← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22886

نداء الريان في فقه الصوم وفضل رمضان

سيد حسين العفاني

Полный текст (1 282 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وفي رواية الترمذي: "إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا". اختلف العلماء في صحة هذا الحديث منهم من صححه ومنهم من ضعفه. أما الذين صححوه فقد أوّلوه ففسروه تفسيراً لا يتعارض مع ما تقدم من الأدلة على كثرة الصيام في شعبان: * فقد قال الترمذي عقب روايته: "حديث حسن صحيح لا نعرفه إلّا من هذا الوجه على هذا اللفظ"، ثم قال: ومعنى هذا الحديث عند بعض أهل العلم أن يكون الرجل مفطراً فإذا بقي من شعبان شيء أخذ في الصوم لحال شهر رمضان ا. هـ. وقال ابن خزيمة في "صحيحه" (٣/٢٨٢) : "باب إباحة وصل صوم شعبان بصوم رمضان"، والدليل على أن معنى خبر أبي هريرة عن النبي ﷺ : "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى رمضان" أي لا تواصلوا شعبان برمضان فتصوموا جميع شعبان لا أنه نهي عن الصوم إذا انتصف شعبان نهياً مطلقاً. هذا كلام من صحح الحديث وخلاصته أن النهي محمول على اختصاص النصف الأخير بالصيام أو على عدم وصل شعبان برمضان. * أما الذين ضعفوه: فقد قال ابن حجر (٤/١٥٣-١٥٤) : "قال جمهور العلماء. يجوز الصوم تطوعاً بعد النصف من شعبان وضعفوا الحديث الوارد فيه. وقال أحمد وابن معين إنه منكر وقد استدل البيهقي بحديث الباب على ضعفه فقال: الرخصة في ذلك بما هو أصح من حديث العلاء وكذا صنع قبله الطحاوي واستظهر بحديث ثابت عن أنس مرفوعاً "أفضل الصيام بعد رمضان شعبان" لكن إسناده ضعيف، واستظهر أيضاً بحديث عمران بن حصين، ثم جمع بين الحديثين بأن حديث العلاء محمول على من يضعفه الصوم، وحديث الباب مخصوص بمن يحتاط بزعمه لرمضان، وهو جمع حسن والله أعلم". قال ابن رجب الحنبلي ﵀ في "لطائف المعارف" (ص ١٤٢) :

стр. 457

"اختلف العلماء في صحة هذا الحديث ثم في العمل به". فأما تصحيحه فصححه غير واحد منهم الترمذي وابن حبان والحاكم والطحاوي وابن عبد البر. وتكلم فيه من هو أكبر من هؤلاء وأعلم وقالوا: هو حديث منكر، منهم عبد الرحمن ابن مهدي، والإمام أحمد، وأبو زرعة الرازي، والأثرم. وقال الإمام أحمد: لم يرو العلاء حديثاً أنكر منه وردّه بحديث "لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين "فإن مفهومه جواز التقدم بأكثر من يومين. وقال الأثرم: الأحاديث كلها تخالفه. يشير إلى أحاديث صيام النبي ﷺ شعبان ووصله برمضان ونهيه عن التقدم على رمضان بيومين، فصار الحديث حينئذ شاذاً مخالفاً للأحاديث الصحيحة. وقال الطحاوي: "هو منسوخ وحكى الإجماع على ترك العمل به، وأكثر العلماء على أنه لا يعمل به". قال ابن عبد البر في "التمهيد" (٢/٤٠) : "اختلف العلماء في صوم آخر يوم من شعبان تطوعاً، فأجازه مالك وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وأبو حنيفة وأصحابه، وأكثر الفقهاء إذا كان تطوعا ولم يكن خوفاً ولا احتياطاً أن يكون من رمضان. ولا يجوز عندهم صومه على الشك. وقال مالك: إن تيقن أنه من شعبان جاز صومه تطوعاً، وهو قول الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يصام يوم الشك إلا تطوعاً، وقال الثوري: لا يتلوم يوم الشك ولا يصوم أحد يوم الشك. قال ابن رجب في "اللطائف" (ص ١٤٩) : "قالت طائفة: حديث عمران يدل على أنه يجوز صيام يوم الشك وآخر شعبان مطلقاً سواءً وافق عادة أو لم يوافق وإنما نهي عنه إذا صامه بنية الرمضانية احتياطا وهذا مذهب مالك، وذكر أنه القول الذي أدرك عليه أهل العلم حتى قال محمد ابن مسلمة من

стр. 458

أصحابه يكره الأمر بفطره لئلا يعتقد وجوب الفطر قبل الشهر كما وجب بعده، وحكى ابن عبد البر هذا القول عن أكثر علماء الأمصار". وقال أيضاً (ص ١٥١) : "صيام آخر شعبان له ثلاثة أحوال: أحدها: أن يصومه بنية الرمضانية احتياطاً لرمضان فهذا منهي عنه وقد فعله بعض الصحابة وكأنهم لم يبلغهم النهي عنه. والثاني: أن يصام بنية الندب أو قضاء عن رمضان أو عن كفارة ونحو ذلك فجوّزه الجمهور ونهى عنه من أمر بالفصل بين شعبان ورمضان بفطر مطلقاً. والثالث: أن يصام بنية التطوع المطلق فكرهه من أمر بالفصل بين شعبان ورمضان بالفطر منهم الحسن وإن وافق صوماً كان يصومه ورخّص فيه مالك ومن وافقه. وفرق الشافعي والأوزاعي وأحمد وغيرهم بين أن يوافق عادة أولا، وكذلك يفرق بين من تقدم صيامه بأكثر من يومين ووصله برمضان فلا يكره أيضاً إلا عند من كره الابتداء بالتطوع بالصيام بعد نصف شعبان". * قال ابن عبد البر في "الاستذكار" (١٠/٣٢٨) : "استحب ابن عباس وجماعة من السلف ﵏ أن يفصلوا بين شعبان ورمضان بفطر يوم أو أيام، كما كانوا يستحبون أن يفصلوا بين صلاة الفريضة بكلام أو قيام أو مشي أو تقدم أو تأخر من المكان. وفي "مصنف عبد الرزاق" (٤/١٥٨) : عن عطاء قال: كنت عند ابن عباس قبل رمضان بيوم أو يومين فقرب غداؤه فقال: "أفطروا أيها الصيام: لا تواصلوا رمضان شيئاً، وافصلوا". * قال ابن رجب: "قيل في صوم شعبان أن صيامه كالتمرين على صيام رمضان لئلا يدخل في صوم رمضان على مشقة وكلفة، بل يكون قد تمرن على الصيام واعتاده ووجد بصيام شعبان قبله حلاوة الصيام ولذته فيدخل في صيام رمضان بقوة ونشاط. ولما كان شعبان كالمقدمة لرمضان شرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام وقراءة القرآن ليحصل التأهب لتلقي رمضان وترتاض النفوس بذلك على طاعة الرحمن.

стр. 459

قال سلمة بن كهيل: كان يقال: شهر شعبان شهر القراء، وكان حبيب بن أبي ثابت إذا دخل شعبان قال: هذا شهر القرّاء، وكان عمرو بن قيس الملائي إذا دخل شعبان أغلق حانوته وتفرّغ لقراءة القرآن. يا مَنْ فرط في الأوقات الشريفة وضيّعها وأودعها الأعمال السيئة وبئس ما استودعها. مضى رجب وما أحسنت فيه ... وهذا شهر شعبان المباركْ فيا من ضيع الأوقات جهلاً ... بحرمتها أفق واحذر بواركْ فسوف تفارق اللذات قسراً ... ويخلي الموت كرهاً منك دارك تدارك ما استطعت من الخطايا ... بتوبة مخلص واجعل مدارك على طلب السلامة من جحيم ... فخير ذوي الجرائم مَنْ تدارك ليلة النصف من شعبان: قال ﷺ : "إن الله يطلع فى ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن" (١) . وعن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان ليلة النصف من شعبان اطلع الله إلى خلقه، فيغفر للمؤمنين، ويملي للكافرين، ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه" (٢) . وعند الطبراني في "الكبير" بلفظ: "إن الله يطلع على عباده في ليلة النصف من شعبان فيغفر للمؤمنين ويملي للكافرين، ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه" (٣) . قال الألباني: "لا يلزم من ثبوت هذا الحديث اتخاذ هذه الليلة موسماً يجتمع

стр. 460

الناس فيها" (١) . قال ابن رجب: "أما صيام يوم النصف منه فغير منهي عنه فإنه من جملة أيام البيض الغر المندوب إلى صيامها من كل شهر" (٢) فمن صامها من جملة أيام البيض فقد وافق السنة. فصم يومها لله وأحسن رجاءه ... لتظفر عند الكرب منه بلطفه أخي: أشرف هذا الشهر ليلة نصفه فأين أنت من شعبان وأيامه وليلة نصفه. ليالي شعبان وليلة نصفه ... بأيه حال قد تنزل لي صكي وحق لعمري أن أديم تضرعي ... لعل إله الخلق يسمح بالفك صيام ستة أيام من شوال قال رسول الله ﷺ : "من صام رمضان، وأتبعه ستاً من شوال كان كصوم الدهر" (٣) . وروى مسلم من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ : "من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر". قال المناوي: "خص شوال لأنه زمن يستدعي الرغبة فيه إلى الطعام لوقوعه عقب الصوم، فالصوم حينئذ أشق، فثوابه أكثر". وقال ﷺ : "من صام ستة أيام بعد الفطر، كان تمام السنة (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) " (٤) . وقال ﷺ : "صيام شهر رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام بعده بشهرين، فذلك صيام السنة" (٥) .

стр. 461

وقال ﷺ : "جعل الله الحسنة بعشر أمثالها، الشهر بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام بعد الشهر تمام السنة" (١) . قال ابن رجب في "لطائف المعارف" (ص ٢٣٢-٢٣٨) بعد إيراده الحديث أبي أيوب: "اختلف في هذا الحديث وفي العمل به فمنهم من صححه، ومنهم من قال هو موقوف، قاله ابن عيينة وغيره وإليه يميل الإمام أحمد، ومنهم من تكلم في إسناده". وأما العمل به فاستحب صيام ستة من شوال أكثر العلماء، روي ذلك عن ابن عباس ﵄، وطاوس والشعبي وميمون بن مهران، وهو قول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق. * وأنكر ذلك آخرون. وروي عن الحسن أنه كان إذا ذكر عنده صيام هذه الستة قال: لقد رضي الله بهذا الشهر للسنة كلها، ولعله إنما أنكر على من اعتقد وجوب صيامها وأنه لا يكتفى بصيام رمضان عنها في الوجوب وظاهر كلامه يدل على هذا. * وكرهها الثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف، وعلل أصحابهما ذلك مشابهة أهل الكتاب يعنون في الزيادة في صيامهم المفروض عليهم ما ليست منه. وأكثر المتأخرين من مشايخهم قالوا لا بأس به وعللوا أن الفطر قد حصل بفطر يوم العيد حكى ذلك صاحب الكافي منهم. * وكان مهدي يكرهها ولا ينهي عنها. وكرهها أيضاً مالك وذكر في "الموطأ" أنه لم ير أحداً من أهل العلم يفعل ذلك، وقد قيل أنه كان يصومها في نفسه، وإنما كرهها على وجه يخشى منه أن يعتقد فريضتها لئلا يزاد في رمضان ما ليس منه. * وأما الذين استحبوا صيامها فاختلفوا في صيامها على ثلاثة أقوال:

стр. 462

أحدها: أنه يستحب صيامها من أول الشهر متتابعة، وهو قول الشافعي وابن المبارك. والثاني. أنه لا فرق بين أن يتابعها أو يفرقها من الشهر كله وهما سواء، وهو قول وكيع وأحمد. والثالث: أنها لا تصام عقب الفطر فإنها أيام أكل وشرب. ولكن يصام ثلاثة قبل أيام البيض وأيام البيض أو بعدها. وهذا قول معمر وعبد الرزاق. وروي عن عطاء. حتى روي عنه أنه كره لمن عليه صيام من قضاء رمضان أن يصومه ثم يصله بصيام تطوع وأمر بالفطر بينهما وهو قول شاذ. * وأكثر العلماء على أنه يكره صيام ثاني يوم الفطر وقد دلّ عليه حديث عمران بن حصين ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال لرجل: إذا أفطرت فصم، وقد سرد طائفة من الصحابة والتابعين الصوم إلا يوم الفطر والأضحى. وعن الشعبي قال: "لأن أصوم يوماً بعد رمضان أحبّ إليّ من أن أصوم الدهر كله". وخرج أبو يعلى الموصلي بإسناد متصل عن أسامة قال: كنت أصوم شهراً من السنة فقال لي رسول الله ﷺ : أين أنت من شوال فكان أسامة إذا أفطر أصبح الغد صائماً من شوّال حتى يأتي على آخره (١) . * وصيام شوال كصيام شعبان لأن كلا الشهرين حريم لشهر رمضان وهما يليانه، وقد ذكرنا في فضل صيام شعبان أن الأظهر أن صيامهما أفضل من صيام الأشهر الحرم، والاختلاف في ذلك، وإنما كان صيام رمضان واتباعه بست من شوال يعدل صيام الدهر لأن الحسنة بعشر أمثالها. * وفي معاودة الصيام بعد رمضان فوائد عديدة: * منها أن صيام ستة أيام من شوال بعد رمضان يستكمل بها أجر صيام الدهر كله. * ومنها أن صيام شوال وشعبان كصلاة السنن قبل الصلاة المفروضة وبعدها فيكمل

стр. 463

بذلك ما حصل في الفرض من خلل ونقص فإن الفرائض تجبر أو تكمل بالنوافل يوم القيامة كما ورد ذلك عن النبي ﷺ من وجوه متعددة وأكثر الناس في صيامه للفرض نقص وخلل فيحتاج إلى ما يجبره ويكمله من الأعمال، ولهذا نهى النبي ﷺ أن يقول الرجل صمت رمضان كله أو قمته كله قال الصحابي فلا أدري أكره التزكية أم قال لابد من رقدة أو غفلة. كان عمر بن عبد العزيز ﵀ يقول: "من لم يجد ما يتصدق به فليصم" يعني من لم يجد ما يخرجه صدقة الفطر في آخر رمضان فليصم بعد الفطر، فإن الصيام يقوم مقام الإطعام في التكفير للسيئات كما يقوم مقامه في كفارات الأيمان وغيرها من الكفارات في مثل كفارات القتل والوطء في رمضان والظهار. * ومنها أن معاودة الصيام بعد صيام رمضان علامة على قبول صوم رمضان، فإن الله إذا تقبّل عمل عبد وفقه لعمل صالح بعده كما قال بعضهم: "ثواب الحسنة الحسنة بعدها"، فمن عمل حسنة ثم أتبعها بعد بحسنة كان ذلك علامة على قبول الحسنة الأولى، كما أن من عمل حسنة ثم أتبعها بسيئة كان ذلك علامة رد الحسنة وعدم قبولها. * ومنها أن صيام رمضان يوجب مغفرة ما تقدم من الذنوب وأن الصائمين لرمضان يوفون أجورهم في يوم الفطر وهو يوم الجوائز فيكون معاودة الصيام بعد الفطر شكرا لهذه النعمة فلا نعمة أعظم من مغفرة الذنوب. "كان النبي ﷺ يقوم حتى تتورّم قدماه، فيقال له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فيقول: (أفلا أكون عبداً شكوراً) ". وقد أمر الله عباده بشكر نعمة صيام رمضان بإظهار ذكره وغير ذلك من أنواع شكره فقال: (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) . فمن جملة شكر العبد لربه على توفيقه لصيام رمضان وإعانته عليه ومغفرة ذنوبه أن يصوم له شكراً عقب ذلك. كان بعض السلف إذا وُفِّق لقيام ليلة من الليالي أصبح في نهاره صائماً، ويجعل صيامه شكراً للتوفيق للقيام.

стр. 464

وكان وهيب بن الورد يُسئل عن ثواب شيء من الأعمال كالطواف ونحوه فيقول لا تسألوا عن ثوابه ولكن اسألوا ما الذي على من وفق لهذا العمل من الشكر للتوفيق والإعانة عليه. إذا أنت لم تزد على كل نعمة ... لموليكها شكراً فلست بشاكر قال كعب: من صام رمضان وهو يحدث نفسه إذا أفطر من رمضان لم يعص الله دخل الجنة بغير مسألة ولا حساب، ومن صام رمضان وهو يحدث نفسه إذا أفطر عصى ربه فصيامه عليه مردود. * ومنها أن الأعمال التي كان العبد يتقرب بها إلى ربه في شهر رمضان لا تنقطع بانقضاء رمضان بل هي باقية بعد انقضائه ما دام العبد حياً، وذلك أن كثيراً من الناس يفرح بانقضاء شهر رمضان لاستثقال الصيام وملله وطوله عليه ومن كان كذلك فلا يكاد يعود إلى الصيام سريعاً، فالعائد إلى الصيام بعد فطره يوم الفطر يدل عوده على رغبته في الصيام وأنه لم يمله ولم يستثقله ولا تكره به. وقد كان النبي ﷺ يقضي ما فاته من أوراده في رمضان في شوال. فترك في عام اعتكاف العشر الأواخر من رمضان ثم قضاه في شوال فاعتكف العشر الأول منه. فمنْ كان عليه قضاء من شهر رمضان فليبدأ بقضائه في شوال فإنه أسرع لبراعة ذمته وهو أولى من التطوع بصيام ستة من شوال، فإن العلماء اختلفوا فيمن عليه صيام مفروض هل يجوز أن يتطوع قبله أوْ لا؟ وعلى قول من جوّز التطوع قبل القضاء فلا يحصل مقصود صيام ستة أيام من شوال إلا لمن أكمل صيام رمضان ثم أتبعه بست من شوال، فمن كان عليه قضاء من رمضان ثم بدأ بصيام ست من شوال، حيث لم يكمل عدة رمضان لم يحصل له ثواب. من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال، كما لا يحصل لمن أفطر رمضان لعذر بصيام ستة من شوال آخر صيام السنة بغير إشكال. ومن بدأ بالقضاء في شوال ثم أراد أن يتبع ذلك بصيام ستة من شوال بعد تكميله قضاء رمضان كان حسناً لأنه يصير حينئذ قد صام رمضان وأتبعه بست من شوال، ولا

стр. 465

يحصل له فضل صيام ست من شوال بصوم قضاء رمضان لأن صيام الست من شوال إنما تكون بعد إكمال عدة رمضان. عمل المؤمن لا ينقضي حتى يأتيه أجله، قال الحسن: إن الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلاً دون الموت ثم قرأ (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) . هذه الشهور والأعوام، والليالي والأيام، مقادير الآجال، ومواقيت الأعمال، ثم تنقصي سريعا، وتمضي جميعا والذي أوجدها وابتدعها، وخصّها بالفضائل وأودعها باق لا يزول، ودائم لا يحول، هو في جميع الأوقات إله واحد، ولأعمال عباده رقيب مشاهد، فسبحان من قلّب عباده في اختلاف الأوقات بين وظائف الخدم، يسبغ عليهم فيها فواضل النعم، ويعاملهم بنهاية الجود والكرم. فما يمضي من عمر المؤمن ساعة من الساعات إلا ولله فيها عليه وظيفة من وظائف الطاعات، فالمؤمن يتقلب بين هذه الوظائف ويتقرب بها إلى مولاه وهو راج خائف، المحب لا يملّ من التقرب إلى مولاه، ولا يأمل إلا قربه ورضاه. ما للمحب سوى إرادة حبه ... إن المحب بكل أمر يضرع كل وقت يخليه العبد من طاعة مولاه فقد خسره، وكل ساعة يغفل فيها عن ذكر الله تكون عليه يوم القيامة ترة فوا أسفاه على زمان ضاع في غير طاعته، وواحسرتاه على قلب بات في غير خدمته. ما أحسن الحسنة بعد السيئة تمحوها، وأحسن منها الحسنة بعد الحسنة تتلوها وما أقبح السيئة بعد الحسنة تمحقها وتعفوها. سلوا الله الثبات على الطاعات إلى الممات، وتعوذوا به من تقلب القلوب، ومن الحور بعد الكور. ما أوحش ذل المعصية بعد عز الطاعة. ارحموا عزيز قوم بالمعاصي ذل، وغنى قوم بالذنوب افتقر. ترى الحي الأولى بانوا ... على العهد كما كانوا إذا عز ّبغير الله يو ... ما معشر هانوا

стр. 466

فيا شباب التوبة لا ترجعوا إلى ارتضاع ثدي الهوى من بعد الصيام، فالرضاع إنما يصلح للأطفال لا للرجال. ألسنا نرى شهوات النفو ... س تفنى وتبقى علينا الذنوب يخاف على نفسه منْ يتوب ... فكيف يكون الذي لا يتوب صوم الأشهر الحرم قال تعالى: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم) . في الصحيحين من حديث أبي بكرة أن النبي ﷺ خطب في حجة الوداع فقال في خطبته: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان" قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: "اختص الله أربعة أشهر جعلهن حرماً وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، وجعل العمل الصالح والأجر أعظم". قال كعب: اختار الله الزمان فأحبه إلى الله الأشهر الحرم. قال ابن رجب في "لطائف المعارف" (ص ١١٧) : "واختلف في أي هذه الأشهر الحرم أفضل، فقيل رجب قاله بعض الشافعية وضعّفه النووي وغيره، وقيل المحرم قاله الحسن ورجّحه النووي، وقيل ذي الحجة روي عن سعيد بن جبير وغيره وهو أظهر والله أعلم". قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٢٥/٢٩١) : "في المسند وغيره حديث عن النبي ﷺ أنه أمر بصوم الأشهر الحرم: وهي رجب وذو القعدة، وذو الحجة والمحرم". فهذا فى صوم الأربعة جميعاً، لا من يخصص رجب. قال ابن رجب في "لطائف المعارف" (ص ١٢٣) : "قد كان بعض السلف يصوم الأشهر الحرم كلها منهم ابن عمر والحسن البصري، وأبو إسحاق السبيعي. وقال الثوري: الأشهر الحرم أحبّ إلي أن أصوم فيها".

стр. 467

قال ابن مفلح في "الفروع" (٣/١١٩) : قال ابن الجوزي في كتاب "أسباب الهداية": "يستحب صوم الأشهر الحرم وشعبان كله، وهو ظاهر ذكره صاحب المحرر في الأشهر الحرم". قال النووي في "المجموع" (٦/٤٣٨-٤٣٩) : "قال أصحابنا: ومن الصوم المستحب صوم الأشهر الحرم وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب. ومن لا يشق عليه فصوم جميعها فضيلة". صوم رجب * عن خرشة بن الحر قال: "رأيت عمر يضرب أكف المترجبين حتى يضعوها في الطعام ويقول: كلوا فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية" (١) . * وعن ابن عمر أنه كان إذا رأى الناس وما يعدونه لرجب كرهه، وقال: "صوموا منه وأفطروا" (٢) . قال ابن قدامة في "المغني" (٤/٤٢٩) : "ويكره إفراد رجب بالصوم. قال أحمد: وإن صامه رجل، أفطر فيه يوماً أو أياماً بقدر ما لا يصومه كله". وبإسناده عن ابن عمر أنه كان إذا رأى الناس..... * وعن ابن عباس نحوه، وبإسناده عن أبي بكرة أنه دخل على أهله، وعندهم سلال جدد وكيزان، فقال: ما هذا؟ فقالوا: رجب نصومه. قال: أجعلتم رجب رمضان، فأكفأ السلال وكسر الكيزان. قال أحمد: "من كان يصوم السنة صامه، وإلا فلا يصومه متواليا يفطر فيه ولا يشبهه برمضان". قال ابن رجب في "اللطائف" (١٢٣، ١٢٤) : "قد روي عن ابن عباس ﵄ أنه كان يكره أن يتخذ رجب عيداً".

стр. 468

* وعن ابن عباس أنه كره أن يصام رجب كله، وعن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا يريان أن يفطر منه أياماً. وكرهه أنس أيضاً وسعيد بن جبير: وكره صيام رجب كله يحيى ابن سعيد الأنصاري والإمام أحمد. وقال الشافعي في القديم: أكره أن يتخذ الرجل صوم شهر يكمله كما يكمل رمضان، وقال: إنما كرهته أن لا يتأسى رجل جاهل فيظن أن ذلك واجب وإن فعل لحسن. وتزول كراهة إفراد رجب بالصوم بأن يصوم معه شهراً آخر تطوعاً عند بعض أصحابنا مثل أن يصوم الأشهر الحرم أو يصوم رجب وشعبان. وقد تقدم عن ابن عمر وغيره صيام الأشهر الحرم. والمنصوص عن أحمد أنه لا يصومه بتمامه إلا من صام الدهر ويروي عن ابن عمر ما يدل. * عن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر: "أرسلتني أسماء إلى عبد الله بن عمر فقالت: بلغني أنك تحرم أشياء ثلاثة: العلم في الثوب، وميثرة الأرجوان، وصوم رجب كله! فقال لي عبد الله: أما ما ذكرت من رجب فكيف بمن يصوم الأبد" أخرجه مسلم وأحمد. قال ابن رجب: "وهذا يدل على أنه لا يصام رجب إلا مع صوم الدهر". قال الألباني في "إرواء الغليل" (٤/١١٥-١١٦) : "فكيف بمن يصوم الأبد: فسروه بأنه إنكار منه لما بلغ أسماء من تحريمه، وإخبار منه أنه يصوم رجبا كله، وأنه يصوم الأبد" كما في "شرح مسلم" للنووي و"السراج الوهاج" لصديق حسن خان. فلعل التوفيق بين صومه لرجب، وكراهته لذلك، أن تحمل الكراهة على إفراد رجب بالصوم كما يفرد رمضان به، فأما صيامه في جملة ما يصوم فليس مكروهاً عنده والله أعلم. وقال الألباني: "نهى عمر ﵁ عن صوم رجب المفهوم من ضربه للمترجبين ليس نهياً لذاته بل لكي لا يلتزموا صيامه ويتموه كما يفعلون برمضان".

стр. 469

قال ابن مفلح في "الفروع" (٣/١١٨-١٢٠) : "يكره إفراد رجب بالصوم. وتزول الكراهة بالفطر أو بصوم شهر آخر من السنة، قال صاحب المحرر: وإن لم يَله. قال شيخنا: من نذر صومه كل سنة أفطر بعضه وقضاه. وفي الكفارة خلاف. قال: ومن صامه معتقداً أنه أفضل من غيره من الأشهر أثم وعُزر، وحمل عليه فعل عمر. وقال أيضاً: في تحريم إفراده وجهان، ولعله أخذه من كراهة أحمد، وفي "فتاوى ابن الصلاح الشافعي": لم يؤثمه أحد من العلماء فيما نعلمه. ولا يكره إفراد شهر غير رجب، قال صاحب المحرر: لا نعلم فيه خلافاً. وذكر في "الغنية" أنه يستحب صوم أول يوم من رجب وأول خميس منه والسابع والعشرين ... وذكر أشياء واحتج بأخبار ليست صحيحة وكثير منها موضوع. سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عما ورد في ثواب صيام الثلاثة أشهر وما تقول في الاعتكاف فيها؟ والصمت هل هو من الأعمال الصالحات أم لا؟ فقال ابن تيمية ﵀ (٢٥/٢٩٠-٢٩٢) : "أما تخصيص رجب وشعبان جميعاً بالصوم أو الاعتكاف فلم يرد فيه عن النبي ﷺ شيء، ولا عن أصحابه، ولا أئمة المسلمين، بل قد ثبت في "الصحيح" أن رسول الله ﷺ كان يصوم شعبان، ولم يكن يصوم من السنة أكثر مما يصوم من شعبان، من أجل شهر رمضان. وأما صوم رجب بخصوصه فأحاديث كلها ضعيفة، بل موضوعة، لا يعتمد أهل العلم على شيء منها، وليست من الضعيف الذي يروى في الفضائل، بل عامتها من الموضوعات المكذوبات. وقد روى ابن ماجه في "سننه" عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه نهى عن صوم رجب، وفي إسناده نظر. وأما تخصيصها بالاعتكاف فلا أعلم فيه أمراً، بل كل من صام صوماً مشروعاً وأراد أن يعتكف من صيامه كان ذلك جائز بلا ريب، وإن اعتكف بدون الصيام ففيه قولان مشهوران وهما روايتان عن أحمد: أحدهما: أنه لا اعتكاف إلا بصوم، كمذهب أبي حنيفة ومالك.

стр. 470

والثاني: يصح الاعتكاف بدون الصوم كمذهب الشافعي. وأمّا الصمت عن الكلام مطلقاً في الصوم، أو الاعتكاف، أو غيرهما فبدعة مكروهة باتفاق أهل العلم لكن هل ذك محرم أو مكروه؟ فيه قولان في مذهبه وغيره. وفي صحيح البخاري أن أبا بكر الصديق دخل على امرأة من أحمس فوجدها مصمتة لا تتكلم، فقال لها أبو بكر: إن هذا لا يحل إن هذا من عمل الجاهلية. وعن ابن عباس أن النبي ﷺ رأى رجلاً قائماً في الشمس، فقال: "من هذا؟ " فقالوا: هذا أبو إسرائيل، نذر أن يقوم في الشمس ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم. فقال: "مروه فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم صومه" فأمره ﷺ مع نذره للصمت أن يتكلم كما أمره مع نذره للقيام أن يجلس، ومع نذره أن لا يستظل أن يستظل، وإنما أمره بأن يوفي بالصوم فقط. وهذا صريح في أن هذه الأعمال ليست من القرب التي يؤمر بها الناذر. فقول الخير وهو الواجب أو المستحب خير من السكوت عنه، وما ليس بواجب ولا مستحب، فالسكوت عنه خير من قوله. ولهذا قال بعض السلف لصاحبه: "السكوت عن الشر خير من التكلم به"، فقال له الآخر: "التكلم بالخير خير من السكوت عنه". * * *

стр. 471

النوع الثانى: صوم الأيام ١- صوم عشر ذي الحجة * قال رسول الله ﷺ : "أفضل أيام الدنيا أيام العشر" (١) . * وقال ﷺ : "ما العمل في أيام أفضل منه في عشر ذي الحجة، ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء" (٢) . وروى البخاري عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام" -يعني أيام العشر- قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلاً خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء". قال ابن رجب في "اللطائف" (ص ٢٧٦-) . "دل الحديث على أن العمل في أيامه أحب إلى الله من العمل في أيام الدنيا من غير استثناء شيء منها. وإذا كان أحب إلى الله فهو أفضل عنده". وقال: "والعمل المفضول في الوقت الفاضل يلتحق بالعمل الفاضل في غيره ويزيد عليه لمضاعفة ثوابه وأجره". وقد دلّ حديث ابن عباس على مضاعفة الأعمال الصالحة في العشر من غير استثناء شيء منها. * وروى عبد الرزاق عن الحسن قال: "صيام يوم من العشر يعدل شهرين". وقال عبد الكريم عن مجاهد: "العمل فى العشر يضاعف". وقال أيضاً: "العمل في هذه الأيام العشر أفضل من العمل في أيام عشر غيرها، فكل عمل صالح يقع فى هذا الشهر فهو أفضل من عمل في عشرة أيام سواها من أي شهر كان فيكون تفضيلاً للعمل في كل يوم منه على العمل في كل يوم من أيام السنة غيره".

стр. 472

* كان سعيد بن جبير وهو الذي روى الحديث عن ابن عباس ﵄ إذا دخل العشر اجتهد اجتهاداً حتى ما يكاد يقدر عليه. * وعن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما من أيام أعظم ولا أحب إليه العمل عند الله فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد". عن حميد قال: سمعت ابن سيرين وقتادة يقولان: "صوم كل يوم من العشر يعدل سنة". قال ابن رجب في "اللطائف" (ص ٢٧٧-٢٧٨) : "في المسند والسنن عن حفصة أن النبي ﷺ كان لا يدع صيام عاشوراء والعشر وثلاثة أيام من كل شهر، وفي إسناده اختلاف". وروي عن بعض أزواج النبي ﷺ أن النبي كان لا يدع صيام تسع ذي الحجة، وممن كان يصوم العشر عبد الله بن عمر ﵄. وقد تقدم عن الحسن وابن سيرين وقتادة ذكر فضل صيامه وهو قول أكثر العلماء أو كثير منهم. * وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂: "ما رأيت رسول الله ﷺ صائماً العشر قط"، وفي رواية: "في العشر قط". وقد اختلف جواب الإمام أحمد عن هذا الحديث فأجاب مرة بأنه قد روي خلافه وذكر حديث حفصة، وأشار إلى أنه اختلف في إسناد حديث عائشة فأسنده الأعمش، ورواه منصور عن إبراهيم مرسلاً، وكذلك أجاب غيره من العلماء بأنه إذا اختلفت عائشة وحفصة في النفي والإثبات أخذ بقول المثبت لأن معه علماً خفي على النافي. * وأجاب أحمد مرة أخرى بأن عائشة أرادت أنه لم يصم العشر كاملاً يعني، وحفصة أرادت أنه كان يصوم غالبه، فينبغي أن يصام بعضه ويفطر بعضه. وهذا الجمع يصح في رواية من روى: "ما رأيته صائماً العشر"، وأما من روى: "صائماً في العشر" فيبعد أو يتعذر هذا الجمع.

стр. 473

* وكان ابن سيرين يكره أن يقال: صام العشر لأنه يوهم دخول يوم النحر فيه، وإنما يقال: صيام التسع، ولكن الصيام إذا أضيف إلى العشر فالمراد صيام ما يجوز صومه منه. ولو نذر صيام العشر فينبغي أن ينصرف إلى التسع أيضاً فلا يلزم بفطر يوم النحر قضاء ولا كفارة فإنه غلب استعماله عرفاً في التسع. ويحتمل أن يخرج في لزوم القضاء والكفارة خلاف، فإن أحمد قال فيمن نذر صوم شوال فأفطر يوم الفطر أنه يلزمه قضاء يوم وكفارة، وقال القاضي أبو يعلى: هذا إذا نوى صومه جميعاً فأما إن أطلق لم يلزمه شيء لأن الفطر مستثنى شرعاً، وهذه قاعدة من قواعد الفقه وهي أن العموم هل يخص بالشرع أم لا ففي المسألة خلاف مشهور". قال النووي في "شرح مسلم" (٣/٢٤٥) : "ليس في صوم هذه التسعة كراهة بل هي مستحبة استحباباً شديداً لا سيما التاسع منها وهو يوم عرفة، فيتأول قولها: "لم يصم العشر"، أنه لم يصمها لعارض مرض أو سفر أو غيرهما، أو أنها لم تره صائماً فيه ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر". ٢- صوم يوم عرفة * قال رسول الله ﷺ : "صوم يوم عرفة كفارة السنة الماضية والسنة المستقبلة" (١) . * قال ﷺ : "صوم يوم عرفة يكفر سنتين؛ ماضية ومستقبلة، وصوم عاشوراء يكفر سنة ماضية" (٢) . * وقال ﷺ : "صيام يوم عرفة إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده، وصيام عاشوراء إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله" (٣) . * وقال ﷺ : "من صام يوم عرفة غفر الله له سنتين: سنة أمامه، وسنة خلفه" (٤) .

стр. 474

قال النووي في شرحه على "صحيح مسلم" (٣/٢٢٦) : "معناه يكفر ذنوب صائمه في السنتين، قالوا: والمراد بها الصغائر". قال المناوي في "فيض القدير" (٤/٢١١-٢١٢) : "لأن يوم عرفة سنة المصطفى ﷺ ، ويوم عاشوراء سنة موسى فجعل سنة نبينا ﷺ تضاعف على سنة موسى في الأجر". وقال: "المكفر الصغائر الواقعة في السنتين فإن لم يكن له صغائر رفعت درجته أو وقي اقترافها أو استكثارها وقول مجلي تخصيص الصغائر تحكم ردوه وإن سبقه إلى مثله ابن المنذر بأنه إجماع أهل السنة وكذا يقال فيما ورد في الحج وغيره لذلك المستند لتصريح الأحاديث بذلك في كثير من الأعمال المكفرة بأنه يشترط في تكفيرها اجتناب الكبائر". وقال المناوي أيضاً (٦/١٦٢) : "قال البلقيني: الناس أقسام: منهم من لا صغائر له ولا كبائر فصوم عرفة له رفع درجات، ومن له صغائر فقط بلا إصرار فهو مكفر له باجتناب الكبائر ومن له صغائر مع الإصرار فهي التي تكفر بالعمل الصالح كصلاة وصوم. ومن له كبائر وصغائر فالمكفر له بالعمل الصالح الصغائر فقط، ومن له كبائر فقط يكفر عنه بقدر ما يكفر من الصغائر". استحباب الفطر للحاج بعرفة: * عن أم الفضل بنت الحارث: "أن ناساً تماروا عندها يوم عرفة في صوم النبي ﷺ ، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم. فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره فشربه" (١) . * وعن ميمونة ﵂: "أن الناس، شكوا في صيام النبي ﷺ يوم عرفة فأرسلت إليه بحلَاب وهو واقف في الموقف، فشرب منه والناس ينظرون" (٢) ، رواه: البخاري. * وعن ابن عمر ﵄ قال: "حججت مع النبي ﷺ فلم يصمه -يعني

стр. 475

يوم عرفة- ومع أبي بكر فلم يصمه، ومع عمر فلم يصمه، ومع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه، ولا آمر به ولا أنهى عنه" (١) . أكثر أهل العلم يستحبون الفطر يوم عرفة بعرفة، واستدل بهذين الحديثين على هذا. وقال يحيى بن سعيد الأنصاري: يجب فطر يوم عرفة للحاج. وعن ابن الزبير وأسامة بن زيد وعائشة: أنهم كانوا يصومونه، وكان ذلك يعجب الحسن ويحكيه عن عثمان. وعن قتادة مذهب آخر، قال: لا بأس به إذا لم يضعف عن الدعاء. وقال عطاء: أصوم في الشتاء ولا أصوم في الصيف وهي معللة بالضعف عن الدعاء. واستحباب الصوم إذا لم يضعف عن الدعاء نقله البيهقي في "المعرفة" عن الشافعي في القديم، واختاره الخطابي والمتولى من الشافعية. وقال الجمهور: يستحب فطره، حتى قال عطاء: من أفطره ليتقوى به على الذكر كان له مثل أجر الصائم. وقال الطبري: إنما أفطر رسول الله ﷺ بعرفة ليدل على الاختيار للحاجة بمكة لكي لا يضعف عن الدعاء والذكر المطلوب يوم عرفة، وقيل إنما كره صوم يوم عرفة لأنه عيد لأهل الموقف لاجتماعهم فيه، يؤيده ما رواه أصحاب السنن عن عقبة مرفوعاً: "يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام". وعن أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن صوم يوم عرفة بعرفات (٢) . ٣- صوم يوم عاشوراء * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: "ما رأيت النبي ﷺ يتحرى صيام يوم فضّله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء، وهذا الشهر يعني شهر رمضان".

стр. 476

قال ابن حجر: "ابن عباس أسند ذلك إلى علمه فليس فيه ما يرد علم غيره". * وعن عائشة ﵂ قالت: "كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه في الجاهلية، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه" رواه البخاري. قال ابن عبد البر في "الاستذكار" (١٠/١٣١) : "قال الشافعي عقيب حديث عائشة: لا يحتمل قول عائشة: ترك عاشوراء، بمعنى يصح إلا ترك إيجاب صومه، إذ علمنا أن كتاب الله بين لهم أن شهر رمضان المفروض صومه، وأبان ذلك لهم رسول الله ﷺ وترك صوم عاشوراء على الاستحباب". عاشوراء: * عاشوراء بالمد على المشهور وحكى فيه القصر. واختلف أهل الشرع في تعيينه فقال الأكثر: هو اليوم العاشر. قال القرطبي: "عاشوراء معدول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل صفة لليلة العاشرة لأنه مأخوذ من العشر الذي هو اسم العقد واليوم مضاف إليها، فإذا قيل: يوم عاشوراء فكأنه قيل: يوم الليلة العاشرة إلا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الاسمية فاستغنوا عن الموصوف فحذفوا الليلة فصار هذا اللفظ علماً على اليوم العاشر". وذكر أبو منصور الجواليقي أنه لم يسمع فاعولاء إلا هذا، وضروراء وساروراء ودالولاء من الضار والسار والدال، وعلى هذا فيوم عاشوراء هو العاشر وهذا قول الخليل وغيره. قال الزين بن المنير: الأكثر على أن عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم، وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية. وقيل: هو اليوم التاسع، فعلى الأول فاليوم مضاف لليلته الماضية، وعلى الثاني فهو مضاف لليلته الآتية. وقيل: إنما سمي يوم التاسع عاشوراء أخذاً من أوراد الإبل كانوا إذا رعوا الإبل ثمانية

стр. 477

أيام ثم أوردوها في التاسع قالوا: وردنا عشراً بكسر العين. وروى مسلم عن الحكم بن الأعرج: "انتهيت إلى ابن عباس وهو متوسد رداءه فقلت: أخبرني عن يوم عاشوراء، قال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائماً، قلت: أهكذا كان النبي ﷺ يصومه؟ قال: نعم" وهذا ظاهره أن يوم عاشوراء هو اليوم التاسع، لكن قال الزين بن المنير: قوله: إذا أصبحت من تاسعه فأصبح يشعر بأنه أراد العاشر لأنه لا يصبح صائماً إلا بعد أن أصبح من تاسعه إلا إذا نوى الصوم من الليلة المقبلة وهو الليلة العاشرة. قلت: ويقوى هذا الاحتمال ما رواه مسلم أيضاً من وجه آخر عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع فمات قبل ذلك" فإنه ظاهر في أنه ﷺ "كان يصوم العاشر وهمّ بصوم التاسع فمات قبل ذلك" (١) . قال رسول الله ﷺ : "عاشوراء يوم العاشر" (٢) . صفة صيام النبي ﷺ لعاشوراء: كان للنبي ﷺ في صيامه أربع حالات: الحالة الأولى: أنه كان يصومه بمكة ولا يأمر الناس بالصوم. ففي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: "كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه في الجاهلية، فلما قدم المدينه صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه". قال ابن حجر في "الفتح" (٤/٢٨٩-٢٩١) : "أما صيام قريش لعاشوراء فلعلهم تلقوه من الشرع السالف ولهذا كانوا يعظمونه بكسوة الكعبة فيه وغير ذلك، ثم رأيت في المجلس الثالث من "مجالس الباغندي الكبير" عن عكرمة أنه سئل عن ذلك فقال: أذنبت قريش ذنباً في الجاهلية فعظم في صدورهم فقيل لهم: صوموا عاشوراء يكفر ذلك، هذا أو معناه ثم قال ابن حجر: "وجدت في

стр. 478

"المعجم الكبير" للطبراني عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه قال: ليس يوم عاشوراء باليوم الذي يقوله الناس، إنما كان يوم تستر فيه الكعبة، وكان يدور في السنة، وكانوا يأتون فلاناً اليهودي -يعني ليحسب لهم- فلما مات أتوا زيد بن ثابت فسألوه، وسنده حسن. فجهلة اليهود يعتمدون في صيامهم وأعيادهم حساب النجوم فالسنة عنده شمسية لا هلالية، فمن ثم احتاجوا إلى من يعرف الحساب ليعتمدوا عليه. وهذا مما يترجى به أولوية المسلمين وأحقيتهم بموسى ﵊ لإضلال اليهود اليوم المذكور وهداية الله للمسلمين له" ا. هـ. فيوم عاشوراء يوم إسلامي له فضيلة عظيمة وحرمة قديمة وصومه لفضله كان معروفاً بين الأنبياء. * قال ﷺ : "كان عاشوراء يصومه أهل الجاهلية فمن أحب منكم أن يصومه فليصمه ومن كرهه فليدعه" (١) . الحالة الثانية: أن النبي ﷺ لما قدم المدينة ورأى صيام أهل الكتاب له وتعظيمهم له وكان يحب موافقتهم فيما لم يؤمر به صامه وأمر الناس بصيامه وأكد الأمر بصيامه والحث عليه حتى كانوا يصومونه أطفالهم. ففي الصحيحيِن عن ابن عباس قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة فوجد اليهود صياماً يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله ﷺ : "ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ " فقالوا: هذا يوم عظيم أنجي الله فيه موسى وقومه وغَرّق فرعون وقومه فصامه موسى شكراً لله فنحن نصومه، فقال رسول الله ﷺ : "فنحن أحق وأولى بموسى منكم" فصامه رسول الله ﷺ وأمر بصيامه. وهذا الحديث أفاد تعيين الوقت الذي وقع فيه الأمر بصيام عاشوراء وقد كان أول قدومه المدينة، ولا شك أن قدومه كان في ربيع الأول فحينئذ كان الأمر بذلك في أول السنة الثانية. والرأي الراجح أنه كان فرضاً وواجباً في هذه الحالة.

стр. 479

* عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: "أمر النبي ﷺ رجلاً من أَسْلَم أنْ أَذِّنْ في الناس أن من كان أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يأكل فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء" رواه البخاري واللفظ له ومسلم. * وفي الصحيحين عن الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت: "أرسل رسول الله ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة من كان أصبح صائما فليتم صومه ومن كان أصبح مفطرا فليتم بقية يومه فكنا بعد ذلك نصومه ونُصَوِّم صبياننا الصغار منهم إن شاء الله ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه إياه عند الإفطار" (١) ، وفي رواية: "فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تلهيهم حتى يتموا صومهم". قال النووي في "شرح مسلم" (٣/١٩٣) : "في هذا الحديث تمرين الصبيان على الطاعات وتعويدهم العبادات، ولكنهم ليسوا مكلفين". * وعن بنت رَزِينة قالت: قلت لأمي: "أسمعت رسول الله ﷺ في عاشوراء؟ قالت: كان يعظمه، ويدعو برضعائه ورضعاء فاطمة فيتفل في أفواههم ويأمر أمهاتهن ألا يرضعن إلى الليل" (٢) ، وفي رواية أخرى: "فكان الله يكفيهم"، وفي أخرى: "وكان ريقهم يجزئهم". "واستدل بهذا الحديث على أن عاشوراء كان فرضا قبل أن يفرض رمضان" (٣) . * وعن محمد بن صيفي الأنصار، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ في يوم عاشوراء فقال: "أصمتم يومكم هذا؟ " فقال بعضهم: نعم. وقال بعضهم: لا. قال: "فأتموا بقية يومكم هذا، وأمرهم أن يؤذنوا أهل العروض أن يتموا بقية يومهم ذلك" (٤) .

стр. 480

قال ابن رجب: "وقد اختلف العلماء ﵃ هل كان صوم يوم عاشوراء قبل فرض شهر رمضان واجبا؟ أم كان سُنة متأكدة؟ على قولين مشهورين ومذهب أبي حنيفة أنه كان واجباً حينئذ وهو ظاهر كلام أحمد وأبي بكر الأثرم وقال الشافعي ﵀: بل كان متأكد الاستحباب فقط وهو قول كثير من أصحابنا وغيرهم" (١) . قال ابن حجر: اختلف السلف هل فرض على الناس صيام قبل رمضان أو لا؟ فالجمهور -وهو المشهور عند الشافعية- أنه لم يجب قط صوم قبل صوم رمضان، وفي وجه وهو قول الحنفية أول ما فرض صيام عاشوراء، فلما نزل رمضان نسخ. فمن أدلة الشافعية حديث معاوية مرفوعاً: "لم يكتب الله عليكم صيامه"، ومن أدلة الحنفية ظاهر حديثي ابن عمر وعائشة المذكورين بلفظ الأمر، عن ابن عمر ﵄ قال: "صام النبي ﷺ عاشوراء وأمر بصيامه، فلما فُرض رمضان ترك، وكان عبد الله لا يصومه إلا أن يوافق صومه" رواه البخاري. وحديث مسلمة مرفوعاً: "من أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم" (٢) . قال ابن حجر في "الفتح" (٤/٢٩٠) ذاهباً إلى وجوب عاشوراء قبل فرض رمضان: "قوله: "ولم يكتب عليكم صيامه" وقد استدل به على أنه لم يكن فرضاً فقط، ولا دلالة فيه لاحتمال أن يريد: ولم يكتب الله عليكم صيامه على الدوام كصيام رمضان، وغايته أنه عام خص بالأدلة الدالة على تقدم وجوبه، أو المراد أنه لم يدخل في قوله تعالى: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) ثم فسره بأنه شهر رمضان، ولا يناقض هذا الأمر السابق بصيامه الذي صار منسوخاً، ويؤيد ذلك أن معاوية إنما صحب النبي ﷺ من سنة الفتح، والذين شهدوا أمره بصيام عاشوراء والنداء بذلك شهدوه في السنة الأولى أوائل العام الثاني، ويؤخذ من

стр. 481

مجموع الأحاديث أنه كان واجباً لثبوت الأمر بصومه، ثم تأكد الأمر بذلك، ثم زيادة التأكيد بالنداء العام، ثم زيادته بأمر مَن أكل بالإمساك، ثم زيادته بأمر الأمهات أن لا يرضعن فيه الأطفال، وبقول ابن مسعود: "لما فرض رمضان ترك عاشوراء، مع العلم أنه ما ترك استحبابه بل هو باقٍ، فدلّ على أن المتروك وجوبه. وأما قول بعضهم المتروك تأكداً استحبابه والباقي مطلق استحبابه فلا يخفى ضعفه، بل تأكد استحبابه باق ولا سيما مع استمرار الاهتمام به حتى في عام وفاته ﷺ حيث يقول: (لئن عشت لأصومن التاسع والعاشر) ولترغيبه في صومه وأنه يكفر سنة، وأي تأكيد أبلغ من هذا؟ ". الحالة الثالثة: لماّ فرض صيام شهر رمضان ترك النبي ﷺ أمر الصحابة بصيام عاشوراء وتأكيده فيه. * روى مسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ أن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء وأن رسول الله ﷺ صامه والمسلمون قبل أن يُفترض رمضان فلما افترض رمضان قال رسول الله ﷺ : "إن عاشوراء يوم من أيام الله فمن شاء صامه ومن شاء تركه". * وروى مسلم عن عائشة ﵂: "أن يوم عاشوراء كان يصام في الجاهلية. فلما جاء الإسلام من شاء صامه ومن شاء تركه". * روى مسلم عن جابر بن سمرة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يأمرنا بصيام يوم عاشوراء ويحثنا عليه ويتعاهدنا عنده فلما فرض رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا ولم يتعاهدنا عنده". * وفي الصحيحين عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان خطيبا بالمدينة يعني في قَدْمة قدمها خطبهم يوم عاشوراء فقال: أين علماؤكم يا أهل المدينة سمعت رسول الله ﷺ يقول لهذا اليوم: "هذا يوم عاشوراء ولم يكتب عليكم صيامه وأنا صائم فمن أحب منكم أن يصوم فليصم ومن أحب أن يفطر فليفطر" (١) . وروى مسلم عن ابن مسعود ﵁: "إنما هو يوم كان رسول الله ﷺ

стр. 482

يصومه قبل أن ينزل شهر رمضان فلما نزل شهر رمضان تُرك"، وفي رواية (تركه) . * عن قيس بن سعد بن عبادة ﵄ قال: "أمرنا النبي ﷺ أن نصوم عاشوراء قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل لم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله". فهذه الأحاديث كلها تدل على أن النبي ﷺ لم يجدد أمر الناس بصيامه بعد فرض صيام شهر رمضان، بل تركهم على ما كانوا عليه من غير نهي عن صيامه. "فإذا كان أمره ﷺ بصيامه قبل فرض صيام شهر رمضان للوجوب فإنه ينبني على أن الوجوب إذا نسخ فهل يبقى الاستحباب أم لا؟ وفيه اختلاف مشهور بين العلماء ﵃، وإن كان أمره للاستحباب المؤكد فقد قيل: أنه زال التأكيد وبقي أصل الاستحباب ولهذا قال قيس بن سعد: ونحن نفعله". * قد روي عن ابن مسعود وابن عمر ﵄ ما يدل على أن أصل استحباب صيامه قد زال، وأكثر العلماء على استحباب صيامه من غير تأكيد وممن روى عن صيامه من الصحابة عمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف وأبو موسى وقيس بن سعد وابن عباس وغيرهم، ويدل على بقاء استحبابه قول ابن عباس ﵄: لم أر رسول الله ﷺ يصوم يوماً يتحرى فضله على الأيام إلا يوم عاشوراء وشهر رمضان، وابن عباس إنما صحب النبي ﷺ بآخر أمره" (١) . الحالة الرابعة: عزم النبي ﷺ في آخر عمره على أن لا يصومه مفردا بل يضم إليه يوماً آخر مخالفة لأهل الكتاب في صيامه. * عن أبي موسى ﵁ قال: "كان يوم عاشوراء تعده اليهود عيداً". قال النبي ﷺ : "فصوموه أنتم" رواه البخاري ومسلم. وعند مسلم: كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتخذونه عيدا ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم، فقال رسول الله ﷺ : "فصوموا أنتم". * وعن ابن عباس ﵄ قال: حين صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى فقال رسول الله ﷺ :

стр. 483

"فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع"، قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ رواه مسلم. وعند أبي داود "إذا كان العام المقبل صمنا يوم التاسع". * وعند مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع" (١) . وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود، صوموا قبله يوماً أو بعده يوماً" (٢) . * وصح عن ابن عباس أنه كان يقول في يوم عاشوراء: خالفوا اليهود وصوموا التاسع والعاشر. قال الإمام أحمد: وأنا أذهب إليه. وروى ابن أبي ذئب عن شعبة مولى ابن عباس عن ابن عباس أنه كان يصوم عاشوراء في السفر ويوالي بين اليومين خشية فواته، وكذلك روى عن أبي إسحاق أنه صام يوم عاشوراء ويوما قبله ويوما بعده، وقال: إنما فعلت ذلك خشية أن يفوتني. * وروي عن ابن سيرين أنه كان يصوم ثلاثة أيام عند الاختلاف في هلال الشهر احتياطا. قال النووي في "شرح مسلم" (٣/١٩١) : "قال بعض العلماء: لعل السبب في صوم التاسع مع العاشر ألا يتشبه باليهود في إفراد العاشر. وفي الحديث إشارة إلى هذا، وقيل: للاحتياط في تحصيل عاشوراء، والأول أولى والله أعلم". وممن رأى صيام التاسع والعاشر الشافعي وأحمد وإسحاق، وكره أبو حنيفة إفراد العاشر وحده بالصوم. وممن قال بصيامهما: أبو رافع صاحب أبي هريرة وابن سيرين بل ذكر الشافعي في "الأم" استحباب صوم الثلاثة، وذكر الحنابلة أنه إن اشتبه على المسلم أول الشهر صام ثلاثة أيام ليتيقن صومهما.

стр. 484

قال ابن حجر: "وعلى كل حال فلم يصمه ﷺ اقتداء بهم (١) فإنه كان يصومه قبل ذلك وكان ذلك في الوقت الذي يحب فيه موافقة أهل الكتاب فيما لم ينه عنه" (٢) . وقال: "فلما فتحت مكة واشتهر أمر الإسلام أحب مخالفة أهل الكتاب أيضاً كما ثبت في الصحيح، فهذا من ذلك، فوافقهم أولاً وقال: "نحن أحق بموسى منكم"، ثم أحب مخالفتهم فأمر بأن يضاف إليه يوم قبله ويوم بعده خلافا لهم. وعلى هذا فصيام عاشوراء على ثلاث مراتب: أدناها أن يصام وحده، وفوقه أن يصام التاسع معه، وفوقه أن يصام التاسع والحادي عشر والله أعلم". وقال ابن حجر أيضاً (٤/٢٩٢) : "في رواية مسلم: "كان يوم عاشوراء تعظمه اليهود تتخذه عيدا" فظاهره أن الباعث على الأمر بصومه محبة مخالفة اليهود حتى يصام ما يفطرون فيه لأن يوم العيد لا يصام، وحديث ابن عباس يدل على أن الباعث على صيامه موافقتهم على السبب وهو شكر الله تعالى على نجاة موسى، لكن لا يلزم من تعظيمهم له واعتقادهم بأنه عيد أنهم كانوا لا يصومونه فلعلهم كان من جملة تعظيمهم في شرعهم أن يصوموه". قال ابن رجب: "وهذا يدل على النهي عن اتخاذه عيدا". * وكان طائفة من السلف يصومون عاشوراء في السفر منهم ابن عباس، وأبو إسحاق السبيعي، والزهري. قالوا له: "يا أبا بكر تصوم يوم عاشوراء في السفر، وأنت تفطر في رمضان في السفر؟ " فقال: "إن رمضان له عدة من أيام أخر، وعاشوراء يفوت" (٣) . وروى عبد الرزاق بإسناده عن طاووس أنه كان يصوم عاشوراء في الحضر ولا يصومه في السفر. قال ابن حجر (٤/٢٨٩) : "نقل ابن عبد البر الإجماع على أنه الآن ليس

стр. 485

بفرض الإجماع على أنه مستحب. ونقل عياض أن بعض السلف كان يرى بقاء فرضية عاشوراء لكن انقرض القائلون بذلك. وكان ابن عمر يكره قصده بالصوم، ثم انقرض القول بذلك". * وكل ما روي في فضل الاكتحال في يوم عاشوراء والاختضاب والاغتسال فيه فموضوع لا يصح. * أما التوسعة على العيال في ذلك اليوم فلا يصح فيها حديث عن رسول الله ﷺ وإنما آثار عن السلف: فعن إبراهيم بن محمد عن المنتشر وكان من أفضل أهل زمانه أنه بلغه أنه من وسع على عياله يوم عاشوراء أوسع الله عليه سائر السنة. قال ابن عيينة: جربناه منذ خمسين سنة أو ستين سنة فما رأينا منه إلا خيراً. وقال شعبة مثله، وقال يحيى بن سعيد: جربنا ذلك فوجدناه حقّاً (١) . * وأما اتخاذه مأتما كما تفعله الرافضة لأجل قتل الحسين بن علي ﵄ فهو من عمل من ضل سعيه في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، فما أمر الله ولا رسوله باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتما فكيف بمن دونهم. ٤- صوم أيام البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة "قيل: المراد بالبيض الليالي وهي التي يكون فيها القمر من أول الليل إلى آخره، حتى قال الجواليقي: من قال الأيام البيض فجعل البيض صفة الأيام فقد أخطأ، وفيه نظر لأن اليوم الكامل هو النهار بليلته، وليس في الشهر يوم أبيض كله إلا هذه الأيام لأن ليلها أبيض ونهارها أبيض، فصح قول "الأيام البيض" على الوصف. والبيض وسط الشهر ووسط الشيء أعدله، ولأن الكسوف غالباً يقع فيها، وقد ورد الأمر بمزيد من العبادة إذا وقع فإذا اتفق الكسوف صادف الذي يعتاد صيام البيض صائماً

стр. 486

فيتهيأ له أن يجمع بين أنواع العبادات من الصيام والصلاة والصدقة، بخلاف من لم يصمها فإنه لا يتأتى له استدراك صيامها" (١) . * قال رسول الله ﷺ : "إذا صمت من الشهر ثلاثا فصم ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة" (٢) . * وقال ﷺ : "إن كنت صائما فصم أيام الغُر" (٣) . * وقال ﷺ : "إن كنت صائما فعليك بالغر البيض: ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة" (٤) . * وقال ﷺ : "صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر، وهي أيام البيض: صبيحة ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة" (٥) . * وقال ﷺ : "يا أبا ذر! إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام، فصم ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة" (٦) . عن عبد الملك بن المنهال عن أبيه أنه كان مع النبي ﷺ فقال: كان النبي ﷺ يأمرهم بصيام البيض، ويقول: "هي صيام الدهر" (٧) . الأقوال في البيض: قال ابن حجر في "الفتح" (٤/٢٦٧-٢٦٨) : "قال شيخنا في "شرح الترمذي": حاصل الخلاف في تعيين البيض تسعة أقوال:

стр. 487

أحدها: لا تتعين بل يكره تعيينها، وهذا عن مالك. الثاني: أول ثلاثة من الشهر قاله الحسن البصري. الثالث: أولها الثاني عشر. الرابع: أولها الثالث عشر. الخامس: أولها سبت من أول الشهر ثم من أول الثلاثاء من الشهر الذي يليه وهكذا وهو عن عائشة. السادس: أول خميس ثم اثنين ثم خميس. السابع: أول اثنين ثم خميس ثم اثنين. الثامن: أول يوم والعاشر والعشرون عن أبي الدرداء. التاسع: أول كل عشر عن ابن شعبان المالكي. قلت: بقي قول آخر وهو: آخر ثلاثة من الشهر عن النخعي فتمت عشرة". عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ : "كان لا يدع صوم أيام البيض في سفر ولا حضر" (١) . يرحم الله بن حبان حيث يبّوب في كتابه ويقول: ذكر تفضل الله بكتبة صائمي البيض لهم أجر صوم الدهر. ٥- صيام الاثنين والخميس (٢) * عن أبي قتادة الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ سُئل عن صوم الاثنين فقال: "فيه ولدت وفيه أنزل عليّ" رواه مسلم.

стр. 488

* وعن أبي قتادة الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ سُئل عن صومه قال: فغضب رسول الله ﷺ فقال عمر ﵁: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمدٍ ﷺ " - رسولا وببيعتنا بيعة. قال: فسئل عن صيام الدهر فقال: "لا صام ولا أفطر أو ما صام وما أفطر". فُسئل عن صوم يومين وإفطار يوم قال: "ومن يطيق ذلك". قال: وسئل عن صوم يوم وإفطار يومين قال: "ليت أن الله قوانا لذلك". قال: وسئل عن صوم يوم وإفطار يوم. قال: "ذاك صوم أخي داود ﵇". قال: وسئل عن صوم يوم الاثنين قال: "ذاك يوم ولدت فيه ويوم بُعثت أو أنزل عليّ فيه". قال: فقال: "صوم ثلاثة من كل شهر ورمضان إلى رمضان صوم الدهر". قال: وسئل عن صوم يوم عرفة فقال: "يكفر السنة الماضية والباقية". قال: وسئل عن صوم يوم عاشوراء فقال: "يكفر السنة الماضية" رواه مسلم. * وعن حفصة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أخذ مضجعه جعل كفه اليمنى تحت خده الأيمن، وكان يصوم الاثنين والخميس (١) . * وعن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان يتحرى صيام الاثنين والخميس (٢) . * وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان يصوم الاثنين والخميس (٣) . * وعن أبي هريرة ﵁ قال: "كان أكثر ما يصوم الاثنين والخميس. فقيل له. فقال: الأعمال تُعرض كل اثنين وخميس، فيغفر لكل مسلم إلا المتهاجرين فيقول: أخروهما" (٤) .

стр. 489

* عن أسامة بن زيد قال: كان رسول الله ﷺ يصوم الأيام يسرد حتى يقال: لا يفطر، ويفطر الأيام حتى لا يكاد أن يصوم، إلا في يومين من الجمعة إن كانا في صيامه وإلا صامهما، ولم يكن يصوم من شهر من الشهور ما يصوم من شعبان، فقلت: يا رسول الله، إنك تصوم لا تكاد أن تفطر، وتفطر حتى لا يكاد أن تصوم إلا يومين إنْ دخلا في صيامك وإلا صمتهما، قال: "أي يومين؟ " قال: قلت: يوم الاثنين ويوم الخميس، قال: "ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم"، قال: قلت: ولم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان قال: "ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم" (١) . * وعن أسامة بن زيد ﵄ قال: رأيت رسول الله ﷺ يصوم يوم الاثنين والخميس، فسألته فقال: "إن الأعمال تعرض يوم الاثنين والخميس، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم" (٢) . ولفظ النسائي: قلت: يا رسول الله إنك تصوم حتى لا تكاد تفطر وتفطر حتى لا تكاد أن تصوم إلا يومين إن دخلا في صيامك، وإلا صمتهما قال: "أي يومين؟ " قلت: يوم الاثنين ويوم الخميس قال: "ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم" (٣) . * وقال ﷺ : "إن الأعمال ترفع يوم الاثنين والخميس فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم" (٤) .

стр. 490

* وروى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "تعرض أعمال الناس في كل جمعة مرتين: يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد مؤمن إلا عبدا بينه وبين أخيه شحناء فيقال: اتركوا هذين حتى يفيئا". * وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم" (١) . * وعن عائشة ﵂ قالت: "كان يصوم شعبان كله حتى يصله برمضان وكان يتحرى الاثنين والخميس" (٢) . * وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال: انظروا هذين حتى يصطلحا. انظروا هذين حتى يصطلحا، انظروا هذين حتى يصطلحا" رواه مسلم. * وعن أبي هريرة يرفعه قال: "تُعرض الأعمال في كل يوم خميس واثنين فيغفر الله في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئاً إلا امرأ كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال: اركوا (٣) هذين حتى يصطلحا، اركوا هذين حتى يصطلحا" رواه مسلم. * وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تفتح أبواب الجنة كل اثنين وخميس، وتعرض الأعمال في كل اثنين وخميس" (٤) . ٦- صوم يوم الجمعة على الدوام مقروناً بغيره * قال رسول الله ﷺ : "خمس من عملهن في يوم كتبه الله من أهل الجنة: من صام يوم الجمعة،

стр. 491

وراح إلى الجمعة، وعاد مريضاً، وشهد جنازة، وأعتق رقبة" (١) ، أي بصيامه مقرونا بغيره. * وعن ابن مسعود ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يصوم من غُرة كل شهر ثلاثة أيام، وقلّما كان يفطر يوم الجمعة" (٢) . ٧- صيام يوم السبت والأحد مخالفة للمشركين عن أم سلمة ﵂ قالت: إنّ رسول الله ﷺ كان أكثر صومه السبت والأحد، ويقول: "هما عيد المشركين فأحب أن أخالفهم" (٣) . * عن كريب مولى ابن عباس قال: أرسلني ابن عباس وناس من أصحاب النبي ﷺ إلى أم سلمة زوج النبي ﷺ أن أسألها أي الأيام كان النبي ﷺ أكثرها صوماً؟ فقال: يوم السبت ويوم الأحد فأتيتهم فأخبرتهم، فأنكروا ذلك عليّ، فظنوا أني لم أحفظ فردوني، فقالت مثل ذلك، فأخبرتهم، فقاموا بأجمعهم فقالوا: إنا أرسلنا إليك في كذا وكذا، فزعم أنك قلت: كذا وكذا، فقالت: صدق، كان رسول الله ﷺ يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر ما كان يصوم من الأيام ويقول: إنهما عيدان للمشركين فأحب أن أخالفهم" (٤) . قال ابن حجر: "يستفاد من هذا أن الذي قاله بعض الشافعية من كراهة إفراد السبت وكذا الأحد ليس جيدا، بل الأولى في المحافظة على ذلك يوم الجمعة كما ورد الحديث الصحيح فيه، وأما السبت والأحد فالأولى أن يصاما معا وفرادى امتثالا لعموم الأمر بمخالفة أهل الكتاب" (٥) .

стр. 492

الصوم المبهم المقيد بزمن (١) صوم يوم وإفطار يوم اً (غب الصوم) "صوم داود ﵇" قال رسول الله ﷺ : "أحب الصيام إلى الله صيام داود، وكان يصوم يوماً، ويفطر يوماً، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، وكان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه وينام سدسه" (١) . وقال ﷺ : "أفضل الصوم صوم أخي داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً ولا يفر إذا لاقى" (٢) . وقال رسول الله ﷺ : "صم أفضل الصيام، صيام داود: صوم يوم، وفطر يوم" (٣) . وقال رسول الله ﷺ : "لا صوم فوق صوم داود، شطر الدهر، صم يوماً وأفطر يوماً" (٤) . وفي بعض الروايات: "كان عبد الله بن عمرو يقول بعد ما كبر: يا ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ ". وفي رواية حصين: "وكان عبد الله حين ضعف وكبر يصوم تلك الأيام وكذلك يصل بعضها إلى بعض ثم يفطر بعدد تلك الأيام فيقوى بذلك". وفي رواية: "وإذا أراد أن يتقوى أفطر أياماً وأحصى وصام مثلهن". قال ابن حجر في "الفتح" (٨/٧١٥) : "يؤخذ منه أن الأفضل لمن أراد أن يصوم صوم داود أن يصوم يوماً ويفطر يوماً دائماً، ويؤخذ من صنيع عبد الله بن عمرو أن من أفطر من ذلك وصام قدر ما أفطر أنه يُجزئ عنه صيام يوم وإفطار يوم". وذهب ابن دقيق العيد إلى أن صوم يوم وإفطار يوم أفضل صور الصيام وأن الأولى التفويض إلى حكم الشارع ولما دل عليه ظاهر قوله: "لا أفضل من ذلك" وقوله: "إنه أحب

стр. 493

الصيام إلى الله تعالى" (١) . وهو قول أكثر العلماء ونقل الترمذي عن بعض أهل العلم أنه أشق الصيام. * عن عبد الله بن عمرو قال: كنت رجلاً مجتهداً فزوجني أبي، ثم زارني، فقال للمرأة: كيف تجدين بعلك؟ فقالت: نعم الرجل من رجل لا ينام ولا يفطر. قال: فوقع بي أبي، ثم قال: زوجتك امرأة من المسلمين فعضلتها، فلم أبال ما قال لي مما أجد من القوة والاجتهاد إلى أن بلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "لكني أنام وأصلي وأصوم وأفطر، فنم وصل وأفطر، وصم من كل شهر ثلاثة أيام" فقلت: يا رسول الله أنا أقوى من ذلك. قال: "فصم صوم داود: صم يوماً وأفطر يوماً، وأقرأ القرآن في كل شهر" قلت: يا رسول الله أنا أقوى من ذلك. قال حصين: فذكر لي منصور عن مجاهد أنه بلغ سبعاً، ثم قال رسول الله ﷺ : "إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي، فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك" فقال عبد الله: لأن أكون قبلت رخصة رسول الله ﷺ أحب إليّ من أن يكون لي مثل أهلي ومالي، وأنا اليوم شيخ قد كبرت وضعفت، وأكره أن أترك ما أمرني به رسول الله ﷺ (٢) قال ابن خزيمة: "صوم يوم وفطر يوم أفضل الصيام وأحبه إلى الله وأعدله". وقال (٣/٢٩٥) : "صوم داود أعدل الصيام وأفضله، وأحبه إلى الله إذ صائم يوم مفطر يوم، يكون مؤدياً لحظ نفسه وعينه وأهله أيام فطره، ولا يكون مضيعاً لحظ نفسه وعينه وأهله". صوم الأواب مزامير ... فليصغ شباب البلدان وفي حدثنا لمسلم وابن خزيمة: "فصم صوم داود نبي الله ﷺ فإنه كان أعبد الناس". قال: قلت: يا نبي الله: وما صوم داود؟ قال: "كان يصوم يوماً ويفطر يوماً". * وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كان داود أعبد البشر" (٣) .

стр. 494

قال المناوي في "فيض القدير" (١/١٧١-١٧٢) : "أحب الصيام المتطوع به إلى الله تعالى صيام نبي الله داود فهو أفضل من صوم الدهر لأنه أشق على النفس بمصادفة مألوفها يوماً ومفارقته يوماً. قال الغزالي: وسره أن من صام الدهر صار الصوم له عادة فلا يحس بوقعه في نفسه بالانكسار وفي قلبه بالصفاء وفي شهواته بالضعف فإن النفس إنما تتأثر بما يرد عليها لا بما تمرنت عليه، ألا ترى أن الأطباء نهوا عن اعتياد شرب الدواء، وقالوا: من تعوده لم ينتفع به إذا مرض لإلف مزاجه له فلا يتأثر به، وطب القلوب قريب من طب الأبدان. انتهى، وهذا أوضح في البيان وأبلغ في البرهان من قول من قال: صوم الدهر قد يفوت بعض الحقوق، وقد لا يشق باعتياده عليه. وقال أبو شامة: "وقد جمعت الأيام التي ورد فيها الأخبار أن نبينا ﷺ كان يصومها فقاربت أن تكون شطر الدهر فهو بمثابة صوم داود". قال ابن المنير: "كان داود يقسم ليله ونهاره لحق ربه وحق نفسه، فأما الليل فاستقام له ذلك في ليله، وأما النهار فيتعذر تجزئته لعدم تبعيض الصيام فنزل صوم يوم وفطر يوم بمنزلة التجزئة في شقص اليوم". قال المناوي (٢/٤٣) : "ذكر بعض الشافعية أن من فعله فوافق فطره يوماً يسن صومه كالاثنين والخميس يكون فطره فيه أفضل ليتم له فطر يوم وصوم يوم، وصوم يوم وفطر يوم جمع بين القربتين وقيام الوظيفتين، فإن الله لم يتعبد عبده بالصوم خاصة، فلو استفرغ جهده فيه قصّر في غيره فالأولى الاقتصار -أي على صيام يوم وفطر يوم- ليبقى بعض قوة لغيره كالجهاد". (٢) صوم يوم وإفطار يومين قال ابن خزيمة في "صحيحه" (٣/٢٩٦-٢٩٧) : "باب: ذكر تمني النبي ﷺ استطاعة صوم يوم وإفطار يومين" * عن أبي قتادة قال: قال عمر لرسول الله ﷺ : فكيف بمن يصوم يومين ويفطر يوماً؟ قال: "ويطيق ذلك أحد؟ " قال: فكيف بمن يصوم يوماً، ويفطر يوماً؟ قال: "ذاك

стр. 495

صوم داود"، قال: فكيف بمن يصوم يوماً يفطر يومين؟ قال: "وددت أني طوقت ذلك" (١) . (٣) صوم عشرة أيام من الشهر هكذا بوّب النسائي. * عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "إنه بلغني أنك تقوم الليل وتصوم النهار". قلت: يا رسول الله، ما أردت بذلك إلا الخير، قال: "لا صام من صام الأبد، ولكن أدلك على صوم الدهر، ثلاثة أيام من الشهر" قلت: يا رسول الله إني أطيق أكثر من ذلك قال: "صم خمسة أيام" قلت: إني أطيق أكثر من ذلك قال: "فصم عشرا" فقلت: إني أطيق أكثر من ذلك قال: "صم صوم داود ﵇ كان يصوم يوماً ويفطر يوماً" (٢) . (٤-٧) صوم إحدى عشرة أو تسعا أو سبعا أو خمسة أيام من الشهر * عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ ذُكر له صومي، فدخل عليّ فألقيت له وسادة أدم ربعة، حشوها ليف، فجلس على الأرض، وصارت الوسادة فيما بيني وبينه، قال: "أما يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام؟ " قلت: يا رسول الله؟ قال: "خمسا" قلت: يا رسول الله؟ قال: "سبعاً" قلت: يا رسول الله؟ قال: "تسعا" قلت: يا رسول الله؟ قال: "احدى عشرة" قلت. يا رسول الله؟ فقال النبي ﷺ : "لا صوم فوق صوم داود، شطر الدهر، صيام يوم، وفطر يوم" (٣) .
следующие страницы →