(٣) إذا نام جميع النهار وكان قد نوى من الليل صحّ صومه.
(٤) لو نوى من الليل ولم ينم النهار ولكن كان غافلاً عن الصوم في جميعه صح صومه بالإجماع.
(٥) لو نوى الصوم في الليل ثم شرب دواء فزال عقله نهاراً بسببه، قال البغوي: إن قلنا لا يصح صوم المغمى عليه فهذا أولى، وإلا فوجهان: أصحهما: لا يصح، لأنه بفعله.
قال المتولي: ولو شرب المسكر ليلاً وبقي سكره جميع النهار لم يصح صومه وعليه القضاء في رمضان وإن صحا في بعضه.
(٦) مذاهب العلماء فيمن أفطر بغير الجماع في نهار رمضان عدواناً:
* إذا قضى يوماً كفاه عن الصوم: وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء.
* وحكى ابن المنذر وغيره عن ربيعة بن عبد الرحمن أنه يلزمه أن يصوم اثني عشر يوماً مكان كل يوم؛ لأن السنة اثنا عشر شهراً.
* وقال سعيد بن المسيب: يلزمه صوم ثلاثين يوماً.
* وقال النخعي: يلزمه صوم ثلاثة آلاف يوم - كذا حكاه ابن المنذر -.
* وقال علي بن أبي طالب وابن مسعود ﵄: لا يقضيه صوم الدهر.
* والمشهور عن مالك أنه يوجب الكفارة عن فطر لمعصية قاله النووي.
الركن الثالث: النية
وقت نيّة الصوم (*)
تقديم النيّة في الصوم
لم يختلف العلماء في جواز تقديم النية في الصوم كما اختلفوا في الوضوء والصلاة، والسبب في ذلك أمران:
стр. 597
١- النصوص الصريحة الدالة على أنَّ محلَّ النية في الصوم هو الليل، وسيأتي بيانها.
٢- أن اشتراط مقارنة النيّة لأول الصوم فيه مشقّة بالغة، وحرج شديد والله يقول: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: ٧٨] ، ووجه المشقة والحرج أنَّ أول الصوم يأتي في وقت غفلة من الناس، ولعسر مراقبة أول الصوم وهو الفجر (١) .
تأخير النية في الصوم
اختلف العلماء في جواز تأخير النية في بعض أنواع الصوم، وسأحاول تحقيق مذاهب العلماء في ذلك، والراجح منها.
١- القضاء والكفّارة:
لا يجوز تأخير نيّة صوم الكفارة وقضاء رمضان، ولا يصحّ صومهما إلا بنيّة من الليل عند كافة العلماء.
قال النووي: "ولا نعلم أحداً خاف في ذلك" (٢) .
٢- صوم رمضان:
القائلون بجواز صومه بنيّة من النَّهار:
ذهب الإمام أبو حنيفة ﵀ وأصحابه إلى أن صوم رمضان يتأدى بنية من بعد غروب الشمس إلى منتصف النَّهار" (٣) .
وخالف زفر (٤) من الأحناف في المريض والمسافر إِذا صاما رمضان، قال: لابدَّ لهما
стр. 598
من تبييت النيّة من الليل؛ لأنه في حقهما كالقضاء، لعدم تعينه عليهما، ولم يرتض الأحناف منه ذلك؛ لأن صوم رمضان متعينّ بنفسه على الكلّ، غير أنه جاز لهما تأخيره تخفيفاً للرخصة، فإذا صاما وتركا الترخيص التحقا بالمقيم الصحيح (١) .
وقد استدل الأحناف بأدلّة كثيرة نجملها فيما يأتي:
١- احتجوا بحديث سلمة بن الأكوع ﵁ أن النبي ﷺ بعث رجلا ينادي في النّاس يوم عاشوراء: "أن من أكل فليتم، أو فليصم، ومن لم يأكل فلا يأكل" (٢) .
ولا يتم لهم الاستدلال بالحديث إلا على القول بأن صوم عاشوراء كان واجبا، وقد نازع في ذلك بعض مخالفيهم (٣) .
وإذا حققنا أن صوم عاشوراء كان واجبا فهل يتم للأحناف الاستدلال بالحديث على جواز صيام رمضان بنية من النهار؟
قال منازعوهم: لا؛ لأنَّ الحديث منسوخ، فلا يصحّ الاستدلال به. إلاَّ أن الأحناف قالوا: لا يلزم من كون الحديث منسوخا أن تنسخ كل الأحكام التي تتعلق به، فالحديث دل على شيئين: أحدهما: وجوب صوم عاشوراء، والثاني: أن الصوم الواجب في يوم بعينه يصحُّ بنية من نهار، والمنسوخ الأول: ولا يلزم من نسخه نسخ الثاني (٤) .
ومع ذلك فإنّني أرى أنَّ الحديث لا تقوم به حُجة، لأن المتنازع فيه في صوم الفرض المقدور هل يجوز أن ينويه من النهار بلا عذر أم الذي دل عليه الحديث؟ فهو صحة صوم من لم يعلم وجوب الصوم عليه من الليل، كالذي لم يبلغه أن اليوم أول رمضان إلا بعد أن أصبح، وقد احتج ابن حزم بالحديث على صحة صوم من لم يعلم وجوب الصوم إلا بعد طلوع الفجر كما سيأتي.
стр. 599
وقد أجاب النووي بجواب آخر حيث يقول: "وعلى فرض وجوبه فكان في ابتداء فرض عليهم من حين بلغهم، ولم يخاطبوا بما قبله، كأهل قباء في استقبال الكعبة، فإن استقبالها بلغهم في أثناء الصلاة، فاستداروا وهم فيها من استقبال بيت المقدس إلى استقبال الكعبة، وأجزأتهم صلاتهم حيث لم يبلغهم الحكم إلا حينئذ، وإن كان الحكم باستقبال القبلة قد سبق في حق غيرهم قبل هذا" (١) .
٢- استدل صاحب الهداية من الأحناف بقوله ﷺ بعدما شهد الأعرابي برؤية الهلال: "إلا من أكل فلا يأكل بقية يومه، ومن لم يأكل فليصم" (٢) .
وقد اختلط على المؤلف حديث الأعرابي هذا بحديث سلمة بن الأكوع (٣) في صوم عاشوراء، إذ هذا اللفظ الذي ذكره صاحب الهداية لم يذكر في حديث الأعرابي، وحديث الأعرابي أخرجه أصحاب السنن وابن خزيمة (٤) ، وابن حبان (٥) ، والدارقطني، والبيهقي، والحاكم، عن ابن عباس أن أعرابياً جاء إلى النبي ﷺ فقال: "إني رأيت الهلال، فقال: "أتشهد أن لا إله إلا الله؟ " قال: نعم. قال: "أتشهد أنَّ محمداً رسول الله؟ " قال: نعم. قال: "فأذّن في الناس يا بلال أن يصوموا غداً" (٦) .
فرؤية الأعرابي وإخباره للرسول ﷺ كانت ليلاً، والأمر بصومه كان في الليل، كما هو واضح من قوله: "أن يصوموا غداً"، وقد استغرب ابن الهمام ما ذكره صاحب الهداية (٧) .
стр. 600
٣- واحتجوا بقرله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) [البقرة: ١٨٧] .
فقد أباح للمؤمنين الأكل والشرب والجماع في ليالي رمضان إلى طلوع الفجر، وأمر بالصيام عنها بعد طلوع الفجر: متأخراً عنه، لأنَّ كلمة "ثم" للتعقيب مع التراخي، فكان هذا أمراً بالصوم متراخياً عن أول النهار، والأمر بالصوم أمر بالنيّة، إذ لا صحة للصوم شرعا بدون النية، فكان أمراً بالصوم بنية متأخرة عن أوّل النهار، ومن أتى به فقد أتى بالمأمور به، فيخرج عن العهدة، وفيه دلالة على أنَّ الإمساك في أول النَّهار يقع صوماً وجدت فيه النية أو لم توجد؛ لأن إتمام الشيء يقتضي سابقية وجود بعض منه، ولأنه صام في وقت متعين شرعاً لصوم رمضان لوجود ركن الصوم مع شرائطه.
هكذا احتجّ صاحب بدائع الصنائع بالآية الكريمة (١) .
ونحن نخالفه في عدّة أمور:
أولاً: نخالفه في أن "الأمر بالصوم أمر بالنيّة"، وتعليله لذلك بأنّه "لا صحة للصوم شرعاً بدون النية". ذلك أن وجوب النية في الصوم غير مأخوذ من مجرد الأمر بالصوم، بل من أدلّة أخرى منفصلة، كقوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [البينة: ٥] . وقوله ﷺ : " إنما الأعمال بالنيّات" (٢) ، وبناء على ذلك فليس الأمر بالصوم أمرا بالنية.
ثانياَ: إذا تقرّر الأمر السابق بطل مابناه عليه من أن الشارع أمر بالصوم بنية متأخرة عن أول النهار، ولو كان قوله هذا حقا لكان الأفضل أن نأتي بالنيّة بعد طلوع الفجر، وهذا لم يقل به أحد، حتى ولا الأحناف الذين يجيزون النية من النهار.
ثالثا: أن الرسول ﷺ بينّ هذه الآية كما بين غيرها من الآيات بقوله: "لا صوم لمن لم يبيّت الصيام من الليل"، فوجب أن نأخذ ببيانه.
стр. 601
رابعاً: ونخالفه في أن الإمساك في أول النهار يقع صوما وجدت فيه النية أم لم توجد؛ لقوله ﷺ : "إنَّما الأعمال بالنيات"، وهذا لم ينو فكيف يقع صوما ولم توجد منه نيّة؟ ويلزم بناء على قوله: أنَّ من أصبح ناويا الإفطار في رمضان أن يكون صائماً إذا لم يأكل أو يشرب أو يجامع.
وتعليله بأنه صام في وقت متعين شرعاً يلزم منه أن من صلى ركعتين في آخر وقت الصبح بحيث لم يبق من الوقت إلاَّ ما يكفي لصلاة الفرض، ولم ينو بهما فرض الوقت أن تجزيا عن صلاة الفريضة، لأن الوقت أصبح متعيناً لصلاة الصبح، ولا يصح منه غيرهما، وهم لا يقولون بذلك.
٤- واحتجوا بالقياس: ولهم في القياس طريقان:
الأول: قياس الفرض على النفل (١) ، فالنفل صح فيه أن الرسول ﷺ كان ينويه من النهار. وقال منازعوهم: هذا قياس لا يصحّ، لأننا عهدنا من الشارع أنه يخفف في النوافل ما لا يخفف في الفرائض.
ففي الصلاة مثلاً سامح الشارع في ترك القيام في صلاة التطوع، وترك استقبال القبلة فيه في السفر تكثيراً له بخلاف الفرض (٢) .
ثم نقول لهم: صحَّ الحديث في أنه ﷺ كان يحدث الصوم بنيّة من النَّهار في النوافل، وصحَّ أن أكثر من صحابي قال: "لا صيام لمن لم يبيت الصوم من الليل" أو نحو هذا، وهذا له حكم المرفوع، لأنه لا يقال بالرأي بل الذي نرجّحه صحته مرفوعاً إلى الرسول ﷺ من قوله، كما سيأتي بيانه. فلمّا صح هذا وهذا كان الواجب ألا نضرب حديث رسول الله ﷺ بعضه ببعض، بل علينا أن نوفق بين الأحاديث، وهذا ما فعلناه
عندما حملنا حديث إحداثة النية من النهار على صوم النفل، بل هو صريح في ذلك، وحملنا حديث "لا صوم لمن لم يييت الصيام من الليل" على صيام الفرض.
الثاني: قياس النيّه المتأخرة على المتقدمة من أوّل الغروب والجامع بينهما "التيسير ودفع الحرج" (٣) .
стр. 602
قالوا: "الأصل أن النيّه لا يصح اعتبارها إلا بالمقارنة، أو مقدمة مع عدم اعتراض ما ينافي المنوي بعدها قبل الشروع فيه، فإنه يقطع اعتبارها على ما قدمنا في شروط الصلاة" (١) .
ولم يجب فيما نحن فيه، لا المقارنة وهو ظاهر، فإنه لو نوى بعد الغروب أجزأه، ولا عدم تخلل المنافي لجوازالصوم بنية يتخلل بينها وبينه الأكل والشرب والجماع مع انتفاء حضورها بعد ذلك إلى انقضاء يوم الصوم (٢) . ثم أخذ يبين الحرج الذي سينشأ من عدم إجازة النية من النهار: "فكثير من النّاس يقع في الحرج لو لم تجز من النهار، كالذي نسيها ليلاً، وفي حائض طهرت قبل الفجر ولم تعلم إلا بعده، وهو كثير جداً، فإن عادتهن وضع الكرسف عشاء، ثم النوم، ثم رفعه بعد الفجر، وكثير ممن تفعلن ذلك تصبح فترى الطهر، وهو محكوم بثبوته قبل الفجر، ولذا نلزمها بصلاة العشاء، وفي صبي بلغ بعده، ومسافر أقام، وكافر أسلم" (٣) .
ثم قال: "فيجب القول بصحتها نهاراً، وتوهم أنَّ مقتضاه قصر الجواز على هؤلاء، أن هؤلاء لا يكثرون كثرة غيرهم بعيد عن النظر ... " (٤) .
فهو بذلك يثبت أن "المعنى الذي لأجله صحت النية المتقدمة لذلك التيسير ودفع الحرج موجود في النية المتأخرة ... " (٥) .
والإجابة على ذلك أن القول بهذا يلزمهم القول بإجازة الصوم بنيّة من النهار قبل الزوال وبعده، لا كما يقولون بأن النية بعد الزوال لا تصح، وذلك لأنَّ الحرج قد يوجد بعد الزوال، فقد يبلغ الصبي، ويسلم الكافر، ويفيق المجنون، ويصحو المغمى عليه، وهم لا يقولون بذلك.
ثمّ إنَّ إجازة صوم هؤلاء من النهار بلا نية على القول به كما هو مذهب ابن حزم
стр. 603
خاص بهم للضرورة (١) ، وقد احتج لمذهبه هذا بحديث صيام عاشوراء حيث أمر من أكل بالإمساك، ومن لم يأكل بالصيام، أما الذين كانوا قادرين على النية من الليل فلم يفعلوا فلا حرج في إيجاب النية عليهم من الليل لإباحة النية في الليل بطوله، وقد تابع ابن حزم في مذهبه الشوكاني من المتأخرين (٢) .
إلا أن كثيراً من الفقهاء نازع في إيجاب النية على الكافر يسلم في نهار يوم الصيام، والصبي يبلغ أثناءه، لكونهما غير مُكَلفَينِ من أوله، فهم يرون أن الصيام عليهما غير واجب، والحائض لها أن تنوي من الليل إذا علمت أنَّ عادتها الطهر قبيل الفجر.
الفريق الموجب للنية من الليل في صوم رمضان:
وذهب مالك وأحمد وإسحق (٣) والشافعي وداود وجماهير العلماء من السلف والخلف إلى أنه لا يصح صوم رمضان إلا بنية من الليل (٤) .
أدلتهم:
أولاً: احتجوا بما رواه النسائي (٥) من طريق أحمد بن أزهر عن عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن شهاب عن سالم عن عبد الله بن عمر (٦) عن حفصة (٧) ، قالت:
стр. 604
قال النبي ﷺ : "من لم يبيّت الصيام من الليل فلا صيام له" (١) .
وقد اعترض الأحناف على الحديث باعتراضات عدة:
١- أن الحديث ضعيف لا تقوم به حجة (٢) ، وهذا الذي ذكروه من ضعف الحديث قاله جماعة من الحفاظ، فضعفوا رفعه إلى الرسول ﷺ ، ورجحوا أن الحديث موقوف.
قال البخاري: هو خطأ، وهو حديث فيه اضطراب، والصحيح عن ابن عمر موقوف.
وقال الترمذي: الموقوف أصح.
وقال النسائي: الصواب عندي أنّه موقوف ولم يصح رفعه.
وجوابنا على ذلك من وجهين:
أ- أن جماعة من الحفاظ حكموا بصحته مرفوعاً، منهم ابن خزيمة وابن حبان، وقال الحاكم (٣) في "الأربعين": صحيح على شرط الشيخين، وقال في "المستدرك": صحيح على شرط البخاري.
وقال البيهقي رواته ثقات إلا أنه روي موقوفاً (٤) .
والسبب الذي من أجله ضعفه من ضعّفه لا يعتبر سبباً قوياً لتضعيف الحديث، فكونه روي موقوفاً، وروي مرفوعاً، ليس سبباً موجباً لتضعيفه، خاصة وأن الذي رفعه
стр. 605
ثقة ثبت، بل إن روايته مرفوعاً وموقوفاً تعتبر سبباً موجباً لقوة الحديث.
يقول ابن حزم - بعد أن ساق رواية النسائي -: "وهذا إسناد صحيح، ولا يضر إسناد ابن جريج له، وإن وقفه معمر (١) ، ومالك، وعبيد الله، ويونس، وابن عيينة (٢) ، فابن جريج (٣) لا يتأخر عن أحد من هؤلاء في الثقة والحفظ". ثم قال: "والزهري (٤) واسع الدراية، فمرة يرويه عن سالم عن أبيه، ومرة عن حمزة عن أبيه، وكلاهما ثقة.
وابن عمر كذلك مرة رواه مسنداً، ومرة روى أن حفصة أفتت به، ومرة أفتى به هو".
ثم يقول: "وكل هذا قوة للخبر" (٥) .
وقال الخطابي: "أسنده عبد الله بن أبي بكر (٦) ، والزيادة من الثقة مقبولة" (٧) .
ب- وعلى التسليم لهم بضعف الحديث: فإنه قد رُوي موقوفاً عن ثلاثة من الصحابة بأسانيد صحيحة، والصحابة الذين يروى موقوفاً عليهم هم: ابن عمر، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وعائشة بنت أبي بكر ﵃ جميعاً (٨) .
стр. 606
وهؤلاء لا يعرف لهم مخالف من الصحابة أصلاً، والأحناف يستعظمون مخالفة الصحابي الذي لم يعرف له مخالف.
فإن قالوا: حديث عاشوراء يدل على جواز الصوم بنية من النهار، وهو أصح من هذا الحديث كما قاله أبن الهمّام (١) ، فالجواب أن حديثَ عاشوراء لا يدل على مدعاهم كما سبق بيانه.
٢- أنَّه من الآحاد، فلا يصلح ناسخاً للكتاب (٢) .
وكون الزيادة على النص القرآني تعتبر نسخاً لا يسلم لهم، كما بحثناه من قبل.
٣- أنهم حملوه على صوم القضاء والنذر:
وهذا تأويل بعيد كما يقول الآمدي: وإنما كان هذا التأويل بعيداً، لأن الصوم في الحديث نكرة، وقد دخل عليه حرف النفي، فكان ظاهره العموم في كل صوم، ثم المتبادر إلى الفهم من لفظ الصوم إنما هو الصوم الأصلي المتخاطب به في اللغات: وهو الفرض والتطوع، دون ما وجوبه بعارض، ووقوعه نادر، وهو القضاء والنذر.
وقد أصابَ الآمدي في رده عليهم عندما يينّ أنّ ترك ما هو قوي في العموم، وإخراج الأصل الغالب من النص، وإرادة العارض البعيد النادر إلغاز في القول. وقرّب هذا بمثال ضربه، فالسيد إذا قال لعبده: من دخل داري من أقاربي فأكرمه، ثم قال: إنّما أردت قرابة السبب دون قرابة النسب، أو ذوات الأرحام البعيدة، دون العصبات القريية، كان قوله منكراً مستبعداً (٣) .
٤- وقالوا ليس معناه كما ذكرتم، بل إنَّ المراد بقوله ﷺ : "لا صيام لمن لم يبيت الصيام"، أي لا صيام لمن لم ينو الصيام من الليل بأن نوى الصيام من وقت النيّة (٤) .
وهذا تأويل غريب للحديث، يبطله أدنى تأمل في نص الحديث، فقوله ﷺ :
стр. 607
"لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" نصّ في أنّ مراد الرسول ﷺ من الليل، لقوله: "يبيت"، والتبييت فعل الأمر في البيات وهو الليل.
ومما يوضح هذا الأمر رواية ابن عمر الموقوفة عليه "لا يصوم إلا من أجمع الصيام قبل الفجر"، وقالت عائشة مثل ذلك.
وقالت حفصة: "لا صيام لمن لم يجمع قبل الفجر". فنص الحديث المرفوع، والأحاديث الموقوفة صريحة في إيجاب إيقاع النيَّة في الليل، وهذا التأويل الذي ذكروه لا وجه له، بل هو تمحل من قائله لنصرة المذهب، وهذا لا يجوز لهم.
٥- قالوا أيضاً: الحديث محمول على نفي الفضيلة أو الكمال: كقوله ﷺ : "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" (١) .
وجوابنا أنَّ هذا الحديث ضعيف (٢) ، ولو ثبت لما صحت صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، ونظيره الصحيح قوله ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (٣) ، فنفي الشيء كالصلاة والصوم لعدم وجود شيء يدل على وجوبه لا استحبابه.
ثانياً: احتجّ الموجبون للنيّه في الليل على أبي حنيفة وأصحاب بالقياس، فقاسوا صوم رمضان على القضاء والكفارة، بجامع الفرضية والوجوب في كل، وفرّق الأحناف بين صوم الكفارة والقضاء وصوم رمضان بأن الوقت في رمضان متعينّ لصومه، أما في القضاء والكفارة فالوقت غير متعين لهما شرعاً؛ لأن خارج رمضان متعين للنفل، فلا يكون لغيره إلا بتعيينه، فإذا لم ينو من الليل صوماً آخر بقي الوقت متعيناً للتطوع فلا يملك تغييره (٤) .
فمناط التفرقة عندهم بين صوم القضاء والكفارة وصوم رمضان هو أن الوقت غير
стр. 608
متعينّ للأولين، ولكنّه متعين لصوم رمضان. وجوابنا أن وقت الصلاة قد يتضيق على المصلّي بألا يبقى إلا ما يكفي لصلاة الفرض، فهل تصح صلاته فرضاً إذا نوى أن يصليها نفلاً.
الأحناف هنا لا يخالفون غيرهم في أنَّ الصلاة لا تصحُّ فرضاً، على الرغم من أنَّ الوقت لا يتسع لغير الفريضة، ولا فرق بين هذه الحالة وصوم رمضان.
النية لكل يوم
مذهب مالك وإسحق ورواية عن أحمد أنه يجزيء الصائم نيّة واحدة لجميع الشهر في أوله (١) .
واستدوا على ذلك بأدلة منها:
أولاً: أنَّ صوم الشهر عبادة واحدة.
ثانياً: أنَّ الرسول ﷺ يقول: "ولكل امريء ما نوى"، وهذا نوى صيام الشهر فله ما نوى.
ثالثاً: قاسوا الصوم على الحج، فالحج: طوافه، وسعيه، والوقوف بعرفة ... إلخ، يجزيء بنيّة واحدة.
وذهب الإمام الشافعي وأبو حنيفة ورواية عن أحمد إلى القول بوجوب نيّة مستقلّة لكلّ يوم (٢) .
وهذا هو المذهب الراجح؛ لأنَّ صوم كلّ يوم عبادة مستقلة، يدلّ على ذلك أنَّ فساد بعض أيام الشهر لا يفسد بعضها الآخر. ولأنه يتخلل صوم أيام الشهر ما ينافيها؛ إذ يباح في الليل الطعام والشراب والنكاح.
وقد وهم من قاس أيام رمضان على أعمال الحج باعتبار التعدّد للأفعال، لأن الحج عمل واحد، ولا يتم إلا بفعل ما اعتبره الشارع من المناسك، والإخلال بواحد من أركانه يستلزم عدم إجزائه.
стр. 609
حكم من ظهر له وجوب الصيام نهاراً
مالحكم فيمن ظهر له وجوب الصيام عليه من النهار، كالمجنون يفيق، والصبي يحتلم، والكافر يسلم، وكمن انكشف له من النهار أن ذلك اليوم من رمضان؟ أما على مذهب أبي حنيفة وأصحابه فالحكم واضح؛ إذ يعتبرون صوم من نوى قبل منتصف النهار صحيحاً.
وعلى مذهب القائلين بوجوب تبييت النية من الليل لا يصحّ صومُهم، ولا خلاف في ذلك عند الشافعية (١) .
وقد نصّ الشافعي ﵀ على أن من أصبح لا يرى أن يومه من رمضان، ولم يطعم، ثم استبان ذلك له، فعليه صيامه وإعادته (٢) .
وابنُ حزم يصحّح صوم الناسي، والنائم، والجاهل، بنيّة من النهار، بل يرى أنَّ هؤلاء إن أكلوا وشربوا وحصل منهم الجماع، ثم ظهر لهم أن يومهم من رمضان وجب عليهم الإمساك وأجزأ عنهم، وقد احتجَّ على ما ذهب إليه بأن الرسول ﷺ أمر من أكل في نهار عاشوراء بالكف والإمساك، ولم يثبت أنه أمرهم بالقضاء (٣) .
وابن حجر لم يرتض ذلك الاحتجاج: "لأنَّ الأمر بالإمساك لا يستلزم الإجزاء، فيحتمل أن يكون أمراً بالإمساك لحرمة الوقت، كما يؤمر من قدم من سفر في رمضان نهاراً، وكما يؤمر من أفطر يوم الشك، ثم رأى الهلال. وكل ذلك لا ينافي أمرهم بالقضاء".
وقد بينّ ابن حجر أن الرسول ﷺ أمر بالقضاء صريحاً في حديث أخرجه أبو داود والنسائي، وفيه أنَّ أسلم أتت النبي ﷺ فقال: "صمتم يومكم هذا؟ " قالوا: لا، قال: "فأتموا بقية يومكم واقضوه".
ثم بينّ أنه على تقدير عدم ثبوت هذا الحديث في الأمر بالقضاء فلا يتعينّ ترك
стр. 610
القضاء، لأنَّ من لم يدرك اليوم بكماله لا يلزمه القضاء، كمن بلغ أو أسلم أثناء النَّهار" (١) .
الليل كلة وقت للنية
لا تصحّ النيةُ قبل بداية الليل، فلو نوى قبل دخول الليل بلحظة لم يصح (٢) ، وفي مذهب الحنابلة (٣) إن نوى من النهار صوم الغد لم تجزئه تلك النيّة إلا أن يستصحبها إلى جزء من الليل. وقد روى سعيد بن منصور عن أحمد: من نوى الصوم عن قضاء رمضان بالنهار، ولم ينو من الليل فلا بأس، إلا أن يكون فسخ النيّة بعد ذلك، فظاهر هذا حصول الإجزاء بنيّة من النَّهار، إلا أن القاضي قال: هذا محمول على من استصحب النيّة إلى جزء من الليل، وهذا صحيح ظاهر، لقوله ﷺ : "لا صيام لمن لم يبيت من الليل".
وكما لا تصح النيّة قبل الغروب لا تصح بعد انقضاء الليل ولو بلحظة، خلافاً لأبي حنيفة كما سبق، وهل تصح مع الفجر؟ قال النووي: الصحيح لا تصحّ، لأن أول وقت الصوم يخفى، فوجب تقديم النيّة عليه، بخلاف سائر العبادات (٤) .
والليل كلّه محلّ للنيّة، وقد خطأ علماء الشافعية وغيرهم أبا الطيب بن أسامة من الشافعية فيما ذهب إليه من أن النيّة لا تصح إلا بعد منتصف الليل، قال النووي: "واتفق أصحابُنا على تغليطه" (٥) .
وقد قاس أبو الطيّب الصوم على أذان الصبح والدفع من مزدلفة.
قال النووي: وهو قياس عجيب، وأي علّة تجمعهما؟ ولو جمعتهما علّة فالفرق ظاهر، لأنَّ اختصاص الأذان والدفع بالنصف الثاني لا حرج فيه، بخلاف النيّة، فقد يستغرق كثير من الناس النصف الثاني بالنوم، فيؤدي إلى تفويت الصوم، وفي هذا حرج شديد لا أصل له (٦) .
стр. 611
ومما يدلّ على خطئه أنَّ قوله ﷺ : "لا صيام لمن لم يبيت الصوم من الليل" ليس فيه هذا التحديد الذي حدّه، بل يفهم منه أنَّ من نوى في أي جزء من الليل صحَّ صومه.
ومما يدل على بطلان قياسه أن الأذان والدفع من مزدلفة "يجوزان بعد الفجر بخلاف نية الصوم، ولأنَّ اختصاصهما بالنصف الأخير بمعنى تجويزهما فيه، واشتراط النيّة بمعنى الإيجاب والحتم وفوات الصوم بفواتها، وهذا فيه مشقة ومضرة بخلاف التجويز، ولأن منعهما في النصف الأول لا يفضي إلى اختصاصهما بالنصف الأخير لجوازهما بعد الفجر، والنية بخلافه".
٣- صوم النذر:
يجب تبييت النية من الليل في صوم النذر عند جماهير العلماء؛ لأنَّ النذر كالواجب، وبذلك قطع جمهور فقهاء الشافعية، وقد حكى بعضهم فيه وجهين بناء على أنّه يسلك بالنذر مسلك واجب الشرع، أو جائزه ومندوبه إن قلنا كواجب لم يصح بنيّة من النهار وإلا فيصح كالنفل.
وجمهور فقهاء الشافعية لم يجروا الخلاف في هذه المسألة في الصوم المنذور كما أجروها في بقية المسائل، وذلك لأنّ الحديث هنا عام في اشتراط تبييت النية للصوم، خص منه النفل بدليل، وبقي النذر على عمومه (١) .
ومذهب أبي حنيفة وأصحابه أن النذر المعينّ يجوز بنيّة من النهار، لأنه كصوم رمضان، لأنَّ الوقت متعين لصومه كما سبق.
أمّا النذرالمطلق فلابدَّ له من نية من الليل، وذلك لأنَّ الوقت غير متعين لصيامه (٢) ، وقد سبق أن بيّنا أنَّ هذا الذي اعتمدوه في التفرقة هنا، وفي غير هذا الموضع، لا يصح أن يكون مفرقاً.
٤- صوم النفل:
الإمام مالك - رحمه الله تعالى - لا يجيز صوم النفل إلا بنيّة من الليل كالفرض،
стр. 612
وقال بهذا القول غير مالك عبد الله بن عمر، وزفر من الأحناف، وداود الظاهري، وتابعه ابن حزم، وبه قال المزني (١) من الشافعية، ونقل ابن المنذر عن مالك أنه استثنى من يسرد الصوم، فصحح نيته من النهار (٢) ، وحجة هؤلاء قوله ﷺ : "لاصيام لمن لم يبيّت الصيام من الليل".
وذهب جماهير العلماء إلى أنَّ صوم النفل يصحُّ بنيّة من النهار، وبذلك قال علي ابن أبي طالب (٣) ، وابن مسعود وحذيفة بن اليمان، وطلحة، وابن عباس، وأبو حنيفة، وأحمد، والشافعي، وسعيد بن المسيّب (٤) ، وسعيد بن جبير، والنخعي، وآخرون (٥) . وقال ابن حزم: "قال بهذا جمهور السلف" (٦) .
واحتجّ هؤلاء بحديث عائشة ﵂ قالت: "دخل النبي ﷺ ذات يوم، فقال: "هل عندكم شيء؟ " قلنا: لا. قال: "فإني إذن صائمٌ" (٧) ، وفي رواية قال: "إذن أصوم" (٨) .
وروى البيهقي والشافعي بالإسناد الصحيح عن حذيفة أنّه بدا له الصوم بعد ما زالت الشمس (٩) .
стр. 613
قالوا: حديث تبييت النية عام، فنخصه بما ذكرناه جمعاً بين الأحاديث.
ومع أنَّ ابن حزم روى حديث عائشة السابق، وروى عن عشرة من الصحابة أنَّهم كانوا يعزمون على صوم النفل في النَّهار إلا أنه لم يقل بجواز صيام النفل بنيّة من النهار.
قال: "لأنّه ليس في الحديث أنَّه ﷺ لم يكن نوى الصيام من الليل، ولا أنَّه ﷺ أصبح مفطراً، ثم نوى الصوم بعد ذلك، ولو كان هذا في ذلك الخبر لقلنا به، لكن فيه أنَّه ﷺ كان يصبح متطوعاً صائما ثم يفطر، وهذا مباح عندنا....، فلما لم يكن في الخبر ما ذكرنا، وكان قد صح عنه ﷺ : "لا صيام لمن لم يبيته من الليل" لم يجز أن نترك هذا اليقين لظنٍ كاذب، ولو أنَّه ﷺ أصبح مفطراً ثمَّ نوى الصوم نهارا لبيّنه" (١) .
وتابع الصنعاني من المتأخرين ابنَ حزم فيما ذهب إليه، فبعد أن ساق حديث عائشة الذي احتجّ به الجمهور قال: "فالجواب عنه أنه أعمّ من أن يكون بيَّت الصوم أو لا، فيحمل على التبييت، لأنّ المحتمل يردّ إلى العامّ ونحوه" (٢) .
ثم قال: "والأصل عموم حديث التبييت، وعدم الفرق بين الفرض والنفل والقضاء والنذر، ولم يقم ما يرفع هذين الأصلين فتعينّ البقاء عليهما" (٣) .
والجواب على ما ذكراه:
أولاً: أنّ ابن حزم تناقض هنا تناقضا بينا، فهو يرى أنَّ من نوى في حال صيامه أنّه تارك للصوم عامداً بذلك ذاكراً لصومه، إلاّ أنَّه لم يأكل، ولم يشرب، ولا وطيء، ولا فعل فعلا ينقض الصوم، فإنَّ صومه قد بطل وأنّه أفطر (٤) .
ووجه التناقض أنّه يرى أنَّ من نوى قطع الصوم وتركه فإنَّ صومه يبطل، والرسول ﷺ عندما دخل على عائشة طلب طعاما ليأكله، فلما لم يجد شيئاً قال: إنِّي صائم، فإذا كان نوى الصوم من الليل، وكان الصوم لا يجزيء بنيّة إلا من الليل، فعلى
стр. 614
قول ابن حزم يعتبر صيام الرسول ﷺ باطلا. ولما لم يكن باطلا حتما، فيلزمه أحد أمرين: الأول: القول بأنّ من عزم على قطع نيّة الصوم أو تركه لا يبطل صومه بذلك. والثاني: أن يجيز الصوم بنية من النهار.
ثانياً: ورد في رواية البيهقي "إذن أصوم"، كما ورد عن الصحابة الذين روى ابن حزم أقوالهم ما يدلّ على أنهم كانوا يحدثون النيّة من النّهار، فعائشة تقول: "إنّي لأصبح يوم طهري، وأنا أريد الصوم، فأستبين طهري فيما بيني وبين نصف النهار، فأغتسل، وأصوم".
وروي عن عُبيد الله بن عمر أنّ أبا هريرة كان يصبح مفطراً، فيقول: هل من طعام؟
فيجده أو لا يجده، فيتم ذلك اليوم.
وسأل رجل علي بن أبي طالب، فقال: أصبحت ولا أريد الصوم؟ فقال له علي: أنت بالخيار بينك وبين نصف النهار، فليس لك أن تفطر، وكذلك قال أكثر من صحابي (١) .
والصحابة أعلم بالتنزيل وبمراد الرسول ﷺ منّا، خاصّة ورواية البيهقي تكاد تكون صريحة في أن الرسول ﷺ أحدث النيّة من النهار.
المدى الذي يصحّ أن يحدث فيه النيّة من النَّهار:
ذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن المتنفل يجوز له أن يحدث الصوم بنيّة من النهار، إلا أنهم حدّوا منتصف النهار كحدّ أقصى، فلا يجوز عندهم أن ينوي الصوم بعد منتصف النهار (٢) ، قالوا: "لأنَّ الصوم هو الإمساك عن الغداء، وتأخير العشاء إلى اللّيل، وبعد الزوال لا يجوز؛ لأنه لم يوجد الإمساك عن الغداء لله تعالى" (٣) .
وذهب الشافعي في القديم إلى القول بقولهم، وذهب في الجديد إلى صحة صوم من نوى بعد الزوال، وهو قول معظم أصحاب الشافعي، وقال الأصحاب بناء على ذلك:
стр. 615
"يصحّ في أيّ لحظة، لكن يشترط ألا يتصل غروب الشمس بالنيّة، بل يبقى بينهما زمن ولو أدنى لحظة" (١) .
وهذا مذهب الحنابلة أيضاً أنه: "يصح صوم النفل بنية من النهار قبل الزوال وبعده، هذا هو المذهب، نصّ عليه، وعليه أكثر الأصحاب" (٢) .
وهذا القول هو الراجح؛ لأنَّ النصوص الدالة على جواز الصوم بالنيّة من النّهار لم تُفرّق بين إحداث النية قبل الزوال وبعده.
شروط من أجاز صوم النفل بنيّةٍ من النهار:
يشترط الذين يقولون بصحة صيام من أحدث النية من النهار ألا يأتي بمناف قبل أن ينوي من أكل أو شرب أو جماع.
وذهب أبو العباس بن سريج (٣) ، ومحمد بن جرير الطبري إلى أن من شرب أو أكل أو جامع من النهار، ثم نوى بعد ذلك الصوم تطوعاً صحّ صومه (٤) .
قال النووي: "وهذا خلاف قول جماهير العلماء" (٥) .
ويدلّ على بطلان هذا القول أن القرآن اشترط الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى الليل، فهذا الذي تناول المفطرات عمداً في النهار لا يصحّ الصوم منه، لأنه أكل بعد الفجر، فالشارع أباح تأخير النيّة، ولم يبح ابتداء الصوم لمن تناول مفطراً من النهار.
المقدار الذي يثاب عليه الناوي من النهار:
قال الشافعي يثاب من حين نوى (٦) ، ويمكن أن يحتجّ له بقوله ﷺ : "إنما الأعمال
стр. 616
بالنيات، وإنما لكلّ امريء ما نوى"، فهذا لم ينو الصوم إلا بعد مضي جزء من النهار، فليس له من الثواب إلا المقدار الذي نواه.
وهذا مذهب الحنابلة، قال صاحب الإنصاف: "الثواب من وقت النية على الصحيح من المذهب" (١) .
ولعل ما ذهب إليه الأحناف (٢) من أنَّه يُثاب على النَّهار كلّه أصحّ؛ لأنه يلزم على قول الشافعية والحنابلة أن يكون الصوم متجزئاً، ونحن نعلم أنّ الصوم إنَّما يكون يوماً كاملاً من الفجر إلى الليل، وهذا أمسك النَّهار كلَّه وأخّر النيّة، وفضل الله واسع فلا يحجر، فيثاب الناوي نهارا على اليوم كلّه، كما يثاب من يدرك بعض صلاة الجماعة ثواب الجماعة، وذلك بالانعطاف الذي اقتضاه فضل الله تعالى.
صفة النيّة في الصوم
أما الصوم فلا يتأدى بمجرد نيّة الفعل، بل لابد من أن ينوي صوم رمضان، والسبب في هذا أنَّ الصوم منه التطوع ومنه الواجب، والواجب قد يكون عن شهر رمضان أو كفّارة أو نذر، ولا يتميز رمضان عما سواه إلا بقصده قصداً واضحاً بحيث لا يختلط بغيره.
وهذا مذهب الإمام مالك والشافعي، وأحمد في أظهر روايتيه، بل إنَّ هؤلاء الأئمة الأعلام قالوا بوجوب نيّة الفرضية في الصوم، وممن قال بذلك إسحاق وداود الظاهري، وإن كان الأرجح في مذهب الشافعية والحنابلة عدم اشتراطها.
وخالف الإمام أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- وجميع أصحابه، فقالوا: يتأدى صوم شهر رمضان بنيّةٍ مطلقة من المقيم الصحيح، بل ويتأدى عندهم بنيّة النفل، ونيّة القضاء والكفارة، وحُجَّة أبي حنيفة عدم قابلية المحل؛ لأن شهر رمضان متعينّ لصوم الفرض لمن شهده صحيحاً غير مريض، واحتجّوا بقوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [البقرة: ١٨٥] . والصحيح المقيم شهد الشهر وصامه، فيخرج من العهدة.
وقد أوردنا فيما سبق اعتراض الشافعي ﵀ أن الواجب الموسع قد يتضيق
стр. 617
كما لو أخر صلاة الظهر إلى آخر وقتها بحيث لم يبق من الوقت إلا ما يكفي صلاة الفرض، فيلزم الأحناف -بناءً على ذلك القول- بأن الفريضة هنا تتأدى بنية النافلة، إلا أن الأحناف يُفرّقون بين ما تضيق بحكم شرعي أصلي كرمضان، وبين ما تضيق بفعل الإنسان كما في تأخير الصلاة إلى آخر وقتها وكما في نذر يوم بعينه فالأول يتأدى ولو نوى به شيئاً آخر، والثاني لا يتأدى إلا بقصده بعينه. وأقوى ما يردّ به على هؤلاء قوله ﷺ : "وإنما لكل امريء ما نوى"، وهذا لم ينو الفرض أو رمضان؛ فلا يحصل له، وقد تناقض الأحناف هنا، فقد قالوا في الحجّ: إنّه لا يتأدى بنيّة النفل إذا كان عليه حجَّة الفريضة، وإذا نوى من عليه حجَّة الإسلام عن غيره فإنه يقع عن المحجوج عنه، واحتجوا بقوله ﷺ : "وإنما لكلِّ امريء ما نوى"، ولكنَّهم لم يسيروا على النسق نفسه في الصيام مما جعل مخالفيهم يرمونهم بالتناقض، إلا أن الأحناف رفضوا ذلك، وقالوا: شهر رمضان متعينّ للصوم لمن شهده صحيحاً، بخلاف وقت الحج فإنّه لم يتمحض للحجّ. ولكن أين الدليل على أنَّ ما تعين وقته للعبادة بحيث يصبح ظرفاً لها لا يحتاج إلى تعيينه، ويصحّ أداؤه بنيّة النفل؟! وما الذي أخرج هذه الصورة من الحديث "إنما الأعمال بالنيات"؟!
أما استدلالهم بالآية فلا حُجة فيه، فالآية تأمر بالصوم الشرعي، والصوم الشرعي لابدَّ له من النية التي تحدده وتميزه، وإلا لم يكن صياماً، وفي الحديث (١) "لا صيام لمن لم يجمع الصيامَ من الليل" (٢) .
صوم رمضان
* قال رسول الله ﷺ : "من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر، فلا صيام له" (٣) .
стр. 618
وقال ﷺ : "من لم يبيت الصيام من الليل، فلا صيام له" (١) .
وقال رسول الله ﷺ : "من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له" (٢) .
مذهب كافة العلماء أنَّه لا يصح صوم إلا بنية، سواء أكان الصوم واجبًا أم تطوعًا (٣) .
وحجتهم أن الصوم عبادة محضة لا تتأدى إلا بالنية، والنصوص الدالة على لزوم النية للعبادات تشمل الصوم، هذا عدا النصوص المصرحة بإيجاب النية في الصوم.
وخالف الجمهور عطاء ومجاهد (٤) وزفر (٥) ، في حالة ما إذا كان الصوم متعينًا، بأن يكون الصائم صحيحًا مقيمًا في شهر رمضان، فهذا عندهم لا يفتقر إلى نية، وحجَّتهم أنَّ رمضان مستحقُّ الصوم يمنع غيره من الوقوع فيه، فهم لاحظوا أن الصوم في هذه الحالة متعين بصورته، ولا يحتاج إلى نيّة تميّزه. عن العادات أو تميز مراتبه، يقول الكاساني مبينا ما يمكن أن يحتجّ به لزفر:
стр. 619
"النيّة إنما تشترط للتعين، والحاجة إلى التعيين إنَّما تكون عند المزاحمة، ولا مزاحمة لأنَّ الوقت لا يحتمل إلا صومًا واحداً في حقّ المقيم، وهو صوم رمضان، فلا حاجة إلى تعيين بالنية" (١) .
واحتجّ له أيضاً بأنّ الآية الآمرة بالصيام (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) مطلقة عن شرط النية، والصوم هو الإمساك، وقد أتي به فيخرج عن العهد" (٢) .
من هنا قصر زفر قوله في الصوم الذي لا يحتاج إلى نيّة على صوم رمضان من الحاضر المقيم، أما المسافر فلا بد أن يأتي بالنيّة إذا صام رمضان؛ لأنَّ صوم رمضان غير متعيّن في حقه، فله -عند زفر- أن يصومه نافلة أو قضاء، ولأنَّه لم يشهد الشهر.
أمَّا صوم النَّذر والكفّارة فيشترط لهما النيّة إجماعاً (٣) .
ومن هنا نعلم أن ابن رشد (٤) . لم يصب الحقيقة عندما قرر أن سبب الاختلاف في هذا الموضوع هو الاحتمال المتطرق إلى الصوم: أهو عبادة معقولة المعنى، أو غير معقولة المعنى؟ فهو يرى أن من ذهب إلى أنها غير معقولة المعنى أوجب النية، ومن رأى أنّها معقولة المعنى قال: قد حصل المعنى إذا صام ولم ينو (٥) .
هذا الذي ذهب إليه ليس هو السبب كما بينا؛ إذ الجميع يرون أنّ الصيام
стр. 620
عبادة محضة غير معقولة المعنى، والسبب الحقيقي أن زفر ومن معه يرون أن الصوم متعيّن بنفسه فلا يحتاج إلى نية.
والجمهور يردّون على زفر ومن معه بالنصوص الآمرة بالنية في العبادات عمومًا، وفي الصوم على وجه الخصوص، كقوله ﷺ : "إنما الأعْمَالُ بِالنِّيات" (١) ، وقوله: "لا صِيَامَ لمَنْ لَمْ يُبيِّت الصيَام مِنَ الليْل" (٢) .
ورد الشافعي حجّتهم في أنّ الصوم لا يحتاج إلى نيّة؛ لأنه متعيّن بصورته، إذ له وقت محصور محدود، بأنّ هذا يمكن أن يقع في الصلاة.
فوقت الصلاة قد يتضيّق حتى لا يسع إلا الفرض، ومع ذلك لا بدَّ للصلاة التي وقعت في الوقت المتضيّق من نية (٣) .
وكذلك من نذر أن يصوم شهرًا من هذه السنة، ثم أخره حتى لم يبق إلا شهر واحد، ولا يجوز أن يصومه بغير نيّة بحجّة أن وقته أصبح محصورًا محدودًا.
أما قول زفر: إنَّ الصوم مأمور به في الآية مطلقًا عن شرط النية فمردود عليه؛ لأنَّ اسم الصوم المطلق ينصرف حين الأمر به إلى الصوم الشرعي، وهو: الإمساك عن المفطر مع اقتران النيّة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
مباحث تتعلق بالنية في الصوم:
١- استصحاب حكم النية:
هو شرط من شروط النية، والإتيان بالنية في أول العبادة شرط لا تصح العبادة بدونه.
стр. 621
ولكن هل يجب على العابد أن يبقى ذاكرًا لهذه النية غير غافل عنها طيلة العبادة؟
الجواب: لا، لا يجب عليه ذلك؛ لأن إلزام العباد بهذا في غاية المشقة والكلفة، بل لو قيل بوجوبه لكان من التكليف بما لا يطاق؛ لأن العباد مأمورون بأشياء أخرى غير النية في أثناء العبادة كالصلاة مثلاً، فإنهم مأمورون بالذكر وقراءة القرآن والتفكر والتفهم لذلك كله.
وفي الصيام يشغل العابد بأمور خارجة عن العبادة لا يتذكر معها النية فقد يكون مشغولاً بالبيع والشراء وأعمال الدنيا، بل قد ينام فيغفل عن كل شيء.
من هنا نصّ العلماء على أن الواجب على العابد "استصحاب حكم النية دون حقيقتها"، ويريدون بالاستصحاب هنا أن الشارع حكم بعدم بطلانها حال ذهول العابد عنها، وعزوبها عنه، وكل ما يلزم العابد في هذه الحال ألا يأتي بما ينافيها ويبطلها، كأن ينوي قطعها أو يرفضها.
وسنذكر فيما يلي مسائل لها صلة بهذا الشرط (١) .
(٢) رفض النية:
رفض النية معناه: "تقدير ما وجد من العبادة والنية كالمعدوم".
ورفض العبادة إما أن يكون بعد الانتهاء منها، أو في أثنائها:
(أ) رفض النية بعد تمام العبادة:
رفض الصوم بعد تمامه لا أثر له في إبطاله.
والقول بهذا هو المذهب الصحيح المشهور عند الشافعية.
ومدار الفتوى عند المالكية أن رفض نية العبادة لا أثر له في إبطال الصوم والصلاة وغيرها من العبادات.
стр. 622
ومن الغريب أن يحكي القرافي أن رفض الصلاة والصوم يؤثر ولو بعد الكمال ويقول: هذا هو المشهور عندهم، إلا أنه استشكل هذا بأنه يقتضي إبطال جميع الأعمال.
ولعلّ القول الفصل في هذه المسالة ما قالة ابن رشد: "من ادَّعى أن التكليف يرجع بعد سقوطه لأجل الرفض فعليه الدليل".
(ب) رفض نية الصوم في أثنائه:
إذا رفض العابد العبادة في أثناءها فما الحكم؟ اختلف وجهات نظر العلماء في ذلك:
يرى داود الظاهري وابن حزم بطلان أي عبادة إذا رفضت النية في أثنائها (١) ؛ لأن النية شرطّ في العبادات كلها، وإذا فقد الشرط فقد المشروط، والأعمال بالنيات وذهب جماهير ومنهم مالك والشافعي وأحمد إلى القول بذلك: أي ببطلان العبادة إذا رفضت النية في الصلاة، وخالفهم في هذا أبو حنيفة فقال بعدم البطلان (٢) .
ولكن جماهير العلماء عكسوا القضية في الحج والعمرة، فقد ذهبوا إلى أن هاتين العبادتين لا تبطلان برفض النية.
يقول الحطاب مبينًا هذه المسألة: "الإحرام سواء كان بحج وعمرة أو أيهما أو بإطلاق لا يرتفض، ولو رفضه في أثنائه ولم أر في هذا خلافًا، وهو مذهب الكافة، وهو مذهب مالك والأئمة، وخالف داود الظاهري، فقال: يرفض إحرامه" (٣) .
وقد اختلفت تعليلات العلماء للفرق الذي اقتضى تصحيح الحج والعمرة
стр. 623
حال رفض نيتهما، وإبطال الصلاة في الحال نفسه:
(١) فمنهم من يرى إلى أن الأمر يعود إلى حاجة كل من العبادتين إلى النية فأحكام النيات مغلظة في الصلاة عنها في الحج والعمرة.
(٢) ومنهم من لاحظ طبيعة كل من العبادتين، فقد علمنا أن الشارع لا يبطل الحج بأقوى المفسدات له كالجماع، ويأمر بإتمام العبادة، فالمحظورات لا تؤثر في الخروج من العبادة بخلاف الصلاة، ورأينا الشارع يصحح عبادة الحاجّ الذي نوى مبهمًا إحرامه، أو نوى النفل، وعليه حجة الإسلام، فيقع الفرض.
(٣) ومنهم من نظر إلى أنّ جانب التعبد في الصلاة أكثر وأعظم منه في الحج والعمرة، فهاتان العبادتان تدخلهما الأعمال المالية والبدنية، وقد عهد من الشارع عدم إيجاب النية في جنس هذه الأعمال من غير العبادات.
(٤) ولاحظ بعضهم أن الحج والعمرة عبادتان شاقتان فناسب أن يقال بعدم تأثير الرفض دفعًا للمشقة الحاصلة (١) .
وبقية العبادات: من العلماء من يلحق بعضًا منها بالحج والعمرة في عدم اعتبار رفض النية في العبادة، ومنهم من يلحقه بالصلاة لشيء من الاعتبارات التي ذكرها في العبادتين:
فالصوم مثلاً فيه قولان مشهوران عند العلماء:
فالذي يلحقه بالصلاة لاحظ أن تأثير النيه فيه قوي كالصلاة، وأن طبيعة كل من العبادتين متقاربه إذ تبطلان بفعل شيء من مبطلاتهما.
* ففي صحة الصوم قولان مشهوران في مذهب الشافعية إذا رفضت نيته، أصحهما لا يبطل (٢) . ومذهب المالكية القول بالبطلان (٣) .
стр. 624
* والذي يلحقه بالحج يرى أن الفارق بين الصوم والصلاة يتمثل في أن الصوم ليس له عقد تحرم وتحلل يؤثر فيه القصد؛ ذلك لأن الصلاة يتعلق تحريمها وتحليلها بقصد الشخص واختباره، والصوم بخلافه لأن الناوي ليلاً يصير شارعًا في الصوم بطلوع الفجر، ويفطر بغروب الشمس، وإن لم يشعر بهما، فضعف النية في الصلاة له تأثير كبير بخلاف الصوم، مما يدل على هذا جواز تقديم النية في الصوم في الفرض والنفل، وجواز تأخيرها في النفل، وهذا لا يجوز في الصلاة.
* ومنهم من لا حظ أن الصوم أقل حاجة إلى النيّة من الصلاة؛ لأن الصوم ملحق بالمتروك، بخلاف الصلاة فهي من باب الأفعال.
(٣) قلب نية الصوم وتغييرها:
من مبطلات النية في العبادات تغييرها وقلبها، مذهب ابن حزم هنا كمذهبه في رفض النية وقطعها، فهو يرى أن من صرف نيته من صلاة إلى صلاة مثلاً متعمدًا فصلاته باطلة.
وغيره من العلماء يذهب إلى هذا المذهب، إلا في حالات قليلة.
أقسام النية التي قلبت
الذي يُتصور في قلب النية أقسام:
(١) نقل فرض إلى فرض:
في هذه الحال تبطل الأولى، ولا تصح الثانية، وممن نصّ على هذه ابن قدامة في الصلاة، والشافعي لم يصحّح أن يعد الرجل دراهم أخرجها زكاة ماله فوجده هالكًا - أن يعدّ تلك الدراهم زكاة مال آخر.
* أما قلب النية في الصوم:
فالعلماءُ لا يجيزون قلب شهر رمضان إلى غيره، أما قلب صوم نذر إلى صوم كفارة مثلاً، فالخلاف مبني على ما ذكرناه من قبل: هل رفض النية في الصوم مبطل له أم لا؟
стр. 625
فعلى القول القائل بعدم بطلانه يصح صرف نيته، وعلى القول الآخر يبطل الصوم (١) .
(٢) نقل نفل إلى فرض:
هذا لا يصح في الصلاة بالإجماع، وكذا في الزكاة، وفي الصوم صحح أبو حنيفة صوم الفرض بنية التطوع خلافًا لقول الجمهور، وفي الحج يتأدى الفرض بنية التطوع.
(٣) نقل نفل إلى نفل:
إذا كان النفل مطلقًا فغالب العلماء يرون صحة ذلك، أما إذا كان مقيدًا فالذي نصّ عليه الماوردي عدم الصحة (٢) .
(٤) عدم التشريك في النية:
لا نريد بالتشريك هنا ما ينافي الإخلاص وإنما نريد هنا أن يقصد بالعمل الواحد قربتين، كأن ينوي بالصلاة الرباعية قضاء فائتة وفريضة الوقت الحاضر.
والقاعدة العامة التي يكادُ الفقهاء يجمعون عليها أن هذه النيّة غلط؛ لأن العبادة الواحدة لا يمكن أن تغني غناء عبادتين. إلا أن بعضا منهم استثنى بعض العبادات وحكم بحصول كلتا العبادتين: فمن ذلك منْ نوى بصلاته الفريضة وتحية المسجد، ومن نوى بغسله رفع الحدث الأصغر والأكبر، أو غسل الجمعة والجنابة، أو نوى بتيممه رفع الحدثين: الأكبر والأصغر. والذي يقول بحصول العبادتين بالفعل الواحد في مثل هذه الصور فلأن مراد الشارع يتحقق بحصول الفعل.
أما ما صححّوه من تجويز عبادتين بنية واحدة فالذي يظهر لي فيه أن الشارع قد اعتبر فيه هذين الأمرين المقصودين ولو لم يقصدهما الفاعل، ومن قال: إن الصائم في يوم عرفة قضاء ينال ثواب صيام عرفة ويجزيء عنه من القضاء.
стр. 626
وابنُ حزم يرى بطلان كلّ عبادة قصد بها تحقيق قربتين سواءً أكانت العبادة صلاة أو صومًا أم زكاة ولم يستثن من ذلك إلا من مزج قصد العمرة بالحج في حالة إحرامه بهما والهدي معه؛ لأن هذا هو الحكم.
وغالبية العلماء يرون أنّ من قصد أكثر من عبادة بالفعل الواحد تحصل واحدة منهما ولا تبطل كلها.
وقسم من الأحناف لهم رأي حسن في اعتبار المقصود الذي ينبغي أن يتحقق، فهم يرون أن العبادة الأوجب لها الأولوية، فإذا صام يوماً عن قضاء وكفارة جعل عن القضاء لأنه أوجب، فإن استويا في القوة فله أن يجعلهما إلى أيّ عبادة شاء، كمن نوى صومًا عن ظهار، وكفارة يمين.
(٥) قصد الصوم دفعة واحدة:
وهذا شرط من شروط النية، وقد حقق العز بن عبد السلام القول في هذه المسألة فقال: "تفريق النية على الطاعة يختلف باختلاف الطاعات، والطاعات أقسام:
أولها: طاعة متحددة: وهي التي يفسد أولها بفساد آخرها كالصلاة والصيام، فلا يجوز تفريق النية على أبعاضها.
مثاله في الصيام: أن ينوي إمساك الساعة الأولى وحدها، ثم ينوي إمساك الساعة الثانية، وكذلك يفرد كل إمساك بنية تختص به إلى آخر النهار فإن صومه لا يصح.
وكذلك لو أفرد نية الصلاة على أركانها وأبعاضها، مثل أن يفرد التكبير بنية، والقيام بنية ثانية، والركوع بنية ثالثة. وكذلك إلى انقضاء الصلاة، فإن صلاته لا تصح.
ثانيها: طاعة متعددة كالزكاة والصدقات وقراءة القرآن، فهذا يجوز أن يفرد أبعاضه بالنية، وأن يجمعه في نية واحدة.
فلو فرق النية على أحد جزئي الجملة في القراءة مثل أن قال: بسم الله، أو قال: فالذين آمنوا؛ فالذي أراه أنه لا يثاب على ذلك، ولا يثاب إلا
стр. 627
إذا فرّق النيّة على الجمل المفيدة وجمل القرآن ضربان:
أحدهما: ما لا يذكر إلا قرآنًا كقوله: (كذبت قوم نوح المرسلين) [الشعراء ١٠٥] فهذا يحرم على الجنب قراءته.
الضرب الثاني: ما يغلب عليه كونه ذكرًا ليس بقرآن كقوله: بسم الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، فهذا لا يحرم على الجنب قراءته إلا أن ينوي به القراءة لغلبة الذكر عليه.
ثالثهما: ما اختلف في اتحاده كالوضوء والغسل فمن رآهما متحدين منع من تفريق النية على أجزائهما، ومن رآهما متعددين جوّز تفريق النية على أبعاضهما" (١) .
стр. 628
النيابة في النيات في الصوم
مقدمة وتمهيد هام:
مرادنا بالنية هنا: أن ينوي شخص ما تأدية عبادة عن غيره في صلاة أو صوم أو حج. وقد اختلف العلماء في ذلك بين مانع مطلقًا، ومجيز مطلقًا، ومجيز في بعض دون بعض.
فقد ذهب إلى المنع مطلقًا علماء المعتزلة (١) ، والإمام مالك (٢) وأصحابه.
وذهب إلى الإجازة مطلقًا ابن تيمية في أحد أقواله (٣) .
وذهب جماهير العلماء إلى جواز النيابة في الحجّ، وممن قال بذلك: ابن عباس، وعليّ بن أبي طالب، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وابن أبي ليلى، وإسحاق، وأهل الظاهر، وغيرهم.
ومن هؤلاء المجيزين للنيابة في الحجّ من منع النيابة في الصوم، منهم الشافعي، والثوري، وقال بذلك: ابن عمر، وعائشة، وأبو حنيفة (٤) .
وأجاز أحمد النيابة في صوم النذر خاصة، وهو قول ابن عباس وإسحاق، وأبي عبيد،. والليث بن سعد (٥) .
***
стр. 629
أدلة الذين منعوا مطلقًا
أولاً: النصوص التي تدل بعمومها على منع النيابة:
استدلّوا بقوله تعالى: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) [النجم: ٣٦ - ٣٩]
يقول القرطبي: "أخبر تعالى أنّه ليس للإنسان إلا سعي نفسه، فمن قال إنّ له سعي غيره، فقد خالف الآية" (١) .
ويقول ابن كثير: "كلّ نفس ظلمت نفسها بكفر أو شيء من الذنوب فإنَّما عليها وزرها، لا يحمله عنها أحد، وكذلك لا يحصل من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه" (٢) .
ويعتبر ما دلت عليه هذه الآية قاعدة من قواعد دين الله في كلّ شريعة أنزلها، فقد أخبر هنا أنَّ هذا كان مقررًا في الكتب الماضية العظيمة، وعند الرسل العظام: عند إبراهيم وموسى.
وعندما نجيل النظر في شريعتنا الغراء نرى نصوصًا كثيرة تدلّ على مثل ما دلت عليه الآية الماضية، فمن ذلك قوله تعالى: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: ١٦٤] ، فهذه الآية كتلك في معناها.
وجاءت النصوص تقرر أن الهداية والضلال، والمجاهدة والقعود، والتزكية والقدسية، كلّ ذلك خاص بمن حصل منه: (مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الإسراء: ١٥] .
وقوله: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى
стр. 630
فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) [فاطر: ١٨] ، وقال تعالى: (وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ) [العنكبوت: ٦] .
واحتجوا بقوله ﷺ : "وإنما لكل امريء مَا نَوَى" فإنَّ مفهوم هذه العبارة: أنّه لا يحصل على ما نوى غيره (١) ، والجنَّة يدخلها النّاس بأعمالهم: (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [الأعراف: ٤٣] ، ويصلى الكفرة النار بأعمالهم: (اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) [يس: ٦٤] .
وفي يوم القيامة لا يملك أحد لغيره شيئاً: (يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا) [الإنفطار: ١٩] . وقد قرر هذه الحقيقة رسول الله ﷺ ببيان عام أعلنه على الملأ وعمّ وخصّ، فقد روى أبو هريره ﵁ أن رسول الله ﷺ قام حين أنزل الله عليه (وأنذر عشيرتك الأقربين) [الشعراء: ٢١٤] ، فقال: "يا معشر قريش، -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا بني عبد مناف، اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس ابن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً يا صفية عمّة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً. ويا فاطمة بنت محمد سليني من مالي، لا أغني عنك من الله شيئًا" (٢) .
ثانياً: النصوص المصرحة بمنع النيابة في بعض العبادات:
فقد استدلّوا بحديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه" (٣) .
***
стр. 631
ثالثًا: قالوا: جواز النيابة في العبادات تنافي الغرض من تشريعها:
لأن المقصود من العبادات الخضوع لله، والتوجه إليه، والتذلل بين يديه، والانقياد تحت حكمه، وعمارة القلب بذكره؛ حتى يكون العبد بقلبه وجوارحه حاضرًا مع الله، ومراقبا له غير غافل عنه، وأن يكون ساعيًا في مرضاته، وما يقرب إليه على حسب طاقته، والنيابة تنافي هذا المقصود وتضاده؛ لأنَّ معنى ذلك ألا يكون العبد عبدًا، ولا المطلوب بالخضوع والتوجه خاضعًا، ولا متوجهًا، إذا ناب عنه غيره في ذلك، وإذا قام غيره في ذلك مقامه فذلك القائم هو الخاضع المتوجه، والخضوع والتوجه ونحوهما إنما هو اتصاف بصفات العبودية، والاتصاف لا يعدو المتصف به، ولا ينتقل عنه إلى غيره. والنيابة إنّما معناها أن يكون المنوب عنه بمنزلة النائب، حتى يعدّ المنوب عنه متصفًا بما اتصف به النائب، وذلك لا يصحّ في العبادات كما يصحّ في التصرفات (١) .
يقول العز بن عبد السلام موضحًا هذه المسألة: "لا يثاب الإنسان ولا يعاقب إلا على كسبه واكتسابه؛ لأنَّ الغرض بالتكاليف تعظيم الإله بطاعته، واجتناب معصيته، وذلك مختص بفاعليه؛ إذ لا يكون معظّم الحرمات منتهكًا لها بانتهاك غيره، ولا منتهك الحرمات معظمًا لها بتعظيم غيره، فكذلك لا تجوز الاستنابة في المعاصي والمخالفات، ولا في الطاعات البدنيات إلا ما استثني ... " (٢) .
رابعًا: قالوا: لو صحت النيابة في العبادات البدنية لصحت في الأعمال القلبية كالإيمان وغيره من الصبر والشكر والرضى والتوكل والخوف والرجاء وما أشبه ذلك.
ولو كانت النيابة جائزة، فإنَّ التكاليف ينبغي ألا تكون محتومة على المكلف عينًا لجواز النيابة، فكان يجوز أمره ابتداء على التخيير بين العمل والاستنابة، ولصحّ مثل ذلك في المصالح المختصة بالأعيان من العبادات كالأكل
стр. 632
والشرب والوقاع واللباس، وما أشبه ذلك، وفي الحدود والقصاص والتعزيرات وأشباهها من أنواع الزجر، وكل ذلك باطل بلا خلاف، من جهة أنّ حكم هذه الأحكام مختصة فكذلك سائر العبادات (١) .
خامسًا: احتجّ مالك بعمل أهل المدينة: فعملهم على عدم النيابة، قال
القرطبي: "وهو أقوى ما يحتج به لمالك" (٢) .
***
المجيزون مطلقًا
موقفهم من حجج المانعين:
ذهب بعض العلماء إلى أنَّ قوله تعالى: (وأن ليس للإِنسان إِلا ما سعى) منسوخ، وقد نسب بعض المفسرين القول بذلك إلى ابن عباس (٣) ، وعندي في صحة هذه النسبة إلى ابن عباس نظر، لما سنعلمه بعد من أنّه كان يفتي بألا يصام عن الميت في صوم فرض، بل يُطْعم عنه، ولأنَّه راوي الحديث الذي سبق ذكره: "لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد.." الحديث.
كما نسبت كتب التفسير إلى عكرمة مولي ابن عباس أنَّه كان يقول: "كان هذا الحكم في قوم إبراهيم وموسى، أما هذه الأمة فلها ما سعى غيرها، يدلُّ عليه حديث سعد بن عبادة: هل لأمي إن تطوعت عنها؟ قال: "نعم" (٤) .
ونسبوا إلى بعض أهل العلم أنَّ هذه الآية: (وأن ليس للإِنسان إلا ما سعى) ، خاصة بالكافر، أما المؤمن فله ما سعى غيره (٥) .
وهذه الأقوال: من القول بأنَّ الآية منسوخة، أو أنَّها خاصة بالأمم من
стр. 633
قبلنا، أو خاصة بالكافر غير صحيحة:
أولاً: لأنّ الآية خبر لم يتضمن تكليفًا، وما كان كذلك لا يجري فيه النسخ.
ثانيًا: ولأنَّه قد دلَّ على معناها نصوص كثيرة من الكتاب والسُنة، وقد ذكرنا جملة منها.
ثالثًا: مما يدلّ على بطلان خصوصيتها بالأمم السابقة وجود النصوص الدالة على ما دلت عليه في شريعتنا، وشرع من قبلنا شرع لنا إذا وجد في شرعنا ما يقره ويؤيده.
رابعًا: القول بخصوصيتها بالكافر خلاف الظاهر، وليس عليه دليل.
أدلة المجيزين للنيابة مطلقًا أوفي حال دون حال:
الذين قالوا بالإجازة خصوا النصوص التي استدلّ بها المانعون بمخصصات كثيرة نذكر منها ما يأتي:
١- ما رواه عبد الله بن عباس ﵄ قال: "كان الفضل رديف النبي ﷺ فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه، فجعل النبي ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشقِّ الآخر، فقالت: إنَّ فريضة الله أدركت أبي شيخًا كبيرًا، لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: " نعم". وذلك في حجِّة الوداع" (١) .
٢- حديث أبي رزين العقيلي (٢) ، أنَّه أتى النبي ﷺ فقال: إنَّ أبي شيخ كبير، لا يستطيع الحجّ، ولا العمرة، ولا الظعن، قال: "حج عن
стр. 634
أبيك، واعتمر" (١) .
٣- حديث عبد الله بن الزبير ﵄ قال: "جاء رجل من خثعم إلى رسول الله ﷺ ، فقال: إنَّ أبي أدركه الإسلام، وهو شيخ كبير، لا يستطيع ركوب الرحل، والحج مكتوب عليه، أفأحج عنه؟ قال: "أنت أكبر ولده؟ " قال: نعم. قال: "أرايت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه، أكان ذلك يجزيء عنه"، قال: نعم، قال: "فاحجج عنه" (٢) .
٤- عن ابن عباس ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، فقال النبي ﷺ : "من شبرمة؟ " قال: أخ لي، أو قريب لي. قال: "حجَّ عن نفسك، ثم عن شبرمة". وفي رواية: "هذه عنك، ثم عن شبرمة" (٣) .
ومنها الأحاديث الدالة على صحّة صوم الولي عن ميت عليه صيام من رمضان أو نذر، فمن هذه الأحاديث:
٥- حديث عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" (٤) .
٦- وحديث ابن عباس ﵄: "أنَّ امرأة ركبت البحر فنذرت إن الله ﵎ أنجاها أن تصوم شهرًا، فأنجاها الله ، فلم تصم حتى ماتت، فجاءت قرابة لها (إمَّا أختها أو ابنتها) إلى النبيّ ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: "أرأيت لو كان عليها دين، كنت تقضينه؟ " قالت: نعم.
قال "فَدَيْنُ الله أحقّ أن يقضى، فاقض عن أمك" (٥) .
стр. 635
٧- حديث ابن عباس أيضاً، أن سعد بن عبادة ﵁ استفتى رسول الله ﷺ فقال: "إن أمي ماتت وعليها نذر؟ فقال: "اقضه عنها" (١) .
موقف المانعين للنيابة في العبادات من هذه النصوص الدالة على الجواز ومناقشتهم:
أولاً: تضعيف هذه النصوص:
قالوا يدلّ على ضعفها اضطرابها، ففي بعض الروايات أنَّ الذي سأل الرسول ﷺ رجل، وفي رواية امرأة، وفي رواية أن المسؤول عن الصيام عنه أب، وفي رواية أم، وفي رواية أخت، والمسؤول فيه في رواية حج، وفي أخرى صوم (٢) .
وحسبنا في الردّ عليهم أن هذه التي قالوا: إنَّها مضطربة، اتفق على إخراجها البخاري ومسلم.
وقد حقَّق العلماء أن هذا الاضطراب غير قادح؛ لأنه من باب اختلاف الوقائع، بل في بعض الروايات توضيح لذلك، كتلك الرواية التي أخرجها مسلم، وقد سألت المرأة الرسول ﷺ عن الحجّ عن أمها، والصيام عنها. ثم توجد نصوص من تلك الأحاديث لا اضطراب فيها. وضعفوها أيضاً من جهة مخالفة الرواة لها "عائشة وابن عباس" ﵄ بفتواهما، وهذا غير قادح؛ لأنَّ الحُجة بما روياه.
ثانياً: جعل الشاطبي عدم أخذ العلماء بهذه الأحاديث أو ببعضها دليلاً على ضعف الأخذ بها في النظر، ومما ضعّفها في نظره أنها تدلّ على جواز النيابة في الحجّ، والحج يشتمل على ركعتي الطواف، وقد أجمع العلماء على عدم جواز النيابة في الصلاة (٣) . وهذا الذي ذكره لا يوجب ضعف هذه