← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22886

نداء الريان في فقه الصوم وفضل رمضان

سيد حسين العفاني

Полный текст (1 282 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وأما الجواز فقال في "التهذيب": لا يجوز تقليد المنجم في حساب، لا في الصوم ولا في الفطر. * قال ابن حجر في "تلخيص الخبير" (٢/١٨٧-١٨٨) : قال ابن دقيق العيد: "إن الحساب لا يجوز أن يعتمد عليه في الصوم لمقارنة القمر للشمس على ما يراه المنجمون، فإنهم قد يقدمون الشهر بالحساب على الرؤية بيوم أو يومين، وفي اعتبار ذلك إحداث شرع لم يأذن الله به، وأما إذا دل الحساب على أن الهلال قد طلع على وجه يرى، لكن وجد مانع من رؤيته كالغيم فهذا يقتضي الوجوب لوجود السبب الشرعي، قلت: لكن يتوقف قبول ذلك على صدق المخبر به، ولا نجزم بصدقه إلاَّ لو شاهد، والحال أنه لم يشاهد، فلا اعتبار بقوله إذاً، والله أعلم". * وقال ابن عبد البر في "الاستذكار" (١٠/١٥) : (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) يريد والله أعلم: من علم منكم بدخول الشهر علم يقين فليصمه، والعلم اليقين: الرؤية الصحيحة الفاشية الظاهرة أو إكمال العدد. وقال فيه (١٠/١١٥) أيضاً: "قد كان بعض كبار التابعين فيما ذكر محمد بن سيرين ذهب في هذا الباب إلى اعتباره بالنجوم ومنازل القمر وطريق الحساب قال ابن سيرين: كان أفضل له لو لم يفعل". وقال في "التمهيد" (١٤/٣٥٠-٣٥٢) : "ذهب بعض فقهاء البصريين إلى أن معنى قوله ﷺ : "فاقدروا له": ارتقاب منازل القمر وهو علم كانت العرب تعرف منه قريبا من علم العجم. ثم قال: وفيما ذكر هذا القائل من الضيق والتنازع والاضطراب ما لا يليق أن يتعلق به أولوا الألباب، وهو مذهب تركه العلماء قديماً وحديثاً للأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته.." ولم يتعلق أحد من فقهاء المسلمين فيما علمت باعتبار المنازل في ذلك، وإنما هو شيء روي عن مطرف بن الشخير، وليس بصحيح عنه، والله أعلم، ولو صح، ما وجب اتباعه عليه لشذوذه، ولمخالفة الحجة له، وقول ابن قتيبة قول قد ذكرنا شذوذه ومخالفة أهل العلم له، وليس هذا من شأن ابن قتيبة، ولا هو ممن يعرج عليه في هذا الباب، وقد حكي عن الشافعي أنه قال: من كان مذهبه

стр. 562

الاستدلال بالنجوم ومنازل القمر، ثم تبين له من جهة النجوم أن الهلال الليلة وغمّ عليه، جاز له أن يعتقد الصيام ويبيته ويجزئه، والصحيح عنه في كتبه وعند أصحابه، أنه لا يصح اعتقاد رمضان إلاَّ برؤية أو شهادة عادلة. وقال ابن عمر في "الاستذكار" (١٠/١٩) : "الذي عندنا في كتبه أنه لا يصح اعتقاد رمضان إلاَّ برؤية فاشية". يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٢٥/١٣١-١٣٢) : "إني رأيت الناس في شهر صومهم، وفي غيره أيضاً: منهم من يصغي إلى ما يقوله بعض جهال أهل الحساب من أن الهلال يرى أو لا يرى. ويبني على ذلك إما في باطنه وإما في ظاهره حتى بلغني أن من القضاة من كان يرد شهادة العدد من العدول لقول الحاسب الجاهل الكاذب: إنه يرى أو لا يرى فيكون ممن كذب بالحق لما جاءه". ويقول (ص١٣٢-١٣٣) : إنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن العمل في رؤية هلال الصوم أو الحج أو العدة أو الإيلاء أو غير ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال بخبر الحاسب أنه يرى أو لا يرى لا يجوز. والنصوص المستفيضة عن النبي ﷺ بذلك كثيرة. وقد أجمع المسلمون عليه. ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلا، ولا خلاف حديث، إلاَّ أن بعض المتأخرين من المتفقهة الحادثين بعد المائة الثالثة زعم أنه إذا غم الهلال جاز للحاسب أن يعمل في حق نفسه بالحساب، فإن كان الحساب دل على الرؤية صام وإلا فلا. وهذا القول وإن كان مقيداً بالإغمام ومختصا بالحاسب فهو شاذ، مسبوق بالإجماع على خلافه، فأما اتباع ذلك في الصحو أو تعليق عموم الحكم العام به فما قاله مسلم. وقد يقارب من هذا قول من يقول من الإسماعيلية بالعدد دون الهلال وبعضهم يروي عن جعفر الصادق جدولاً يعمل عليه، وهو الذي افتراه عليه عبد الله بن معاوية. وهذه الأقوال خارجة عن دين الإسلام. وقد برَّأ الله منها جعفر وغيره. ويقول أيضاً (ص١٦٤) : قوله ﷺ : "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" فمن كتب أو حسب لم يكن من هذه الأمة في هذا الحكم، بل يكون قد اتبع غير سبيل المؤمنين الذين هم هذه الأمة فيكون قد فعل ما ليس من دينها، والخروج عنها محرم منهي عنه، فيكون الكتاب والحساب المذكوران محرمين منهياً عنهما.

стр. 563

ويقول أيضاً (ص١٧٤) : "ظهر بذلك أن الأمية المذكورة هنا صفهْ مدح وكمال، من وجوه: من جهة الاستغناء عن الكتاب والحساب بما هو أبين منه وأظهر وهو الهلال، ومن جهة أن الكتاب والحساب هنا يدخلهما غلط، ومن جهة أن فيهما تعباً كثيراً بلا فائدة، فإن ذلك شغل عن المصالح. فمن دخل فيه فقد خرج عن الأمة الأمية فيما هو من الكمال والفضل السالم عن المفسدة، ودخل في أمر ناقص يؤديه إلى الفساد والاضطراب، وأيضا فإنه جعل هذا وصفاً للأمة وصفة الكمال التي للأمة يجب حفظها عليها. ويقول أيضاً (ص٢٠٧) : "والمعتمد على الحساب في الهلال، كما أنه ضال في الشريعة، مبتدع في الدين، فهو مخطئ في العقل وعلم الحساب، فإن العلماء بالهيئة يعرفون أن الرؤية لا تنضبط بأمر حسابي بل خطؤها كثير وقد جرب وهم يختلفون كثيراً: هل يرى؟ أم لا يرى؟ وسبب ذلك: أنهم ضبطوا بالحساب ما لا يعلم بالحساب، فأخطأوا طريق الصواب". وفي "المجموع" (٦/٢٨٩) : قال الدارمي: لا يصوم بقول منجم. الشهادة على رؤية الهلال: عن ابن عمر قال: "تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي ﷺ أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه" (١) . وقال ﷺ : "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، وأنسكوا لها، فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين، فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا" (٢) ، وعند أحمد "فإن شهد شاهدان مسلمان"، وقال الدارقطني "ذوا عدل".

стр. 564

* قال ابن عبد البر في "التمهيد" (١٤/٣٥٤-١٣٥) : "أجمع العلماء على أنه لا يقبل في شهادة شوال في الفطر إلاَّ رجلان عدلان، واختلفوا في هلال رمضان: * فقال مالك والثوري والأوزاعي والليث والحسن بن حي وعبيد الله بن الحسن وابن علية: لا يقبل في هلال رمضان ولا شوال إلا شاهدا عدل رجلان. * وقال أبو حنيفة وأصحابه في رؤية هلال رمضان: شهادة رجل واحد عدل إذا كان في السماء علة -غيماً أو غباراً-، وإن لم يكن في السماء علة لم يقبل إلاَّ شهادة العامة. ولا يقبل في هلال شوال إلاَّ شهادة عدلين يقبل مثلهما في الحقوق. هكذا حكاه الطحاوي عن أبي حنيفة في كتابه الكبير في الخلاف في اشتراط العدالة ولم يذكر المرأة، وذكر عنه في المختصر في الشهادة على هلال رمضان شاهد واحد مسلم أو امرأة مسلمة. لم يشترط العدالة، وفي الشهادة على هلال شوال رجل وامرأتان كسائر الحقوق. واختلف قول الشافعي في هذه المسألة، فحكى المزني عنه أنه قال: إذا شهد على رؤية هلال رمضان رجل عدل واحد رأيت أن أقبله للأثر الذي جاء فيه والاحتياط والقياس ألا يقبل إلا شاهدان، قال: ولا أقبل على رؤية هلال الفطر إلا عدلين. وفي البويطي: ولا يصام رمضان ولا يفطر منه بأقل من شاهدين حُرّيْن مسلميِنْ عدليْن، وقال أحمد بن حنبل: من رأى هلال رمضان وحده صام، فإن كان عدلاً صام الناس بقوله، ولا يفطر إلاَّ بشهادة عدلين، ولا يفطر إذا رآه وحده". قال النووي في "روضة الطالبين" (٢/٣٤٥) : "وكذا إن شهد عدل على الأظهر المنصوص في أكثر كتبه". وقال في "المجموع" (٦/٢٨٣) : قال في القديم والجديد يقبل من عدل واحد وهو الصحيح وبه قطع المصنف، فهل يقبل من العبد والمرأة؟ فيه وجهان: لا يقبل وهو الصحيح؛ لأن طريقها طرق الشهادة بدليل أنه لا يقبل من شاهد الفرع مع حضور شاهد الأصل فلم قبل من العبد والمرأة كسائر الشهادات. ونص عليه في "الأم"

стр. 565

وأما الكافر والفاسق والمغفل فلا يقبل قولهم بلا خلاف. * وفي "الفروع" لابن مفلح -حنبلي- يقبل في هلال رمضان قول عدل واحد نص عليه وحكاه الترمذي عن أكثر العلماء لحديث ابن عباس وابن عمر، ولأنه خبر ديني، وهو أحوط ولا تهمة فيه، لخلاف آخر الشهر. وتقبل المرأة والعبد ولا يختص بحاكم فيلزم الصوم من سمعه من عدل. وجزم في "المستوعب": لا يقبل صبي، وفي "الكافي" يقبل العبد. * وفي "روضة الطالبين" -شافعي- (٢/٣٨٠-٣٤٦) : في الصبي المميز الموثوق به طريقان: والمذهب الذي قطع به الأكثرون: القطع بأنه لا تقبل. وقال ابن حجر في "الفتح" (٤/١٤٧) : "فلا تصوموا حتى تروه. المراد بذلك رؤية بعضهم وهو من يثبت به ذلك، إما واحد على رأي الجمهور أو اثنان على رأى آخرين. ووافق الحنفية على الأول إلا أنهم خصّوا ذلك بما إذا كان في السماء علة من غيم وغيره، وإلا متى كان صحو لم يقبل إلا من جمع كثير يقع العلم بخبرهم. قال أبو عمر بن عبد البر في "التمهيد" (١٤/٣٥٥) : لم يختلف العلماء فيمن رأى هلال رمضان وحده فلم تقبل شهادته أنه يصوم؛ لأنه متعبد بنفسه لا بغيره، وعلى هذا أكثر العلماء، لا خلاف في ذلك إلا شذوذ لا يشتغل به، ومن رأى هلال شوال وحده، أفطر عند الشافعي، والحسن بن حي. وروي عن مالك أنه لا يفطر للتهمة، ومثله قول الليث وأحمد: لا يفطر من رآه وحده، واستحب الشافعي أن يخفي فطره. وقال مالك: من رأى هلال رمضان وحده فأفطر فعليه الكفارة مع القضاء، وقال أبو حنيفة: لا كفارة عليه. وكان الشعبي والنخعي يقولان: لا يصوم أحد إلا مع جماعة الناس، وقال الحسن: يفعل ما يفعل إمامهم.

стр. 566

* وعند ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٢٥/١١٤-١١٥) : "يصوم مع الناس، ويفطر مع الناس وهذا أظهر الأقوال. * وفي "الفروع" لابن مفلح (٣/١٧) : "وإن صاموا ثمانية وعشرين، ثم رأوا هلال شوال قضوا يوماً فقط نقله ابن حنبل واحتج بقول علي ﵁ ولبُعد الغلط بيومين". وإن صمنا بشاهدين ثلاثين يوماً فلم نر الهلال بعد الثلاثين نفطر على الصحيح من قول الشافعي وإن صمنا بشاهد عدل فلم نر الهلال بعد الثلاثين نفطر، نص عليه في "الأم". في الرؤية بالحس: اتفقوا على أن من رأى شهر رمضان وجب عليه الصوم إلا ما روي عن عطاء أنه قال: لا يصح إلا بشهادة غيره. واختلفوا إذا رأى شوالاً وحده هل يفطر أم لا؟ فقال مالك وأبو حنيفة وأحمد: لا يفطر، وقال الشافعي: يفطر، وبه قال أبو ثور لقوله ﷺ : "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" والجمهور إنما فرقوا بين الصوم والفطر سدًّا للذريعة لأن الصوم ثقيل على النفوس لا يتهم أحد عليه، وأما الفطر فالعادة أنه تتوق إليه النفوس الضعيفة ولو ترك لهم المجال لادّعى كل ضعيف النفس رؤيته وينتهك حرمة رمضان، وأن الصوم عبادة، والفطر فضيلة ولا يسوى بينهما (١) . قال النووي في "المجموع" (٦/٢٩٥) : "ذكرنا أن الصحيح من مذهبنا أنه لا تقبل شهادة النساء في هلال رمضان، وحكاه ابن المنذر عن الليث واختاره ابن الماجشون المالكي، ولم يحك عن أحد قبولها". مذاهب العلماء فيما إذا رأى الهلال أهل بلد دون غيرهم: عن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إِلى معاوية بالشام قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها واستهلّ على رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت

стр. 567

المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس ﵄ ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت رأيناه ليلة الجمعة. فقال: أنت رأيته؟ فقلت نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية. فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت: أو لا تكتفي رؤية معاوية وصيامه فقال: لا. هكذا أمرنا رسول الله ﷺ رواه مسلم والترمذي وأبو داود. * بوّب النووي في شرح صحيح مسلم "باب بيان أن لكل بلد رؤيتهم وأم إذا رأوا الهلال ببلد لا يثبت حكمه لما بعد عنهم" وقال (٣/١٤١) : فيه حديث كريب عن ابن عباس، وهو ظاهر الدلالة للترجمة، والصحيح عند أصحابنا أن الرؤية لا تعم الناس، بل تختص بمن قرب على مسافة لا تقصر فيها الصلاة. وقال بعض أصحابنا: تعم الرؤية في موضع جميع أهل الأرض، فعلى هذا نقول: إنما لم يعمل ابن عباس بخبر كريب؛ لأنه شهادة فلا تثبت بواحد، لكن ظاهر حديثه أنه لم يردّه لهذا وإنما ردّه لأن الرؤية لم يثبت حكمها في حق البعيد. * قال ابن حجر: اختلف العلماء في ذلك على مذاهب: أحدها: لأهل كل بلد رؤيتهم، وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس ما يشهد له، وحكاه ابن المنذر عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق، وحكاه الترمذي عن أهل العلم ولم يحك سواه، وحكاه الماوردي وجهاً للشافعية. ثانيها: مقابله إذا رؤي ببلدة لزم أهل البلاد كلها. قال النووي في "المجموع": عن الليث والشافعي وأحمد يلزم الجميع، قال: ولا أعلمه إلا قول المدني والكوفي يعني مالكاً وأبا حنيفة (٦/٢٨٢) . قال ابن حجر: -وهو المشهور عند المالكية-، لكن حكى ابن عبد البر الإجماع على خلافه، وقال: أجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد من البلاد كخراسان والأندلس. قال القرطبي: قد قال شيوخنا إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع ثم نقل إلى غيرهم بشهادة اثنين لزمهم الصوم.

стр. 568

وقال ابن الماجشون: لا يلزمهم الشهادة إلا لأهل البلد الذي ثبتت فيه الشهادة إلا أن يثبت عند الأمام الأعظم فيلزم الناس كلهم لأن البلاد في حقه كالبلد الواحد إذ حكمه نافذ في الجميع. وقال بعض الشافعية: أن تقاربت البلاد كان الحكم واحداً وإن تباعدت فوجهان: لا يجب عند الأكثر، وبه قال النووي. واختار أبو الطيب وطائفة الوجوب وحكاه البغوي عن الشافعي. وفي ضبط البعد أوجه: أحدهما: اختلاف المطالع قطع به العراقيون والصيدلاني وصححه النووي في "الروضة" و"شرح المهذب". ثانيها: مسافة القصر قطع به الإمام والبغوي وصححه الرافعي في "الصغير" والنووي في "شرح مسلم" ا. هـ بتصرف. قال ابن عبد البر في "التمهيد" (١٤/٣٥٨) : "إلى القول الأول أذهب؛ لأن فيه أثراً مرفوعاً وهو حديث حسن تلزم به الحجة، وهو قول صاحب كبير لا مخالف له من الصحابة، وقول جماعة من فقهاء التابعين، ومع هذا، إن النظر يدل عليه عندي؛ لأن الناس لا يكلفون علم ما غاب عنهم في غير بلدهم، ولو كلفوا ذلك لضاق عليهم. أرأيت لو رؤي بمكة أو بخراسان هلال رمضان أعواماً بغير ما كان بالأندلس ثم ثبت ذلك وبزمان عند أهل الأندلس أو عند بعضهم، أو عند رجل واحد منهم، أكان يجب عليه قضاء ذلك وهو قد صام برؤية وأفطر برؤية أو بكمال ثلاثين يوماً كما أمر، ومن عمل بما يجب عليه مما أمر به فقد قضى الله عنه، وقول ابن عباس عندي صحيح في هذا الباب والله الموفق للصواب. قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٢٥/١٠٥، ١٠٧) : "فالصواب في هذا والله أعلم ما دلّ عليه قوله "صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون"، فإذا شهد شاهد ليلة الثلاثين من شعبان أنه رآه بمكان من الأمكنة قريب أو بعيد وجب الصوم. وكذلك إذا شهد بالرؤية نهار تلك الليلة فعليهم إمساك ما بقي سواء كان من إقليم أو إقليمين. وقال ابن تيمية (٢٥/١٠٤) : الذين قالوا لا تكون رؤية لجميعها، كأكثر أصحاب

стр. 569

الشافعي منهم من حدد ذلك بما تختلف فيه المطالع: كالحجاز مع الشام، والعراق مع خراسان، وكلاهما ضعيف، فإن مسافة النصر لا تعلق لها بالهلال. وأيضاً فإن هلال الحج ما زال المسلمون يتسكعون فيه برؤية الحجاج القادمين، وإن كان فوق مسافة القصر. وأيضاً إذا اعتبرناها كمسافة القصر، أو الأقاليم، فكان رجل في آخر المسافة والإقليم فعليه أن يصوم ويفطر وينسك وآخر بينه غلوة سهم لا يفعل شيئاً من ذلك، وهذا ليس من دين المسلمين. ثم يقول "والاعتبار ببلوغ الرؤية في وقت يفيد. الأشبه أنه إن رؤي بمكان قريب وهو ما يمكن أن يبلغهم خبره في اليوم الأول فهو كما لو رؤي في بلدهم، ولم يبلغهم، وأما إذا رؤي بمكان لا يمكن وصول خبره إليهم إلا بعد مضي الأول فلا قضاء عليهم". وقال (ص١٠٧) "فالضابط أن مدار هذا الأمر على البلوغ لقوله "صوموا لرؤيته" فمن بلغه أنه رؤي ثبت في حقه من غير تحديد بمسافة أصلاً، وهذا يطابق ما ذكره ابن عبد البر في أن طرفي المعمورة لا يبلغ الخبر فيهما إلا بعد شهر فلا فائدة فيه، بخلاف الأماكن الذي يصل الخبر فيها قبل انسلاخ الشهر فإنها محل الاعتبار. ويقول ابن تيمية في (ص١٠٨) : وهذا الذي ذكرته هو الذي ذكره أصحابنا، إلا وجوب القضاء إذا لم يكن مما يمكنهم فيه بلوغ الخبر. والحجة فيه أنا نعلم بيقين أنه ما زال في عهد الصحابة والتابعين يرى الهلال في بعض أمصار المسلمين، بعد بعض، فإن هذا من الأمور المعتادة التي لا تبديل لها، ولابد أن يبلغهم الخبر في أثناء الشهر، فلو كانوا يجب عليهم القضاء لكانت هممهم تتوفر على البحث عن رؤيته في سائر بلدان الإسلام، كتوفرها على البحث عن رؤيته في بلده، ولكان القضاء يكثر في أكثر الرمضانات، ومثل هذا لو كان لنقل، ولما لم ينقل دل على أنه لا أصل له، وحديث ابن عباس يدل على هذا فتلخص: أنه من بلغه رؤية الهلال في الوقت الذي يؤدي بتلك الرؤية الصوم أو الفطر أو النسك وجب اعتبار ذلك بلا شك، والنصوص وآثار السلف تدل على ذلك.

стр. 570

ومن حدّد ذلك بمسافة قصر أو إقليم فقوله مخالف للعقل والشرع. * ومن لم يبلغه إلا بعد الأداء، وهو مما لا يقضي كالعيد المفعول والنسك فهذا لا تأثير له، وعليه الإجماع الذي حكاه ابن عبد البر. * وأما إذا بلغه في أثناء المدة: فهل يؤثر في وجوب القضاء؟ وفي بناء الفطر عليه، والقضاء يظهر لي أنه لا يجب وفي بناء الفطر عليه نظر. فهذا متوسط في المسألة. * والقول بشمول كل من بلغه رؤية الهلال من أي بلد أو إقليم من غير تحديد مسافة يقول فيه الألباني: "أخذ بعموم الحديث الصحيح، وبخاصة أنه مذهب الجمهور، وقد اختاره كثير من العلماء المحققين مثل شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفتاوى" (المجلد ٢٥) والشوكاني في "نيل الأوطار" وصديق حسن خان في "الروضة الندية" (١/٢٢٤-٢٢٥) وغيره، فهو الحق الذي لا يصح سواه، ولا يعارضه حديث ابن عباس لأمور ذكرها الشوكاني ﵀، ولعل الأقوى أن يقال: إن حديث ابن عباس ورد فيمن صام على رؤية بلده، ثم بلغه في أثناء رمضان أنهم رأوا الهلال في بلد آخر قبله بيوم، ففي هذه الحالة يستمر في الصيام مع أهل بلده حتى يكملوا ثلاثين، أو يروا هلالهم. وبذلك يزول الإشكال، ويبقى حديث أبي هريرة ﵁ وغيره على عمومه؛ يشمل كل من بلغه رؤية الهلال من أي بلد أو إقليم من غير تحديد مسافة أصلاً كما قال ابن تيمية في "الفتاوى" (٢٥/١٠٧) وهذا أمر متيسر اليوم للغاية كما هو معلوم، ولكنه يتطلب شيئاً من اهتمام الدول حتى تجعله حقيقة واقعية إن شاء الله ﵎. وإلى أن تجتمع الدول الإسلامية على ذلك، فإني أرى على شعب كل دولة أن يصوم مع دولته، ولا ينقسم على نفسه، فيصوم بعضهم معها، وبعضهم مع غيرها، تقدمت في صيامها أو تأخرت، لما في ذلك من توسيع دائرة الخلاف في الشعب الواحد، كما وقع في بعض الدول العربية منذ بضع سنين والله المستعان" (١) . إذا رأى القمر نهاراً اختلفوا إذا رأى القمر نهاراً:

стр. 571

* فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة إلى أنه لليلة المقبلة وهو رواية عن أحمد. * وقال أحمد وأبو يوسف والثوري وابن حبيب المالكي: إذا رآه قبل الزوال فهو للماضية، وإذا رآه بعده فهو للمقبلة. وسبب الخلاف: أولاً: أنه ما ورد عن رسول الله ﷺ شيء في ذلك. والثاني: أنه ورد أثران في ذلك عن عمر، أحدهما عام والآخر خاص، فأما العام فما رواه أبو وائل شقيق بن سلمة قال: "أتانا كتاب عمر ونحن بخانقين أن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهاراً فلا تفطروا حتى يشهد رجلان أنهما رأياه بالأمس" رواه الدارقطني والبيهقي إسناد صحيح وبه أخذ الجمهور. وأما الخاص فهو ما رواه الثوري عنه أنه بلغ عمر أن قوماً رأوا الهلال بعد الزوال فأفطروا فكتب إليهم يلومهم وقال: "إذا رأيتم الهلال نهاراً قبل الزوال فأفطروا، وإذا رأيتموه بعد الزوال فلا تفطروا". وبه أخذ من فرّق بين الرؤية في أول النهار وفي آخره والله أعلم. قال ابن حجر في قوله ﷺ : "لا تصوموا حتى تروا الهلال" (٤/١٤٥) : "ظاهره إيجاب الصوم حين الرؤية متى وجدت ليلاً أو نهاراً لكنه محمول على صوم اليوم المستقبل، وبعض العلماء فرّق بين ما قبل الزوال أو بعد وخالف الشيعة الإجماع فأوجبوه مطلقاً، وهو ظاهر في النهي عن ابتداء صوم رمضان قبل رؤية الهلال". فرع: قال النووي في "المجموع" (٦/٢٩٢) : "لو كانت ليلة الثلاثين من شعبان ولم ير الناس الهلال، فرأى إنسان النبي ﷺ في المنام فقال له: الليلة أول رمضان لم يصح الصوم بهذا المنام لا لصاحب المنام ولا لغيره، ذكره القاضي حسين في الفتاوى وآخرون من أصحابنا. ونقل القاضي عياض الإجماع عليه، لأن شرط الراوي والمخبر والشاهد أن يكون متيقظاً حال التحمل، وهذا مجمع عليه ومعلوم أن النوم لا تيقظ فيه، ولا ضبط،

стр. 572

فترك العمل بهذا المنام لاختلال ضبط الراوي، لا للشك في الرؤية، فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "من رآني في المنام فقد رآني حقاً، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي" والله تعالى أعلم". صيام الأسير والمطمور قد لا يستطع الأسير المسلم الذي وقع في أيدي الكفار معرفة شهر الصيام فما حكم صيامه إذا صام؟ * إن صام بغير تحرّ فصومه غير صحيح، لأنه مطالب بأن يبذل جهده، ويتحرّى كما هو الحال فيمن اشتبهت عليه القبلة. * فإن تحرى وصام فله الحالات: الحالة الأولى: أن لا يتضح للأسير الأمر، أَوافق بصيامه رمضان أو خالف؟ فهذه تجزئه لأنه بذل وسمعه، والله يقول: (فاتقوا الله ما استطعتم) [التغابن: ١٦] . الحالة الثانية: أن يُوافق صومه صوم رمضان، وهذه لها ثلاثة أوجه: الأول: أن يصومه بنية التطوّع فإن صومه عن رمضان لا يصح عند الأئمة الثلاثة وعند أبي حنيفة يصح؛ لأنه يصحح الصوم من رمضان بمطلق النية وبنية التطوع. الثاني: أن يصومه بنية غير جازمة. وصحَّح العلماء صوم الأسير في مثل هذه الحال لأنه معذور، وممن نص على هذا النووي، وقال: إنه مذهب كافة العلماء، ولم يخالف في ذلك إلاَّ الحسن بن صالح، واحتج النووي على ذلك بدليلين: إجماع العلماء على صحة الصوم من الأسير في هذه الحال، والقياس على الاجتهاد في القبلة لمن وافقها، والشك إنما يضر إذا لم يعتضد باجتهاد (١) .

стр. 573

الثالث: أن يصومه بنية جازمة، وهذا صحيح لا إشكال فيه. الحالة الثالثة: ألا يُوافق صومه صوم رمضان: وهذه لها وجهان: الأول: أن يصوم قبل دخول الشهر، فهذا لا يصح بإجماع المذاهب، لأنه أدى الواجب قبل وجوبه وقبل وجوب سببه" (١) . الثاني: "أن يصوم بعد دخول الوقت: فلا خلاف بينهم في صحة هذا الصوم قضاء، إلا أنه إذا صام شهر شوال فعليه أن يقضي يوماً واحداً، هو يوم العيد إن وافقت عدّة شوال عدة رمضان ويومين إن كان أقلّ، وإن وافق شهر ذي الحجة قضى أربعة أيام: يوم النحر وأيام التشريق" (٢) . • فرع: "إذا صام الأسيرُ ونحوه بالاجتهاد فصادف صومُه الليل دون النهار لزمه القضاء بلا خلاف لأنه ليس وقتاً للصوم" (٣) . • فرع: لو شرع في الصوم بالاجتهاد فأفطر بالجماع في بعض الأيام، فإن تحقّق أنه صادف رمضان لزمته الكفارة، لأنه وطيء في نهار رمضان الثابت بنوع دلالة، فأشبه من وطيء بعد حكم القاضي بالشهر بقول عدل واحد، وإن صادف شهراً غيره فلا كفارة؛ لأن الكفّارة لحرمة رمضان ولم يصادف رمضان وممن ذكر المسألة المتولي (٨) .

стр. 574

• فرع: إذا لم يعرف الأسير ونحوه الليل ولا النهار، بل استمرت عليه الظلمة دائماً فهذه مسألة مهّمة قلّ من ذكرها. والأصح أنه يلزمه التحرى والصوم ولا قضاء عليه، هذا إذا لم يظهر له فيما بعد الخطأ، فإن تبينّ له أنه صادف الليل لزمه القضاء بلا خلاف والله أعلم" (١) . زمن الإمساك أجمع المسلمون على أن آخر زمن الإمساك هو غروب الشمس وغيبوبتها لقوله تعالى: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) [البقرة: ١٨٧] . قال ﷺ : "إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم" (٢) . ولفظ مسلم: "إذا غابت الشمس ههنا وجاء الليل من ههنا فقد أفطر الصائم"، وعن عبد الله بن أبي أوفى قال قال رسول الله ﷺ : "إذا رأيتم الليل قد أقبل من ههنا فقد أفطر الصائم، وأشار بيده قبل المشرق" رواه البخاري. قال الحافظ في "الفتح" (٤/٢٣٢) : "إنما ذكر الإقبال والإدبار معاً لإمكان وجود أحدهما مع عدم تحقق الغروب". وقال: "لا يجب إمساك جزء من الليل مطلقاٌ، بل متى تحقق غروب الشمس حل الفطر"، "وأفطر أبو سعيد الخدري حين غاب قرص الشمس" (٣) . وعند سعيد بن منصور وأبو بكر بن أبي شيبة "دخلنا على أبي سعيد فأفطر ونحن نرى أن الشمس لم تغرب". قال ابن حجر: "ووجه الدلالة منه أن أبا سعيد لما تحقق غروب الشمس لم يطلب

стр. 575

مزيداً على ذلك ولا التفت إلى موافقة من عنده على ذلك، فلو كان يجب إمساك جزء من الليل لاشترك الجميع في معرفة ذلك والله أعلم". واختلفوا في أول زمن الإمساك: * فقال الجمهور: هو طلوع الفجر الثاني وهو الفجر الصادق والمراد الطلوع الذي يظهر لنا لا الذي في نفس الأمر. ولا يتعلق بالفجر الكاذب الأول شيء من الأحكام بإجماع المسلمين. والصوم بطلوع الفجر الصادق "الثاني" وتحريم الطعام والشراب والجماع به هو مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم. قال ابن المنذر وبه قال عمر بن الخطاب وابن عباس وعلماء الأمصار قال ﷺ : "الفجر فجران، فأما الفجر الذي يكون كذنب السرحان (١) فلا يُحل الصلاة، ولا يحرم الطعام، وأما الفجر الذي يذهب مستطيلاً في الأفق فإنه يحل الصلاة ويحرم الطعام" (٢) . * وقال ﷺ : "كلوا واشربوا ولا يهدينكم (٣) الساطع المصُعد، فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر" (٤) . * وقال ﷺ : "ليس الفجر بالأبيض المستطيل في الأفق، ولكنه الأحمر المعترض" (٥) . * وقال ﷺ : "الفجر فجران: فجر يحرم فيه الطعام، وتحل فيه الصلاة، وفجر تحرم فيه الصلاة ويحل فيه الطعام" (٦) . * وقال ﷺ : "إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم" (٧) .

стр. 576

* وقال ﷺ : "إن بلالاً يؤذن بليل، ليوقظ نائمكم، وليرجع قائمكم" (١) . * وقال ﷺ : "لا يغرنكم في سحوركم أذان بلال، ولا بياض الأفق المستطيل حتى يستطير" (٢) . * وقال ﷺ : "لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن بليل ليرجع قائمكم، ولينبه نائمكم، وليس الفجر أن يقول هكذا، حتى يقول هكذا، يعترض في أفق السماء" (٣) . عن عدي بن حاتم ﵁ قال: "لما نزلت (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك فقال: "إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار" (٤) ، وفي رواية "إن وسادك إذن لعريض طويل، إنما هو سواد الليل وبياض النهار" (٥) . * وقال سهيل بن سعد: "أنزلت (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) ولم ينزل (من الفجر) فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولم يزل يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعد (من الفجر) فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار" رواه البخاري. * وذهب حذيفة وابن مسعود إلى أنه طلوع الفجر الأحمر كالشفق الأحمر. * والجمهور القائلون بأنه الفجر الأبيض المستطيل في الحد المحرم للشرب والأكل والجماع اختلفوا أيضاً: * فقال الجمهور: هو طلوع الفجر نفسه. * وذهب جماعة من الصحابة إلى جواز السحور إلى أن يتضح الفجر. روى ابن المنذر بإسناد صحيح عن علي أنه صلى الصبح، ثم قال: الآن حين يتبينّ الخيط الأبيض من الخيط الأسود.

стр. 577

قال ابن المنذر: وذهب بعضهم إلى أن المراد بتبينّ بياض النهار من سواد الليل إلى أن ينتشر البياض في الطرق والسكك والبيوت. قال إسحاق: هؤلاء رأوا جواز الأكل والصلاة بعد طلوع الفجر المعترض حتى يتبين بياض النهار من سواد الليل. قال إسحاق: وبالقول الأول أقول، لكن لا أطعن على من تأول الرخصة كالقول الثاني ولا أدري عليه قضاء ولا كفّارة. فمعنى قولهم هو: تبينّ طلوعه عند النظر إليه، وهو مروي عن عروة ومجاهد والحسن وإسحاق قالوا: إن أكل أو شرب يظن أن الفجر لم يطلع فبان له أنه طلع فلا قضاء عليه، وكذلك إذا ظن غياب الشمس ووجدها لم تغب فلا قضاء عليه. وسبب الخلاف: الاحتمال الموجود في قوله تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) هل المراد به الإمساك بالتبين نفسه أو بالمتبين وهو الفجر؟ واستدلّ الجمهور بما رواه البخاري عن فاطمة عن أسماء قالت: أفطرنا في زمن رسول الله ﷺ في يوم غيم ثم طلعت الشمس فقيل لهشام بن عروة راوي الحديث عن فاطمة: أمروا بالقضاء؟ قال: بد من قضاء. * والقائلون بعدم القضاء حملوا التبين على تبين الفجر إذا نظر إليه الناظر ولو بعد طلوعه بزمن. مسائل: (١) "لو غمّ هلال رمضان فأصبحوا مفطرين، ثم تبين أن ذلك اليوم من رمضان فالقضاء واجب بالاتفاق" قاله ابن حجر (٤/٢٣٦) . (٢) من أكل أو شرب شاكاً في طلوع الفجر فذهب ابن عباس وعطاء وهو مروي عن أبي بكر وابن عمر والأوزاعي والشافعي وأحمد وأبي حنيفة والمشهور عن مالك إلى أنه لا قضاء عليه.

стр. 578

وروى عن مالك القول بوجوب القضاء عليه. والراجح الأول: لظاهر الآية ولحديث أذان ابن أم مكتوم. روى عبد الرزاق بإسنادٍ صحيح عن ابن عباس قال: "أحل الله لك الأكل والشرب ما شككت". قال ابن المنذر: وإلى هذا صار أكثر العلماء. "ذكر ابن المنذر في "الإشراف" باباً في إباحة الأكل للشاك في الفجر، فحكاه عن أبي بكر الصديق، وابن عمر وابن عباس وعطاء والأوزاعي وأصحاب الرأي وأحمد وأبي ثور واختاره ولم ينقل المنع إلا عن مالك" (١) . فقال بتحريمه مالك وأوجب القضاء على من أكل شاكاً. (٣) إذا أكل أو شرب أو جامع ظاناً غروب الشمس أوعدم طلوع الفجر فبان خلافه فعليه القضاء وبه قال ابن عباس ومعاوية بن أبي سفيان وسعيد بن جبير ومجاهد والزهري والثوري، هكذا حكاه ابن المنذر عنهم، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد وأبو ثور والجمهور. وقال إسحاق بن راهوية وداود وعطاء وعروة والحسن ومجاهد: صومه صحيح ولا قضاء. (٤) فيمن أولج ثم نزع مع طلوع الفجر. قال الشافعي وأبو حنيفة: لا يفطر ولا قضاء ولا كفارة. روى البيهقي بإسناده الصحيح عن ابن عمر ﵄ قال: "كان إذا نودي بالصلاة والرجل على امرأته لم يمنعه ذلك أن يصوم إذا أراد الصيام قام واغتسل وأتم صيامه". وقال مالك والمزني وزفر وداود: يبطل صومه. وعن أحمد رواية: أنه يفطر وعليه الكفّارة. وفي رواية يصح صومه ولا قضاء ولا كفارة.

стр. 579

(٥) إذا جامع في الليل وأصبح وهو جنب صح صومه، وكذا لو انقطع دم الحائض والنفساء في الليل فنوتا صوم الغد ولم يغتسلا، صح صومهما بلا خلاف وبه قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وممن قال به علي بن أبي طالب وابن مسعود وأبو ذر وزيد بن ثابت وأبو الدرداء وابن عباس وابن عمر وعائشة ﵃، وجماهير التابعين والثوري وأحمد ومالك وأبو حنيفة والشافعي وأبو ثور خلافاً لقول سالم ابن عبد الله وأبي هريرة والحسن والنخعي والأوزاعي. وحجة الجمهور أن رسول الله ﷺ "كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم" (١) . وعن عائشة وأم سلمة ﵄ قالتا: "كان رسول الله ﷺ يُصبح جُنباً من غير حلم ثم يصوم" رواه البخاري ومسلم. وفي روايات لها في الصحيح "من جماع غير احتلام". وعن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ يدركه الفجر في رمضان وهو جنب من غير حلم فيغتسل ويصوم" رواه البخاري ومسلم. وعنها: أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ يستفتيه وهي تسمع من وراء الباب، فقال: يا رسول الله.. تدركني الصلاة وأنا جنب أفأصوم؟ قال رسول الله ﷺ : "وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم" فقال: لست مثلنا يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: "والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي" رواه مسلم. قال ابن المنذرعن حديث أبي هريرة: "من أصبح جنباً فلا صوم له" رواه الشيخان: أحسن ما سمعت فيه أنه منسوخ. (٦) إذا طلع الفجر وفي فيه طعام فليلفظه، فإن لفظه صح صومه، فإن ابتلعه بعد علمه بالفجر بطل صومه بلا خلاف ودليله قوله ﷺ : "إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم" رواه البخاري.

стр. 580

أما حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه" (١) ، وفي رواية "وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر". فيكون "إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده" خبراً عن النداء الأول ليكون موافقاً لحديث ابن عمر وعائشة، قال البيهقي: وعلى هذا تتفق الأحاديث: وقال البيهقي: هذا محمول عند عوام أهل العلم على أنه ﷺ علم أنه ينادى قبل طلوع الفجر. الركن الثاني: وهو الإمساك أجمعت الأمة على تحريم الطعام والشراب والجماع على الصائم، وممن نقل الإجماع ابنُ المنذر. قال تعالى: (فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) . * واختلفوا من ذلك في مسائل: (أ) منها ما هو مسكوت عنه. (ب) ومنها ما هو منطوق به (الحجامة والقيء) . المسكوت عنه: فهو ما يرد الجوف من غير المغذيات، وما يرده من المغذيات من غير طريق الطعام والشراب كالحقنة، وما يرد داخل الأعضاء دون الجوف كالدماغ مثلاً فإن ما يدخل من الأذنين يصل إليه ولا يصل إلى الجوف. * فذهب الشافعي وأبو حنيفة وأحمد إلى إفطار كل ما وصل إلى الجوف سواءً وصله من طريق الغذاء أم لا، وكذلك كل ما وصل إلى الدماغ للتداوي للجائفة والمأمومة وما يدخل الأذنين.

стр. 581

* وذهب مالك إلى أن المفطر كل ما وصل الحلق من أي منفذ كان مغذ أو غير مغذ، وما لم يصل إليه ليس بمفطر كالتداوي للجائفة والمأمومة واختلف عنه في الحقنة فمرة رُوي عنه أنها تفطر؛ لأنها تصل إلى الجوف مباشرة ومرة قال: لا؛ لأنا لا تصل إلى الحلق. ونفصّل: (١) إذا ابتلع الصائم ما لا يؤكل في العادة كدرهم ودينار أو تراب أو حصاة أو حشيشاً أو ناراً أو حديداً أو خيطاً أو غير ذلك أفطر. وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد وداود وجماهير العلماء من السلف والخلف وخلاف ذلك عن أبي طلحة والحسن بن صالح وبعض أصحاب مالك. (٢) إذا بقي في خلل أسنانه طعام فينبغي أن يخلّله في الليل وينقي فمه، فإن أصبح صائماً وفي خلل أسنانه شيء فابتلعه عمداً أفطر عند الشافعي ومالك وأحمد وأبو يوسف، وقال أبو حنيفة: لا يفطر. (٣) إذا جرى ريقه ولم يقدرعلى دفعه ومجه لا يفطر، ويفطر إذا قدر فلم يفعل وابتلعه. وفيها تفصيل: ابتلاع الريق لا يفطر بالإجماع إذا كان على العادة لأنه يعسر الاحتراز منه. وإنما يفطر بثلاثة شروط: الأول: أن يتمحض الريق فلو اختلط بغيره وتغير لونه أفطر بابتلاعه. الثاني: أن يبتلعه من معدته، فلو خرج من فيه ثم رده بلسانه أوغير لسانه وابتلعه أفطر. الثالث: أن يبتلعه. على العادة فلو جمعه قصداً ثم ابتلعه فيها وجهان أصحهما: لا يفطر. ولو اجتمع ريق كثير بغير قصد بأن كثر كلامه أوغير ذلك بغير قصد فابتلعه لم يفطر بلا خلاف. (٤) غبار الطريق وما يشق الاحتراز منه لا يفطر. (٥) لو ابتلع شيئاً يسيراً كحبة السمسم أفطر عند جمهور العلماء.

стр. 582

(٦) اتفق العلماء على أنه إذا ابتلع ريق غيره أفطر. (٧) الحقنة الشرجية: مفطرة عند الشافعي ونقله ابن المنذر عن عطاء والثوري وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق. وقال الحسن بن صالح وداود وشيخ الأسلام ابن تيمية: لا. قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٢٥/٢٣٣-٢٣٤) : "وأما الكحل والحقنة وما يقطر في إحليله، ومداواة المأمومة والجائفة فهذا مما تنازع فيه أهل العلم، فمنهم من لم يفطّر بشيء من ذلك، ومنهم من فطّر الجميع لا بالكحل، ومنهم من فطر بالجميع لا بالتقطير، ومنهم من لم يفطر بالكحل ولا بالتقطير ويفطر بما سوى ذلك. والأظهر أنه لا يفطر بشيء من ذلك، فلو كانت هذه الأمور مما حرمها الله ورسوله في الصيام، ويفسد بها الصوم لكان هذا مما يجب على الرسول ﷺ بيانه، ولو ذكر لعلمه الصحابة وبلّغوه للأمة. (٨) السعوط: إذا وصل إلى الدماغ يفطر عند الشافعي وحكاه ابن المنذر عن الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة ومالك وإسحاق وأبي ثور، وقال داود لا يفطر. (٩) الطعام الباقي بين أسنانه إذا ابتلعه: "قال ابنُ المنذر: أجمع العلماء على أنه لا شىِء على الصائم فيما يبلعه مما يجري مع الريق مما بين أسنانه مما لا يقدر على رده، قال: فإن قدر على رده فابتلعه عمداً، قال أبو حنيفة: لا يفطر، وقال سائر العلماء: يفطر وبه أقول" (١) . مذاهب العلماء في الاكتحال: قال النووي: "جائز عندنا ولا يكره ولا يفطر به، سواء وجد طعمه في حلقه أم لا. وحكاه ابن المنذر عن عطاء والحسن البصري والنخعي والأوزاعي وأبي حنيفة وأبي ثور. وحكاه غيره عن ابن عمر وأنس وابن أبي أوفى الصحابيين، وبه قال داود.

стр. 583

* وقال سليمان التيمي ومنصور بن المعتمر وابن شبرمة وابن أبي ليلى: يبطل صومه. * وقال قتادة: يجوز بالأثمد ويكره بالصبر. * وقال مالك وأحمد: يكره، وإن وصل إلى الحلق أفطر" (١) . فتوى لشيخ الإسلام ابن تيمية: سُئل عمن أفطر في رمضان؟ فأجاب: إن أفطر في رمضان مستحلاً لذلك، وهو عالم بتحريمه استحلالاً له، وجب قتله. وإن كان فاسقاً عُوقب عن فطره في رمضان بحسب ما يراه الإمام، وأخذ منه حد الزنا، وإن كان جاهلاً عرف بذلك، وأخذ منه حد الزنا، ويرجع في ذلك إلى اجتهاد الإمام والله أعلم (٢) . من أكل أو شرب ناسياً: * قال رسول الله ﷺ : "من أكل أو شرب ناسياً فلا يفطر، فإنما هو رزقٌ رزقه الله" (٣) . وقال ﷺ : "من أفطر في رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة" (٤) . قال رسول الله ﷺ : "إذا نسي فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه" (٥) . وعند البخاري: "من أكل ناسياً وهو صائم فإنما أطعمه الله وسقاه". مذاهبُ العلماءِ في الأكل وغيره ناسياً: مذهب الشافعية: لا يُفطر بشيء ناسياً الصوم (٦) ، وبه قال الحسن البصري ومجاهد

стр. 584

وأبو حنيفة وإسحاق وأبو ثور وداود وابن المنذر وغيرهم. * وقال عطاء والأوزاعي والليث: يجب قضاؤه في الجماع ناسياً دون الأكل. * وقال ربيعة ومالك يفسد صوم الناسي في جميع ذلك، وعليه القضاء دون الكفّارة. * وقال أحمد: يجب بالجماع ناسياً القضاء والكفارة ولا شيء في الأكل (١) . * مسألة: إذا أكل الصائم أو شرب أو جامع جاهلاً بتحريمه: فإن كان قريب عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة بحيث يخفى عليه كون هذا مفطراً لم يفطر، وإن كان مخالطاً للمسلمين بحيث لا يخفى عليه تحريمه أفطر. * مسألة: المكره على الأكل وغيره لا يبطل صومه عند الشافعي، وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد: يبطل. وعند الشافعية: إذا فعل به غيره بأن أجبر على الطعام قهره، أو ربطت المرأة وجومعت، أو جومعت نائمة فلا فطر في كل ذلك. وكذا لو استدخلت ذكره نائماً أفطرت هي دونه" (٢) . وأما ما يُفطر من غير المأكول والمشروب: (١) فقد اتفقوا على أن من قبّل فأمنى أفطر إلا ما روي عن ابن حزم من الخلاف. (٢) واختلفوا إذا أمذى، فذهب مالك وأحمد إلى أنه مفطر وعليه القضاء وذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنه مفطر ولا قضاء عليه. "سئل شيخ الإسلام ابن تيمية: عما إذا قبل زوجته، أو ضمها، فأمذى هل يفسد صومه؟ أم لا؟ فأجاب يفسد الصوم بذلك، عند أكثر العلماء" (٣) .

стр. 585

" القبلة للصائم ": اختلفوا في جواز القبلة للصائم: * فحرّمَها الشافعي وأبو حنيفة على من تحرك شهوته. * وحرمها مالك مطلقاً. * وعن أحمد روايتان مثل المذهبين. * ومن كرهها مطلقاً قال: لأنها مدعاة إلى الجماع. * ومن أجازها مطلقاً تمسك بما روي من حديث عائشة وأم سلمة - المتفق عليه - أن رسول الله ﷺ : "كان يُقبّل وهو صائم". مذاهب العلماء في القبلة للصائم: قال النووي في "المجموع" (٦/٣٩٧-٣٩٨) : "مذهبنا كراهتها - أي كراهة تحريمية - لمن حركت شهوته ولا تكره لغيره والأولى تركها، فإن قبل من تحرك شهوته ولم ينزل لم يبطل صومه. قال ابنُ المنذر: رخص في القبلة عمر بن الخطاب وابن عباس وأبو هريرة وعائشة وعطاء والشعبي والحسن وأحمد وإسحاق، قال: وكان سعد بن أبي وقاص لا يرى بالمباشرة للصائم بأساً. وكان ابنُ عمر ينهى عن ذلك. وقال ابن مسعود: يقضي يوماً مكانه. وكره مالك القبلة للشباب والشيخ في رمضان. وأباحتها طائفة للشيخ دون الشاب ممن قاله ابن عباس. هذا نقل ابنُ المنذر ومذهب أبي حنيفة كمذهبنا. وحكى الخطابي عن سعيد بن المسيّب أن من قبل في رمضان قضى يوماً مكانه قال:

стр. 586

وسائر الفقهاء: القبلة لا تفطر إلا أن يكون معها إنزال، فإن أنزل معها أفطر ولزمه القضاء دون الكفارة" (١) . القيءُ للصائم * قال ﷺ : "لا يفطر من قاء، ولا من احتلم، ولا من احتجم" (٢) . * وقال ﷺ : "من ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه قضاء، ومن استقاء فليقض" (٣) . وعن أبي هريرة: إذا قاء فلا يفطر إنما يخرج ولا يولج. وقال ابن عباس وعكرمة: الصوم مما دخل وليس مما خرج. * قال النووي (٦/٣٤٤-٣٤٥) : مذاهبُ العلماءِ في القيء: "مذهبنا أن من تقايأ عمداً أفطر ولا كفارة عليه إن كان في رمضان. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من تقايأ عمداً أفطر. * قال علي وابن عمر وزيد بن أرقم وعلقمة والزهري ومالك وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي: لا كفارة عليه وإنما عليه القضاء. * قال عطاء وأبو ثور: عليه القضاء والكفارة. قال: وبالأوّل أقول. قال: وأمّا من ذرعه القيء فقال علي وابن عمر وزيد بن أرقم ومالك والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي: لا ييطل صومه. قال: وهذا قول كل من يحفظ عنه العلم وبه أقول".

стр. 587

قال ابنُ حجر (٤/٢٠٦) : "أما القيء فذهب الجمهور إلى التفرقة بين من سبقه فلا يفطر وبين من تعمده فيفطر، ونقل ابن المنذر الإجماع على بطلان الصوم بتعمد القيء، لكن نقل ابن بطال عن ابن عباس وابن مسعود لا يفطر مطلقاً وهي إحدى الروايتين عن مالك. وعطاء والأوزاعي وأبو ثور فقالوا يقضي ويكفّر، ونقل ابن المنذر أيضاً الإجماع على ترك القضاء على من ذرعه القيء ولم يتعمده إلا في إحدى الروايتين عن الحسن". الحجامة للصائم عن ابن عباس وعكرمة: الصوم مما دخل وليس مما خرج. * قال رسول الله ﷺ : "أفطر الحاجم والمحجوم" (١) . * وعن ابن عباس ﵄: "أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم" (٢) . * وعن ابن عباس ﵄ قال: "احتجم النبي ﷺ وهو صائم" (٣) . * سُئل أنس بن مالك ﵁: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا، إلا من أجل الضعف" (٤) . وزاد [على عهد النبي ﷺ ] . وكان ابن عمر يحتجم وهو صائم، ثم تركه فكان يحتجم بالليل. وعن أم علقمة: كنا نحتجم عند عائشة فلا تنهى. * عن أبي سعيد الخدري قال: "رخص رسول الله ﷺ في القبلة للصائم والحجامة" (٥) .

стр. 588

قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٤/١٥٥) : وقال ابن حزم: صح حديث "أفطر الحاجم والمحجوم" بلا ريب، لكن وجدنا من حديث أبي سعيد "رخص النبي ﷺ في الحجامة للصائم"، وإسناده صحيح فوجب الأخذ به، لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة، فدل على نسخ الفطر بالحجامة سواء كان حاجماً أو محجوماً. قال الحافظ ابنُ حجر في "الفتح" (٤/٢٠٦) : "أما الحجامة فالجمهور على عدم الفطر بها مطلقاً، وعن علي وعطاء والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور يفطر الحاجم والمحجوم، وأوجبوا عليهما القضاء، وشذ عطاء فأوجب الكفارة أيضاً، وقال بقول أحمد من الشافعية ابن خزيمة وابن المنذر وأبو الوليد النيسابوري وابن حبان. ونقل الترمذي عن الزعفراني أن الشافعي علق القول على صحة الحديث، وبذلك قال الداودي من المالكية". مذاهب العلماء في حجامة الصائم: قال النوري في "المجموع" (٦/٣٨٩-٣٩٣) : "مذهبنا أنه لا يفطر بها لا الحاجم ولا المحجوم، وبه قال ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأنس بن مالك وأبو سعيد الخدري وأم سلمة وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والشعبي والنخعي ومالك والثوري وأبو حنيفة وداود وغيرهم". قال صاحب الحاوي: وبه قال أكثر الصحابة وأكثر الفقهاء. * وقال جماعة من العلماء الحجامة تفطر، وهو قول علي بن أبي طالب وأبي هريرة وعائشة والحسن البصري وابن سيرين وعطاء والأوزاعي وأحمد وإسحاق وابن المنذر وابن خزيمة والحاكم. * قال الخطابي: قال أحمد وإسحاق: يفطر الحاجم والمحجوم وعليهما القضاء دون الكفارة، وقال عطاء: يلزم المحتجم في رمضان القضاء والكفارة. واحتج هؤلاء بحديث ثوبان قال: سمعت رسول ﷺ يقول: "أفطر الحاجم

стр. 589

والمحجوم". رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه بأسانيد صحيحة وإسناد أبي داود على شرط مسلم. * وعن شدّاد بن أوس: أتى رسول الله ﷺ على رجل بالبقيع وهو يحتجم وهو آخذ بيدي لثمان عشرة خلت من رمضان فقال: "أفطر الحاجم والمحجوم". رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه بأسانيد صحيحة. وعن رافع بن خديج عن النبي ﷺ قال: "أفطر الحاجم والمحجوم" رواه الترمذي وقال حديث حسن. وهذا الحديث صححه لفيف من العلماء، فحديث أبي موسى عند الحاكم قال عنه ابن المديني: صحيح، وحديث ثوبان قال عنه ابن حنبل: أصح ما روي في الباب. وعن علي بن المديني: لا أعلم فيها أصح من حديث رافع بن خديج. قالما الحاكم: فقد حكم أحمد لأحد الحديثين بالصحة، وعلي للآخر بالصحة، وحكم إسحاق بن راهويه لحديث شداد بن أوس بالصحة وقال: هذا إسناد تقوم به الحجة. قال إسحاق: وقد صح هذا الحديث بأسانيد وبه نقول. قال الحاكم: رضي الله عن إسحاق فقد حكم بالصحة لحديث صحته ظاهرة وقال به. وصحح الدارمي: حديث شداد وثوبان: قال: وبه أقول. قال: وسمعت أحمد بن حنبل يقول: صح عندي حديث ثوبان وشداد. واحتج الجمهور بحديث ابن عباس "أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم وأحتجم وهو صائم" رواه البخاري. * وحديث ابن أبي ليلى قال: "حدثني رجل من أصحاب النبى ﷺ أن النبي ﷺ نهى عن الحجامة والمواصلة، ولم ينه عنهما إلا إبقاء على أصحابه". رواه أبو داود بإسناد على شرط البخاري ومسلم. واحتج به أبو داود والبيهقي وغيرهما في أن الحجامة لا تفطر. * وعن أنس قال: "أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم فمر به النبي ﷺ فقال: "أفطر هذان" ثم رخص النبي ﷺ بعد في الحجامة

стр. 590

للصائم، وكان أنس يحتجم وهو صائم" رواه الدارقطني وقال: رواته كلهم ثقات، قال: ولا أعلم له علة. قال البيهقي: وروينا في الرخصة في ذلك عن سعد بن أبي وقاص وابن مسعود وابن عباس والحسين بن علي وزيد بن أرقم وعائشة وأم سلمة ﵃، واستدل الأصحاب بالقياس على الفصد والرعاف. وقد رد العلماء على حديث "أفطر الحاجم والمحجوم" بأجوبة: (أحدها) ما ذكره الشافعي في "الأم" وتابعه عليه الخطابي والبيهقي أنه منسوخ بحديث ابن عباس وغيره. فحديث شداد بن أوس قال الشافعي: وابن عباس إنما صحب النبي ﷺ محرماً في حجة الوداع سنة عشر من الهجرة ولم يصحبه محرماً قبل ذلك، وكان الفتح سنة ثمان بلا شك، فحديث ابن عباس بعد حديث شداد بسنتين وزيادة، قال: فحديث ابن عباس ناسخ. قال البيهقي: ويدل على النسخ أيضاً قوله في حديث أنس "ثم رخص النبي ﷺ بعد في الحجامة" قال: وحديث أبي سعيد الخدري السابق أيضاً فيه لفظ الترخيص، وغالب ما يستعمل الترخيص بعد النهي. (الجواب الثاني) أجاب به الشافعي أيضاً أن حديث ابن عباس أصح، ويعضده أيضاً القياس فوجب تقديمه. * قال ابن خزيمة: ثبتت الأحاديث عن النبي ﷺ أنه قال: "أفطر الحاجم والمحجوم" فقام بعض من خالفنا في هذه المسألة وقال: لا يفطر لحديث ابن عباس أن النبي ﷺ "احتجم وهو محرم صائماً" ولا حجة له في هذا؛ لأن النبي ﷺ إنما احتجم وهو محرم صائم في السفر لأنه لم يكن قط محرماً مقيماً ببلده، والمسافر إذا نوى الصوم له الفطر بالأكل والشرب والحجامة وغيرها، فلا يلزم من حجامته أنها لا تفطر فاحتجم وصار مفطراً، وذلك جائز. هذا كلام ابن خزيمة حكاه الخطابي في "معالم السنن" ثم قال: وهذا تأويل باطل، لأنه قال: احتجم وهو صائم فأثبت له الصيام مع الحجامة، ولو بطل صومه بها لقال: أفطر بالحجامة كما يقال: أفطر الصائم بأكل الخبز، ولا يقال: أكله وهو

стр. 591

صائم قلت: ولأن السابق إلى الفهم من قول ابن عباس "احتجم وهو صائم" الإخبار بأن الحجامة لا تبطل الصوم، ويؤيده باقي الأحاديث المذكورة والله أعلم" انتهى من "المجموع" (٦/٣٩٢-٣٩٤) . الجماع في نهار رمضان قال تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يين الله آياته للناس لعلهم يتقون) [البقرة: ١٨٧] . * عن أبي هريرة ﵁ قال: "بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت: قال: مالك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟ قال: لا. قال: فمكث النبي ﷺ ، فبينا نحن على ذلك أُتِي النبي ﷺ بِعَرَق (١) فيها تمر - والعرق: المكتل - قال: أين السائل؟ فقال: أنا. قال: خذ هذا فتصدق به. فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها - يريد الحَرَّتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي. فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال: أطعمه أهلك" (٢) . * عن عائشة ﵂ قالت: "إن رجلاً أتى النبى ﷺ فقال إنه احترق قال: مالك؟ قال: أصبت أهلي في رمضان. فأتى النبي ﷺ بمكتل يُدعى العرق، فقال: أين المحترق؟ قال: أنا. قال: تصدق بهذا" (٣) . قال النووي (٦/٣٤٨-٣٥٠) : "أجمعت الأمة على تحريم الجماع في القبل

стр. 592

والدبر على الصائم، وعلى أن الجماع يبطل صومه للآيات الكريمة وللأحاديث الصحيحة، ولأنه مناف للصوم فأبطله كالأكل، وسواء أنزل أم لا، فيبطل صومه في الحالين بالإجماع لعموم الآية والأحاديث ولحصول المنافي". وفيه مسائل: (١) من أفسد صوماً واجباً بجماع فعليه القضاء سواءً كان في رمضان أوغيره وهذا قول أكثر الفقهاء. قال العبدري: وبإيجاب قضائه قال جميع الفقهاء سوى الأوزاعي فقال: إن كفّر بالصوم لم يجب قضاؤه، وإن كفر بالعتق أو الإطعام قضاه. (٢) أن الكفارة تلزم من جامع في الفرج عامداً أنزل أو لم ينزل في قول عامة أهل العلم، وحكي عن الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير: لا كفارة عليه. (٣) الجماع دون الفرج إذا اقترن به الإنزال: فقال أحمد في رواية عنه ومالك وعطاء والحسن وابن المبارك وإسحاق: عليه الكفارة. والثانية لا كفارة عليه: وهي رواية عن أحمد وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة. (٤) لا فرق بين كون الفرج قبلاً أو دبراً من ذكر أو أنثى، وبه قال أحمد والشافعي، وقال أبو حنيفة في أشهر الروايتين عنه: لا كفارة في الوطء في الدبر. (٥) الوطء في فرج البهيمة - قبلها أو دبرها - موجب للكفارة في أصح الروايتين عند أحمد والشافعي. (٦) ويفسد صوم المرأة بالجِماع. فهل تلزمها الكفارة؟ على قولين: تلزمها: وهو اختيار أبي بكر وقول مالك وأبي حنيفة وأبي ثور وابن المنذر وإحدى الروايتين عن أحمد والشافعي ورجحه في "الفتح" ابن حجر. * والقول الآخر: لا تلزمها، وهو قول للشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد وهو قول الحسن. (٧) إن تساحقت امرأتان فلم ينزلا، فلا شيء عليهما؛ وإن أنزلتا فسد صومهما

стр. 593

وأصح الوجهين عند الحنابلة: لا كفّارة عليهما، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. (٨) وإذا جامع في أول النهار ثم مرض أو جن، أو كانت امرأة فحاضت أو نفست في أثناء النهار، لم تسقط الكفارة. وبه قال أحمد ومالك والليث وابن الماجشون وإسحاق، وقال أصحاب الرأي: لا كفارة عليهم، وللشافعي قولان. (٩) ومن جامع يظن أن الفجر لم يطلع فتبين أنه كان قد طلع، فعليه عند أحمد القضاء والكفارة، وقال أصحاب الشافعي: لا كفارة عليه. (١٠) إذا استمنى بيده - وهو: استخراج المني - أفطر. (١١) إذا نظر إلى امرأة وتلذذ فأنزل لم يفطر عند الشافعي وسفيان الثوري وأبو الشعثاء وأبو حنيفة وأبو يوسف وابن المنذر. * وعند الحسن: عليه القضاء والكفارة. وعن مالك روايتان: إحداهما: كالحسن. والثانية: إن تابع النظر فعليه القضاء والكفارة وإلا فالقضاء. (١٢) لو قبل امرأة وتلذذ فأمذى، قال مالك وأحمد: يفطر، وعند الشافعية: لا يفطر، وبه قال الحسن البصري والشعبي والأوزاعي وأبو حنيفة وأبو ثور قال ابن المنذر: وبه أقول. (١٣) مذاهب العلماء فيمن كرر جماع زوجته في يوم من رمضان: * عليه كفارة واحدة بالجماع الأول، سواء كفر عن الأول أم لا، وهو قول الشافعي ومالك وأبي حنيفة لأنه لم يصادف صوماً منعقداً بخلاف الجماع الأول. * وعن أحمد: إن كان الوطء الثاني قبل تكفيره عن الأول لزمه كفارة أخرى لأنه وطء محرم فأشبه الأول. (١٤) مذاهب العلماء فيمن وطء في يومين أو أيام من رمضان: * عند الشافعي ومالك وأحمد في أصح الروايتين عنده: يجب لكل يوم كفارة سواءً كفر عن الأول أم لا. * وعند أبي حنيفة: إن وطيء في الثاني قبل تكفيره عن الأول كفته كفارة واحدة،

стр. 594

وإن كفر عن الأول فعنه روايتان، قال: ولو جامع في رمضانيين ففي رواية عنه أنه كرمضان واحد، وفي رواية تتكرّر الكفارة. (١٥) فيمن رأى هلال رمضان وحده ولم يقبل القاضي شهادته: فلو صام وجامع في ذلك اليوم فعليه الكفارة وهو مذهب عامة العلماء. وقال عطاء والحسن وابن سيرين وأبو ثور وإسحاق بن راهويه: لا يلزمه الصوم. وقال أبو حنيفة: يلزمه الصوم، ولكن إن جامع فلا كفارة. ومن رأى هلال شوال وحده يلزمه الفطر وقال به أكثر العلماء. وقال مالك والليث وأحمد: لا يجوز له الأكل فيه. (١٦) إن كان الزوج مجنوناً فوطئها وهي صائمة مختارة فعلى قول من يقول على كل واحد كفارة وهو قول الجمهور لزمتها الكفارة في مالها، ولا يتحملها الزوج لأنه ليس أهلاً للتحمل، كما لا تلزمه عن فعل نفسه. * وإن قلنا تجب كفارة عنه وعنها فلا شيء عليه ولا عليها. (١٧) قال النووي: "لو كان الزوج مسافراً صائماً وهي حاضرة صائمة فإن أفطر بالجماع بنية الترخص فلا كفارة عليه عن نفسه بلا خلاف، وإن لم يقصد به الترخص فوجهان: أصحهما: لا كفارة عليه أيضاً، لأنه لا يلزمه الصوم فصار كقاصد الترخص. ولو قدم المسافر مفطراً فأخبرته أنها مفطرة وكانت صائمة فوطئها، فإن قلنا الكفارة عنه فقط فلا شيء عليه ولا عليها، وإن قلنا عنه وعنها وجبت الكفارة عليها في مالها لأنها غرته - هكذا قالوه -. (١٨) الوطء بزنا أو شبهة أو نكاح فاسد سواء في إفساد الصوم ووجوب القضاء والكفارة وإمساك بقية النهار. (١٩) إذا وطيء الصائم في نهار رمضان وقال: جهلت تحريمه، فإن كان ممن يخفى عليه لقرب إسلامه ونحوه فلا كفارة وإلّا وجبت.

стр. 595

(٢٠) مذاهب العلماء في المباشرة فيما دون الفرج - القُبل والدبُر -: * إن لم ينزل فلا شيء عليه. * وإن أنزل فعليه القضاء ولا كفارة عند الشافعي وأبي حنيفة وهو الراجح والأصح. * وقال داود: كل إنزال تجب به الكفارة حتى الاستمناء إلا إذا كرر النظر فأنزل فلا قضاء ولا كفارة. وقال مالك وأبو ثور والزهري والأوزاعي والثوري وإسحاق وعطاء والحسن وابن المبارك: عليه القضاء والكفارة. * وقال أحمد: يجب بالوطء فيما دون الفرج الكفارة. (٢١) قال ابن تيمية في "حقيقة الصيام" (ص ٢٦-٢٧) : "المجامع الناسي فيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره، ويذكر ثلاث روايات عنه: إحداها: لا قضاء عليه ولا كفارة، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة والأكثرين. والثانية: عليه القضاء بلا كفارة، وهو قول مالك. والثالثة: عليه الأمران، وهو المشور عن أحمد. والأول أظهر، فإنه قد ثبت بدلالة الكتاب والسُنة أن من فعل محظوراً مخطئاً أو ناسياً لم يؤاخذه الله بذلك، وحينئذ يكون بمنزلة من لم يفعله، فلا يكون عليه إثم ومن لا إثم عليه لم يكن عاصياً ولا مرتكب لما نهي عنه، وحينئذ فيكون قد فعل ما أمر به ولم يفعل ما نهي عنه، ومثل هذا لا يبطل عبادته". مسائل: (١) لو رأى الصائم في رمضان مشرفاً على الغرق ونحوه ولم يمكنه تخليصه إلا بالفطر ليتقوى فأفطر لذلك جاز، بل هو واجب عليه ويلزمه القضاء. (٢) الإمساك تشبيهاً بالصائمين من خواص رمضان كالكفارة، فلا إمساك على متعدٍ بالفطر في نذر أو قضاء أو كفارة، كما لا كفارة عليه.

стр. 596

(٣) إذا نام جميع النهار وكان قد نوى من الليل صحّ صومه. (٤) لو نوى من الليل ولم ينم النهار ولكن كان غافلاً عن الصوم في جميعه صح صومه بالإجماع. (٥) لو نوى الصوم في الليل ثم شرب دواء فزال عقله نهاراً بسببه، قال البغوي: إن قلنا لا يصح صوم المغمى عليه فهذا أولى، وإلا فوجهان: أصحهما: لا يصح، لأنه بفعله. قال المتولي: ولو شرب المسكر ليلاً وبقي سكره جميع النهار لم يصح صومه وعليه القضاء في رمضان وإن صحا في بعضه. (٦) مذاهب العلماء فيمن أفطر بغير الجماع في نهار رمضان عدواناً: * إذا قضى يوماً كفاه عن الصوم: وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء. * وحكى ابن المنذر وغيره عن ربيعة بن عبد الرحمن أنه يلزمه أن يصوم اثني عشر يوماً مكان كل يوم؛ لأن السنة اثنا عشر شهراً. * وقال سعيد بن المسيب: يلزمه صوم ثلاثين يوماً. * وقال النخعي: يلزمه صوم ثلاثة آلاف يوم - كذا حكاه ابن المنذر -. * وقال علي بن أبي طالب وابن مسعود ﵄: لا يقضيه صوم الدهر. * والمشهور عن مالك أنه يوجب الكفارة عن فطر لمعصية قاله النووي. الركن الثالث: النية وقت نيّة الصوم (*) تقديم النيّة في الصوم لم يختلف العلماء في جواز تقديم النية في الصوم كما اختلفوا في الوضوء والصلاة، والسبب في ذلك أمران:

стр. 597

١- النصوص الصريحة الدالة على أنَّ محلَّ النية في الصوم هو الليل، وسيأتي بيانها. ٢- أن اشتراط مقارنة النيّة لأول الصوم فيه مشقّة بالغة، وحرج شديد والله يقول: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: ٧٨] ، ووجه المشقة والحرج أنَّ أول الصوم يأتي في وقت غفلة من الناس، ولعسر مراقبة أول الصوم وهو الفجر (١) . تأخير النية في الصوم اختلف العلماء في جواز تأخير النية في بعض أنواع الصوم، وسأحاول تحقيق مذاهب العلماء في ذلك، والراجح منها. ١- القضاء والكفّارة: لا يجوز تأخير نيّة صوم الكفارة وقضاء رمضان، ولا يصحّ صومهما إلا بنيّة من الليل عند كافة العلماء. قال النووي: "ولا نعلم أحداً خاف في ذلك" (٢) . ٢- صوم رمضان: القائلون بجواز صومه بنيّة من النَّهار: ذهب الإمام أبو حنيفة ﵀ وأصحابه إلى أن صوم رمضان يتأدى بنية من بعد غروب الشمس إلى منتصف النَّهار" (٣) . وخالف زفر (٤) من الأحناف في المريض والمسافر إِذا صاما رمضان، قال: لابدَّ لهما

стр. 598

من تبييت النيّة من الليل؛ لأنه في حقهما كالقضاء، لعدم تعينه عليهما، ولم يرتض الأحناف منه ذلك؛ لأن صوم رمضان متعينّ بنفسه على الكلّ، غير أنه جاز لهما تأخيره تخفيفاً للرخصة، فإذا صاما وتركا الترخيص التحقا بالمقيم الصحيح (١) . وقد استدل الأحناف بأدلّة كثيرة نجملها فيما يأتي: ١- احتجوا بحديث سلمة بن الأكوع ﵁ أن النبي ﷺ بعث رجلا ينادي في النّاس يوم عاشوراء: "أن من أكل فليتم، أو فليصم، ومن لم يأكل فلا يأكل" (٢) . ولا يتم لهم الاستدلال بالحديث إلا على القول بأن صوم عاشوراء كان واجبا، وقد نازع في ذلك بعض مخالفيهم (٣) . وإذا حققنا أن صوم عاشوراء كان واجبا فهل يتم للأحناف الاستدلال بالحديث على جواز صيام رمضان بنية من النهار؟ قال منازعوهم: لا؛ لأنَّ الحديث منسوخ، فلا يصحّ الاستدلال به. إلاَّ أن الأحناف قالوا: لا يلزم من كون الحديث منسوخا أن تنسخ كل الأحكام التي تتعلق به، فالحديث دل على شيئين: أحدهما: وجوب صوم عاشوراء، والثاني: أن الصوم الواجب في يوم بعينه يصحُّ بنية من نهار، والمنسوخ الأول: ولا يلزم من نسخه نسخ الثاني (٤) . ومع ذلك فإنّني أرى أنَّ الحديث لا تقوم به حُجة، لأن المتنازع فيه في صوم الفرض المقدور هل يجوز أن ينويه من النهار بلا عذر أم الذي دل عليه الحديث؟ فهو صحة صوم من لم يعلم وجوب الصوم عليه من الليل، كالذي لم يبلغه أن اليوم أول رمضان إلا بعد أن أصبح، وقد احتج ابن حزم بالحديث على صحة صوم من لم يعلم وجوب الصوم إلا بعد طلوع الفجر كما سيأتي.

стр. 599

وقد أجاب النووي بجواب آخر حيث يقول: "وعلى فرض وجوبه فكان في ابتداء فرض عليهم من حين بلغهم، ولم يخاطبوا بما قبله، كأهل قباء في استقبال الكعبة، فإن استقبالها بلغهم في أثناء الصلاة، فاستداروا وهم فيها من استقبال بيت المقدس إلى استقبال الكعبة، وأجزأتهم صلاتهم حيث لم يبلغهم الحكم إلا حينئذ، وإن كان الحكم باستقبال القبلة قد سبق في حق غيرهم قبل هذا" (١) . ٢- استدل صاحب الهداية من الأحناف بقوله ﷺ بعدما شهد الأعرابي برؤية الهلال: "إلا من أكل فلا يأكل بقية يومه، ومن لم يأكل فليصم" (٢) . وقد اختلط على المؤلف حديث الأعرابي هذا بحديث سلمة بن الأكوع (٣) في صوم عاشوراء، إذ هذا اللفظ الذي ذكره صاحب الهداية لم يذكر في حديث الأعرابي، وحديث الأعرابي أخرجه أصحاب السنن وابن خزيمة (٤) ، وابن حبان (٥) ، والدارقطني، والبيهقي، والحاكم، عن ابن عباس أن أعرابياً جاء إلى النبي ﷺ فقال: "إني رأيت الهلال، فقال: "أتشهد أن لا إله إلا الله؟ " قال: نعم. قال: "أتشهد أنَّ محمداً رسول الله؟ " قال: نعم. قال: "فأذّن في الناس يا بلال أن يصوموا غداً" (٦) . فرؤية الأعرابي وإخباره للرسول ﷺ كانت ليلاً، والأمر بصومه كان في الليل، كما هو واضح من قوله: "أن يصوموا غداً"، وقد استغرب ابن الهمام ما ذكره صاحب الهداية (٧) .

стр. 600

٣- واحتجوا بقرله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) [البقرة: ١٨٧] . فقد أباح للمؤمنين الأكل والشرب والجماع في ليالي رمضان إلى طلوع الفجر، وأمر بالصيام عنها بعد طلوع الفجر: متأخراً عنه، لأنَّ كلمة "ثم" للتعقيب مع التراخي، فكان هذا أمراً بالصوم متراخياً عن أول النهار، والأمر بالصوم أمر بالنيّة، إذ لا صحة للصوم شرعا بدون النية، فكان أمراً بالصوم بنية متأخرة عن أوّل النهار، ومن أتى به فقد أتى بالمأمور به، فيخرج عن العهدة، وفيه دلالة على أنَّ الإمساك في أول النَّهار يقع صوماً وجدت فيه النية أو لم توجد؛ لأن إتمام الشيء يقتضي سابقية وجود بعض منه، ولأنه صام في وقت متعين شرعاً لصوم رمضان لوجود ركن الصوم مع شرائطه. هكذا احتجّ صاحب بدائع الصنائع بالآية الكريمة (١) . ونحن نخالفه في عدّة أمور: أولاً: نخالفه في أن "الأمر بالصوم أمر بالنيّة"، وتعليله لذلك بأنّه "لا صحة للصوم شرعاً بدون النية". ذلك أن وجوب النية في الصوم غير مأخوذ من مجرد الأمر بالصوم، بل من أدلّة أخرى منفصلة، كقوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [البينة: ٥] . وقوله ﷺ : " إنما الأعمال بالنيّات" (٢) ، وبناء على ذلك فليس الأمر بالصوم أمرا بالنية. ثانياَ: إذا تقرّر الأمر السابق بطل مابناه عليه من أن الشارع أمر بالصوم بنية متأخرة عن أول النهار، ولو كان قوله هذا حقا لكان الأفضل أن نأتي بالنيّة بعد طلوع الفجر، وهذا لم يقل به أحد، حتى ولا الأحناف الذين يجيزون النية من النهار. ثالثا: أن الرسول ﷺ بينّ هذه الآية كما بين غيرها من الآيات بقوله: "لا صوم لمن لم يبيّت الصيام من الليل"، فوجب أن نأخذ ببيانه.
следующие страницы →