رمضان شهر الشكر
رمضان شهر الشكر والحياء.. ولو سجدنا لله على إبر الشوك إلى يوم لقياه ما قدرنا حق عطاياه.. فكيف بنعم الله وفضله في رمضان شكر على الإسلام وكفى بها نعمة! أم شكر على نعمة البقاء وإدراك رمضان ونحن أحياء؟ أم شكر على غفران الذنوب؟ أم شكر على فتح أبواب الجنان؟ أم شكر على غلق أبواب النيران؟ أم شكر على تصفيد الشياطين؟ أم شكر على إجابة الدعاء؟ أم شكر على العتق من النيران؟ أم شكر على رفرفة الأرواح نحو الملأ؟ أم شكر على التحرير من ثقلة الأرض وحمأة الطين؟ أم شكر على التهجد والتراويح؟ أم شكر على الصدقات والتسبيح؟ أم شكر على مواساة الفقير؟ قال تعالى: (ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) .
ولله در محمود الورّاق إذ يقول:
إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... عليّ له في مثلها يجب الشكرُ
فكيف وقوع الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمرُ
إذا مسّ بالسرّاء عمّ سرورها ... وإنْ مسّ بالضراء أعقبها الأجر
وما منهما إلا له فيه منّة ... تضيق بها الأوهام والبر والبحر
الشكر لله درجات، تبدأ بالاعتراف بفضله والحياء من معصيته، وتنتهي بالتجرد لشكره، والقصد إلى هذا الشكر في كل حركة بدن، وفي كل لفظة لسان وفي كل قطرة جنان.. مع كل خفقة ووجيب قلب.
ومن كلام شيخ الإسلام ابن القيم مفرقاً: "جعل الله الشكر مفتاح كلام أهل الجنة فقال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده) ، وقال: (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) .
ومنزلة الشكر من أعلى المنازل، وهي فوق "الرضى" وزيادة، فالرضى مندرج
стр. 247
في الشكر بل يندرج فيه جميع مقامات الإيمان حتى المحبة والرضى والتوكل، وتالله ليس لخواص أولياء الله وأهل القرب منه سبيل أرفع من الشكر ولا أعلى وهو نصف الإيمان.
* وقد قرن الله تعالى ذكره بذكره مع أنه قال: (ولذكر الله أكبر) ، وكلاهما هو المراد بالخلق والأمر قال تعالى: (فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون) [البقرة: ١٥٢] .
* وقرن سبحانه الشكر بالإيمان فقال تعالى: (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم) الآية.
* وأخبر سبحانه أن أهل الشكر هم المخصوصون بمنّته عليهم من بين عباده فقال تعالى: (وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين) [الأنعام: ٥٣] .
* وقسّم العباد إلى شكور وكفور قال تعالى: (إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً) [الإنسان: ٣] .
* وقد أمر الله به، ونهى عن ضده وذمه، فقال تعالى: (إن الإنسان لربه لكنود) [العاديات: ٦] .
يعد المصائب وينسى النعم.
يا أيها الظالم في فعلهِ ... والظلم مردود على من ظَلَمْ
إلى متى أنت وحتى متى ... تشكو المصيبات وتنسى النَّعَمْ
* وهو غاية الرب من عبده، وهو الغاية من خلقه وأمره، قال تعالى: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) [النحل: ٧٨] .
* وقد أخبر سبحانه إنما يعبده من يشكره، فمن لم يشكره لم يكن من أهل عبادته فقال: (واشكروا لله إن كنتم إيّاه تعبدون) .
стр. 248
* وأول وصية وصى بها الإنسان بعد ما عقل عنه الشكر له وللوالدين: (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصالُه في عامين أن اشكر لي ولوالديك إليّ المصير) [لقمان: ١٤] .
* وأخبر أن رضاه في شكره فقال تعالى: (وإن تشكروا يرضه لكم) .
* وأثنى على أهله ووصف به خواصّ عباده، وأثنى عليه خليله إبراهيم ﵊ بشكر نعمه فقال: (إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين شاكراً لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم) [النحل: ١٢١] ، فختم صفات خليله بأنه شاكر، فجعل الشكر غاية خليله.
* وأمر عبده موسى أن يتلقى ما آتاه من النبوة والرسالة والتكليم بالشكر فقال تعالى: (يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين) [الأعراف: ١٤٤] .
* وقد أثنى الله على أول رسول بعثه إلى أهل الأرض بالشكر فقال تعالى: (ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبداً شكوراً) [الإسراء: ٣] ، وفي تخصيص نوح ها هنا بالذكر، وخطاب العباد بأنهم ذريته إشارة إلى الاقتداء به فإنه أبوهم الثاني، فإن الله لم يجعل للخلق بعد الغرق نسلاً إلا من ذريته كما قال تعالى: (وجعلنا ذريته هم الباقين) [الصافات: ٧٧] .
* وقلة أهله في العالمين تدل على أنهم هم خواصه كقوله: (وقليل من عبادي الشكور) .
* وقابل الله سبحانه بين الشكر والكفر فقال عن نبيه سليمان ﵊ (هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر، ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن الله غني كريم) [النمل: ٤٠] .
* ووعد أهله بأحسن جزائه، وجعله سبباً للمزيد من فضله (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد) [إبراهيم: ٧] .
* وقد وقف سبحانه كثيراً من الجزاء على المشيئة كقوله: (فيكشف ما تدعون
стр. 249
إليه إن شاء) ، وقوله في الرزق: (يرزق من يشاء) ، وفي المغفرة (يغفر لمن يشاء) ، والتوبة (ويتوب الله على من يشاء) ، وأطلق جزاء الشكر إطلاقاً حيث قال: (وسنجزي الشاكرين) ، (وسيجزي الله الشاكرين) .
* ولماّ عرف إبليس قدر مقام الشكر وأنه من أجل المقامات وأعلاها، جعل غايته أن يسعى في قطع الناس عنه فقال: (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين) .
* واشتق الله للشاكرين اسماً من أسمائه، فإنه سبحانه هو الشكور، فأعطاهم من وصفه، وسمّاهم باسمه، وحسبك بهذا محبة للشاكرين وفضلاً، وهو يوصّل الشاكر إلى مشكوره، بل يعيد الشاكر مشكوراً، قال تعالى: (إن هذا كان لكم جزاءً وكان سعيكم مشكوراً) [الإنسان: ٢٢] .
* وفي الصحيحين عن النبي ﷺ : "أنه قام حتى تورّمت قدماه، فقيل له: تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: أفلا أكون عبداً شكوراً".
وقال لمعاذ: "والله يا معاذ، إني لأحبك، فلا تنس أن تقول في دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" (١) .
* وقال ﷺ : "ليتخذ أحدكم قلباً شاكراً، ولساناً ذاكراً، وزوجة مؤمنة تعينه على أمر الدنيا" (٢) .
* والشكر مبني على خمسة قواعد:
(١) خضوع الشاكر للمشكور وإضافة النعم إلى موليها بنعت الاستكانة له.
(٢) حبه له، قال سلمان: ذكر النعم يورث الحب.
стр. 250
(٣) اعترافه بنعمته ومعرفته بها وقبولها.
(٤) ثناؤه عليه بها.
(٥) أن لا يستعملها فيما يكره.
ومن عدم واحدة منها: اختل من قواعد الشكر قاعدة.
أما معرفتها: فهو إحضارها في الذهن ومشاهدتها وتمييزها.
وقبولها: هو تلقيها من المنعم بإظهار الفقر والفاقة إليها، وأن وصولها إليه بغير استحقاق منه، قال الجنيد: "الشكر أن لا ترى نفسك أهلاً للنعمة".
وهذا معنى قول حمدون -وما ألطفه-: "شكر النعمة أن ترى نفسك فيها طفيليا".
* والثناء بها على المنعم: وصفه بالجود والكرم والبر والإحسان وسعة العطاء.
* والتحدث بنعمته: ذكر النعمة والإخبار بها، والدعوة إلى الله وتبليغ رسالته وتعليم الأمة قال تعالى: (وأما بنعمة ربك فحدث) [الضحى: ١١] .
قال ﷺ : "التحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير" (١) .
ومن الرزية أن شكري صامت ... عما فعلت وأن برّك ناطقُ
وأرى الصنيعة منك ثم أسرّها ... إني إذاً لدى الكريم لسارقُ
نعم يا أخي: الشكر: عكوف القلوب على محبة المنعم، والجوارح على
طاعته، وجريان اللسان بذكره، والثناء عليه.
والشكر: قيد النعم الموجودة، وصيد النعم المفقودة.
قال عمر بن عبد العزيز: قيّدوا نعم الله بشكر الله.
стр. 251
* وشكر العامة على المطعم والمشرب والملبس وقوت الأبدان، وشكر الخاصة على قوت القلوب والتوحيد والإيمان.
نعم: الشكر: التلذذ بثنائه على ما لم تستوجب من عطائه، وقيل: من قصرت يداه عن المكافآت فليطل لسانه بالشكر.
والشكر معه المزيد فمتى لم ترَ حالك في مزيد فاستقبل الشكر.
* والشكر يتعلق بالقلب واللسان والجوارح:
فالقلب للمعرفة والمحبة، واللسان للثناء والحمد، والجوارح لاستعمالها في طاعة المشكور وكفها عن معاصيه.
قال الشاعر:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجّبا
* والشكر أخص بالأفعال، والحمد أخص بالأقوال، فإنه يحمد على أسمائه وصفاته وأفعاله أو يشكر على نعمه.
وسبب الحمد أعمّ من سبب الشكر.
ومتعلق الشكر وما به الشكر أعمّ مما به الحمد، فإنه يشكر بالقلب واللسان والجوارح، ويحمد بالقلب واللسان.
وأي نعم الله تحصي في الدنيا أو في الآخرة.
عن عبد الله بن محصن قال: قال رسول الله ﷺ : "من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها" (١) . فما ظنك بنعمة ترك المعصية في هذا الشهر.
أصبحت بين نعمتين لا تدري أيتهما أفضل: ذنوب سترها الله فلا يستطيع أن يعيرك بها أحد، ومودة قذفها في قلوب العباد لا يبلغها العمل.
стр. 252
أخي: كم عدو حط ّمنك بالذم فرقاك، كم أعطش من شراب الأمانيّّ خلقاً وسقاك، كم أمات بعض من لم يبلغ رمضان وأبقاك.
لقد أعطاك أيتها النفس ما لم تأملي، وبلّغك ما لم تطلبي، وستر عليك من القبيح ما لو فاح لضجّت المشام.
كيف لا تحب من أنت به، وبقاؤك منه، ورجوعك إليه.
قال سليمان التيمي: إن الله سبحانه أنعم على عبده على قدره، وكلّفهم بالشكر على قدرهم.
قالت امرأة لابن أبي الحواري: أنا في بيتي قد شُغل قلبي، قلت: وما هو؟
قالت: أريد أن أعرف نعم الله عليّ في طرفة عين، أو أعرف تقصيري عن شكر النعمة عليّ في طرفة عين. قلت: تريدين ما لا تهتدي إليه عقولنا. وتنسّك رجل فقال: لا آكل الخبيص لا أقوم بشكره، فقال الحسن: هذا أحمق؟! وهل يقوم بشكر الماء البارد!!
* ومن دقيق نعم الله على العبد التي لا يكاد يفطن لها: أن يغلق عليه بابه فيرسل الله إليه من يطرق عليه الباب فيسأله شيئاً من القوت ليعرف نعمته عليه.
* وقال الثوري: ما أنعم الله على عبد في حاجة أكثر من تضرعه إليه فيها.
وقال أبو حازم: نعم الله فيما زوي عني من الدنيا أعظم من نعمته فيما أعطانى منها.
قال بكر بن عبد الله: ما قال عبد قط الحمد لله إلا وجبت عليه نعمة بقوله الحمد لله، فجزاء تلك النعمة أن يقول الحمد لله، فجاءت نعمة أخرى فلا تنفد".
فسبحان "المنعم فما قام مخلوق بحقه، الموالي بفضله على جميع خلقه بشرائف المنائح على طول الزمان، أنشأ المخلوقات بحكمته وصنعها، وفرّق الأشياء بقدرته وجمعها، ودحا الأرض على الماء وأوسعها (والسماء رفعها ووضع الميزان) .
* سالت الجوامد لهيبته ولانت، وذلت الصعاب لسطوته وهانت، وإذا بطش
стр. 253
(انشقت السماء فكانت وردة كالدهان) .
يعز ويذل، ويفقر ويغني، ويسعد ويُشقي، ويبقي ويُفني، ويشين ويزين، وينقض ويبني (كل يوم هو في شأن) .
قدّر التقدير فلا رادّ لحكمه، وعلم سر العبد وباطن عزمه (وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه) .
مدّ الأرض فأوسعها بقدرته، وأجرى فيها أنهارها بصنعته، وصبغ ألوان نباتها بحكمته فمن يقدر على صبغ تلك الألوان، ثبتها بالجبال الرواسي في نواحيها، وأرسل السحاب بمياه تحييها، وقضى بالفناء على ساكنيها (كل من عليها فان) .
من خدمه طامعاً في فضله نال، ومن لجأ إليه في رفع كربه زال، ومن عامله أربحه وقد قال: (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) (١) .
* فاتق الله أفلا تنافس الجن في حسن المقال.
قال ﷺ للصحابة: "لما قرأتها (يعني سورة الرحمن) على الجن ليلة الجن، فكانوا أحسن مردوداً منكم، كنت كلما أتيت على قوله: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد" (٢) .
"فاللهم إنا نعوذ بك أن نبدل نعمتك كفراً، وأن نكفرها بعد أن عرفناها، وأن ننساها ولا نثني بها" كما قال عمر بن عبد العزيز ﵀.
"إلهي من كرمك أنك تطاع ولا تعصى، ومن حلمك أنك تعصى وكأنك لا ترى، وأي زمن لم يعصك فيه سكان أرضك وأنت بالخير عوّاد".
ولله در الحسن: كان إن ابتدأ حديثه قال:
"الحمد لله ربنا لك الحمد بالإسلام والقرآن، ولك الحمد بالأهل والمال والمعافاة، كبّت عدونا، وبسطت رزقنا، وأظهرت أمتنا، وجمعت فرقتنا،
стр. 254
وأحسنت معافاتنا، ومن كل ما سألناك ربنا أعطيتنا، فلك الحمد على ذلك حمداً كثيراً، لك الحمد بكل نعمة أنعمت بها علينا في قديم أو حديث، سراً أو علانية، أو خاصة أو عامة، أو حي أو ميت، أو شاهد أو غائب، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت".
قال رسول الله ﷺ : "ما أنعم الله على عبد نعمة فقال: الحمد لله، إلا كان الذي أعطى، أفضل مما أخذ" (١) .
وقال ﷺ : "ما أنعم الله على عبد نعمة فحمد الله عليها، إلا كان ذلك الحمد أفضل من تلك النعمة" (٢) .
* * *
стр. 255
رمضان شهر الدعاء المستجاب
إن لم يكن رمضان وقت الدعاء المستجاب ففي أي شهر يكون الدعاء؟ وهو وقت الشفاة الذابلة والطاعة الكاملة، والبطون الضامرة، وقت نزول الملائكة، وقت فتح أبواب الرحمة وأبواب السماء قال تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) [البقرة: ١٨٦] .
وعجيب وجميل أن يذكر الدعاء وسط الكلام عن الصيام وأحكامه.
قال الشيخ محمد رشيد رضا: هذا التفات عن خطاب المؤمنين كافة بأحكام الصيام إلى خطاب الرسول ﷺ أن يذكرهم ويعلمهم ما يراعونه في هذه العبادة وغيرها من الطاعة والإخلاص والتوجه إليه وحده بالدعاء الذي يعدهم للهدي والرشاد.
قال البيضاوي في "وجه الاتصال": "واعلم أنه تعالى أمرهم بصوم الشهر ومراعاة العدة وحثهم على القيام بوظائف التكبير والشكر عقبه بهذه الآية الدالة على أنه خبير بأحوالهم، سميع لأقوالهم، مجيب لدعائهم، مجاز على أعمالهم، تأكيداً له وحثاً عليه" (١) .
* وقال الرازي في "التفسير الكبير": "في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها
الأول: أنه تعالى لماّ قال بعد إيجاب فرض الصوم وبين أحكامه (ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) فأمر العبد بالتكبير الذي هو الذكر وبالشكر، بينّ أنه سبحانه بلطفه ورحمته قريب من العبد مطلع على ذكره وشكره فيسمع نداءه، ويجيب دعاءه ولا يخيب رجاءه (٢) .
الثاني: أنه أمر بالتكبير أولاً، ثم رغّبه في الدعاء ثانياً، تنبيهاً على أن الدعاء لابد وأن يكون مسبوقاً بالثناء الجميل.
стр. 256
الثالث: أن الله تعالى لماّ فرض عليهم الصيام كما فرض على الذين من قبلهم، وكان ذلك على أنهم إذا ناموا حرم عليهم ما يحرم على الصائم، فشقّ ذلك على بعضهم حتى عصوا الله في ذلك التكليف، ثم ندموا وسألوا النبي ﷺ عن توبتهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية مخبراً لهم بقبول توبتهم، ونسخ ذلك التشديد بسبب دعائهم وتضرعهم.
قبل أن يمضي سياق الآيات التي تتحدث عن الصوم في سورة البقرة في "بيان أحكام تفصيلية عن مواعيد الصيام، وحدود المتاع فيه وحدود الإمساك.. نجد لفتة عجيبة إلى أعماق النفس وخفايا السريرة. نجد العوض الكامل الحبيب المرغوب عن مشقة الصوم، والجزاء المعجل على الاستجابة لله.. نجد ذلك العوض وهذا الجزاء في القرب من الله، وفي استجابته للدعاء.. تصوره ألفاظ رفافة شفافة تكاد تنير: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) [البقرة: ١٨٦] .
فإني قريب.. أجيب دعوة الداع إذا دعان.. أية رقة؟ وأي انعطاف؟ وأية شفافية؟ وأي إيناس؟ وأين تقع مشقة الصوم ومشقة أي تكليف في ظل هذا الود، وظل هذا القريب، وظل هذا الإيناس؟
وفي كل لفظ في التعبير في الآية كلها تلك النداوة الحبيبة: إضافة العباد إليه، والرد المباشر عليهم منه.. لم يقل لهم، فقل لهم: إني قريب.. إنما تولى بذاته العلية الجواب على عباده بمجرد السؤال.. قريب.. ولم يقل أسمع الدعاء.. إنما عجل بإجابة الدعاء.. (أجيب دعوة الداع إذا دعان) .
إنها آية عجيبة.. آية تسكب في قلب المؤمن النداوة الحلوة، والود المؤنس، والرضى المطمئن، والثقة واليقين.. ويعيش منها المؤمن في جناب رضى وقربى نديّة، وملاذ أمين وقرار مكين.
وفي ظل هذا الأنس الحبيب، وهذا القرب الودود، وهذه الاستجابة الوحية يوجه الله عباده إلى الاستجابة له، والإيمان به، لعل هذا أن يقودهم إلى الرشد والهداية والصلاح.
стр. 257
فالثمرة الأخيرة منه الاستجابة والإيمان هي لهم كذلك.. وهي الرشد والهدي والصلاح فالله غني عن العالمين.
والرشد الذي ينشئه الإيمان وتنشئه الاستجابة لله هو الرشد، واستجابة الله للعباد مرجوة حين يستجيبون له وهم يرشدون. وعليهم أن يدعوه ولا يستعجلوه.. فهو يقدر الاستجابة في وقتها بتقديره الحكيم" (١) فسبحان من أطمع المطيع والعاصي، والداني والقاصي في الانبساط إلى حضرة جلاله برفع الحاجات والأماني بقوله: (أجيب دعوة الداع إذا دعان) .
يقول الرازي في "مفاتيح الغيب": "تدل على تعظيم حال الدعاء من وجوه: الأول: كأنه يقول: عبدي أنت إنما تحتاج إلى الواسطة في غير وقت الدعاء، أما في مقام الدعاء فلا واسطة بيني وبينك.
الثاني: أن قوله: (وإذا سألك عبادي) يدل على أن العبد له، وقوله تعالى: (فإني قريب) يدل على أن الرب للعبد.
والثالث: لم يقل فالعبد مني قريب، بل قاله: أنا منه قريب" (٢) .
وانظر إلى كرم الجواد الذي إذا لم يُسأل يغضب فقال تعالى: (فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون) [الأنعام: ٤٣] ، وقال تعالى: (قل ما يعبأ بكم ربكم لولا دعاؤكم) .
وقال رسول الله ﷺ : "إنه من لم يسأل الله يغضب عليه" (٣) .
وقال الشاعر:
فالله يغضب إن تركت سؤاله ... وبُني آدم حين يسأل يغضب
стр. 258
* وقال رسول الله ﷺ : "أفضل العبادة الدعاء" (١) .
فالدعاء تذلل وخضوع، وإخبات وانطراح على سدة الكريم.
وقال ﷺ : "الدعاء هو العبادة" (٢) .
وقال ﷺ : "إن أبخل الناس من بخل بالسلام، وأعجز الناس من عجز عن الدعاء" (٣) .
* وقال ﷺ : "ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء" (٤) .
قال المناوي (٦/٣٦٥- ٣٦٦) : "قال الطيب: لدلالته على قدرة الله وعجز الداعي، ولا منافاة بين هذا الحديث وآية (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) لأن كل شيء يشرق في بابه فإنه يوصف بالكرم".
* وقال ﷺ : "الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل فعليكم عباد الله بالدعاء" (٥) .
* وقال ﷺ : "إن الله حيى كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين" (٦) .
* وقال ﷺ : "لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر" (٧) .
* وقال ﷺ : "ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إياها أو صرف عنه
стр. 259
من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم، ما لم يعجل، يقول: قد دعوت ودعوت، فلم يستجب لي" (١) .
* وقال ﷺ : "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعان" (٢) .
* وقال ﷺ : "من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب، فليكثر الدعاء في الرخاء" (٣) .
* وعليه بآداب الدعاء وهي عشرة:
(الأول) أن يترصد لدعائه الأوقات الشريفة كيوم عرفة من السنة، ورمضان من الأشهر، ويوم الجمعة من الأسبوع ووقت السحر من ساعات الليل.
(الثاني) أن يغتنم الأحوال الشريفة.
وهذه الأوقات والأحوال التي فيها يستجاب الدعاء:
١- وقت التنزل الإلهي:
قال ﷺ : "إن في الليل لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله تعالى فيها خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه وذلك في كل ليلة" (٤) .
وقال ﷺ : "أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن" (٥) .
٢- في السجود:
قال ﷺ : "وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقَمِن (٦) أن يستجاب لكم" (٧) .
стр. 260
٣- أن يبيت على ذكر فيتعار من الليل فيدعو:
قال ﷺ : "ما من مسلم يبيت على ذكر طاهراً فيتعار من الليل فيسأل الله تعالى خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه" (١) .
٤- عند الأذان:
قال ﷺ : "إذا نادى المنادي فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء" (٢) .
وقال ﷺ : "إذا نودي بالصلاة فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء" (٣) .
٥- بين الأذان والإقامة:
قال رسول الله ﷺ : "الدعاء بين الأذان والأقامة مستجاب فادعوا" (٤) .
٦، ٧، ٨- عند نزول المطر، وعند التقاء الجيوش، وعند إقامة الصلاة:
قال رسول الله ﷺ : "ثنتان ما تردان: الدعاء عند النداء وتحت المطر" (٥) .
وقال رسول الله ﷺ : "اطلبوا استجابة الدعاء عند التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث" (٦) .
٩- آخر ساعة من نهار الجمعة:
قال رسول الله ﷺ : "يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة، منها ساعة لا يوجد عبد مسلم يسأل الله فيها شيئاً إلا آتاه الله إياه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر" (٧) .
١٠- دعاء الأخ لأخيه بظهر الغيب:
стр. 261
قال رسول الله ﷺ : "دعاء الأخ لأخيه بظهر الغيب لايرد" (١) .
١١- دعوة المسافر.
١٢- دعوة المظلوم.
١٣- دعوة الوالد لولده.
١٤- دعوة الصائم.
قال رسول الله ﷺ : "ثلاث دعوات مستجابات: دعوة الصائم، ودعوة المظلوم، ودعوة المسافر"، وقال رسول الله ﷺ : "ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد لولده، ودعوة الصائم ودعوة المسافر".
١٥- عدم العجلة:
قال رسول الله ﷺ : "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: قد دعوت فلم يُستجب لي" (٢) .
١٦- دعاء رمضان: فهو وقت صيام، وزمان شريف.
وهناك علاقة وطيدة بين فتح أبواب السماء وأبواب الرحمة وإجابة الدعاء كما يظهر من الأحاديث، وهي حاصلة في رمضان.
(الثالث) أن يدعو مستقبل القبلة ويرفع يديه قبل أن تغل بالأغلال.
(الرابع) خفض الصوت بين المخافتة والجهر، قال تعالى: (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها) قالت عائشة: أي بدعائك.
وقال ﷺ : "يا أيها الناس إن الذي تدعون ليس بأصم ولا غائب" متفق عليه.
(الخامس) أن لا يتكلف السجع في الدعاء.
ادع بلسان الذلة والافتقار لا بلسان الفصاحة والانطلاق.
стр. 262
(السادس) التضرع والخشوع والرغبة والرهبة:
قال تعالى: (ادعوا ربكم تضرعاً وخفية) .
وقال تعالى: (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً) الآية.
(السابع) أن يجزم بالدعاء ويوقن بالإجابة ويصدق رجاءه فيه.
قال ﷺ : "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه" (١) .
وقال ﷺ : "إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت، وليعزم المسألة، وليعظم الرغبة، فإن الله لا يعظم عليه شيء أعطاه" (٢) .
وقال ﷺ : "لا يقل أحدكم إذا دعا اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت فليعزم المسألة فإنه لا مكره له" (٣) .
قال سفيان بن عيينة: لا يمنعن أحدكم من الدعاء ما يعلم من نفسه فإن الله أجاب دعاء شر الخلق إبليس لعنه الله (قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون * قال فإنك من المنظرين) [الحجر: ٣٦-٣٧] .
(الثامن) أن يلح في الدعاء ويعظم المسألة ويكرر الدعاء ثلاثاً:
قال ابن مسعود: "كان ﵇ إذا دعا دعا ثلاثاً وإذا سأل سأل ثلاثاً" (٤) .
وقال ﷺ : "إذا تمنى أحدكم فليكثر، فإنما يسأل ربه" (٥) .
стр. 263
وقال ﷺ : "إذا سأل أحدكم فليكثر فإنما يسأل ربه" (١) .
قال المناوي: "إذا تمنى أحدكم خيراً من خير الدارين فليكثر الأماني فإنما يسأل ربه الذي رباه وأنعم عليه وأحسن إليه، فيعظم الرغبة ويوسع المسألة، ويسأله الكثير والقليل حتى شسع النعل فإنه إن لم ييسره لا يتيسر، فينبغي للسائل إكثار المسألة ولا يختصر ولا يقتصر فإن خزائن الجود سحاء الليل والنهار ولا يفنيها عطاء وإن جل وعظم فعطاؤه بين الكاف والنون، وليس ذا بمناقض لقوله سبحانه: (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض) فإن ذلك نهى عن تمنى ما لأخيه بغياً وحسداً، وهذا تمنى على الله سبحانه خيراً في دينه ودنياه وطلب من خزائنه فهو نظير (واسألوا الله من فضله) .
(التاسع) أن يفتتح الدعاء بذكر الله والثناء عليه وأن يختمه بالصلاة على رسول الله ﷺ .
قال رسول الله ﷺ : "كل دعاء محجوب حتى يصلي على النبي ﷺ " (٢) .
قال أبو سلمان الداراني ﵀: من أراد أن يسأل الله حاجة فليبدأ بالصلاة على النبي ﷺ ثم يسأله حاجته، ثم يختم بالصلاة على النبي ﷺ فإن الله يقبل الصلاتين وهو أكرم من أن يدع ما بينهما.
(العاشر) وهو الأدب الباطن وهو الأصل في الإجابة: "التوبة ورد المظالم والإقبال على الله بكنه الهمة، فذلك هو السبب القريب في الإجابة".
قال مالك بن دينار: "إنكم تستبطئون المطر وأنا استبطئ الحجارة" أي نزول الحجارة.
قال عطاء السلمي: منعنا الغيث فخرجنا نستسقي فإذا نحن بسعدون المجنون في المقابر فنظر إليّ فقال: يا عطاء أهذا يوم النشور أو بعثر ما في القبور؟ فقلت: لا
стр. 264
ولكنا منعنا الغيث فخرجنا نستسقي فقال: يا عطاء بقلوب أرضية أم بقلوب سماوية؟ فقلت: بل بقلوب سماوية. فقال: هيهات يا عطاء، قل للمتبهرجين لا تتبهرجوا فإن الناقد بصير. ثم رمق السماء بطرفه وقال: إلهي وسيدي ومولاي لا تهلك بلادك بذنوب عبادك ولكن بالسر المكنون من أسمائك وما وارت الحجب من آلائك إلا ما سقيتنا ماءً غدقاً فراتاً تحيي به العباد وتروي به البلاد يا من هو على كل شيء قدير، قال عطاء فما استتم الكلام حتى ارعدت السماء وأبرقت وجادت بمطر كأفواه القرب فولى وهو يقول:
أفلح الزاهدون والعابدونا ... إذ لمولاهم أجاعوا البطونا
أسهروا الأعين العليلة حبا ... فانقضى ليلهم وهم ساهرونا
شغلتهم عبادة الله حتى ... حسب الناس أن فيهم جنونا
قال ابن المبارك: "قدمت المدينة في عام شديد القحط فخرج الناس يستسقون فخرجت معهم إذ أقبل غلام أسود عليه قطعتا خيش قد أتزر بإحداهما وألقى الأخرى على عاتقه، فجلس إلى جنبي فسمعته يقول: إلهي أخلقت الوجوه عندك كثرة الذنوب ومساويء الأعمال وقد حبست عنا غيث السماء لتؤدب عبادك بذلك، فأسألك يا حليما ذا أناة يا من لا يعرف عباده منه إلا الجميل أن تسقيهم الساعة الساعة، فلم يزل يقول: الساعة الساعة حتى اكتست السماء بالغمام وأقبل المطر من كل جانب، قال ابن المبارك: فجئت إلى الفضيل، فقال لي: ما لي أراك كئيبا؟ فقال: أمر سبقنا إليه غيرنا فتولاه دوننا وقصصت عليه القصة فخر الفضيل مغشياً عليه" (١) فهذا شهر الدعاء فرطب لسانك بدعاء النبي ﷺ .
"اللهم اجعل أوسع رزقك عليّ عند كبر سني، وانقطاع أمري" (٢) .
"اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي لساني نوراً، وفي بصري نوراً، وفي سمعي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن يساري نوراً، ومن فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، ومن
стр. 265
أمامي نوراً، ومن خلفي نوراً، واجعل لي في نفسي نوراً، وأعظم لي نوراً" (١) .
"اللهم احفظني بالإسلام قائماً، واحفظني بالإسلام قاعداً، واحفظني بالإسلام راقداً، ولا تشمت لي عدواً حاسداً، اللهم إني أسألك من كل خير خزائنه بيدك، وأعوذ بك من كل شر خزائنه بيدك" (٢) ، "اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً وأحشرني في زمرة المساكين" (٣) ، "اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر" (٤) .
"اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي خطئي وعمدي، وهزلي وجدي وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت المقدم وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير" (٥) .
"اللهم اغفر لي ذنوبي وخطاياي كلها، اللهم أنعشني واجبرني، واهدني لصالح الأعمال والأخلاق، فإنه لا يهدي لصالحها ولا يصرف سيئها إلا أنت" (٦) .
"اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما يهون علينا مصيبات الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوراث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا" (٧) .
стр. 266
"اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم. اللهم إني أسألك من خير ما سألك به عبدك ونبيك، وأعوذ بك من شر ما عاذ به عبدك ونبيك، اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، وأسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيراً" (١) .
"اللهم إني أسألك من فضلك ورحمتك، فإنه لا يملكها إلا أنت" (٢) .
"اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل والهرم، والقسوة والغفلة والغيلة، والذلة والمسكنة، وأعوذ بك من الفقر والكفر، والفسوق والشقاق والنفاق، والسمعة والرياء، وأعوذ بك من الصمم والبكم والجنون والجذام والبرص وسيء الأسقام" (٣) .
"اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها" (٤) .
"اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وعمل لا يرفع، ودعاء لا يسمع" (٥) .
"اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن دعاء لا يسمع، ومن نفس لا تشبع، ومن علم لا ينفع، أعوذ بك من هؤلاء الأربع" (٦) .
"اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء" (٧) .
стр. 267
"اللهم إني أعوذ بك من يوم السوء، ومن ليلة السوء، ومن ساعة السوء، ومن صاحب السوء، ومن جار السوء في دار المقامة" (١) .
"اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ومحمد ﷺ نعوذ بك من النار" (٢) .
"اللهم رب جبريل وميكائيل ورب إسرافيل أعوذ بك من حر النار ومن عذاب القبر" (٣) .
"اللهم حبب إلينا لقاءك، وسهل علينا قضاءك، وأقلل لنا من الدنيا".
"اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي. اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الإخلاص في الرضا والغضب، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيماً لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بالقضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضرّاء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين" (٤) .
"اللهم يا ولي الإسلام وأهله مسكني بالإسلام حتى ألقاك عليه" (٥) .
* * *
стр. 268
رمضان شهر مضاعفة الأجر
اعلم يا أخي أن مضاعفة الأجر للأعمال تكون بأسباب:
* منها شرف المكان المعمول فيه ذلك العمل كالحرم: ولذلك تضاعف الصلاة في مسجدي مكة والمدينة كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام".
* ومنها شرف العامل عند الله وقربه منه وكثرة تقواه: كما يضاعف أجر هذه الأمة على أجور من قبلهم من الأمم وأعطوا كفلين من الأجر.
* ومنها شرف الزمان كشهر رمضان وعشر ذي الحجة.
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: "عمرة في رمضان تعدل حجة" (١) .
وقال ﷺ : "عمرة في رمضان كحجة معي" (٢) ، وعند مسلم "عمرة في رمضان تقضي حجة أو حجة معي".
قال المناوي (٤/٣٦١) : "أي تقابلها وتماثلها في الثواب لأن الثواب يفضل بفضيلة الوقت، ولا تقوم مقامها في إسقاط الفرض بالإجماع".
قال ابن العربي: هذا صحيح مليح وفضل من الله ونعمة نزلت العمرة منزلة الحج بانضمام رمضان إليها.
وفيه أنه يسن إكثار العمرة في رمضان وعليه الشافعية.
قال ابن رجب: "ذكر أبو بكر بن أبي مريم عن أشياخه أنهم كانوا يقولون: إذا حضر شهر رمضان فانبسطوا فيه بالنفقة، فإن النفقة فيه مضاعفة كالنفقة في سبيل الله، وتسبيحة فيه أفضل من ألف تسبيحة في غيره".
قال النخعي: "صوم يوم من رمضان أفضل من ألف يوم، وتسبيحة فيه أفضل من
стр. 269
ألف تسبيحة، وركعة فيه أفضل من ألف ركعة، فلما كان الصيام في نفسه مضاعفاً أجره بالنسبة إلى سائر الأعمال كان صيام شهر رمضان مضاعفاً على سائر الصيام لشرف زمانه، وكونه هو الصوم الذي فرضه الله على عباده، وجعل صيامه أحد أركان الإسلام التي بني الإسلام عليها" (١) .
فهلمّ إلى فعل الخير أما ترى دعاء الملك في رمضان إلى الخيرات والتقصير من السيئات "يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر".
* * *
стр. 270
رمضان شهر تصفيد الشياطين
روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين".
* وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا جاء رمضان، فتحت أبواب الجنة، وغُلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين" (١) .
وعند مسلم: "فتحت أبواب الرحمة، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين".
* وعند الترمذي وابن ماجه وابن خزيمة والبيهقي عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب".
ولفظ ابن خزيمة "صفدت الشياطين مردة الجن" بغير واو.
* وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أتاكم شهر رمضان، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين" (٢) .
قال ابن خزيمة في صحيحه (٣/١٨٧-١٨٨) : " لفظ عام مراده خاص في تصفيد الشياطين إنما أراد بقوله "صفدت الشياطين" مردة الجن منهم، لا جميع الشياطين، إذ اسم الشياطين قد يقع على بعضهم".
وقال ابن حبان في "الإحسان" (٨/٢٢١) : "إنما يصفد الشياطين في شهر رمضان مردتهم دون غيرهم".
* والتصفيد على ظاهره ولا حاجة للتأويل وصرف اللفظ عن ظاهره، نؤمن بهذا.
* قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٤/١٣٦-١٣٧) : "قال الحليمي: يحتمل أن يكون المراد من الشياطين مسترقوا السمع فزيدوا التسلسل مبالغة في الحفظ، ويحتمل
стр. 271
أن يكون أن المراد لا يخلصون من افتتان المسلمين إلى ما يخلصون إليه في غيره لاشتغالهم بالصيام الذي فيه قمع للشهوات، وبقراءة القرآن والذكر.
وقال غيره: المراد بالشياطين بعضهم وهم المردة منهم، وترجم لذلك ابن خزيمة في صحيحه.
قال عياض: يحتمل أنه على ظاهره وحقيقته وأن ذلك كله علامة للملائكة لدخول الشهر وتعظيم حرمته ولمنع الشياطين من أذى المؤمنين، ويحتمل أن يكون إشارة إلى كثرة الثواب والعفو وأن الشياطين يقل إغواؤهم فيصيرون كالمصفدين.
وقال الزين بن المنير: والأول أَوْجَه، ولا ضرورة تدعو إلى صرف اللفظ عن ظاهره.
وقال الطيبي: فائدة فتح أبواب السماء توقيف الملائكة على استحماد فعل الصائمين وأنه من الله بمنزلة عظيمة، وفيه إذا علم المكلف ذلك بإخبار الصادق ما يزيد في نشاطه ويتلقاه بأريحية.
وقال القرطبي بعد أن رجّح على ظاهره: فإن قيل كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيراً فلو صفدت الشياطين لم يقع ذلك؟ فالجواب أنها إنما تقل عن الصائمين بالصوم الذي حوفظ على شروطه وروعيت آدابه، أو المصفد بعض الشياطين وهم المردة لا كلهم كما تقدم في بعض الروايات.
أو المقصود تقليل الشرور فيه وهذا أمر محسوس فإن وقوع ذلك فيه أقل من غيره، إذ يلزم من تصفيد جميعهم أن لا يقع فيه شر ولا معصية لأن لذلك أسباباً غير الشياطين كالنفوس الخبيثة والعادات القبيحة والشياطين الإنسية.
وقال غيره في تصفيد الشياطين في رمضان إشارة إلى رفع عذر المكلف كأنه يقال له: قد كُفّت الشياطين عنك، فلا تعتل بهم في ترك الطاعة ولا فعل المعصية".
"قال ابن عقيل: الشياطين عصاة الجن، وقال أبو يعلي الحنبلي: الشياطين مردة الجن وأشرارهم، ذكره السفاريني في "اللوامع" (٢٢٠) .
وقال ابن كثير في "البداية والنهاية" (١/٥٧) : "وأما كافرو الجن فمنهم الشياطين ومقدمهم الأكبر: إبليس عدو آدم".
стр. 272
أساليب الشيطان في إضلال الإنسان:
(١) تزيين الباطل: كما قال اللعين لرب العزة (رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين) .
يقول ابن القيم: "ومن مكايده أنه يسحر العقل دائماً حتى يكيده ولا يسلم من سحره إلا من شاء الله، فيزين له الفعل الذي يضره حتى يخيل إليه أنه أنفع الأشياء، فلا إله إلا الله كم فتن بهذا السحر من إنسان، وكم حال بينه وبين القلب وبين الإسلام والإيمان والإحسان، وكم جلا الباطل وأبرزه في صورة مستحسنة، وشنّع الحق وأخرجه في صورة مستهجنة، كم بهرج من الزيوف على الناقدين، وكم روّج من الزغل على العارفين".
- وتسمية الأمور المحرمة بأسماء محببة كما سمى الشجرة المحرمة بشجرة الخلد كي يزين لآدم الأكل منها. وكما يسمون الرقص والغناء والتمثيل والتماثيل فناً.
(٢) الإفراط والتفريط:
يقول ابن القيم "وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما تقصير وتفريط، وإما إفراط وغلو.
(٣) تثبيطه العباد عن العمل ورميهم بالتسويف والكسل:
سئل الرسول ﷺ عن رجل نام ليلة حتى أصبح فقال: "ذاك رجل بال الشيطان في أذنية".
فمن قام بالليل وتوضأ وصلى انحلت عقد الشيطان كلها عن قافية رأسه فأصبح نشيطاً طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان، كان أحد الصالحين يقول: "أنذرتكم سوف فإنها أكبر جنود إبليس".
(٤) الوعد والأمنية: يعد الناس بالمواعيد الكاذبة ويعللهم بالأماني المعسولة كي يوقعهم في وهدة الضلال (يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا) [النساء: ١٢٠] .
(٥) إظهار النصح للإنسان: قال تعالى: (وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين) .
стр. 273
(٦) التدرج في الإضلال.
(٧) إنساؤه العبد ما فيه خيره وصلاحه.
قال تعالى: (وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين) [يوسف: ٤٢] .
وإذا تمكن الشيطان من الإنسان تمكناً كلياً فإنه ينسيه الله بالكلية (استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله) [المجادلة: ١٩] .
(٨) تخويف المؤمنين أولياءه: أي يخوفهم بأوليائه. ويعظمهم في صدورهم.
(٩) دخوله إلى النفس من الباب الذي تهواه: ومن هنا دخل الشيطان على آدم وحواء "فشام عدو الله الأبوين فأحس منهما إيناساً وركوناً إلى الخلد في تلك الدار في النعيم المقيم فعلم أنه لا يدخل عليهما من غير هذا الباب".
(١٠) إلقاء الشبهات.
(١١-١٤) الخمر والميسر والأنصاب والأزلام:
(إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) [المائدة: ٩٠] .
(١٥) السحر.
(١٦) ضعف الإنسان ومرض قلبه.
(١٧) النساء.
(١٨) حب الدنيا.
(١٩) الغناء والموسيقى.
(٢٠) تهاون المسلمين فيما أمروا به.
حرز الإنسان من الشيطان في رمضان وغيره:
ذكر ابن القيم في بدائع الفوائد قاعدة نافعة فيما يعتصم به العبد من الشيطان ويستدفع به شره ويحترز منه.
стр. 274
وذلك عشرة أسباب نذكرها باختصار:
الأول: الاستعاذه بالله من الشيطان قال تعالى: (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله) ، وقال تعالى: (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون) .
الحرز الثاني: المعوذتان: قال ﷺ : "أفضل ما تعوذ به المتعوذون وكان يتعوذ بهما في كل ليلة عند نومه" رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة. وأمر عقبة أن يقرأ بهما دبر كل صلاة.
الحرز الثالث: قراءة آية الكرسي عند النوم.
قال ابن تيمية: من أعظم ما ينتصر به عليهم آية الكرسي.
الحرز الرابع: قراءة سورة البقرة.
قال ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة" (١) .
الحرز الخامس: خاتمة سورة البقرة:
قال ﷺ : "من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه"
الحرز السادس: آية الكرسي صباحاً فيحفظ حتى يمسي، ومساء فيحفظ حتى يصبح وقد صححه الألباني والأرناؤوط.
الحرز السابع: قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له. له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة.
ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له. له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر من ذلك"
стр. 275
قال ابن القيم: فهذا حرز عظيم النفع جليل الفائدة يسير سهل على من يسّره الله عليه.
وفي حديث يحيى بن زكريا: "وآمركم أن تذكروا الله فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعاً حتى أتى على حصن حصين، فاحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله".
الحرز الثامن: الوضوء والصلاة.
الحرز التاسع: "إمساك فضول النظر والكلام والطعام ومخالطة الناس. فإن الشيطان إنما يتسلط على ابن آدم وينال منه غرضه من هذه الأبواب الأربعة".
الحرز العاشر: الأذان: فالشيطان يهرب من الأذان.
وفي الصحيح: "إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة أحال (١) له ضراط حتى لا يسمع صوته، فإذا سكت رجع فوسوس، فإذا سمع الإقامة ذهب حتى لا يسمع صوته، فإذا سكت رجع فوسوس" رواه مسلم.
الحرز الحادي عشر: أن يختم بذكر حتى ينام ويفتح به: عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أوى الإنسان إلى فراشه ابتدره ملك وشيطان فيقول الملك اختم بخير، ويقول الشيطان اختم بشر، فإذا ذكر الله تعالى حتى يغلبه -يعني النوم- طرد الملك الشيطان وبات يكلأه (٢) ، فإذا استيقظ ابتدره ملك وشيطان، فيقول الملك: افتح بخير، ويقول الشيطان: افتح بشر، فإن قال: الحمد الذي أحيا نفسي بعد موتها، ولم يمتها في منامها، الحمد لله الذي يمسك التي قضى عليها الموت، ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى، الحمد لله الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده، الحمد لله الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، طرد الملك الشيطان وظل يكلأه" (٣) .
ولكن عند أبي يعلي هكذا "أن تقع على الأرض إلا بإذنه، فإن وقع من سريره فمات دخل الجنة".
стр. 276
الحرز الثاني عشر: ومنها قوله ﷺ : "أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض وبرأ، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتنة الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقاً بخير يا رحمن" (١) .
الحرز الثالث عشر: "بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم من قالها ثلاثاً حين يصبح لم يضره شيء حتى يمسي، ومن قالها ثلاثاً حين يمسي لم يضره شيء حتى يصبح" (٢) .
الحرز الرابع عشر: "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ثلاثاً" (٣) .
الحرز الخامس عشر: إذا خرج من بيته "بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله" (٤) .
شياطين الإنس:
وكذلك من يتمرد من الإنس ويتمخض للشر والغواية (وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون) .
شرهم خالص وخسرانهم خالص.
جبلات منكوسة موكوسة مطموسة تواصوا بالإفساد وأخذوا يحولون المجتمع إلى فتات غارق في وحل الجنس والفاحشة والخمور ديدنهم محاربة المساجد بالمراقص والزوجات بالمومسات.
стр. 277
يصدق فيهم قول القائل:
وكنت امرءً من جند إبليس فارتقى ... بي الدهر حتى صار إبليس من جندي
فلو مات قبلي كنت أحسن بعده ... طرائق فسق ليس يحسنها بعدي
يقول رسول الله ﷺ : "إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلتُ كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئاً، ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله فيدنيه منه، ويقول: نعم أنت! نعم أنت" (١) .
فكيف بمن فرّق يين الأمة وكتابها وسنة نبيها بالشبهات المضللة للطعن في الكتاب والسنة، من شياطين حرية الفكر والإباحية، كيف بمن يمكر بالأمة ليلاً ونهاراً بالدعوة للإباحية وشهوات الجسد المسعورة لفتنة رجال الأمة شباباً وكهولاً (ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا) [مريم: ٨٣] .
كيف بمن يبث تلفازهم السموم من أفلامه حتى إفطار الناس خاصة وقبل تراويحهم، ومسلسلاتهم النكدة التي تطعن في الثوابت من دين الأمة، بكل خضراء الدمن ممثلة زنديقة شوهاء؟
حديثها كذب محض حقيقته ... مأخوذة من أباطيل الغرانيق
تباع في كل سوق للضلال فلا ... تسألْ عن التاجرالكذاب والسوق
وعن سماسرة باعوا ضمائرهم ... وذوبوا العقل في نار الأباريق
تبدي خصالاً من الإيمان كاذبة ... وفي مشاعرها إحساس زنديق (٢)
وكل كذب إلى نهاية ولا يبقى إلا الحق يا شوهاء يا من تسَخَّر لإباحتيك الطائرات.. ويا من جسّدت العهر والزندقة في تمثيلك في رمضان:
لا الليلة الحمراء باقية ... لا الكأس لا العشاق لا الخمر
كم نجمة بالأمس قد سقطت ... واليوم لا حس ولا خبرُ
стр. 278
أنت الضحية أنت بينهم ... وعليك ثم عليهم الوزرُ
لا تسخري بالتائبات ففي ... هذا الإيابِ العز والفخر
مست شغاف قلوبهم سور ... فتفجر الإيمان والعطرُ
ويح الذين قست قلوبهم ... وأمامهم يتشقق الصخر
ويح الذين تَصُخُّ سمعهم ... آيات ربي ثم لم يدروا
يا نجمة الأضواء إن غدا ... آت ويُسدل بعدها السرّ
والمعجبون سيرحلون غدا ... وسيرحل التطبيل والزمر
وستطفأ الأنوار في عجل ... فالزيت في قنديلكم نزر
وستزفين العمر من ندم ... لو كان ينفع عندها الزّفر
وستشربين الكأس مترعة ... مُر شراب كئوسكم مر
وسيضرب النسيان بينكم ... سدا، فلا يبقى لكم ذكر
الآن مطوي كتابكمُ ... ولكل مطوي غدا نشرُ (١)
يا شباب المسلمين: إن كان من شياطين الإنس من يقول له إبليس: أنت أنت فهل منكم من أحد يقول له رسول الله ﷺ : أنت! أنت! كما قال رسول الله ﷺ لعمر: "إن الشيطان ليفرق منك يا عمر" (٢) .
وقال ﷺ : "إني لأنظر شياطين الجن والإنس فروا من عمر" (٣) .
فمن منكم يا إخوتاه تفر منه شياطين الإنس.
من منكم يا إخوتاه من يقهر شيطانه وشياطين الإنس كما جاء في الحديث:
(إن المؤمن لينصي شيطانه كما ينصي أحدكم بعيره في السفر" (٤) .
стр. 279
فاكشفوا مخططات الشياطين وافضحوا زورهم وبهتانهم واستقيموا على درب الله
تجدوا المدد والعون من الله (إِن عبادي ليس لك عليهم سلطان)
* * *
стр. 280
رمضان غنم للمؤمن ونقمة للفاجر
عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : "بمحلوف رسول الله ﷺ ما أتى على المسلمين شهر خير لهم من رمضان، ولا أتى على المنافقين شهر شر لهم من رمضان وذلك لما يعد المؤمنون فيه من القوة للعبادة، وما يعد فيه المنافقون من غفلات الناس وعوراتهم وغَنْم للمؤمن يغتنمه الفاجر" (١) .
يقسم أبو هريرة ﵁ بما أقسم به النبي أنه ما أتى على المسلمين شهر خير لهم من رمضان.... والحديث يفسّر ذلك فقوله ﷺ "وذلك لما يعد المؤمنون فيه من القوة للعبادة" أي ما يقويهم عليها في رمضان كادخار القوت وما ينفقه على عياله فيه، وقد فسّره في طريق ثانية بقوله "وذلك أن المؤمن يعدّ فيه القوة للعبادة من النفقة أي لأن اشتغالهم بالعبادة فيه يمنعهم من تحصيل المعاش أو يقلل منه، فقيام الليل يستدعي النوم بالنهار، والاعتكاف يستدعي عدم الخروج من المسجد، وفي هذا تعطيل لأسباب المعاش، فهم يحصّلون القوت وما يلزم لأولادهم في رمضان قبل حلوله ليتفرغوا فيه للعبادة والإقبال على الله واجتناء ثمرة هذا الموسم، فهو خير لهم لما اكتسبوا فيه من الأجر العظيم والغفران العميم".
وقوله ﷺ : "وما يعد فيه المنافقون من ضلات الناس وعوراتهم" يعني أن المنافقين يستعدون في شهر رمضان للإيذاء بالمسلمين في دنياهم وتتبع عوراتهم أثناء غفلتهم عن الدنيا وانقطاعهم إلى الله ، فكأن ذلك غنيمة اغتنموها في نظرهم، ولكنها في الحقيقة شر لهم لو كانوا يعلمون ما أعده الله لهم في الآخرة من العذاب المقيم وحرمانهم من فضله العميم نعوذ بالله من ذلك.
وما أرق هذا الوصف في حق أهل الفن والإعلام الذين يغتنمون موسم الطاعة لصد الناس عن سبيل ربهم وفتنتهم عن طاعة الله .
стр. 281
قوله ﷺ : "وغنم للمؤمن"، أي وفوز للمؤمنين بالأجر والثواب الجزيل من غير مشقة كبيرة وذلك لما ينزله الله سبحانه على عباده من الرحمات ويفيضه عليهم من النفحات ويوسّع عليهم من الأرزاق والخيرات ويجنبهم فيه من الزلات حيث يفتح لهم أبواب الجنان ويغلق عنهم أبواب النيران ويصفد فيه مردة الجان فهو للأمة ربيعها وللعبادة موسمها وللخيرات سوقها فلا شهر أفضل للمؤمن منه، ولا عمل يفضل عما فيه، فهو بحق غنيمة للمؤمن.
"قوله ﷺ "يغتنمه الفاجر"، وفي رواية البيهقي "ونقمة للفاجر"، المعنى أن الله ينتقم منه ويذيقه العذاب الأليم بسوء فعله وإيذائه المؤمنين وتتبع عوراتهم فيكون نقمة له، وأما المسلم فرمضان غنيمة له بما اكتسبه من صيام أيامه وقيام لياليه والانقطاع إلى الله بالعبادة فيه" (١) .
يا هذا أنت القتيل بكل من أحببته ... فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي
إما أن يدعو عليك جبريل ويؤمن على دعائه خليل الله المصدوق على دعائه "يا محمد، من أدرك شهر رمضان فمات، فلم يغفر له، فأُدخل النار؛ فأبعده الله، قل آمين. فقلت: آمين" الحديث.
* من خاض البحر اللجاج ولم يطهر فماذا يطهره.
إذا الروض أمسى مجدبا في ربيعه ... ففي أي حين ينير ويُخْصب
وإما أن تكون ممن يصلى عليهم الله في هذا الشهر منْ السبَّاقين لقرع أبواب الجنان، والفوز بالحور الحسان، والنظر إلى وجه الرحمن، فنفسك نفسك.. ليس لك نفس غيرها.
* * *
стр. 282
رمضان شهر تربية المجتمع
"وذلك أن الصائم حين يرى الناس من حوله صياماً كلهم فإن الصوم يكون يسيراً عليه، ويحس بالتلاحم مع المجتمع الذي يربطه به جانب عبادي يلتقي عليه الجميع".
إن الذي يقارن بين صوم النافلة وصوم رمضان يجد أن في صوم النافلة شيئاً من الكلفة بينما يجد أن صوم رمضان المفروض يسير سهل لا كلفة فيه ولا مشقة للسبب الذي سلف ذكره، حيث أن الصائم في رمضان لا يرى حوله إلا صائمين مثله، فإن خرج إلى السوق وجد الناس فيه صياماً، وإن دخل البيت وجد أهله صياماً، وإنْ ذهب إلى دراسته أو عمله وجد الناس صياماً.. وهكذا فيشعر بمشاركة الجميع له في إمساكه فيكون ذلك عوناً له ومُنْسياً له ما قد يجده من المشقة ولذلك نجد المسلمين الذين يدركهم رمضان في بلاد كافرة دفعتهم الضرورة للذهاب إليها؛ إما لمرض أو لغيره نجدهم يعانون مشقة ظاهرة في صيام رمضان لأن المجتمع من حولهم مفطرون يأكلون ويشربون وهم مضطرون لمخالطتهم.
إذن فشعور الصائم بأن الناس من حوله يشاركونه عبادته يخفف عليه أمر الصوم ويعينه على تحمله بيسر وسهولة وهذا الأمر ملحوظ حتى في المجتمعات التي لم يبق فيها إلا بقايا قليلة للإسلام، فإنك تجد آثار رمضان ظاهرة على الجميع حتى الفساق في ذلك المجتمع الذي غلب عليه الفساد يظهر عليهم أثر هذا الشهر الكريم، وفي ذلك -بلا شك- تربية للمجتمع بجملته.
ومن هنا كانت عناية الإسلام بإصلاح المجتمعات عناية كبيرة، فالفساد بصفته حوادث فردية لا مناص من وقوعه في المجتمع وقد وقع شيء من تلك الحوادث الفردية في مجتمع الصحابة الأطهار، فكان هناك من سرق ومن شرب الخمر ومن زنى فهذا الأمر لابد من وقوعه، لكن الذي لا يصح أن يقع في المجتمع المسلم هو أن تعلن المنكرات ويجاهر بها فيتلوث المجتمع العام ويصبح من العسير على الفرد الذي يريد طريق الخير أن يهتدي لأن المجتمع يضغط عليه ويثنيه عن غايته.
стр. 283
ومن هذا المنطلق حرص أعداء الإسلام على إفساد المجتمعات الإسلامية، ولعلّ من أحدث وسائلهم في ذلك ما يسمى (البث المباشر) وهذه الوسيلة -مع ما يعترض طريقها من صعوبات- متوقعة الحدوث، ولا ريب أن فيها من الشرور والأخطار على المجتمع الإسلامي فكرياً وعقدياً وأخلاقياً وتقليدياً ما لا يخفى.
فالحاصل أن تربية المجتمع من مقاصد الإسلام، والصوم من وسائل ذلك، وأثره في ذلك المجال واضح ولعلّ من مظاهر ذلك -إضافة إلى ما سبق- أنك تجد صغار السن في المجتمع يصومون، وتجد أهل الفسق يستترون بالعصيان، وترى الكفار لا يستطيعون أن يعلنوا الأكل والشرب" (١) .
* * *
стр. 284
رمضان شهر ليلة القدر
وليلة القدر ليلة يفتح فيها الباب، ويقرب فيها الأحباب، ويسمع الخطاب ويرد الجواب ويُسنى للعاملين عظيم الأجر.
هي ليلة عتق ومباهاة، وخدم ومفاجأة، وقربة ومصافاة.
قال تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر * تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر * سلام هي حتى مطلع الفجر) [القدر كاملة] .
"الحديث في هذه السورة عن تلك الليلة الموعودة المشهودة التي سجلها الوجود كله في فرح وغبطة وابتهال. ليلة الاتصال المطلق بين الأرض والملأ الأعلى. ليلة بدء نزول هذا القرآن على قلب محمد ﷺ ليلة ذلك الحدث العظيم الذي لم تشهد الأرض مثله في عظمته، وفي دلالته، وفي آثاره في حياة البشرية جميعاً، العظمة التي لا يحيط بها الإدراك البشري.
* آيات تكاد ترف وتنير. بل هي تفيض بالنور الهادئ الساري الرائق الودود نور الله المشرق في القرآن (إنا أنزلناه في ليلة القدر) .
* ونور الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر.
* ونور الفجر الذي تعرضه النصوص متناسقاً مع نور الوحي ونور الملائكة، وروح السلام المرفرف على الوجود وعلى الأرواح السارية في هذا الوجود (سلام هي حتى مطلع الفجر) ، قد يكون معناه التقدير والتدبير. وقد يكون معناه القيمة والمقام. وكلاهما يتفق مع ذلك الحدث العظيم.. حدث القرآن والوحي والرسالة.. ليس أعظم منه ولا أقوم في أحداث هذا الوجود وليس أدل منه كذلك على التقدير والتدبير في حياة العبيد.
وهي خير من ألف شهر. والعدد لا يفيد التحديد. في مثل هذه المواضع من القرآن إنما يفيد التكثير. والليلة خير من آلاف الشهور في حياة البشر.
فكم من آلاف الشهور وآلاف السنين قد انقضت دون أن تترك في الحياة بعض ما تركته هذه الليلة المباركة السعيدة من آثار وتحولات.
стр. 285
* والليلة من العظمة بحيث تفوق حقيقتها حدود الإدراك البشري (وما أدراك ما ليلة القدر) .
هي ليلة عظيمة باختيار الله لها لبدء تنزيل هذا القرآن. وإفاضة هذا النور على الوجود كله. وإسباغ السلام من الله على الضمير البشري والحياة الإنسانية.
وحين ننظر اليوم من وراء الأجيال المتطاولة إلى تلك الليلة المجيدة السعيدة، ونتصور ذلك المهرجان العجيب الذي شهدته الأرض في هذه الليلة، ونتدبر حقيقة الأمر الذي تم فيها، ونتملى آثاره المتطاولة في مراحل الزمان وفي واقع الأرض، وفىِ تصورات القلوب والعقول.. فإننا نرى أمراً عظيماً حقاً، وندرك طرفاً من مغزى هذه الإشارة القرآنية إلى تلك الآية: (وما أدراك ما ليلة القدر) .
لقد فرق فيها من كل أمر حكيم، وقد وضعت فيها قيم وأسس وموازين، وقد قررت فيها من أقدار أكبر من أقدار الأفراد أقدار أمم ودول وشعوب، بل أكثر وأعظم.. أقدار حقائق وأوضاع وقلوب!
ولقد تغفل البشرية -لجهالتها ونكد طالعها- عن قدر ليلة القدر.
وعن حقيقة ذلك الحدث، وخسرت السعادة والسلام الحقيقي -سلام الضمير، وسلام البيت وسلام المجتمع- الذي وهبها إياه الإسلام. ولم يعوضها عما فقدت ما فتح عليها من أبواب كل شيء من المادة والحضارة والعمارة، فهي شقية، شقية على الرغم من فيض الإنتاج وتوافر وسائل المعاش!
لقد انطفأ النور الجميل الذي أشرق في روحها مرة، وانطمست الفرحة الوضيئة التي رفت بها وانطلقت إلى الملأ الأعلى، وغاب السلام الذي فاض على الأرواح والقلوب، فلم يعوضها شيء عن فرحة الروح ونور السماء وطلاقة الرفرفة إلى عليين" (١) .
وليلة قَدْر أشرقت في تطلعي ... إلى الله، أدعو أستمد الرضا الأعلى