← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22886

نداء الريان في فقه الصوم وفضل رمضان

سيد حسين العفاني

Полный текст (1 282 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وراح إلى الجمعة، وعاد مريضاً، وشهد جنازة، وأعتق رقبة" (١) ، أي بصيامه مقرونا بغيره. * وعن ابن مسعود ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يصوم من غُرة كل شهر ثلاثة أيام، وقلّما كان يفطر يوم الجمعة" (٢) . ٧- صيام يوم السبت والأحد مخالفة للمشركين عن أم سلمة ﵂ قالت: إنّ رسول الله ﷺ كان أكثر صومه السبت والأحد، ويقول: "هما عيد المشركين فأحب أن أخالفهم" (٣) . * عن كريب مولى ابن عباس قال: أرسلني ابن عباس وناس من أصحاب النبي ﷺ إلى أم سلمة زوج النبي ﷺ أن أسألها أي الأيام كان النبي ﷺ أكثرها صوماً؟ فقال: يوم السبت ويوم الأحد فأتيتهم فأخبرتهم، فأنكروا ذلك عليّ، فظنوا أني لم أحفظ فردوني، فقالت مثل ذلك، فأخبرتهم، فقاموا بأجمعهم فقالوا: إنا أرسلنا إليك في كذا وكذا، فزعم أنك قلت: كذا وكذا، فقالت: صدق، كان رسول الله ﷺ يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر ما كان يصوم من الأيام ويقول: إنهما عيدان للمشركين فأحب أن أخالفهم" (٤) . قال ابن حجر: "يستفاد من هذا أن الذي قاله بعض الشافعية من كراهة إفراد السبت وكذا الأحد ليس جيدا، بل الأولى في المحافظة على ذلك يوم الجمعة كما ورد الحديث الصحيح فيه، وأما السبت والأحد فالأولى أن يصاما معا وفرادى امتثالا لعموم الأمر بمخالفة أهل الكتاب" (٥) .

стр. 492

الصوم المبهم المقيد بزمن (١) صوم يوم وإفطار يوم اً (غب الصوم) "صوم داود ﵇" قال رسول الله ﷺ : "أحب الصيام إلى الله صيام داود، وكان يصوم يوماً، ويفطر يوماً، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، وكان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه وينام سدسه" (١) . وقال ﷺ : "أفضل الصوم صوم أخي داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً ولا يفر إذا لاقى" (٢) . وقال رسول الله ﷺ : "صم أفضل الصيام، صيام داود: صوم يوم، وفطر يوم" (٣) . وقال رسول الله ﷺ : "لا صوم فوق صوم داود، شطر الدهر، صم يوماً وأفطر يوماً" (٤) . وفي بعض الروايات: "كان عبد الله بن عمرو يقول بعد ما كبر: يا ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ ". وفي رواية حصين: "وكان عبد الله حين ضعف وكبر يصوم تلك الأيام وكذلك يصل بعضها إلى بعض ثم يفطر بعدد تلك الأيام فيقوى بذلك". وفي رواية: "وإذا أراد أن يتقوى أفطر أياماً وأحصى وصام مثلهن". قال ابن حجر في "الفتح" (٨/٧١٥) : "يؤخذ منه أن الأفضل لمن أراد أن يصوم صوم داود أن يصوم يوماً ويفطر يوماً دائماً، ويؤخذ من صنيع عبد الله بن عمرو أن من أفطر من ذلك وصام قدر ما أفطر أنه يُجزئ عنه صيام يوم وإفطار يوم". وذهب ابن دقيق العيد إلى أن صوم يوم وإفطار يوم أفضل صور الصيام وأن الأولى التفويض إلى حكم الشارع ولما دل عليه ظاهر قوله: "لا أفضل من ذلك" وقوله: "إنه أحب

стр. 493

الصيام إلى الله تعالى" (١) . وهو قول أكثر العلماء ونقل الترمذي عن بعض أهل العلم أنه أشق الصيام. * عن عبد الله بن عمرو قال: كنت رجلاً مجتهداً فزوجني أبي، ثم زارني، فقال للمرأة: كيف تجدين بعلك؟ فقالت: نعم الرجل من رجل لا ينام ولا يفطر. قال: فوقع بي أبي، ثم قال: زوجتك امرأة من المسلمين فعضلتها، فلم أبال ما قال لي مما أجد من القوة والاجتهاد إلى أن بلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "لكني أنام وأصلي وأصوم وأفطر، فنم وصل وأفطر، وصم من كل شهر ثلاثة أيام" فقلت: يا رسول الله أنا أقوى من ذلك. قال: "فصم صوم داود: صم يوماً وأفطر يوماً، وأقرأ القرآن في كل شهر" قلت: يا رسول الله أنا أقوى من ذلك. قال حصين: فذكر لي منصور عن مجاهد أنه بلغ سبعاً، ثم قال رسول الله ﷺ : "إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي، فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك" فقال عبد الله: لأن أكون قبلت رخصة رسول الله ﷺ أحب إليّ من أن يكون لي مثل أهلي ومالي، وأنا اليوم شيخ قد كبرت وضعفت، وأكره أن أترك ما أمرني به رسول الله ﷺ (٢) قال ابن خزيمة: "صوم يوم وفطر يوم أفضل الصيام وأحبه إلى الله وأعدله". وقال (٣/٢٩٥) : "صوم داود أعدل الصيام وأفضله، وأحبه إلى الله إذ صائم يوم مفطر يوم، يكون مؤدياً لحظ نفسه وعينه وأهله أيام فطره، ولا يكون مضيعاً لحظ نفسه وعينه وأهله". صوم الأواب مزامير ... فليصغ شباب البلدان وفي حدثنا لمسلم وابن خزيمة: "فصم صوم داود نبي الله ﷺ فإنه كان أعبد الناس". قال: قلت: يا نبي الله: وما صوم داود؟ قال: "كان يصوم يوماً ويفطر يوماً". * وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كان داود أعبد البشر" (٣) .

стр. 494

قال المناوي في "فيض القدير" (١/١٧١-١٧٢) : "أحب الصيام المتطوع به إلى الله تعالى صيام نبي الله داود فهو أفضل من صوم الدهر لأنه أشق على النفس بمصادفة مألوفها يوماً ومفارقته يوماً. قال الغزالي: وسره أن من صام الدهر صار الصوم له عادة فلا يحس بوقعه في نفسه بالانكسار وفي قلبه بالصفاء وفي شهواته بالضعف فإن النفس إنما تتأثر بما يرد عليها لا بما تمرنت عليه، ألا ترى أن الأطباء نهوا عن اعتياد شرب الدواء، وقالوا: من تعوده لم ينتفع به إذا مرض لإلف مزاجه له فلا يتأثر به، وطب القلوب قريب من طب الأبدان. انتهى، وهذا أوضح في البيان وأبلغ في البرهان من قول من قال: صوم الدهر قد يفوت بعض الحقوق، وقد لا يشق باعتياده عليه. وقال أبو شامة: "وقد جمعت الأيام التي ورد فيها الأخبار أن نبينا ﷺ كان يصومها فقاربت أن تكون شطر الدهر فهو بمثابة صوم داود". قال ابن المنير: "كان داود يقسم ليله ونهاره لحق ربه وحق نفسه، فأما الليل فاستقام له ذلك في ليله، وأما النهار فيتعذر تجزئته لعدم تبعيض الصيام فنزل صوم يوم وفطر يوم بمنزلة التجزئة في شقص اليوم". قال المناوي (٢/٤٣) : "ذكر بعض الشافعية أن من فعله فوافق فطره يوماً يسن صومه كالاثنين والخميس يكون فطره فيه أفضل ليتم له فطر يوم وصوم يوم، وصوم يوم وفطر يوم جمع بين القربتين وقيام الوظيفتين، فإن الله لم يتعبد عبده بالصوم خاصة، فلو استفرغ جهده فيه قصّر في غيره فالأولى الاقتصار -أي على صيام يوم وفطر يوم- ليبقى بعض قوة لغيره كالجهاد". (٢) صوم يوم وإفطار يومين قال ابن خزيمة في "صحيحه" (٣/٢٩٦-٢٩٧) : "باب: ذكر تمني النبي ﷺ استطاعة صوم يوم وإفطار يومين" * عن أبي قتادة قال: قال عمر لرسول الله ﷺ : فكيف بمن يصوم يومين ويفطر يوماً؟ قال: "ويطيق ذلك أحد؟ " قال: فكيف بمن يصوم يوماً، ويفطر يوماً؟ قال: "ذاك

стр. 495

صوم داود"، قال: فكيف بمن يصوم يوماً يفطر يومين؟ قال: "وددت أني طوقت ذلك" (١) . (٣) صوم عشرة أيام من الشهر هكذا بوّب النسائي. * عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "إنه بلغني أنك تقوم الليل وتصوم النهار". قلت: يا رسول الله، ما أردت بذلك إلا الخير، قال: "لا صام من صام الأبد، ولكن أدلك على صوم الدهر، ثلاثة أيام من الشهر" قلت: يا رسول الله إني أطيق أكثر من ذلك قال: "صم خمسة أيام" قلت: إني أطيق أكثر من ذلك قال: "فصم عشرا" فقلت: إني أطيق أكثر من ذلك قال: "صم صوم داود ﵇ كان يصوم يوماً ويفطر يوماً" (٢) . (٤-٧) صوم إحدى عشرة أو تسعا أو سبعا أو خمسة أيام من الشهر * عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ ذُكر له صومي، فدخل عليّ فألقيت له وسادة أدم ربعة، حشوها ليف، فجلس على الأرض، وصارت الوسادة فيما بيني وبينه، قال: "أما يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام؟ " قلت: يا رسول الله؟ قال: "خمسا" قلت: يا رسول الله؟ قال: "سبعاً" قلت: يا رسول الله؟ قال: "تسعا" قلت: يا رسول الله؟ قال: "احدى عشرة" قلت. يا رسول الله؟ فقال النبي ﷺ : "لا صوم فوق صوم داود، شطر الدهر، صيام يوم، وفطر يوم" (٣) .

стр. 496

(٨) صيام أربعة أيام من الشهر * عن عبد الله بن عمرو قال: قال لي رسول الله ﷺ : "صم من الشهر يوماً، ولك أجر ما بقي". قلت: إني أطيق أكثر من ذلك قال: "فصم يومين ولك أجر ما بقي". قلت: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: "صم أربعة أيام ولك أجر ما بقي" قل: إني أطيق أكثر من ذلك فقال رسول الله ﷺ : "أفضل الصوم صوم داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً" (١) . (٩) صوم ثلاثة أيام من الشهر كيفية ذلك * عن أبي ذر قال: "أوصاني حبيبي ﷺ بثلاثة لا أدعهن إن شاء الله تعالى أبدا. أوصاني بصلاة الضحى، وبالوتر قبل النوم، وبصيام ثلاثة أيام من كل شهر" (٢) . * وعن أبي هريرة قال: "أمرني رسول الله ﷺ بركعتي الضحى، وأن لا أنام إلا على وتر، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر" (٣) . * وقال ﷺ : "ألا أخبركم بما يذهب وحر الصدر؟ صوم ثلاثة أيام من كل شهر" (٤) . ووحر الصدر: غشه ووساوسه. * وقال ﷺ : "ثلاث من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كله" (٥) . * وقال ﷺ : "شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر" (٦) . * وقال ﷺ : "صم شهر الصبر: رمضان، صم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر" (٧) .

стр. 497

* وقال ﷺ : "صوم ثلاثة أيام من كل شهر، ورمضان إلى رمضان صوم الدهر وإفطاره" (١) . * وقال ﷺ : "صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر" (٢) . * وقال ﷺ : "صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن وحر الصدر" (٣) . * وقال ﷺ : "صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر وإفطاره" (٤) . * وقال ﷺ : "صيام حسن صيام ثلاثة أيام من الشهر" (٥) . * عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يصوم من غرة (٦) كل شهر ثلاثة أيام (٧) . ولقد تفضل الله بكِتبة صيام الدهر وقيامه لمن صام الأيام الثلاثة من الشهر. عن معاوية بن قرة عن أبيه عن النبي ﷺ : "صوم ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر وقيامه" (٨) . * عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، قلت: من أَيِّهِ؟ قالت: لم يكن يبالي من أيه كان (٩) .

стр. 498

* وعن معاذة قالت: قلت لعائشة: أكان النبي ﷺ يصوم من الشهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم، قلت: من أيّه؟ قالت: لم يبال من أيّه صام (١) . * وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: قال: بلغ النبي ﷺ أني أصوم -أسرد الصوم وأصلي الليل- فأرسل إليه، ولماّ لقيه قال: "ألم أُخبَر أنك تصوم ولا تفطر، وتصلي الليل. فلا تفعل، فإن لعينك حظا، ولنفسك حظا، ولأهلك حظّاً، وصم وأفطر، وصل ونم، وصم من كل عشرة أيام يوماً، ولك أجر تسعة" قال: قلت: إني أقوى لذلك يا رسول الله قال: "صم صوم داود إذاً" قال: وكيف كان صيام داود يا نبي الله؟ قال: "كان يصوم يوماً، ويفطر يوماً، ولا يفرّ إذا لاقى". قال: ومن لي بهذا يا نبي الله (٢) . * عن أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام: الاثنين والخميس، من هذه الجمعة، والاثنين من المقبلة (٣) . * عن حفصة قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر يوم الخميس ويوم الاثنين، ومن الجمعة الثانية يوم الاثنين (٤) . * عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام ثلاثة أيام من الشهر، فقد صام الدهر كله" ثم قال: "صدق الله في كتابه (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) [الأنعام: ١٦٠] " (٥) . عن أبي هريرة -رصي الله عنه- قال: "أوصاني خليلي بثلاث لست بتاركهن: أن لا أنام إلا على وتر وأن لا أدع ركعتي الضحى فإنها صلاة الأوابين وصيام ثلاثة أيام من كل شهر" (٦) . عن أبي عثمان أن أبا هريرة كان في سفر، فلما نزلوا ووضعت السفرة بعثوا إليه وهو يصلي، فقال: إني صائم، فلما كادوا أن يفرغوا جاء فجعل يأكل، فنظر القوم إلى

стр. 499

رسولهم، فقال: ما تنظرون إليّ قد -والله- أخبرني أنه صائم، فقال أبو هريرة: صدق، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من صام ثلاثة أيام من كل شهر، فقد صام الشهر كله"، وقد صمت ثلاثة أيام من كل شهر، وإني الشهر كله صائم، ووجدت تصديق ذلك في كتاب الله جل وعلا: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) [الأنعام: ١٦٠] (١) . * عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: أُخبر رسول الله ﷺ أني أقول: والله لأصومنّ النهار، ولأقومنّ الليل ما عشت، فقلت له: قد قلته يا رسول الله. قال: "فإنك لا تستطيع ذلك، صم وأفطر، ونم وقم، وصم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر" (٢) . قال ابن حجر في الجمع بين الأحاديث المختلفة في صيام الثلاثة أيام: حديث عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ما يبالي من أي شهر صام" قال (٣) : فكل من رآه فعل نوعاً ذكره، وعائشة رأت جميع ذلك وغيره فأطلقت. والذي يظهر أن الذي أمر به وحث عليه ووصى به أولى من غيره، وأما هو فلعله كان يعرض له ما يشغله عن مراعاة ذلك، أو كان يفعل ذلك لبيان الجواز، وكل ذلك في حقه أفضل، وتترجح البيض. ورجح بعضهم صيام الثلاثة في أول الشهر لأن المرء لا يدري ما يعرض له من الموانع، وقال بعضهم: يصوم من أول كل عشرة أيام يوماً، وله وجه في النظر، ونقل ذلك عن أبي الدرداء وهو يوافق ما تقدم في رواية النسائي. واختار النخعي أن يصومها آخر الشهر ليكون كفارة لما مضى ويؤيده حديث عمران ابن حصين في الأمر بصيام سرار الشهر، وقال الروياني: صيام ثلاثة أيام من كل شهر مستحب، فإن اتفقت أيام البيض كان أحب. وفي كلام غير واحد من العلماء أيضاً أن استحباب صيام البيض غير استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر" (٤) .

стр. 500

قال النووي في "شرح صحيح مسلم" (٣/٢٢٧-٢٢٨) : "قال القاضي: واختلفوا في تعيين هذه الأيام الثلاثة المستحبة من كل شهر: * ففسره جماعة من الصحابة والتابعين بأيام البيض، وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، منهم عمر بن الخطاب وابن مسعود وأبو ذر، وبه قال أصحاب الشافعي، واختار النخعي وآخرون آخر الشهر. * واختار آخرون ثلاثة من أوّله منهم الحسن. * واختارت عائشة وآخرون صيام السبت والأحد والاثنين من شهر، ثم الثلاثاء والأربعاء والخميس من الشهر الذي بعده. * واختار آخرون الاثنين والخميس، وفي حديث رفعه ابن عمر: "أول اثنين في الشهر وخميسان بعده". * وعن أم سلمة أول خميس والاثنين بعده، ثم الاثنين. * وقيل: أول يوم الشهر والعاشر والعشرين، وقيل: إنه صيام مالك بن أنس، وروى عنه كراهة صوم أيام البيض. * وقال ابن شعبان المالكي: أول يوم من الشهر والحادي عشر والحادي وعشرون. والله أعلم". (١٠) صوم يومين من الشهر عن أبي نوفل بن أبي عقرب عن أبيه قال: سألت رسول الله ﷺ عن الصوم فقال: "صم يوماً من الشهر" قلت: يا رسول الله زدني زدني! قال: "تقول: يا رسول الله زدني زدني، يومين من كل شهر" قلت: يا رسول الله زدني زدني، إني أجدني قويّاً. فقال: "زدني زدني، أجدني قويّاً". فسكت رسول الله ﷺ ، حتى ظننت أنه ليردني قال: "صم ثلاثة أيام من كل شهر" (١) .

стр. 501

وفي رواية أخرى: "واستزاده قال: بأبي أنت وأمي، أجدني قويّاً فزاده، قال: "صم يومين من كل شهر" فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إني أجدني قويّا، فقال رسول الله ﷺ : "إني أجدني قويا. إني أجدني قويّا" فما كان أن يزيده، فلما ألحّ عليه قال رسول الله ﷺ : "صم ثلاثة أيام من كل شهر" (١) . (١١) صوم يوم من الشهر قال ابن خزيمة (٣/٣٠٠) : باب: فضل صوم يوم واحد من كل شهر، وإعطاء الله صائم يوم واحد من الشهر مع الدليل على أن الله لم يرد بقوله: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) [الأنعام: ١٦٠] أنه لا يعطي بالحسنة الواحدة أكثر من عشر أمثالها إذ النبي المبيّن عنه قد أعلم أن الله يعطي بصوم يوم واحد جزاء شهر تام. * عن عبد الله بن عمرو ﵄، قال: أتيت رسول الله ﷺ فسألته عن الصوم، فقال: "صم يوماً من الشهر، ولك أجر ما بقي" (٢) . ***

стр. 502

الأيام المنهي عن صيامها الأيام المنهي عن صيامها قسمان: أ- منها ما هو متفق على تحريمه كالعيدين. ب- ومنها ما هو مختلف فيه: (١) كأيام التشريق. (٢) ويوم الشك. (٣) ويوم الجمعة. (٤) ويوم السبت. (٥) وبعد النصف من شعبان. (٦) وصيام الدهر. (١ و٢) يوم الفطر، والأضحى * قال رسول الله ﷺ : "أنهاكم عن صيام يومين: الفطر والأضحى" (١) . * وقال ﷺ : "لا يصلح الصيام في يومين: يوم الأضحى، ويوم الفطر من رمضان" (٢) . * وروى البخاري ومسلم عن أبي سعيد -رضى الله عنه- أن رسول الله ﷺ "نهى عن صيام يومين. يوم الأضحى ويوم الفطر" (٣) . * وعن أبي عبيد مولى أزهر قال: "شهدت العيد مع عمر بن الخطاب، فقال: هذان يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم" (٤) .

стр. 503

وأخرجه الطحاوي عن أبي عبيد عن علي وعثمان ﵄ مرفوعاً وإسناده جيد، وفي الباب عن عائشة وابن عمر. عن عائشة ﵂ قالت: نهى رسول الله ﷺ عن صومين: يوم الفطر ويوم الأضحى. رواه مسلم. وجاء رجل إلى ابن عمر ﵄ فقال: إني نذرت أن أصوم يوماً فوافق يوم أضحى أو فطر، فقال ابن عمر ﵄: "أمر الله تعالى بوفاء النذر ونهى رسول الله ﷺ عن صوم هذا اليوم" رواه مسلم. قال النووي في "شرح مسلم" (٣/١٩٣، ١٩٤) : "قد أجمع العلماء على تحريم صوم هذين اليومين بكل حال، سواءً صامهما عن نذر أو تطوع أو كفارة أو غير ذلك. ولو نذر صومهما متعمداً لعينهما، قال الشافعي والجمهور: لا ينعقد نذره ولا يلزمه قضاؤهما، وقال أبو حنيفة: ينعقد، ويلزمه قضاؤهما، قال: فإن صامهما أجزأه، وخالف الناس كلهم في ذلك". ثم قال النووي: "ابن عمر توقف عن الجزم بجوابه، لتعارض الأدلة عنده". وقد اختلف العلماء فيمن نذر صوم العيد معيناً. وأما هذا الذي نذر صوم يوم الاثنين فوافق يوم العيد، فلا يجوز له صوم العيد بالإجماع، وهل يلزمه قضاؤه؟ فيه خلاف للعلماء، وفيه للشافعي قولان أصحهما: لا يجب قضاؤه، لأن لفظه لم يتناول القضاء، وإنما يجب قضاء الفرائض بأمر جديد على المختار عند الأصوليين، وكذلك لو صادف أيام التشريق لا يجب قضاؤه في الأصح، والله أعلم. (ب) الأيام المنهي عن صيامها والمختلف فيها ١- أيام التشريق اختلف في كونها يومين، أو ثلاثة بعد يوم النحر وهو قول ابن عمر وأكثر العلماء، وروي عن ابن عباس وعطاء أنها أربعة أيام يوم النحر وثلاثة أيام بعده.

стр. 504

"وسميت أيام التشريق لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها أي تنشر في الشمس، وقيل: لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس، وقيل: لأن صلاة العيد تقع عند شروق الشمس، وقيل التشريق التكبير دبر كل صلاة" (١) . قال رسول الله ﷺ : "لا تصوموا هذه الأيام: أيام التشريق، فإنها أيام أكل وشرب" (٢) . * وعن نبيشه الهذلي قال: قال رسول الله ﷺ : "أيام التشريق أيام أكل وشرب" (٣) . وفي رواية لمسلم: "وذكر لله". وعن كعب بن مالك حدث أن رسول الله ﷺ بعث أوس بن الحدثان أيام التشريق فنادى: أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأيام منى أيام أكل وشرب (٤) . * وعن بشير بن سحيم أن النبي ﷺ أمره أن ينادى أيام التشريق: "أنه لا يدخل الجنة...." (٥) الحديث مثل حديث كعب. * وعن أبي هريرة مرفوعاً به مثل حديث كعب: "أيام منى ... " (٦) . * وعن علي مرفوعاً: "إنها ليست أيام صيام إنها أيام أكل وشرب وذكر" (٧) . * وعن عبد الله بن حذافة أن النبي ﷺ أمره أن ينادي في أيام التشريق أنها أيام أكل وشرب (٨) . * وعن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: "أمر رسول الله ﷺ عبد الله بن حذافة أن يركب راحلته أيام منى فيصيح في الناس: "لا يصومن أحد، فإنها أيام أكل وشرب" قال: فلقد رأيته على راحلته ينادي بذلك" (٩) .

стр. 505

* وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه دخل على أبيه عمرو بن العاص، فوجده يأكل، قال: فدعاني، قال: فقلت له: إني صائم، فقال: "هذه الأيام التي نهانا رسول الله ﷺ عن صيامهن، وأمرنا بفطرهن" (١) . * وعن عقبة بن عامر مرفوعاً بلفظ: "يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب" (٢) . * عن أبي الشعثاء قال: أتينا ابن عمر في اليوم الأوسط من أيام التشريق، قال: فأتى بطعام فدنا القوم، وتنحى ابن له، قال: فقال له: أدن فاطعم، قال: فقال: إني صائم، قال: فقال: أما علمت أن رسول الله ﷺ قال: "إنها أيام طعم وذكر" (٣) . قال الألباني في "إرواء الغليل" (٤/١٣١) : "وبالجملة، فهذا الحديث متواتر المعنى عن رسول الله ﷺ ". عن هشام بن عروة بن الزبير قال: أخبرني أبي: كانت عائشة ﵂ تصوم أيام منى، وكان أبوه يصومها. رواه البخاري. وعن عائشة، وعن ابن عمر ﵃، قالا: "لم يرَخّص في أيام التشريق أن يُصَمْن إلا لمن لم يجد الهدي" (٤) . قال النووي في "المجموع" (٦/٤٨٦) : "الجديد -أي عند الشافعي- أنه لا يصح فيها صوم. وممن قال به من السلف العلماء بامتناع صومها للمتمتع وغيره علي بن أبي طالب وأبو حنيفة وداود وابن المنذر، وهو أصح الروايتين عن أحمد.

стр. 506

وحكى ابن المنذر جواز صومها للمتمتع وغيره عن الزبير بن العوام وابن عمر وابن سيرين، وقال ابن عمر وعائشة والأوزاعي ومالك وأحمد وإسحاق في رواية عنه: "يجوز للمتمتع صومها". قال ابن حجر في "فتح الباري" (٤/٢٨٥) : "هل تلتحق -أيام التشريق- بيوم النحر في ترك الصيام كما تلتحق به في النحر وغيره من أعمال الحج أو يجوز صيامها مطلقاً، أو للمتمتع خاصة، أو له ولمن هو في معناه؟ وفي كل ذلك اختلاف للعلماء، والراجح عند البخاري جوازها للمتمتع. وقد روى ابن المنذر وغيره عن الزبير بن العوام وأبي طلحة من الصحابة الجواز مطلقاً، وعن علي وعبد الله بن عمرو بن العاص المنع مطلقاً وهو المشهور عن الشافعي، وعن ابن عمر وعائشة وعبيد بن عمير في آخرين منعه إلا للمتمتع الذي لا يجد الهدي، وهو قول مالك والشافعي في القديم، وعن الأوزاعي وغيره يصومها أيضاً المحصر والقارن. وفي كتاب "إرشاد المسترشد": "أما أيام التشريق: فإن أهل الظاهر وجديد قولي الشافعي لا يجيزون الصوم فيها مطلقاً، وكرهه مالك وأبو حنيفة وأحمد إلا لمن كان عليه هدي ولم يتمكن من صوم الثلاثة قبل يوم الأضحى. وحديث عائشة وابن عمر يدل على أن النهي عن صومها للكراهة لا للتحريم، والراجح عندي: ما ذهب إليه مالك ومن معه من الأئمة والله أعلم" (١) . قال تعالى: (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج) . قال ابن حجر (٤/٢٨٦) . "قوله: "في الحج" يعم ما قبل النحر وما بعده فيدخل فيه أيام التشريق، وقد ثبت نهيه ﷺ عن صوم أيام التشريق وهو عام في حق المتمتع وغيره، وعلى هذا فقد تعارض عموم الآية المشعر بالإذن وعموم الحديث المشعر بالنهي، وفي تخصيص عموم المتواتر بعموم الآحاد نظر لو كان الحديث مرفوعاً فكيف وفي كونه مرفوعاً نظر؟ فعلى هذا يترجح القول بالجواز، وإلى هذا جنح البخاري والله أعلم".

стр. 507

قال ابن رجب في "لطائف المعارف" (ص ٣٠٤-٣٠٥) : "إنما نهى عن صيام أيام التشريق لأنها أعياد المسلمين مع يوم النحر، فلا تصام بمنى ولا غيرها عند جمهور العلماء خلافا لعطاء في قوله: إن النهي يختص بأهل منى، وإنما نهى عن التطوع بصيامها سواء وافق عادة أو لم يوافق، فأما صيامها عن قضاء فرض أو نذر أو صيامها بمنى للمتمتع إذا لم يجد الهدي ففيه اختلاف مشهور بين العلماء، ولا فرق بين يوم منها ويوم عند الأكثرين إلا عند مالك فإنه قال: في اليوم الثالث منها يجوز صيامه عن نذر خاصة". سرّ حسن: قال ابن رجب في "اللطائف" (ص ٣٠٥) : "وفي النهي عن صيام هذه الأيام والأمر بالأكل فيها والشرب سرّ حسن وهو أن الله تعالى لما علم ما يلاقي الوافدون إلى بيته من مشاق السفر وتعب الإحرام وجهاد النفوس على قضاء المناسك شرع لهم الاستراحة عقب ذلك بالإقامة بمنى يوم النحر وثلاثة أيام بعده، وأمرهم بالأكل فيها من لحوم نسكهم، فهم في ضيافة الله لطفاً من الله بهم ورأفة ورحمة، وشاركهم أيضاً أهل الأمصار في ذلك، لأن أهل الأمصار شاركوهم في حصول المغفرة والنصب لله. والاجتهاد في عشر ذي الحجة بالصوم وبالذكر والاجتهاد في العبادات، وشاركوهم في حصول المغفرة وفي التقرب إلى الله تعالى بإراقة دماء الأضاحى فشاركوهم في أعيادهم واشترك الجميع في الراحة في أيام الأعياد بالأكل والشرب كما اشتركوا جميعاً في أيام العشر في الاجتهاد في الطاعة والنصب، وصار المسلمون كلهم في ضيافة الله في هذه الأيام يأكلون من رزقه ويشكرونه على فضله، ونهوا عن صيامها لأن الكريم لا يليق به أن يجيع أضيافه، فكأنه قيل للمؤمنين في هذه الأيام قد فرغ عملكم الذي عملتموه فما بقي لكم إلا الراحة فهذه الراحة بهذا التعب كما أريح الصائمون لله شهر رمضان بأمره بإفطار يوم العيد. ويؤخذ من هذا إشارة إلى حال المؤمنين في الدنيا، فإن الدنيا كلها أيام سفر كأيام الحج، وهو زمان إحرام المؤمن عما حرم الله عليه من الشهوات فمن صبر في مدة سفره

стр. 508

على إحرامه وكفّ عن الهوى، فإذا انتهى سفر عمره، ووصل إلى منى المنى، فقد قضى تفثه ووفى نذره فصارت أيامه كلها كأيام منى: أيام أكل وشرب وذكر لله وصار في ضيافة الله في جواره أبد الأبد. فصم عن الدنيا وليكن فطرك الموت. فصم يومك الأدنى لعلك في غد ... تفوز بعيد الفطر والناس صوّم من صام اليوم عن شهواته أفطر عليها غدا بعد وفاته، ومن تعجّل ما حرم عليه من لذاته عوقب بحرمان نصيبه من الجنة وفواته. أنت في دار شتات ... فتأهب لشتاتك واجعل الدنيا كيوم ... صمته عن شهواته وليكن فطرك عند الله في يوم وفاتك. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "نهى عن صيام يوم قبل رمضان، والأضحى، والفطر، وأيام التشريق" (١) . ٢- صوم يوم الجمعة * عن محمد بن عباد بن جعفر: سألت جابر بن عبد الله ﵄ وهو يطوف بالبيت: أنهى رسول الله ﷺ عن صيام يوم الجمعة؟ فقال: نعم ورب هذا البيت (٢) ، وزاد البخاري - يعني أن ينفرد بصومه. * وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو يصوم بعده" (٣) . * وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا تخصّوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم" (٤) .

стр. 509

* وقال ﷺ : "لا تصوموا يوم الجمعة إلا قبله يوم وبعده يوم" (١) . * وقال ﷺ : "لا تصوموا يوم الجمعة مفردا" (٢) . * وقال ﷺ : "لا يصومن أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم يوماً قبله، أو يوماً بعده" (٣) . * وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ نهى أن يفرد يوم الجمعة بصوم (٤) . * وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن صوم ستة أيام من السنة: ثلاثة أيام التشريق، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، ويوم الجمعة مختصة من الأيام (٥) . * وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن صيام يوم الجمعة (٦) . * وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ دخل على جويرية بنت الحارث ﵂ وهي صائمة في يوم جمعة، فقال لها: "أصمت أمس؟ " فقالت: لا. قال: "أتريدين أن تصومي غداً؟ " فقالت: لا. قال: "فأفطري إذا" (٧) . قال ابن حجر (٤/٢٧٥) : "هذه الأحاديث تقيد النهي المطلق في حديث جابر وتؤيد الزيادة التي تقدمت من تقييد الإطلاق بالإفراد، ويؤخذ من الاستثناء جوازه لمن صام قبله أو بعده، أو اتفق وقوعه في أيام له عادة بصومها كمن يصوم أيام البيض أو من له عادة بصوم يوم معين كيوم عرفة فوافق يوم الجمعة، ويؤخذ منه جواز صومه لمن نذر يوم قدوم زيد مثلاً أو يوم شفاء فلان".

стр. 510

قال ابن حجر في "الفتح" (٤/٢٧٥-٢٧٦) : "استدل بأحاديث الباب على منع إفراد يوم الجمعة بالصيام، ونقله أبو الطب الطبري عن أحمد وابن المنذر وبعض الشافعية، وكأنه أخذه من قول ابن المنذر: ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة، كما ثبت عن صوم يوم العيد، وزاد يوم الجمعة الأمر بفطر من أراد إفراده بالصوم فهذا قد يشعر بأنه يرى تحريمه". وقال أبو جعفر الطبري: "يفرق بين العيد والجمعة بأن الإجماع منعقد على تحريم صوم يوم العيد ولو صام قبله أو بعده، بخلاف يوم الجمعة فالإجماع منعقد على جواز صومه لمن صام قبله أو بعده. ونقل ابن المنذر وابن حزم منع صومه عن علي وأبي هريرة وسلمان وأبي ذر، قال ابن حزم: لا نعلم لهم مخالفا من الصحابة وذهب الجمهور إلى أن النهي فيه للتنزيه. وعن مالك وأبي حنيفة لا يكره". * وقال النووي في "شرح مسلم" (٣/١٩٧) : "وأما قول مالك في "الموطأ": لم أسمع أحداً من أهل العلم والفقه، ومَنْ يقتدَى نهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأراه كان يتحراه، فهذا الذي قاله هو الذي رآه، وقد رأى غيره خلاف ما رأى هو، والسنة مقدمة على ما رآه هو وغيره، وقد ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة فيتعين القول به. ومالك معذور؛ فإنه لم يبلغه، قال الداودي -من أصحاب مالك-: لم يبلغ مالكا هذا الحديث، ولو بلغه لم يخالفه". * قال ابن حجر (٤/٢٧٦) : وزعم عياض أن كلام مالك يؤخذ منه النهي عن إفراده لأنه كره أن يخص يوم من الأيام بالعبادة فيكون له في المسألة روايتان. وعاب ابن العربي قول عبد الوهاب منهم: يوم لا يكره صومه مع غيره فلا يكره وحده، لكونه قياسا مع وجود النص. واستدل الحنفية بحديث ابن مسعود: "كان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وقلما كان يفطر يوم الجمعة". حسنه الترمذي، وليس فيه حجة لأنه يحتمل أن يريد كان لا يتعمد فطره إذا وقع في الأيام التي كان يصومها، ولا يضاد ذلك كراهة إفراده بالصوم جمعا بين الحديثين، ومنهم من عدّه من الخصائص، وليس بجيد لأنها لا تثبت بالاحتمال. والمشهور عند الشافعية وجهان:

стр. 511

أحدهما ونقله المزني عن الشافعي: أنه لا يكره إلا لمن أضعفه صومه عن العبادة التي تقع فيه من الصلاة والذكر والدعاء. والثاني وهو الذي صححه المتأخرون. كقول الجمهور. وحديث ابن مسعود المتقدم حمله الجمهور على حديث أبي هريرة السابق وقالوا: إذا صام قبله أو بعده جاز بلا كراهة وإلا فهو مكروه، وهو الراجح عندنا لأن أكثر أهل الأصول يقولون: إذا تعارض النهي والفعل قدم جانب الحظر على الفعل لقوله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا". • واختلف في سبب النهي عن إفراده على أقوال: * أحدها: لكونه يوم عيد والعيد لا يصام، قال ابن حجر: "وهذا أقوى الأقوال وأولاها بالصواب وورد فيه صريحاً حديثان: أحدهما رواه الحاكم عن أبي هريرة مرفوعاً: "يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم، إلا أن تصوموا قبله أو بعده"، والثاني رواه ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علي وقال: "من كان منكم متطوعاً من الشهر فليصم يوم الخميس فإنه طعام وشراب وذكر"، واستشكل ذلك مع الإذن بصيامه مع غيره. وأجاب ابن القيم وغيره بأن شبهه بالعيد لا يستلزم استواءه معه من كل جهة، ومن صام معه غيره انتفت عنه صورة التحري بالصوم. * ثانيها: لئلا يضعف عن العبادة واختاره النووي، قال: "الحكمة في النهي عنه أن يوم الجمعة يوم دعاء وذكر وعبادة من الغسل والتبكير إلى الصلاة وانتظارها واستماع الخطبة وإكثار الذكر بعدها وغير ذلك من العبادات في يومها، فاستحب الفطر فيه، فيكون أعون له على هذه الوظائف وأدائها بنشاط وانشراح لها والتذاذ بها من غير ملل ولا سآمة، وهو نظير الحاج يوم عرفة بعرفة، فإن السنة له الفطر كما سبق تقريره لهذه الحكمة". ٣- بعد النصف من شعبان المروي عن الشافعي كراهية صيامه، والجمهور على جواز صيامه لحديث عمران بن حصين الذي سبق.

стр. 512

٤- صوم السبت قال رسول الله ﷺ : "صيام يوم السبت لا لك ولا عليك" (١) . وقال ﷺ : "لا تصوموا يوم السبت إلا في فريضة، وإن لم يجد أحدكم إلا عود كرم أو لحاء شجرة، فليفطر عليه" (٢) ، الكرم هو العنب، واللحاء هو القشر. قال النووي في "المجموع" (٦/٤٨١-٤٨٢) : "يكره إفراد يوم السبت بالصوم، فإن صام قبله أو بعده لم يكره. صرّح بكراهة إفراده أصحابنا، منهم الدارمي والبغوي والرافعي وغيرهم. وقال الترمذي: معنى النهي أن يختصه الرجل بالصيام لأن اليهود يعظمونه". ومذهب مالك: عدم كراهية صومه. وقال ابن قدامة في "المغني" (٤/٤٢٨) : "قال أصحابنا: يكره إفراد يوم السبت

стр. 513

بالصوم، فإن صام معه غيره لم يكره، لحديث أبي هريرة وجويرية، وإن وافق صوماً لإنسان لم يكره. قال أبو عبد الله: أما صيام يوم السبت يفترد (١) به فقد جاء فيه حديث الصماء، وكان يحيى بن سعيد يتقيه أي أن يحدثني به وسمعته من أبي عاصم". قال ابن مفلح في "الفروع" (٣/١٢٤) : "قال الأثرم: وحجة أبي عبد الله في الرخصة في صوم يوم السبت أن الأحاديث كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بسر، منها حديث أم سلمة يعني أن النبي ﷺ كان يصوم يوم السبت والأحد ويقول: "هما عيدان للمشركين فأحب أن أخالفهما" رواه أحمد والنسائي وصححه جماعة، وإسناده جيد، واختار شيخنا (٢) أنه لا يكره، وأنه قول أكثر العلماء، وأنه الذي فهمه الأثرم من روايته، وأنه لو أريد إفراده لما دخل الصوم المفروض ليستثنى، فالحديث شاذ أو منسوخ، وأن هذه طريقة قدماء أصحاب أحمد الذين صحبوه، كالأثرم وأبي داود، وأن أكثر أصحابنا فهم من كلام أحمد الأخذ بالحديث، ولم يذكر الآجري غير صوم يوم الجمعة، فظاهره لا يكره مع غيره". ٥- يوم الشك * عن صلة قال: كنا عند عمار فأتى بشاة مصلية، فقال: كلوا، فتنحى بعض القوم، قال: إني صائم، فقال عمار: "من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم ﷺ " (٣) . وفي رواية ابن خزيمة وغيره: "من صام اليوم الذي يشك فيه". * قال ابن حجر (٤/١٤٤) : "قال الطيبي: إنما أتى بالموصول ولم يقل: يوم الشك مبالغة في أن صوم يوم فيه أدنى شك سبب لعصيان صاحب الشرع فكيف بمن صام يوماً الشك فيه قائم ثابت، ونحوه قوله تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا) أي الذين أونس

стр. 514

منهم أدنى ظلم، فكيف بالظلم المستمر عليه؟ قلت: وقد علمت أنه وقع في كثير من الطرق بلفظ: "يوم الشك". وقوله: "أبا القاسم" قيل: فائدة تخصيص ذكر هذه الكنية: الإشارة إلى أنه هو الذي يقسم بين عباد الله أحكامه زماناً ومكاناً وغير ذلك". * قال النووي في "المجموع" (٦/٤٥٤) : "يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا وقع في ألسنة الناس أنه رؤي ولم يقل عدل: أنه رآه، أو قاله وقلنا: لا تقبل شهادة الواحد، أو قاله عدد من النساء والصبيان أو العبيد أو الفساق. قالوا: فأما إذا لم يتحدث برؤيته أحد فليس بيوم شك، سواء كانت السماء مصحية أو أطبق غيم، هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور". وقال إمام الحرمين: "إن كان ببلد يستقل أهله بطلب الهلال فليس بشك، وإن كانوا في سفر ولم تبعد رؤية أهل القرى فيحتمل جعله يوم شك". وقال الخطيب البغدادي: "أجمع علماء السلف على أن صوم يوم الشك ليس بواجب وهو إذا كانت السماء متغيمة في آخر اليوم التاسع والعشرين من شعبان، ولم يشهد عدل برؤية الهلال، ليوم الثلاثين يوم الشك، فكره جمهور العلماء صيامه إلا أن يكون له عادة بصوم يصومه فيصومه من عادته، أو كان يسرد الصوم فيأتي ذلك في صيامه فيصومه". * قال النووي في "المجموع" (٦/٤٥٥-٤٥٨) : "فرع. في مذاهب العلماء في صوم يوم الشك: لا يصح صومه بنية رمضان عندنا -أي الشافعية-، وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب وعلي وابن عباس وابن مسعود وعمار وحذيفة وأنس وأبي هريرة وأبي وائل وعكرمة وابن المسيب والشعبي والنخعي وابن جريج والأوزاعي. قال: وقال مالك: سمعت أهل العلم ينهون عنه. هذا كلام ابن المنذر، وممن قال به أيضاً: عثمان بن عفان وداود الظاهري، قال ابن المنذر. وبه أقول.

стр. 515

وقالت عائشة وأختها أسماء: نصومه من رمضان، وكانت عائشة تقول: "لأن أصوم يوماً من شعبان أحبّ إلي من أن أفطر يوماً من رمضان" وروي هذا عن علي أيضاً. قال العبدري: ولا يصح عنه، وقال الحسن وابن سيرين: إن صام الإمام صاموا، وإن أفطر أفطروا، وقال ابن عمر وأحمد بن حنبل: إن كانت السماء مصحية لم يجز صومه، وإن كانت مغيمة وجب صومه عن رمضان. * وعن أحمد روايتان كمذهبنا ومذهب الجمهور، وعنه رواية ثالثة كمذهب الحسن هذا بيان مذاهبهم في صوم يوم الشك عن رمضان". قال ابن حجر (٦/١٤٦) : "المشهور عن أحمد أنه خص يوم الشك بما إذا تقاعد الناس عن رؤية الهلال، أو شهد برؤيته من لا يقبل الحاكم شهادته، فأما إذا حال دون منظره شيء فلا يسمى شكّاً. واختار كثير من المحققين من أصحابه الثاني. قال ابن عبد الهادي في تنقيحه: الذي دلت عليه الأحاديث -وهو مقتضى القواعد- أنه أي شهر غم أكمل ثلاثين يوماً سواء في ذلك شعبان ورمضان وغيرهما". * وقال الخطيب البغدادي: "فممن منع صوم يوم الشك عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وعمار وحذيفة بن اليمان وابن عمر وابن عباس وأنس وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وعائشة، وتابعهم من التابعين: سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد وأبو وائل وعبد الله بن عكيم الجهني وعكرمة والشعبي والحسن وابن سيرين والمسيب بن رافع وعمر بن عبد العزيز ومسلم بن يسار وأبو السوار العدوي وقتادة والضحاك بن قيس وإبراهيم النخعي، وتابعهم من الخالفين والفقهاء المجتهدين ابن جريج والأوزاعي والليث ابن سعد والشافعي وإسحاق بن راهويه. وقال مالك وأبو حنيفة: لا يجوز عن رمضان ويجوز تطوعاً". * قال الخطيب: "أما حديث ابن عمر فاختلفت الروايات عنه اختلافاً يؤول إلى أن يكون حجة لنا، فإن بعض الرواة قال في حديثه عنه: "فإن غمّ عليكم فعدوا ثلاثين يوماً" ثم روى عنه: "فأكملوا العدة ثلاثين"، وفي رواية عنه: "فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين"، ثم قال: "لقد ثبت برواية ابن عمر عن النبي ﷺ ما فسّر المجمل، وأوضح

стр. 516

المشكل، وأبطل شبهة المخالف، لأن قوله ﷺ : "فاقدروا له" مجمل مفسر برواية: "فعدوا له ثلاثين يوماً" و"فأكملوا العدة ثلاثين" و"فاقدروا له ثلاثين" مع موافقة أبي هريرة بن عمر على روايته مثل هذه الألفاظ عن رسول الله ﷺ . وأما تعلق المخالف بما روي عن ابن عمر أنه كان يصوم إذا غم الهلال (١) ، فقد روي أنه كان يفعل ويفتي بخلاف ذلك، وفتياه أصح من فعله يعني لتطرق التأويل إلى فعله، ثم روى الخطيب بإسناده عن عبد العزيز بن حكيم قال: "سألوا ابن عمر فقالوا: نسبق قبل رمضان حتى لا يفوتنا منه شيء، فقال ابن عمر: أف أف صوموا مع الجماعة، وأفطروا مع الجماعة" إسناده صحيح إلا عبد العزيز بن حكيم (٢) ، فقال يحيى بن معين: هو ثقة، وقال أبو حاتم: ليس بقوي يكتب حديثه، وعن ابن عمر: "لا أتقدم الإمام ولا أصله بصيام". وعن عبد العزيز بن حكيم قال: "ذكر عند ابن عمر يوم الشك فقال: لو صمت السنة كلها لأفطرته" قال الخطيب: وهذا هو الأشبه بابن عمر لأنه لا يجوز الظن به أنه خالف النبي ﷺ وترك قوله الذي رواه هو وغيره من العمل بالرؤية أو إكمال العدة فيجب أن يحمل ما روي عن ابن عمر من صوم يوم الشك على أنه كان يصبح ممسكاً حتى يتبين بعد ارتفاع النهار هل تقوم بينة بالرؤية فظن الراوي أنه كان صائماً. وكيف يظن بابن عمر مخالفة السنة، وهو المجتهد في اقتفاء آثار رسول الله ﷺ والاقتداء بأفعاله وطريقة ابن عمر في ذلك مشهورة محفوظة". * قال النووي في "المجموع" (٦/٤٥٥-٤٥٦) : "فلو صامه -أي يوم الشك- تطوعاً بلا عادة ولا وصله فمذهبنا أنه لا يجوز، وبه قال الجمهور، وحكاه العبدري عن عثمان وعلي وعبد الله بن مسعود وحذيفة وعمار وابن عباس وأنس والأوزاعي ومحمد ابن سلمة المالكي وداود، وقال أبو حنيفة: لا يكره صومه تطوعاً ويحرم صومه عن رمضان".

стр. 517

* قال ابن رشد في "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" (٢/١٩٥-١٩٦) : "وأما يوم الشك فإن جمهور العلماء على النهي عن صيام يوم الشك على أنه من رمضان لظواهر الأحاديث التي يوجب مفهومها تعلق الصوم بالرؤية أو بإكمال العدد، واختلفوا في تحرّي صيامه تطوعاً فمنهم من كرهه على ظاهر حديث عمار، ومن أجازه، وكان الليث بن سعد يقول: إنه إن صامه على أنه من رمضان، ثم جاء الثبت أنه من رمضان أجزأه، وهذا دليل على أن النية تقع بعد الفجر في التحول من نية التطوع إلى نيّة الفرض". * وقال ابن عبد البر في "التمهيد" (١٤/٣٤٢-٣٤٦) : "جملة قول مالك وأصحابه أن يوم الشك لا يُصام على الاحتياط، خوفاً أن يكون من رمضان، ويجوز صومه تطوعاً؛ ومن صامه تطوعاً أو احتياطاً ثم ثبت أنه من رمضان لم يجزه، وكان عليه قضاؤه، وإن أصبح فيه ينوي الفطر ولم يأكل أو أكل ثم صح أنه من رمضان كف عن الأكل في بقية يومه وقضاه". * ذكر عبد الرزاق عن داود بن قيس قال: سألتُ القاسم بن محمد عن صيام اليوم الذي يشك فيه من رمضان، فقال: إذا كان مغيماً يتحرّى أنه من رمضان فلا يصمه. * وقال الوليد بن مزيد: قلت للأوزاعي: إن صام رجل آخر يوم من شعبان تطوعاً -أو خوفاً- أن يكون من رمضان، ثم صح أنه من رمضان أيجزئه؟ قال: نعم. وقد وفق لصومه. * وقال ابن علية: لا ينبغي لأحد أن يتقدم رمضان بصوم، فإن فعل ثم صح أنه من رمضان أجزأ عنه. وممن قال بقول الأوزاعي عمر بن عبد العزيز وأبو حنيفة والثوري وابن علية وعطاء وحجتهم أن رمضان لا يحتاج إلى نية ولا يكون صومه تطوعاً أبداً. * قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: لو أن رجلاً أصبح صائماً في أول يوم من شهر رمضان، ولا ينوي أنه من شهر رمضان وينوي بصيامه التطوع ثم علم أن يومه ذلك من رمضان، فإنه يجزي عنه صيامه وليس عليه قضاء ذلك اليوم. * وقال ربيعة بن عبد الرحمن وحماد بن أبي سليمان وابن أبي ليلى: من صام يوم الشك على أنه من رمضان لم يجزه وعليه الإعادة.

стр. 518

قال الشافعي: لو أصبح ينوي صومه متطوعاً لم يجزه من رمضان، ولا أرى رمضان يجزئه إلا بإرادته والله أعلم. قال: ولا فرق عندي بين الصوم والصلاة، وقال أبو ثور: لو أن رجلاً نوى بصوم ذلك اليوم التطوع وهو لا يعلم أنه من رمضان لم يجزه أيضاً وكان عليه قضاؤه. قال ابن عبد البر: قد صح أن التطوع غير الفرض فمحال أن ينوي التطوع ويجزئه عن الفرض. والقول (١) أصح وأحوط من جهة الأثر والنظر إن شاء الله، والله الموفق للصواب. قال ابن سيرين: لأن أفطر يوماً من رمضان لا أتعمده أحبّ إلي من أن أصوم اليوم الذي يشك فيه من شعبان. وقال: خرجت في اليوم الذي يشك فيه، فلم أدخل على أحد يؤخذ عنه العلم إلا وجدته يأكل، إلا رجلاً كان يحسب ويأخذ بالحساب، ولو لم يعلم ذلك كان خيراً له. فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين: * عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان فقال: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له" (٢) . * وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "الشهر تسع وعشرون ليلة فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" (٣) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ أو قال: قال أبو القاسم ﷺ : "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غُبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين" (٤) رواه البخاري. * وقال ﷺ : "إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن أغمي عليكم فعدوا ثلاثين يوماً" (٥) .

стр. 519

* وقال ﷺ : "إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين" (١) . * وقال ﷺ : "إن الله قد أمده لرؤيته؛ فإن أُغمى (٢) عليكم فأكملوا العدة" (٣) . * وقال ﷺ : "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته فإن حال بينكم وبينه سحاب فأكملوا عدة شعبان، ولا تستقبلوا الشهر استقبالاً، ولا تصلوا رمضان بيوم من شعبان" (٤) . * وقال ﷺ : "الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" (٥) . * وقال ﷺ : "الشهر يكون تسعة وعشرين، ويكون ثلاثين، فإذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فأكملوا العدة" (٦) . قال ابن حجر (٤/١٤٤) : "ذكر البخاري في الباب أحاديث تدل على نفي صوم يوم الشك رتبها ترتيباً حسناً فصدّرها بحديث عمار المصرح بعصيان من صامه، ثم بحديث ابن عمر من وجهين: أحدهما: بلفظ: "فاقدروا له" والآخر بلفظ: "فأكملوا العدة ثلاثين" وقصد بذلك بيان المراد من قوله: "فاقدروا له". قال ابن حجر (٤/١٤٥-١٤٦) : "قوله: "فإن غم عليكم فاقدروا له" احتمل أن يكون المراد التفرقة بين حكم الصحو والغيم، فيكون التعليق على الرؤية متعلقاً بالصحو، وأما الغيم فله حكم آخر، ويحتمل أن لا تفرقة ويكون الثاني مؤكداً للأول، وإلى الأول ذهب أكثر الحنابلة، وإلى الثاني ذهب الجمهور فقالوا: المراد بقوله: "فاقدروا له" أي انظروا

стр. 520

في أول الشهر واحسبوا تمام الثلاثين، ويرجع هذا التأويل الروايات الأخرى المصرحة بالمراد، وأولى ما فسر الحديث بالحديث". عن عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ يتحفّظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره ثم يصوم لرؤية رمضان فإن غم عليه عد ثلاثين يوماً ثم صام" (١) . وعن حذيفة مرفوعاً: "لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة" (٢) . قال ابن حجر (٤/١٤٦) : "قوله: (فأكملوا العدة) يرجع إلى الجملتين وهو قوله: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة" أي غمّ عليكم في صومكم أو فطركم، وبقية الأحاديث تدل عليه فاللام في قوله: "فأكملوا العدة" للشهر أي عدة الشهر، ولم يخص ﷺ شهراً دون شهر بالإكمال إذا غمّ فلا فرق بين شعبان وغيره في ذلك، إذ لو كان شعبان غير مراد بهذا الإكمال لبينه فلا تكون رواية من روى: "فأكملوا عدة شعبان" مخالفة لمن قال: "فأكملوا العدة" بل مبينة لها. ويؤيد ذلك قوله في الرواية الأخرى: "فإن حال بينكم وبينه سحاب فأكملوا العدة ثلاثين ولا تستقبلوا الشهر استقبالاً". "فاقدروا له" قال النووي في "المجموع" (٦/٤٥٧-٤٦٠) : "قال أهل اللغة: هو من التقدير. قال الخطابي: ومنه قوله تعالى: "فقدرنا فنعم القادرون". قال الإمام أبو عبد الله الماوردي: حمل جمهور الفقهاء قوله ﷺ : "فاقدروا له" على أن المراد إكمال العدة ثلاثين يوماً. والوجه الثاني: أن معنى: "اقدروا" ضيقوا عدة شعبان كما قال الله: (ومن قدر عليه رزقه) أي ضيق. وقال النووي: يحتمل رجوعه إلى هلال شوال لأنه سبقه بقوله: "وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم" يعني هلال شوال. والرأي الأول أقوى. النهي عن صوم المرأة تطوعاً إلا بإذن زوجها وهو حاضر: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا

стр. 521

بإذنه، وما أنفقت من كسبه من غير أمره، فإن نصف أجره له" (١) . * عن أبي هريرة مرفوعاً: "لا يحل للمرأة أن تصوم [يوماً تطوعاً في غير رمضان] وزوجها شاهد إلا بإذنه" (٢) . * وعنه مرفوعاً: "لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه [غير رمضان] " (٣) . * وعنه مرفوعاً: "لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه سوى شهر رمضان" (٤) . * وعن أبي سعيد الخدري قال: "جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ونحن عنده، فقالت: يا رسول الله إن زوجي صفوان بن المعطل يضربني إذا صليت، ويفطرني إذا صمت، ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، قال: وصفوان عنده، قال: فسأله عما قالت، فقال: يا رسول الله أما قولها: يضربني إذا صليت، فإنها تقرأ بسورتين، وقد نهيتها عنهما، قال: فقال: "لو كانت سورة واحدة لكفت الناس"، وأما قولها: يفطرني، فإنها تنطلق فتصوم، وأنا رجل شاب، فلا أصبر، فقال رسول الله ﷺ يومئذ: "لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها"، وأما قولها: إني لا أصلي حتى تطلع الشمس، فإنا أهل بيت قد عرف لنا ذاك، لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس، قال: "فإذا استيقظت فصل" (٥) . * عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تصومن امرأة إلا بإذن زوجها) (٦) . قال النووي في "المجموع" (٦/٤٤٥-٤٤٦) : "قال المصنف والبغوي وصاحب العدة وجمهور أصحابنا: لا يجوز للمرأة صوم تطوع وزوجها حاضر إلا بإذنه لهذا الحديث، وقال جماعة من أصحابنا: يكره، والصحيح الأول، فلو صامت بغير إذن

стр. 522

زوجها صحّ باتفاق أصحابنا، وإن كان الصوم حراماً لأن تحريمه لمعنى آخر لا لمعنى يعود إلى نفس الصوم، فهو كالصلاة في دار مغصوبة. وأما صومها التطوّع في غيبة الزوج عن بلدها فجائز بلا خلاف لمفهوم الحديث ولزوال معنى النهي. * والأمَةُ المستباحة لسيدها في صوم التطوع كالزوجة، وأما الأمة التي لا تحل لسيدها بأن كانت محرماً له كأخته أو كانت مجوسية أو غيرهما والعبد، فإن تضررا بصوم التطوع بضعف أو غيره أو نقصاً، لم يجز بغير إذن السيد بلا خلاف، وإن لم يتضررا ولم ينقصا جاز والله أعلم. قال المناوي (٦/٤٠٧) : "فلو نكحها صائمة فلا حق له في تفطيرها كما جزم به المروزي من عظماء الشافعية وأعظم بها فائدة قلّ من تعرض لها أما وهو غائب عن البلد فلا يكره بل يسن قال أبو زرعة: وفي معنى غيبته كونه لا يمكن التمتع بها لنحو المرض". إفراد يوم النيروز بصوم قال ابنُ قدامة في "المغني" (٤/٤٢٨-٤٢٩) : "يكره إفراد يوم النيروز ويوم المهرجان (١) بالصوم لأنهما يومان يعظمها الكفار فكره كيوم السبت، وعلى قياس هذا، كل عيد للكفار أو يوم يفردونه بالتعظيم". صيام الدهر قال رسول الله ﷺ : "من صام الأبد، فلا صام ولا أفطر" (٢) . وقال ﷺ : "لا صام من صام الأبد" (٣) .

стр. 523

وقال ﷺ : "لا صام من صام الدهر، صوم ثلاثة أيام صوم الدهر كله" (١) . * قال ابن حجر (٤/٢٦١-٢٦٣) : "المعنى أنه لم يحصل أجر الصوم لمخالفته، ولم يفطر لأنه أمسك". * وإلى كراهة صوم الدهر مطلقاً ذهب إسحاق وأهل الظاهر، وهي رواية عن أحمد. وشذّ ابن حزم فقال: يحرم. وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن أبي عمرو الشيباني قال: "بلغ عمر أن رجلاً يصوم الدهر، فأتاه فعلاه بالدرة وجعل يقول: كل يا دهري". * وإلى الكراهة مطلقاً ذهب ابنُ العربي من المالكية فقال: قوله: "لا صام من صام الأبد" إن كان معناه الدعاء فيا ويح من أصابه دعاء النبي ﷺ ، وإن كان معناه الخبر فيا ويح من أخبر عنه النبي ﷺ أنه لم يصم، وإذا لم يصم شرعاً لم يكتب له الثواب لوجوب صدق قوله ﷺ لأنه نفى عنه الصوم، وقد نفى عنه الفضل كما تقدم، فكيف يطلب الفضل فيما نفاه النبي ﷺ ". * وذهب آخرون إلى جواز صيام الدهر وحملوا أخبار النهي على من صامه حقيقة فإنه يدخل فيه ما حرم صومه كالعيدين وهذا اختيار ابن المنذر وطائفة، ورُوي عن عائشة نحوه. * وذهب آخرون إلى استحباب صيام الدهر لمن قوي عليه ولم يفوت فيه حقًّا، وإلى ذلك ذهب الجمهور. قال السبكي: أطلق أصحابنا كراهة صوم الدهر لمن فوّت حقَّا، ولم يوضحوا هل المراد الحق الواجب أو المندوب، ويتجه أن يقال: إن علم أنه يفوت حقا واجباً حرم، وإن علم أنه يفوت حقًّا مندوباً أولى من الصيام كره، وإن كان يقوم مقامه فلا. ومن حجتهم حديث حمزة بن عمرو فإن في بعض طرقه عند مسلم أنه قال: "يا رسول الله إني أسرد الصوم" فحملوا قوله ﷺ لعبد الله بن عمرو: "لا أفضل من ذلك" أي في حقك فيلتحق به من في معناه ممن يدخل فيه على نفسه مشقة أو يفوت حقا، ولذلك

стр. 524

لم ينه حمزة بن عمرو عن السرد فلو كان السرد ممتنعاً لبينه له لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز قاله النووي. * واختلف المجيزون لصوم الدهر بالشرط المتقدم هل هو أفضل أو صيام يوم وإفطار يوم أفضل؟ فصرح جماعة من العلماء بأن صوم الدهر أفضل لأنه أكثر عملاً فيكون أكثر أجراً وما كان أكثر أجراً كان أكثر ثواباً، وبذلك جزَم الغزالي أولاً وقيّده بشرط أن لا يصوم الأيام المنهي عنها، وأن لا يرغب عن السنة بأن يجعل الصوم حجراً على نفسه، فإذا أمن من ذلك فالصوم من أفضل الأعمال، فالاستكثار منه زيادة في الفضل. وذهب جماعة منهم المتولى من الشافعية وابنُ دقيق العيد إلى أن صيام داود أفضل. وعلى هذا فيختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأحوال، فمن يقتضي حاله الإكثار من الصوم أكثر منه، ومن يقتضي حاله الإكثار من الإفطار أكثر منه، ومن يقتضي حاله المزج فعله، حتى أن الشخص الواحد قد تختلف عليه الأحوال في ذلك، وإلى ذلك أشار الغزالي أخيراً والله أعلم بالصواب. * قال ابن قدامة في "المغني" (٤/٤٣٠) [حنبلي] : "عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: "من صام الدهر ضيقت عليه جهنم" قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: فَسّر مسدَّد قول أبي موسى: "من صام الدهر ضيقت عليه جهنم" فلا يدخل، فضحك وقال: من قال هذا؟ فأين حديث عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ كرِه ذلك، وما فيه من الأحاديث؟ " قال أبو الخطاب: إنما يكره إذا أدخل فيه يومي العيدين وأيام التشريق، لأن أحمد قال: إذا أفطر يومي العيدين وأيام التشريق رجوت أن لا يكون بذلك بأس. ورُوي نحو هذا عن مالك وهو قول الشافعي؛ لأن جماعة من الصحابة كانوا يسردون الصوم، منهم: أبو طلحة. قيل: إنه صام بعد موت النبي ﷺ أربعين سنة. ويقوى عندي أن صوم الدهر مكروه، وإن لم يصم هذه الأيام، فإن صامها فقد فعل محرّماً، وإنما كره صوم الدهر لما فيه من المشقة والضعف، وشبه التبتل المنهي عنه بدليل أن النبي ﷺ قال لعبد الله ابن عمرو: "إنك لتصوم الدهر وتقوم الليل؟ " فقلت: نعم، قال: "إنك إذا فعلت ذلك

стр. 525

هجمت (١) له عينك، ونفهت (٢) له النفس، لا صام من صام الدهر. صوم ثلاثة أيام صوم الدهر كله"، قلت: فإني أطيق أكثر من ذلك. قال: "فصم صوم داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، ولا يفر إذا لاقى"، وفي رواية: "وهو أفضل الصيام". فقلت: إني أطيق أفضل من ذلك. قال: "لا أفضل من ذلك" (٣) . * قال ابنُ مفلح في "الفروع" (٣/١١٤-١١٥) : "يكره صوم الدهر إذا أدخل فيه يومي العيدين وأيام التشريق، ذكره القاضي وأصحابه، والكراهة كراهة تحريم، ذكره صاحب "المغني" و"المحرر" وغيرهما وهو واضح. وإن أفطر أيام النهي جاز خلافاً للظاهرية ولم يكره والمراد إذا لم يترك به حقًّا ولا خاف منه ضرراً. نقل حنبل: إذا أفطر أيام النهي فليس ذلك صوم الدهر. ونقل صالح: إذا أفطرها رجوت أن لا بأس به، وهذا اختيار القاضي وأصحابه وصاحب "المحرر" والأكثر، وذكر مالك أنه سمع أهل العلم يقولونه لقول حمزة بن عمرو: "يا رسول الله، إني أسرد الصوم، أفأصوم في السفر؟ " قال: "إن شئت فصُم" متفق عليه، ولأن أبا طلحة وغيره من الصحابة وغيرهم فعلوه، ولأن الصوم مطلوب للشارع إلا ما استثناه. واختار صاحب "المُغني": يُكره، وهو ظاهر رواية الأثرم. وللحنفية قولان، وقال شيخُنا: الصواب قول من جعله تركا للأولى أو كرهه فعلى الأول صوم يوم وفطر يوم أفضل منه، خلافاً لطائفة من الفقهاء والعباد، ذكره شيخنا، وهو ظاهر حال من سرده، ومنهم أبو بكر النجاد من أصحابنا. قال أحمد: "ويعجبني أن يفطر منه أياماً، يعني أنه أولى، للخروج من الخلاف، وجزم به جماعة، وقاله إسحاق، وليس المراد الكراهة فلا تعارض". * قال ابن رشد في "بداية المجتهد" (٢/١٩٧-١٩٨) [مالكي] : "أما صيام الدهرِ فإنه قد ثبت النهي عن ذلك، لكن مالك لم ير بذلك بأساً، وعسى رأي النهي في ذلك إنما هو من باب خوف الضعف والمرض".

стр. 526

* قال النووي في "المجموع" (٦/٤٤١-٤٤٥) : "قال الشافعي والأصحاب في صوم الدهر نحو قول المصنف -أي لا يكره- والمراد بصوم الدهر سرد الصوم في جميع الأيام إلا الأيام التي لا يصح صومها، وهي العيدان وأيام التشريق، وحاصل حكمه عندنا أنه إن خاف ضرراً أوْ فوّت حقا بصيام الدهر كره له، وإن لم يخف ضرراً ولم يفوت حقا لم يكره، هذا هو الصحيح الذي نص عليه الشافعي وقطع به المصنف والجمهور، وأطلق البغوي وطائفة قليلة أن صوم الدهر مكروه، وأطلق الغزالي في "الوسيط" أنه مسنون. وكذا قال الدارمي: من قدر على صوم الدهر من غير مشقة ففعل فهو فضل. قال الشافعي في "البويطي": لا بأس بسرد الصوم إذا أفطر أيام النهي الخمسة. قال صاحب "الشامل" بعد أن ذكر النص: وبهذا قال عامة العلماء. وكذا نقله القاضي عِياضٌ وغيره عن جماهير العلماء. وممن نقلوا عنه ذلك عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبو طلحة وعائشة وغيرهم من الصحابة ﵃. والجمهور من بعدهم. * وقال أبو يوسف وغيره من أصحاب أبي حنيفة يكره مطلقاً. والنبي ﷺ لم ينكر على حمزة بن عمرو الأسلمي ﵁ سرد الصوم لا سيما وقد عرض به في السفر. وعن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: "من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا" وعقد تسعين. رواه البيهقي هكذا مرفوعاً وموقوفاً على أبي موسى. واحتج به البيهقي على أنه لا كراهة في صوم الدهر وافتتح الباب به، فهو عنده المعتمد في المسألة، وأشار غيره إلى الاستدلال به على كراهته، والصحيح ما ذهب إليه البيهقي، ومعنى ضيقت عليه: أي عنه فلم يدخلها، أو ضيقت عليه: أي لا يكون له فيها موضع". * قال ابن خزيمة في "صحيحه" (٣/٣١٣-٣١٤) : "باب فضل صيام الدهر إذا أفطر الأيام التي زجر عن الصيام فيها: عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: "من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا" وعقد تسعين (١) .

стр. 527

وعنه أن رسول الله ﷺ قال: "الذي يصوم الدهر تضيق عليه جهنم تَضيّق هذه" (١) وعقد تسعين. قال أبو بكر -ابن خزيمة-: سألت المزني عن معنى هذا الحديث، فقال: يشبه أن يكون معناه أي: ضيقت عنه جهنم، فلا يدخل جهنم ولا يشبه أن يكون معناه غير هذا، لأن من ازداد لله عملاً وطاعة ازدادَ عند الله رفعة، وعليه كرامة، وإليه قربة هذا معنى جواب المزني". قال ابن حجر (٤/٢٦٢) : "ورجح هذا التأويل جماعة منهم الغزالي فقالوا: له مناسبة من جهة أن الصائم لما ضيّق على نفسه مسالك الشهوات بالصوم ضيّق الله عليه النار فلا يبقى له فيها مكان لأنه ضيق طرفيها بالعبادة". قال ابن حجر: "والأولى إجراء الحديث على ظاهره وحمله على من فوّت حقًّا واجباً بذلك فإنه يتوجه إليه بالوعيد، ولا يخالف القاعدة التي أشار إليها المزني". * وعند ابن خزيمة: عن زرعة بن ثوب قال: سألت عبد الله بن عمر عن صيام الدهر فقال: "كنا نعد أولئك فينا من السابقين". قال: وسألته عن صيام يوم وإفطار يوم فقال: لم يدع ذلك لصائم مصاماً، وسألته عن صيام ثلاثة أيام من كل شهر قال: "صام ذلك الدهر وأفطره" (٢) . * قال النووي في "المجموع" (٦/٤٤٣) : "عن عروة أن عائشة كانت تصوم الدهر في السفر والحضر" رواه البيهقي بإسناد صحيح. وأجابوا عن حديث: "لا صام من صام الأبد" بأجوبة: (أحدها) : جواب عائشة: "من أفطر يوم النحر ويوم الفطر فلم يصم الدهر" وتابعها عليه خلائق من العلماء أن المراد من صام الدهر حقيقة بأن يصوم معه العيد والتشريق وهذا منهي عنه بالإجماع.

стр. 528

(والثاني) : أنه محمول على أن معناه أنه لا يجد من مشقته ما يجد غيره لأنه يألفه ويسهل عليه فيكون خبراً لا دعاءً، ومعناه لا صام صوماً يلحقه فيه مشقة كبيرة ولا أفطر بل هو صائم له ثواب الصائمين. (والثالث) : أنه محمول على من تضرر بصوم الدهر أو فوّت به حقًّا. فنهى النبي ﷺ ابن عمرو بن العاص لعلمه بأنه يضعف عن ذلك، وأقرّ حمزة بن عمرو لعلمه بقدرته على ذلك بلا ضرر". * قال الألباني في "إرواء الغليل" (٤/١١٦) : نرى أن صوم الدهر لا يشرع، ولو لم يكن فيها أيام العيد المنهي عن صيامها لقوله ﷺ : "لا صام ولا أفطر". * قال ابنُ عبد البر في "الاستذكار" (١٠/١٤٦) : "أما صيام الدهر لمن أفطر الأيام التي نهى رسول الله ﷺ عن صيامها، فمباح عند أكثر العلماء، إلا أن الصيام عمل من أعمال البر، وفضله معلوم، وفي نهي رسول الله ﷺ عن صيام أيام ذكرها على إباحة ما سواها والله أعلم". * قال النووي في "المجموع" (٦/٤٤٣-٤٤٤) : "فرع: في تسمية بعض الأعلام من السلف والخلف ممن صام الدهر غير أيام النهي الخمسة - العيدين والتشريق فمنهم: عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وأبو طلحة الأنصاري، وأبو أمامة وامرأته، وعائشة ﵃. ومنهم: سعيد بن المسيب، وأبو عمرو بن حماس -بكسر الحاء وآخره سين- وسعيد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف التابعي، سرده أربعين سنة، والأسود بن يزيد صاحب ابن مسعود، ومنهم البُويطي وشيخنا أبو إبراهيم إسحاق بن أحمد المقدسي الفقيه الإمام الزاهد". قال النووي في "المجموع" (٦/٤٤٤-٤٤٥) : "فرع: قال أصحابنا: لو نذر صوم الدهر صح نذره بلا خلاف، ولزمه الوفاء به بلا خلاف، وتكون الأعيادُ وأيام التشريق وشهر رمضان وقضاؤه مستثناة فإن فاتَه شيءٌ من صوم رمضان بعذر وزال العذر لزمه قضاء فائت رمضان لأنه آكد من النذر.

стр. 529

• قال أصحابنا كلهم: وهكذا الحكم إذا نذر صوم الدهر ثم لزمته كفارة بالصوم فيجب صوم الكفارة لأنها تجب بالشرع، وإن كانت بسبب من جهته فكانت آكد من النذر الذي يوجبه هو على نفسه، فعلى هذا يكون حكم الفدية عن صوم النذر ما سبق، هكذا صرح به ابن سريج. وقطع البغوي والرافعي بوجوب الفدية إذا صام عن الكفارة. قال أصحابنا: ولو أفطر يوماً من الدهر لم يمكن قضاؤه، ولا تجب الفدية إن أفطر لعذر وإلا فتجب، قالوا: ولو نذرت امرأة صوم الدهر، فللزوج منعها، فإن منعها فلا قضاء ولا فدية لأنها معذورة، وإن أذن لها أو مات لزمها الصوم، فإن أفطرت بلا عذر أثمت ولزمتها الفدية". فائدة - حكم الإفطار في التطوع: قال ابن رشد في "بداية المجتهد" (٢/١٩٩) : "أجمعوا على أنه ليس على من دخل في صيام تطوع فقطعه لعذر قضاء. واختلفوا إذا قطعه لغير عذر عامداً، فأوجب مالك وأبو حنيفة القضاء، وقال الشافعي وجماعة: ليس عليه قضاء". الوصال في الصوم * عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا تواصلوا". قالوا: إنك تواصل. قال: "لست كأحد منكم، إني أطعم وأسقى. أو إني أبيت أُطعم وأسقى" (١) رواه البخاري. * وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال. قالوا: إنك تواصل. قال: "إني لست مثلكم، إني أُطعم وأسقى" (٢) رواه البخاري. * وعن أبي سعيد ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: "لا تواصلوا، فأيكم إذا أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر"، قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله. قال: "إني لست كهيئتكم، إني أبيت لي مُطعِم يُطعمني وساقي يسقيني" (٣) رواه البخاري.

стр. 530

* وعن عائشة ﵂ قالت: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال رحمة لهم، فقالوا: إنك تواصل. قال: "إني لست كهيئتكم، إني يُطعمني ربي ويسقيني" (١) رواه البخاري. * عن أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال في الصوم، فقال له رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله. قال: "وأيكم مثلي؟ إني أبيت يُطعمني ربي ويسقيني". فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوماً ثم يوماً ثم رأوا الهلال فقال: "لو تأخر لزدتكم. كالتّنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا" (٢) رواه البخاري. * وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "إياكم والوصال" مرتين. قيل: إنك تُواصل. قال: "إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني، فاكفلوا من العمل ما تطيقون" رواه البخاري. وقال رسول الله ﷺ : "ما بال رجال يواصلون؟؟ إنكم لستم مثلي، أما والله لو مدّ لي الشهر لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم" (٣) . * وقال ﷺ : "لا وصال في الصوم" (٤) . * وقال ﷺ : "إياكم والوصال، إنكم لستم في ذلك مثلى، أني أبيت يطعمني ربي ويسقيني، فاكفلوا من العمل ما تطيقون" (٥) . * عن رجل من الصحابة قال: نهى النبي ﷺ عن الحجامة والمواصلة ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه (٦) . * عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : "إياكم والوصال ثلاث مرات" (٧) .
следующие страницы →