← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22886

نداء الريان في فقه الصوم وفضل رمضان

سيد حسين العفاني

Полный текст (1 282 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

قوله ﷺ : "وغنم للمؤمن"، أي وفوز للمؤمنين بالأجر والثواب الجزيل من غير مشقة كبيرة وذلك لما ينزله الله سبحانه على عباده من الرحمات ويفيضه عليهم من النفحات ويوسّع عليهم من الأرزاق والخيرات ويجنبهم فيه من الزلات حيث يفتح لهم أبواب الجنان ويغلق عنهم أبواب النيران ويصفد فيه مردة الجان فهو للأمة ربيعها وللعبادة موسمها وللخيرات سوقها فلا شهر أفضل للمؤمن منه، ولا عمل يفضل عما فيه، فهو بحق غنيمة للمؤمن. "قوله ﷺ "يغتنمه الفاجر"، وفي رواية البيهقي "ونقمة للفاجر"، المعنى أن الله ينتقم منه ويذيقه العذاب الأليم بسوء فعله وإيذائه المؤمنين وتتبع عوراتهم فيكون نقمة له، وأما المسلم فرمضان غنيمة له بما اكتسبه من صيام أيامه وقيام لياليه والانقطاع إلى الله بالعبادة فيه" (١) . يا هذا أنت القتيل بكل من أحببته ... فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي إما أن يدعو عليك جبريل ويؤمن على دعائه خليل الله المصدوق على دعائه "يا محمد، من أدرك شهر رمضان فمات، فلم يغفر له، فأُدخل النار؛ فأبعده الله، قل آمين. فقلت: آمين" الحديث. * من خاض البحر اللجاج ولم يطهر فماذا يطهره. إذا الروض أمسى مجدبا في ربيعه ... ففي أي حين ينير ويُخْصب وإما أن تكون ممن يصلى عليهم الله في هذا الشهر منْ السبَّاقين لقرع أبواب الجنان، والفوز بالحور الحسان، والنظر إلى وجه الرحمن، فنفسك نفسك.. ليس لك نفس غيرها. * * *

стр. 282

رمضان شهر تربية المجتمع "وذلك أن الصائم حين يرى الناس من حوله صياماً كلهم فإن الصوم يكون يسيراً عليه، ويحس بالتلاحم مع المجتمع الذي يربطه به جانب عبادي يلتقي عليه الجميع". إن الذي يقارن بين صوم النافلة وصوم رمضان يجد أن في صوم النافلة شيئاً من الكلفة بينما يجد أن صوم رمضان المفروض يسير سهل لا كلفة فيه ولا مشقة للسبب الذي سلف ذكره، حيث أن الصائم في رمضان لا يرى حوله إلا صائمين مثله، فإن خرج إلى السوق وجد الناس فيه صياماً، وإن دخل البيت وجد أهله صياماً، وإنْ ذهب إلى دراسته أو عمله وجد الناس صياماً.. وهكذا فيشعر بمشاركة الجميع له في إمساكه فيكون ذلك عوناً له ومُنْسياً له ما قد يجده من المشقة ولذلك نجد المسلمين الذين يدركهم رمضان في بلاد كافرة دفعتهم الضرورة للذهاب إليها؛ إما لمرض أو لغيره نجدهم يعانون مشقة ظاهرة في صيام رمضان لأن المجتمع من حولهم مفطرون يأكلون ويشربون وهم مضطرون لمخالطتهم. إذن فشعور الصائم بأن الناس من حوله يشاركونه عبادته يخفف عليه أمر الصوم ويعينه على تحمله بيسر وسهولة وهذا الأمر ملحوظ حتى في المجتمعات التي لم يبق فيها إلا بقايا قليلة للإسلام، فإنك تجد آثار رمضان ظاهرة على الجميع حتى الفساق في ذلك المجتمع الذي غلب عليه الفساد يظهر عليهم أثر هذا الشهر الكريم، وفي ذلك -بلا شك- تربية للمجتمع بجملته. ومن هنا كانت عناية الإسلام بإصلاح المجتمعات عناية كبيرة، فالفساد بصفته حوادث فردية لا مناص من وقوعه في المجتمع وقد وقع شيء من تلك الحوادث الفردية في مجتمع الصحابة الأطهار، فكان هناك من سرق ومن شرب الخمر ومن زنى فهذا الأمر لابد من وقوعه، لكن الذي لا يصح أن يقع في المجتمع المسلم هو أن تعلن المنكرات ويجاهر بها فيتلوث المجتمع العام ويصبح من العسير على الفرد الذي يريد طريق الخير أن يهتدي لأن المجتمع يضغط عليه ويثنيه عن غايته.

стр. 283

ومن هذا المنطلق حرص أعداء الإسلام على إفساد المجتمعات الإسلامية، ولعلّ من أحدث وسائلهم في ذلك ما يسمى (البث المباشر) وهذه الوسيلة -مع ما يعترض طريقها من صعوبات- متوقعة الحدوث، ولا ريب أن فيها من الشرور والأخطار على المجتمع الإسلامي فكرياً وعقدياً وأخلاقياً وتقليدياً ما لا يخفى. فالحاصل أن تربية المجتمع من مقاصد الإسلام، والصوم من وسائل ذلك، وأثره في ذلك المجال واضح ولعلّ من مظاهر ذلك -إضافة إلى ما سبق- أنك تجد صغار السن في المجتمع يصومون، وتجد أهل الفسق يستترون بالعصيان، وترى الكفار لا يستطيعون أن يعلنوا الأكل والشرب" (١) . * * *

стр. 284

رمضان شهر ليلة القدر وليلة القدر ليلة يفتح فيها الباب، ويقرب فيها الأحباب، ويسمع الخطاب ويرد الجواب ويُسنى للعاملين عظيم الأجر. هي ليلة عتق ومباهاة، وخدم ومفاجأة، وقربة ومصافاة. قال تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر * تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر * سلام هي حتى مطلع الفجر) [القدر كاملة] . "الحديث في هذه السورة عن تلك الليلة الموعودة المشهودة التي سجلها الوجود كله في فرح وغبطة وابتهال. ليلة الاتصال المطلق بين الأرض والملأ الأعلى. ليلة بدء نزول هذا القرآن على قلب محمد ﷺ ليلة ذلك الحدث العظيم الذي لم تشهد الأرض مثله في عظمته، وفي دلالته، وفي آثاره في حياة البشرية جميعاً، العظمة التي لا يحيط بها الإدراك البشري. * آيات تكاد ترف وتنير. بل هي تفيض بالنور الهادئ الساري الرائق الودود نور الله المشرق في القرآن (إنا أنزلناه في ليلة القدر) . * ونور الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر. * ونور الفجر الذي تعرضه النصوص متناسقاً مع نور الوحي ونور الملائكة، وروح السلام المرفرف على الوجود وعلى الأرواح السارية في هذا الوجود (سلام هي حتى مطلع الفجر) ، قد يكون معناه التقدير والتدبير. وقد يكون معناه القيمة والمقام. وكلاهما يتفق مع ذلك الحدث العظيم.. حدث القرآن والوحي والرسالة.. ليس أعظم منه ولا أقوم في أحداث هذا الوجود وليس أدل منه كذلك على التقدير والتدبير في حياة العبيد. وهي خير من ألف شهر. والعدد لا يفيد التحديد. في مثل هذه المواضع من القرآن إنما يفيد التكثير. والليلة خير من آلاف الشهور في حياة البشر. فكم من آلاف الشهور وآلاف السنين قد انقضت دون أن تترك في الحياة بعض ما تركته هذه الليلة المباركة السعيدة من آثار وتحولات.

стр. 285

* والليلة من العظمة بحيث تفوق حقيقتها حدود الإدراك البشري (وما أدراك ما ليلة القدر) . هي ليلة عظيمة باختيار الله لها لبدء تنزيل هذا القرآن. وإفاضة هذا النور على الوجود كله. وإسباغ السلام من الله على الضمير البشري والحياة الإنسانية. وحين ننظر اليوم من وراء الأجيال المتطاولة إلى تلك الليلة المجيدة السعيدة، ونتصور ذلك المهرجان العجيب الذي شهدته الأرض في هذه الليلة، ونتدبر حقيقة الأمر الذي تم فيها، ونتملى آثاره المتطاولة في مراحل الزمان وفي واقع الأرض، وفىِ تصورات القلوب والعقول.. فإننا نرى أمراً عظيماً حقاً، وندرك طرفاً من مغزى هذه الإشارة القرآنية إلى تلك الآية: (وما أدراك ما ليلة القدر) . لقد فرق فيها من كل أمر حكيم، وقد وضعت فيها قيم وأسس وموازين، وقد قررت فيها من أقدار أكبر من أقدار الأفراد أقدار أمم ودول وشعوب، بل أكثر وأعظم.. أقدار حقائق وأوضاع وقلوب! ولقد تغفل البشرية -لجهالتها ونكد طالعها- عن قدر ليلة القدر. وعن حقيقة ذلك الحدث، وخسرت السعادة والسلام الحقيقي -سلام الضمير، وسلام البيت وسلام المجتمع- الذي وهبها إياه الإسلام. ولم يعوضها عما فقدت ما فتح عليها من أبواب كل شيء من المادة والحضارة والعمارة، فهي شقية، شقية على الرغم من فيض الإنتاج وتوافر وسائل المعاش! لقد انطفأ النور الجميل الذي أشرق في روحها مرة، وانطمست الفرحة الوضيئة التي رفت بها وانطلقت إلى الملأ الأعلى، وغاب السلام الذي فاض على الأرواح والقلوب، فلم يعوضها شيء عن فرحة الروح ونور السماء وطلاقة الرفرفة إلى عليين" (١) . وليلة قَدْر أشرقت في تطلعي ... إلى الله، أدعو أستمد الرضا الأعلى

стр. 286

وأدنو بخفق القلب مِلْءَ ضراعتي ... بصمت، وبعض الصمت من كَلم أَجْلَى وأسأل رب الكونُ للكون رحمةً ... حناناً.. وإحساناً.. وعافية مُثلى أيا ليلة القدر السنية ليت لي ... شُعاعَ تَجَل منك يُسعفُ في الجلى ويسمو بهذا الحُبِّ حُرّاً لربِّه ... من الملأ الأدنى إلى الملأ الأعلى (١) قال الزهري: سميت ليلة القدر لعظمها وقدرها وشرفها، من قولهم لفلان قدر أي شرف ومنزلة. "ليلة القدر: قال مجاهد: ليلة الحكم. وقال سعيد بن جبير: يؤذن للحجاج في ليلة القدر فيكتبون بأسمائهم، وأسماء آبائهم، فلا يغادر منهم أحد ولا يزاد فيهم ولا ينقص منهم". قال رجل للحسن وأنا أسمع: رأيت ليلة القدر في كلّ رمضان هي؟ قال: نعم، والله الذي لا إله إلا هو إنها لفي كل رمضان، وإنها لليلة القدر "فيها يفرق كل أمر حكيم" فيها يقضي الله كل أجل وعمل ورزق إلى مثلها. عن ابن عمر: ليلة القدر في كل رمضان. (وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر) . قال ابن جرير: قال بعضهم معنى ذلك العمل في ليلة القدر بما يرضي الله، خير من العمل في غيرها ألف شهر. عن مجاهد قال: "عملها وصيامها وقيامها خير من ألف شهر".

стр. 287

وقال عمرو بن قيس الملائي: "عمل فيها خير من عمل ألف شهر". وقال آخرون: معنى ذلك أن ليلة القدر خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر. عن قتادة: خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر. وسرد أقوال أخرى، ثم قال ابن جرس: وأشبه الأقوال في ذلك بظاهر التنزيل قول من قال: عمل في ليلة القدر خير من عمل ألف شهر، ليس فيها ليلة القدر" (١) . قال أبو بكر الورّاق: سميت ليلة القدر لأنه نزل فيها كتاب ذو قدر على لسان ملك ذي قدر، على رسول ذي قدر، وعلى أمة ذات قدر. (تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر) . تنزل الملائكة وجبريل معهم في ليلة القدر من كل أمر قضاه الله في تلك السنة، من رزق وأجل. قال قتادة: يقضي فيها ما يكون في السنة إلى مثلها. (سلام هي حتى مطلع الفجر) . قال ابن جرير: سلام ليلة القدر من الشر كله من أولها إلى طلوع الفجر من ليلتها. قال قتادة: "هي خير كلها إلى مطلع الفجر" (٢) . عن أنس ﵁ قال: "دخل رمضان، فقال رسول الله ﷺ : إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حرمها فقد حرم الخير كله ولا يحرم خيرها إلا محروم" (٣) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم" (٤) .

стр. 288

هذه ليلة يربح فيها من فهم ودرى، ويصل إلى مراده كل من جَدّ وسرى، ويُفك فيها العاني وتطلق الأسْرى. أخي: يهون العمر كله إلا هذه الليلة. لقد كان رسولكم ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ويعتكف، إلتماساً لتلك الليلة، كان يواصل ابتغاء لتلك الليلة. فيا مَنْ ضاع عمره في لا شيء استدرك ما فات فى ليلة القدر فإنها تحسب بالعمر. شفيت بها قلباً أطيل غليله ... زمانا فكانت ليلة بليالي وإليك هدايا الملك تزف فى هذه الليلة. يقول الأميري في ليلة القدر: تألهَ قَلْبيَ لَماّ سجَدْتُ ... أهيمُ بِمحْراب خَيرِ الأنامْ وأرْسِلُ مِنْ شَفَتَيهِ الدعَاءَ ... وَجياً، وفي السَمْع سَجْعُ الحَمَامْ وفي أعْيني مِنْ سَنَا الله بَرقٌ ... يُحَس، ولكنهُ لا يُشَامْ لَهُ في خَلايايَ دَفْع وِرَفعٌ ... إلى شرفَاتِ حِمَىً لا يُرامْ أغيبُ، كَمَنْ نامَ في نشوَة ... ونَفسِي عُيُونُ هَوَىً لا تَنَامْ وأشعر أن كيانى تمدد ... حتى تخطى الدنى والحطام أقول سموت وفوق السمو ... أقول: ثملت وما من مدام أقول: آرْتَوَيْتُ أجَلْ، لاولا ... وكَيفَ آرْتَوَيْتُ وكُلّي أوامْ؟!! ألَا إنها نُعْمَيَاتُ التجَلي ... هُيَامُ سُجُود يَفُوقُ الهُيَامْ فَسُبحَانَكَ الله مِلءَ الوُجُودِ ... ومِلءَ السجُود ِومِلْءَ القِيَامْ ويرق شعر الأميري ويرق ويعذب في ليلة القدر: يا رُؤى الإشراق في الليلِ المنيرِ ... يا شذا الرضوانِ في الخلدِ النضيرِ هلْ لنَفْسي أَملٌ في نَفْحَة ... مِن فُيوضِ الله، إنْ لج مسيري هذه روحيَ حامَتْ وَلَهاً ... وتسامَتْ فِوقَ أجواءِ الأثيرِ واشرأبت والجوى يَحْفِزُها ... في التماس الأمَلِ الرحبِ الأثير تبتَغي مِن لَيلةِ القَدْرِ سَناً ... لَيتَها تنعَمُ مِنْهَا بعبِيرِ (١)

стр. 289

وإليك هدايا الملك الكريم الجواد تزف في هذه الليلة: * عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" (١) . قال كعب الأحبار: "نجد هذه الليلة حطوطاً تحط الذنوب" (٢) . لاستحياء ذكرى نزول القرآن في أرواحنا لتظل موصولة بها أبداً حث الرسول ﷺ على قيام هذه الليلة. والإسلام ليس شكليات ظاهرية، ومن ثَمَّ قال رسول الله ﷺ في القيام في هذه الليلة أن يكونا "إيماناً واحتساباً".. وذلك ليكون هذا القيام استحياء للمعاني الكبيرة التي اشتملت عليها هذه الليلة "إيماناً" وليكون تجرداً لله وخلوصاً "واحتساباً".. ومن ثَم تنبض في القلب حقيقة معينة بهذا القيام.. ترتبط بهذا المعنى الذي نزل به القرآن. والمنهج الإسلامي في التربية يربط بين العبادة وحقائق العقيدة في الضمير، ويجعل العبادة وسيلة لاستحياء هذه الحقائق وإيضاحها وتثبيتها في صورة حية تتخلل المشاعر ولا تقف عند حدود التفكير. وقد ثبت أن هذا المنهج وحده هو أصلح المناهج لإحياء هذه الحقائق ومنحها الحركة في عالم الضمير وعالم السلوك، وأن الإدراك النظري وحده لهذه الحقائق بدون مساندة العبادة، وعن غير طريقها، لا يقر هذه الحقائق، ولا يحركها حركة واقعة في حياة الفرد ولا في حياة الجماعة. وهذا الربط بين ذكرى ليلة القدر وبين القيام فيها إيماناً واحتساباً هو طرف من هذا المنهج الإسلامي الناجح القويم (٣) .

стр. 290

دعا رمضان الخير كل مرابط ... لديه.. فلبى المؤمنون على الإثرِ وطافت بهم ريحُ الجنان عليلةً ... تهب من الرحمن.. ذائعة النشر تنفس فيها الخلدُ حين تفتحت ... أزاهيره البيضاءُ في "ليلة القدر" فطوبى لمن يحظى بشم عبيرها ... فيسجد مغشياً عليه من البشْرِ ويضرع في حب ويبكي من الجوى ... ويكتم أشواقاً تأجَّجُ كالجمر ويُصغِى إلى صوت السماء كأنه ... صدى خفقات القلب ينبض في الصدر صيامُك مفتاح لكل فضيلة ... يزودك التقوى.. ويغريك بالطهر فقل مخلصاً.. آمنت بالله واستقم ... وأحسن له الأعمال في السر والجهر (١) ليلة مباركة تشرف فيها الأرض بالملائكة: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليلة القدر ليلة السابعة أو التاسعة وعشرين وإن الملائكة تلك الليلة أكثر في الأرض من عدد الحصى" (٢) . ما يدعى به في ليلة القدر: عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله: أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها، قال: قولي "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني" (٣) . ليلة القدر: قال ابن حجر: "وأرجحها كلها أنها في وتر من العشر الأخير، وأنها تنتقل. وأرجاها أوتار العشر، وأرجى أوتار العشر عند الجمهور ليلة سبع وعشرين" (٤) .

стр. 291

ويقول ابن تيمية ﵀: "ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان، وتكون في الوتر منها، لكن الوتر يكون باعتبار الماضي مْتطلب ليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، وليلة خمس وعشرين، وليلة سبع وعشرين، وليلة تسع وعشرين. ويكون باعتبار ما بقي كما قال النبي ﷺ : "التاسعة تبقى لخامسة تبقى لثالثة تبقى" فعلى هذا اذا كان الشهر ثلاثين يكون ذلك ليالي الإشفاع وتكون الاثنين وعشرين تاسعة تبقى، وليلة أربع وعشرين سابعة تبقى وهكذا. فسرّه أبو سعيد الخدري في الحديث الصحيح، وهكذا أقام النبي ﷺ في الشهر، وإن كان الشهر تسعاً وعشرين، كان التاريخ بالباقي كالتاريخ الماضي، وإذا كان الأمر هكذا فينبغي أن يتحراها المؤمن في العشر الأواخر جميعه كما قال ﷺ : "تحروها في العشر الأواخر"، وتكون في السبع الأواخر أكثر، وأكثر ما تكون ليلة سبع وعشرين، كما كان أبي بن كعب يحلف أنها ليلة سبع وعشرين" (١) . إلهي لو أنفقت عمري ساجداً ... أقدس، ما وفيت حمدك ياربي وفي ذروة الإحسان والفضل والجدا ... بذاك بأن أودعت حمدك في قلبي فظل وجيبي المستمر مقدساً ... عُلاك، ولو أني مقيم على ذنبي على أن ذنب المؤمن الحر ينتهي ... إلى التوب.. والرحمن يجزي على التوب (٢) ويرحم الأميري حين يصور صراع الروح والجسم في ليلة القدر: تضِج برأسي طُيوف العُلى ... ويتقِدُ النورُ في نَاظِرَي وَتهتَاجُ حِسّي طُيوبُ البَها ... وتُغْري الخِلاباتُ جسِميِ عليّ فألبث حَيرانَ حَيرانَ منْ ... تَهاتُر هذا وذيّاك فِيّ ويَظْهرُ بؤْسي، ويُهْدَرُ أنسي ... وَتُصْهَرُ نَفْسي، مِنْ حَيرَتَي فيا رَحمة وَسِعَتْ كلّ شيء ... إِليَّ.. إليَّ.. إليَّ.. إليَّ (٣)

стр. 292

كان شيخ الإسلام أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الحيري كثير ما يقول في مجلسه وفي غير المجلس: "عفوك يا عفو عفوك، في المحيا عفوك، وفي الممات عفوك، وفي القبور عفوك، وعند النشور عفوك، وعند تطاير الصحف عفوك، وعند ممر الصراط عفوك، وعند الميزان عفوك، وفي جميع الأحوال عفوك يا عفو عفوك". قال أبو عمرو بن أبي جعفر: ورؤي أبو عثمان في المنام بعد وفاته بأيام فقيل له: ماذا انتفعت من أعمالك في الدنيا؟ فقال: بقولي: عفوك عفوك (١) . * * *

стр. 293

الباب الثامن رمضان شهر الجهاد والفتوحات

стр. 294

شهر الجهاد والفتوحات رمضان شهر الجهاد وشهر التجارة الرابحة ذروة سنام الإسلام قال تعالى: (يآ أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم * وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين) [الصف: ١٠- ١٣] . من ذا الذي لا يشتاق أن يدله الله على هذه التجارة ... ألا يشرق القلب عند سماع هذه الآيات في فضل الجهاد. (يغفر لكم ذنوبكم..) وهذه وحدها تكفي فمن ذا الذي يضمن أن يغفر له ذنبه ثم يتطلع بعدها إلى شيء؟ أو يدخر في سبيلها شيئاً. ولكن فضل الله ليس له حدود ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن.. وإنها لأربح تجارة أن يجاهد المؤمن في حياته القصيرة ثم يعوض عنها تلك الجنات وهذه الساكن في نعيم مقيم. إن المؤمن الذي يدرك هذا ويعيش بقلبه هذا التصور ويطلع على آفاقه وآماده ثم ينظر إلى الحياة بغيرة في حدودها الضيقة الصغيرة وفي مستوياتها الهابطة الواطية وفي اهتماماتها الهذيلة الزهيدة هذا القلب لا يطيق أن يعيش لحظة بغير أن يحدث نفسه به ويكفي ما سكن في القلب من رضى وارتياح. (يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله) وهذا وضع كريم يرفعنا الله إليه وهل أرفع من مكان أن يكون العبد نصيراً للرب؟ إن هذه الصفة عمل من التكريم ما هو أكبر من الجنة والنعيم. وقال تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين) [آل عمران: ١٤٢] .

стр. 295

وقال تعالى: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين) [التوبة: ٢٤] . وقال تعالى: (انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) [التوبة: ٤١] . وقال تعالى: (وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير) [الحج: ٧٨] . انتدبكم لهذه الأمانة الضخمة واختاركم لها من بين عباده إنه لإكرام من الله لهذه الأمة ينبغي أن يقابل منها بالشكر وحسن الأداء. وقال تعالى: (لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلاً وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً * درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفوراً رحيماً) . عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله وما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض" (١) . إن الجهاد ليس ملابسة طارئة من ملابسات تلك الفترة وإنما هو ضرورة مصاحبة لركب هذه الدعوة وإلا لما قال رسول الله ﷺ تلك الكلمة الشاملة لكل مسلم إلى قيام الساعة "من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق"، ومن ثَم لابد منه في كل صورة ولابد أن يبدأ في عالم الضمير ثم يظهر فيشمل عالم الحقيقة والشهود لابد من بذل الأموال والأنفس. وتلك حياة رفيعة نظيفة كريمة حرة طليقة بدلا من الحياة الذليلة الضعيفة لذة التجرد لله وهذه لذة علوية لا تعدلها لذائذ في الأرض لذة الرجاء في رضوان الله ولذة الاستعلاء على

стр. 296

الضعف والهبوط والخلاص من ثقلة اللحم والدم والارتفاع إلى الأفق المشرق الوضيء. إن الجهاد في سبيل الله ليس مجرد اندفاعة إلى القتال إنما هو قمة تقوم على قاعدة من الإيمان المتمثل في مشاعر وشعائر وأخلاق وأعمال. (التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله) . وقال تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم) [التوبة: ١١١] . بيعة الله لا ييقى بعدها للمؤمن شيء في نفسه ولا في ماله يحتجزه دون الله سبحانه، باع المؤمن نفسه وماله مقابل الجنة وهو ثمن لا تعدله السلعة ولكن فضل الله ومَنَّه لم يعد لهم أن يستبقوا منها بقية لا ينفقونها في سبيله لم يعد لهم خيار في أن يبذلوا أو يمسكوا ... كلا ... إنها صفقة مشتراه لشاريها أن يتصرف بها وفق ما يفرض ووفق ما يحدد. ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل. ما الذي فات المؤمن الذي يسلم نفسه وماله ويستعيض الجنة؟ فالجنة الكسب كل الكسب. قال ﷺ : "عليكم بالجهاد في سبيل الله فإنه باب من أبواب الجنة يذهب الله به الهم والغم" (١) (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثقالتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل) [التوبة: ٣٨] . إنها ثقلة الأرض ومطامع الأرض وتصورات الأرض ثقلة الخوف على الحياة والخوف على المال والخوف على اللذائذ والمصالح والمتاع، ثقلة الدعة والراحة. ثقلة اللحم والدم والتراب والجسم المترف الثقيل وهم مع هذا يقدمون على مذابح الذل أضعاف ما تتطلبه منهم الكرامة لو قدموا لها الفداء.

стр. 297

وما من أمة تركت الجهاد إلا ضرب الله عليها الذل فدفعت مرغمة صاغرة لأعدائها أضعاف ما كان يتطلبه لها جهاد الأعداء. وواقع الأمة المسلمة الآن وهتك أعراضها وسلب أغلى مقدساتها وذبح أطفالها وهدم الثوابت من دينها، جزاء من جنس عملها، جزاء ما تركت من ذروة سنام دينها. والعيش بعيداً عن الجهاد عيش تافه رخيص مفزع وهكذا تخاف الأمة من ظلها وتفرق من صداها تؤدي ضريبة الذل كاملة تؤديها من نفسها ومن قدرها ومن سمعتها ومن اطمئنانها ومن دينها بعد أن باعها عملاء اليهود في كل واد. ما العجب: قد كبت المآذن غيلة ... واغتيل تحت قبابنا الترتيلُ وإذا عيون الشمس تطبق جفنها ... حول الصباح أينفع القنديل؟ مالعجب؟ قد باع الرجال سيوفهم ... وتعثرت بالهاربين خيول واستبدلوا طبلاً بصوت مكبر ... فإذا الجهاد ربابة وطبول تحت الكراسي في البلاد جماجم ... وعل الكراسي في البلاد مغول وإذا الزنادقة استقام لأمرهم ... حكم فغانية الكهوف بتول للجاهلية في البلاد عقيدة ... وبني قريضة محفل وقبيل زمر إذا مرت على بستاننا ... شاصت عروق النخل وهي حمول يدرون أن الوحل فوق جباهم ... ينمو وأن أمامهم ضِلِّيلُ (١) وتحول الصقر الإسلامي إلى طائر الحجل في وداعته وكما قال إقبال: "عَلَّموا الليث حجلة الظبي وأمحوا عنه قصة الأسد". الإسلام يا إخوتاه دين لا يتعارض مع الواقع ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها وهذا الأمر يحتاج إلى جهاد أمة بأسرها فقد تذهب الأيام بداهية وتأتي بداهية أفظع منه والحماس وحده لا يكفي وهذا قول الإمام المجاهد ابن تيمية من حنكته الأيام والتجارب يقول: "فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله من

стр. 298

الذين أوتوا الكتاب والمشركين وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية (فقاتلوا أئمة الكفر) الذين يطعنون في الدين وبآية (فقاتلوا الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) " (١) . وأمام الواقع البائس النكد الذي يواجه أمة سقطت إلى الوحل وضاع منها كل شيء يقول الشيخ سيد قطب: "فإذا كان المسلمون اليوم لا يملكون بواقعهم تحقيق هذه الأحكام فهم اللحظة ومؤقت غير مكلفين بتحقيقها ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها ولهم في الأحكام المرحلية سعة يتدرجون معها حتى ينتهوا إلى تنفيذ هذه الأحكام الأخيرة عندما يكونون في الحال التي يستطعون معها تنفيذها". ويبقى دائماً وأبداً في كل وقت جهاد الحجة قال تعالى: (وجاهدهم به جهاداً كبيراً) . قال ابن القيم: "ولا ريب أن الأمر بالجهاد المطلق إنما كان بعد الهجرة فأما جهاد الحجة فأمر به في مكة بقوله: (فلا تطع الكافرين وجاهدهم به..) أي بالقرآن (جهاداً كبيراً) فهذه السورة مكية والجهاد فيها هو التبليغ وجهاد الحجة" (٢) . وأمام الدعاة المجاهدين بالحجة ألوف من تلاميذ الاستشراق وصبيان العلمانية والدعاة إلى القومية والماسونية وأصحاب الدعوة إلى الإنسانية وإلى زمالة الأديان والدعوة إلى السلام العالمي البارد تلاميذ اليهود والصليبية العالمية الذين يدبجون الشبه ويجدون من علماء السوء من يطلق بضاعته المسمومة، فإن للقرآن من القوة والسلطان والتأثير العميق ما يهز القلوب ويزلزل الأرواح ولا يثبت لحجته مجادل أو ممحال. يصيبهم الزعر من صمود الدعاة أمامهم يقارعونه بحجج القرآن الناصعة وإن لم يكن هذا جهاد فأي شيء يكون؟! رمضان شهر الجهاد والفتوحات: امتنَّ الله على الأمة في هذا الشهر بأحلى انتصارتها وعلى مدار التاريخ الإسلامي كان هذا الشهر رمز للعطاء والبذل.

стр. 299

* ففي السنة الأولى من الهجرة وفي رمضان كوّن المسلمون أول سرية بقيادة حمزة بن عبد المطلب ثم سرية عبيدة بن الحارث وذلك لبث الرعب في قلوب الأعداء. غزوة بدر الكبرى (غزوة الفرقان) : * وفى السنة الثانية من الهجرة وفي السابع عشر من رمضان كانت غزوة بدر الكبرى: وبيئر بدر إذ يكفّ مطيهم ... جبريل تحت لوائنا ومحمد مضت في التاريخ كله قصة عقيدة. قصة نصر حاسم وفرقان بين الحق والباطل قصة انتصار الحق على أعدائه المدجّجين بالسلاح المزودين بكل زاد، قصة انتصار القلوب حين تتصل بالله الثابتة المستعلية بيقينها في حقيقة القوى وصحة موازينها لقد انتصرت على نفسها فقلبت بيقينها ميزان الظاهر. تمضي غزوة بدر مثلاً في التاريخ تقرر دستور النصر والهزيمة إلا أنها كتاب مفتوح تقرؤه الأجيال فى كل زمان وفي كل مكان فهي آية من آيات الله ما دامت السماوات والأرض. (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون) [آل عمران: ١٢٣] . خرج النبي ﷺ في ثلثمائة وبضعة عشر رجلاً يريدون أبي سفيان والغنيمة فأرادها الله ملحمة فجمعهم الله بعدوهم على غير ميعاد وخرجت قريش بقدها وقديدها تسعمائة وخمسين مقاتلاً، ألف رجل بعدتهم وعتادهم بطراً ورئاء الناس يقول فاجرهم: لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، واستفتح اللعين أبو جهل "اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا يعرف". وفي رواية "اللهم أضل الفريقين وأقطعهما للرحم فأحنه الغداة". وفي يوم بدر يتجلى ثبات الرجال: يقول المقداد بن عمرو: "يا رسول الله امضي لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذى بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه". ويقول صديق الأنصار سعد بن معاذ: "امضي يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذى بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل

стр. 300

واحد وما نكره أن تلق بنا عدونا غداً إنا لصبر في الحرب صدق عند اللقاء لعل الله أن يريك منا ما تقرّ به عينك فسر على بركة الله فَسُرّ رسول الله بقول سعد وقال: "سيروا وأبشروا فإن الله قد ودعني إحدى الطائفتين والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم". إنها قصة الاسغاثة والتجرد لله. "استقبل النبي ﷺ القبلة وعليه رداؤه وإزاره ثم قال: "اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبداً" فما زال يستغيث الله ويدعوه، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فردّاه، ثم التزمه من ورائه، ثم قال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين) [الأنفال: ٩] ، وقال تعالى: (إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان) [الأنفال: ١٢] . إنه يوم قتال جبريل والملائكة مع الصادقين. عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي عن أبيه -وكان أبوه من أهل بدر- قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: "من أفضل المسلمين -أو كلمة نحوها- قال: وكذلك من شهد بدراً من الملائكة" (١) . وقتل صناديد قريش وقطع دابر الكافرين، وخضدت شوكتهم، وعلت راية الإسلام وكلمة الله بمقدار اتصال القلوب بالله لا تقف لها قوة وكان هذا عن تجربة واقعية لا مجرد تصور واعتقاد قلبي، لتتزود العصبة المسلمة من هذه التجربة الواقعية لمستقبلها كله وخلاصة هذه الموقعة ما قالته قريش نفسها قبلها. "لما بعث خفاف بن أيماء بن رخضة الغفاري -أو أبوه أيماء بن رحضة الغفاري إلى قريش- حين مروا به، ابناً له بجزائر أهداها لهم، وقال لهم: إن أحببتم أن نمدكم بسلاح ورجال فعلنا، قال: فأرسلوا إليه مع ابنه أن وصلتك رحم! قد قضيت الذي عليك. فلعمري لئن كنا إنما نقاتل الناس فما بنا من ضعف عنهم. ولئن كنا إنما نقاتل الله -كما يزعم محمد- فما لأحدٍ بالله من طاقة.

стр. 301

* في السنة الثالثة من الهجرة: وفي رمضان عبّأ الرسول ﷺ جيشاً في المدينة لصد عدوان المشركين الذين كانوا يستعدون للثأر لقتلاهم في غزوة بدر. * في السنة الخامسة من الهجرة: استعداد الرسول ﷺ لغزوة الخندق إذ أن هذه الغزوة كانت في سنة خمس من الهجرة في شوال على أصح القولين وكان من الاستعدادات بل أهمها ما أشار به سلمان الفارسي من حفر الخندق حول المدينة، وقد استغرق حفر الخندق كما يقول ابن القيم شهراً كاملاً وقد بلغ طول الخندق حوالي خمسة آلاف ذراع، أما عمق الخندق فلم يكن أقل من سبعة أذرع والعرض كذلك فرضى الله عن الصحابة الجيل القرآني الفريد. * في السنة السادسة من الهجرة: في رمضان سرية غالب بن عبد الله المؤلفة من مائة وثلاثين مسلماً لقتال بني عبد الله ابن ثعلبة وكانوا قد أعلنوا عداوتهم للمسلمين، فانتصر غالب عليهم وغنم كثيراً من الخيرات وساقها إلى المدينة. * في السنة الثامنة من الهجرة: في العشرين من رمضان كان الفتح الأعظم: "الذي أعز الله به نبيه ورسوله وجنده وحزبه الأمين واستنقذ به بلده وبيته الذي جعله هدي للعالمين، من أيدي الكفار والمشركين وهو الفتح الذي استبشر به أهل السماء، وضربت أطناب عزه على مناكب الجوزاء، ودخل الناس به في دين الله أفواجاً، وأشرق به وجه الأرض ضياءً وابتهاجاً" (١) ودخل فيه رسول الله مكة ومعه عشرة آلاف من كتائب الإسلام وجنود الرحمن، "وتهيأت مكة الحبيبة وكادت جبالها تزحف فرحاً لاستقبال الأمين البار الصابر المحتسب ﷺ ليعيد إلى ربوعها أشعة أنوار دين إبراهيم ﵇ وأخذ التاريخ طرسه

стр. 302

ليسجل في زهو تلك المفارقة العجيبة الرائعة التي تتجسد فيها أعظم العظات والعبر. إن ما شهدته مكة في صباح ذلك اليوم التاريخي الأغر من مفارقات عجيبة رائعة إنما هو إحدى ثمار الثبات على العقيدة السليمة الدافعة كل شيء يعترض سبيلها حتى ولو كان الجبال الراسيات. أية مفارقة أروع وأعظم مما كتبه التاريخ في ذلك اليوم الأغر، فلقد كان رسول الله ﷺ ولسبع سنوات فقط أهون على قومه في مكة من أي شيء لديهم. أجمعوا على قتله وهو بين ظهرانيهم بمكة وهم يعرفون كلهم أنه أبر وأشرف وأطهر وأنبل من عرفته بطحاؤهم. قبل سبع سنوات فقط خرجت مكة كلها تبحث عنه في مطاردة جنونية مسعورة وكل فرد يمني بقتل هذا الرجل. واليوم تذكر مكة ولا تنسى وهي تقف اليوم يرجف كبار مجرميها تحت رحمة عشرة آلاف محارب يقودهم هذا الرجل الذي أراد أهل مكة أن يجعلوا منه طريداً لا عودة له. تذكر مكة ولا تنسى أن هذا الرجل إياه خرج منها وحيداً خائفاً يترقب، يترصده الموت من كل مكان. وها هو اليوم يعود إلى مكة الحبيبة مرفوع الرأس وضاح الجبين، قد أحاطه الله بالعزة والمنعة وألبسه رداء السيادة ووضع في يده مقابض كل القيادة، قد أحاط به بحر يموج بآلاف الفرسان وآلاف المشاة من جنود الله كلهم يفديه وتحوطه ملائكة السماء. وجبريلٌ رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاءُ يستقبلهم اليوم أهل مكة في ذلة وانكسار وأيدي كبار مجرميها تتحسس رؤوسهم خوفاً من أن تفصلها عن كواهلهم سيوف الرجل الطريد بالأمس والفاتح العزيز المنتصر اليوم (١) . ولا شيء عنده إلا العفو الشامل لنبي من أولي العزم صفت نفسه وطهرت. ودخل

стр. 303

رسول الله ﷺ مكة وهو يقرأ سورة الفتح وذقنه على راحلته متخشعاً. إن رسول الله ليضع رأسه تواضعاً لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح حتى أن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل. دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح وحول البيت ستون وثلثمائة نصب جعل يطعنها بعود في يده ويقول: (جاء الحق وزهق الباطل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد) (١) . وعند مسلم "أتى إلى صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدونه وفي يد رسول الله ﷺ قوس وهو آخذ بسيتها فلما أتى على الصنم فجعل يطعن في عينه ويقول: "جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً". وفي الأصنام معتبر وعلم ... لمن يرجو الثواب أو العقابا ويقول الشاعر: لو قد رأيت محمداً وقبيلَهُ ... بالفتح يوم تكسر الأصنام لرأيت دين الله أضحى بيناً ... والشرك يغشى وجهه الإظلام إن نصر الله يجيئ به الله في الوقت الذي يقدره، في الصورة التي يريدها، للغاية التي يرسمها، وليس لأحد من أمره شيء، وحسب الناس أن يقيمهم الله حراسا لدينه. (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) [الإسراء: ٨١] . يجييء الحق بقوته وصدقه وثباته، ويزهق الباطل ويندو فمن طبيعة الباطل أن يتوارى ويزهق. "إن الباطل كان زهوقا" فالباطل ينتفخ وينتفج وينفش، لأنه باطل لا يطمئن إلى حقيقة، ومن ثَمَّ يحاول أن يموه على العين، وأن يبدو للعين عظيماً كبيراً ضخماً راسخاً، ولكنه هش سريع العطب كشعلة الهشيم ترتفع في الفضاء عالياً ثم تخبوا سريعاً وتستحيل إلى رماد بينما الجمرة الذاكية تدفئُ وتنفع وتبقى، وكالزيت يطفو على الماء ولكنه يذهب جفاء ويبقى الماء.

стр. 304

إن الباطل إنما يستمد حياته الموقوتة من عوامل خارجية وإسناد غير طبيعي، فإذا تخلخلت تلك العوامل، ووهت هذه الأسانيد تهاوي وانهار فأما الحق فمن عند الله الذي جعل الحق من أسمائه يجعل له العقبى ويكفل له البقاء وإن وقفت ضده الأهواء والسلطان. "إن الباطل كان زهوقا" ومن ورائه الشيطان، ومن ورائه السلطان، ولكن وعد الله أصدق وسلطان الله أقوى، وما من مؤمن ذاق طعم الإيمان، إلا وذاق معه حلاوة الوعد وصدق العهد، "ومن أوفى بعهده من الله؟ ومن أصدق من الله حديثاً" (١) ؟! لما سمع حماس بن قيس الديلي برسول الله ﷺ جلس يصلح سلاحه، فقالت له امراته: لمن تعد هذا؟ قال لمحمد وأصحابه، فإني أرجو أن أخدمَك منهم خادماً فإنك إليه محتاجه. قالت: ويحك لا تفعل ولا تقاتل محمداً، والله ليضلنّ هذا عنك لو رأيت محمداً وأصحابه. قال: سترين. وبعدها بقليل أقبل حماس منهزماً حتى أتى بيته فدقه ففتحت امرأته فدخل، وقد ذهبت روحه، فقالت: أين الخادم الذي وعدتني ما زلت منتظرتك منذ اليوم، تسخر به. قال: دعي عنك هذا أغلقي بابك فإنه من أغلق بابه فهو آمن ثم قال شعراً: وأنت لو شهدتنا بالخندمه ... إذ فر صفوان وفرّ وعكرمه وأبو يزيد كالعجوز المؤتمه ... إذ يلحقونا بالسيوف المسلمة يقطعن كلّ ساعد وجمجمة ... ضربا فلا يُسمع إلا غمغمه لهم زئير خلفنا وهمهمة ... لم تنطقي في اللوم أدنى كلمة (٢) قال تعالى: (إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا ... ) [النصر: ١، ٢] . قال ابنُ كثير: "والمراد بالفتح هنا فتح مكة قولاً واحد فإن أحياء العرب كانت

стр. 305

تتلوم (١) بإسلامها فتح مكة يقولون: إن ظهر على قومه فهو نبي، فلما فتح الله عليه مكة دخلوا في دين الله أفواجا، فلم تمض سنتان حتى استوثقت جزيرة العرب إيماناً، ولم يبق في سائر قبائل العرب إلا مظهر للإسلام ولله الحمد والمنة. وقد روى البخاري في صحيحه عن عمرو بن سلمة قال: لما كان الفتح بادر كل قوم بإسلامهم إلى رسول الله ﷺ وكانت الأحياء تتلوم بإسلامها فتح مكة يقولون: دعوه وقومه فإن ظهر عليهم فهو نبي. * هدم الأصنام: - "هبل ... العزّى ... سواع.... مناة" رمضان سنة ٨ هـ، هدم اللات رمضان سنة ٩ هـ". * كان من فضل رمضان أن هدمت في أيامه الغرّ سائر الأصنام وقد كانت للأصنام في جزيرة العرب قصة مظلمة سوداء طمس ظلامها نور الإسلام، وأزال قتامها إشراق الإيمان، واسْتخزت الأوثان، واجتثت الأصنام. ففي العشرين من رمضان سنة ثمان للهجرة، دخل رسول الله ﷺ مكة فاتحا، وكانت الأصنام منصوبة حول الكعبة، فأخذ طرف رمحه، وجعل يطعنها في عيونها ووجوهها فتهوي تحت قدميه وهو يردد: (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) [الإسراء: ٨١] ثم أمر بها فكفئت على وجوهها وأخرجت من المسجد وأضرمت فيها النار وكان على رأسها "هبل". هبل كان أعظم أصنامها في جوف الكعبة، وكان من عقيق أحمر على صورة إنسان، وقد كان مكسور اليد اليمنى فجعلوا له يداً منْ ذهب فذهب هبل إلى مزبلة التاريخ ... وتلاشت من الوجود "اعل هبل". * وأرسل رسول الله ﷺ عمرو بن العاص في رمضان سنة ٨ هـ فهدم سواع. * ومناة التي كانت الدماء تمنى عنده وتراق تقربا إليه وسموا أولادهم به؛ من ذلك "عبد مناة" و"زيد مناة" وعظمته الأوس والخزرج كأشد تعظيم.

стр. 306

* في الرابع والعشرين من رمضان سنة ثمان للهجرة، بعث الرسول ﵊ سعد بن زيد الأشهلي إلى "مَنَاة" فهدمها، ولم يجد في خزانتها شيئاً. * وفي الخامس والعشرين من رمضان سنة ٨ هـ أرسل رسول الله ﷺ خالد بن الوليد ﵁ في ثلاثين فارسا من أصحابه، وأمرهم بهدم "العزّى" وكان سدنتها وحجابها من بني "شيبان" فلما سمع سادنها بمسير خالد إليه، علّق سيفا عليها وأنشدها قوله: أَيَاعُزُّ شُدِّي شَدَّةً لا شَوَى (١) لَهَا ... على خالدٍ أَلْقِي القِناعَ وشمِّرِي أَيَا عُز إِنْ لم تَقْتُلي المرءَ خَالداً ... فبُوئي بإثمٍ عاجلٍ، أَو تَنَصَّرِي فلما انتهى إليها خالد هدمها وهو يردد: يا عُزَ كُفرانَكِ لا سُبحانك ... إني رأيتُ الله قد أهانكِ نعم.. أهان الله أكبر صنم كان يعبد من دون الله في جزيرة العرب عزى التي حمت لها قريش حرما، وأقاموا عندها منحرا للهدي، وبكى على يومه هذا سعيد بن العاص.. إذْ لماّ جاءه الموت دخل عليه أبو لهب يعوده فوجده يبكي، فقال: ما يبكيك يا أبا أُحَيحة؟ أمن الموت تبكي ولا بدّ منه!! قال: لا ولكني أخاف ألا تعبد "العزّى" من بعدي قال أبو لهب: والله ما عُبدت في حياتك من أجلك، حتى تترك عبادتها بعد موتك. * وفي رمضان سنة تسع للهجرة وفدت ثقيف صاحبة "اللات" على الرسول ﷺ تعرض إسلامها عليه، ويسألونه أن يترك لهم "اللات" ثلاث سنين لا يهدمها.. فأبى الرسول ﷺ ذلك، فما برحوا يسألونه سنة سنة ويأدى عليهم ذلك، حتى سألوا شهرا واحدا، فأبى عليهم أن يدعها شيئاً مسمّى، وأصر على هدمها، فسألوه ألا يهدموها بأيديهم. فأرسل الرسول ﷺ معهم أبا سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة لهدم "اللات"، فلما بلغا "الطائف" خرجت نساء ثقيف حُسّرا يبكين آلهتهن، ويندبنها ويزرين على رجالهن الذين أسلموها. ولما همّ المغيرة بهدمها قال لأبي سفيان: ألا أضحكك من ثقيف؟ قال: بلى.... فأخذ الفأس وضرب به "اللات" ضربة واحدة، ثم صاح وخرّ على وجهه

стр. 307

كأنه صُعق، فارتجّت الطائف بالصياح سروراً بأن اللات قد صرعت المغيرة، وأقبلوا عليه يقولون: ويحك، كيف رأيتها؟ إنها تُهلك من عاداها ... إنهاْ تهلك من عاداها، فقام المغيرة يضحك من القوم، ثم أقبل على اللات يضربها بمعوله وهو يقول: "الله أكبر، الله أكبر.. لا إله إلا الله وحده لا شريك له ... أحدٌ فردٌ صمد. * وفي السنة التاسعة من الهجرة: في رمضان كانت عودة الرسول ﷺ من غزوة تبوك المظفرة. * وفي السنة الثالثة عشرة من الهجرة: وفي رمضان كانت معركة "البويب". قال ابنُ كثير في "البداية والنهاية" (٧/٣٠) : "وكانت هذه الواقعة بالعراق نظير اليرموك بالشام". "فقد بعث أمراء الفرس جيشاً لهم بقيادة مهران واكتمل صف المسلمين تحت إمرة المثنى بن حارثه، فتوافوهم وإياهم بمكان يقال له "البويب" قريب من مكان الكوفة اليوم وبينهما الفرات قالوا: إما أن تعبروا إلينا، أو نعبر إليكم، فقال المسلمون: بل اعبروا إلينا فعبرت الفرس إليهم فتوافقوا، وذلك في شهر رمضان. فعزم المثنى على المسلمين في الفطر فأفطروا عن آخرهم ليكون أقوى لهم، وعبأ الجيش وجعل يمر على كل راية من رايات الأمراء على القبائل ويعظهم ويحثهم على الجهاد والصبر والصمت وفي القوم جرير بن عبد الله البجلي في بجيلة وجماعة من سادات المسلمين. وقال المثنى لهم: إني مكبر ثلاث تكبيرات فتهيأوا، فإذا كبرت الرابعة فاحملوا. فقابلوا قوله بالسمع والطاعة والقبول، فلما كبر أول تكبيرة عاجلتهم الفرس فحملوا حتى غالقوهم. واقتتلوا قتالاً شديداً، ورأى المثنى في بعض صفوفه خللاً فبعث إليهم رجلاً يقول: الأمير يقرأ عليكم السلام، ويقول لكم: لا تفضحوا العرب اليوم فاعتدلوا. فلما رأى ذلك منهم -وهم بنو عجل- أعجبه وضحك وبعث إليهم يقول: يا معشر المسلمين عاداتكم، انصروا الله

стр. 308

ينصركم، وجعل المثنى والمسلمون يدعون الله بالظفر والنصر. فلما طالت مدة الحرب جمع المثنى جماعة من أصحابه الأبطال يحمون ظهره، وحمل على مَهران فأزاله عن موضعه حتى دخل الميمنة. قال محمد بن إسحاق: وحمل المنذر بن حسان بن ضرار الضبي على مهران قائد الفرس فطعنه واحتز رأسه جرير بن عبد الله البجلي، وهربت المجوس وركب المسلمون أكتافهم يفصلونهم فصلاً، وسبق المثنى بن حارثه إلى الجسر فوقف عليه ليمنع الفرس من الجواز عليه ليتمكن منهم المسلمون. فركبوا أكتافهم بقية ذلك اليوم وتلك الليلة، ومن بعد إلى الليل فيقال: أنه قتل منهم يومئذ وغرق قريب من مائة ألف ولله الحمد والمنة وغنم المسلمون مالاً جزيلاً وطعاماً كثيراً، وبعثوا بالبشارة والأخماس إلى عمر بن الخطاب ﵁ وقد قتل من سادات المسلمين في هذا اليوم بشر كثير أيضاً، وذلت لهذه الموقعة رقاب الفرس، وتمكن الصحابة من الغارات في بلادهم فيما بين الفرات ودجلة فغنموا شيئاً عظيماً لا يمكن حصره. قال الأعور العبدي: هاجت لأعورَ دارُ الحي أحزانا ... واستبدلت بعد عبد القيس حسانا وقد أرانا بها والشمل مجتمع ... إذ بالنخيلة قتلى جند مهرانا إذا كان سار المثنى بالخيول لهم ... فقتل الزحف من فرس وجيلانا سما لمهران والجيش الذي معه ... حتى أبادهم مثنى ووحدانا (١) فتح النوبة ومعاهدة القبط سنة ٣١ هـ: "سينقلنا الحديث إلى منطقة من مناطق المسلمين لنتعرف على بداية دخول الإسلام لها بعد معركة من معارك المسلمين العظيمة تمخضت عن عهد كان له عظيم الأثر في انتشار الإسلام في تلك البقاع. أما المنطقة فهي بلاد النوبة الواقعة جنوب مصر، وأما قائد هذه المعركة فهو الصحابي الجليل عبد الله بن سعد بن أبي سرح.

стр. 309

بدأت علاقة المسلمين بهذه المنطقة بعد فتح مصر على يد عمرو بن العاص -رضى الله عنه-، فقد أرسل حملة إلى بلاد النوبة بقيادة عقبة بن نافع الفهري ﵀ فدخل تلك البلاد، ولقي المسلمون قتالاً شديداً، حيث كان النوبيون يُجيدون الرمي بالسهام فرشقوهم بالنبل حتى جرح عامتهم، فانصرف المسلمون وقد فقئت حدق الكثير منهم من جراء النبل ولذا سموهم "رماة الحدق"، وتمخض عن هذه الحملة عقد صلح بينهم وبين المسلمين تقررت من جرائه الهدنة. وظلَّ الوضع على ذلك حتى تولى ولاية مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان -رضى الله عنه-، فنقض النوبيون الصلح وهاجموا صعيد مصر وأفسدوا فيه، فخرج عبد الله بن أبي سرح بجيش تعداده عشرون ألفا وتوغل في بلادهم جنوبا ووصل عاصمتهم دنقلة فحاصرها حصارا شديدا ورماها بالمنجنيق وضيق على أهلها حتى اضطروا للتسليم، وطلب ملكهم "قليدور" الصلح، وخرج إلى عبد الله ابن أبي سرح، وأبدى ضعفا ومسكنة وتواضعاً فتلقاه عبد الله وقرر الصلح معه وعقدت بين الجانبين معاهدة فريدة من نوعها، كان لها عظيم الأثر على عملية انتشارالإسلام في شرق القارة الإفريقية، وكان ذلك في شهر رمضان من سنة احدى وثلاثين هجرية. وجاء في هذه المعاهدة: "عهدٌ من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح لعظيم التوبة ولجميع أهل مملكته: عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة، من أرض أسوان إلى حد أرض علوة أن عبد الله جعل لهم أماناً وهدنة: إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد ﷺ أن لا نحاربكم، ولا نَنْصُبَ لكم حرباً، ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم". ثم يعدد العهد الشرائط تلك ومنها: - عليكم حفظ من نزل بلادكم أو يطرقه من مسلم أو معاهد حتى يخرج عنكم. - وعليكم رد من لجأ إليكم من مسلم محارب للمسلمين وأن تخرجوه من بلادكم. - وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه

стр. 310

مصليا، ولا تعرضوا لمسلم قصده وجاور فيه إلى أن ينصرف عنكم، وعليكم كنْسه وإسراجه وتكرمته. - وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم. علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله محمد ﷺ ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به ... الله الشاهد بيننا وبينكم. وكتب عمر بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين هجرية. هذا هو عقد الصلح الذي تم بين المسلمين وبين النوبة، وإذا نحن تمعنَّا في بنوده وجدناها عوامل مهمة لنشر الإسلام في تلك البلاد. ولربما كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح قد أدرك صعوبة فتح تلك المناطق لوعورة تضاريسها ولشدة أهلها في القتال، فأراد أن يوفر بهذه المعاهدة مناخاً مناسباً لانتشار الإسلام بصورة سلمية. ولقد حصل هذا فعلاً فظلت المعاهدة أساسا للعلاقات بين المسلمين وبين النوبة حتى انتشر الإسلام فيها، وأصبحت بذلك جزءاً من العالم الإسلامي. ولنعد إلى بنود المعاهدة لنرى أثرَها في ذلك. كان من أول الشروط التي اشترطها عبد الله -رضى الله عنه- حفظ من دخل النوبة من المسلمين وهو بهذا يضمن سلامة الدعاة المسلمين، وكذلك التجار، فيدخلون إلى تلك المناطق، ويقومون بدعوة أهلها إلى الإسلام دون عوائق. حيث إنهم تحت حماية الدولة الإسلامية، ولو كانوا خارج حدودها في بلاد النوبة. واستفاد الدعاة من هذا الشرط، وتوغّلوا في تلك البلاد حتى وصلوا الحبشة وأواسط السودان الحالية، واستطاعوا تحويل أهلها إلى الإسلام. ومن الشروط كذلك: حفظ المسجد الذي بني خارج عاصمة النوبة "دنقلة" بل واشترط عليهم كنسه وإسراجه وتكرمته وعدم منع المسلمين من الصلاة أو الإقامة فيه.

стр. 311

وهكذا ضمنت هذه المعاهدة بقاء مركزٍ للدعوة الإسلامية في تلك البلاد النصرانية، ذلك أن المسجد هو منطلق الدعوة ومركزها، وكان أول عمل يقوم به الدعاة هو بناء المساجد ومن ثم تبدأ الدعوة منها، ولا زال المسجد يقوم بدور كبير في القارة الأفريقية حتى الآن، بمعنى أنه يؤدي وظيفته الحقيقية. وقد ظلَّ مسجد "دنقلة" الذي بناه المسلمون منذ سنة إحدى وثلاثين هجرية فترة زمنية طويلة يؤدي رسالته في الدعوة الإسلامية، ويؤمه الدعاة من مختلف أقطار العالم الإسلامي فيستقرون فيه أو حوله ويدعون الناس إلى الإسلام مما كان له عظيم الأثر في تحطم الوجود النصراني والقضاء عليه. وفي الشرط الأخير من شروط المعاهدة تعهد النوبيون بدفع ثلاثمائة وستين رأساً من الرقيق إلى والي المسلمين، ولقد كانت النوبة منذ القدم تشتهر بتصدير هؤلاء الرقيق فرأى قائد المسلمين عبد الله بن سعد بن أبي سرح أن يستأثر بهؤلاء الرقيق للدولة الإسلامية، فإذا سُلِّموا للمسلمين أصبحوا مماليك دولة لا رقيق: أفراد، وينتج عن ذلك عدد من النتائج: فهؤلاء يتحولون إلى الإسلام وينقذون من الكفر والضْلال لأنهم في الأصل إما من النصارى أو الوثنيين، ولذلك فقد قال أحدهم لتاجر أوروبي لقيه في مصر: إننا في الحقيقة لا نأتي من الحرية للرق، بل إننا نأتي من الرق الحقيقي والعبودية للبشر لنصبح أحراراً بالإسلام، وقد كان لهؤلاء بعد إسلامهم شأن في الدولة الإسلامية فكان منهم الجند والوزراء بل والولاة أحيانا، وبعض هؤلاء يؤثر العودة إلى موطنه بعد إسلامه فيعود إليها داعياً للإسلام، وهكذا فلم يمض القرن الثامن الهجري حتى أصبحت بلاد النوبة كلها بلاداً إسلامية وأهلها قد اعتنقوا الإسلام، وذلك بطريقة سلمية جراء تأثير بنود هذه المعاهدة، وفي هذا ما يدحض تلك الفرية التي طالما ردَّدها الغربيون وتلامذتهم وهي أن الإسلام لا ينتشر إلا بالقوة والسيف. رضي الله عن عبد الله بن أبي سرح الذي مهد الطريق لنشر الإسلام في تلك البقاع" (١) .

стр. 312

فتح جزيرة رودس سنة ٥٣ هجرية: * فى رمضان سنة ٥٣ هـ "افتتح المسلمون وعليهم جنادة بن أبي أمية جزيرة رودس وأقام بها طائفة من المسلمين كانوا أشد شيء على الكفار يعترضون لهم في البحر ويقطعون سبيلهم" (١) . سنة ٦٧ هـ زالت دولة المختار الثقفي: قتل المختار في رابع عشر رمضان سنة سبع وستين هجرية. ركب مصعب بن الزبير والي البصرة على رأس جيش لملاقاة جيش المختار فقطعوا دجله إلى الكوفة واقتتلوا قتالاً شديداً إلى الليل وقتل أعيان المختار وتفرق أصحاب المختار عنه "وأشار عليه جماعة من أساورته أن يدخل القصر دار إمرته، فدخله وهو ملوم مذموم، وعن قريب ينفذ فيه القدر المحتوم، فحاصره مصعب فيه وجميع أصحابه حتى أصابهم من جهد العطش ما الله به عليم وضيق عليهم المسالك والمقاصد، وأفسد عليهم أبواب الحيل، وليس فيهم رجل رشيد ولا حليم، ثم جعل المختار يحيل فكرته، ويكرر رويته في الأمر الذي قد حلّ به واستشار من عنده في هذا السبب السييء الذي قد اتصل سببه بسببه من الموالي والعبيد، ولسان القدر والشرع يناديه (قل جاء الحق وما يبديء الباطل وما يعيد) [سبأ: ٤٩] ، ثم قوي عزمه قوة الشجاعة المركبة فيه على أن أخرجته من بين مَن كان يحالفه ويواليه، ورأى أن يموت على فرسه، حتى يكون عليها انقضاء آخر نفسه، فنزل حمية وغضباً، وشجاعة وكلباً، وهو مع ذلك لا يجد مناصاً ولا مفراً ولا مهرباً وليس معه من أصحابه سوى تسعة عشر، ولعله إن كان قد استمر على ما عاش عليه أن يفارقه التسعة عشر الموكلون بسقر، ولما خرج من القصر سأل أن يخلى سبيله فيذهب في أرض الله فقالوا له إلا على حكم الأمير، والمقصود أنه لما خرج من القصر تقدم إليه شقيقان أخوان وهما طرفة وطراف ابنا عبد الله بن دجاجه فقتلاه بمكان الزياتين من الكوفة واحتزا رأسه وأتيا به مصعب بن الزبير زالت دولة المختار، وكذلك سائر الدول، وفرح المسلمون بزوالها

стр. 313

وذلك لأن الرجل لم يكن في نفسه صادقاً، بل كان كاذباً يزعم أن الوحى يأتيه على يد جبريل ولما دخل زيد بن الأرقم عليه قال له: يا أبا عامر لو شفت رأي جبريل وميكائيل، فقال له زيد، خسرت وتعست، أنت أهون على الله من ذلك، كذاب مفتر على الله ورسوله (١) . وفي حديث أسماء عند أحمد أن أسماء قالت للحجاج "والله لقد أخبرنا رسول الله ﷺ أنه سيخرج من ثقيف كذابان الآخر منهما شر من الأول". وعند مسلم عنها أن رسول الله ﷺ قال: "إن في ثقيف كذاباً مبيرا". قال ابن كثير: "وقد ذكر العلماء أن الكذاب هو المختار بن أبي عبيد، وكان يظهر التشيع ويبطن الكهانة، وأسر إلى أخصائه أنه يوحى إليه، ولكن ما أدري هل كان يدعي النبوة أم لا، وكان قد وضع له كرسي يعظم ويحف به الرجال، ويستر بالحرير ويحمل على البغال، وكان يضاهي به تابوت بني إسرائيل المذكور في القرآن، ولا شك أنه كان ضالاً مضلاً أراح الله المسلمين منه" (٢) . "روى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: قدمت على المختار فأكرمني وأنزلني عنده، وكان يتعاهد مبيتي بالليل قال: فقال لي: اخرج فحدّث الناس، قال: فخرجت فجاء رجل فقال: ما تقول في الوحي؟ فقلت: الوحي وحيان قال الله تعالى: (بما أوحينا إليك هذا القرآن) [يوسف: ٣] ، وقال تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا) [الأنعام: ١١٢] ، قال: فهموا أن يأخذوني فقلت: ما لكم وذاك! إني مفتيكم وضيفكم، فتركوني، وإنما أراد عكرمة أن يعرض بالمختار وكذبه في ادعائه أن الوحى ينزل عليه". وقد قيل لابن عمر: إن المختار يزعم أن الوحىَ يأتيه، فقال صدق قال تعالى: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم) [الأنعام: ١٢١] (٣) .

стр. 314

غزوة طريف سنة ٩١ هجرية: بعث موسى بن نصير رجلاً من البربر يسمى طريفاً (*) ويكنى بأبي زرعة، في مائة فارس وأربعمائة راجل فجاز في أربعة مراكب حتى نزل ساحل البحر بالأندلس فيما يحاذي (طنجه) وهو المعروف اليوم بـ (جزيرة طريف) سميت باسمه لنزوله هناك فأغار منها على ما يليها إلى جهة الجزيرة الخضراء وأصاب سبباً ومالاً كثيراً ورجع سالماً أو كانت أجازته في شهر رمضان سنة إحدى وتسعين هجرية" (١) . فتح الأندلس في رمضان سنة ٩١ هـ: على يد طارق بن زياد مولى موسى بن نصير. يقول المقري في "نفح الطيب": "ذكر عن طارق أنه كان نائماً في المركب فرأى في منامه النبي ﷺ ، الخلفاء الأربعة أصحابه ﵃ يمشون على الماء حتى مروا به، فبشره النبي ﷺ بالفتح، وأمره بالرفق بالمسلمين والوفاء بالعهد. وقيل: إنه لما ركب البحر غلبته عينه فكان يرى النبي ﷺ ، وحوله المهاجرون والأنصار قد تقلدوا السيوف وتنكبوا القسى فيقول له رسول الله ﷺ : يا طارق تقدم لشأنك، ونظر إليه وإلى أصحابه قد دخلوا الأندلس قدّامه، فهبّ من نومه مستبشراً، وبشر أصحابه وثابت إليه نفسه ثقة ببشراه، فقويت نفسه ولم يشك في الظفر" وعسكر لزريق ملك أسبانيا مائة ألف وجيش طارق اثنا عشر ألف وفي وادي (لكه) يوم الأحد لليلتين بقيتا من شهر رمضان ونصر الله المسلمين نصراً لا كفاء له، واتصلت الحرب بينهم إلى يوم الأحد لخمس خلون من شوال وهزم الله المشركين، فقتل منهم خلق كثير، أقامت عظامهم بعد ذلك بدهر طويل ملبّسه لتلك الأرض، قالوا: وحاز المسلمون من عسكرهم ما يجل قدره، فكانوا يعرفون كبار العجم وملوكهم بخواتيم الفضة ويميزون عبيدهم بخواتيم النحاس.

стр. 315

ورمى "لُذرَيق" نفسه في وادي (لكه) وقد أثقله السلاح، فلم يعلم له خبر ولم يوجد، وقالوا إن المسلمين وجدوا فرسه الأشهب الذي فقدوه وراكبه وقد ساخ الفرس طين وحمأه، وغرق العلج ولم يوجد حياً ولا ميتاً. يقول طارق بن زياد في فتح الأندلس: ركبا سفينا بالمجاز مُقيّرا ... عسى أن يكون الله مناقد اشترى نفوساً وأموالاً وأهلاً بجنة ... إذا ما اشتهينا الشيء فيها تيسّرا ولسنا نبالي كيف سالت نفوسنا ... إذا نحن أدركنا الذي كان أجدرا رحم الله طارقاً.. مولى موسى.. معذرة بل سيد من السادات وغيره العبيد وإن كان ملوكاً سيقوا إلى مدريد في يوم احتفالهم بخروج المسلمين ليكتبوا وثيقة الذل والعار مع اليهود والصليبيين. وقفة على أبواب مدريد عذراً رُبى المجد، إنَّ القومَ قد هانوا ... وإنهم في أيادي المعتدي لانوا عذراً فما ردَّهم عمَّا يُحاك لهم ... وعيٌ، ولا ردَهم دينٌ وقرآنُ عذراً فأروقة الأحزان حافلة ... وساحة الفرح المقتول قيعانُ عذراً فبحر المآسي لم يزلْ لجباً ... يموج في مائه قرش وحيتانُ عذراً فإنَّ بلاد العرب لاهيةٌ ... تضج في صدرها عبسٌ وذبيانُ أما ترين روابي الشعر هامدةٌ ... فمالها اليوم أوراقٌ وأغصانُ قصيدتي ذَبُلتْ ممّا يداهمها ... من الجفاف، وطرف الشعر سهرانُ تنكّبتْها غيومُ اللحن، ما ابتهجتْ ... خصباً، ولا استبشرت بالغيث أفنانُ ولوحة الصمت، فيها ألفُ دائرة ... مرسومة، ما لها في الفنِّ ميزانُ ما لامستها يدٌ بالرسم ماهرةٌ ... ولا سقاها شرابَ الحبر فنَّانُ رأيتُ فيها خطوطاً لا حدودَ لها ... وليس يفهمها إنْسٌ ولا جان

стр. 316

رأيت في بعضها رأساً أشبهه ... بحيَّة، شدَّها للخلف ثعبانُ رأيت غصناً من الزينون تأكله ... رصاصةٌ، ووراءَ الغصن "كاهانُ" من حوله أحرفٌ عِبريّةٌ نُقشتْ ... وليس فيها عن الألغاز تبيانُ كان الغبارُ يُواريها، وحين جلا ... بدا لعينى شاميرٌ و"ديَّان" ولاح لي في مداها وجهُ أندلسٍ ... جبينهُ لسباق الحزنِ ميدانُ يا وجهَ أندلسٍ، في أُفْقنا سحبٌ ... من الدخان، وفي الأدغال بركانُ طارت إليك وفود العرب، في فمها ... بوقٌ، وبين يديها الطبلُ رنَّانُ شاميرُ يسخر منهم، من تطلعهم ... إلى السراب، ألا فَلْيَروْ ظَمآنُ لو أبصرتهم عيون الداخل امتلأت ... قذىً، وأغضتْ على الأشواك أجفانُ ولو رأى طارقٌ تلك الوجوهَ، لَماَ ... عصاه سيفٌ، ولا عاقته أكفانُ كأنني بقلاع المجد قد وجمتْ ... لماَّ أتاها بروح الذل "عُربانُ" يا بؤسَها أمةً يسعى بحاجتها ... لصُّ، وبائع أفيون، وسجَّانُ تُدعى إلى الملتقى باسم السلام، ولم ... يُرفع لها بين أهل الملتقى شانُ يقام حفلٌ لها من حُرِّ ثروتها ... ولم يُقدم لها في الحفل فنجانُ يا بؤسها أمةً، في الحرب خاسرةٌ ... ولا يفارقها في السلم خُسرانُ إن حاربتْ شربتْ كأس الهزيمة في ... ذل، وإنْ فاوضت فالذل ألوانُ أنَّى تقوم لها في الكون قائمةٌ ... وقلبها غارق في الوهم حيرانُ يا من رحلتم إلى مدريدَ، قربتُكم ... مخروقة، وجِرَابُ الخصم ملاَنُ بشراكم اليومَ، إسرائيل راضيةٌ ... عنكم، وفي قلبها شكر وعرفانُ بشراكم اليوم، أمريكا تبجّلكم ... وفي يدَي روسيا "فلٌ وريحانُ" أما فلسطين، والأقصى وأمتكم ... فما لها عندكم قدرٌ ولا شانُ

стр. 317

يا من رحلتم إلى مدريد، أمتكم ... بريئة، وادّعاءُ السِّلم بُهتانُ القدس أكرم عند الله منزلةً ... من أنْ يطهرها لهوٌ وعصيانُ القدس أعظم عند الله منزلةً ... من أن يخلصِها ذلٌ وإذعانُ سلام أعدائكم حرب معلَّبةٌ ... في علبة الوهم، والبرهانُ لبنانُ لو كان شامير إنساناً لضلَّلكم ... فكيف، وهو على التحقيق شيطانُ إنا ننادي، وللتاريخ حَمْحَمَةٌ ... من حولنا، وفؤاد المجد غضبانُ يا مجلس الذل في مدريدَ لا نظرتْ ... عينٌ، ولا سمعت دعواكَ آذانُ لنا طريقٌ إلى العلياء نعرفه ... يشدو به حجر في القدس صَوَّانُ يشدو به الطفل لحناً لا يقاومه ... صوت الرصاص، ولا تُخفيه حيطانُ يامجلس الذل في مدريدَ منهجُنا ... قد صاغه في رُبى باميرَ أفغانُ طريقنا واضحٌ كالشّمس، تعرفه ... أجيالُنا، بابُه عزمٌ وإيمانُ آمالُنا لم تزل خضرَاءَ يانعةً ... في القلب منتجع منها وبُستانُ ولينا الله لا نرضى به بدلاً ... وكيف ييأس مَنْ مولاه رحمان (١) فتوح المسلمين في فرنسا سنة ١٠٢ هـ: بعد أن استقر المسلمون في الأندلس، بدأت غزواتُهم تتجه نحو الشمال فيما وراء جبال البرانس الفاصلة بين الأندلس وفرنسا، وتولى قيادة الجيوش الإسلامية آنذاك عدد من القادة المسلمين الذين تفرغوا للجهاد في سبيل الله فمات أكثرهم في ساحات القتال، ﵏. بدأت الفتوح في تلك المناطق في عهد عبد العزيز بن موسى بن نصير، الذي تولى الأندلس بعد رحيل والده، ولم تحدد المصادر التاريخية مدناً أو نواحي معينة فتحها. وتوالى الولاة على الأندلس حتى إذا تولى السمح بن مالك الخولاني اتجه نحو الجهاد فى

стр. 318

جنوب فرنسا، والحقيقة أن هذا الوالي كان من أفاضل عربِ أفريقية، ولّاه الخليفة عمر بن عبد العزيز ولاية الأندلس لما عرف عنه من الأمانة وحسن الخلق وذلك في شهر رمضان سنة مائة هجرية وطلب منه تنظيم البلاد وضبط أموالها، فسار في ذلك سيرة حسنة. وفي عهده نشطت حركة الفتوح فيما وراء جبال البرانس، الفاصلة بين الأندلس وفرنسا، لأنه كان رجلاً وثيق الإيمان جم النشاط، فانطلق بجيشه في عام اثنين ومائة وفتح إقليم "سبتمانيا"، وهي المنطقة الساحلية التي تمتد من البرانس غرباً إلى مصبِّ نهر الرون شرقا، وتتصل بما يعرف اليوم بالريفيرا الإيطالية، كما أنها تُطلُّ على البحر الأبيضِ جنوب فرنسا، وكانت تشمل سبعة أقسام إدارية وعاصمتها "أربونة"، وقد استولى السمح على هذه العاصمة بعد شهر من الحصار، واتخذها مركزاً وقاعدة لعملياته الحربية في فرنسا، ولا يزال يوجد بهذه المدينة شارع يُنسب إليه ويعرف "بشارع السمح". انطلق السمح بعد ذلك يفتح كل المدن التي بطريقه حتى وصل إلى "طُولوشة عاصمة أكويتانيا" فحاصرها، غير أنها قاومت الحصار، حتى وصلتها الإمدادات وعلى رأسها حاكم الإقليم الدوق أود الفرنجي، فتجمع للنصارى جيش كبير يفوق جيش المسلمين عدداً وتجهيزا، فوقف السمح في جنوده يُحمِّسهم ويشد من أزرهم ويقرأ قول الله تعالى: (إن ينصركم الله فلا غالبَ لكم) [آل عمران: ١٦٠] وحدثت معركة عنيفة بين المسلمين والنصارى أواخر سنة اثنتين ومائة هجرية، واشتد القتال بين الجانبين وصبر المسلمون صبراً كريماً، وأصاب قائدهم سهم قاتل فاستشهد في يوم عرفة، وفتَّ ذلك في عضد الجند فتراجعوا عن طولوشة واستطاع واحد من قادته وهو عبد الرحمن الغافقي الارتداد بهم إلى أربونة بعد أن قُتل منهم عدد كبير. خلف السمح على ولاية الأندلس عنبسة بن سُحيم الكلبي، وواصل الغزو في فرنسا الجنوبية، فسار على الساحل حتى وصل إلى "قرقشونة" فحاصرها وشدد عليها الحصار حتى نزل أهلُها على شروطه، فتنازلوا له عن البلد ونصف الإقليم المحيط به، وتعهدوا بردِّ أسرى المسلمين الذين كانوا عندهم، وبأن يدفعوا الجزية، ويلتزموا بأحكام أهل الذمة من محاربة من حاربه المسلمون ومسالمة من سالموه، وأخذ منهم عنبسة بعض الرهائن وأرسلها إلى "برشلونة".

стр. 319

وواصل عنبسة ﵀ سيره، ووجد الطريق أمامه خالية، فسار مسرعاً دون أن يلقى مقاومة، وصعد حتى أدرك نهر الساءون فاستولى على أوتون، واستمر في زحفه الظافر فقذف الله في قلوب الكفار الرعب فلم يتصد أحد منهم للمسلمين إلا لطلب الصلح، واجتاح المسلمون مدينة أوزه، وفيين، وفالنسي ووصلوا إلى مدينة ليون التي يسميها العرب "حصن لودون"، كذلك زحفوا على مدينة ماسون، وشالون، ووصلوا إلى مدينة "سانس" عاصمة إقليم "يوند" على بعد ثلاثين كيلوا متراً فقط جنوبي باريس، وقد تصدت هذه المدينة للزحف الإسلامى فكانت آخر ما وصل إليه المسلمون. ويبدو أن القائد المسلم عنبسة بن شحيم قد أدرك بعد هذا التقدم الظافر الذي جعله يقترب من باريس أنه توغل في قلب فرنسا أكثر مما ينبغي، فقد طالت خطوط العودة فخشى أن تقطع عليه بعد أن ابتعد مسافة ألف ميل شمالي قرطبة، كما أن أحوال الأندلس قد بدأت تتغير بظهور العصبيات المختلفة، مما دعاه إلى العودة بعد هذا النصر العظيم. وقد أثارت هذه الفتوح المخاوف في نواحي فرنسا، وارتاعت معظم الدوقيات وشعرت مملكة الفرنج أنها أمام خطر حقيقي، وبدا واضحا أن الحملة المقبلة ستكون حملة حاسمة. والحقيقة أن أحوال الأندلس في ذلك الوقت قد أثرت كثيراً على هذه الفتوح الإسلامية، ولولاها لما توقف عنبسة عن فتوحه الموفقة تلك. وفي طريق العودة داهمت جيشَ المسلمين جموع كبيرة من الفرنجة وجرح عنبسة بجروح بليغة توفى على إثرها في شهر شعبان سنة سبع ومائة هجرية، بعد أن نشر الرعب في نواحي فرنسا ووصل برايات الإسلام إلى قلب أوروبا الغربيّة، وكفاه ذلك فخراً حيث لم يدرك هذا الشأو بعد ذلك قائد مسلم آخر (١) . سنة ٢٢٢ هـ فتح البذ مدينة "بابك الخرمي ": جهّز المعتصم جيشاً كثيراً للأفشين على محاربة "بابك" وبعث إليه ثلاثين ألف ألف

стр. 320

درهم نفقة للجند، فاقتتلوا قتالاً عظيماً، وافتتح "الأفشين" "البذ" مدينة "بابك" واستباح ما فيها وذلك يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان وذلك بعد محاصرة وحروب شديدة وقتالٍ شديد وجهدٍ جهيد ثم بعد ذلك أمسكوا "ببابك" بعد فراره من دار ملكه. وقد كان المعتصم شديد العناية بأمر هذا اللعين الذي قتل من المسلمين في مدة ظهوره وهي عشرون سنة مائتي ألف وخمسة وخمسين ألف وخمسمائة إنسان. قاله ابن جرس وأسر خلقاً لا يحصون وكان من جملة من استنقذه "الأفشين" من أسره نحواً من سبعة آلاف وستمائة إنسان. أراح الله المسلمين من شره بعد ما افتتن به خلق كثير وجم خفير من العوام الطغام (١) . "ولقد توج المعتصم "الأفشين" (٢) وقلده وشاحين من جوهر، وأطلق له عشرين ألف درهم، وكتب له بولاية "السند" وأمر الشعراء أن يدخلوا عليه ويمدحوه على ما فعل من الخير للمسلمين وعلى تخريبه بلاد بابك التي يقال لها "البذ" وتركه إياها قيعانا خراباً، فقالوا في ذلك فأحسنوا وكان من جملتهم أبو تمام الطائي قال: بذ الجلاد البذُ فهو دفينُ ... ما إن بها إلا الوحوش قطين لم يقر هذا السيف هذا الصبر ... في هيجاء إلا عزّ هذا الدينُ قد كان عذرة سؤددٍ فافتضها ... بالسيف فحل المشرق الأفشين فأعادها تعوي الثعالب وسطها ... ولقد ترى بالأمس وهي عرينُ هطلت عليه من جماجم أهلها ... ديم إمارتها طلىً وشؤون كانت من المهجات قبل مفازة ... عسراً فأضحت وهي منه معين سنة ٢٢٣ هـ فتح عمورية على يد المعتصم: "في هذه السنة أوقع ملك توفيل بن ميخائيل بأهل سلطته من المسلمين وما والاها ملحمة عظيمة، قتل فيها خلقا كثيراً من المسلمين، وأسر ما لا يحصون كثرة، وكان من
следующие страницы →