بها وقبولها.
(٤) ثناؤه عليه بها.
(٥) أن لا يستعملها فيما يكره.
ومن عدم واحدة منها: اختل من قواعد الشكر قاعدة.
أما معرفتها: فهو إحضارها في الذهن ومشاهدتها وتمييزها.
وقبولها: هو تلقيها من المنعم بإظهار الفقر والفاقة إليها، وأن وصولها إليه بغير استحقاق منه، قال الجنيد: "الشكر أن لا ترى نفسك أهلاً للنعمة".
وهذا معنى قول حمدون -وما ألطفه-: "شكر النعمة أن ترى نفسك فيها طفيليا".
* والثناء بها على المنعم: وصفه بالجود والكرم والبر والإحسان وسعة العطاء.
* والتحدث بنعمته: ذكر النعمة والإخبار بها، والدعوة إلى الله وتبليغ رسالته وتعليم الأمة قال تعالى: (وأما بنعمة ربك فحدث) [الضحى: ١١] .
قال ﷺ : "التحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير" (١) .
ومن الرزية أن شكري صامت ... عما فعلت وأن برّك ناطقُ
وأرى الصنيعة منك ثم أسرّها ... إني إذاً لدى الكريم لسارقُ
نعم يا أخي: الشكر: عكوف القلوب على محبة المنعم، والجوارح على
طاعته، وجريان اللسان بذكره، والثناء عليه.
والشكر: قيد النعم الموجودة، وصيد النعم المفقودة.
قال عمر بن عبد العزيز: قيّدوا نعم الله بشكر الله.