* قال النووي في "المجموع" (٦/٤٤١-٤٤٥) : "قال الشافعي والأصحاب في صوم الدهر نحو قول المصنف -أي لا يكره- والمراد بصوم الدهر سرد الصوم في جميع الأيام إلا الأيام التي لا يصح صومها، وهي العيدان وأيام التشريق، وحاصل حكمه عندنا أنه إن خاف ضرراً أوْ فوّت حقا بصيام الدهر كره له، وإن لم يخف ضرراً ولم يفوت حقا لم يكره، هذا هو الصحيح الذي نص عليه الشافعي وقطع به المصنف والجمهور، وأطلق البغوي وطائفة قليلة أن صوم الدهر مكروه، وأطلق الغزالي في "الوسيط" أنه مسنون.
وكذا قال الدارمي: من قدر على صوم الدهر من غير مشقة ففعل فهو فضل.
قال الشافعي في "البويطي": لا بأس بسرد الصوم إذا أفطر أيام النهي الخمسة.
قال صاحب "الشامل" بعد أن ذكر النص: وبهذا قال عامة العلماء.
وكذا نقله القاضي عِياضٌ وغيره عن جماهير العلماء.
وممن نقلوا عنه ذلك عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبو طلحة وعائشة وغيرهم من الصحابة ﵃. والجمهور من بعدهم.
* وقال أبو يوسف وغيره من أصحاب أبي حنيفة يكره مطلقاً.
والنبي ﷺ لم ينكر على حمزة بن عمرو الأسلمي ﵁ سرد الصوم لا سيما وقد عرض به في السفر.
وعن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: "من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا" وعقد تسعين. رواه البيهقي هكذا مرفوعاً وموقوفاً على أبي موسى. واحتج به البيهقي على أنه لا كراهة في صوم الدهر وافتتح الباب به، فهو عنده المعتمد في المسألة، وأشار غيره إلى الاستدلال به على كراهته، والصحيح ما ذهب إليه البيهقي، ومعنى ضيقت عليه: أي عنه فلم يدخلها، أو ضيقت عليه: أي لا يكون له فيها موضع".
* قال ابن خزيمة في "صحيحه" (٣/٣١٣-٣١٤) : "باب فضل صيام الدهر إذا أفطر الأيام التي زجر عن الصيام فيها:
عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: "من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا" وعقد تسعين (١) .
стр. 527
وعنه أن رسول الله ﷺ قال: "الذي يصوم الدهر تضيق عليه جهنم تَضيّق هذه" (١)
وعقد تسعين.
قال أبو بكر -ابن خزيمة-: سألت المزني عن معنى هذا الحديث، فقال: يشبه أن يكون معناه أي: ضيقت عنه جهنم، فلا يدخل جهنم ولا يشبه أن يكون معناه غير هذا، لأن من ازداد لله عملاً وطاعة ازدادَ عند الله رفعة، وعليه كرامة، وإليه قربة هذا معنى جواب المزني".
قال ابن حجر (٤/٢٦٢) : "ورجح هذا التأويل جماعة منهم الغزالي فقالوا: له مناسبة من جهة أن الصائم لما ضيّق على نفسه مسالك الشهوات بالصوم ضيّق الله عليه النار فلا يبقى له فيها مكان لأنه ضيق طرفيها بالعبادة".
قال ابن حجر: "والأولى إجراء الحديث على ظاهره وحمله على من فوّت حقًّا واجباً بذلك فإنه يتوجه إليه بالوعيد، ولا يخالف القاعدة التي أشار إليها المزني".
* وعند ابن خزيمة: عن زرعة بن ثوب قال: سألت عبد الله بن عمر عن صيام الدهر فقال: "كنا نعد أولئك فينا من السابقين". قال: وسألته عن صيام يوم وإفطار يوم فقال: لم يدع ذلك لصائم مصاماً، وسألته عن صيام ثلاثة أيام من كل شهر قال: "صام ذلك الدهر وأفطره" (٢) .
* قال النووي في "المجموع" (٦/٤٤٣) : "عن عروة أن عائشة كانت تصوم الدهر في السفر والحضر" رواه البيهقي بإسناد صحيح.
وأجابوا عن حديث: "لا صام من صام الأبد" بأجوبة:
(أحدها) : جواب عائشة: "من أفطر يوم النحر ويوم الفطر فلم يصم الدهر" وتابعها عليه خلائق من العلماء أن المراد من صام الدهر حقيقة بأن يصوم معه العيد والتشريق وهذا منهي عنه بالإجماع.
стр. 528
(والثاني) : أنه محمول على أن معناه أنه لا يجد من مشقته ما يجد غيره لأنه يألفه ويسهل عليه فيكون خبراً لا دعاءً، ومعناه لا صام صوماً يلحقه فيه مشقة كبيرة ولا أفطر بل هو صائم له ثواب الصائمين.
(والثالث) : أنه محمول على من تضرر بصوم الدهر أو فوّت به حقًّا.
فنهى النبي ﷺ ابن عمرو بن العاص لعلمه بأنه يضعف عن ذلك، وأقرّ حمزة بن عمرو لعلمه بقدرته على ذلك بلا ضرر".
* قال الألباني في "إرواء الغليل" (٤/١١٦) : نرى أن صوم الدهر لا يشرع، ولو لم يكن فيها أيام العيد المنهي عن صيامها لقوله ﷺ : "لا صام ولا أفطر".
* قال ابنُ عبد البر في "الاستذكار" (١٠/١٤٦) : "أما صيام الدهر لمن أفطر الأيام التي نهى رسول الله ﷺ عن صيامها، فمباح عند أكثر العلماء، إلا أن الصيام عمل من أعمال البر، وفضله معلوم، وفي نهي رسول الله ﷺ عن صيام أيام ذكرها على إباحة ما سواها والله أعلم".
* قال النووي في "المجموع" (٦/٤٤٣-٤٤٤) :
"فرع: في تسمية بعض الأعلام من السلف والخلف ممن صام الدهر غير أيام النهي الخمسة - العيدين والتشريق فمنهم: عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وأبو طلحة الأنصاري، وأبو أمامة وامرأته، وعائشة ﵃.
ومنهم: سعيد بن المسيب، وأبو عمرو بن حماس -بكسر الحاء وآخره سين- وسعيد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف التابعي، سرده أربعين سنة، والأسود بن يزيد صاحب ابن مسعود، ومنهم البُويطي وشيخنا أبو إبراهيم إسحاق بن أحمد المقدسي الفقيه الإمام الزاهد".
قال النووي في "المجموع" (٦/٤٤٤-٤٤٥) :
"فرع: قال أصحابنا: لو نذر صوم الدهر صح نذره بلا خلاف، ولزمه الوفاء به بلا خلاف، وتكون الأعيادُ وأيام التشريق وشهر رمضان وقضاؤه مستثناة فإن فاتَه شيءٌ من صوم رمضان بعذر وزال العذر لزمه قضاء فائت رمضان لأنه آكد من النذر.
стр. 529
• قال أصحابنا كلهم: وهكذا الحكم إذا نذر صوم الدهر ثم لزمته كفارة بالصوم فيجب صوم الكفارة لأنها تجب بالشرع، وإن كانت بسبب من جهته فكانت آكد من النذر الذي يوجبه هو على نفسه، فعلى هذا يكون حكم الفدية عن صوم النذر ما سبق، هكذا صرح به ابن سريج. وقطع البغوي والرافعي بوجوب الفدية إذا صام عن الكفارة.
قال أصحابنا: ولو أفطر يوماً من الدهر لم يمكن قضاؤه، ولا تجب الفدية إن أفطر لعذر وإلا فتجب، قالوا: ولو نذرت امرأة صوم الدهر، فللزوج منعها، فإن منعها فلا قضاء ولا فدية لأنها معذورة، وإن أذن لها أو مات لزمها الصوم، فإن أفطرت بلا عذر أثمت ولزمتها الفدية".
فائدة - حكم الإفطار في التطوع:
قال ابن رشد في "بداية المجتهد" (٢/١٩٩) : "أجمعوا على أنه ليس على من دخل في صيام تطوع فقطعه لعذر قضاء. واختلفوا إذا قطعه لغير عذر عامداً، فأوجب مالك وأبو حنيفة القضاء، وقال الشافعي وجماعة: ليس عليه قضاء".
الوصال في الصوم
* عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا تواصلوا". قالوا: إنك تواصل.
قال: "لست كأحد منكم، إني أطعم وأسقى. أو إني أبيت أُطعم وأسقى" (١) رواه البخاري.
* وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال.
قالوا: إنك تواصل. قال: "إني لست مثلكم، إني أُطعم وأسقى" (٢) رواه البخاري.
* وعن أبي سعيد ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: "لا تواصلوا، فأيكم إذا أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر"، قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله. قال: "إني لست كهيئتكم، إني أبيت لي مُطعِم يُطعمني وساقي يسقيني" (٣) رواه البخاري.
стр. 530
* وعن عائشة ﵂ قالت: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال رحمة لهم، فقالوا: إنك تواصل. قال: "إني لست كهيئتكم، إني يُطعمني ربي ويسقيني" (١) رواه البخاري.
* عن أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال في الصوم، فقال له رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله. قال: "وأيكم مثلي؟ إني أبيت يُطعمني ربي ويسقيني". فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوماً ثم يوماً ثم رأوا الهلال فقال: "لو تأخر لزدتكم. كالتّنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا" (٢) رواه البخاري.
* وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "إياكم والوصال" مرتين. قيل: إنك تُواصل. قال: "إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني، فاكفلوا من العمل ما تطيقون" رواه البخاري.
وقال رسول الله ﷺ : "ما بال رجال يواصلون؟؟ إنكم لستم مثلي، أما والله لو مدّ لي الشهر لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم" (٣) .
* وقال ﷺ : "لا وصال في الصوم" (٤) .
* وقال ﷺ : "إياكم والوصال، إنكم لستم في ذلك مثلى، أني أبيت يطعمني ربي ويسقيني، فاكفلوا من العمل ما تطيقون" (٥) .
* عن رجل من الصحابة قال: نهى النبي ﷺ عن الحجامة والمواصلة ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه (٦) .
* عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : "إياكم والوصال ثلاث مرات" (٧) .
стр. 531
الوصال: هو الترك في ليالي الصيام لما يفطر بالنهار بالقصد، ويدخل من أمسك جميع الليل أو بعضه.
وعند الشافعية: الوصال المنهي عنه أن يصوم يومين فصاعداً ولا يتناول في الليل شيئاً لا ماء ولا مأكولا، فإن أكل شيئاً يسيراً أو شرب فليس بوصال. وكذا إن أخّر الأكل إلى السحر لمقصود صحيح أو غيره فليس بوصال، والجمهور قد أطلقوا في بيان حقيقة الوصال أنه صوم يومين فأكثر" (١) .
* قال ابن حجر في "الفتح" (٤/٢٤٠-٢٤٢) : استدل بمجموع الأحاديث على أن الوصال من خصائصه ﷺ ، وعلى أن غيرَه ممنوع منه إلا ما وقع فيه الترخيص من الإذن فيه إلى السحر. ثم اخُتلف في المنع المذكور:
فقيل: على سبيل التحريم، وقيل: على سبيل الكراهة، وقيل: يحرم على من شق عليه ويُباح لمن لم يشق عليه.
وقد اختلف السلفُ في ذلك:
* فنقل التفصيل عن عبد الله بن الزبير، وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عنه أنه كان يواصل خمسة عشر يوماً.
وذهب إليه من الصحابة أيضاً أخت أبي سعيد، ومن التابعين: عبد الرحمن بن أبي نعم وعامر بن عبد الله بن الزبير، وإبراهيم بن زيد التيمي، وأبو الجوزاء كما نقله أبو نعيم في ترجمته في "الحلية" وغيرهم رواه الطبري وغيره.
ومن حجَّتهم أنه ﷺ واصل بأصحابه بعد النهي فلو كان النهي للتحريم لما أقرّهم على فعله، فعلم أن المراد بالنهي الرحمة لهم والتخفيف عنهم كما صرحت به عائشة في حديثها. وهذا مثل ما نهاهم عن قيام الليل خشية أن يفرض عليهم ولم ينكر على من بلغه أنه فعله ممن لم يشق عليه، ونظير ذلك صيام الدهر، فمن لم يشق عليه، ولم يقصد موافقة أهل الكتاب ولا رغب عن السنة في تعجيل الفطر لم يمنع من الوصال.
стр. 532
* وذهب الأكثرون إلى تحريم الوصال، وعن الشافعية في ذلك وجهان: التحريم والكراهة. وقد نص الشافعي في "الأم" على أنه محظور.
* وصرح ابن حزم بتحريمه وصحّحه ابن العربي من المالكية.
* وذهب أحمد وإسحاق وابن المنذر وابن خزيمة وجماعة من المالكية إلى جواز الوصال إلى السحر لحديث أبي سعيد المذكور، وهذا الوصال لا يترتب عليه شيء مما يترتب على غيره إلا أنه في الحقيقة بمنزلة عشائه إلا أنه يؤخره، لأن الصائم له في اليوم والليلة أكلة فإذا أكلها السحر كان قد نقلها من أول الليل إلى آخره وكان أخف لجسمه في قيام الليل، ولا يخفى أن محل ذلك ما لم يشق على الصائم وإلا فلا يكون قربة.
وانفصل أكثرُ الشافعية عن ذلك بأن الإمساك إلى السحر ليس وصالاً، بل الوصال أن يمسك في الليل جميعه كما يمسك النهار، وإنما أطلق على الإمساك إلى السحر وصالاً لمشابهته الوصال في الصورة، ويحتاج إلى ثبوت الدعوى بأن الوصال إنما هو حقيقة في إمساك جميع الليل، وقد ورد أن النبي ﷺ كان يواصل من سحر إلى سحر. أخرجه أحمد وعبد الرزاق من حديث علي، والطبراني من حديث جابر.
* ويدل على أنه ليس بمحرم حديث أبي داود السابق، فإن الصحابي صرّح فيه بأن النبي ﷺ لم يحرم الوصال.
* ومن أدلة الجواز إقدامُ الصحابة على الوصال بعد النهي فدل على أنهم فهموا أن النهي للتنزيه لا للتحريم وإلا لما أقدموا عليه.
* ويؤيد أنه ليس بمحرم أيضاً أنه ﷺ في حديث بشير بن الخصاصية سوّى في علة النهي بين الوصال وبين تأخير الفطر حيث قال في كل منهما: إنه فعل أهل الكتاب، ولم يقل أحد بتحريم تأخير الفطر سوى بعض من لا يعتدُّ به من أهل الظاهر.
* ومن حيث المعنى ما فيه من فطم النفس وشهواتها وقمعها عن ملذوذاتها فلهذا استمر على القول بجوازه مطلقاً أو مقيداً من تقدّم ذكره والله أعلم".
* قال النووي في "المجموع" (٦/٣٩٩-٤٠٢) : حكم الوصال: مكروه بلا خلاف عندنا، وهل هي كراهة تحريم أم تنزيه؟ فيه الوجهان: (أصحهما) : عند أصحابنا
стр. 533
وهو ظاهر نص الشافعي كراهة تحريم، لأن الشافعي ﵁ قال في المختصر: فرّق الله تعالى بين رسول الله ﷺ وبين خلقه في أمور أباحها له، وحظرها عليهم، وذكر منها الوصال.
وممن صرح بتصحيح تحريمه من أصحابنا صاحب "العدة" والرافعي وآخرون، وقطع به جماعة من أصحابنا منهم القاضي أبو الطيّب في كتابه "المجرد"، والخطابي في "المعالم"، وسليم الرازي في "الكفاية"، وإمام الحرمين في "النهاية"، والبغوي والروياني في "الحلية"، والشيخ نصر في كتابه "الكافي".
قال النووي: اتفق أصحابنا وغيرهم على أن الوصال لا يبطل الصوم سواء حرّمناه أو كرهناه لأن النهي لا يعود إلى الصوم.
قال النووي: "مذهبنا أنه منهي عنه، وبه قال الجمهور. وقال العبدري: هو قول العلماء كافة إلا ابن الزبير، فإنه كان يواصل اقتداء برسول الله ﷺ .
وقال ابن المنذر: كان ابن الزبير وابن أبي نعم يواصل، وذكر الماوردي في "الحاوي" أن عبد الله بن الزبير واصل سبعة عشر يوماً ثم أفطر على سمن ولبن وصبر. قال: وتأول في السمن أنه يلين الأمعاء، واللبن ألطف غذاء، والصبر يقوي الأعضاء.
* قال ابن مفلح في "الفروع" (٣/١١٦) : يُكره الوصال، وهو أن لا يفطر بين اليومين، لأن النهي رفق ورحمة، ولهذا واصل ﵇ بهم وواصلوا بعده.
وقيل: يحرم، واختاره ابن البناء، وحكاه ابن عبد البر عن الأئمة الثلاثة.
قال أحمد: لا يعجبني، وأومأ أحمد أيضاً إلى إباحته لمن يطيقه.
وتزول الكراهة بأكل تمرة ونحوها لأن الأكل مظنة القوة، وكذا بمجرّد الشرب على ظاهر ما رواه المروذي عنه أنه كان إذا واصل شرب شربة ماء، خلافاً للشافعية.
* ولا يكره الوصال إلى السحر، نصّ عليه، وقاله إسحاق. لكن ترك الأولى، لتعجيل الفطر.
* وذكر القاضي عياض المالكي أن أكثر العلماء كرهه.
стр. 534
* قال ابن عبد البر في "التمهيد" (١٤/٣٦٣) : "كره مالك والثوري وأبو حنيفة والشافعي وجماعة من أهل الفقه والآثار الوصال على كل حال لمن قوي عليه ولغيره".
* وعلى هذا: فصوم الوصال محرم عند الشافعي على أصح الأقوال، إلا للنبي ﷺ فمباح له، وهو من خصائصه.
* وقال الجمهور: لا يحرم الوصال، لأن النهي وقع رفقاً ورحمة، لكنه يكره عند أكثر العلماء.
أما الوصال إلى السحر فلا يكره عند أحمد وإسحاق. وقالت الشافعية: ليس بوصال.
* قال النووي في "المجموع" (٦/٤٠٢) : "الحكمة في النهي عن الوصال لئلّا يضعف عن الصيام والصلاة وسائر الطاعات أو يملها ويسأم منها لضعفه بالوصال، أو يتضرر بدنه، أو بعض حواسه وغير ذلك من أنواع الضرر".
"إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" (١) :
أكثر الروايات: "إني أبيت" ووردت روايات بقوله. "إني أظل عند ربي" كما في حديث أنس عند البخاري، وحديث عائشة عند الإسماعيلي، وحديث أبي هريرة عند أحمد وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة.
واختلف في معنى قوله: "يطعمني ويسقيني":
* فقيل. هو على حقيقته وأنه ﷺ كان يؤتى بطعام وشراب من عند الله كرامة له في ليالي صيامه، وتعقبه ابن بطال ومن تبعه بأنه لو كان كذلك لم يكن مواصلاً، وبأن قوله: "يظل" يدل على وقوع ذلك بالنهار فلو كان الأكل والشرب حقيقة لم يكن صائماً.
وأجيب بأن الراجح من الروايات لفظ: "أبيت" وعلى تقدير الثبوت فليس حمل الطعام والشراب على المجاز بأولى له من حمل لفظ: "أظل" على المجاز ويراد به مطلق الوجه كما قال تعالى: (ظل وجهه مسودا) فالمراد به مطلق الوقت.
стр. 535
وعلى التنزل على الطعام حقيقة فلا يضر شيء من ذلك لأن ما يؤتى به الرسول ﷺ على سبيل الكرامة من طعام الجنة وشرابها لا تجرى عليه أحكام المكلفين فيه، كما غسل صدره ﷺ في طست الذهب، مع أن استعمال أواني الذهب الدنيوية حرام.
* وقال ابن المنير في الحاشية: "الذي يفطر شرعاً إنما هو الطعام المعتاد، وأما الخارق للعادة كالمحضر من الجنة فعلى غير هذا المعنى، وليس تعاطيه من جنس الأعمال وإنما هو من جنس الثواب كأكل أهل الجنة في الجنة".
* وقال غيره: لا مانع من حمل الطعام والشراب على حقيقتهما، والرواية الأصح: "أبيت" وأكله وشربه في الليل مما يؤتى به من الجنة لا يقطع وصاله خصوصية له بذلك فمن أكل منهم أو شرب انقطع وصاله، وهو لا تنقطع بذلك مواصلته فطعامه وشرابه غير طعامهم وشرابهم صورة ومعنى.
وحاصله أنه يحمل ذلك على حالة استغراقه ﷺ في أحواله الشريفة حتى لا يؤثر فيه حينئذٍ شيء من الأحوال البشرية.
* وقال الجمهور: قوله: "يطعمني ويسقيني" مجاز عن لازم الطعام والشراب وهو القوة فكأنه قال: يعطيني قوة الآكل والشارب من غير شبع ولا ري مع الجوع والظمأ، فيفيض عليه ما يسدّ مسد الطعام والشراب ويقوى على أنواع الطاعة من غير ضعف ولا كلال.
* ويحتمل أن يكون المراد: أنه يشغلني بالتفكر في عظمته والتملّي بمشاهدته والتغذي بمعارفه وقرة العين بمحبته والاستغراق في مناجاته والإقبال عليه عن الطعام والشراب.
* يقول شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية في "مدارج السالكين" (٢/٤٠٨) : "اعلم أن الله جعل للقلوب نوعين من الغذاء: نوع من الطعام والشراب الحسي، وللقلب منه خلاصته وصفوه، ولكل عضو منه بحسب استعداده وقبوله.
والثاني: غذاء روحاني، خارج عن الطعام والشراب: من السرور والفرح، والابتهاج واللذة والعلوم والمعارف. وبهذا الغذاء كان سماوياً علويّاً، وبالغذاء المشترك كان أرضياً سفليّاً وقوامه بهذين الغذاءين. وله ارتباط بكل واحدة من الحواس الخمس، وغذاء يصل إليه منها".
стр. 536
ويقول ﵀ في "زاد المعاد" في كلامه عن وصال رسول الله ﷺ : "ما يغذيه الله به من المعارف وما يفيض على قلبه من لذة مناجاته وقرة عينه بقربه وتنعمه بحبه والشوق إليه وتوابع ذلك من الأحوال التي هي غذاء القلوب ونعيم الأرواح وقرة العين وبهجة النفوس والروح والقلب بما هو أعظم غذاء وأجوده وأنفعه، وقد يقوى هذا الغذاء حتى يغني عن غذاء الأجسام مدة من الزمان كما قيل:
لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الشراب وتلهيها عن الزاد
لها بوجهك نور يستضاء به ... ومن حديثك في أعقابها حاد
إذا شكت من كلال السير أوعدها ... روح القدوم فتحيا عند ميعاد
ومن له أدنى تجربة وشوق يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الحيواني ولا سيما المسرور الفرحان الظافر بمطلوبه الذي قد قرّت عينه بمحبوبه وتنعم بقربه والرضا عنه وألطاف محبوبه وهداياه وتحفه تصل إليه كل وقت ومحبوبه حفي به معتز بأمره مكرم له غاية الإكرام مع المحبة التامة له، أفليس في هذا أعظم غذاء لهذا المحب فكيف بالحبيب الذي لا شيء أجل منه ولا أعظم ولا أجمل ولا أكمل ولا أعظم إحساناً إذا امتلأ قلب المحب بحبه وملك حبه جميع أجزاء قلبه وجوارحه، وتمكن حبه منه أعظم تمكن وهذا حاله مع حبيبه أفليس هذا المحب عند حبيبه يطعمه ويسقيه ليلاً ونهاراً، ولهذا قال: "إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني" ولو كان ذلك طعاماً وشراباً للفم لما كان صائماً فضلاً عن كونه مواصلاً، وأيضاً فلو كان ذلك في الليل لم يكن مواصلاً، ولقال لأصحابه إذ قالوا له: إنك تواصل: لست أواصل، ولم يقل: لست كهيئتكم بل أقرهم على نسبة الوصال إليه وقطع الإلحاق بينه وبينهم في ذلك بما بينه من الفارق" (١) .
وقال ابن القيم في "مدارج السالكين" (٢/٨٨) : "وقد غلظ حجاب من ظن أن هذا طعام وشراب حسي للفم. ولو كان كما ظنه هذا الظان لما كان صائماً، فضلاً عن أن يكون مواصلاً، ولو كان يأكل ويشرب بفيه الكريم حساً، لكان الجواب أن يقول: وأنا لست أواصل أيضاً، فلما أقرهم على قولهم: "إنك تواصل" عُلم أنه ﷺ كان يكتفي بذلك الطعام والشراب العالي الروحاني، الذي يغني عن الطعام والشراب المشترك الحسي".
стр. 537
* ذكر الحافظ ابن رجب أن رسول الله ﷺ كان يخص العشر الأواخر من رمضان بأعمال لا يعملها في بقية الشهر، وذكر منها:
"تأخيره للفطور إلى السحور: روى عاصم بن كليب عن أبيه عن أبي هريرة قال: "ما واصل النبي ﷺ وصالكم قط غير أنه قد أخر الفطور إلى السحور" واسناده لا بأس به.
وزعم ابن جرير أن النبي ﷺ لم يكن يواصل في صيامه إلا إلى السحر خاصة وأن ذلك يجوز لمن قوي عليه ويكره لغيره وأنكر أن يكون استدامة الصيام في الليل كله طاعة عند أحد من العلماء وقال: إنما كان يمسك بعضهم لمعنى آخر غير الصيام ليكون أنشط له على العبادة أو إيثاراً بطعامه على نفسه أو لخوف وقلق منعه طعامه أو نحو ذلك فمقتضى كلامه أن من واصل ولم يفطر ليكون أنشط له على العبادة من غير أن يعتقد أن إمساك الليل قربة أنه جائز وإن أمسك تعبداً بالمواصلة، فإن كان إلى السحر وقوي عليه لم يكره وإلا كره".
وقال ابن رجب في قوله ﷺ : "إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني" رواه مسلم.
"والصحيح أنه أشار إلى ما كان الله يفتح عليه في صيامه وخلوته بربه لمناجاته وذكره من مواد أنسه ونفحات قدسه، فكان يرد بذلك على قلبه من المعارف الإلهية والمنح الربانية ما يغذيه ويغنيه عن الطعام والشراب.
الذكر قوت قلوب العارفين يُغنيهم عن الطعام والشراب كما قيل: أنت ربِّي إذا ظمئت إلى الماء وقوتي إذا أردتُ الطعاما.
ويتأكد تأخير الفطر في الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر، قال ذر بن حبيش: في ليلة سبع وعشرين. من استطاع منكم أن يؤخر فطره فليفعل".
لما جاع المجتهدون شبعوا من طعام المناجاة فأفٍ لمن باع لذة المناجاة بفضل لقمة:
يا من لحشا المحبّ بالشوق حشا ... ذاك سرّ سراك في الدجا كيف فشا
هذا المولى إلى المماليك مشا ... لا كان عيشاً أورث القلب غشا
стр. 538
هديه ﷺ في صيام التطوع
قال شيخ الإسلام ابن القيم في "زاد المعاد" (١٦٣/١٦٤) : "كان ﷺ يصوم حتى يقال: لا يفطر ويفطر حتى يقال: لا يصوم، وما استكمل صيام شهر غير رمضان، وما كان يصوم في شهر أكثر مما يصوم في شعبان، ولم يكن يخرج عنه شهر حتى يصوم منه، ولم يصم الثلاثة الأشهر سرداً كما يفعله بعض الناس ولا صام رجباً قط ولا استحب صيامه" (١) .
وكان هديه ﷺ أكمل هدى وأتمه وأرفقه بالأمة.
قال ﷺ لعثمان بن مظعون: "يا عثمان! أرغبت عن سنتي؟! فإني أنام وأصلي وأصوم وأفطر، وأنكح النساء، فاتق الله يا عثمان! فإن لأهلك عليك حقا، وإن لضيفك عليك حقا، وإن لنفسك عليك حقًا، فصم وأفطر وصل ونم" (٢) .
* عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة ﵂: أكان رسول الله ﷺ يصوم شهراً كله؟ قالت: ما علمته صام شهراً كله إلا رمضان، ولا أفطره كله حتى يصوم منه حتى مضى لسبيله ﷺ . رواه مسلم.
* وعن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة ﵂ عن صوم النبي ﷺ فقالت: كان يصوم حتى نقول: قد صام قد صام ويفطر حتى نقول: قد أفطر قد أفطر، قالت: وما رأيته صام شهراً كاملاً منذ قدم المدينة إلا أن يكون رمضان. رواه مسلم.
* وقالت ﵂: كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول: لا يفطر ويفطر حتى نقول: لا يصوم وما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر قط إلا رمضان وما رأيته في شهر أكثر منه صياماً في شعبان. رواه مسلم.
قال النووي في "شرح مسلم" (٣/٢١٣) : "في هذه الأحاديث أنه يستحب ألا
стр. 539
يخلي شهراً من صيام، ومنها أن صوم النفل غير مختص بزمان معين بل كل السنة صالحة له إلا رمضان والعيد والتشريق".
* وعن ابن عباس ﵄: ما صام النبي ﷺ شهراً كاملاً قط غير رمضان، وكان يصوم إذا صام حتى يقول القائل: لا والله لا يفطر، ويفطر حتى يقول القائل: لا والله لا يصوم (١) .
* وعن أنس ﵁ قال: كان رسول ﷺ يفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه، ويصوم حتى نظن أن لا يفطر منه شيئاً، وكان لا تشاء تراه من الليل مصلياً إلا رأيته ولا نائماً إلا رأيته. رواه البخاري.
* وروى البخاري عن حميد قال: سألت أنساً ﵁ عن صيام النبي ﷺ فقال: ما كنت أحب أن أراه من الشهر صائماً إلا رأيته، ولا مفطراً إلا رأيته، ولا من الليل قائماً إلا رأيته، ولا نائماً إلا رأيته، ولا مسست خزة ولا حريرة ألين من كف رسول الله ﷺ ، ولا شَمِمتُ مِسكة ولا عبيرة أطيب رائحة من رائحة رسول الله ﷺ . رواه البخاري.
بأبي هو وأمي ﷺ هو كل الكمال وجل الجلال وجملة الجمال عليه أفضل الصلاة والسلام.
قال ابن حجر (٤/٢٥٤-٢٥٥) : "يعني أن حاله في التطوع بالصيام والقيام كان يختلف، فكان تارة يقوم من أول الليل، وتارة من وسطه، وتارة من آخره، كما كان يصوم تارة من أول الشهر وتارة من وسطه وتارة من آخره، فكان من أراد أن يراه في وقت من أوقات الليل قائماً أو في وقت من أوقات الشهر صائماً فراقبه المرة بعد المرة فلابد أن يصادفه قائماً أو صائماً على وفق ما أراد أن يراه، هذا معنى الخبر، وليس المراد أنه كان يسرد الصوم ولا أنه كان يستوعب الليل قياماً. ولا يشكل على هذا قول عائشة: "كان عمله ديمة" لأن المراد بذلك ما اتخذه راتباً لا مطلق النافلة، فهذا وجه الجمع بين الحديثين وإلا فظاهرهما التعارض والله أعلم".
стр. 540
* عن علقمة قال: قلت لعائشة ﵂: هل كان رسول الله ﷺ يختص من الأيام شيئاً؟ قالت: لا، كان عمله ديمة (١) ، وأيكم يطيق ما كان رسول الله ﷺ يُطيق؟!. رواه البخاري.
قال ابن حجر: "قال الزين بن المنير: ظاهر الحديث إدامته ﷺ العبادة ومواظبته على
وظائفها، ويعارضه ما صح عن عائشة نفسها مما يقتضي نفي المداومة (٢) . فأبقى الترجمة (٣) على الاستفهام ليترجح أحد الخبرين أو يتبين الجمع بينهما، ويمكن الجمع بينهما بأن قولها: "كان عمله ديمة" معناه أن اختلاف حاله من الإكثار من الصوم ثم من الفطر كان مستداماً مستمراً، وبأنه ﷺ كان يوظف على نفسه العبادة فربما شغله عن بعضها شاغل فيقضيها على التوالي فيشتبه الحال على من يرى ذلك، فقول عائشة: "كان عمله ديمة" منزل على التوظيف، وقولها: "كان لا تشاء أن تراه صائماً إلا رأيته" منزل على الحال الثاني" (٤) .
قال ابن حجر: "صوم الاثنين والخميس قد وردت فيهما أحاديث وكأنها لم تصح على شرط البخاري (٥) فلهذا أبقى الترجمة على الاستفهام، فإن ثبت فيهما ما يقتضي تخصيصهما استثنى من عموم قول عائشة: لا.
فلعل المراد بالأيام المسئُول عنها الأيام الثلاثة من كل شهر، هل كان يخصها بالبيض؟ فقالت: لا، تعني لو جعلها البيض لتعينت وداوم عليها، لأنه كان يجب أن يكون عمله دائماً، لكن أراد التوسعة بعدم تعينها فكان لا يبالي من أي الشهر صامها.
روى مسلم من حديث عائشة أنه ﷺ كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وما يبالي من أي الشهر صام".
стр. 541
ومن هديه ﷺ في الصوم
ما يقول عند رؤية الهلال:
* عن طلحة ﵁ أن رسول الله ﷺ : كان إذا رأى الهلال قال: "اللهم أهله علينا باليُمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله" (١) .
* وكان ﷺ يقول: "صوموا من وضح إلى وضح (٢) " (٣) .
* وكان إذا كان صائما أمر رجلا فأوفى (٤) على شيء، فإذا قال. غابت الشمس أفطر (٥) .
هديه في الإفطار:
* كان لا يصلي المغرب حتى يفطر ولو على شربة من الماء (٦) .
* وكان يُفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم تكن رطبات فتمرات، فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء (٧) . حسا. شرب.
* وإذا كان الرطب لم يفطر إلا على الرطب، وإذا لم يكن الرطب لم يفطر إلا على التمر (٨) .
стр. 542
* وكان يبدأ إذا أفطر بالتمر (١) .
وورثت أمته عنه هذا الهدي.
قال ﷺ : "إذا كان أحدكم صائماً فليفطر على التمر، فإن لم يجد التمر فعلى الماء فإن الماء طهور" (٢) .
ومن هديه في الدعاء عند الإفطار:
كان إذا أفطر ﷺ قال: "ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله" (٣) .
وإذا أفطر عند قوم:
كان إذا أفطر ﷺ عند قوم قال: "أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وتنزلت عليكم الملائكة" (٤) .
كان إذا أفطر ﷺ عند قوم، قال: "أفطر عندكم الصائمون وصلت عليكم الملائكة" (٥) .
وقال ﷺ : "أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة" (٦) .
ومن هديه صلى الله محليه وسلم "السحور":
قال ﷺ : "إن السحور بركة أعطاكموها الله فلا تدعوها" (٧) .
قال ﷺ : "من أراد أن يصوم فليتسحر بشيء" (٨) .
стр. 543
وقال ﷺ : "تسحروا فإن في السحور بركة" (١) .
وقال ﷺ : "تسحروا ولو بجرعة من ماء" (٢) .
وقال ﷺ : " تسحروا ولو بالماء" (٣) .
وقال ﷺ : "البركة في ثلاثة: في الجماعة والثريد والسحور" (٤) .
وقال ﷺ : "السحور أكله بركة، فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين" (٥) .
وقال ﷺ : "نعم السحور التمر" (٦) .
ومن هديه وسنته تعجيل الإفطار وتأخير السحور مخالفة لليهود والنصارى:
قال ﷺ : "عجلوا الإفطار، وأخروا السحور" (٧) .
وقال ﷺ : "إنا -معشر الأنبياء- أُمرنا أن نعجل إفطارنا ونؤخر سحورنا ونضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة" (٨) .
وقال ﷺ : "بكروا بالإفطار وأخروا السحور" (٩) .
стр. 544
كم كان بين سحوره ﷺ وصلاته؟
عن زيد بن ثابت قال: تسحّرنا مع رسول الله ﷺ ، ثم قمنا إلى الصلاة، قال أنس: فقلت: كم كان قدر ما بينهما؟ قال: خمسين آية. متفق عليه.
وفي رواية للبخاري عن أنس: أن النبي ﷺ وزيد بن ثابت تسحّرا، فلما فرغا من سحورهما قام نبي الله ﷺ إلى الصلاة فصلّى، قال: قلنا لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية.
***
стр. 545
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 546
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف.
الطبعة الثالثة
١٤١٩هـ - ١٩٩٨م
стр. 547
الباب الرابع عشر
فقه الصوم ورمضان
стр. 548
الصيام لغة:
الصيام لغة: الإمساك: يُقال: صام النهار إِذا وقف سير الشمس قال تعالى -إخباراً عن مريم-: (إني نذرت للرحمن صوماً) أي صمتا؛ لأنه إِمساك عن الكلام، وقال النابغة الذيباني:
خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما
يعني بالصائمة: الممسكة عن الصهيل.
وقال صاحب المحكم: الصوم ترك الطعام والشراب والنكاح والكلام.
وقال الراغب: الصوم في الأصل الإمساك عن الفعل، ولذلك قيل للفرس الممسك عن السير: صائم.
الصيام شرعاً:
"إمساك مخصوص في زمن مخصوص عن شيء مخصوص بشرائط مخصوصة".
أو "إمساك المكلّف بالنيَّة عن تناول المطعم والمشرب والاستمناء والاستسقاء من الفجر إلى المغرب" (١) .
وقال ابنُ قدامة: "هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس".
الصوم الواجب:
ثلاثة أقسام:
الأول: الواجب للزمان وهو صوم شهر رمضان.
والثاني: صوم الكفارات "وهو الوجب لعلة".
والثالث: صوم النذور "وهو الواجب بإيجاب الإنسان ذلك على نفسه".
стр. 549
صوم رمضان:
صوم رمضان واجب بالكتاب والسنة والإجماع وهو رابع أركان الإسلام الخمسة.
فأما الكتاب فقوله تعالى: (كتب عليكم الصيام) .
وأما السنة فقوله ﷺ : "بُني الإسلام على خمس" وذكر الصوم منها، وقوله للأعرابي
الذي سأله عن الواجب: "وصوم شهر رمضان" فقال: هل عليّ غيرها: قال: "لا إلا أن تطوّع".
وأما الإجماع فلم ينقل إلينا عن أحد من المسلمين القول بعدم وجوبه.
وأما من يجب عليه فهو: المسلم البالغ العاقل الصحيح الحاضر؛ لقوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) .
شهر رمضان:
قال ابنُ حجر (٤/١٢٤) : "قد ذكر أبو الخير الطالقاني في كتابه "حظائر القدس" لرمضان ستين اسماً".
قال ابن الجوزي في "التبصرة" (٢/٧١-٧٢) : "إنما سمي الشهر شهراً لشهرته في دخوله وخروجه، قاله النحاس. وأما أسماء الشهور فذكر أبو منصور الأزهري عن المفضل قال: "كانت العرب في الجاهلية تقول لرمضان ناتق، ولشوال وَعِل، وللمحرم مُؤتمر، ولصفر ناجِر، ولربيع الأول خُوّان، ولربيع الآخر بُصَّان، ولجمادي الأولى رُييّ، ولجماد الآخر حَنِين، ولرجب الأصمَّ، ولشعبان عاذل. قال: وكانت قبيلة عاد تسمي هذه الأشهر بهذا فلما نقلت العرب أسماء هذه الأشهر سمّوها بما وقعت فيه من الزمان.
قال ثعلب: سمي رمضان؛ لأن الإبل تَرْمض فيه من الحر، وسمي شوّال؛ لأن الألبان كانت تَشُول فيه أي: تذهب وتقل، وسمي ذو القعدة؛ لأنهم كانوا يقعدون فيه، وذو الحجة؛ لأنهم كانوا يحجون فيه، والمحرم؛ لتحريم القتال فيه، وصفر؛ لأنهم كانوا يطلبون القَطرِ فيه، يُقال صَفِر السقاء إذا خلا، وربيع لأنهم كانوا يربعون فيهما، وجُمادى؛ لأن الماء يجمد فيهما ورجب من التعظيم يقال: رجَّبه يرجِّبه إذا عظمه. وقال
стр. 550
شمّر: ومنه سمي رجب، وشعبان لأنهم يتفرقون ويتشعبون فيه".
قال ابن حجر (٤/١٣٦) : "اختلف في تسمية هذا الشهر رمضان فقيل: لأنه ترمض فيه الذنوب أي: تحرق لأن الرمضاء. شدة الحر، وقيل: وافق ابتداء الصوم فيه زمناً حاراً والله أعلم".
هل يقال رمضان أو شهر رمضان؟ ومن رأى كله واسعاً؟ وقال النبي ﷺ "من صام رمضان":
قال ابن حجر (٤/١٣٥-١٣٦) : "أشار البخاري بهذه الترجمة إلى حديث ضعيف رواه أبو معشر نجيح المدني عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعاً "لا تقولوا رمضان، فإن رمضان اسم من أسماء الله، ولكن قولوا شهر رمضان" أخرجه ابن عدي في الكامل وضعفه بأبي معشر. قال البيهقي: وقد احتجّ البخاري لجواز ذلك بعدة أحاديث.
وقد ترجم النسائي لذلك أيضاً فقال: "باب الرخصة في أن يقال شهر رمضان: رمضان، وقد يتمسك للتقييد بالشهر بورود القرآن به حيث قال تعالى (شهر رمضان) مع احتمال أن يكون حذف لفظ شهر من الأحاديث من تصرف الرواه، وكأن هذا هو السر في عدم حزم المصنِّف بالحكم، ونقل عن أصحاب مالك الكراهية، وعن ابن الباقلاني منهم وكثير من الشافعية: إن كان هناك قرينة تصرفه إلى الشهر فلا يُكره، والجمهور على الجواز".
فرض الصوم على أحوال
فرض رمضان في شعبان (١) في السنة الثانية من الهجرة قبل بدر
ولكن للصوم بعد نزول (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) ثلاثُ رتب:
(الرتبة الأولى) إيجابه بوصف التخيير: (من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم) .
فرخص الله لمطيقي الصيام والراغبين في الفطر أن يفطروا ويطعموا عن كل يوم مسكيناً.
стр. 551
عن ابن أبي ليلى حدثنا أصحاب محمد ﷺ : (نزل رمضان فشُق عليهم، فكان من أطعم كل يوم مسكينا ترك الصوم ممن يطيقه، ورخص لهم في ذلك، فنسختها (وأن تصوموا خير لكم) فأُمروا بالصوم". (١) .
* وعن ابن عمر -رضى الله عنه- قرأ (فدية طعام مسكين) قال: هي منسوخة نسختها (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه، ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) [البقرة: ١٨٥] رواه البخاري.
وعن سلمة بن الأكوع -رضى الله عنه- قال: "لما نزلت (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) كان من أراد أن يفطر أفطر وافتدى حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها" رواه البخاري.
(الرتبة الثانية) تحتمه: لكن كان الصائم إذا نام قبل أن يطعم حرم عليه الطعام والشراب إلى الليلة القابلة فنسخ ذلك بالرتبة الثالثة.
* عن البراء -رضى الله عنه- قال: "كان أصحاب محمد ﷺ إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار فنام قبل أن يُفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وأن قيس بن صِرمة الأنصاري كان صائماً فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك، وكان يومه يعمل فغلبته عيناه فجاءته امرأته فلما رأته قالت: خيبة لك. فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت هذه الآية (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) ففرحوا بها فرحا شديداً، ونزلت (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) الآية، رواه البخاري.
(الرتبة الثالثة) وهي التي استقر عليها الشرع إلى يوم القيامة.
• فرع:
صام رسول الله ﷺ رمضان تسع سنين، لأنه فرض في شعبان في السنة الثانية من الهجرة وتوفي النبي ﷺ في شهر ربيع الأول في سنة إحدى عشرة من الهجرة.
стр. 552
على من يجب الصيام ؟
يجب صوم رمضان في الحال على كل مسلم بالغ عاقل طاهر صحيح مقيم وفي ذلك مسائل:
(١) وجوب الصوم على المسافر والحائض متحتم أيضاً لكن يؤخرانه ثم يقضيانه.
(٢) الكافر الأصلي: الكفار مخاطبون بفروع الشرع في حال كفرهم على المذهب الصحيح بمعنى أنهم يزاد في عقوبتهم في الآخرة ومع هذا فلا يطالب الكافر الأصلي بفعل الصوم في حال كفره بلا خلاف، ولو صام في كفره لم يصحّ بلا خلاف سواء أسلم بعد ذلك أم لا، وإذا أسلم لا يجب عليه القضاء. وهو قول الشافعي وأحمد وقتادة والشعبي ومالك والأوزاعي وأبو ثور وأصحاب الرأي.
(٣) المرتدّ: لا يطالب بفعل الصوم في حال ردته، ويأثم بترك الصوم في حال ردته وهو واجب عليه، وإذا أسلم لزمه قضاؤه. وقال أبو حنيفة: لا يلزمه قضاء مدة الردة إذا أسلم.
(٤) إذا أسلم الكافر في شهر رمضان صام ما يستقبله من شهره بلا خلاف، فأما اليوم الذي أسلم فيه، استحب له إمساك بقية النهار لحرمة الوقت عند الشافعي ولا يقضيه، وعند أحمد يلزمه إمساكه ويقضيه، وبه قال ابن الماجشون وإسحاق. وقال مالك وأبو ثور وابن المنذر لا قضاء عليه.
(٥) الصبيان: هل يشرع صومهم أم لا؟
قال ابن حجر في "الفتح" (٤/٢٣٦-٢٣٧) : "الجمهور على أنه لا يجب على من دون البلوغ، واستحب جماعة من السلف منهم ابن سيرين والزهري وبه قال الشافعي أنهم يؤمرون به للتمرين عليه إذا أطاقوه، وحدَّه أصحابه بالسبع والعشر كالصلاة، وحدَّه إسحاق باثنتي عشرة سنة، وأحمد في رواية بعشر سنين، وقال الأوزاعي: إذا أطاق صوم ثلاثة أيام تباعاً لا يضعف فيهن حُمِل على الصوم. والمشهور عن المالكية أنه لا يشرع في حق الصبيان.
стр. 553
وقد تلطف البخاري في التعقيب عليهم بإيراد أثر عمر في صدر الترجمة لأن أقصى ما يعتمدونه في معارضة الأحاديث دعوى عمل أهل المدينة على خلافها ولا عمل يستند إليه أقوى من العمل في عهد عمر مع شدة تحرّيه ووفور الصحابة في زمانه "أن عمر بن الخطاب أتى برجل شرب الخمر في رمضان، فلما دنا منه جعل يقول: للمنخرين، والفم، [فلما رفع إليه عثر] فقال عمر: على وجهك، ويلك، وصبياننا صيام، ثم أمر به فضرب ثمانين سوطاً ثم سيره إلى الشام".
وأغرب ابن الماحشون من المالكية فقال: إذا أطاق الصبيان الصوم ألزموه. فإن أفطروا لغير عذرٍ فعليهم القضاء.
وفي حديث الربيع بنت معوذ قالت: "أرسل النبي ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: من أصبح مفطراً فليتم بقية صومه، ومن أصبح صائماً فليصم. قالت: فكنا نصومه ونصوّم صبياننا ونجعل لهم اللعبة من العهن فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذلك حتى يكون عند الإفطار".
وعند مسلم "أعطيناهم اللعبة تُلهيهم حتى يتموا صومهم".
ولقد أغرب القرطبي فقال: لعلّ النبي ﷺ لم يعلم بذلك، ويبعد أن يكون أمر بتعذيب صغير بعبادة غير متكررة في السنة.
ويرد عليه حديث رزينة أن النبي ﷺ "كان يأمر مرضعاته في عاشوراء ورضعاء فاطمة فيتفل في أفواهم، ويأمر أمهاتهم أن لا يرضعن إلى الليل".
"فهكذا تربية الرسول ﷺ ، وكذلك ربى الصحابة الكرام أبناءهم، فخرجت أجيال مسلمة تنشر الخير في ربوع الأرض، وعاشت بالإسلام وللإسلام، أما أن نترك أبناءنا وبناتنا يقضون أوقاتهم في الطرقات وفي منابت السوء، ينشأون على الفاسد من الأخلاق والذميم من الأفعال، فيشتد عودهم على ذلك وتشحن قلوبهم بغير الإسلام ثم نريدهم بعد بلوغهم سن الرشد مسلمين يعملون بالإسلام ويدعون إليه فإنهم لا يستجيبون لنا ولا يلقون بالاً لحديثنا وهل يجنى من الشوك العنب" (١) .
стр. 554
وينشأ ناشيء الفتيان منا ... على ما كان عوده أبوه
ويرحم الله من قال:
وإنما أولادنا أكبادنا تمشي على الأرض
إن هبت الريح على أحدهم ... امتنعت عيني عن الغمض
فأين أنت من قول الله : (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة) الآية، قال ابن عباس: أدبوهم وعلموهم فيؤمر الغلام والجارية بالصوم ويضربان على تركه إذا أطاقا الصيام ليتمرنا عليه. ولا يجب عليهما الصوم حتى يبلغ الصبي، وحتى تحيض الجارية وهذا قول أكثر أهل العلم.
(٦) وإذا نوى الصبي الصوم من الليل فبلغ في أثناء النهار بالاحتلام أو السن يتم صومه ولا قضاء عليه. وإن بلغ الصبي وهو مفطر استحب له إمساك بقية اليوم ولا يجب عليه القضاء.
(٧) المجنون لا يلزمه الصوم بالإجماع للحديث والإجماع، وإذا أفاق لا يلزمه قضاء ما فاته في الجنون سواء قل أو كثر، وسواء أفاق بعد رمضان أو في أثنائه. وهو قول الجمهور خلافا للثوري. ويستحب للمجنون إذا أفاق، في أثناء يوم رمضان إمساك بقية النهار لحرمة الشهر ولا يجب عليه القضاء عند الشافعي. وقال مالك وأحمد يلزمه القضاء ومن نوى الصوم ليلا ثم جن جميع النهار لم يصح صومه وإن أفاق في جزء من النهار صحّ صومه.
(٨) المغمى عليه لا يلزمه الصوم في حال الإغماء بلا خلاف ويلزمه القضاء، ومن نوى الصوم ليلاً ثم أُغمي عليه جميع النهار لم يصح صومه، وإن أفاق المغمى عليه في أول النهار أو جزء منه صح صومه.
(٩) الحائض والنفساء:
لا يصح صوم الحائض والنفساء ولا يجب عليهم ويحرم عليهما ويجب قضاؤه وهذا كله مجمع عليه، ولو أمسكت بنية الصوم أثمت.
عن أبي سعيد ﵁ قال النبي ﷺ : "أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم
فذلك نقصان دينها" رواه البخاري.
стр. 555
وعن عائشة ﵂ قالت: "كنا نُؤمر بقضاء الصوم ولا نُؤمر بقضاء الصلاة" رواه مسلم.
قال أبو الزناد: "إن السنن ووجوه الحق لتأتي كثيراً على خلاف الرأي، فما يجد المسلمون بداً من اتباعها. من ذلك أن الحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة".
* إذا طهرت الحائض في أثناء الصيام يُستحبُّ لها إمساك بقيته ولا يلزمها، وقطع به الجمهور.
* وجوب قضاء الصوم على الحائض والنفساء، إنما هو بأمر مجدد، وليس هو واجباً عليها في حال الحيض والنفاس، وبه قطع الجمهور.
* مما يفرق فيه بين الصوم والصلاة في حق الحائض أنها لو طهرت قبل الفجر ونوت صحّ صومها في قول الجمهور ولا يتوقف على الغسل بخلاف الصلاة.
* المستحاضة في نزف الدم أشد من الحائض ويباح لها الصوم.
(١٠) الشيخ الكبير الذي يجهده الصوم ويلحقه به مشقة شديدة، والمريض الذي لا يُرجى برؤه لا صوم عليهما ونقل ابنُ المنذر الإجماع فيه (١) لقول الله : (وما جعل عليكم في الدين من حرج) [الحج: ٧٨] ، وتلزمهما الفدية.
روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: "الشيخ الكبير يطعم عن كل يوم مسكيناً".
ورُوي أن أنساً ﵁ ضعف عن الصوم عاما قبل وفاته فأفطر وأطعم.
والفدية: مدٌّ من طعام عن كل يوم سواء في الطعام البر والتمر والشعير وغيرها من أقوات البلد عند الشافعي. وقال أحمد: من حنطة أو مدَّان من تمر أو شعير، وقال أبو حنيفة: صاع من تمر، أو نصف صاع حنطة. وقال مكحول وربيعة ومالك وأبو ثور وابن المنذر: لا فدية.
стр. 556
ولا يجوز تعجيل الفدية قبل دخول رمضان، ويجوز بعد طلوع فجر كل يوم، ويجوز قبل الفجر في رمضان.
* ولو نذر الشيخ الكبير العاجز أو المريض الذي لا يُرجى برؤه فلا ينعقد على الصحيح لأنه عاجز.
* والشيخ والمريض المأيوس من برئه إذا كان معسراً هل تلزمه الفدية إذا أيسر؟ على الأصح أنها لا تلزمه لأنه عاجز حال التكليف بالفدية وليست في مقابلة جناية كالكفارة تبقى في ذمته إلي اليسار لأنها في مقابلة جنايته.
* قال ابنُ مفلح في "الفروع" (٣/٢٨) : "قال الآجُري: من صنعته شاقة فإن خاف تلفاً أفطر وقضى، وإن لم يضره تركها أثم، وإلا فلا، قال: هذا قول الفقهاء ﵏".
* وإن خاف بالصوم ذهاب ماله جاز.
* قال النووي في "المجموع" (٦/٢٦٢) : "من غلبه الجوع والعطش فخاف الهلاك لزمه الفطر، وإن كان صحيحاً مقيما لقوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) [النساء: ٢٩] ، ويلزمه القضاء كالمريض.
* قال ابن مفلح في "الفروع" (٣/٢٩) : "ومن به شبق يخاف أن تنشق مثانته جامع قضى ولا يكفر قال الأصحاب: هذا إن لم تندفع شهوته بدونه، وإلا لم يجز".
أركان الصوم
ثلاثة: (١) الزمان. (٢) الإمساك عن المفطرات. (٣) النية (١) .
الركن الأول: الزمان
ينقسم إلي قسمين: ١- زمن الوجوب وهو شهر رمضان.
٢- زمن الإمساك وهو أيام رمضان دون لياليه.
стр. 557
وفي كلا الزمنين مسائل اختلف فيها العلماء.
أولها: تحديد طرفيهما.
الثاني: معرفة العلامة التي يميز بها كل شخص حد هذا الزمان الواجب صومه دون غيره.
أما طرفاه:
فقد اتفق العلماء على أن الشهر الشرعي يكون تسعاً وعشرين ويكون ثلاثين، قال ﷺ : "الشهر يكون تسعة وعشرين، ويكون ثلاثين، فإذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غمّ عليكم فأكملوا العدة" (١) .
إحصاء عدة شعبان:
ينبغي على الأمة الإسلامية أن تحصي عدة شعبان استعداداً لرمضان لأن الشهر يكون تسعة وعشرين، ويكون ثلاثين يوماً.
عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه عد ثلاثين يوماً ثم صام" (٢) .
وقال ﷺ : "أحصوا هلال شعبان لرمضان" (٣)
وقال ﷺ : "أحصوا هلال شعبان لرمضان، ولا تخلطوا برمضان، إلاَّ أن يوافقَ ذلك
صياماً كان يصومه أحدكم، وصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة
стр. 558
ثلاثين يوماً، فإنها ليست تغمى عليكم العدة" (١) .
قال المناوي في "فيض القدير": أحصوا: عدوا واضبطوا والإحصاء أبلغ من العد في الضبط لما فيه من إعمال الجهد في العد. والمراد أحصوا هلاله حتى تكملوا العدة إن غمّ عليكم أو تراؤوا هلال شعبان وأحصوه ليترتب عليه رمضان بالاستكمال أو الرؤية.
قال ابنُ قدامة في "المغني" (٤/٣٢٥) : "يستحب للناس ترائي الهلال ليلة الثلاثين من شعبان وتطلبه ليحتاطوا بذلك لصيامهم، ويسلموا من الاختلاف فإذا رأوه وجب عليهم الصيام إجماعاً".
رؤية الهلال هي المعتبرة فقط دون الحساب:
عن ابن عمر ﵄ قال ﷺ : "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر
هكذا وهكذا يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين" رواه البخاري.
قال الحافظ ابن حجر (٤/١٥١-١٥٢) : "قيل للعرب: أميون لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة. قال الله تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم) ولا يرد على ذلك أنه كان فيهم من يكتب ويحسب لأن الكتابة فيهم قليلة نادرة، والمراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضاً إلاَّ النزر اليسير، فعلّق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير واستمر الحكم في الصوم ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك، بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلا، ويوضحه قوله في الحديث: "فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين".
يقل فسلوا أهل الحساب، والحكمة فيه كون العدد عند الإغماء يستوي فيه المكلفون فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم، وقد ذهب قوم إلى الرجوع إلى أهل التسيير في ذلك وهم الروافض، ونُقل عن بعض الفقهاء موافقتهم. قال الباجي: وإجماع السلف الصالح حُجَّة عليهم. وقال ابن بزيزة: وهو مذهب باطل فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم لأنها حدس وتخمين ليس فيها قطع ولا ظن غالب، مع أنه لو ارتبط الأمر بها لضاق إذ لا يعرفها إلا القليل".
стр. 559
قال ابن بطال: "في الحديث رفع لمراعاة النجوم بقوانين التعديل، وإنما المعول رؤية الأهلة وقد نهينا عن التكلف. ولا شك أن في مراعاة ما غمض حتى لا يدرك إلا بالظنون غاية التكلف.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا شعبان ثلاثين" (١) .
* وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له" (٢) .
وعن عدي بن حاتم ﵁ قال ﷺ : "إذا جاء رمضان فصوموا ثلاثين إلاَّ أن تروا الهلال قبل ذلك" (٣) .
وقال ﷺ : "إذا رأيتُم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُم عليكم فاقدروا له" (٤) .
وقال ﷺ : "جعل الله الأهلة مواقيت للناس، فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوماً" (٥) .
قال ابنُ حجر (٤/١٤٦) : "للعلماء فيه تأويلان، وذهب آخرون إلى تأويل ثالث، قالوا: معناه فاقدروه بحساب المنازل. قاله أبو العباس بن سريج من الشافعية، ومطرف بن عبد الله من التابعين، وابن قتيبة من المحدثين.
قال ابن عبد البر: لا يصح عن مطرف، وأما ابن قتيبة هو ممن يعرج عليه في مثل هذا.
قال: ونقل ابن خويز منداد عن الشافعي مسألة ابن سريج والمعروف عن الشافعي ما عليه الجمهور.
стр. 560
ونقل ابنُ العربي عن ابن سريج أن قولَه "فاقدروا له" خطاب لمن خصّه الله بهذا العلم، وأن قوله "فأكملوا العدة" خطاب للعامة. قال ابن العربي: فصار وجوب رمضان عنده مختلف الحال يجب على قوم. بحساب الشمس والقمر وعلى آخرين بحساب العدد، قال: وهذا بعيد عن النُّبلاء.
وقال ابنُ الصلاح: معرفة منازل القمر هي معرفة سير الأهلة، وأما معرفة الحساب فأمر دقيق يختص بمعرفته الآحاد، قال: فمعرفة منازل القمر تدرك بأمر محسوس يدركه من يراقب النجوم، وهذا هو الذي أراده ابنُ سريج وقال به في حق العارف بها في خاصة نفسه. ونقل الروياني عنه أنه لم يقل بوجوب ذلك عليه، وإنما قال بجوازه، وهو اختيار القفال وأبي الطيب، وأما أبو إسحاق في "المهذب" فنقل عن ابن سريج لزوم الصوم في هذه الصورة فتعدّدت الآراء في هذه المسألة بالنسبة إلى خصوص النظر في الحساب والمنازل:
أحدها: الجواز ولا يجزيء عن الفرض.
ثانيها: يجوز ويجزيء.
ثالثها: يجوز للحاسب ويجزئه لا للمنجم.
رابعها: يجوز لهما ولغيرهما تقليد الحاسب دون المنجم.
خامسها: يجوز لهما ولغيرهما مطلقاً.
وقال ابنُ الصباغ: أما بالحساب فلا يلزمه بلا خلاف بين أصحابنا. قلت: ونقل ابن المنذر قبله الإجماع على ذلك، فقال في الإشراف: صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال مع الصحو لا يجب بإجماع الأمة، وقد صح عن أكثر الصحابة والتابعين كراهته، هكذا أطلق ولم يفصل بين حاسب وغيره، فمن فرّق بينهم كان محجوجاً بالإجماع قبله".
* قال النووي في "روضة الطالبين" (٢/٣٤٧-٣٤٨) : لا يجب مما يقتضيه حساب المنجم الصوم عليه، ولا على غيره.
قال الروياني: وكذا من عرف منازل القمر، لا يلزمه الصوم به على الأصح.
стр. 561
وأما الجواز فقال في "التهذيب": لا يجوز تقليد المنجم في حساب، لا في الصوم ولا في الفطر.
* قال ابن حجر في "تلخيص الخبير" (٢/١٨٧-١٨٨) : قال ابن دقيق العيد: "إن الحساب لا يجوز أن يعتمد عليه في الصوم لمقارنة القمر للشمس على ما يراه المنجمون، فإنهم قد يقدمون الشهر بالحساب على الرؤية بيوم أو يومين، وفي اعتبار ذلك إحداث شرع لم يأذن الله به، وأما إذا دل الحساب على أن الهلال قد طلع على وجه يرى، لكن وجد مانع من رؤيته كالغيم فهذا يقتضي الوجوب لوجود السبب الشرعي، قلت: لكن يتوقف قبول ذلك على صدق المخبر به، ولا نجزم بصدقه إلاَّ لو شاهد، والحال أنه لم يشاهد، فلا اعتبار بقوله إذاً، والله أعلم".
* وقال ابن عبد البر في "الاستذكار" (١٠/١٥) : (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) يريد والله أعلم: من علم منكم بدخول الشهر علم يقين فليصمه، والعلم اليقين: الرؤية الصحيحة الفاشية الظاهرة أو إكمال العدد.
وقال فيه (١٠/١١٥) أيضاً: "قد كان بعض كبار التابعين فيما ذكر محمد بن سيرين ذهب في هذا الباب إلى اعتباره بالنجوم ومنازل القمر وطريق الحساب قال ابن سيرين: كان أفضل له لو لم يفعل".
وقال في "التمهيد" (١٤/٣٥٠-٣٥٢) : "ذهب بعض فقهاء البصريين إلى أن معنى قوله ﷺ : "فاقدروا له": ارتقاب منازل القمر وهو علم كانت العرب تعرف منه قريبا من علم العجم. ثم قال: وفيما ذكر هذا القائل من الضيق والتنازع والاضطراب ما لا يليق أن يتعلق به أولوا الألباب، وهو مذهب تركه العلماء قديماً وحديثاً للأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته.." ولم يتعلق أحد من فقهاء المسلمين فيما علمت باعتبار المنازل في ذلك، وإنما هو شيء روي عن مطرف بن الشخير، وليس بصحيح عنه، والله أعلم، ولو صح، ما وجب اتباعه عليه لشذوذه، ولمخالفة الحجة له، وقول ابن قتيبة قول قد ذكرنا شذوذه ومخالفة أهل العلم له، وليس هذا من شأن ابن قتيبة، ولا هو ممن يعرج عليه في هذا الباب، وقد حكي عن الشافعي أنه قال: من كان مذهبه
стр. 562
الاستدلال بالنجوم ومنازل القمر، ثم تبين له من جهة النجوم أن الهلال الليلة وغمّ عليه، جاز له أن يعتقد الصيام ويبيته ويجزئه، والصحيح عنه في كتبه وعند أصحابه، أنه لا يصح اعتقاد رمضان إلاَّ برؤية أو شهادة عادلة.
وقال ابن عمر في "الاستذكار" (١٠/١٩) : "الذي عندنا في كتبه أنه لا يصح اعتقاد رمضان إلاَّ برؤية فاشية".
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٢٥/١٣١-١٣٢) : "إني رأيت الناس في شهر صومهم، وفي غيره أيضاً: منهم من يصغي إلى ما يقوله بعض جهال أهل الحساب من أن الهلال يرى أو لا يرى. ويبني على ذلك إما في باطنه وإما في ظاهره حتى بلغني أن من القضاة من كان يرد شهادة العدد من العدول لقول الحاسب الجاهل الكاذب: إنه يرى أو لا يرى فيكون ممن كذب بالحق لما جاءه".
ويقول (ص١٣٢-١٣٣) : إنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن العمل في رؤية هلال الصوم أو الحج أو العدة أو الإيلاء أو غير ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال بخبر الحاسب أنه يرى أو لا يرى لا يجوز. والنصوص المستفيضة عن النبي ﷺ بذلك كثيرة.
وقد أجمع المسلمون عليه. ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلا، ولا خلاف حديث، إلاَّ أن بعض المتأخرين من المتفقهة الحادثين بعد المائة الثالثة زعم أنه إذا غم الهلال جاز للحاسب أن يعمل في حق نفسه بالحساب، فإن كان الحساب دل على الرؤية صام وإلا فلا. وهذا القول وإن كان مقيداً بالإغمام ومختصا بالحاسب فهو شاذ، مسبوق بالإجماع على خلافه، فأما اتباع ذلك في الصحو أو تعليق عموم الحكم العام به فما قاله مسلم.
وقد يقارب من هذا قول من يقول من الإسماعيلية بالعدد دون الهلال وبعضهم يروي عن جعفر الصادق جدولاً يعمل عليه، وهو الذي افتراه عليه عبد الله بن معاوية.
وهذه الأقوال خارجة عن دين الإسلام. وقد برَّأ الله منها جعفر وغيره.
ويقول أيضاً (ص١٦٤) : قوله ﷺ : "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" فمن كتب أو حسب لم يكن من هذه الأمة في هذا الحكم، بل يكون قد اتبع غير سبيل المؤمنين الذين هم هذه الأمة فيكون قد فعل ما ليس من دينها، والخروج عنها محرم منهي عنه، فيكون الكتاب والحساب المذكوران محرمين منهياً عنهما.
стр. 563
ويقول أيضاً (ص١٧٤) : "ظهر بذلك أن الأمية المذكورة هنا صفهْ مدح وكمال، من وجوه: من جهة الاستغناء عن الكتاب والحساب بما هو أبين منه وأظهر وهو الهلال، ومن جهة أن الكتاب والحساب هنا يدخلهما غلط، ومن جهة أن فيهما تعباً كثيراً بلا فائدة، فإن ذلك شغل عن المصالح. فمن دخل فيه فقد خرج عن الأمة الأمية فيما هو من الكمال والفضل السالم عن المفسدة، ودخل في أمر ناقص يؤديه إلى الفساد والاضطراب، وأيضا فإنه جعل هذا وصفاً للأمة وصفة الكمال التي للأمة يجب حفظها عليها.
ويقول أيضاً (ص٢٠٧) : "والمعتمد على الحساب في الهلال، كما أنه ضال في الشريعة، مبتدع في الدين، فهو مخطئ في العقل وعلم الحساب، فإن العلماء بالهيئة يعرفون أن الرؤية لا تنضبط بأمر حسابي بل خطؤها كثير وقد جرب وهم يختلفون كثيراً: هل يرى؟ أم لا يرى؟ وسبب ذلك: أنهم ضبطوا بالحساب ما لا يعلم بالحساب، فأخطأوا طريق الصواب".
وفي "المجموع" (٦/٢٨٩) : قال الدارمي: لا يصوم بقول منجم.
الشهادة على رؤية الهلال:
عن ابن عمر قال: "تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي ﷺ أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه" (١) .
وقال ﷺ : "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، وأنسكوا لها، فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين، فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا" (٢) ، وعند أحمد "فإن شهد شاهدان مسلمان"، وقال الدارقطني "ذوا عدل".
стр. 564
* قال ابن عبد البر في "التمهيد" (١٤/٣٥٤-١٣٥) : "أجمع العلماء على أنه لا يقبل في شهادة شوال في الفطر إلاَّ رجلان عدلان، واختلفوا في هلال رمضان: * فقال مالك والثوري والأوزاعي والليث والحسن بن حي وعبيد الله بن الحسن وابن علية: لا يقبل في هلال رمضان ولا شوال إلا شاهدا عدل رجلان.
* وقال أبو حنيفة وأصحابه في رؤية هلال رمضان: شهادة رجل واحد عدل إذا كان في السماء علة -غيماً أو غباراً-، وإن لم يكن في السماء علة لم يقبل إلاَّ شهادة العامة.
ولا يقبل في هلال شوال إلاَّ شهادة عدلين يقبل مثلهما في الحقوق.
هكذا حكاه الطحاوي عن أبي حنيفة في كتابه الكبير في الخلاف في اشتراط العدالة ولم يذكر المرأة، وذكر عنه في المختصر في الشهادة على هلال رمضان شاهد واحد مسلم أو امرأة مسلمة. لم يشترط العدالة، وفي الشهادة على هلال شوال رجل وامرأتان كسائر الحقوق.
واختلف قول الشافعي في هذه المسألة، فحكى المزني عنه أنه قال: إذا شهد على رؤية هلال رمضان رجل عدل واحد رأيت أن أقبله للأثر الذي جاء فيه والاحتياط والقياس ألا يقبل إلا شاهدان، قال: ولا أقبل على رؤية هلال الفطر إلا عدلين.
وفي البويطي: ولا يصام رمضان ولا يفطر منه بأقل من شاهدين حُرّيْن مسلميِنْ عدليْن، وقال أحمد بن حنبل: من رأى هلال رمضان وحده صام، فإن كان عدلاً صام الناس بقوله، ولا يفطر إلاَّ بشهادة عدلين، ولا يفطر إذا رآه وحده".
قال النووي في "روضة الطالبين" (٢/٣٤٥) : "وكذا إن شهد عدل على الأظهر المنصوص في أكثر كتبه".
وقال في "المجموع" (٦/٢٨٣) : قال في القديم والجديد يقبل من عدل واحد وهو الصحيح وبه قطع المصنف، فهل يقبل من العبد والمرأة؟ فيه وجهان: لا يقبل وهو الصحيح؛ لأن طريقها طرق الشهادة بدليل أنه لا يقبل من شاهد الفرع مع حضور شاهد الأصل فلم قبل من العبد والمرأة كسائر الشهادات. ونص عليه في "الأم"
стр. 565
وأما الكافر والفاسق والمغفل فلا يقبل قولهم بلا خلاف.
* وفي "الفروع" لابن مفلح -حنبلي- يقبل في هلال رمضان قول عدل واحد نص عليه وحكاه الترمذي عن أكثر العلماء لحديث ابن عباس وابن عمر، ولأنه خبر ديني، وهو أحوط ولا تهمة فيه، لخلاف آخر الشهر.
وتقبل المرأة والعبد ولا يختص بحاكم فيلزم الصوم من سمعه من عدل.
وجزم في "المستوعب": لا يقبل صبي، وفي "الكافي" يقبل العبد.
* وفي "روضة الطالبين" -شافعي- (٢/٣٨٠-٣٤٦) : في الصبي المميز الموثوق به طريقان: والمذهب الذي قطع به الأكثرون: القطع بأنه لا تقبل.
وقال ابن حجر في "الفتح" (٤/١٤٧) : "فلا تصوموا حتى تروه. المراد بذلك رؤية بعضهم وهو من يثبت به ذلك، إما واحد على رأي الجمهور أو اثنان على رأى آخرين.
ووافق الحنفية على الأول إلا أنهم خصّوا ذلك بما إذا كان في السماء علة من غيم وغيره، وإلا متى كان صحو لم يقبل إلا من جمع كثير يقع العلم بخبرهم.
قال أبو عمر بن عبد البر في "التمهيد" (١٤/٣٥٥) : لم يختلف العلماء فيمن رأى هلال رمضان وحده فلم تقبل شهادته أنه يصوم؛ لأنه متعبد بنفسه لا بغيره، وعلى هذا أكثر العلماء، لا خلاف في ذلك إلا شذوذ لا يشتغل به، ومن رأى هلال شوال وحده، أفطر عند الشافعي، والحسن بن حي.
وروي عن مالك أنه لا يفطر للتهمة، ومثله قول الليث وأحمد: لا يفطر من رآه وحده، واستحب الشافعي أن يخفي فطره.
وقال مالك: من رأى هلال رمضان وحده فأفطر فعليه الكفارة مع القضاء، وقال أبو حنيفة: لا كفارة عليه.
وكان الشعبي والنخعي يقولان: لا يصوم أحد إلا مع جماعة الناس، وقال الحسن: يفعل ما يفعل إمامهم.