← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22886

نداء الريان في فقه الصوم وفضل رمضان

سيد حسين العفاني

Полный текст (1 282 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

رأيت في بعضها رأساً أشبهه ... بحيَّة، شدَّها للخلف ثعبانُ رأيت غصناً من الزينون تأكله ... رصاصةٌ، ووراءَ الغصن "كاهانُ" من حوله أحرفٌ عِبريّةٌ نُقشتْ ... وليس فيها عن الألغاز تبيانُ كان الغبارُ يُواريها، وحين جلا ... بدا لعينى شاميرٌ و"ديَّان" ولاح لي في مداها وجهُ أندلسٍ ... جبينهُ لسباق الحزنِ ميدانُ يا وجهَ أندلسٍ، في أُفْقنا سحبٌ ... من الدخان، وفي الأدغال بركانُ طارت إليك وفود العرب، في فمها ... بوقٌ، وبين يديها الطبلُ رنَّانُ شاميرُ يسخر منهم، من تطلعهم ... إلى السراب، ألا فَلْيَروْ ظَمآنُ لو أبصرتهم عيون الداخل امتلأت ... قذىً، وأغضتْ على الأشواك أجفانُ ولو رأى طارقٌ تلك الوجوهَ، لَماَ ... عصاه سيفٌ، ولا عاقته أكفانُ كأنني بقلاع المجد قد وجمتْ ... لماَّ أتاها بروح الذل "عُربانُ" يا بؤسَها أمةً يسعى بحاجتها ... لصُّ، وبائع أفيون، وسجَّانُ تُدعى إلى الملتقى باسم السلام، ولم ... يُرفع لها بين أهل الملتقى شانُ يقام حفلٌ لها من حُرِّ ثروتها ... ولم يُقدم لها في الحفل فنجانُ يا بؤسها أمةً، في الحرب خاسرةٌ ... ولا يفارقها في السلم خُسرانُ إن حاربتْ شربتْ كأس الهزيمة في ... ذل، وإنْ فاوضت فالذل ألوانُ أنَّى تقوم لها في الكون قائمةٌ ... وقلبها غارق في الوهم حيرانُ يا من رحلتم إلى مدريدَ، قربتُكم ... مخروقة، وجِرَابُ الخصم ملاَنُ بشراكم اليومَ، إسرائيل راضيةٌ ... عنكم، وفي قلبها شكر وعرفانُ بشراكم اليوم، أمريكا تبجّلكم ... وفي يدَي روسيا "فلٌ وريحانُ" أما فلسطين، والأقصى وأمتكم ... فما لها عندكم قدرٌ ولا شانُ

стр. 317

يا من رحلتم إلى مدريد، أمتكم ... بريئة، وادّعاءُ السِّلم بُهتانُ القدس أكرم عند الله منزلةً ... من أنْ يطهرها لهوٌ وعصيانُ القدس أعظم عند الله منزلةً ... من أن يخلصِها ذلٌ وإذعانُ سلام أعدائكم حرب معلَّبةٌ ... في علبة الوهم، والبرهانُ لبنانُ لو كان شامير إنساناً لضلَّلكم ... فكيف، وهو على التحقيق شيطانُ إنا ننادي، وللتاريخ حَمْحَمَةٌ ... من حولنا، وفؤاد المجد غضبانُ يا مجلس الذل في مدريدَ لا نظرتْ ... عينٌ، ولا سمعت دعواكَ آذانُ لنا طريقٌ إلى العلياء نعرفه ... يشدو به حجر في القدس صَوَّانُ يشدو به الطفل لحناً لا يقاومه ... صوت الرصاص، ولا تُخفيه حيطانُ يامجلس الذل في مدريدَ منهجُنا ... قد صاغه في رُبى باميرَ أفغانُ طريقنا واضحٌ كالشّمس، تعرفه ... أجيالُنا، بابُه عزمٌ وإيمانُ آمالُنا لم تزل خضرَاءَ يانعةً ... في القلب منتجع منها وبُستانُ ولينا الله لا نرضى به بدلاً ... وكيف ييأس مَنْ مولاه رحمان (١) فتوح المسلمين في فرنسا سنة ١٠٢ هـ: بعد أن استقر المسلمون في الأندلس، بدأت غزواتُهم تتجه نحو الشمال فيما وراء جبال البرانس الفاصلة بين الأندلس وفرنسا، وتولى قيادة الجيوش الإسلامية آنذاك عدد من القادة المسلمين الذين تفرغوا للجهاد في سبيل الله فمات أكثرهم في ساحات القتال، ﵏. بدأت الفتوح في تلك المناطق في عهد عبد العزيز بن موسى بن نصير، الذي تولى الأندلس بعد رحيل والده، ولم تحدد المصادر التاريخية مدناً أو نواحي معينة فتحها. وتوالى الولاة على الأندلس حتى إذا تولى السمح بن مالك الخولاني اتجه نحو الجهاد فى

стр. 318

جنوب فرنسا، والحقيقة أن هذا الوالي كان من أفاضل عربِ أفريقية، ولّاه الخليفة عمر بن عبد العزيز ولاية الأندلس لما عرف عنه من الأمانة وحسن الخلق وذلك في شهر رمضان سنة مائة هجرية وطلب منه تنظيم البلاد وضبط أموالها، فسار في ذلك سيرة حسنة. وفي عهده نشطت حركة الفتوح فيما وراء جبال البرانس، الفاصلة بين الأندلس وفرنسا، لأنه كان رجلاً وثيق الإيمان جم النشاط، فانطلق بجيشه في عام اثنين ومائة وفتح إقليم "سبتمانيا"، وهي المنطقة الساحلية التي تمتد من البرانس غرباً إلى مصبِّ نهر الرون شرقا، وتتصل بما يعرف اليوم بالريفيرا الإيطالية، كما أنها تُطلُّ على البحر الأبيضِ جنوب فرنسا، وكانت تشمل سبعة أقسام إدارية وعاصمتها "أربونة"، وقد استولى السمح على هذه العاصمة بعد شهر من الحصار، واتخذها مركزاً وقاعدة لعملياته الحربية في فرنسا، ولا يزال يوجد بهذه المدينة شارع يُنسب إليه ويعرف "بشارع السمح". انطلق السمح بعد ذلك يفتح كل المدن التي بطريقه حتى وصل إلى "طُولوشة عاصمة أكويتانيا" فحاصرها، غير أنها قاومت الحصار، حتى وصلتها الإمدادات وعلى رأسها حاكم الإقليم الدوق أود الفرنجي، فتجمع للنصارى جيش كبير يفوق جيش المسلمين عدداً وتجهيزا، فوقف السمح في جنوده يُحمِّسهم ويشد من أزرهم ويقرأ قول الله تعالى: (إن ينصركم الله فلا غالبَ لكم) [آل عمران: ١٦٠] وحدثت معركة عنيفة بين المسلمين والنصارى أواخر سنة اثنتين ومائة هجرية، واشتد القتال بين الجانبين وصبر المسلمون صبراً كريماً، وأصاب قائدهم سهم قاتل فاستشهد في يوم عرفة، وفتَّ ذلك في عضد الجند فتراجعوا عن طولوشة واستطاع واحد من قادته وهو عبد الرحمن الغافقي الارتداد بهم إلى أربونة بعد أن قُتل منهم عدد كبير. خلف السمح على ولاية الأندلس عنبسة بن سُحيم الكلبي، وواصل الغزو في فرنسا الجنوبية، فسار على الساحل حتى وصل إلى "قرقشونة" فحاصرها وشدد عليها الحصار حتى نزل أهلُها على شروطه، فتنازلوا له عن البلد ونصف الإقليم المحيط به، وتعهدوا بردِّ أسرى المسلمين الذين كانوا عندهم، وبأن يدفعوا الجزية، ويلتزموا بأحكام أهل الذمة من محاربة من حاربه المسلمون ومسالمة من سالموه، وأخذ منهم عنبسة بعض الرهائن وأرسلها إلى "برشلونة".

стр. 319

وواصل عنبسة ﵀ سيره، ووجد الطريق أمامه خالية، فسار مسرعاً دون أن يلقى مقاومة، وصعد حتى أدرك نهر الساءون فاستولى على أوتون، واستمر في زحفه الظافر فقذف الله في قلوب الكفار الرعب فلم يتصد أحد منهم للمسلمين إلا لطلب الصلح، واجتاح المسلمون مدينة أوزه، وفيين، وفالنسي ووصلوا إلى مدينة ليون التي يسميها العرب "حصن لودون"، كذلك زحفوا على مدينة ماسون، وشالون، ووصلوا إلى مدينة "سانس" عاصمة إقليم "يوند" على بعد ثلاثين كيلوا متراً فقط جنوبي باريس، وقد تصدت هذه المدينة للزحف الإسلامى فكانت آخر ما وصل إليه المسلمون. ويبدو أن القائد المسلم عنبسة بن شحيم قد أدرك بعد هذا التقدم الظافر الذي جعله يقترب من باريس أنه توغل في قلب فرنسا أكثر مما ينبغي، فقد طالت خطوط العودة فخشى أن تقطع عليه بعد أن ابتعد مسافة ألف ميل شمالي قرطبة، كما أن أحوال الأندلس قد بدأت تتغير بظهور العصبيات المختلفة، مما دعاه إلى العودة بعد هذا النصر العظيم. وقد أثارت هذه الفتوح المخاوف في نواحي فرنسا، وارتاعت معظم الدوقيات وشعرت مملكة الفرنج أنها أمام خطر حقيقي، وبدا واضحا أن الحملة المقبلة ستكون حملة حاسمة. والحقيقة أن أحوال الأندلس في ذلك الوقت قد أثرت كثيراً على هذه الفتوح الإسلامية، ولولاها لما توقف عنبسة عن فتوحه الموفقة تلك. وفي طريق العودة داهمت جيشَ المسلمين جموع كبيرة من الفرنجة وجرح عنبسة بجروح بليغة توفى على إثرها في شهر شعبان سنة سبع ومائة هجرية، بعد أن نشر الرعب في نواحي فرنسا ووصل برايات الإسلام إلى قلب أوروبا الغربيّة، وكفاه ذلك فخراً حيث لم يدرك هذا الشأو بعد ذلك قائد مسلم آخر (١) . سنة ٢٢٢ هـ فتح البذ مدينة "بابك الخرمي ": جهّز المعتصم جيشاً كثيراً للأفشين على محاربة "بابك" وبعث إليه ثلاثين ألف ألف

стр. 320

درهم نفقة للجند، فاقتتلوا قتالاً عظيماً، وافتتح "الأفشين" "البذ" مدينة "بابك" واستباح ما فيها وذلك يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان وذلك بعد محاصرة وحروب شديدة وقتالٍ شديد وجهدٍ جهيد ثم بعد ذلك أمسكوا "ببابك" بعد فراره من دار ملكه. وقد كان المعتصم شديد العناية بأمر هذا اللعين الذي قتل من المسلمين في مدة ظهوره وهي عشرون سنة مائتي ألف وخمسة وخمسين ألف وخمسمائة إنسان. قاله ابن جرس وأسر خلقاً لا يحصون وكان من جملة من استنقذه "الأفشين" من أسره نحواً من سبعة آلاف وستمائة إنسان. أراح الله المسلمين من شره بعد ما افتتن به خلق كثير وجم خفير من العوام الطغام (١) . "ولقد توج المعتصم "الأفشين" (٢) وقلده وشاحين من جوهر، وأطلق له عشرين ألف درهم، وكتب له بولاية "السند" وأمر الشعراء أن يدخلوا عليه ويمدحوه على ما فعل من الخير للمسلمين وعلى تخريبه بلاد بابك التي يقال لها "البذ" وتركه إياها قيعانا خراباً، فقالوا في ذلك فأحسنوا وكان من جملتهم أبو تمام الطائي قال: بذ الجلاد البذُ فهو دفينُ ... ما إن بها إلا الوحوش قطين لم يقر هذا السيف هذا الصبر ... في هيجاء إلا عزّ هذا الدينُ قد كان عذرة سؤددٍ فافتضها ... بالسيف فحل المشرق الأفشين فأعادها تعوي الثعالب وسطها ... ولقد ترى بالأمس وهي عرينُ هطلت عليه من جماجم أهلها ... ديم إمارتها طلىً وشؤون كانت من المهجات قبل مفازة ... عسراً فأضحت وهي منه معين سنة ٢٢٣ هـ فتح عمورية على يد المعتصم: "في هذه السنة أوقع ملك توفيل بن ميخائيل بأهل سلطته من المسلمين وما والاها ملحمة عظيمة، قتل فيها خلقا كثيراً من المسلمين، وأسر ما لا يحصون كثرة، وكان من

стр. 321

جملة من أسر ألف امرأة من المسلمات ومثل بمن وقع في أسره من المسلمين فقطع آذانهم وأنوفهم وسمل أعينهم -قبحه الله-. ولما بلغ ذلك المعتصم انزعج لذلك جداً وصرخ في قصره بالنفير، ثم نهض من فوره وأمر بتعبئة الجيوش واستدعى القاضي والشهود فأشهدهم أن ما يملكه من الضياع ثلثه صدقه، وثلثه لولده، وثلثه لمواليه وخرج بالجيش إعانة للمسلمين فوجدوا ملك الروم قد فعل ما فعل وشمر راجعا إلى بلاده وتفارط ولم يمكن الاستدراك فيه، فقال للأمراء أي بلاد الروم أمنع؟ فقالوا: عمورية لم يعرض لها أحد منذ كان الإسلام وهى عندهم أشرف من القسطنطنية" (١) فعزم على فتحها. رب وامعتصماه انطلقت ... ملء أفواه الصبايا اليتم صادفت أسماعنا لكنها ... لم تصادف نخوة المعتصم تجهّز المعتصم جهازاً لم يجهزه أحد كان قبله من الخلفاء، وأخذ معه آلات الحرب والأحمال والجمال والقرب والدواب والنفط والخيل والبغال شيئاً لم يسمع بمثله، وسار إلى عمورية في جحافل أمثال الجبال وقدم المعتصم إليها صبيحة يوم الجمعة لستٍ خلون من رمضان فدار حولها دورة ثم نزل قريباً منها، وقد تحصّن أهلها تحصيناً شديداً وملؤا أبراجها بالرجال والسلاح، وهي مدينة عظيمة كبيرة جداً ذات سور منيع وأبراج عالية كبار كثيرة، وقسم المعتصم الأبراج بالأمراء فنزل كل أمير تجاه الموضع الذي أقطعه وعينه له، ونزل المعتصم قبالة مكان هناك قد أرشده إليه بعض من كان فيها من المسلمين، وكان قد تنصّر عندهم وتزوج منهم، فلما رأى أمير المؤمنين والمسلمين رجع إلى الإسلام وخرج إلى الخليفة فأسلم وأعلمه بمكان في السور كان قد هدمه السيل وبنى بناءً ضعيفا بلا أساس، فنصب المعتصم المجانيق حول عمورية فكان أول موضع انهدم من سورها ذلك الموضع الذي دلهم عليه ذلك الأسير فبادر أهل البلد فسدوه بالخشب الكبار المتلاصقة فألحّ عليها المنجنيق لجعلوا فوقها البرادع ليردوا حرة الحجر فلم تعْن شيئاً وانهدم السور من ذلك الجانب وتفسّخ. فكتب نائب البلد إلى ملك الروم يعلمه بذلك، وبعث ذلك مع

стр. 322

غلامين من قومهم فلما اجتازوا الجيش في طريقهما أنكر المسلمون أمرهما فسألوهما من أنتما؟ فقالا: من أصحاب فلان لأمير سموْه من أمراء المسلمين، فحملا إلى المعتصم فقررهما فإذا معهما كتاب من "مناطس" نائب عمورية إلى ملك الروم يعلمه بما حصل لهم من الحصار، وأنه عَازم على الخروج من أبواب البلد بمن معه بغتة على المسلمين ومناجزهم القتال كائناً في ذلك ما كان. فلما وقف المعتصم على ذلك أمر بالغلامين فخلع عليهما، وأن يعطى كل غلام منهما بدرة، فأسلما من فورهما، فأمر الخليفة أن يطاف بهما حول البلد وعليهما الخلع، وأن يوقفا تحت حصن "مناطس" فينثر عليهما الدراهم والخلع، ومعهما الكتاب الذي كتب به مناطس إلى ملك الروم فجعلت الروم تلعنهما وتسبهما، ثم أمر المعتصم عند ذلك بتجديد الحرس والاحتياط والاحتفاظ من خروج الروم بغتة، فضاقت الروم ذرعاً بذلك، وألحّ عليهم المسلمون في الحصار، وقد زاد المعتصم في المجانيق والدبّابات وغير ذلك من آلات الحرب، ولما رأى المعتصم عمق خندقها وارتفاع سورها، أعمل المجانيق في مقاومة السور وكان قد غنم في الطريق غنماً كثيراً جداً ففرقها في الناس وأمر أن يأكل كل رجل رأساً ويجيء بملء جلده تراباً فيطرحه في الخندق، ففعل الناس ذلك فتساوى الخندق بوجه الأرض من كثرة ما طرح فيه من الأغنام ثم أمر بالتراب فوضع فوق ذلك حتى صار طريقاً ممهداً، وأمر بالدبابات أن توضع فوقه فلم يحوج الله إلى ذلك، وبينما الناس في الجسر المردوم إذ هدم المنجنيق ذلك الموضع المعيب فلما سقط ما بين البرجين سمع الناس هدة عظيمة فظنها من لم يرها أن الروم قد خرجوا على المسلمين بغتة، فبعث المعتصم من نادى في الناس: إنما ذلك سقوط السور ففرح المسلمون بذلك فرحاً شديداً لكن لم يكن ما هدم يسع الخيال والرجال إذا دخلوا، وقوىَ الحصار وقد وكلت الروم بكل برج من أبراج السور أميراً يحفظه، فضعف ذلك الأمير (١) -وندوا- الذي هدمت ناحيته من السور عن مقاومة ما يلقاه من الحصار فذهب إلى مناطس (٢) فسأله نجدة فامتنع أحد من الروم أن ينجده وقالوا: لا نترك ما نحن موكلون بحفظه.

стр. 323

"قال "وندوا ": إن الحرب علىّ وعلى أصحابي، ولم يبق معي أحد إلا جرح، فصيروا أصحابكم على الثلمه يرمون قليلاً وإلا افتضحتم. وذهبت المدينة فأبوا أن يمدوه بأحد" (١) . فلما يئسَ منهم خرج إلى المعتصم ليجتمع به (ليطلب الأمان على الذرية) فلما وصل إليه أمر المعتصم المسلمين أن يدخلوا البلد من تلك الثغرة التي قد خلت من المقاتلة، فركب المسلمون وتقدموا إلى الثملة، ولم يقدر الروم على دفع المسلمين بعد أن تكاثروا ودخلوا المدينة قهراً وتتابع المسلمون إليها يكبرون وتفرقت الروم عن أماكنها فجعل المسلمون يقتلونهم في كل مكان حيث وجدوهم وقد حشروهم في كنيسة هائلة ففتحوها قسراً وقتلوا من فيها وأحرقوا عليهم باب الكنيسة فاحترقت فأحرقوا عن آخرهم، ولم يبق فيها موضع محصن سوى المكان الذي فيه النائب وهو مناطس في حصن منيع فركب المعتصم فرسه وجاء حتى وقف بحذاء الحصن الذي فيه "مناطس" فناداه المنادي ويحك يا مناطس! هذا أمير المؤمنين واقف تجاهك فقالوا: ليس بمناطس ها هنا مرتين، فغضب المعتصم من ذلك وولى فنادى مناطس: هذا مناطس ... هذا مناطس، فرجع الخليفة ونصب السلالم على الحصن وطلع عليه الحسن الرومي (٢) فقال له: ويحك انزل على حكم أمير المؤمنين، فتمنع ثم نزل متقلداً سيفاً فوضع السيف في عنقه ثم جِيءَ به حتى أوقف بين يدي المعتصم فضربه بالسوط على رأسه ثم أمر به أن يمشى إلى مضرب الخليفة مهاناً إلى الوطاق الذي فيه الخليفة نازل فأوثق هناك. وأخذ المسلمون من عمورية أموالاً لا تحد ولا توصف فحملوا منها ما أمكن حمله، وأمر المعتصم بإحراق ما بقى من ذلك، وبإحراق ما هنالك من المجانيق والدبابات وآلات الحرب لئلا يتقوى بهما الروم على شيء من حرب المسلمين" (٣) . سنة ٢٦٤ هـ ١٤ رمضان سقوط سرقوسة من جزيرة صقلية: سقطت سرقوسة في يد المسلمين في ١٤ رمضان سنة ٢٦٤ هـ ٢١ مارس

стр. 324

سنة ٨٧٨ م، على يد جعفر بن محمد بعد حصار دام تسعة شهور براً وبحراً، وهزم جعفراً أسطولاً رومياً جاء لنجدتها وظفر بأربع قطع بحرية منه، وكان سقوطها كارثة كبرى لبيزنطة وسياستها الحربية، فقد انهارت الجهود الجبارة التي بذلتها سنوات طويلة لإعادة النفوذ البيزنطي على ساحل البحر الأدورياتي" (١) . سنة ٥٥٩ هـ وقعة حارم: "فتحت في رمضان من هذه السنة، وذلك أن الملك نور الدين محمود زنكي استغاث بعساكر المسلمين فجاؤْه من كل فجٍ ليأخذ ثأره من الفرنج فالتقى معهم على حارم فكسرهم كسرة فظيعة، وأسر البرنس بيمند صاحب أنطاكية، والقومص صاحب طرابلس، والدوك صاحب الروم، وابن جوسليق، وقتل منهم عشرة آلاف وقيل عشرين ألفاً" (٢) . سنة ٥٨٤ هـ رمضان فتح الكرم وصفد: بعد أن عاد صلاح الدين الأيوبي إلى دمشق في أوائل رمضان وجاءته البشائر بفتح الكرم وإنقاذه من أيدي الفرنج، وأراح الله منهم تلك الناحية، وسهل حزنها على السالكين من التجار والغزاة والحجاج (فقُطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) [الأنعام: ٤٥] . ولم يقم السلطان بدمشق إلا أياماً حتى خرج قاصداً صفد فنازلها في العشر الأوسط من رمضان، وحاصرها بالمجانيق، وكان البرد شديداً، يصبح الماء فيه جليداً، فما زال حتى فتحها صلحاً في ثمان شوال" (٣) . سنة ٦٥٨ هـ الجمعة ٢٥ رمضان وقعة "عين جالوت": أو هكذا ننسى المفاخر مثلما ... يُنسي الصغير هوى الرِّضاع فِطامُ أو لم تكن في عين جالوت لنا ... همم لردع المعتدين عظَامُ

стр. 325

لما بلغ الملك المظفر قطز ما كان من أمر التتار بالشام المحروسة وذبحهم للمسلمين وتشريدهم وتخريب دورهم وأنهم عازمون على الدخول إلى ديار مصر بادرهم قبل أن يبادروه، وبرز إليهم وأقدم عليهم قبل أن يقدموا عليه، حتى انتهى إلى الشام، فكان اجتماعهم على "عين جالوت" يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان وهذه بشارة عظيمة فإن وقعة بدر كانت يوم الجمعة في رمضان. ولما رأى قطز عصائب التتار قال للأمراء والجيوش الذين معه: لا تقاتلوهم حتى تزول الشمس وتفيء الظلال وتهب الرياح، ويدعو لنا الخطباء والناس في صلاتهم. وكان قطز قد رأى في المنام وهو صغير رسول الله وقال له: أنت تملك الديار المصرية وتكسر التتار، وكان يحدث بهذا. واقتتل الفريقان اقتتالاً عظيماً، وقتل جواد قطز، فترجل وبقي واقفاً على الأرض ثابتاً، والقتال عمال في المعركة، وهو في موضع السلطان في القلب، فلما رآه بعض الأمراء ترجل عن فرسه وحلف على السلطان ليركبنها فامتنع وقال لذلك الأمير: ما كنت لأحرم المسلمين نفعك، ولم يزل كذلك حتى جاؤوه بالخيل فركب، فلامه بعض الأمراء وقالوا: يا خوند لِمَ لا ركبت فرس فلان؟ فلو أن بعض الأعداء رآك لقتلك وهلك الإسلام بسببك، فقال: أما أنا فكنت أروح إلى الجنة، وأما الإسلام فله رب لا يضيعه، قد قتل فلان وفلان وفلان حتى عد خلقاً من الملوك، فأقام للإسلام من يحفظه غيرهم ولم يضيع الإسلام. وكانت النصرةُ ولله الحمد للإسلام وأهله، فهزموهم المسلمون هزيمة هائلة وقتل أمير المغول كتبغانوين وجماعة من بيته، قتله الأمير جمال الدين آقوش الشمس، واتبعهم الجيش الإسلامي يقتلونهم في كل موضع. وقد قاتل الملك المنصور صاحب حماه مع الملك المظفر قتالاً شديداً، وكذلك الأمير فارس الدين أقطاي المستعرب، وكان أتابك العسكر، وقد أسر من جماعة كتبغانوين ابنه فأحضر بين يدي قطز فقال له: أهرب أبوك؟ قال: إنه لا يهرب، فطلبوه فوجدوه بين القتلى، فلما رأه ابنه صرخ وبكى، فلما تحققه المظفر سجد لله تعالى ثم قال: أنام طيباً،

стр. 326

كان هذا سعادة التتار وبقتله ذهب سعدهم، وهكذا كان كما قال ولم يفلحوا بعده أبداً وأسر الملك السعيد بن عبد العزيز بن العادل وكان يقاتل مع كتبغا فأمر المظفر بضرب عنقه. واتبع الأمير بيبرس البندقداري وجماعة من الشجعان التتار يقتلونهم في كل مكان، إلى أن وصلوا خلفهم إلى حلب، وهرب من بدمشق منهم يوم الأحد السابع والعشرين من رمضان، فتبعهم المسلمون من دمشق يقتلون فيهم ويستفكون الأسارى من أيديهم، وجاءت بذلك البشارة ولله الحمد على جبره إياهم بلطفه، فجاوبتها دق البشائر من القلعة وفرح المؤمنون بنصر الله فرحاً شديداً، وأيّد الله الإسلام وأهله تأييداً وكبت الله النصارى واليهود والمنافقين وظهر دين الله وهم كارهون، فتبادر عند ذلك المسلمون إلى كنيسة النصارى التي خرج منها الصليب فانتهبوا ما فيها وأحرقوها وألقوا النار فيما حولها فاحترق دور كثيرة للنصارى، وملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً، وأحرق بعض كنيسة اليعاقبة (*) ، وهمت طائفة بنهب اليهود فقيل لهم إنهم لم يكن منهم من الطغيان كما كان من عبدة الصلبان، وقتلت العامة وسط الجامع شيخاً رافضياً، كان خبيث الطوية مصانعاً للتتارعلى أموال الناس يقال له الفخر محمد بن يوسف الكنجي، وقتلوا جماعة مثله من المنافقين (فقُطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) [الأنعام: ٤٥] . "رحم الله قطز فقد كان بطلاً كثير الخير ناصحاً للإسلام وأهله" (١) . فتح أنطاكية سنة ٦٦٦ هـ: وهذه معركة من معارك المسلمين ضد الصليبيين أما الزمان فهو رمضان من سنة ستٍ وستين وستمائة، وأما المكان فهو الشام وبالتحديد مدينة أنطاكية، وأما القائد فهو السلطان المسلم والقائد المظفر قاهر المغول والصليبيين الظاهرُ بيبرس ﵀.

стр. 327

تولى هذا القائد المسلم الحكم في دولة المماليك بُعَيد معركة "عين جالوت"، وأبدى من الأعمال والإصلاحات ما جعل المؤرخين يعدونه بحق مؤسس الدولة المملوكية في مصر والشام والحجاز. والواقع أن الظاهر بيبرس قاد أمة الإسلام وحقق الله النصر لها على يديه على عدوين قويين تحالفا من أجل القضاء على هذه الأمة ودينها، وهما المغول الوثنيون في الشرق، والصليبيون النصارى في الغرب. فالمغول في الشرق أقاموا لهم دولة في فارس والعراق، وأصبحوا يتحينون الفرص للثأر من المسلمين الذين سحقوهم في معركة "عين جالوت"، كما تحدثنا عن ذلك، فيما مضى. أما النصارى فعلى الرغم من الهزائم التي أنزلها بهم صلاح الدين الأيوبي ﵀ فلا زالت الإمدادات تصلهم تباعاً من الدول الأوربية فتتقوى بها إماراتهم الثلاث في قلب العالم الإسلامي. وهكذا وجد سلطان المسلمين آنذاك أنه محصور بين هاتين القوتين، ومع ذلك لم يضعف ولم يستسلم، ولكنه عزم على الجهاد، هيأ درلته وشعبه لهذا الأمر العظيم، واتخذ الأسباب المعينة على هزيمة الأعداء، ووضع لنفسه منهجاً وأسلوباً عسكرياً فريداً، قوامه الصرامة في التعامل مع الأعداء، ووضع الخطط الحربية المناسبة، والسرية التامة في كل تحركاته ووجهاته حتى مع جنده وقادته، وحقق بتوفيق الله انتصارات حاسمة على المغول وعلى الصليبيين، فتهاوت أمامه المدن والقلاع وطهرها من رجس الصليبيين، وفي رمضان سنة ستٍ وستين وستمائة كان الموعد مع أنطاكية. وأنطاكية عاصمة الإمارة الصليبية التي تحمل اسمها، وهي واحدة من ثلاث إمارات صليبية ظلت باقية في العالم الإسلامي إلى ذلك الوقت، حيث أزالها المماليك بعد ذلك. سار السلطان بيبرس بجيشه نحو أنطاكية مارّاً بمدن الشام، حيث أمرَ بإبطال الخمور والمنكرات، وأمر ببناء مسجد في حمص، وهكذا كان معظم قادة المسلمين يقدمون الأعمال الصالحة قبل جهادهم، ويطهرون بلادهم من المعاصي والمنكرات لعلمهم أن ذلك هو الطريق إلى النصر المظفر بإذن الله.

стр. 328

وما خُذِلَ المسلمون وما هُزموا إلا بما قدمته أيديهم، ولذا كانت وصية خلفاء رسول الله ﷺ لقادتهم هي اجتناب المعاصي والبعد عن الآثام لأنها سبب الهزائم. وصلت الجيوش الإسلامية إلى أنطاكية، وأحاطت بها من كل جانب، وكان ذلك في يوم جمعة من أيام رمضان المبارك، فكان ذلك شرف زماني عظيم تُرَجَّى فيه إجابة الدعوات، وأرسل المسلمون للنصارى يطلبون منهم الاستسلام حفظاً لأرواحهم، ولكنهم لم يفعلوا ذلك، وفي يوم السبت زحفت العساكر الإسلامية وأطافت بالمدينة والقلعة على اتساعها، وقاتل أهلها قتالاً شديداً فتسوّر المسلمون الأسوار من جهة الجبل، ونزلوا المدينة فهرب أهلها إلى القلعة، وتسلم المسلمون المدينة، فقتلوا من قاتلهم، وأسروا الباقي، وكان في هذه المدينة مائة ألفٍ من الصليبيين من المحاربين. وأما القلعة فقد اجتمع فيها ثمانية آلاف من المقاتلة الأشدّاء، غير أن المسلمين ضيَّقوا عليهم فطلبوا التسليم في يوم الأحد، على أن لا يقتلوا فاستجاب لهم المسلمون وصعد السلطان الظاهر بيبرس -رحمه الله تعالى- وتسلَّم القلعة وعفا عن كل من فيها. وكُتِبَت كتب البشائر لأنحاء العالم الإسلامي بهذا النصر العظيم، والفتح الكبير وسقطت بذلك إمارة أنطاكية الصليبية، فكان ذلك إيذاناً بزوال الإمارات الصليبية كلها، وكان ملك أنطاكية خارجها فسلم لأجل ذلك، وأرسل له السلطان بيبرس كتاباً يخبره بهذا الفتح ويصف له الوقعة ويدعوه إلى الاستسلام وهذه مقتطفات منه: "وفتحناها بالسيف من يوم السبت من رمضان، وقتلنا كل من اخترته لحفظها، والمحاماة عنها، وما كان أحد منهم إلا وعنده شيء من الدنيا، فما بقي أحد منا إلا وعنده شيء منهم ومنها، فلو رأيت خيالتك وهم صراعى تحت أرجل الخيل، وديارك والنهابة فيها تصول، وأموالك وهي توزن بالقنطار، وإماءك فكل أربع منهن تباع فتشترى من مالك بدينار، ولو شاهدت النيران وهي في قصورك تخترق، والقتلى بنار الدنيا قبل نار الآخرة تحترق لكنت تقول: (يا ليتني كنت ترابا) [النبأ: ٤٠] ، واستنزلنا أصحابك من الصياصي، وأخذناهم بالنَّواصي، وفرقناهم في الداني والقاصي، ولم يبق شيء يطلق عليه اسم العصيان، إلا النهر فلو استطاع لما تسمى بالعاصي، وقد أجرى دموعه ندماً" (١) .

стр. 329

وهكذا انتصر المسلمون على الصليبيين، واستعادوا منهم منطقة من مناطق العالم الإسلامي التي احتلوها قبل عشرات السنين، ومع ذلك لم ييأس المسلمون ولم يقنطوا وعملوا أسباب النصر فوهب الله لهم ذلك. فتح أرمينيا الصغرى سنة ٦٧٣ هـ: موعدنا مع نصر محطم حققه المسلمون على النصارى الأرمن في شهر رمضان من سنة ثلاث وسبعين وستمائة هجرية. وأما مكان هذا النصر فهو الجنوب الشرقي من آسيا الصغرى بين جبال طوروس والبحر المتوسط. والحقيقة أن هذه المنطقة التي أطلق عليها المسلمون اسم الدرب تمثل الحدود المتاخمة لبلاد الروم، ولذا اهتم بها المسلمون منذ وقت مبكر نظراً لموقعها الاستراتيجي على أبواب دولة الروم، وأصبحت مدنها ومراكزها ثغوراً من أهم الثغور الإسلامية وأكثرها خطراً، فشحنها الخلفاء المسلمون بالرجال والسلاح، وجعلوا منها مراكز حصينة للدفاع عن أراضي المسلمين، وأصبحت تعرف بثغور الشام. واشتهر من هذه الثغور مدن طرسوسٍ، وأذنة، والمصيصة، والخلفاء مهتمون بأمرها ولا يولونها إلا شجعان القواد والراغبون في الجهاد. وبعد قرون من القوة والمنعة، أصاب هذه الثغور الضعف نتيجة عدم الاهتمام بها، واستغل الروم ذلك فهاجموها واستولوا عليها، ومنذ ذلك الوقت خرجت تلك الثغور من يد المسلمين وعادت للروم، ثم بدأت أعداد من النصارى الأرمن يستقرون فيها واستطاعوا تشكيل كيان ثابت لهم في تلك البقاع سرعان ما تحول إلى دويلة صليبية في شمال العالم الإسلامي. وحينما جاءت الحملات الصليبية إلى العالم الإسلامي فرح بها هؤلاء الأرمن وقدموا لرجالها كلّ المساعدة، وأعانوهم على المسلمين، ودلّوهم على عوراتهم، بل إن الأرمن اشتركوا بصورة مباشرة في الحرب ضدَّ المسلمين، وكانوا عليهم أشد من نصارى أوروبا وأعنف، ولا عجب فملة الكفر واحدة.

стр. 330

ولم يكتف الأرمن بذلك بل كان لهم أثر كبير في تشجيع المغول الوثنيين ودعوتهم لمهاجمة المسلمين، وعقد ملوك أرمينيا الصغرى تحالفاً معهم ضد المسلمين. ولما جاءت الجيويق المغولية، واكتسحت العالم الإسلامي انضمت جموع النصارى من الأرمن وغيرهم معهم، وكانوا لا يقلون عنفاً وقسوة في تعاملهم مع المسلمين. وهذا هو الذي جعل المسلمين يعدّون الأرمن "أخبث عدو للمسلمين" كما يقول أحد المؤرخين. ولكن وكما أشرنا إليه في الصفحات السابقة فإن الأمة الإسلامية كانت لا تستكين للهزيمة، ولا تستسلم للذل، وهذا هو ما يريده الله لها، أمة مستعلية بدينها منتصرة بعقيدتها، مستمدة أسباب ذلك منه . وبعد أن أفاقت الأمة الإسلامية من هول الاكتساح المغولي بدأ حكامها في العمل على تقويتها، وأدركوا مدى الخطر العظيم الذي يمثله نصارى الأرمن على حدود الدول الشمالية، فخططوا لإخضاعهم وكسر شوكتهم، وكان ذلك في عهد السلطان المملوكي "الظاهر بيبرس". وهذا الحاكم المسلم واحد من أعظم قادة الأمة الإسلامية في التاريخ، حقق الله على يديه لأمة الإسلام انتصارات عظيمة على المغول والصليبيين. ووضع ﵀ مملكة أرمينيا الصغرى نصب عينيه، وانتهز فرصة هدوء الأوضاع على جبهات القتال مع المغول والصليبيين، فكوّن جيشا عظيما هدفُه استعادة أملاك المسلمين التي استولى عليها نصارى الأرمن، ولكنه أسرََّ ذلك ولم يطلع عليه أحداً من قادته، وسار الجيش الإسلامي من مصر قاصداً الشام ثم اتجه شمالاً إلى بلاد الثغور وكان بيبرس على رأس الجيوش ووصلوا إلى تلك المناطق، ولنترك وصف مسير هذا الجيش لمؤرخ معاصر لهذه الحملة هو ابن عبد الظاهر حيث يقول: "ووصل الجيش النهرَ الأسودَ، وقطعته العساكر بمشقة، ووقف السلطان حتى عدَّى بأكثر الناس، وفرق الأمراء بجيوشهم كل واحد منهم إلى جهة، فطلعوا الجبال وما سأل أحد عن طريق، ولا بالى بمضيق، ومروا وعليهم جبال من الحديد لامعة، وسنابك الخيل تتلوى على الجبال، والأرض ترج رجّاً والجبال تبسُّ بساً وتغدو هباء منبثا".

стр. 331

وتساقطت مدن الثغور الواحدة تلو الأخرى في يد المسلمين، وكان ذلك في شهر رمضان. وعيد السلطان بيبرس ﵀ في مدينة "سيس" وهي كرسيُّ المملكة الأرمينية، واستولى على قصر الملك، واتجهت فرقة من الجيش المملوكي إلى مدينة "إياس" وهي ميناء أرمينية على البحر الأبيض فاستولت عليها، وفرت مجموعة من الأرمن والفرنج عبر البحر فغرقوا فيه وهكذا لم يكمُل شهر رمضان إلا والجيوش الإسلامية قد أتمت استعادة بلاد الثغر، واستحق السلطان بيبرس أن يوصف بقاهر الصليبيين والمغول. ولا غرو في ذلك فهو تلميذ صلاح الدين ﵀ سار على منهجه، واتبع خطاه في الجهاد، فحقق الله على يديه النصر العظيم، وكان ذلك بعد عملٍ دؤوب وكفاح مستمر وتحقيق لعوامل النصر كما أوضحها القرآن الكريم، فالنصر دائماً مع المسلمين إن هم صدقوا الله وطبقوا شرعه وعملوا بمقتضاه. وتغنى الشعراء بهذا النصر العظيم وخلّدوه في شعرهم، يقول أحدهم: أي يوم بنصره قد حُبينا ... وبه الله قد أقرَّ العيونا يومَ جزنا بلاد سيسٍ وقلنا ... أيّ نصرٍ من ربِّنا قد جُزينا إذ تبدَّى السلطان بين نجوم ... من بني الترك يعشقون المنونا إلى أن يقول: وترامت كل البلاد وقالت: ... ليتنا مثل سيس قد غُزينا ليت جيش السلطان وافى إلينا ... ليت أنا بخيله قد وُطينا وصدق هذا الشاعر فكم من البلاد تتمنى حكم المسلمين، وتحنّ إلى عدلهم ورحمتهم (١) . سنة ٧٠٢ هـ ٢ رمضان ٢٠ إبريل سنة ١٣٠٣م "معركة شقحب (٢) " أو معركة "مرج الصُّفر": يرى المؤرخ الأرمني أن السبب في سير هذه الحملة التي وقعت فيها معركة شقحب كان رغبة قازان حفيد هولاكو في تحطيم سلطان المسلمين في مصر واسترداد الأرض

стр. 332

المقدسة وتسليمها إلى النصارى، وأن قازان كان يريد السير بنفسه على رأس تلك الحملة، ولكنّ تهديد حدوده الشرقية أدى إلى أن ينيب عنه قطلوشاه التي تعاون مع النصارى ولا سيما أن الأرمن الذين كانوا يشكلون قوة كبيرة في جيش قطلوشاه، وقد استولوا على عدد من مدن المسلمين وقتلوا فيها ومثلوا ونهبوا وفعلوا الأفاعيل البالغة في الفظاعة والشناعة. وكان الرعب الذي يرافق تحركات المغول شديداً يملأ صدور الناس ويوهن قواهم. وعمل العلماء على إشراك الخليفة المستكفي بالله والسلطان الناصر محمد بن قلاوون الصالحي في مواجهة هؤلاء الغزاة وقام شيخ الإسلام بن تيمية بمهمة جسيمة في هذا المجال وجعل المرجفون يرددون: لا طاقة لجيش الشام مع هؤلاء المصريين بلقاء التتار وتصدى ابن تيمية والعلماء لهولاء المرجفين المثبطين حتى استطاعوا أن يقنعوا الأمراء بالتصدي للتتار مهما كان الحال. واجتمع الأمراء وتعاهدوا وتحالفوا على لقاء العدو وشجعوا أنفسهم ورعاياهم، ونودي بالبلد دمشق أن لا يرحل منه أحد، وتوقدت الحماسة الشعبية وارتفعت الروح المعنوية عند العامة والجند وكان لشيخ الإسلام ابن تيمية أعظم التأثير في ذلك الموقف. ثم عمل ﵀ على إلهاب عواطف الأمة وإذكاء حماستها وتهيئتها لخوض معركة الخلاص، وتوجه إلى معسكر الواصل من حماة فاجتمع بهم في القطيفة ما بين دمشق وحمص، فأعلمهم بما تحالف عليه الأمراء والناس من لقاء العدو، فأجابوا إلى ذلك وحلفوا معهم. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يحلف للأمراء والناس، إنكم في هذه الكرّة منصورون. فيقول له الأمراء: قل إن شاء الله. فيقول: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً. وكان يتأول في ذلك أشياء من كتاب الله منها قوله تعالى: (ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله) [الحج: ٦٠] . وقد ظهرت عند بعضهم شبهات تفت في عضد المحاربين للتتار من نحو قولهم:

стр. 333

كيف نقاتل هؤلاء التتار وهم يظهرون الإسلام وليسوا بغاة على الإمام.. فإنهم لم يكونوا فى طاعته في وقت ثم خالفوه؟ فردّ شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الشبهة قائلاً: هؤلاء من جنس الخوارج الذين خرجوا على عليّ ومعاوية -رضى الله عنهما- ورأوا أنهم أحق بالأمر منهما، وهؤلاء يزعمون أنهم أحق بإقامة الحق من المسلمين وهم متلبسون بالمعاصي والظلم. فانجلى الموقف وزالت الشبهة وقال ابن تيمية: "إذا رأيتموني في ذلك الجانب -يريد جانب العدو- وعلى رأسي مصحف فاقتلوني" وخرج بن تيمية من دمشق صبيحة يوم الخميس من باب النصر بدمشق وصحبته جماعة كبيرة يشهد القتال بنفسه وبمن معه. وأراد السلطان الناصر أن يقف معه بن تيمية تحت رايته في القتال، فقال له بن تيمية: السنة أن يقف تحت راية قومه، ونحن من جيش الشام لا نقف إلا معهم، وحرّض السلطان على القتال وبشره بالنصر. وأفتى بن تيمية الناس بالفطر مدة قتالهم، وأفطر هو أيضاً وكان يدور على الأجناد والأمراء فيأكل من شيء معه في يده ليعلمهم أن إفطارهم ليقووا به على القتال أفضل من صيامهم. وكان عدد الجيش المغولي خمسين ألف مقاتل، وقيل إن عدده كان يصل إلى مائة ألف وكان فيه فرقتان الكرج ونصارى الأرمن. وكانت المعركة في يوم السبت ٢ رمضان في سهل شقحب الذي يشرف عليه جبل غباغب وكان السلطان الناصر والخليفة المستكفي بالله والقضاة والأمراء في القلب ومر السلطان والخليفة والقراء بين صفوف الجيش وكانوا يقرؤون آيات القرآن التي تحض على الجهاد والاستشهاد وكان الخليفة يقول: دافعوا عن دينكم وعن حريمكم. ووضعت الأحمال وراء الصفوف، وأمر الغلمان بقتل من يحاول الهرب من المعركة.

стр. 334

والتحم القتال وثبت السلطان ابن قلاوون ثباتاً عظيماً، وأمر بجواده فقيدّ حتى يهرب، وبايع الله تعالى في ذلك الموقف وصدق الله فصدقه الله وقُتل جماعة من سادات الأمراء يومئذ منهم الأمير حسام الدين لاجين الرومي، وثمانية من الأمراء المقدمين معه. واحتدمت المعركة، وحمي الوطيس، واستحر القتل، واستطاع المغول في بادئ الأمر أن ينزلوا بالمسلمين خسارة جسيمة فقتل من قتل من الأمراء ولكن الحال لم يلبث أن تحول بفضل الله ، وثبت المسلمون أمام المغول وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وتغير وجه المعركة وأصبحت الغلبة للمسلمين، حتى أقبل الليل فتوقف القتال إلا قليلاً، وطلع المغول إلى أعلى جبل غباغب، وبقوا هناك طول الليل، ولما طلع النهار نزلوا يبغون الفرار بعد أن ترك لهم المسلمون ثغرة في الميسرة ليمروا منها، وقد تبعهم الجنود المسلمون وقتلوا منهم عدداً كبيراً، كما أنهم مروا بأرض موحلة وهلك كثيرون منهم فيها، وقبض على بعضهم. قال ابن كثير: "فلما جاء الليل لجأ التتار إلى اقتحام التلول والجبال والآكام فأحاط بهم المسلمون يحرسونهم من الهرب ويرمونهم عن قوس واحدة إلى وقت الفجر، فقتلوا منهم ما لا يعلم عدده إلا الله ، وجعلوا يجيئون بهم من الجبال فتضرب أعناقُهم. ثم لحق المسلمون أثر المنهزمين إلى "القريتين" (١) يقتلون منهم ويأسرون ووصل التتار إلى الفرات وهو في قوة زيادته فلم يقدروا على العبور.. والذى عبر فيه هلك.. فساروا على جانبه إلى بغداد فانقطع أكثرهم على شاطيء الفرات وأخذ العرب منهم جماعة كثيرة. وفي يوم الاثنين رابع رمضان رجع الناس من الكسوة إلى دمشق فبشروا الناس بالنصر. وفيه دخل شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية البلد ومعه أصحابه من المجاهدين، ففرح الناس به، ودعوا له، وهنؤوه بما يسرّ الله على يديه من الخير. وفي يوم الثلاثاء خامس رمضان دخل السلطان إلى دمشق ويين يديه الخليفة، وزينت البلد، وبقيا في دمشق إلى ثالث شوال إذ عادا إلى الديار المصرية" (٢) .

стр. 335

وكان فرح السلطان الناصر والمسلمين بهذه المعركة فرحاً كبيراً، ودخل مصر دخول المظافر المنتصر يتقدم موكبه الأسرى المغول يحملون في أعناقهم رؤوس زملائهم القتلى واستقبل استقبال الفاتحين. قال ابن حجر في "الدرر الكامنة" (٤/٢٦١-٢٦٥) : "كانت وقعة شقحب وكان للناصر فيها اليد البيضاء من الثبات، ووقع النصر للمسلمين". يقول ابن عبد الهادي: "قد أخبرني صاحب أمير، ذو دين متين، وصدق لهجة، معروف في الدولة، قال: قال لي الشيخ يوم اللقاء ونحن بمرج الصفر وقد تراءى الجمعان: يا فلان! أوقفني موقف الموت. قال: فسقته إلى مقابلة العدو وهم منحدرون كالسيل تلوح أسلحتهم من تحت الغبار المنعقد عليهم، ثم قلت له: يا سيدي هذا موقف الموت، وهذا العدو قد أقبل تحت هذه الغبرة المنعقدة، فدونك ما تريد. قال: فرفع طرفه إلى السماء وأشخص بصره، وحرّك شفتيه طويلاً، ثم انبعث وأقدم على القتال. وأما أنا فخيّل إليّ أنه دعا عليهم، وأن دعاءه استجيب منه في تلك الساعة.. ثم حال القتال بيننا والالتحام، وما عدت رأيته حتى فتح الله ونصر، وانحاز التتار إلى جبل صغير، عصموا نفوسهم به من سيوف المسلمين في تلك الساعة.. وكان آخر النهار وإذا أنا بالشيخ وأخيه يصيحان بأعلى صوتيهما تحريضاً على القتال، وتخويفاً للناس من الفرار". قال ابن عبد الهادي "وظهر فيها من كرامات الشيخ، وإجابة دعائه، وعظيم جهاده وقوة إيمانه وشدة نصحه للإسلام، وفرط شجاعته، ونهاية كرمه، وغير ذلك من صفاته ما يفوق النعت ويجوز الوصف" (١) . فتح جزيرة قبرص في عهد المماليك سنة ٨٢٩ هـ: مخرت سفن المسلمين عباب البحار للجهاد ونشر دين الله في كل منطقة يصلون

стр. 336

إليها، كما طوت خيلهم فلوات الأرض حتى وصلت أقصاها. وكانت جزيرة قبرص، من المناطق التي فتحها المسلمون منذ عصر مبكر حيث وصلها معاوية بن أبي سفيان -رضى الله عنه- سنة ٢٨ هـ لتكون بعد ذلك خاضعة للمسلمين تدفع لهم الجزية كل عام، وظلت كذلك مدة من الزمن حتى إذا ضعف المسلمون بعد ذلك طمع فيهم الأعداء من نصارى أوروبا فغزوهم بجيوش جرارة متتابعة وسقطت بعض المناطق الإسلامية في أيديهم ومنها جزيرة قبرص. والحقيقة أن هذه الجزيرة بموقعها الاستراتيجي شرق البحر الأبيض المتوسط ظلت طيلة الحروب الصليبية قاعدة ينطلق منها الصليبيون لمهاجمة العالم الإسلامي، وأصبح حكامها أكثر النصارى تعصباً للحروب الصليبية ورغبة في استمرارها، ولذا ظلوا يسعون لدى ملوك أوروبا ويطلبون منهم إرسال الحملات العسكرية لتحطم العالم الإسلامي. وفي سنة ٧٦٩ هـ قاد ملك قبرص حملة صليبية اتجهت نحو الإسكندرية وهاجمها في غفلة من حكامها واستطاع دخولها فأعمل السيفَ في رقاب المسلمين وقتل وأسر ونهب، وكانت مقتلة عظيمة لم يصب هذا الثغر بمثلها قبل ذلك، وعاد هذا الملك الصليبي الحاقد على الإسلام محملا بما نهب من المسلمين. وظل حكام المماليك في مصر يتحينون الفرصة للأخذ بالثأر والقضاء على خطر هذه الجزيرة ومعاقبة حكامها. وفي عهد السلطان المملوكي الأشرف برسباي (٨٢٥-٨٤١ هـ) عقد هذا السلطان العزم على فتح هذه الجزيرة وأخذ يستعد لذلك بتجهيز المراكب وتجميع العساكر، وأرسل لها ثلاث حملات متتاليات في ثلاث سنوات ابتداءً من سنة ٨٢٧ هـ وكلُّها في شهر رمضان. كانت الحملتان الأوليان لغرض الاستكشاف، استطاع المسلمون من خلالهما التعرف على الجزيرة ومدى قوة حكامها، كما حققوا انتصارات عليهم وعادوا محملين بالغنائم والأسرى. أما الحملة الثالثة: فكانت في شهر رمضان سنة ٨٢٩ هـ وقادها أربعة من أمراء

стр. 337

المماليك انطلقت في عدد كبير من المراكب نحو الجزيرة، تحمل أعداداً عظيمة من المجاهدين، وقد تخلف عدد أكبر لم يجدوا ما يحملهم فحزنوا لذلك حزناً شديداً. يقول المؤرخ المعاصر لذلك الفتح ابن تغري بردي: "وعظم ازدحام الناس على كُتّاب المماليك ليكتبوهم في جملة المجاهدين في المراكب المعينَّة، حتى أنه سافر في هذه الغزوة عددٌ من أعيان الفقهاء، ولما أن صار السلطان لا يُنعم لأحد بالتوجه بعد أن استكفت العساكر، سافر جماعة من غير إذن، وأعجبُ من هذا، أنه كان الرجل ينظر في وجه المسافر للجهاد يعرفه قبل أن يسأله لما بوجهه من السرور والبشر الظاهر بفرحه للسفر، وبعكس ذلك فيمن لم يعينَّ للجهاد، هذا مع كرة من تعين للسفر من المماليك السلطانية وغيرهم، وما أرى هذا إلا أنّ الله تعالى قد شرح صدرهم للجهاد وحببهم في الغزو وقتال العدو ليقضى الله أمراً كان مفعولاً، ولم أنظر ذلك في غزوة من الغزوات قبلها ولا بعدها". وكان ليوم خروج المجاهدين نهار يجل عن الوصف، اجتمع الناس لوداعهم وابتهلوا إلى الله تعالى أن ينصرهم، ووصلت السفن الإسلامية جزيرة قبرص، ونزل المجاهدون يفتحون المدن والقرى كل ذلك في شهر رمضان المبارك، وحلت الهزائم بالنصارى واستنجدوا بملوك أوروبا فوصلت إليهم الإمدادات وتجمعت جيوشهم والتقى بها المسلمون في معركة حاسمة وكانت أعداد النصارى أضعاف عدد المسلمين، والمسلمون مع قلتهم ويسير عددهم في ثبات إلى أن نصر الله الإسلام وأُسر ملك قبرص المدعو "جانوس" وركب المسلمون أقفية النصارى يقتلون ويأسرون حتى أن قتلى النصارى يجلون عن الحصر. وتم فتح العاصمة وتوالت الانتصارات وكمل فتح الجزيرة. ثم أقام المجاهدون وأراحوا أبدانهم سبعة أيام، وهم يقيمون شعائر الإسلام من الأذان والصلاة والتسبيح وحمد الله على هذا الفتح العظيم الذي لم يقع مثله في الإسلام من يوم غزاهم معاوية بن أبي سفيان -رضى الله عنه-. وعاد المسلمون إلى مصر يحملون الأسرى وعلى رأسهم ملك قبرص وفرح المسلمون بذلك فرحاً عظيما، وحينما علم بذلك السلطان المملوكي بكى من شدة الفرح، وبكى الناس لبكائه، وصار يكثر من الحمد والشكر لله ، وانطلقت ألسن الشعراء تشيد بهذا الفتح العظيم يقول أحدهم:

стр. 338

بشراك يا مُلْكَ المليك الأشرفي ... بفتوح قبوص بالحسام المشرفي فتح بشهر الصوم تم له فيا ... لك أشرف في أشرفٍ في أشرفِ فتح تفتحت السماوات العلى ... من أجله بالنصر واللطف الحفي والله حفّ جنوده بملائك ... عاداتها التأييد وهو بها حفي وهكذا انتصر المسلمون في هذا الشهر العظيم بعد أن صدقوا في جهادهم واستعانوا بالله على أعدائهم فوفقهم ونصرهم رغم قلة عددهم وكثرة أعدائهم (١) . فتح البوسنة والهرسك سنة ٧٩١ هـ "معركة قوص أوه": سيكون الحديث عن منطقة من مناطق العالم الإسلامي تواجه أعظم هجمة صليبية في العصر الحديث، حيث يقضى على المسلمين بالقتل والأسر والتهجير، وحيث يموت الآلآف بأيدي الصليبيين أو نتيجة الجوع والعطش والمرض، حيث هم محاصرون منذ سنوات. إنها منطقة البوسنة والهرسك، نعود إليها عبر سنين مضت لنعرف كيف وصلها الإسلام وانتشر فيها، وكيف انتصر المسلمون على النصارى الصرب في ذلك الوقت، وضموها إلى بلادهم. في ذلك التاريخ كانت الدولة العثمانية في أوج قوتها وازدهارها حينما اكتسحت أوروبا الشرقية فتهاوت مدنها ودولها تحت ضربات الجيش العثماني المسلم، ووصلت طلائع هذا الجيش إلى مدينة "فيينا" لتحاصرها فترة من الزمن، ويتسابق ملوك أوروبا بإعلان الولاء والانقياد للسلاطين العثمانيين، في ذلك التاريخ كان هَم هؤلاء السلاطين الجهاد في سبيل الله ونشر كلمة التوحيد في كل مكان. لنتوقف قليلاً في عهد السلطان مراد الأول بن السلطان أورخان الغازي، فقد كان من السلاطين العظام الذين جاهدوا في سبيل الله ففتحوا المناطق الواسعة من أوروبا. ولد هذا السلطان سنة ست وعشرين وسبعمائة للهجرة، ونشأ على كريم الأخلاق، ولما شب اشترك مع والده في جهاد اليونان، فأظهر بسالة لا توصف وإقداما لفت الأنظار،

стр. 339

وبعد وفاة والده تولى الحكم سنة إحدى وستين وسبعمائة هجرية فقضى كل سني حكمه في جهاد مستمر. كانت أول أعماله الجهادية فتح مدينة "أدِرنَه" فجعلها عاصمة لدولته وظلت كذلك حتى فتحت القسطنطينية، ثم ساق جيشه نحو البلقان فتبوأوا مدنها وافتتحوا حصونها، وأبرم معاهدة مع ملك اليونان، بيد أن هذه المعاهدة لم تستمر طويلاً؛ حيث نقضها اليونان، وهكذا استطاع السلطان مراد الأول أن يستولي على جزء كبير من أوروبا الشرقية، وأن يحيط بالقسطنطينية من جميع الجهات. وهنا اضطرب ملوك أوروبا النصارى وارتعدت فرائصهم، وأدركوا عظيم الخطر الذي تشكله هذه الدولة المسلمة الفتية، فطلبوا من البابا "أوربانوس" الخامس أن يأمر جميع الدول النصرانية أن تتحد للوقوف في وجه المسلمين، وإخراجهم من أوروبا قبل أن يجتازوا حدود البلقان وحينئذٍ لا يستطيع أحد الوقوف في وجههم فيكتسحوا أوروبا كلَّها. ولبّى البابا استغاثتهم وكتب لجميع ملوك أوروبا النصارى يأمرهم بالتأهب لمحاربة المسلمين، وأن يشنوا حرباً دينية للحفاظ على النصرانية في وجه الإسلام ولم ينتظر الملك أوروك الخامس ملك الصرب وصول الإمدادات من أوروبا، بل استعان بالدول القريبة منه وكوّن جيشا جراراً من اليونان والصرب والمجر والرومان، وسار بهم إلى عاصمة العثمانيين أدِرْنة فحاصرها، وكان السلطان مراد خارجها فعاد مسرعاً بجيشه، وهاجم النصارى بغتة حيث فوجئوا بالتهليل والتكبير وسيوف المسلمين تعلوهم فلم يلبثوا إلا قليلاً حتى ولّوا الأدبار تاركين الثرى مخضبا بدمائهم، وهكذا فشلت محاولة الصرب هذه ضد المسلمين. وكان من نتيجة هذه المعركة أن تسابق حكام البلقان لإعلان الولاء للمسلمين ودفع الجزية لهم. وفي سنة إحدى وثمانين وسبعمائة تحالف ملك الصرب الجديد "لازارجر بلينانوفتش" مع ملك البلغار على مهاجمة المسلمين، لكنهما بعد عدة مناوشات تحققا

стр. 340

من عجزهما عن هزيمة العساكر الإسلامية، فأبرما صلحاً مع السلطان مراد، على أن يدفعا له خراجاً سنويّاً. ولم يستمر هذا الصلح طويلاً فقد نقضه النصارى، وبدأوا يعدُّون العدة لمحاربة المسلمين، إلا أن العثمانيين لم يمهلوهم فاجتاحت جيوشهم بلاد البلغار وهزمت ملكها واحتلت مدُنها، وانتهى الأمر بأسر ملك البلغار. ولما علم ملك الصرب لازار بذلك بدأ يستعد لمواجهة المسلمين فألَّف جيشاً من الصرب والبوسنة والهرسك والألبان والأفلاق والبُغدان وتعاهد الجميع على محاربة المسلمين والاستيلاء على الدولة العثمانية، وبلغ الخبر مسامع السلطان مراد فألف مجلسا للشورى والنظر في الأمر، لكن ولده بايزيد هتف قائلاً في المجلس: "الحرب الحرب والقتال القتال" فأبطل كل مشورة، ودقَّت طبول الحرب وسار الجيش الإسلامي إلى الأعداء فالتقاهم في سهل "قوص أوه" سنة إحدى وتسعين وسبعمائة ونشب القتال بين الجانبين ووثب المسلمون على النصارى والتحموا معهم في القتال التحاما لم يعد ورى معه إلا جماجم طائرة وفرسان غائرة، ودويّ سلاح يدك الجبال الشامخة، وبقيت الحرب بينهما سجالاً مدةً من الزمن دافع الصليبيون الصرب خلالها دفاعاً مستميتاً، وتناثرت الرؤوس، وأزهقت النفوس، وفي أثناء المعركة انحاز صهر ملك الصرب بفرقته إلى المسلمين، ودارت الدائرة على الصربيين، وجرح ملكهم لازار، ثم وقع أسيراً في يد المسلمين، وانتصر المسلمون على الصربيين وكانت من المعارك الحاسمة في تاريخ أوروبا الشرقية، وظلَّ ذكرها شهيراً في أوروبا بأسرها، وزال استقلال الصرب وخضعت كل بلادها للمسلمين، كما فقدت البلغار استقلالها من قبل. وبعد المعركة أخذ السلطان مراد يتمشى بين الجثث وينظر إليها بعين الاندهاش، إذ قام من بينها جندي صربي اسمه "ميلوك كوبلوفتش" فطعن السلطان بخنجر طعنة قاضية، وسقط ﵀ ليسلم الروح بعد قليل. وهكذا شهد سهل كوسوفو بولجي معركة (قوص أوه) الحاسمة بين المسلمين والصرب، وانتصر المسلمون انتصاراً عظيماً، وأخذ الإسلام ينتشر في تلك البقاع حتى تحولت مناطق كاملة إلى الإسلام كما هو الحال في البوسنة والهرسك وكوسفو وغيرها.

стр. 341

وكما يشهد هذا انتصار المسلمين، فقد شهد أيضاً غدر الصرب الذي ذهب ضحيته سلطان المسلمين مراد، فمات أوائل شهر رمضان من سنة إحدى وتسعين وسبعمائة من الهجرة ﵀ وسجل التاريخ منذ ذلك الوقت وإلى يومنا هذا أن الصرب لا يلتزمون بعهد ولا ميثاق، ولا يعرفون في تعاملهم مع المسلمين إلا لغة القوة والبطش وسفك الدماء. واليوم وكما غدر الصرب وأعوانهم بقائد المسلمين في تلك المعركة يغدرون بالمسلمين جميعاً في البوسنة والهرسك، فيقتلون ويأسرون ويغتصبون لا يردعهم خلق ولا دين، ولا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، والعجب كل العجب أن يقف المسلمون جميعا موقف المتفرج على هذا كله" (١) . سنة ٨٢٧ هـ ٢٥ رمضان فتح بلغراد عاصمة المجر على يد السلطان العثماني سليمان القانوني: "كان السلطان سليمان قد أرسل سفيراً إلى ملك المجر يطلب منه دفع الجزية أو الحرب، فما كان من ملك المجر (لويز الثاني) إلّا أن أمر بإعدام السفير، مما أثار غضب السلطان سليمان، فأمر بتجهيز الجيوش وجمع كل ما تتطلبه من الذخائر والمؤن، وسار هو بنفسه في مقدمة الجيش، وأرسل أحد مشاهير قواده (واسمه أحمد باشا) لمحاصرة مدينة "شابتس" (٢) القريبة من بلغراد، ففتحها يوم ٢ شعبان سنة ٩٢٧ ص (الموافق ٨ تموز - يوليو سنة ١٥٢١م) ، ووصل إليها السلطان سليمان في اليوم التالي، ثم قاد الجيوش التي كانت تقوم على حصار هذه المدينة لمساعدة وزيره (بير محمد باشا) الذي كان يحاصر مدينة بلغراد، ويضيق الخناق عليها، ودافع المجريون عن عاصمتهم دفاعاً شديداً، غير أن جند المسلمين تمكنوا من اقتحامها يوم ٢٥ رمضان سنة ٩٢٧ هـ (٢٩ أغسطس سنة ١٥٢١م) وأخلى الجنود المجريون قلعتها، ودخلها السلطان، وصلى الجمعة في إحدى كنائسها التي حُولت فوراً إلى مسجد. وصارت هذه المدينة التي كانت أمنع حصن للمجرين ضد تقدم القوات العثمانية، أكبر مساعد لها على فتح ما وراء

стр. 342

الدانوب من الأقاليم والبلدان. وأعلن السلطان هذا الانتصار بالكتابة إلى جميع الولاة، وإلى ملوك أوروبا، ورئيس جمهورية البنادقة، ثم عاد القسطنطينية مكللاً بالنصر والظفر على الأعداء، وأرسل إليه قيصر الروس يهنئه بالفوز والظفر، وكذلك فعل رئيسا جمهوريتي البندقية وراجوزه (١) " (٢) . جهاد المسلمين في الحبشة سنة ٩٣٥ هـ: موعدنا مع نصر عظيم حققه المسلمون للإسلام في بقعة كانت ولا زالت موطناً للجهاد في سبيل الله، وصلها الإسلام منذ وقت مبكر وظل ينتشر فيها وبين أبنائها حتى اعتنقه أكثرهم، فكان منهم الدعاة والمجاهدون الذين حملوا لواء هذا الدين ينشرونه ويدعون له بين بني قومهم. إنها بلاد الحبشة، دار الهجرة الأولى: التي آوت المسلمين المهاجرين فترة من الزمن. لقد انتشر الإسلام على يد هؤلاء المهاجرين، ثم توافد المسلمون إلى تلك البلاد من الحجاز واليمن، واستقروا فيها، وحملوا معهم الإسلام وتعاليمه، وأخذ ينتشر انتشاراً سلميّاً هادئاً، حتى إذا مضى قرن ونيف من الزمان تحول الساحل الحبشي إلى الإسلام وأصبح المسلمون هم سادته وحكامه. ولم يتوقف المد الإسلامي عند الساحل فقط، بل تعداه إلى الداخل في عمق الهضبة الحبشية، حيث أصبح سكان تلك المناطق من المسلمين، وتحولت قبائل كثيرة من الأحباش إلى الإسلام. وبمرور الوقت اتضح الكيان السياسي للمسلمين في الحبشة وكونوا لهم سبع ممالك إسلامية، عرفت بممالك الطراز الإسلامي، وقد تولى حكام هذه الممالك الإسلامية عبء الجهاد في سبيل الله في الحبشة. وإلى جانب هذه الممالك تقوم دولة نصرانية تتخذ من مدينة أكسوم عاصمة لها وهي الدولة التي استضاف واحد من حكامها الأوائل جموع المهاجرين المسلمين، إلا أن

стр. 343

حكامها المتأخرين أظهروا العداوة للمسلمين وبدأوا يحاربونهم ويفتنونهم عن دينهم ويضيقون عليهم، وإذا كان المسلمون في أول الأمر قد كفوا عن مهاجمة الحبشة ولم يمدوا إليها موجة الجهاد الإسلامي، فإنهم اضطروا أخيراً إلى إعلان الجهاد ومهاجمة الدولة النصرانية للدفاع عن دينهم وأنفسهم وإخوانهم المسلمين. وتوالى عدد من الحكام المسلمين المجاهدين الذين قتل أغلبهم في ساحات المعارك مع النصارى، وكلما سقط واحد منهم رفع اللواء آخر، حتى آل إلى مجاهد كبير وقائد عظيم من قادة المسملمين الأحباش ذلك هو الإمام أحمد بن إبراهيم القرين أو أحمد جران كما يسميه المسلمون هناك. كان هذا الإمام ابنا لقسيس حبشي فاعتنق الإسلام وحسن إسلامه، ووجد نفسه في دولة إسلامية ضعيفة، يهيمن عليها النصارى، ويأخذون من حكامها الجزية عكس ما يدعو إليه الإسلام، فلم يستسلم لذلك بل عمل على تقوية المسلمين وذلك بالدعوة إلى الجهاد وإثارته في النفوس. واستطاع الإمام أحمد توحيد الدولة الإسلامية في الحبشة، وكان أول عمل قام به بعد ذلك هو منع دفع الجزية للملوك النصارى، وعندئذ أصبح قيام الحرب بينهم أمر لا مفر منه، وعندما تحركت جيوش الحبشة النصرانية، واجتاحت مملكة المسلمين تصدى لها الإمام أحمد وهزمها شر هزيمة، وعندئذٍ اشتعلت في نفوس المسلمين حماسة الجهاد في سبيل الله والتي كمنت في نفوسهم وقتا طويلاً. واستطاع الإمام أحمد تنظيم صفوف القبائل المسلمة في مهارة فائقة، وجعل منهم قوة ضاربة منيعة، وعندما تم له ذلك، أعلن الجهاد في سبيل الله، وحاول البعض من المسلمين اليائسين تحذيره من هذا الأمر، وأن مصيره سيكون مثل مصير الحكام السابقين الذين ماتوا في ساحات المعارك، ولكن الإمام أجابهم بأن الجهاد في سبيل الله لا يمكن أن يعود بالخسران على المسلمين. وتوالت انتصارات المسلمين في الحبشة وتوالى سقوط المدن النصرانية في أيدي المسلمين، وسيطروا على وسط الحبشة وجنوبها في مدة وجيزة، وأقبل الأحباش على

стр. 344

الإسلام يعتنقونه بأعداد كبيرة، حتى أن قائداً من قادتهم قد دخل بجنده في الإسلام دفعة واحدة وكان عددهم عشرين ألفاً، ويذكر أحد المؤرخين أنه لم يبق على النصرانية أكثر من العُشر وهم الذين فضلوا دفع الجزية للمسلمين. وحاول إمبراطور الحبشة جمع جيوشه المنهارة فاجتمع له عدد كبير سار بهم نحو المسلمين وعلم الإمام بذلك فسار بجيشه مسرعا والتقى العسكران الإسلامي والنصراني، وبات المسلمون يذكرون الله ويحمدونه ويسبحونه، وقام الإمام أحمد في أصحابه وقال: توكلوا على الله واعتصموا به وأشيروا عليَّ: فقالوا: الجهاد بغيتنا ومُنانا، ولا نزال نصبر لهم على الضرب والطعن حتى يحكمَ الله بيننا وهو خير الحاكمين، ففرح بقولهم وبات الجميع مستعدين للقتال، وفي صباح يوم من أيام رمضان سنة خمس وثلاثين وتسعمائة من الهجرة بدأت المعركة بين المسلمين وأعدائهم، وأبلى المسلمون بلاء حسنا وصمدوا في وجه النصارى رغم قوتهم وكثرة عددهم، وأنزل الله النصر عليهم، فانهزم النصارى هزيمة قاسية، وقتل أكثرهم وانفتح الطريق إلى عاصمتهم أكسوم فاستولى عليها المسلمون وقضوا على بقية دولتهم. هذا هو الفتح العظيم الذي حصل للمسلمين في الحبشة على يد أحمد القرين ﵀ والذى حول الحبشة كلها إلى الإسلام. ولكنَّ القوى الصليبية في ذلك الوقت لم تكن لتسكت على انهيار دولة النصارى الوحيدة في العالم الإسلامي، وكان الأحباش النصارى قد استنجدوا بالبرتغال وهم سادة البحار في ذلك الوقت، فأنجدوهم بجيش قوي حديث مسلح بالمدافع، التي لا يعرفها المسلمون الأحباش في ذلك التاريخ، ودخلت القوات البرتغالية الحبشة ورحب بها النصارى وقاومها المسلمون، وحدثت معارك عنيفة بين الصليبين والمسلمين وصمد المسلمون أمامهم مدة من الزمن وكانت مدافع البرتغاليين تقصفهم بلا هوادة ولا رحمة، واستنجد المسلمون بالعثمانيين وتأخرت النجدات، وما وصل منها لم يكن ليغير ميزان القوى لضعفه وقلة تسليحه، وحلت الهزيمة بالمسلمين وقتل قائدهم أحمد القرين ﵀ وبذلك تغير مجرى التاريخ في الحبشة، وعادت القوة للنصارى، واتخذت هجماتهم طابعاً من القوة والوحشية،

стр. 345

وخربوا المساجد وأماكن العبادة وأفرطوا في القتل والتنكيل، وأرغموا المسلمين على اعتناق النصرانية. وهكذا أبلى هذا القائد المسلم بلاء حسنا في الجهاد، وقاد جيوشه في هضبة الحبشة ينشر الإسلام، وكان أكثر معاركه في شهر رمضان. وإلى جانب نجاحه ﵀ كقائد عسكري، فقد كان نموذجاً للحاكم المسلم، يقيم الحدود، ويداوم على الفرائض، ويجلس ويلطف بالمساكين، ويرحم الصغير ويوقر الكبير، وينصر المظلوم من الظالم حتى يرد الحق إلى مكانه، ولا تأخذه في الله لومة لائم" (١) . سنة ١٣٩٣ هـ العاشر من رمضان السادس من أكتوبر ١٩٧٣ النصر على اليهود: منّ الله على عباده وجنوده المؤمنين في مصر بهزيمة اليهود في العاشر من رمضان وعبر المسلمون القناة وحطموا خط بارليف وعلا التكبير في كل مكان من أرض المعركة وأذل المسلمون اليهود في هذه الحرب فالنصر حليف الإيمان والطاعة. دارت على سيناء معركة الوغى ... فوق السهول وفي ربى وبطاح وكتائب الإيمان تهتف كلها ... (الله أكبر) فوق كل سلاح لتدك بارليف النيع بقوة ... طب الجراح بمبضع الجرّاح فإذا (مسليمة) اليمامة هارب ... متنكراً يعدو بمرط (سجاح) وإذا (بمائير) العجوز بمأتم ... ومناحة كبرى سوء صياح ما أفلتت دبابة من حتفها ... (كوهين) أو (شالوم) أو (مزراحي) (عساف ياجوري) أتى مستسلماً ... بفريقه أملا بيوم سراح وهناك في أعلى الهضاب مجند ... كالليث تحت لوائه الصداح (الله أكبر) زلزلت أركانهم ... وكأنما يشدو بها ابن رباح (٢)

стр. 346

واليوم يعود اليهود يذبحون المسلمون وهم ساجدون في المسجد الإبراهيمي في رمضان ويا للمفارقة العجيبة: وكنا عظاماً فصرنا عظاماً ... وكنا نقوت فها نحن قوت ***

стр. 347

الباب التاسع حدث في رمضان

стр. 348

قُبض كليم الرحمن موسى ﵇ ورفع عيسى ﵉ إلي السماء:- قال حريث بن مخشي ﵀: إن عليا ﵁ قُتِل صبيحة إحدى وعشرين من رمضان، فسمعت الحسن بن علي ﵁ يقول وهو يخطب، وذكر مناقب علي، فقال: "قُتل ليلة أُنزل القرآن، وليلة أسري بعيسى ﵇" (١) . موت أم المؤمنين خديجة في العاشر من رمضان: ﵂ وأرضاها وجعل جنات الفردوس مأواها، المبشرة ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب؛ لأنها حازت قصب السبق إلى الإيمان. آمنت به إذ كفر به الناس، وصدقته إذ كذّبه الناس، وواسته بما لها إذ حرمه الناس، ورزقه الله ولدها إذ حرمه أولاد النساء. لم يتزوج عليها النبي ﷺ حتى ماتت إكراماً لها، وتقديراً لإسلامها سلّم الرب عليها وكم لها من مقام صدق في أول البعثة. قالَ رسول الله ﷺ : "خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد" (٢) . مصرع أبي جهل: "في هذا الشهر الكريم في السابع عشر من رمضان، سنة اثنتين للهجرة طُويت أكبر راية من رايات الجاهلية السود..... وهوى أضخم صنم من أصنام الشرك في جزيرة العرب ... لقي أبو جهل مصرعه على أيدي المسلمين في "بدر" وغيبت رمال "القليب" في جوفها السحيق أكبر طاغية عرفته جزيرة العرب" (٣) . ولم تنفع اللاتُ والعزى أبا جهل، وقيل سحقاً للقوم الظالمين.

стр. 349

٤ هـ: "زواج الرسول بزينب بنت خزيمة بنت الحارث التي يقال لها أم المساكين لكثرة صدقاتها عليهم وبرها لهم وإحسانها إليهم، وأصدقها اثنتي عشرة أوقية ونشا ودخل بها في رمضان. قال أبو عمر بن عبد البر: ولا خلاف أنها ماتت في حياة رسول الله ﷺ ، وقيل لم تلبث عنده إلا شهرين أو ثلاثة حتى توفيت -رضى الله عنها- ". ٥ هـ حديث الإفك: فحديث الإفك كان في منصرفهم من غزوة بني المصطلق "غزوة المريسيع" في شعبان، وفي قصة الإفك "فاشتكيت حين قدمت شهراً، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك، لا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي". فالشاهد من هذا أن حديث الإفك امتد إلى رمضان يقيناً. رمضان شهر الصبر وتجلى فيه أروع صبر عرفه الوجود "صبر رسولنا ﷺ ". "لقد كانت حادثة الإفك معركة خاضها رسول الله ﷺ وخاضتها الجماعة المسلمة يومذاك، وخاضها الإسلام، معركة ضخمة لعلها أضخم المعارك التي خاضها رسول الله ﷺ وخرج منها منتصراً كاظماً لآلامه الكبار محتفظاً بوقار نفسه وعظمة قلبه وجميل صبره، فلم تؤثر عنه كلمة واحدة تدل على نفاد صبره وضعف احتماله، والآلام التي تناوشه لعلها أعظم الآلام التي مرت في حياته، والخطر على الإسلام من تلك الفرية من أشد الأخطار التي تعرض لها في تاريخه. وها هو ذا يُرمى في طهارة فراشه، وهو الطاهر الذي تفيض منه الطهارة، وها هو ذا يرمى في صيان حرمته، وهو القائم على الحرمات في أمته. ها هو ذا يرمى في كل شيء حين يُرمى في عائشة -رضى الله عنها-. يرمى في فراشه وعرضه وقلبه ورسالته، يرمى في هذا كله، ويتحدث الناس في المدينة شهراً

стр. 350

كاملاً، والله يريد لحكمة يراها أن يدع هذا الأمر شهراً كاملاً، لا يبين فيه بياناً، فأي صبر فوق صبر رسولنا ﷺ ؟!! وعندما تصل الآلام ذروتها يتعطف عليه ربه، فيتنزل القرآن ببراءة عائشة الصديقة الطاهرة، وبراءة بيت النبوة الطيب الرفيع" (١) . وكان هذا في رمضان. ٩ هـ قدوم وفد ثقيف على رسول الله ﷺ - في رمضان: لما رآهم المغيرة بن شعبة -وكان يرعى- ذهب يشتد ليبشر رسول الله ﷺ فلقيه أبو بكر الصديق فأخبره عن ركب ثقيف فقال أبو بكر للمغيرة: أقسمت عليك لا تسبقني إلى رسول الله ﷺ حتى أكون أنا أحدثه ففعل المغيرة فدخل أبو بكر فأخبر رسول الله ﷺ بقدومهم لما قدموا على رسول الله ﷺ ضربت عليهم قبه في المسجد ليكون أرق. قال ابن إسحاق: فلما أسلموا وكتب لهم أمر عليهم عثمان بن أبي العاص وكان أحدثهم سناً لأن الصديق -رضى الله عنه- قال: يا رسول الله إني رأيت هذا الغلام من أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن. وذكر موسى بن عقبه أن وفدهم كانوا إذا أتوا رسول الله ﷺ خلّفوا عثمان ابن أبي العاص في رحالهم فإذا رجعوا وسط النهار جاء هو إلى رسول الله ﷺ فسأله عن العلم فاستقرأه القرآن فإن وجده نائماً ذهب إلى أبي بكر الصديق، فلم يزل دأبه حتى فقه في الإسلام وأحبه رسول الله في حباً شديداً. وصام وفد ثقيف مع رسول الله ﷺ ما بقي من شهر رمضان وكان رسول الله ﷺ يأتيهم كل ليلة بعد العشاء يحدثهم قائماً على رجليه حتى يراوح بين رجليه من طول القيام فأكثر ما يحدثهم ما لقي من قومه من قريش. وفي قدومهم هذا "وكانوا بضعة عشر رجلاً" لما سألوه عن الربة "اللات" ما هو صانع بها؟ قال: اهدموها "قالوا: هيهات لو تعلم الربة أنك تريد أن تهدمها قتلت أهلها"، فقال عمر بن الخطاب: ويحك يا ابن عبد يا ليل ما أجهلك، إنما الربة حجر. فقالوا: إنا لم نأتك يا ابن الخطاب، ثم قالوا يا رسول الله ﷺ تول أنت هدمها أما نحن فإنا لن نهدمها أبداً، فقال: "سأبعث إليكم من يكفيكم هدمها" فكاتبوه على ذلك. فكان

стр. 351

كتاب هدم اللات في رمضان فاعظم به من نصر، فبعث رسول الله إليهم أبو سفيان بن حرب والمغيرة وخالد بن الوليد، فهدمها المغيرة بن شعبة ونساء ثقيف خسراً يبكين عليها ويقلن: لنبكين دِفاع، اسلمها الرضاع (١) لم يحسنوا المصَاع (٢) . والمغيرة يقول إنما هي لكاع حجارة ومدر. وأبو سفيان يقول: -والمغيرة يضربها بالفأس- "وآهاً لك وآهاً لك" (٣) . وقرّت عين الرسول -صلوات الله عليه- بإسلام "ثقيف" بعد إباء عنيد ونفور جامح دام عشرين عاما: "وتاريخ الدعوة الإسلامية، يروي لثقيف وإسلامها قصة قاتمة البداية؛ مشرقة النهاية" (٤) . سنة ٩ هـ من رمضان "قدوم رسول ملك حمير إلى رسول الله ﷺ بإسلامهم": قال ابنُ كثير: "قال الواقدي: وكان ذلك في رمضان سنة تسع. قال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله ﷺ كتاب ملوك حمير ورسلهم بإسلامهم مقدمه من تبوك وهم الحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذي رعين ومعافر وهمدان، وبعث إليه زرعة ذو يزن ملك بن مرة الرهاوي بإسلامهم ومفارقتهم الشرك وأهله". سنة ١١ هـ ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من رمضان وفاة أم أبيها فاطمة بنت محمد ﵍: ثبت في الصحيح عن عائشة أن فاطمة عاشت بعد النبي ﷺ ستة أشهر -رضى الله عنها-. قال ابن كثير: "يقال أنها لم تضحك في مدة بقائها بعده ﵇، وأنها كانت تذوب من حزنها عليه، وشوقها إليه".

стр. 352

رضى الله عنها -، وتكنى أم أبيها، وقد كان صلوات الله وسلامه عليه عهد إليها أنها أول أهله لحوقاً به، وقال لها مع ذلك: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة؟ وكانت أصغر بنات النبي ﷺ على المشهور ولم يبق بعده سواها، فلهذا عظم أجرها لأنها أصيبت به ﵇. وليس له ﵇ نسل إلا من جهتها. سنة ٤٠ هـ يوم الجمعة سحر السبع عشرة خلت من رمضان "استشهاد علي ابن أبي طالب": في مثل يوم بدر ١٧ من رمضان منّ الله باستشهاد عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين خير أهل الأرض في ذلك الزمان، أعبدهم وأزهدهم، وأعلمهم وأخشاهم لله وقاتله أشقى الآخرين كما صح عن سيد المرسلين. سنة ٥٨ هـ ليلة الثلاثاء السابع عشر من رمضان وفاة أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر ﵂ أم عبد الله زوجة رسول الله ﷺ وأحب أزواجه إليه، المبرأة من فوق سبع سماوات -رضى الله عنها- وعن أبيها، لم يتزوج رسول الله ﷺ بكراً غيرها، ولم ينزل عليه الوحي في لحاف امرأة غيرها، ولم يكن في أزواجه أحب إليه منها، وقد أتاه الملك بها في المنام في سرقة من حرير مرتين أو ثلاثا فيقول: هذه زوجتك. ولما تكلم فيها أهل الإفك بالزور والبهتان، غار الله لها فأنزل براءتها في عشر آيات من القرآن تُتلى على تعاقب الأيام. وقد أجمع العلماء على تكفير من قذفها بعد براءتها. مات رسول الله ﷺ في يومها وفي بيتها وبين سحرها ونحرها، وجمع الله بين ريقه وريقها في آخر ساعة من ساعاته في الدنيا، وأول ساعة في الآخرة، ودفن في بيتها. قال ﷺ : "إنه ليهون عليّ أني رأيت بياض كف عائشة في الجنة". تفرد به أحمد (١) . وهذا في غاية ما يكون من المحبة العظيمة أنه يرتاح لأنه رأى بياض كفها أمامه في الجنة "فرضي الله عنها" (٢) .

стр. 353

سنة ٩٥ هـ ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان موت الحجاج بن يوسف الثقفي: في أرجى الليالي لليلة القدر منّ الله على الأمة وأراحها من الغشوم الظلوم الحجاج بن يوسف الثقفي مبير هذه الأمة كما ثبت في حديث رسول الله ﷺ وكما قالت له أسماء. قال عنه عمر بن عبد العزيز: لو تخابثت الأم فجاءت كل أمة بخبيثها، وجئنا بالحجاج لغلبناهم. قال ابن كثير: الحجاج أعظم ما نقم عليه وصح من أفعاله سفك الدماء، وكفى به عقوبة عند الله . لما بشر الحسن البصري بموت الحجاج سجد شكراً لله تعالى. وأخبر طاووس بموت الحجاج مراراً فلما تحقق وفاته قال: (فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) [الأنعام: ٤٥] (١) . وهذه منة من الله تعالى عظيمة حدثت في ليلة عظيمة من شهر عظيم. استشهاد عبد الرحمن الغافقي في رمضان سنة ١١٤ هـ: استشهد هذا البطل في معركة "بلاط الشهداء" أو "تور بواتيه"، "يمكننا القول: إن عبد الرحمن هو أقدر قائد عسكري عرفته الأندلس في عصر الولاة، ومع قلة الأخبار التي وصلت إلينا عنه إلا أننا نستشف منها عظيم تقدير المؤرخين له وثناءهم عليه" (٢) . هو القائد المسلم الذي تتحدث المصادر النصرانية عن شجاعته النادرة وبقدرته الحربية العظيمة.. هو القائد الذي يقول "إن السماوات والأرض لو كانتا رتقا لجعل الله للمتقين منها مخرجا..". هو القائد الذي زحف بسبعين إلى مائة ألف مقاتل عبر جبال البرانس إلى وسط أوروبا، فاستولى على مدينة آرل، ودوقية أقطانية، وهزم الدوق هزيمة قاسية، واستولى على مدينة تور، وفي تور بواتيه يلقى ربه شهيدا بعد أن كانت الغلبة له في بداية الأمر.

стр. 354

موت الإمام المحدث محمد بن شهاب الزهري أول من دوّن الحديث النبوي: "قال ابن سعد وخليفة والزبير: مات لسبع عشرة خلت من رمضان سنة أربع وعشرين ومائة" (١) . قيام الدولة العباسية سنة ١٣٢ هـ: بعد دخول أبي العباس عبد الله أول الخلفاء العباسيين دمشق. موت شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك وموت إمام الشافعية الإمام المزني كان في رمضان (٢) . ٢٢١ هـ نصر أهل السنة في محنة خلق القرآن: وفيها نصر الله أهل السنة في محنة خلق القرآن بثبات إمامهم أحمد بن حنبل في العشر الأخير من رمضان رغم حبسه الطويل والضرب الشديد والتهديد بالقتل بسوء العذاب وأليم العقاب، وقلة مبالاة أحمد بذلك وصبره وتمسكه بما كان عليه من الدين القويم والصراط المستقيم، فهيأه الله بما آتاه لبلوغ أعلى منازل أهل البلاء في الله من أوليائه. تخلعت يداه وجيء بالضرابين ومعهم السياط فجعل أحدهم يضربه سوطين، ويقول المعتصم: شد قطع الله يديك، ويجيء الآخر فيضربه سوطين، ثم الآخر كذلك، فضربوه أسواطاً فأُغمى عليه وذهب عقله مراراً فأطلقوه في يوم الخامس والعشرين من رمضان سنة ٢٢١ فلم يشعر إلا وهو في حجرة من بيت، وقد أطلقت الأقياد من رجله. وأتوه ﵀ بسويق ليفطر فامتنع من ذلك وأتم صومه. يرحم الله بن حنبل وما أجمل ما قاله البخاري: "لما ضرب أحمد بن حنبل كنا بالبصرة فسمعت أبا الوليد الطيالسي يقول: لو كان أحمد في بني إسرائيل لكان أحدوثة".

стр. 355

وقال المزني: أحمد بن حنبل يوم المحنة، وأبو بكر يوم الردة، وعمر يوم السقيفة، وعثمان يوم الدار، وعليّ يوم الجمل وصفين". إن ابن حنبل إن سألت إمامنا ... وإن الأئمة في الأنام تمسكوا خلف النبي محمد بعد الألى ... خلفوا الخلائف بعده واستهلكوا حذو الشراك على الشراك وإنما ... يحذو المثال مثالهُ المستمسك (١) ***
следующие страницы →