← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22886

نداء الريان في فقه الصوم وفضل رمضان

سيد حسين العفاني

Полный текст (1 282 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

ثالثًا: قالوا: جواز النيابة في العبادات تنافي الغرض من تشريعها: لأن المقصود من العبادات الخضوع لله، والتوجه إليه، والتذلل بين يديه، والانقياد تحت حكمه، وعمارة القلب بذكره؛ حتى يكون العبد بقلبه وجوارحه حاضرًا مع الله، ومراقبا له غير غافل عنه، وأن يكون ساعيًا في مرضاته، وما يقرب إليه على حسب طاقته، والنيابة تنافي هذا المقصود وتضاده؛ لأنَّ معنى ذلك ألا يكون العبد عبدًا، ولا المطلوب بالخضوع والتوجه خاضعًا، ولا متوجهًا، إذا ناب عنه غيره في ذلك، وإذا قام غيره في ذلك مقامه فذلك القائم هو الخاضع المتوجه، والخضوع والتوجه ونحوهما إنما هو اتصاف بصفات العبودية، والاتصاف لا يعدو المتصف به، ولا ينتقل عنه إلى غيره. والنيابة إنّما معناها أن يكون المنوب عنه بمنزلة النائب، حتى يعدّ المنوب عنه متصفًا بما اتصف به النائب، وذلك لا يصحّ في العبادات كما يصحّ في التصرفات (١) . يقول العز بن عبد السلام موضحًا هذه المسألة: "لا يثاب الإنسان ولا يعاقب إلا على كسبه واكتسابه؛ لأنَّ الغرض بالتكاليف تعظيم الإله بطاعته، واجتناب معصيته، وذلك مختص بفاعليه؛ إذ لا يكون معظّم الحرمات منتهكًا لها بانتهاك غيره، ولا منتهك الحرمات معظمًا لها بتعظيم غيره، فكذلك لا تجوز الاستنابة في المعاصي والمخالفات، ولا في الطاعات البدنيات إلا ما استثني ... " (٢) . رابعًا: قالوا: لو صحت النيابة في العبادات البدنية لصحت في الأعمال القلبية كالإيمان وغيره من الصبر والشكر والرضى والتوكل والخوف والرجاء وما أشبه ذلك. ولو كانت النيابة جائزة، فإنَّ التكاليف ينبغي ألا تكون محتومة على المكلف عينًا لجواز النيابة، فكان يجوز أمره ابتداء على التخيير بين العمل والاستنابة، ولصحّ مثل ذلك في المصالح المختصة بالأعيان من العبادات كالأكل

стр. 632

والشرب والوقاع واللباس، وما أشبه ذلك، وفي الحدود والقصاص والتعزيرات وأشباهها من أنواع الزجر، وكل ذلك باطل بلا خلاف، من جهة أنّ حكم هذه الأحكام مختصة فكذلك سائر العبادات (١) . خامسًا: احتجّ مالك بعمل أهل المدينة: فعملهم على عدم النيابة، قال القرطبي: "وهو أقوى ما يحتج به لمالك" (٢) . *** المجيزون مطلقًا موقفهم من حجج المانعين: ذهب بعض العلماء إلى أنَّ قوله تعالى: (وأن ليس للإِنسان إِلا ما سعى) منسوخ، وقد نسب بعض المفسرين القول بذلك إلى ابن عباس (٣) ، وعندي في صحة هذه النسبة إلى ابن عباس نظر، لما سنعلمه بعد من أنّه كان يفتي بألا يصام عن الميت في صوم فرض، بل يُطْعم عنه، ولأنَّه راوي الحديث الذي سبق ذكره: "لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد.." الحديث. كما نسبت كتب التفسير إلى عكرمة مولي ابن عباس أنَّه كان يقول: "كان هذا الحكم في قوم إبراهيم وموسى، أما هذه الأمة فلها ما سعى غيرها، يدلُّ عليه حديث سعد بن عبادة: هل لأمي إن تطوعت عنها؟ قال: "نعم" (٤) . ونسبوا إلى بعض أهل العلم أنَّ هذه الآية: (وأن ليس للإِنسان إلا ما سعى) ، خاصة بالكافر، أما المؤمن فله ما سعى غيره (٥) . وهذه الأقوال: من القول بأنَّ الآية منسوخة، أو أنَّها خاصة بالأمم من

стр. 633

قبلنا، أو خاصة بالكافر غير صحيحة: أولاً: لأنّ الآية خبر لم يتضمن تكليفًا، وما كان كذلك لا يجري فيه النسخ. ثانيًا: ولأنَّه قد دلَّ على معناها نصوص كثيرة من الكتاب والسُنة، وقد ذكرنا جملة منها. ثالثًا: مما يدلّ على بطلان خصوصيتها بالأمم السابقة وجود النصوص الدالة على ما دلت عليه في شريعتنا، وشرع من قبلنا شرع لنا إذا وجد في شرعنا ما يقره ويؤيده. رابعًا: القول بخصوصيتها بالكافر خلاف الظاهر، وليس عليه دليل. أدلة المجيزين للنيابة مطلقًا أوفي حال دون حال: الذين قالوا بالإجازة خصوا النصوص التي استدلّ بها المانعون بمخصصات كثيرة نذكر منها ما يأتي: ١- ما رواه عبد الله بن عباس ﵄ قال: "كان الفضل رديف النبي ﷺ فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه، فجعل النبي ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشقِّ الآخر، فقالت: إنَّ فريضة الله أدركت أبي شيخًا كبيرًا، لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: " نعم". وذلك في حجِّة الوداع" (١) . ٢- حديث أبي رزين العقيلي (٢) ، أنَّه أتى النبي ﷺ فقال: إنَّ أبي شيخ كبير، لا يستطيع الحجّ، ولا العمرة، ولا الظعن، قال: "حج عن

стр. 634

أبيك، واعتمر" (١) . ٣- حديث عبد الله بن الزبير ﵄ قال: "جاء رجل من خثعم إلى رسول الله ﷺ ، فقال: إنَّ أبي أدركه الإسلام، وهو شيخ كبير، لا يستطيع ركوب الرحل، والحج مكتوب عليه، أفأحج عنه؟ قال: "أنت أكبر ولده؟ " قال: نعم. قال: "أرايت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه، أكان ذلك يجزيء عنه"، قال: نعم، قال: "فاحجج عنه" (٢) . ٤- عن ابن عباس ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، فقال النبي ﷺ : "من شبرمة؟ " قال: أخ لي، أو قريب لي. قال: "حجَّ عن نفسك، ثم عن شبرمة". وفي رواية: "هذه عنك، ثم عن شبرمة" (٣) . ومنها الأحاديث الدالة على صحّة صوم الولي عن ميت عليه صيام من رمضان أو نذر، فمن هذه الأحاديث: ٥- حديث عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" (٤) . ٦- وحديث ابن عباس ﵄: "أنَّ امرأة ركبت البحر فنذرت إن الله ﵎ أنجاها أن تصوم شهرًا، فأنجاها الله ، فلم تصم حتى ماتت، فجاءت قرابة لها (إمَّا أختها أو ابنتها) إلى النبيّ ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: "أرأيت لو كان عليها دين، كنت تقضينه؟ " قالت: نعم. قال "فَدَيْنُ الله أحقّ أن يقضى، فاقض عن أمك" (٥) .

стр. 635

٧- حديث ابن عباس أيضاً، أن سعد بن عبادة ﵁ استفتى رسول الله ﷺ فقال: "إن أمي ماتت وعليها نذر؟ فقال: "اقضه عنها" (١) . موقف المانعين للنيابة في العبادات من هذه النصوص الدالة على الجواز ومناقشتهم: أولاً: تضعيف هذه النصوص: قالوا يدلّ على ضعفها اضطرابها، ففي بعض الروايات أنَّ الذي سأل الرسول ﷺ رجل، وفي رواية امرأة، وفي رواية أن المسؤول عن الصيام عنه أب، وفي رواية أم، وفي رواية أخت، والمسؤول فيه في رواية حج، وفي أخرى صوم (٢) . وحسبنا في الردّ عليهم أن هذه التي قالوا: إنَّها مضطربة، اتفق على إخراجها البخاري ومسلم. وقد حقَّق العلماء أن هذا الاضطراب غير قادح؛ لأنه من باب اختلاف الوقائع، بل في بعض الروايات توضيح لذلك، كتلك الرواية التي أخرجها مسلم، وقد سألت المرأة الرسول ﷺ عن الحجّ عن أمها، والصيام عنها. ثم توجد نصوص من تلك الأحاديث لا اضطراب فيها. وضعفوها أيضاً من جهة مخالفة الرواة لها "عائشة وابن عباس" ﵄ بفتواهما، وهذا غير قادح؛ لأنَّ الحُجة بما روياه. ثانياً: جعل الشاطبي عدم أخذ العلماء بهذه الأحاديث أو ببعضها دليلاً على ضعف الأخذ بها في النظر، ومما ضعّفها في نظره أنها تدلّ على جواز النيابة في الحجّ، والحج يشتمل على ركعتي الطواف، وقد أجمع العلماء على عدم جواز النيابة في الصلاة (٣) . وهذا الذي ذكره لا يوجب ضعف هذه

стр. 636

الأحاديث؛ إذ ليس مما يضعّف الحديث عدم أخذ العلماء به كما هو مقرر في علم أصول الحديث، والصلاة في الحج "ركعتا الطواف" إنّما جازتا على وجه التبعية؛ إذ هما تابعتان ولم يقصدهما مؤديهما على أنّهما صلاة مستقلة عن الحج. ثالثًا: قالوا هي خاصة بالمأذون لهم بالنيابة: فقد ذكر ابن عبد البر أن حديث الخثعمية التي أذن لها الرسول ﷺ بالحج عن أبيها، محمول عند مالك وأصحابه على الخصوصية (١) ، واستدلّوا على ذلك بقوله ﷺ للسائل: "حج عنه، وليس لأحد بعده" (٢) . ويجاب عن ذلك بأمور: ١- أنَ الخصوصية لا تثبت بغير دليل، فقد دلَّ صريح لفظ الرسول ﷺ باختصاص أبي بُردة بن نيار (٣) بجواز التضحية بعناق دون غيره، حيث قال له: "لا تجزيء عن أحد بعدك" (٤) وكما خصّ خزيمة (٥) دون غيره بكون شهادته بشهادة رجلين (٦) . ٢- وكيف تتمّ دعوى الخصوصية، وقد صحّ في بقية الأحاديث

стр. 637

إذن الرسول ﷺ لغيرها في الصوم عن الأب أو الأم أو الحج عنهما؟ كما أذن لأبي رزين العقيلي (١) . ٣- والرواية التي أوردوها دالة على الخصوصية ضعيفة كما حقق ذلك ابن حجر (٢) . رابعًا: ومنهم من تأول هذه الأحاديث على وجه يوجب ترك اعتبارها مطلقًا: وذلك أنّه قال: سبيل الأنبياء -صلوات الله عليهم-: ألا يمنعوا أحدًا من فعل الخير. يريد أنَّهم سئلوا عن القضاء في الحجّ والصوم، فأنفذوا ما سئلوا فيه، من جهة كونه خيرًا، لا من جهة أنه جاز عن المنوب عنه، هكذا قال الشاطبي، وذكر قريبًا منه ابن العربي، والقرطبي (٣) . وهذا الذي قالوه كلام -بعيد فكيف يُظنّ برسول الله ﷺ أن- يقرَّ السائلين عن خلاف الحق، مجاراة لرغبة السائل في عمل الخير، بل كيف يقول للسائلين: حجّوا، وصوموا، ويجزيء ذلك عن من فعلوه عنه، وواقع الأمر على خلاف ذلك. هذا ما لا يكون أبدًا، ولا يظنّ برسول الله ﷺ ذلك، وغفر الله لهم مقالتهم هذه. خامسًا: حملوا بعض هذه الأحاديث محملاً بعيدًا، فقالوا: قوله ﷺ : "صام عنه وليه" محمول على ما تصحّ النيابة فيه، وهو الصدقة مجازًا؛ لأنَّ القضاء تارة يكون بمثل المقضي، وتارة بما يقوم مقامة عند تعذره، وذلك في الصيام: الإطعام، وفي الحج: النفقة عمّن يحج عنه، أو ما أشبه ذلك (٤) .

стр. 638

وهذا حمل بعيد، يدلّ على ضعفه إذنه ﷺ في الأحاديث الأخرى بالحجّ والصيام، وبقوله للملبي عن شبرمة: "حجّ عن نفسك أولاً، ثم حجّ عن شبرمة". السادس: ردّوا هذه الأحاديث بدعوى أنَّها مخالفة لظاهر القرآن: يقول القرطبي: "رأي مالك أنَّ ظاهر حديث الخثعمية مخالف لظاهر القرآن، فرجح ظاهر القرآن"، وقد رجح القرطبي ظاهر القرآن لأمرين، قال: "ولا شك في ترجيحه من جهة تواتره، ومن جهة أنَّ القول المذكور قول امرأة ظنَّت ظنًا"، ثم أورد إشكالا على ما ذهب إليه، ولم يستطع الردَّ عليه ردا مجزئًا، فقال: "لا يقال: قد أجابها الرسول ﷺ عن سؤالها، ولو كان غلطا لبينه لها، لأنَّا نقول: إنَّما أجابها عن قولها: أفاحج عنه؟ قال: "حجي عنه" (١) . فأين الجواب عن الإشكال الذي أورده؟ ولقد صدق ابن حجر وبرَّ حين قال معقبًا على ما ذكره القرطبي: "وتعقّب بأنَّ في تقرير النبي ﷺ لها على ذلك حجَّة ظاهرة" (٢) . وما ذكره القرطبي ذكره الشاطبي بأجلى من عبارة القرطبي، قال: "هذه الأحاديث على قلتها معارضة لأصل ثابت في الشريعة قطعي، ولم تبلغ مبلغ التواتر اللفظي ولا المعنوي، فلا يعارض الظن القطع، كما تقرر أن خبر الواحد لا يعمل به إلا إذا لم يعارضه أصل قطعي، وهو أصل مالك بن أنس وأبي حنيفة". ثمَّ بين أنَّ هذا الجواب عن الأحاديث هو الجواب القوي المرضيّ، فقال: "وهذا الوجه هو نكتة الموضع، وهو المقصود فيه، وما سواه من الأجوبة تضعيف لمقتضى التمسك بتلك الأحاديث، وقد وضح مأخذ هذا الأصل الحسن" (٣) . وفي الردّ نقول: إنَّ هذا الذي ردّوا به الأحاديث ليس بحسن، فإنَّ ما

стр. 639

قالوه لا يصار إليه إلا إذا لم يمكن التوفيق، وفي حال إمكان التوفيق بين النصوص فلا يعدل عنه، وقد أمكن هنا كما سيأتي بيانه قريبًا. موقف الذين أجازوا النيابة في بعض العبادات من حجج المجيزين مطلقًا: عرضنا موقف المانعين من النيابة تجاه النصوص الدالة على جواز النيابة، فما موقف غيرهم من العلماء؟ جماهير العلماء -كما ذكرنا في مقدمة هذا الفصل- احتجّوا على جواز النيابة في الحج بالأحاديث الأربعة الأولى (١) . فقد أذن الرسول ﷺ فيها للخثعمية، وللخثعمي، ولأبي رزين العقيلي، بالحج عن آبائهم. وأقر ذلك الملبي عن شبرمة بالحج عنه، وإنما اعترض عليه في أمر آخر،. وهو أن عليه أن يحج عن نفسه أولاً، ثم ليحج بعد ذلك عن شبرمة، ومما يستأنس به أنّه ﷺ أذن للولي أن ينوي عن الصغير في الحج (٢) . والشافعي ومن معه أجازوا أن يحجّ المرء نيابة عن غيره، ولكنّه منع النيابة في الصوم مطلقًا، وعندما قيل له: لم فرّقت بين الصوم والحج؟ قال: "قد فرّق الله بينهما، فإن قيل: أنَّى قلت: فرض الله الحج على من وجد إليه سبيلاً، وسن رسول الله ﷺ أن يقضي عمن يحج، ولم يجعل الله ورسوله من الحجّ بدلاً غير الحج". وفرض تعالى الصوم، فقال: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) [البقرة: ١٨٤] ، فقيل: يطيقونه: كانوا يطيقونه، ثم عجَزوا عنه، فعليهم في كل يوم طعام مسكين" (٣) .

стр. 640

وبهذا فرق بين الصلاة، والحج فقال: "وأمر بالصلاة، وسنَّ رسول الله ﷺ ألا تقضي الحائض، ولا يقضي عنها ما تركت من الصلاة، وقال عوام المفتين: ولا المغلوب على عقله، ولم يجعلوا في ترك الصلاة كفارة، ولم يذكر في ذلك كتاب ولا سُنة عن صلاة كفارة من صدقة، ولا أن يقوم به أحد عن أحد، وكان عمل كل امريء لنفسه، وكان الصوم والصلاة عمل المرء لنفسه لا يعمله غيره، وكان يعمل الحج عن الرجل اتباعًا للسنة وبخلافه الصوم والصّلاة" (١) . ثم ذكر فرقًا آخر بين الحجّ والصوم والصلاة، وهو أنَّ الحجّ "فيه نفقة من المال، وليس ذلك في الصوم والصّلاة" (٢) . ومع هذا الفرق الذي ذكره الشافعي إلا أنَّ النصوص الدالَّة على جواز النيابة في الصوم لا تزال قائمة تلزمه بأن يقول بمقتضاها، لكنَّه لا يرى صحتها، وقد بيَّن ضعفها في أكثر من موضع في كتبه، قال الشافعي: "فإن قيل: أفروي عن رسول الله ﷺ أنَّه أمر أحدًا أن يصوم عن أحد؟ قيل: نعم. روى ابن عباس ﵄ وعن النبي ﷺ ؛ فإن قيل: لِمَ لم تأخذ به؟ قيل: حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله ابن عباس ﵄ عن ابن عباس ﵄، عن النبيّ ﷺ : "نذر نذرًا"، ولم يسمّه مع حفظ الزهري، وطول مجالسة عبيد الله لابن عباس. فلما جاء غيره عن رجل عن ابن عباس ﵄ بغير ما في حديثه أشبه ألا يكون محفوظا. فإن قيل: أتعرف الذي جاء بهذا الحديث يغلط عن

стр. 641

ابن عباس؟ قيل: نعم، وروى أصحاب ابن عباس عن ابن عباس أنه قال لابن الزبير: إنَّ الزبير حل من متعة الحج، فروي هذا عن ابن عباس أنَّها متعة النساء، وهذا غلط فاحش" (١) . وقد ساق البيهقي كلام الشافعي، ثمَّ قال (٢) : "يعني به -أي الحديث الذي ضعّفه- حديث الشافعي عن مالك عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس: "أنَّ سعد بن عبادة (٣) استفتى ... " الحديث؛ قال البيهقي: وهو حديث صحيح رواه البخاري ومسلم من رواية مالك وغيره عن الزهري، إلا أن في رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ "أنَّ امرأة سألت يعني عن صوم أمها، وكذلك رواية الحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل (٤) عن مجاهد عن ابن عباس ﵄" (٥) . وقد تكلم البيهقي عن هذه الأحاديث الدالة على جواز صوم الولي عن الميت في "معرفة السنن والآثار"، وبيَّن قوة هذه الأحاديث، واختتم كلامه قائلاً: "وقد أودعها صاحبا "الصحيحين" كتابيهما، ولو وقف الشافعي على جميع طرقها ونظائرها لم يخالفها إن شاء الله تعالى" (٦) . وقال النووي بعد نقله كلام البيهقي، وبعد جزمه بصحّة الأحاديث الدالة

стр. 642

على جواز النيابة في الصوم، قال: "ويتعين أن يكون هذا -جواز النيابة في الصوم- مذهب الشافعي؛ لأنه قال: إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي، واتركوا قولي المخالف له". ثم قال -معتذرًا للشافعي في تضعيفه للحديث-: "وقد صحت في المسألة أحاديث، والشافعي إنَّما وقف على حديث ابن عباس ﵄ من بعض طرقه، ولو وقف على جميع طرقه، وعلى حديث يزيد، وحديث عائشة ﵂ عن النبيّ ﷺ لم يُخالف ذلك" (١) . أما الإمام أحمد ومن ذهب مذهبه من الذين قالوا بجواز النيابة في صوم النذر خاصة فحجّتهم: أولاً: أنَّ السائلة في "الحديث الخامس" (٢) . حديث ابن عباس قد صرَّحت أنَّ أمَّها نذرت أن تصوم شهرًا، ثم توفيت قبل أن تفي بنذرها (٣) . ثانياً: حملوا حديث عائشة -رضى الله عنها-: "الحدث الرابع": "من مات وعليه صوم صام عنه وليه" (٤) . على صوم النذر؛ لأنه قد ورد النهي في حديث ابن عباس ﵄ من النبيّ ﷺ عن أن يصلي أحد عن أحد، أو يصوم أحد عن أحد (٥) ، وقالوا: وفقنا بين هذين النصّين بحمل النهي على النيابة في صوم الفرض، وحملنا الإذن في النيابة على صوم النذر. ثالثًا: قالوا هذا الذي صرنا إليه هو الذي أفتى به رواة هذه الأحاديث، فعائشة ﵂ التي روت: "من مات وعليه صوم صام عنه وليه"، وابن عباس ﵄ الذي روى إفتاء الرسول ﷺ للمرأة بأن تصوم عن أمها، لم يفهما من هذه النصوص جواز النيابة في صوم الفرض، فقد

стр. 643

أخرج الطحاوي عن عَمْرة أن أمّها ماتت وعليها من رمضان، فقالت لعائشة: ﵂ أقضيه عنها؟ قالت: "بل تصدقي عنها مكان كلّ يوم نصف صاع على كل مسكين" (١) . وابن عباس ﵄ أفتى: "إذا مرض الرجل ثم مات ولم يصم، أطعم عنه، ولم يكن عليه قضاء، وإن كان عليه نذر قضي عنه" (٢) . قالوا: فرواة الأحاديث لم يفهموا منها جواز النيابة في صوم الفرض، وقد تقرّر عند علماء الشريعة، أن راوي الحديث أدرى بمعنى ما روى، لا سيما إذا كان ما فهم هو الموافق لقواعد الشريعة وأصولها، كما هو الشأن هنا، خاصة إذا كان الراوي من كبار فقهاء الصحابة مثل أمّ المؤمنين عائشة ﵄، وحبر هذه الأمة ابن عباس ﵄. رابعًا: قالوا وفي هذا الذي صرنا إليه رفع للإشكال الذي سببّه حديث عائشة، فما صرنا إليه فيه إعمال للقاعدة القاضية بأن الفرائض لا تقبل النيابة، وإعمال للنصوص المجيزة للصوم عن الولي. خامسًا: وقد قوى ابن القيم مذهب الحنابلة، وقال: "وهو مقتضى الدليل والقياس" ثم أخذ يبين وجه ذلك: "لأن النَّذر ليس واجبا بأصل الشرع، وإنما أوجبه العبد على نفسه، فصار بمنزلة الدَّيْن الذي استدانه، ولهذا شبَّهه النبيّ ﷺ بالدّيْن في حديث ابن عباس ﵄، والمسؤول عنه فيه: أنَّه كان صوم نذر". وتابع استدلاله قائلاً: "والدَّين تدخله النيابة، وأمَّا الصوم الذي فرضه الله عليه ابتداء فهو أحد أركان الإسلام، فلا تدخله النيابة بحال، كما لا يدخل الصلاة والشهادتين، فإن المقصود منها طاعة العبد بنفسه، وقيامه بحق العبودية التي خلق لها، وأمر بها، وهذا أمر لا يؤديه عنه غيره، كما لا يسلم

стр. 644

عنه غيره، ولا يصلي عنه غيره". ثم أخذ يبين أنَّ النذر أخف حكمًا من الفرض وبذلك يفارقه: "وسر الفرق: أنَّ النذر التزام المكلَّف لما شغل به ذمته، لا أنَّ الشارع ألزمه به ابتداء، فهو أخف حكمًا مما جعله الشارع حقًا له عليه، شاء أم أبى، والذمة تسع المقدور عليه، المعجوز عنه، ولهذا تقبل أن يشغلها المكلَّف بما لا قدرة له عليه، بخلاف واجبات الشرع فإنَّها على قدر طاقة البدن، لا تجب على عاجز"، إلى أن قال: " ... فلا يلزم من دخول النيابة في واجب النذر بعد الموت، دخلوها في واجب الشرع" (١) . أما الذين قالوا بأنّه لا ينوب أحد عن أحد في حج ولا صوم إلا الابن عن أبيه فقد احتجوا بأنَّ السائل في غالب الأحاديث ولد، وحملوا بقيّة الأحاديث على الولد؛ لأنَّ النصوص من أمثال قوله: (وأن ليس للإِنسان إِلا ما سعى) مانعة من النيابة، قالوا: ولا تعارض بين الآية ونيابة الابن؛ لأن الابن من سعي أبيه كما صح الحديث بذلك عن رسول الله ﷺ "إنَّ أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإنَّ ولده من كسبه" (٢) . ويشكل على ما قرروه حديث شُبْرمة الملبي في الحج عن أخيه، وحديث عائشة ﵂ الذي فيه: "من مات وعليه صوم صام عنه وليه"، فإنَّه أطلقه ولم يقيده بالولد، وفي حديث السائلة عن النذر قيل: المسؤول عن الصوم عنها كانت أختها كما في إحدى الروايات. وفي حديث الصدقة تحمل الرسول ﷺ الزكاة عن عمه. ولذا وصف ابن حجر القائلين بقصر النيابة على الولد بالجمود. تحرير محل النزاع بعد أن عرضنا مذاهب العلماء في النيابة وأدلتهم وما ورد عليها من

стр. 645

مناقشات يجدر بنا أن نحرر محل النزاع فنقول: ليس كلّ العبادات موضع خلاف، ولا كلّ الأشخاص تجوز نيابتهم عن غيرهم، ولذا سأبين العبادات التي اتفق العلماء على أنه لا مجال للنيابة فيها، ثم الذين لا تجوز النيابة عنهم باتفاق. أولاً: عبادات لا مجال للنيابة فيها: أ- العبادات القلبية كإيمان القلب وإسلامه، وحبه ورجائه ... فقد اتفق العلماء على أنّه لا مجال للنيابة فيها، ولم يذكروا خلافًا في ذلك، بل لا يتصور الخلاف. ب- العبادات الشبيهة بالعاديّات كالوضوء والغسل والتيمم، وما ذكره بعض الفقهاء من وجوب النيّة في غسل الميّت فليس هو من باب النيابة؛ لأنَّ الميت هنا غير مكلف غسل نفسه، وإنما هو فعل أمُر به الأحياء للأموات، فينوي قصد الفعل الذي أمر به، وكذلك ما ذكروه من غسل الزوج زوجته المجنونة إذا طهرت من حيضها ونفاسها، وغسله للزوجة الذمية إذا طهرت في حيضها ونفاسها قهرًا إذا امتنعت فلا يدخل في هذا الباب؛ لأن المجنونة والذميَّة لو اغتسلتا بنفسيهما صحّ مع أنهما ليستا من أهل النيّة.، فالقول بوجوب غسلهما أو اغتسالهما إنّما هو لمجرد التطهر. وكذلك ما ذكروه من أنّ الشخص قد يوضيء غيره أو ييممه أو يغسله، والمتوضيء والمتيمم والمغتسل من أهل النية، كمن وضّأ مريضاً أو يمم أقطعًا، ليس من باب النيابة؛ لأنَّ هذا الموضيء والمغسل والميمم بمثابة الآلة، فمثله كمثل جهاز من الأجهزة الحديثة يقوم بغسل الإنسان أو توضئته، وكمثل جنب أمطرت السماء فوقف صامدًا تحت المطر ينوي الغسل من الجنابة، فالنية هنا على المتوضيء والمغتسل والمتيمم، لا على من فعل ذلك به، وهذا واضح، وغفل من قال بأن النية على الموضيء. جـ- نقل الطبري وغيره الإجماع على أنَّ النيابة لا تدخل الصلاة (١) ،

стр. 646

ولا يعتدُّ بمخالفة الظاهرية في تجويزهم النيابة في الصلاة المنذورة خاصة لمخالفته للإجماع، وممّن نصَّ على أن الصلاة المنذورة لا تقضي عن الميت الشافعي في اختلاف علوم الحديث (١) . ثانياً: الذين لا تجوز النيابة عنهم: أ- لا تجوز النيابة عن الأحياء القادرين على الفعل؛ فلا يجوز أن ينيب حيّ قادر غيره ليحج عنه أو يصوم عنه، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على عدم جواز النيابة عن القادر في حج واجب (٢) . ب- ولا يجوز أن ينيب الحيُّ غير القادر أحدًا عنه إلا في الحجّ، أما الذي لا يستطيع الصوم فيطعم عن كل يوم مسكينًا، والخلاف في الحيّ غير القادر في الحجّ، إذا كان غير مستطيع بنفسه، ولكنَّه مستطيع بغيره. جـ- ولا تجوز النيابة عن ميّت لم يفرّط ولم يقصّر، فمذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي والجمهور أنَّ من كان عليه صوم، ولم يتمكن من قضائه حتى مات بسبب سفر أو مرض -أو غيرهما من الأعذار- فهذا لا شيء عليه، ولا يصام عنه، ولا يطعم عنه، قال العبدري: وهو قول كافة العلماء إلا طاووسًا وقتادة، فقالا: يجب أن يطعم عنه لكلّ يوم مسكينًا، لأنَّه عاجز فأشبه الشيخ الهرم" (٣) . د- ولا تجوز النيابة عن شخص كان متعمدًا لترك العبادة، يقول ابن القيم: "من ترك الحجّ عمدًا حتى مات، أو ترك الزكاة فلم يخرجها حتى مات فإنَّ مقتضى الدليل وقواعد الشرع أن فعلهما عنه بعد الموت لا يبريء ذمته، ولا يقبل منه، والحق أحق أن يتبع" (٤) . وقال في موضع آخر: "ولا يحج عن أحد إلا إذا كان معذورًا بالتأخير

стр. 647

كما يعطم الولي عمن أفطر في رمضان لعذر". "فأما المفرط في غير عذر أصلا فلا ينفعه أداء غيره عنه لفرائض الله تعالى التي فرط فيها، وكان هو المأمور بها ابتلاءً وامتحانًا دون الولي" (١) . وبهذا يتحرر محل النزاع، فالنزاع بين العلماء في النيابة في العبادات في عبادتين. الأولى: في الصوم عن الميت الذي عليه صوم نذر، أو صوم من رمضان، كان يمكنه قضاؤه، ثم توفّي قبل أن يقضيه. الثانية: في الحجّ في حالتين: في ميّت لم يحجّ ولم يكن متعمدًا للترك، ولكنَّه كان يسوف ويؤجل فوافاه الأجل. وفي حيّ غْير قادر على الحجّ بنفسه، ولكنّه قادر بغيره، بأن ينفق على من يحجّ عنه من ماله، أو يجد من يطيعه من ولد أو قريب إذا أمره بالحجّ عنه. الرأي الراجح: وما ذهب إليه الجمهور من جواز النيابة في الحجّ في الحالتين المذكورتين هو الرأي الراجح الذي تشهد له الأدلة كما بينا، ونرى أنّه تجوز النيابة فيه من الولد ومن غير الولد -خلافًا لمن قيده بذلك-. ومذهب الإمام الشافعي في عدم جواز النيابة في صوم الفريضة مذهب قويّ، إلا أننا نرجح مذهب الحنابلة في جواز النيابة في صوم النذر؛ لصحة الأحاديث في ذلك، على أن يكون النائب وليًا: ولدًا أو أبًا، أما غير الولي فلا؛ وذلك للحديث: "منْ مات وعليه صوم صام عنه وليه". ونستطيع القول بأن العبادات البدنية التي لا مدخل للمال فيها لا تجوز النيابة فيها مطلقًا، وهي الوضوء، والغسل، والتيمم، والصلاة، والصوم غير المنذور. والعبادات المالية تجوز فيها النيابة مطلقًا، ولذلك أقرَّ ﷺ بل حبَّب قضاء الدين عن الميّت، فعن سلمة بن الأكوع: "أن النبي ﷺ أتي بجنازة، فقالوا:

стр. 648

صل عليه. قال: "هل ترك شيئاً؟ " قالوا: لا. قال: "هل عليه دين؟ " قالوا: ثلاثة دنانير، قال: "صلّوا على صاحبكم"، قال رجل من الأنصار -يقال له أبو قتادة-: صلّ عليه يا رسول الله وعليَّ دينه" (١) . وعن أبي قتادة ﵁ نحو من حديث سلمة بن الأكوع، وفيه: "أرأيت إن قضيت عنه، أتصلي عليه؟ قال: إن قضيت عنه بالوفاء صليت عليه، قال: فذهب أبو قتادة فقضى عنه، فقال: أوفيت ما عليه؟ قال: نعم، فدعا رسول الله ﷺ فصلى عليه" (٢) . ويدلّ على ذلك ما سيأتي من جواز الصدقة عن الميت. أما العبادات التي فيها مدخل للمال كالحجّ، فالراجح دخول النياية فيها لأجل ذلك. -وبناء على هذا الأصل-: جاز للولي أن يقوم بتفريق زكاة مال اليتيم، وزكاة مال المحجوز عليه لجنون أو سفه، وجاز أن يفوض الرجل غيره في التصرف في ماله بما في ذلك إخراج الزكاة عنه. إهداء ثواب العبادة للأموات هذه المسألة شديدة الارتباط بالمسألة السابقة، بل إنَّ الفقهاء يعرضون هاتين المسالتين، وكأنهما مسألة واحدة. والأقوال فيهما متقاربة: فالإمام مالك -رحمه الله تعالى- منع من إهداء الثواب مطلقًا، وبذلك قالت المعتزلة (٣) . وذهب ابن تيمية إلى جواز إهداء ثواب ما يتعبد به المرء للميّت مطلقًا، أي سواء أكان صلاة، أم صيامًا، أم حجًا، أم قراءة قرآن (٤) .، وقد انتصر

стр. 649

ابن القيم لشيخه في كتاب "الروح"، و"أطال الاستدلال" و"الاحتجاج لنصرة هذا المذهب. وأجاز الإمام أحمد وبعض الشافعية إهداء ثواب قراءة القرآن إلى الأموات (١) ، ومنع من ذلك الشافعي -رحمه الله تعالى- كما منعه مالك. ويرى بعض العلماء أن جواز الإهداء مقصور على الابن، فيجوز له أن يهدي لأمه وأبيه، ولا يجوز من غيره (٢) . حجج المانعين: احتج المانعون هنا بالحجج نفسها التي استدلّ بها مانعو النيابة في العبادات، وقد سبق ذكرها. حجج المجيزين: احتجوا بالنصوص التي تدل على جواز النيابة. وبالنظر في هذه الأدلة والنصوص التي ساقوها نجد أنها لا تنهض للاستدلال على جواز إهداء الثواب إلى الميت في كل العبادات. النية: ركن أم شرط في الصوم ؟ * مذهب الحنابلة أن النية في العبادات شرط في صحتها. * ومذهب الأحناف كمذهب الحنابلة باستثناء الوضوء والغسل، فإنها سنة فيهما عندهم. * ومذهب المالكية كمذهب الحنابلة والأحناف كما أشار لذلك ابن العربي (٣) . * واختلف علماء الشافعية -كما يقول النووي- في نية الصلاة: هل هي

стр. 650

ركن أم شرط.؟ الأكثرون هي فرض وركن من أركان الصلاة. وممن عدها ركنًا إمام الحرمين -الجويني-. ومال الغزالي في "الوسيط" إلى عدّها شرطا في الصلاة، ونفى أن تكون من الأركان، إلا أنه جعلها في الصوم ركنًا (١) . * وحجة الحنابلة والأحناف والمالكية ومن وافقهم من الشافعية في أن النية شرط حديث "إنما الأعمال بالنيات" فالحديث يقضي بعدم المشروط عند عدم الشرط، فإذا قدرنا أن الذات الشرعية لا تكون إلا بالنية انتفت الشرعية بانتفاء النية، وهذا هو معنى الشرط. * وإذا قدرنا "الصحة" التي هي أقرب المجازين إلى الحقيقة - أفاد انتفاء الصحة بانتفاء النية. * وليست النية ركنًا عندهم، لأن ركن الشيء ما يتم به، وهو داخل فيه، والنية هنا ليست داخلة في العبادة، بل العبادة متوقفة عليها لا تصح إلا بها. * ومذهب الذين عدّوا النيّة ركنًا من الشافعية لا غبار عليه في العبادات التي يشترطون أن تكون النيّة فيها مقارنة لأول العبادة، ففي الصلاة يرى الشافعية أن النية يجب أن تقارن التكبير، ولا يجوز أن تتقدم عليه. * وعلى ذلك فيمكننا أن نقرر أن النية ينبغي أن تكون شرطا في العبادات إذا أجزنا تقدّم النيّة على العبادة، وركنًا إذا قلنا بوجوب مقارنتها لأول العبادة، أما القول بتقدم النيّة على العبادة كالصوم، ثم عدّها في هذه الحالة ركنًا - فهذا خطأ بيّن" (٢) . الصوم في السفر المفطرون أقسام: * قال ابن رشد في "بداية المجتهد" (٢/١٦٥) :

стр. 651

"المفطرون في الشرع على ثلاثة أقسام: القسم الأول: صنف يجوز له الفطر والصوم بإجماع. القسم الثاني: وصنف يجب عليه الفطر على اختلاف في ذلك بين المسلمين. القسم الثالث: وصنف لا يجوز له الفطر. وكل واحد من هؤلاء تتعلق به أحكام. * أما الذين يجوز لهم الأمران: أ- فالمريض: باتفاق. ب- والمسافر: باختلاف. جـ- والحامل والمرضع. د- والشيخ الكبير. وهذا التقسيم كله مجمع عليه. * أما المسافر فالنظر فيه في مواضع: (١) هل إن صام أجزأه صومه أم ليس يجزئه؟ (٢) هل إن كان يجزيء المسافر صومه، الأفضل له الصوم أو الفطر أو هو مخير بينهما؟ (٣) وهل الفطر الجائز له هو في سفر محدود أم في كل ما ينطلق عليه اسم السفر في وضع اللغة؟ (٤) ومتى يفطر المسافر؟ (٥) ومتى يمسك؟ (٦) وهل إذا مرّ بعض الشهر له أن ينشيء السفر أم لا؟ (٧) ثم إذا أفطر ما حكمه؟ * وأما المريض فالنظر فيه أيضاً في تحديد المرض الذي يجوز له فيه الفطر وفي حكم الفطر.

стр. 652

المسألة الأولى [إن صام المريض أو المسافر هل يجزيه ؟] إن صام المريض والمسافر هل يجزيه صومه عن فرضه أم لا؟ فإنهم اختلفوا في ذلك، فذهب الجمهور إلى أنه إن صام، وقع صيامه وأجزأه، وذهب أهل الظاهر إلى أنه لا يجزيه، وأن فرضه أيام أخر (١) . قال ابن عبد البر في "التمهيد" (٢٢/٤٨) : "قالوا: المسافر لا يصوم في سفره؛ لأن الله أراد منه صيام أيام أُخر، وهذا قول يروى عن عبيدة وسويد بن غفلة" ثم رد عليه ﵀. * قال النووي في "المجموع" (٦/٢٦٩-٢٧١) : في مذاهب العلماء في جواز الصوم والفطر في السفر "مذهبنا جوازهما وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد والجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. قال العبدري: هو قول العلماء. وقال الشيعة: لا يصح وعليه القضاء، واختلف أصحاب داود الظاهري فقال بعضهم.: يصح صومه، وقال بعضهم: لا يصح. وقال ابن المنذر: "كان ابن عمر وسعيد بن جبير يكرهان صوم المسافر" فقال: وروينا عن ابن عمر ﵄ أنه قال: "إن صام قضاه"، قال: وروي عن ابن عباس فقال: "لا يجزئه الصيام" وحكى أصحابنا بطلان صوم المسافر عن أبي هريرة وأهل الظاهر والشيعة. * قال ابن حجر في "الفتح" (٤/٢١٦) : "اختلف السلف في هذه المسألة فقالت طائفة: لا يجزيء الصوم في السفر عن الفرض، بل من صام في السفر وجب قضاؤه في الحضر لظاهر قوله تعالى: (فعدة من أيام أخر) ، وقوله ﷺ : "ليس من البر الصيام في السفر" (٢) ومقابلة البر الإثم، وإذا كان آثما بصومه لم يجزئه وهذا قول بعض أهل الظاهر، وحكي عن عمر وابن عمر وأبي هريرة والزهري وإبراهيم النخعي وغيرهم، واحتجوا بقوله تعالى: (فمن كان

стр. 653

مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر) قالوا: ظاهره فعليه عدة أو فالواجب عدّة، وتأوله الجمهور بأن التقدير فأفطر فعدة". قال ابن رشد: "وهذا الحذف في الكلام هو الذي يعرفه أهل صناعة الكلام بلحن الخطاب". * ودليل من ذهبوا إلى أن الصوم في السفر لا يصح ما رواه مسلم في "صحيحه" عن رسول الله ﷺ : "ليس البر أن تصوموا في السفر". * وروي مسلم عن جابر أيضاً: أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ كراغ الغميم فصام الناس ثم دعا بقدح ماء فرفعه. حتى نظر الناس إليه ثم شرب، فقيل بعد ذلك أن بعض الناس قد صام، فقال: "أولئك العصاة، أولئك العصاة". * عن أنس ﵁ قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في سفر أكثرنا ظلاً صاحب الكساء، فمنا من يقي الشمس بيده، فسقط الصوام، وقام المفطرون فضربوا الأبنية وسقوا الركاب، فقال رسول الله ﷺ : "ذهب المفطرون اليوم بالأجر" رواه البخاري ومسلم. * وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يكره تؤتى معصيته" (١) . وفي حديث آخر: "إن الله تعالى يحب أن تؤتي رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه" (٢) . * واحتج الجمهور بأحاديث منها: * عن عائشة ﵂: "أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي ﷺ : أأصوم في السفر؟ -وكان في الصيام- فقال: "إن شئت فصم، وإن

стр. 654

شئت فأفطر" (١) . * وعن حمزة بن عمرو ﵁ أنه قال: "يا رسول الله أجد بي قوة على الصيام في السفر فهل عليّ جناح؟ فقال رسول الله ﷺ : "هي رخصة من الله تعالى فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه" رواه مسلم. * وعن أبي الدرداء ﵁ قال: "خرجنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره في يوم حار حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم، إلا ما كان من النبي ﷺ وابن رواحة" رواه البخاري ومسلم. * وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "كنا نسافر مع النبي ﷺ ، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم" رواه الشيخان. * وعن أبي سعيد الخدري وجابر ﵄ قالا: "سافرنا مع رسول الله ﷺ فيصوم الصائم ويفطر المفطر، ولا يعيب بعض على بعض" رواه مسلم. * عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "كنا نغزو مع رسول الله ﷺ في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفًا فأفطر فإن ذلك حسن" رواه مسلم. * وعن ابن عباس ﵄ قال: "سافر رسول الله ﷺ في رمضان فصام حتى بلغ عسفان، ثم دعا بإناء من ماء فشرب نهارًا ليراه الناس، فأفطر حتى قدم مكة"؛ فكان ابن عباس ﵄ يقول: "صام رسول الله في السفر وأفطر، فمن شاء صام ومن شاء أفطر، رواه البخاري. * وعن ابن أبي أوفى ﵁ قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فقال لرجل: "انزِلْ فاجْدَح لي"، قال: يا رسول الله الشمس،

стр. 655

قال: "انزلْ فاجدح" (١) ، قال: يا رسول الله الشمس قال: "انزل فاجدح لي، فنزل فجدح له فشرب، ثم رمى بيده هنا ثم قال: "إذا رأيتم الليل أقبل من ها هنا فقد أفطر الصائم" فهو ظاهر في أنه ﷺ كان صائماً. * وعن عائشة ﵂ قالت: "خرجت مع رسول الله ﷺ في عمرة في رمضان فأفطر رسول الله ﷺ وصمت، وقصّر وأتممت، فقلت: بأبي وأمي أفطرت وصمت، وقصرت وأتممت فقال: "أحسنت يا عائشة" (٢) . ورد الجمهور على استدلال المانعين الصوم في السفر بحديث جابر "خرج النبي ﷺ في رمضان من المدينة ومعه عشرة آلاف من المسلمين، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة فسار ومن معه من المسلمين يصوم ويصومون حتى بلغ الكديد فأفطر وأفطروا" (٣) قال الزهري: وإنما يؤخذ بالآخرة فالآخرة من أمره ﷺ وهذه الزيادة التي في آخره من قول الزهري، وقعت مدرجة عند مسلم ولفظه: "حتى بلغ الكديد فأفطر" قال: وكان صحابة رسول الله يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره. وجزم البخاري في الجهاد أنها من قول الزهري، وفي رواية عند مسلم: "فلما بلغ الكديد بلغه أن الناس يشق عليهم الصيام، فدعا بقدح من لبن ثم أمسكه بيده حتى رآه الناس وهو على راحلته ثم شرب فأفطر" فمن أخذ بظاهر الحديث ظن أن الصوم في السفر منسوخ وأنه ﷺ أفطر بعد أن صام ونسب من صام إلى العصيان، ولا حجة في شيء من ذلك لأن مسلمًا أخرج من حديث أبي سعيد أنه ﷺ صام بعد هذه القصة في السفر ولفظه: "سافر مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صيام، فنزلنا منزلاً، فقال النبي ﷺ : "إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا"، فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر، فنزلنا منزلاً فقال رسول الله ﷺ : "إنكم مصبحو عدوكم فالفطر أقوى لكم فأفطروا"، فكانت عزيمة فأفطرنا. ثم لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السفر"

стр. 656

وهذا الحديث نص في المسألة، ومنه يؤخذ الجواب عن نسبته ﷺ الصائمين إلى العصيان لأنه عزم عليهم فخالفوا وهو شاهد لمن قال: إن الفطر أفضل لمن شق عليه الصوم، ويتأكد ذلك إذا كان يحتاج إلى الفطر للتقوي على لقاء العدو. * وروى الطبري في تهذيبه من طريق خيثمة سألت أنس بن مالك ﵁ عن الصوم في السفر فقال: لقد أمرت غلامي أن يصوم، قال فقلت له: فأين هذه الآية (فعدة من أيام أخر) فقال: إنها نزلت ونحن نرتحل جياعًا وننزل على غير شبع، وأما اليوم فنرتحل شباعًا وننزل على شبع" فأشار أنس إلى الصفة التي يكون فيها الفطر أفضل من الصوم. * ما الجواب عن قول ﷺ : "ليس من البر الصيام في السفر" فسلك المجيزون فيه طرقًا: * فقال بعضهم قد خرج على سبب فيقصر عليه وعلى من كان في مثل حاله، وإلى هذا جنح البخاري في ترجمته "باب قول النبي ﷺ لمن ظُلِّلَ واشتد عليه الحر "ليس من البر الصوم في السفر". وساق الطبري سبب وروده الحديث ولفظه عنده من رواية كعب بن عاصم الاشعري: "سافرنا مع رسول الله ﷺ ونحن في حر شديد، فإذا رجل من القوم قد دخل تحت ظل شجرة وهو مضطجع كضجعة الوجع، فقال رسول الله ﷺ : ما لصاحبكم، أي وجع به؟ فقالوا: ليس به وجع، ولكنه صائم وقد اشتد عليه الحر، فقال النبي ﷺ حينئذ: "ليس من البر أن تصوموا في السفر عليكم برخصة الله التي رخّص لكم"، ثم قال الطبري بعده: فكان قوله ﷺ ذلك لمن كان في مثل هذه الحال. قال ابن دقيق العيد: أخذ من هذه القصة أن كراهة الصوم في السفر مختصة بمن هو في مثل هذه الحالة ممن يجهده الصوم ويشق عليه أو يؤدي به إلى ترك ما هو أولى من الصوم من وجوه القرب، فينزل قوله: "ليس من البر الصوم في السفر" على مثل هذه الحالة، ثم قال ابن دقيق العيد: والمانعون في السفر يقولون: إن اللفظ عام، والعبرة بعمومه لا بخصوص السبب قال: وينبغي أن يتنبه للفرق بين دلالة السبب والسياق والقرائن على تخصيص العام

стр. 657

وعلى مراد المتكلم، وبين مجرد ورود العام على سبب، فإن بين العامين فرقًا واضحًا، ومن أجراهما مجرى واحداً لم يصب، فإن مجرد ورود العام على سبب لا يقتضي التخصيص به كنزول آية السرقة في قصة سرقة رداء صفوان، وأما السياق والقرائن الدالة على مراد المتكلم فهي المرشدة لبيان المجملات وتعيين المحتملات. وقال ابن المنير: هذه القصة تشعر بأن من اتفق له مثل ما اتفق لذلك الرجل أنه يساويه في الحكم، وأما من سلم من ذلك ونحوه فهو في جواز الصوم على أصله والله أعلم. وحمل الشافعي نفي البر المذكور في الحديث على من أبى قبول الرخصة فقال: معنى قوله: "ليس من البر" أن يبلغ رجل هذا بنفسه في فريضة صوم ولا نافلة، وقد أرخص الله تعالى له أن يفطر وهو صحيح وجزم ابن خزيمة وغيره بهذا المعنى. وقال الطحاوي: المراد بالبر الكامل الذي هو أعلى مراتب البر، وليس المراد إخراج الصوم في السفر عن أن يكون برًّا لأن الإفطار قد يكون أبرّ من الصوم إذا كان للتقوى على لقاء العدو مثلاً، وهو نظير قوله ﷺ : "ليس المسكين بالطواف" ... الحديث، فإنه لم يرد إخراجه من أسباب المسكنة كلها، وإنما أراد أن المسكين الكامل المسكنة الذي لا يجد غنى يغنيه ويستحي أن يسأل ولا يفطن له. *** المسألة الثانية [هل الصوم في السفر أفضل أم الفطر] قال ابن رشد في "بداية المجتهد" (٢/١٦٧-١٦٨) : "إذا قلنا أنه -أي المسافر- من أهل الفطر على مذهب الجمهور؛ فإنهم اختلفوا في ذلك على ثلاثة مذاهب: * فبعضهم رأى الصوم أفضل، وممن قال بهذا القول: مالك وأبو حنيفة.

стр. 658

* وبعضهم رأى أن الفطر أفضل، وممن قال بهذا القول: أحمد وجماعة. * وبعضهم رأى أن ذلك على التخيير، وأنه ليس أحدهما أفضل". * ذهب أكثر العلماء إلى أن الصوم أفضل لمن قوي عليه ولم يشق عليه وأطاقه بلا ضرر. وبه قال حذيفة بن اليمان وأنس بن مالك وعثمان بن أبي العاص ﵃، وعروة بن الزبير والأسود بن يزيد وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وسعيد بن جبير والنخعي والفضيل بن عياض ومالك وأبو حنيفة والثوري وعبد الله بن المبارك وأبو ثور وآخرون. وبه قال الشافعي. وهو مذهب الجمهور. * وقال كثير منهم الفطر أفضل عملاً بالرخصة. وهو قول ابن عباس وابن عمر وابن المسيب والشعبي والأوزاعي وأحمد وإسحاق وعبد الملك بن الماجشون المالكي. * وقال آخرون هو مخير مطلقًا وهما سواء. * وقال آخرون: أفضلهما: أيسرهما وأسهلهما عليه وهذا قول مجاهد وِعمر ابن عبد العزيز وقتادة واختاره ابن المنذر لقوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر) فإن كان الفطر أيسر عليه فهو أفضل في حقه، وإن كان الصيام أيسر كمن يسهل عليه حينئذ ويشق جمليه قضاؤه بعد ذلك فالصوم في حقه أفضل والراجح: قول الجمهور. قال ابن حجر في "الفتح" (٤/٢١٦) : "الحاصل أن الصوم لمن قوى عليه أفضل من الفطر، والفطر لمن شق عليه أو أعرض عن قبول الرخصة أفضل من الصوم، وأنه من لم يتحقق المشقة بخير بين الصوم والفطر"، ثم قال بعد ذلك: "والذي يترجح قول الجمهور". المسألة الثالثة [هل الفطر الجائز للمسافر هو في سفر محدود أم غير محدود ؟] قال ابن رشد (٢/١٦٩) .

стр. 659

"وهل الفطر الجائز للمسافر هو في سفر محدود أو في سفر غير محدود؟ * فإن العلماء اختلفوا فيها: فذهب الجمهور إلى أنه إنما يفطر في السفر الذي تقصر فيه الصلاة، وذلك على حسب اختلافهم في هذه المسألة. وذهب قوم إلى أنه يفطر في كل ما ينطلق عليه اسم سفر وهم أهل الظاهر. * والسبب في اختلافهم معارضة ظاهر اللفظ للمعنى، وذلك أن ظاهر اللفظ أن كل ما ينطلق عليه اسم مسافر فله أن يفطر لقوله تعالى: (فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر) وأما المعنى المعقول من إجازة الفطر في السفر فهو المشقة، ولما كانت لا توجد في كل سفر، وجب أن يجوز الفطر في السفر الذي فيه المشقة، ولما كان الصحابة كأنهم مجمعون على الحد في ذلك، وجب أن يقاس ذلك على الحد في تقصير الصلاة". * قال النووي في "المجموع" (٦/٢٦٩) : "فرع في مذاهب العلماء في السفر المجوز للفطر: مذهبنا أنه ثمانية وأربعون ميلاً بالهاشمي، وهذه المراحل مرحلتان قاصدتان وبهذا قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا يجوز إلا في سفر يبلغ ثلاثة أيام كما قال في القصر، وقال قوم: يجوز في كل سفر وإن قصر". *** المسألة الرابعة [متى يفطر المسافر ومتى يمسك ؟] * قال ابن رشد في "بداية المجتهد" (٢/١٧٠-١٧١) : "متى يفطر المسافر ومتى يمسك؟ فإن قومًا قالوا: يفطر يومه الذي خرج فيه مسافرًا، وبه قال الشعبي والحسن وأحمد. وقالت طائفة: لا يفطر يومه ذلك، وبه قال فقهاء الأمصار. واستحب جماعة العلماء لمن علم أنه يدخل المدينة أول يومه ذلك أن يدخل صائماً، وبعضهم في ذلك أكثر تشديدًا من بعض، وكلهم لم يوجبوا على من دخل مفطرًا كفارة. واختلفوا فيمن دخل وقد ذهب بعض النهار، فذهب مالك والشافعي إلى

стр. 660

أنه يتمادى على فطره. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يكف عن الأكل، وكذلك الحائض عنده تطهر تكف عن الأكل. * قال ابن عبد البر في "التمهيد" (٢٢/٤٩-٥٤) : [مالكي] "اتفق الفقهاء في المسافر في رمضان أنه لا يجوز له أن يبيت الفطر؛ لأن المسافر لا يكون مسافرًا بالنية، وإنما يكون مسافرًا بالعمل والنهوض في سفره، ويعمل عمل المسافر ويبرز عن الحضر فيجوز له حينئذ تقصير الصلاة وأحكام المسافر؛ ولا خلاف بينهم في الذي يؤمل السفر أنه لا يجوز له أن يفطر في الحضر حتى يخرج. * واختلف أصحاب مالك في هذا إن أفطر قبل أن يخرج، فذكر ابن سحنون عن ابن الماجشون أنه قال: إن سافر فلا شيء عليه من الكفارة، وإن لم يسافر فعليه الكفارة. قال: وقال أشهب. لا شيء عليه من الكفارة سافر أو لم يسافر، وقال سحنون: عليه الكفارة سافر أو لم يسافر، ثم رجع إلى قول عبد الملك. * قال ابن حبيب: إن كان قد تأهب لسفره وأخذ في الحركة فلا شيء عليه. وحكى ذلك عن أصبغ وعن ابن الماجشون، فإن عاقه عن السفر عائق، كان عليه الكفارة؛ وحسبه أن ينجو إن سافر. وروى عيسى عن ابن القاسم أنه ليس عليه إلا قضاء يوم لأنه متأول في فطره. واختلف الفقهاء في الذي يصبح في الحضر صائماً في رمضان، ثم يسافر في صبيحة يومه ذلك وينهض في سفره: هل له أن يفطر ذلك اليوم أم لا؟ فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم إلى أنه لا يفطر ذلك اليوم بحال. وهو قول الزهري ويحيى بن سعيد والأوزاعي وبه قال أبو ثور.

стр. 661

* اختلفوا -إن فعل- فكلهم قال: يقضي ولا يكفر، وروي عن بعض أصحاب مالك أنه يقضي ويكفر، وهو قول ابن كنانة والمخزومي، وليس قولهما هذا بشيء؛ لأن الله قد أباح له الفطر في الكتاب والسنة وإنما قولهم لا يفطر استحبابًا لتمام ما عقده، فإن أخذ برخصة الله كان عليه القضاء، وأما الكفارة فلا وجه لها، ومن أوجبها فقد أوجب ما لم يوجبه الله. وروي عن ابن عمر ﵄ في هذه المسألة أنه يفطر إن شاء في يومه ذلك إذا خرج مسافرًا، وهو قول الشعبي، وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق: قال أحمد: يفطر إذا برز عن البيوت (١) ، وقال إسحاق، يفطر حين يضع رجله في الرحل -وهو قول داود-. * وقال الحسن البصري: يفطر في بيته إن شاء يوم يريد أن يخرج (٢) . قال أبو عمر: قول الحسن شاذ، ولا ينبغي لأحد أن يفطر، وهو حاضر لا في نظر ولا في أثر، وقد روي عن الحسن خلاف ذلك. ذكر عبد الرزاق عن معمر عمن سمع الحسن يقول: لا يفطر ذلك اليوم إلا أن يشتد عليه العطش، فإن خاف على نفسه أفطر. وقال إبراهيم: لا يفطر ذلك اليوم. * واختلفوا في الذي يختار الصوم في السفر فيصوم ثم يفطر نهارًا من غير عذر، فكان مالك يوجب عليه القضاء والكفارة. وقد روي عنه: أنه لا كفارة عليه وهو قول أكثر أصحابه إلا عبد الملك -فإنه قال: إن أفطر بجماع كفّر؛ لأنه لا يقوى بذلك على سفره ولا عذر له؟ وعلى ذلك مذاهب سائر الفقهاء بالحجاز والعراق: أنه لا كفارة عليه. وروى البويطي عن الشافعي قال: إن صح حديث الكديد (١) لم أر بأسا أن يفطر المسافر بعد دخوله في الصوم في سفره. وروى المديني عنه -كقول مالك-: أنه لا يرى الكفارة على من فعل ذلك.

стр. 662

قال أبو عمر: الحجة في سقوط الكفارة واضحة من جهة النظر؛ لأنه متأول غير هاتك لحرمة صومه عند نفسه وهو مسافر قد دخل في عموم إباحة الفطر، ومن جهة الأثر أيضاً، ثم ساق الأحاديث وقال: "فهذه الآثار كلها تبين لك أن للصائم أن يفطر في سفره بعد دخوله في الصوم مختارًا له في رمضان. * واختلفوا في المسافر يكون مفطرًا في سفره ويدخل الحضر في بقية يومه ذلك: قال مالك والشافعي وأصحابهما -وهو قول ابن علية وداود في المرأة تطهر والمسافر يقدم وقد أفطروا في السفر-: أنهما يأكلان ولا يمسكان. قال مالك والشافعي: ولو قدم مسافر في هذه الحال فوجد امرأته قد طهرت، جاز له وطؤها؛ قال الشافعي: أحب لهما أن يستترا بالأكل والجماع خوف التهمة. * وروى الثوري عن جابر بن زيد أنه قدم من سفر في شهر رمضان فوجد المرأة قد اغتسلت من حيضتها فجامعها. وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "من أكل أول النهار فليأكل آخره". قال سفيان: هو كصنيع جابر بن زيد، ولم يذكر سفيان عن نفسه خلافًا لهما. وقال ابن علية: القول ما قال ابن مسعود ﵁: من أكل أول النهار فليأكل آخره. * وقال أبو حنيفة وأصحابه والحسن بن صالح وعبيد الله بن الحسن في المرأة تطهر في بعض النهار، المسافر يقدم وقد أفطر في سفره: أنهما يمسكان بقية يومهما وعليهما القضاء؛ واحتج لهم الطحاوي بأن قال: لم يختلفوا أن مَنْ غم عليه هلال رمضان فأكل، ثم علم أنه يمسك عما يمسك عنه الصائم. وفرّق ابن شبرمة بن الحائض والمسافر: فقال في الحائض: تأكل ولا تصوم إذا طهرت بقية يومها، والمسافر إذا قدم ولم يأكل شيئًا يصوم يومه

стр. 663

ويقضي" أ. هـ. قال ابن رشد - رادًّا على الطحاوي في قياس السفر على يوم الشك وأنه يشبهه-: "من لم يشبهه به قال: لا يمسك عن الأكل؛ لأن الأول أكل لموضع الجهل، وهذا أكل لسبب مبيح أو موجب للأكل". فائدة: سُنَّة ميتة فتمسك بها: عن محمد بن كعب قال: أتيت أنس بن مالك ﵁ في رمضان وهو يريد سفرًا وقد رحلت راحلته ولبس ثياب السفر فدعا بطعام فأكل فقلت: سُنَّة؟ قال سنة ثم ركب" (١) . وعند الدارمي والبيهقي والدارقطني بلفظ: "أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد السفر، وقد رحلت دابته ولبس ثياب السفر، وقد تقارب غروب الشمس فدعا بطعام فأكل منه، ثم ركب فقلت له سنة؟ قال: "نعم". * عن جعفر بن جبر قال: كنت مع أبي بصرة الغفاري صحاب النبي ﷺ في سفينة من الفسطاط في رمضان فرفع، ثم قرب غداه، قالِ جعفر في حديثه: "فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة، قال: اقترب، قلت: ألست ترى البيوت، قال أبو بصرة: أترغب عن سنة رسول الله ﷺ ؟ قال جعفر في حديثه: فأكل" (٢) .

стр. 664

* عن دحية بن خليفة ﵁ أنه خرج من قريته إلى قريب من قرية عقبة في رمضان، ثم إنه أفطر وأفطر معه ناس، وكره آخرون أن يفطروا، قال: فلما رجع إلى قريته، قال: "والله لقد رأيت اليوم أمرًا ما كنت أظن أن أراه! إن قومًا رغبوا عن هدي رسول الله ﷺ وأصحابه! يقول ذلك للذين صاموا، ثم قال عند ذلك: اللَّهم اقبضني إليك" (١) . * عن اللجلاج وغيره قالوا: كنا نسافر مع عمر ﵁ ثلاثة أميال فيتجوز في الصلاة ويفطر" (٢) . * وعن أنس ﵁ قال: قال لي أبو موسى: ألم أنبِّأ أنّك إذا خرجت خرجت صائماً، وإذا دخلت دخلت صائماً؟ فإذا خرجت فاخرج مفطرًا. وإذا دخلت فادخل مفطرًا" (٣) . * وعن ابن عمر ﵃ أنه خرج في رمضان فأفطر (٤) . * وعن ابن عباس قال: "إن شاء صام وإن شاء أفطر" (٥) . * عن مغيرة قال: خرج أبو ميسرة في رمضان مسافرًا فمرّ بالفرات، وهو صائم، فأخذ منه حسوة فشربه وأفطر (٦) . * وعن سعيد بن المسيب والحسن البصري قالا: يفطر إن شاء (٧) .

стр. 665

* وفي كتاب "المسائل" لإسحاق بن منصور المروزي ما نصه: "قلت - يعني للإمام أحمد-: إذا خرج مسافرًا متى يفطر؟ فقال: إذا برز عن البيوت، فقال إسحاق: يعني ابن راهوية-: بل حين يضع رجله فله الإفطار، كما فعل أنس بن مالك وسنّ النبي ﷺ ، وإذا جاوز البيوت قصر". * يقول الألباني -حفظه الله-: "ولقد أنصف الإمام ابن العربي -رحمه الله تعالى-، فإنه ذهب إلى العمل بالحديث في هذه المسألة خلافًا لكثير من علماء المالكية، وتبعه على ذلك القرطبي وغيره، وسبقهم إلى الجهر بذلك الحافظ ابن عبد البر". فقال ابن العربي في "عارضة الأحوذي" (٤/١٣-١٦) - تعليقًا على الحديث: "وهذا صحيح، لم يقل به إلا أحمد بن حنبل!، فأما علماؤنا -يعني المالكية- فمنعوا منه، لكنهم اختلفوا إذا أكل هل عليه كفارة أم لا؟ فقال مالك في "كتاب ابن حبيب": لا كفارة عليه، وهو يقتضي جواز الفطر مع أهبة السفر". * وقال القرطبي في تفسيره "الجامع لأحكام القرآن" (٢/٢٧٨-٢٧٩) بعد أن حكى الخلاف الذي ذكره ابن العربي-: "قلت: قول أشهب في نفي الكفارة حسن؛ لأنه فعل ما يجوز له فعله، والذمهّ بريئة، فلا يثبت فيها شيء إلا بيقين، ولا يقين مع الاختلاف، ثم إنه مقتضى قوله تعالى: (أو على سفر وقال أبو عمر ابن عبد البر: هذا أصح أقاويلهم في هذه المسألة، ولو كان الأكل مع نية الفطر يوجب عليه الكفارة، لأنه كان قبل خروجه ما أسقطها عنه خروجه، فتأمل ذلك تجده ذلك، إن شاء الله تعالى". وهذا هو الذي استظهره العلامة الصنعاني في "سبل السلام" (٢/٩٢٦) ، وهو الذي نقطع به لهذا الحديث الصحيح فإنه نص في المسألة لا يقبل التأويل، مع تأيده بظاهر القرآن والآثار الصحيحة عن السلف ﵃" (١) .

стр. 666

المسألة الخامسة [هل يجوز للصائم أن ينشئ سفرًا ثم لا يصوم فيه] قال ابن رشد (٢/١٧١- ١٧٢) : "هل يجوز للصائم في رمضان أن ينشئ سفرا، ثم لا يصوم فيه؟ فإن الجمهور على أن يجوز ذلك له. وروي عن بعضهم وهو عبيدة السلماني وسويد بن غفلة وابن مجلز: أنه إن سافر فيه صام ولم يجيزوا له الفطر. والسبب في اختلافهم: اختلافهم في مفهوم قوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) وذلك أنه يحتمل أن يفهم منه أن من شهد بعض الشهر فالواجب عليه أن يصومه كله، ويحتمل أن يفهم منه أن من شهد أن الواجب أن يصوم ذلك البعض الذي شهده، وذلك أنه لما كان المفهوم باتفاق أن من شهده كله فهو يصومه كله، كان من شهد بعضه فهو يصوم بعضه، ويؤيد تأويل الجمهور إنشاء رسول الله ﷺ السفر في رمضان". يريد الله بكم اليسر "هذه هي القاعدة الكبرى في تكاليف هذه العقيدة كلها، فهي ميسرة لا عسر فيها، وهي توحي للقلب الذي يتذوقها، بالسهولة واليسر في أخذ الحياة كلها، وتطبع نفس المسلم بطابع خاص من السماحة التي لا تكلف فيها ولا تعقيد. سماحة تؤدي معها كل التكاليف وكل الفرائض وكل نشاط الحياة الجادة وكأنما هي سيل الحياة الجاري، ونمو الشجرة الصاعدة في طمأنينة وثقة ورضاء مع الشعور الدائم برحمة الله وإرادته اليسر لا العسر بعباده المؤمنين. إن علينا أن نأخذ هذا الدين -كما أراده الله- بتكاليفه كلها، طاعة وتقوى، وأن نأخذه جملة بعزائمه ورخصه، متكاملاً متناسقا في طمأنينة

стр. 667

إلى الله، ويقين بحكمته، وشعور بتقواه. والأحاديث بمجموعها تساعد على تصور ما كان عليه السلف الصالح من إدراك للأمر وصورة سلوك أولئك السلف -رضوان الله عليهم- أملأ بالحيوية، وألصق بروح هذه الدين وطبيعته من البحوث الفقهية ومن شأن الحياة معها وفي جوها أن تنشئ في القلب مذاقًا حيًّا لهذه العقيدة وخصائصها" (١) . صيام المريض اختلفوا في المرض الذي يجيز الفطر: * فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: هو المرض الذي تلحقه المشقة إن صام فيه أو يخاف زيادته. * وقال أحمد: هو المرض الغالب. * وقالت الظاهرية: إذا انطلق عليه اسم المريض أفطر. وسبب اختلافهم: هل المراد بالآية مطلق المرض أم المرض الذي تلحق صاحبه المشقة، أو المرض المتعارف بين الناس أنه يقال لصاحبه مريض. والراجح: ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة لقوله تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) . يقول الشيخ عمر الأشقر: "يجب أن نعلم أن المرض الذي يجوز الفطر به هو المرض الذي يزيد بالصوم، أو يتأخر برؤه به، أما المرض الذي لا يؤثر فيه الصوم فلا يجوز لصاحبه الفطر" (٢) . * قال ابن حجر في "فتح الباري" (٨/٢٨) : "اختلف السلف في الحد الذي إذا وجده المكلف جاز له الفطر، والذي عليه الجمهور: أنه المرض الذي يبيح له التيمم مع وجود الماء، وهو إذا خاف على نفسه لو تمادى على الصوم، أو على عضو من أعضائه أو زيادة في المرض الذي بدأ به أو تماديه. وعن ابن

стр. 668

سيرين: متى حصل للإنسان حال يستحق بها اسم المرض فله الفطر، وقال عطاء: يفطر من المرض كله، وعن الحسن والنخعي: إذا لم يقدر على الصلاة قائمًا يفطر". الأمراض المبيحة للفطر: ا- أمراض القلب كالجلطة الحديثة، والذبحة الصدرية غير المستجيبة للعلاج -وقصور الشرايين التاجية، وهبوط القلب والحمى الروماتيزمية، واضطراب النبض. ٢- أمراض الصدر: الالتهاب الرئوي الشعبي -حالات الدرن الحاد - حساسية الصدر - النزلة الشعبية الحادة. ٣- أمراض الجهاز الهضمي: تليف الكبد - القرحة الحادة المزمنة في العدة أو الاثنى عشر، مرض الإسهال الحاد، أو المزمن. ٤- الحمّيات: كالحمى التيفودية، الحمى المالطية - الالتهاب الكبدي - الالتهاب السحائي - الحصبة - الجدري الكاذب - حمى النفاس - التهاب الغدد اللمفاوية. ٥- أمراض الكلى: التهاب الكلى - البولينا. ٦- الأمراض النفسية: الصرع - الفصام. ٧- أمراض النساء والولادة: الحمل. ٨- أمراض العيون: (الجلوكوما) أو المياه الزرقاء - مرض الشبكية السكري. الحامل والمرضع ماذا عليها إذا أفطرت * روى البخاري عن عطاء أنه سمع ابن عباس ﵄ يقرأ (وعلى الذين يُطوَقونه (١) فدية طعام مسكين) قال ابن عباس: ليست بمنسوخة

стр. 669

"هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فليطعمان مكان كل يوم مسكينًا". قال ابن حجر في "الفتح" (٤/٢٢٢) : "اتفقت الأخبار على أن قوله (وعلى الذين يطيقونه فدية) منسوخ، وخالف في ذلك ابن عباس فذهب إلى أنها محكمة لكنها مخصوصة بالشيخ الكبير ونحوه" وقال أيضًا في "الفتح" (٨/٢٩) : "قال ابن عباس: ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة: -هذا مذهب ابن عباس-، وخالفه الأكثر، وفي هذا الحديث (١) ما يدل على أنها منسوخة. وهذه القراءة تضعف تأويل من زعم أن "لا" محذوفة من القراءة المشهورة، وأن المعنى: وعلى الذين لا يطيقونه فدية، وأنه كقول الشاعر "فقلت يمين الله أبرح قاعدًا" أي: لا أبرح قاعدًا، ورد بدلالة القسم على النفي بخلاف الآية، ويثبت هذا التأويل أن الأكثر على أن الضمير في قوله تعالى: (يطيقونه) للصيام فيصير تقدير الكلام وعلى الذين يطيقون الصيام فدية، والفدية لا تجب على المطيق إنما تجب على غيره، والجواب عن ذلك أن في الكلام حذفًا تقديره: وعلى الذين يطيقون الصيام إذا أفطروا فدية، وكان هذا في أول الأمر عند الأكثر، ثم نسخ وصارت الفدية للعاجز إذا أفطر وقد تقدم حديث ابن أبي ليلى قال: "حدثنا أصحاب محمد ﷺ لما نزل رمضان شق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكينًا ترك الصوم ممن يطيقه، ورخص لهم في ذلك فنسختها: (وأن تصوموا خير لكم) ، وأما على قراءة ابن عباس فلا نسخ لأنه يجعل الفدية على من تكلف الصوم وهو لا يقدر عليه فيفطر ويكفر، وهذا الحكم باق". الحامل والمرضع إذا أفطرتا ماذا عليهما؟ هذه المسألة للعلماء فيها أربعة مذاهب:

стр. 670

* أحدها: أنهما يطعمان ولا قضاء عليهما، وهو مروي عن ابن عمر وابن عباس وسعيد بن جبير. * والقول الثاني: أنهما يقضيان فقط ولا يطعمان، وهو مقابل الأول، به قال عطاء بن أبي رباح والحسن والضحاك والنخعي والزهري وربيعة والأوزاعي وأبو حنيفة والثوري وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأي. قال ابن المنذر: وبقول عطاء أقول. * والثالث: أنهما يقضيان ويطعمان: "يفديان"، وهو قول الشافعي وأحمد وروي عن مجاهد. * والقول الرابع: أن الحامل تفطر وتقضي ولا فدية، والمرضع تفطر وتقضي وتفدي. وبه قال مالك ورواية عن الشافعي. وسبب اختلافهم تردد شبههما بين الذي يجهده الصوم وبين المريض، فمن شبّههما بالمريض؛ قال: عليهما القضاء فقط، ومن شبّههما بالذي يجهده الصوم؛ قال: عليهما الإطعام فقط بدليل قراءة من قرأ: (يطَوَّقونه فدية طعام مسكين) الآية. * وأما من جمع عليهما الأمرين فيشبه أن يكون رأى فيهما من كل واحد شبها فقال: عليهما القضاء من جهة ما فيهما من شبه المريض، وعليهما الفدية من جهة ما فيهما من شبه الذين يجهدهم الصيام، ويشبه أن يكون شبههما بالمفطر الصحيح، لكن يضعف هذا، فإن الصحيح لا يباح له الفطر. * ومن فرّق بين الحامل والمرضع ألحق الحامل بالمريض وأبقى حكم المرضع مجموعا من حكم المريض، وحكم الذي يجهده الصوم أو شبهها بالصحيح، ثم قال ابن رشد: "ومن أفرد لها أحد الحكمين أولى -والله أعلم- ممن جمع، كما أنّ من أفردهما بالقضاء أولى ممن أفردهما بالإطعام فقط؛ لكون القراءة غير متواترة، فتأمل هذا فإنه بيّن" (١) .
следующие страницы →