المسألة الخامسة
[هل يجوز للصائم أن ينشئ سفرًا ثم لا يصوم فيه]
قال ابن رشد (٢/١٧١- ١٧٢) :
"هل يجوز للصائم في رمضان أن ينشئ سفرا، ثم لا يصوم فيه؟ فإن الجمهور على أن يجوز ذلك له. وروي عن بعضهم وهو عبيدة السلماني وسويد بن غفلة وابن مجلز: أنه إن سافر فيه صام ولم يجيزوا له الفطر.
والسبب في اختلافهم: اختلافهم في مفهوم قوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه)
وذلك أنه يحتمل أن يفهم منه أن من شهد بعض الشهر فالواجب عليه أن يصومه كله، ويحتمل أن يفهم منه أن من شهد أن الواجب أن يصوم ذلك البعض الذي شهده، وذلك أنه لما كان المفهوم باتفاق أن من شهده كله فهو يصومه كله، كان من شهد بعضه فهو يصوم بعضه، ويؤيد تأويل الجمهور إنشاء رسول الله ﷺ السفر في رمضان".
يريد الله بكم اليسر
"هذه هي القاعدة الكبرى في تكاليف هذه العقيدة كلها، فهي ميسرة لا عسر فيها، وهي توحي للقلب الذي يتذوقها، بالسهولة واليسر في أخذ الحياة كلها، وتطبع نفس المسلم بطابع خاص من السماحة التي لا تكلف فيها ولا تعقيد.
سماحة تؤدي معها كل التكاليف وكل الفرائض وكل نشاط الحياة الجادة وكأنما هي سيل الحياة الجاري، ونمو الشجرة الصاعدة في طمأنينة وثقة ورضاء مع الشعور الدائم برحمة الله وإرادته اليسر لا العسر بعباده المؤمنين.
إن علينا أن نأخذ هذا الدين -كما أراده الله- بتكاليفه كلها، طاعة وتقوى، وأن نأخذه جملة بعزائمه ورخصه، متكاملاً متناسقا في طمأنينة
стр. 667
إلى الله، ويقين بحكمته، وشعور بتقواه.
والأحاديث بمجموعها تساعد على تصور ما كان عليه السلف الصالح من إدراك للأمر وصورة سلوك أولئك السلف -رضوان الله عليهم- أملأ بالحيوية، وألصق بروح هذه الدين وطبيعته من البحوث الفقهية ومن شأن الحياة معها وفي جوها أن تنشئ في القلب مذاقًا حيًّا لهذه العقيدة وخصائصها" (١) .
صيام المريض
اختلفوا في المرض الذي يجيز الفطر:
* فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: هو المرض الذي تلحقه المشقة إن صام فيه أو يخاف زيادته.
* وقال أحمد: هو المرض الغالب.
* وقالت الظاهرية: إذا انطلق عليه اسم المريض أفطر.
وسبب اختلافهم: هل المراد بالآية مطلق المرض أم المرض الذي تلحق صاحبه المشقة، أو المرض المتعارف بين الناس أنه يقال لصاحبه مريض.
والراجح: ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة لقوله تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) .
يقول الشيخ عمر الأشقر: "يجب أن نعلم أن المرض الذي يجوز الفطر به هو المرض الذي يزيد بالصوم، أو يتأخر برؤه به، أما المرض الذي لا يؤثر فيه الصوم فلا يجوز لصاحبه الفطر" (٢) .
* قال ابن حجر في "فتح الباري" (٨/٢٨) : "اختلف السلف في الحد الذي إذا وجده المكلف جاز له الفطر، والذي عليه الجمهور: أنه المرض الذي يبيح له التيمم مع وجود الماء، وهو إذا خاف على نفسه لو تمادى على الصوم، أو على عضو من أعضائه أو زيادة في المرض الذي بدأ به أو تماديه. وعن ابن
стр. 668
سيرين: متى حصل للإنسان حال يستحق بها اسم المرض فله الفطر، وقال عطاء: يفطر من المرض كله، وعن الحسن والنخعي: إذا لم يقدر على الصلاة قائمًا يفطر".
الأمراض المبيحة للفطر:
ا- أمراض القلب كالجلطة الحديثة، والذبحة الصدرية غير المستجيبة للعلاج -وقصور الشرايين التاجية، وهبوط القلب والحمى الروماتيزمية، واضطراب النبض.
٢- أمراض الصدر: الالتهاب الرئوي الشعبي -حالات الدرن الحاد - حساسية الصدر - النزلة الشعبية الحادة.
٣- أمراض الجهاز الهضمي: تليف الكبد - القرحة الحادة المزمنة في العدة أو الاثنى عشر، مرض الإسهال الحاد، أو المزمن.
٤- الحمّيات: كالحمى التيفودية، الحمى المالطية - الالتهاب الكبدي - الالتهاب السحائي - الحصبة - الجدري الكاذب - حمى النفاس - التهاب الغدد اللمفاوية.
٥- أمراض الكلى: التهاب الكلى - البولينا.
٦- الأمراض النفسية: الصرع - الفصام.
٧- أمراض النساء والولادة: الحمل.
٨- أمراض العيون: (الجلوكوما) أو المياه الزرقاء - مرض الشبكية السكري.
الحامل والمرضع ماذا عليها إذا أفطرت
* روى البخاري عن عطاء أنه سمع ابن عباس ﵄ يقرأ (وعلى الذين يُطوَقونه (١) فدية طعام مسكين) قال ابن عباس: ليست بمنسوخة
стр. 669
"هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فليطعمان مكان كل يوم مسكينًا".
قال ابن حجر في "الفتح" (٤/٢٢٢) : "اتفقت الأخبار على أن قوله (وعلى الذين يطيقونه فدية) منسوخ، وخالف في ذلك ابن عباس فذهب إلى أنها محكمة لكنها مخصوصة بالشيخ الكبير ونحوه" وقال أيضًا في "الفتح" (٨/٢٩) : "قال ابن عباس: ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة: -هذا مذهب ابن عباس-، وخالفه الأكثر، وفي هذا الحديث (١) ما يدل على أنها منسوخة. وهذه القراءة تضعف تأويل من زعم أن "لا" محذوفة من القراءة المشهورة، وأن المعنى: وعلى الذين لا يطيقونه فدية، وأنه كقول الشاعر "فقلت يمين الله أبرح قاعدًا" أي: لا أبرح قاعدًا، ورد بدلالة القسم على النفي بخلاف الآية، ويثبت هذا التأويل أن الأكثر على أن الضمير في قوله تعالى: (يطيقونه) للصيام فيصير تقدير الكلام وعلى الذين يطيقون الصيام فدية، والفدية لا تجب على المطيق إنما تجب على غيره، والجواب عن ذلك أن في الكلام حذفًا تقديره: وعلى الذين يطيقون الصيام إذا أفطروا فدية، وكان هذا في أول الأمر عند الأكثر، ثم نسخ وصارت الفدية للعاجز إذا أفطر وقد تقدم حديث ابن أبي ليلى قال: "حدثنا أصحاب محمد ﷺ لما نزل رمضان شق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكينًا ترك الصوم ممن يطيقه، ورخص لهم في ذلك فنسختها: (وأن تصوموا خير لكم) ، وأما على قراءة ابن عباس فلا نسخ لأنه يجعل الفدية على من تكلف الصوم وهو لا يقدر عليه فيفطر ويكفر، وهذا الحكم باق".
الحامل والمرضع إذا أفطرتا ماذا عليهما؟
هذه المسألة للعلماء فيها أربعة مذاهب:
стр. 670
* أحدها: أنهما يطعمان ولا قضاء عليهما، وهو مروي عن ابن عمر وابن عباس وسعيد بن جبير.
* والقول الثاني: أنهما يقضيان فقط ولا يطعمان، وهو مقابل الأول، به قال عطاء بن أبي رباح والحسن والضحاك والنخعي والزهري وربيعة والأوزاعي وأبو حنيفة والثوري وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأي. قال ابن المنذر: وبقول عطاء أقول.
* والثالث: أنهما يقضيان ويطعمان: "يفديان"، وهو قول الشافعي وأحمد وروي عن مجاهد.
* والقول الرابع: أن الحامل تفطر وتقضي ولا فدية، والمرضع تفطر وتقضي وتفدي. وبه قال مالك ورواية عن الشافعي.
وسبب اختلافهم تردد شبههما بين الذي يجهده الصوم وبين المريض، فمن شبّههما بالمريض؛ قال: عليهما القضاء فقط، ومن شبّههما بالذي يجهده الصوم؛ قال: عليهما الإطعام فقط بدليل قراءة من قرأ: (يطَوَّقونه فدية طعام مسكين) الآية.
* وأما من جمع عليهما الأمرين فيشبه أن يكون رأى فيهما من كل واحد شبها فقال: عليهما القضاء من جهة ما فيهما من شبه المريض، وعليهما الفدية من جهة ما فيهما من شبه الذين يجهدهم الصيام، ويشبه أن يكون شبههما بالمفطر الصحيح، لكن يضعف هذا، فإن الصحيح لا يباح له الفطر.
* ومن فرّق بين الحامل والمرضع ألحق الحامل بالمريض وأبقى حكم المرضع مجموعا من حكم المريض، وحكم الذي يجهده الصوم أو شبهها بالصحيح، ثم قال ابن رشد: "ومن أفرد لها أحد الحكمين أولى -والله أعلم- ممن جمع، كما أنّ من أفردهما بالقضاء أولى ممن أفردهما بالإطعام فقط؛ لكون القراءة غير متواترة، فتأمل هذا فإنه بيّن" (١) .
стр. 671
* قال الشيخ عمر الأشقر: "وممن يلحق بالمريض الحامل والمرضع إذا خافتا على نفسيهما أو ولديهما، أو شق عليهما الصوم فلهما الفطر وعليهما قضاء عدة ما أفطرتاه، فعن أنس بن مالك الكعبي (١) قال: قال رسول ﷺ : "إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، والصوم عن المسافر وعن المرضع والحبلى" (٢) .
وعن أنس بن مالك الكعبي قال: "غارت علينا خيل رسول الله ﷺ فأتيت رسول ﷺ فوجدته يتغدى فقال: "أدْن فكل" فقلت: إني صائم فقال: "ادن أحدثك عن الصوم -أو الصيام-" إن الله ﵎ وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن الحامل والمرضع الصوم -أو الصيام" والله لقد قالهما النبي ﷺ كليهما أو أحدهما فيا لهف نفسي ألا أكون طعمت طعام النبي ﷺ ".
وحصل الخلاف بين العلماء هل عليهما شيء آخر غير القضاء؟ فمن العلماء من أوجب أن يُطعما مسكينًا عن كل يوم أفطرتاه، ومن ذهب إلي وجوب الإطعام مع صيام عدة الأيام فليس لديه دليل يوجب الإطعام" (٣) .
* قال ابن قدامة في "المغني" (٤/٣٩٥) : "قال ابن عمر وابن عباس ﵃ ولا مخالف لهما في الصحابة-: لا قضاء عليهما؛ لأن الآية تناولتهما، وليس فيها إلا الإطعام، ولأن النبي ﷺ قال: "إن الله وضع عن الحامل والمرضع الصوم" ولنا أنهما يطيقان القضاء، فلزمهما كالحائض والنفساء، والآية أوجبت الطعام ولم تتعرض للقضاء فأخذناه من دليل آخر. والمراد بوضع الصوم: وضعه في مدة عذرهما ولا يشبهان الشيخ الهرمّ، لأنه عاجز عن القضاء وهما يقدران عليه.
قال أحمد: "أذهب إلى حديث أبي هريرة" يعني: ولا أقول بقول ابن
стр. 672
عباس وابن عمر في منع القضاء.
فرع: قال النووي في "المجموع" (٦/٢٧٤) : "إذا أوجبنا الفدية على المرضع إذا أفطرت للخوف على ولدها، فلو استؤجرت لإرضاع ولد غيرها فالصحيح بل الصواب الذي قطع به القاضي حسين في فتاويه وصاحب التتمة وغيرهما أنه يجوز لها الإفطار وتفدى، كما في ولدها، بل قال القاضي حسين: يجب عليها الإفطار إن تضرّر الرضيع بالصوم، واستدل صاحب التتمة بالقياس على السفر، فإنه يستوي في جواز الإفطار به من سافر لغرض نفسه وغرض غيره بأجرة وغيرها، وشذ الغزالي في فتاويه فقال: "ليس عليها أن تفطر ولا خيار لأهل الصبي" وهذا غلط ظاهر.
قال القاضي حسين: وعلى من تجب فدية فطرها في هذا الحال؟ فيه احتمالان أصحهما وجوبها على المرضع. قال القاضي: ولو كان هناك نسوة مراضع فأرادت واحدة أن تأخذ صبيًا ترضعه تقربًا إلى الله تعالى، جاز لها الفطر للخوف عليه، وإن لم يكن متعينًا عليها".
فرع: لو كانت المرضع أو الحامل مسافرة أو مريضة فأفطرت بنية الترخص بالمرض أو السفر فلا فدية عليها بلا خلاف.
بحث للألباني في "الحامل والمرضع "
* عن عمرو بن دينار (يطيقونه) : يكلّفونه، (فدية طعام مسكين فمن تطوع خيراً) طعام مسكين آخر، ليست بمنسوخة (فهو خير له وأن تصوموا خير لكم) لا يرخص في هذا إلا للذي لا يطيق الصيام أو مريض لا يشفى" (١) .
* عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: "رخص للشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة في ذلك -وهما يطيقان الصوم- أن يفرطا إن شاءا، ويطعما كل يوم مسكينًا، ولا قضاء عليهما، ثم نسخ ذلك في هذه الآية:
стр. 673
فمن شهد منكم الشهر فليصمه) وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم، والحسبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا، وأطعمتا كل يوم مسكينًا" (١) .
* وعن ابن عباس قال: "إذا خافت الحامل على نفسها، والمرضع على ولدها في رمضان قال: يفطران، ويطعمان مكان كل يوم مسكينًا، ولا يقضيان صومًا" (١) .
* وعن ابن عباس: "أنه رأى أم ولد له حاملاً أو مرضعًا فقال: أنت بمنزلة الذي لا يطيق، عليك أن تطعمي مكان كل يوم مسكينًا ولا قضاء عليك" (٣) .
* وعنه "أنت من الذين لا يطيقون الصيام، عليك الجزاء، وليس عليك القضاء" (٤) .
* وعن ابن عباس وابن عمر ﵄ قالا: "الحامل والمرضع تفطر ولا تقضى" (٥) .
* وعن ابن عمر: "أن امرأته سألته وهي حبلى، فقال: أفطري وأطعمي عن كل يوم مسكينًا ولا تقضي" (٦) .
* وعن نافع قال: "كانت بنت لابن عمر تحت رجل من قريش، وكانت حاملاً، فأصابها عطش في رمضان، فأمرها ابن عمر أن تفطر وتطعم عن كل يوم مسكينًا" (٧) .
стр. 674
* وعن مجاهد عن ابن عباس ﵄ قرأ: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) يقول: "هو الشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصيام فيفطر ويطعم عن كل يوم مسكينًا: نصف صاع من حنطة" (١) .
* وعن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: "إذا عجز الشيخ الكبير عن الصيام أطعم عن كل يوم مدا مدا" (٢) .
* وعن قتادة أن أنسًا ﵁ ضعف قبل موته فأفطر، وأمر أهله أن يطعموا مكان كل يوم مسكينًا (٣) .
* وعن أنس بن مالك ﵁ أنه ضعف عن الصوم عامًا فصنع جفنة ثريد ودعا ثلاثين مسكينًا فأشبعهم (٤) .
قال الشيخ الألباني في "إرواء الغليل" (٤/٢٢- ٢٥) : "إن قول ابن عباس في هذه الآية: (وعلى الذين يطيقونه ... ) ليست منسوخة، وأن، المراد بها الشيخ الكبير المرأة الكبيرة لا يستطيعان الصيام إشكالاً كبيرًا؛ ذلك لأن معنى (يطيقونه) أي: يستطيعون بمشقة، فكيف تفسر حينئذ أن المراد بها من لا يستطيع الصيام؟ لا سيما وابن عباس ﵄ نفسه يذكر في رواية عزرة أن الآية نزلت في الشيخ الكبير والعجوز الكبير وهما يطيقان أي يستطيعان الصوم، ثم نسخت، فكيف تفسر الآية بتفسيرين متناقضين (يستطيعون) و (لا يستطيعون) ؟! وأيضًا فقد جاء عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: "لما نزلت (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) كان من أراد أن يفطر ويفتدي فعل حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها" أخرجه الستة إلا ابن ماجه. وفي رواية عنه قال: "كنا في رمضان على عهد. رسول الله ﷺ ،
стр. 675
من شاء صام ومن شاء أفطر فافتدى بطعام مسكين، حتى نزلت هذه الآية: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) أخرجه مسلم.
فهذا يبيِّن لنا أن في حديث ابن عباس ﵄ إشكالاً آخر، وهو أنه يقول: أن الرخصة التي كانت في أول الأمر، إنما كانت للشيخ أو الشيخة وهما يطيقان الصيام، وحديث سلمة يدل على أن الرخصة كانت عامة لكل مكلف شيخًا أو غيره، وهذا هو الصواب قطعًا لأن الآية عامة، فلعل ذكر ابن عباس ﵄ للشيخ والشيخة لم يكن منه على سبيل الحصر، بل التمثيل، وحينئذ فلا اختلاف بين حديثه والحديث المذكور، ويبقى الخلاف في الإشكال الأول قائمًا لأن الحديث المشار إليه صريح في نسخ الآية، وابن عباس ﵄ يقول: ليست بمنسوخة. ويحملها على الذين لا يستطيعون الصيام كما سبق بيانه، فلعل مراد ابن عباس ﵄ أن حكم الفدية الذي كان خاصًا بمن يطيق الصوم ويستطيعه، ثم نسخ دلالة القرآن، كان هذا الحكم مقررًا أيضاً في حق من لا يطيق الصوم ولا يستطيعه، غير أن الأول ثبت بالقرآن وبه نسخ، وأما الآخر فإنما يثبت مشروعيته بالسنة لا بالقرآن ثم لم ينسخ، بل استمرت مشروعيته إلى يوم القيامة، فأراد ابن عباس ﵄ أن يخبر عن الفرق بين الحكمين: بأن الأول نسخ، والآخر لم ينسخ، ولم يرد أن هذا يثبت بالقرآن بآية (وعلى الذين يطيقونه) وبذلك يزول الإشكال إن شاء الله تعالى.
ويؤيد ما ذكرته أن ابن عباس ﵄ في رواية عزرة بعد أن ذكر نسخ الآية المذكورة قال: "وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم، والحبلي والمرضع إذا خافتا أفطرتا، وأطعمتا كل يوم مسكينًا" ففي قوله: "ثبت" إشعار بأن هذا الحكم في حق من لا يطيق الصوم كان مشروعًا، كما كان مشروعًا في حق من يطيق الصوم، فنسخ هذا، واستمر الآخر، وكل من شرعيته واستمراره إنما عرفه ابن عباس ﵄ من السنة وليس من القرآن.
ويزيده تأييدًا، أن ابن عباس ﵄ أثبت هذا الحكم
стр. 676
للحبلى والمرضع إذا خافتا ومن الظاهر جدًا أنهما ليسا كالشيخ والشيخة في عدم الاستطاعة، بل إنهما مستطيعتان، ولذلك قال لأم ولد له أو مرضع: "أنت بمنزلة الذي لا يطيق" فمن أين أعطاهما ابن عباس ﵄ هذا الحكم مع تصريحه بأن الآية (وعلى الذين يطيقونه) منسوخة؟ ذلك من السنة بلا ريب.
وبذلك يلتقي حديث سلمة مع حديث ابن عباس ﵄، ويتبين أن في حديثه ما يوافق حديث سلمة، ويزيد على حديث سلمة وهو ثبوت الإطعام على العاجز عن الصيام، فاتفقت الأحاديث ولم تختلف والحمد لله على توفيقه.
وإذا عرفت هذا فهو خير مما ذكره الحافظ في "الفتح": "أن ابن عباس ذهب إلى أن الآية المذكورة محكمة، لكنها مخصوصة بالشيخ الكبير" لما عرفت أن ابن عباس ﵄ صرّح بأن الآية منسوخة، لكن حكمها منسحب إلى العاجز عن الصيام.
بدليل السنة لا الكتاب لما سبق بيانه، وقد توهم كثيرون أن ابن عباس ﵄ يخالف الجمهور الذين ذهبوا إلى نسخ الآية وانتصر لهم الحافظ ابن حجر في "الفتح" فقال (٨/١٣٦) تعليقًا على رواية البخاري عن ابن عمر ﵄ أنه قرأ (فدية طعام مسكين) : "هو صريح في دعوي النسخ، ورجحه ابن المنذر من جهة قوله: (وأن تصوموا خير لكم) قال: لأنها لو كانت في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام لم يناسب أن يقال له: (وأن تصوموا خير لكم) مع أنه لا يطيق الصيام".
قلت: وهذه حجة قاطعة فيما ذكر، وهو يشير بذلك إلى الرد على ابن عباس ﵄، ومثله لا يخفى عليه مثلها، ولكن القوم نظروا إلى ظاهر الرواية المتقدمة عن ابن عباس ﵄ عند البخاري - الصريحة في نفي النسخ-، ولم يتأملوا في الرواية الأخرى الصريحة في النسخ-، ثم لم يحاولوا التوفيق بينهما، وقد فعلنا ذلك بما سبق تفصيله.
وخلاصته: أن يحمل النفي على نفي نسخ الحكم لا الآية، والحكم
стр. 677
مأخوذ من السنة، ويحمل النسخ عليها، بذلك يتبين أن ابن عباس ﵄ ليس مخالفًا للجمهور.
وهذا الجمع مما لم أقف عليه في كتاب، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ من نفسي، وأستغفر الله من كل مالا يرضيه" انتهى قول الشيخ الألباني.
* وجاء في صفة صوم النبي ﷺ في رمضان لتلميذي الشيخ الألباني: سليم الهلالي وعلي حسن علي عبد الحميد: "قد يظن أن ابن عباس مخالف لجمهور الصحابة، أو أنه متناقض، وخاصة إذا عرفت أنه صرح بالنسخ في رواية أخرى. وقد نظر القوم إلى ظاهر الرواية المتقدمة عند البخاري في كتاب التفسير من "صحيحه" الصريحة في نفي النسخ، فظنوا أن حبر الأمة مخالف لجمهور الصحابة، ولما صدموا بالرواية الصريحة في النسخ، زعموا أنه متناقض".
* والحق الذي لا ريب فيه أن الآية منسوخة لكن بمفهوم الأقدمين للنسخ، فقد كان السلف الصالح -رضوان الله عليهم- يطلقون النسخ على رفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها تارة، إما بتخصيص أو تقييد أو حمل مطلق على مقيد، وتفسيره وتبيينه، حتى إنهم يسمون الاستثناء والشرط والصفة نسخًا لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد، فالنسخ في لسانهم هو بيان المراد بغير ذلك اللفظ، بل بأمر خارج عنه (١) .
ومعلوم أن من تأمل كلامهم رأى فيه ما لا يحصى من ذلك، وزال عنه إشكالات أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر، والذي يتضمن أن يُرفع حكم شرعي متقدم بدليل شرعي متأخر بالنسبة للمكلفين. ويؤيد هذا المعنى أن الآية عامة لكل مكلف ...
والحديث صريح في أن الآية منسوخة بالنسبة للذي يطيق الصيام، غير منسوخة بالنسبة للذي لا يطيق الصيام أي: إن الآية مخصوصة لذلك، فإن ابن
стр. 678
عباس ﵄ موافق للصحابة، وحديثه موافق لحديثي عبد الله بن عمر وسلمة ﵃، وكذلك غير متناقض فقوله: "ليست بمنسوخة أي: إن الآية مخصوصة، وبهذا يتبين أن النسخ في فهم الصحابة يقابل التخصيص والتقييد في مفهوم الأصوليين المتأخرين ولهذا الأمر أشار القرطبي ﵀ في "تفسيره" (١) .
ولعلك أخي المسلم تظن أن ما ثبت عن ابن عباس ومعاذ (٢) ﵄ مجود رأي واجتهاد وإخبار وهو لا يرقى إلى مصاف الحديث المرفوع الذي يخصص عام القرآن ويقيد مطلقه ويفسر مجمله، والجواب كالآتي:
١- إن هذين الحديثين لهما حكم المرفوع باتفاق أهل العلم بحديث رسول الله ﷺ فلا يجوز لمؤمن يحب الله ورسوله أن يخالفهما إذا ثبتا لديه لأنهما جاءا في تفسير يتعلق لسبب نزول أي: إن هذين الصحابيين الذين شهدا الوحي والتنزيل أخبرا عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا فهذا حديث مسند لا ريب (٣) .
٢- أثبت ابن عباس ﵄ هذا الحكم للمرضع والحبلى فمن أين أعطاهما هذا الحكم؟ لاشك أنه من السنة، وخاصة أنه لم ينفرد بل وافقه عبد الله بن عمر الذي روى أن هذه الآية منسوخة.
٣- لا مخالف لابن عباس ﵄ من الصحابة كما جاء في
стр. 679
المغني" (٣/٢١) .
٤- هذا البيان يبين معنى وضع الصوم عن الحامل والمرضع الوارد في حديث أنس بن مالك والكعبي المتقدم ﵄، وأنه مقيد بالخوف على نفسها أو ولدها، وأن عليها الجزاء لا القضاء .
٥- من زعم أنه وضع الصوم على الحامل والمرضع كوضع الصيام عن المسافر ورتب على ذلك أن القضاء يلزمهما مردود عليه؛ لأن القرآن بين معنى وضع الصيام عن المسافر (فعدة من أيام أخر) وبين كذلك معنى وضعه عمن لا يطيقونه (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) وقد ثبت لديك أن الحامل والمرضع ممن تشملهم هذه الآية بل هي خاصة لهم.
القضاء
قضاء رمضان للمسافر والمريض، والحامل والمرضع علي قول الجمهور لا يجب على الفور بل يجب على التراخي وجوبًا موسعًا؛ لما ورد عن عائشة ﵂: "كان يكون عليّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان" (١) .
قال الحافظ في "الفتح" (٤/١٩١) : "وفي الحديث دلالة على جواز تأخير قضاء رمضان سواءً كان لعذر أو لغير عذر".
والمبادرة إلى القضاء أولى من التأخير قال تعالى: (وسارعوا إِلى مغفرة من ربكم) الآية.
وقال تعالى: (أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون) [المؤمنون: ٦١] .
* ويتعلق بقضاء رمضان مسائل:
منها: هل يقضيان ما عليهما متتابعًا أم لا؟
стр. 680
ومنها: ماذا عليهما إذا أخرا القضاء بغير عذر إلى أن يدخل رمضان آخر.
ومنها: إذا ماتا ولم يقضيا هل يصوم عنهما وليهما أو لا يصوم؟
المسألة الأولى [هل يقضى الصوم متتابعًا أم لا ؟]
* ذهب جمهور الفقهاء على عدم وجوب التتابع في قضاء رمضان إلا أنه مستحب عندهم ويجوز تفريقه.
قال النووي في "المجموع" (٦/٤١٣) : "مذهبنا أنه يستحب تتابعه ويجوز تفريقه، وبه قال علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل وابن عباس وأنس وأبو هريرة والأوزاعي، والثوري وأبو حنيفة ومالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور ﵃".
قال ابن عباس ﵄: "لا بأس به أن يفرق" (١) .
وقال أبو هريرة ﵁ "يواتره إن شاء" (٢) .
قال أبو داود في مسائله (ص٩٥) : "سمعت أحمد سُئل عن قضاء رمضان؟ قال: إن شاء فرّق وإن شاء تابع". ولا يختلف المجيزون للتفريق أن التتابع أولى.
* ونقل ابن المنذر وغيره عن علي وعائشة وجوب التتابع وهو قول بعض أهل الظاهر. وروى عبد الرزاق بسنده عن ابن عمر ﵁ قال "يقضيه تباعًا".
وعن عائشة ﵂: "نزلت (فعدة من أيام أخر متتابعات) فسقطت متتابعات" (٣) .
وهذا إن صح يشعر بعدم وجوب التتابع فكأنه كان أولاً واجبًا ثم نسخ (٤) .
стр. 681
قال النووي: "وعن ابن عمر وعائشة والحسن البصري وعروة بن الزبير والنخعي وداود الظاهري أنه يجب التتابع".
قال داود: هو واجب وليس بشرط.
وحكى صاحب البيان عن الطحاوي أنه قال: "التتابع والتفريق سواء، ولا فضيلة في التتابع".
* قال ابن رشد في "بداية المجتهد" (٢/١٧٣-١٧٤) : "وسبب اختلافهم تعارض ظواهر اللفظ والقياس، وذلك أن القياس يقتضي أن يكون الأداء على صفة القضاء، أصل ذلك الصلاة والحج.
أما ظاهر قوله تعالى: (فعدة من أيام أخر) فإنما يقتضي إيجاب العدد فقط لا إيجاب التتابع".
متى يقضى ؟
قال ابن المسيب: "لا بأس أن يقضي رمضان في العشر".
ورواه البخاري معلقًا: "قال سعيد بن المسيب في صوم العشر: لا يصلح حتى يبدأ برمضان".
قال ابن حجر: "روى ابن المنذر عن علي ﵁ أنه نهى عن قضاء رمضان في عشر ذي الحجة وإسناده ضعيف، قال: وروي بإسناد صحيح نحوه عن الحسن والزهري وليس مع أحد منهم حجة على ذلك، وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عمر أنه كان يستحب ذلك" (١) .
قال النووي في "المجموع" (٦/٤١٣) [شافعي] .: "يجوز قضاء رمضان عندنا في جميع السنة غير رمضان الثاني وأيام العيد والتشريق، ولا كراهة في شيء من ذلك سواء ذو الحجة وغيره، وحكاه ابن المنذر عن سعيد ابن المسيب وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وبه قال جمهور العلماء.
стр. 682
قال ابن المنذر: وروينا عن علي بن أبي طالب أنه كره قضاءه في ذي الحجة، قال: وبه قال الحسن البصري والزهري، قال ابن المنذر: وبالأول أقول لقوله تعالى: (فعدة من أيام أخر) .
ماذا على من أخر القضاء حتى دخل رمضان آخر
* عن أبي هريرة ﵁ قال: "أي إنسان مرض في رمضان، ثم صح فلم يقضه حتى أدركه رمضان آخر فليصم الذي حدث، ثم يقض الآخر ويطعم مع كل يوم مسكينًا".
قال ابن جريج لعطاء: كم بلغك يُطْعَم؟ قال: مَدًا، زعموا".
* وعن ابن عباس ﵄ قال: "من فرط في صيام رمضان حتى أدركه رمضان آخر فليصم هذا الذي أدركه، ثم ليصم ما فاته ويطعم مع كل يوم مسكينًا".
* قال النووي في "المجموع" (٦/٤١٢-٤١٣) : "مذهب العلماء فيمن أخّر قضاء رمضان بغير عذر:
مذهبنا أنه يلزمه صوم رمضان الحاضر، ثم يقضي الأول ويلزمه عن كل يوم فدية، وهي مد من طعام، وبهذا قال ابن عباس وأبو هريرة وعطاء بن أبي رباح والقاسم بن محمد والزهري والأوزاعي ومالك والثوري وأحمد وإسحاق، إلا أن الثوري قال: الفدية مُدّان عن كل يوم.
* وقال الحسن البصري وإبراهيم النخعي وأبو حنيفة والمزني وداود: يقضيه ولا فدية عليه.
أما إذا دام سفره ومرضه ونحوهما من الأعذار حتى دخل رمضان الثاني فمذهبنا أنه يصوم رمضان الحاضر، ثم يقضي الأول ولا فدية عليه لأنه معذور.
وحكاه ابن المنذر عن طاووس والحسن البصري والنخعي وحماد بن أبي سليمان والأوزاعي ومالك وأحمد وإسحاق، وهو مذهب أبي حنيفة والمزني
стр. 683
وداود. قال ابن المنذر: وقال ابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير وقتادة: يصوم رمضان الحاضر عن الحاضر، ويفدي عن الغائب ولا قضاء عليه".
قال العلامة ابن رشد في "بداية المجتهد" (٢/١٧٤) : "وسبب اختلافهم: هل تقاس الكفارات بعضها على بعض أم لا؟
فمن لم يجز القياس في الكفارات قال: عليه القضاء فقط. ومن أجاز القياس في الكفارات قال: عليه كفارة -قياسًا على من أفطر متعمدًا-؛ لأن كليهما مستهين بحرمة الصوم. أما هذا فيترك زمان القضاء، وأما ذلك فبالأكل في يوم لا يجوز فيه الأكل، وإنما كان يكون القياس مستندًا لو ثبت أن للقضاء زمانًا محدودًا بنص من الشارع؛ لأن أزمنة الأداء هي المحدودة في الشرع؛ وقد شدّ قوم فقالوا: إذا اتصل مرض المريض حتى يدخل رمضان آخر أنه لا قضاء عليه، وهذا مخالف للنص" ا. هـ.
* قال البخاري: "ولم يذكر الله تعالى الإطعام، إنما قال: (فعدة من أيام أخر) . قال ابن حجر (٤/٢٢٤) في رده على قول البخاري: "لكن إنما يقوى ما احتج به إذا لم يصح في السنة دليل الإطعام إذ لا يلزم من عدم ذكره في الكتاب أن لا يثبت بالسنة، ولم يثبت فيه شيء مرفوع وإنما جاء فيه عن جماعة من الصحابة -منهم من ذكر، ومنهم عمر -عند عبد الرزاق-، ونقل الطحاوي عن يحيى بن أكثم قال: وجدته عن ستة من الصحابة لا أعلم لهم فيه مخالفًا. انتهى وهو قول الجمهور.
وخالف في ذلك إبراهيم النخعي وأبو حنيفة وأصحابه، ومال الطحاوي إلى قول الجمهور في ذلك. وممن قال بالإطعام: ابن عمر، ولكنه بالغ في ذلك فقال: يطعم ولا يصوم.
وروى عبد الرزاق عن عمر: "من صام يوماً من غير رمضان وأطعم مسكينًا فإنهما يعدلان يوماً من رمضان" ونقله ابن المنذر عن ابن عباس وعن قتادة، وانفرد به ابن وهب بقوله: من أفطر يوماً في قضاء رمضان وجب عليه لكل يوم صوم يومين" اهـ.
وقول الجمهور هو الراجح.
стр. 684
إذا مات وعليه صوم هل يصوم عنه وليه أم لا ؟
سبق ذكر هذه المسألة في النيابات في النية. والراجح الذي تميل إليه النفس أنه لا يصوم الولي عن الميت إلا صوم النذر وبه قال الإمام أحمد كما جاء في "مسائل الإمام أحمد" رواية أبي داود (ص٩٦) قال: سمعت أحمد ابن حنبل قال: لا يُصام عن الميت إلا في النذر، قال أبو داود: قلت لأحمد: فشهر رمضان؟ قال: يطعم عنه".
وذهبت عائشة ﵂ وهي راوية الحديث - إلى الإطعام بدليل ما روته عمرة: أن أمها ماتت وعليها من رمضان، فقالت لعائشة ﵂: أقضيه عنها؟ قالت: لا، بل تصدقي عنها مكان كل يوم نصف صاع على كل مسكين" (١) .
ومن المقرر أن راوي الحديث أدرى بمعنى مَرْويِّه، وذهب إلى هذا التفصيل ابن عباس حبر الأمة ﵄. "إذا مات الرجل في رمضان، ثم مات ولم يصم، أطعم عنه ولم يكن عليه قضاء، وإن كان عليه نذر قضى عنه وليه" (٢) .
* ومن المعلوم أن ابن عباس ﵄ هو راوي الحديث الثاني-، وخاصة أنه روى حديثًا فيه نص على أن الولي يصوم عن الميت صوم النذر: "أن سعد بن عبادة ﵁ استفتى رسول الله ﷺ فقال: "إن أمي مات وعليها نذر فقال: "اقضيه عنها" أخرجه الشيخان وغيرهما (١) .
قال ابن حجر في "الفتح" (٤/٢٢٨-٢٢٩) : "اختلف المجيزون في المراد بقوله ﷺ : "وليه" فقيل: كل قريب، وقيل الوارث خاصة، وقيل عصبته، والأول أرجح، والثاني قريب، ويرد الثالث قصة المرأة التي سألت عن نذر أمها.
стр. 685
واختلفوا أيضاً هل يختص ذلك بالولي؟ لأن الأصل عدم النيابة في العبادة البدنية ولأنها عبادة لا تدخلها النيابة في الحياة فكذلك في الموت إلا ما ورد فيه الدليل فيقتصر على ما ورد فيه ويبقى الباقي على الأصل وهذا هو الراجح، وقيل يختص بالولي فلو أمرَ أجنبيًّا بأن يصوم عنه أجزأ كما في الحج، وقيل يصح استقلال الأجنبي بذلك وذكر الولي لكونه الغالب وظاهر صنيع البخاري اختيار هذا الأخير، وبه جزم أبو الطيب الطبري وقوّاه بتشبيهه ﷺ ذلك بالدَّيْن، والدين لا يختص بالقريب".
فرع: من مات وعليه صوم نذر صام عنه رجال بعدد الأيام التي عليه جاز، قال الحسن: "إن صام عنه ثلاثون رجلاً كل واحد يومًا جاز" (٢) .
أما الإطعام فإن جمع وليه مساكين بعدد الأيام التي عليه وأشبعهم جاز، وكذلك فعل أنس بن مالك ﵁.
الكفارة
من أفسد صوم يوم من رمضان بجماع تام أثم به، ولزمته الكفارة وبهذا قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد وداود والعلماء كافة إلا الشعبي وسعيد بن جبير والنخعي وقتادة فإنهم قالوا: لا كفارة عليه، كما لا كفارة عليه بإفساد الصلاة وهذا مرجوح لأن الصوم يخالف الصلاة فإنه لا مدخل للمال في جبرانها.
والكفارة هي: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا.
هل هذه الكفارة مرتبة ككفارة الظهار أو على التخيير .
ونعني بالترتيب: ألا يتنقل المكلف إلى واحد من الواجبات المخيّرة إلا بعد العجز عن الذي قبله، وبالتخيير: أن يفعل منها ما شاء ابتداءً من غير عجز عن
стр. 686
الآخر اختلفوا في ذلك.
* فقال الجمهور: هذه الكفارة على الترتيب: فيجب عتق رقبة فإن عجز فصوم شهرين متتابعين، فإن عجز فإطعام ستين مسكينًا، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي وأحمد في أصح الروايتين عنه.
* وقال مالك: هو مخير بين الخصال الثلاث وأفضله عنده الإطعام.
* وعن الحسن البصري أنه مخير بين عتق رقبة ونحر بدنة.
* "وسبب اختلافهم في وجوب الترتيب: تعارض ظواهر الآثار في ذلك والأقيسة، وذلك أن ظاهر حديث الأعرابي المتقدم في باب الجماع يوجب أنها على الترتيب إذ سأله النبي ﷺ عن الاستطاعة عليها مرتبًا، وظاهر ما رواه مالك من "أن رجلاً أفطر في رمضان فأمره رسول الله ﷺ أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينًا" أنها على التخيير. وأما الأقيسة المعارضة في ذلك فتشبيها تارة بكفارة الظهار وتارة بكفارة اليمين، لكنها أشبه بكفارة الظهار منها بكفارة اليمين، وأخذ الترتيب من حكاية لفظ الراوي.
وأما استحباب مالك الابتداء بالإطعام فمخالف لظواهر الآثار، وإنما ذهب إلى هذا من طريق القياس؛ لأنه رأى الصيام قد وقع بدلاً منه الإطعام في مواضع شتى من الشرع، وأنه مناسب له أكثر من غيره وهذا كأنه من باب ترجيح القياس الذي تشهد له الأصول على الأثر الذي لا تشهد له الأصول" (١) .
والراجح قول الجمهور وهي: أنها على الترتيب. ومما يرجح هذا:
* أن الذين رووا الترتيب أكثر فروايتهم أرجح لأنهم أكثر عددًا فمن روى الترتيب عن الزهري تمام ثلاثين نفسًا.
* ولأن معهم زيادة علم، حيث اتفقوا على أن الإفطار كان بالجماع، ولم يحدث هذا في الروايات الأخرى، ومن علم حجة على من لا يعلم.
* ومما يرجح الترتيب أنه أحوط.
* ولأن الأخذ به مجزئ سواء قلنا بالتخيير أو لا، بخلاف العكس.
стр. 687
* قال البيضاوي: ترتيب الثاني بالفاء على فقد الأول ثم الثالث بالفاء على فقد الثاني يدل على عدم التخيير، مع كونها في معرض البيان وجواب السؤال فينزل منزلة الشرط للحكم.
* قال ابن حجر في "الفتح" (٤/١٩٧-١٩٨) في معرض الرد على مالك: "وقع في "المدونة" ولا يعرف مالك غير الإطعام ولا يأخذ بعتق ولا صيام. قال ابن دقيق العيد: وهي معضلة لا يهتدي إلى توجيهها مع مصادمة الحديث الثابت، غير أن بعض المحققين من أصحابه حمل هذا اللفظ وتأوله على الاستحباب في تقديم الطعام على غيره من الخصال.
وكل الوجوه التي ذكروها لا تقاوم ما ورد في الحديث من تقديم العتق على الصيام ثم الصيام، سواء قلنا الكفارة على الترتيب أو التخيير، فإن هذه البداءة إن لم تقتض وجوب الترتيب فلا أقل من أن تقتضي استحبابه. ومن المالكية من وافق على هذا الاستحباب، ومنهم من قال: إن الكفارة تختلف باختلاف الأوقات، ففي وقت الشدة يكون بالإطعام، وفي غيرها يكون بالعتق أو الصوم ونقلوه عن محققي المتأخرين ومنهم من قال: الإفطار بالجماع يكفر بالخصال الثلاثة، وبغيره لا يكفر إلا بالإطعام وهو قول أبي مصعب، وقال ابن جرير الطبري: هو مخيَّر بين العتق والصوم ولا يطعم إلا عند العجز عنهما".
* ولقد رجح ابن رشد قول الجمهور، ورجحه أيضًا ابن العربي شيخ المالكية فيقول: "إن النبي ﷺ نقله (١) من أمر بعد عدمه لأمر آخر وليس هذا شأن التخيير" (٢) .
* قال ابن حجر في "الفتح" (٤/١٩٧) :
"والمراد بالإطعام لإعطاء لا اشتراط حقيقة الإطعام من وضع المطعوم في الفم، بل يكفي الوضع بين يديه بلا خلاف، وفي إطلاق الإطعام ما يدل على الاكتفاء بوجود الإطعام من غير اشتراط مناولة وفي ذكر الإطعام ما يدل على
стр. 688
وجود طاعمين فيخرج الطفل الذي لم يطعم كقول الحنفية، ونظر الشافعي إلى النوع فقال: يسلم لولية".
حكمة الأنواع الضعيفة في الكفارة
قال ابن حجر: "ذكر في حكمة هذه الخصال من المناسبة أن من انتهك حرمة الصوم بالجماع فقد أهلك نفسه بالمعصية فناسب أن يعتق رقبة فيفدي نفسه، وقد صح أن من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار.
* أما الصيام فمناسبته ظاهرة لأنه كالمقاصة بجنس الجناية، وأما كونه شهرين فلأنه لما أمر بمصابرة النفس في حفظ كل يوم من شهر رمضان على الولاء فلما أفسد منه يوماً كان كمن أفسد الشهر كله من حيث أنه عبادة واحدة بالنوع فكلف بشهرين مضاعفة على سبيل المقابلة لنقيض قصده.
وأما الإطعام فمناسبته ظاهرة لأنه مقابلة كل يوم بإطعام مسكين.
ثم إن هذه الخصال جامعة لاشتمالها علي حق الله وهو الصوم، وحق الأحرار بالإطعام، وحق الإرقاء بالعتق، وحق الجاني بثواب الامتثال" (١) .
* يشترط في صوم هذه الكفارة التتابع عند الجمهور وهو الراجح، وجوّز ابن أبي ليلى تفريقه. وحديث أبي هريرة مقيد بالتتابع فيحمل المطلق عليه.
* يجب على المكفر مع الكفارة قضاء اليوم الذي جامع فيه وهو قول جميع الفقهاء خلافًا للأوزاعي فقال: إن كفر بالصوم لم يجب قضاؤه، وإن كفر بالعتق أو الإطعام قضاه.
* لو جامع في صوم غير رمضان من قضاء أو نذر أو غيرهما فلا كفارة وبه قال الجمهور. وقال قتادة تجب الكفارة في إفساد قضاء رمضان.
اختلافهم في وجوب الكفارة على المرأة إذا طاوعته على الجماع
стр. 689
* ذهب الشافعي وأحمد وداود إلى أنه لا كفارة عليها. وذهب أبو حنيفة وأصحابه ومالك وأصحابه إلى وجوب الكفارة عليها وهو قول الجمهور.
قال ابن رشد في "بداية المجتهد" (٢/١٨٣) :
"وسبب اختلافهم معارضة ظاهر الأثر للقياس، وذلك أنه ﷺ لم يأمر المرأة بكفارة في الحديث، والقياس أنها مثل الرجل إذا كان كلاهما مكلفًا".
قال ابن حجر: "استدل بإفراده بذلك (١) على أن الكفارة عليه وحده دون الموطوءة وكذا قوله في المراجعة "هل تستطيع" و"هل تجد" وغير ذلك، وهو الأصح من قولي الشافعية وبه قال الأوزاعي. وقال الجمهور وأبو ثور وابن المنذر تجب الكفارة على المرأة أيضاً على اختلاف وتفاصيل لهم في الحرة والأمة والمطاوعة والمكرهة وهل هي عليها أو على الرجل عنها، واستدل الشافعية بسكوته ﵊ عن إعلام المرأة بوجوب الكفارة مع الحاجة، وأجيب بمنع وجود الحاجة إذ ذاك لأنها لم تعترف ولم تسأل واعتراف الزوج عليها لا يوجب عليها حكمًا ما لم تعترف، وبأنها قضية حال فالسكوت عنها لا يدل على الحكم لاحتمال أن تكون المرأة لم تكن صائمة لعذر من الأعذار، ثم إن بيان الحكم للرجل بيان في حقها لاشتراكما في تحريم الفطر وانتهاك حرمة الصوم كما لم يأمره الغسل. والتنصيص على الحكم في في بعض المكلفين كاف عن ذكره في حق الباقين، ويحتمل أن يكون سبب السكوت عن حكم المرأة ما عرفه في كلام زوجها بأنها لا قدرة لها على شيء.
قال القرطبي: ليس في الحديث ما يدل على شيء لأنه ساكت عن المرأة فيؤخذ حكمها من دليل آخر مع احتمال أن يكون سبب السكوت أنها كانت غير صائمة".
مسألة [مقدار الكفارة بالإطعام]
اختلفوا في مقدار الكفارة بالإطعام: فقال مالك والشافعي وأحمد في
стр. 690
المشهور عنه: يطعم لكل مسكين مُدًا بمد النبي ﷺ .
* وقال أبو حنيفة: لا يجزيء أقل من مدين يعني نصف صاع.
وسبب الخلاف: معارضة القياس لمفهوم الحديث.
* أما القياس: هو قياس هذه الكفارة بفدية الأذى التي نص عليها.
* وأما الأثر فهو: ما روي في بعض طرق حديث أبي هريرة أن العرق الذي أتى به النبي ﷺ فيه خمسة عشر صاعًا.
والراجح ما ذهب إليه الجمهور لما رواه الدارقطني عن علي ﵁ لكل مسكين مدّ والله أعلم.
مسألة [هل تسقط الكفارة بالإعسار ، وهل يجب عليه الإطعام إذا أيسر وكان معسرًا في وقت الوجوب؟]
* اختلفوا هل تكون الكفارة في ذمته إذا كان معسرًا وإذا أيسر وجبت عليه أم لا؟
* فذهب الشافعي في المشهور عنه والأوزاعي إلى أنها تسقط عليه إذا كان معسرًا وقت الوجوب، وقال الأوزاعي: لا شيء عليه إن كان معسرًا.
* وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنها لا تسقط عنه.
وسبب الخلاف: أن من أسقطها بالإعسار قال: إن رسول الله ﷺ دفع العرق للأعرابي فأمره أن يطعمه أهله ولم يأمره بقضائها إذا أيسر فعلم بذلك أنها ساقطة عنه، وترك البيان وقت الحاجة لا يجوز عند أهل الأصول، ومن لم يسقطها شبهها بالديون التي تكون في الذمة. ورجّح النووي في "شرح مسلم" وجوبها في الذمة وهو الراجح لقول النبي ﷺ : "فدين الله أحق أن يقضى" وأن الرسول ﷺ يحتمل أنه أمر الإعرابي بقضائها إذا أيسر ولم يذكره الراوي.
ويحتمل أنه لما كان أهله أحوج الناس إليها كفر عنه رسول الله ﷺ وتصدق بها على أهله لقوله تعالى (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) .
* قال ابن حجر في "فتح الباري" (٤/٢٠٣) :
стр. 691
"قال ابن دقيق العيد: تباينت في هذه القصة المذاهب: فقيل إنه دل على سقوط الكفارة بالإعسار المقارن لوجوبها لأن الكفارة لا تصرف إلى النفس ولا إلى العيال، ولم يبين النبي ﷺ استقرارها في ذمته إلى حين يساره، وهو أحد قولي الشافعية وجزم به عيسى بن دينار من المالكية. وقال الأوزاعي يستغفر الله ولا يعود. ويتأيد ذلك بصدقة الفطر حيث تسقط بالإعسار المقارن لسبب وجوبها وهو هلال الفطر، لكن الفرق بينهما أن صدقة الفطر لها أمد تنتهي إليه وكفارة الجماع لا أمد لها فتستقر في الذمة.
وليس في الخبر ما يدل على إسقاطها بل فيه ما يدل على استمرارها على العاجز، وقال الجمهور: لا تسقط الكفارة بالإعسار، والذي أذن له في التصرف فيه ليس على سبيل الكفارة. قيل لما كان عاجزًا عن نفقة أهله جاز له أن يصرف الكفارة لهم، وهذا هو ظاهر الحديث.
قال الشيخ تقي الدين: وأقوى من ذلك أن يجعل الإعطاء لا على جهة الكفارة بل على جهة أصدق عليه وعلى أهله بتلك الصدقة لما ظهر من حاجتهم، وأما الكفارة فلم تسقط بذلك، ولكن ليس استقرارها في ذمته مأخوذًا من هذا الحديث. وأما ما اعتلوا به من تأخير البيان فلا دلالة فيه لأن العلم بالوجوب قد تقدم. ولم يرد في الحديث ما يدل على الإسقاط لأنه لما أخبره بعجزه، ثم أمره بإخراج العرق دل على أن لا سقوط عن العاجز، ولعله أخر البيان إلى وقت الحاجة وهو القدرة أ. هـ.
وتصرف النبي ﷺ في مال الصدقة تصرف الإمام في إخراج مال الصدقة فلا يكون فيه إسقاط ولا أكل المرء من كفارة نفسه ولا إنفاقه على من تلزمه نفقتهم من كفارة نفسه".
خلافهم في الكفارة
اختلفوا في إيجاب الكفارة بالقبلة والنظر والمباشرة والإنعاظ.
ورأى الجمهور أقوى وأرجح أن لا كفارة.
واختلفوا في وجوب الكفارة على من أكل أو شرب متعمدًا فذهب مالك
стр. 692
وأصحابه وأبو حنيفة وأصحابه والثوري إلى وجوب القضاء والكفارة ورأى الجمهور وهو الأرجح أن لا كفارة.
فلا كفارة إلا في الجماع في رمضان متعمدًا.
* قال النووي في "روضة الطالبين" (٢/٣٧٩) : "هل تكون شدة الغلمة عذرًا في العدول عن الصيام إلى الإطعام؟ وجهان: أصحهما: أنها عذر".
الفدية
تكلمنا عنها في الكلام عن المريض الذي يرجى شفاؤه، والحامل والمرضع.
قال تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) .
قرأ ابن عمر فدية طعام مساكين. بالإضافة وبلفظ الجمع وهي قراءة نافع وابن زكوان.
وقرأ الباقون بتنوين "فديةٌ" وتوحيد "مسكين" و"طعامُ" بالرفع على البدلية، وأما الإضافة فهي من إضافة الشيء إلى نفسه، والمقصود به البيان مثل خاتم حديد، وثوب حرير، لأن الفدية تكون طعامًا وغيره. ومن جمع مساكين فلمقابلة الجمع بالجمع، ومن أفرد فمعناه فعلى كل واحد ممن يطيق الصوم. ويستفاد من الإفراد أن الحكم لكل يوم يفطر فيه إطعام مسكين، ولا يفهم ذلك من بالجمع، والمراد بالطعام الإطعام".
قال النووي في "روضة الطالبين" (٢/٣٨٠-٣٨٥) :
"هي مد من الطعام لكل يوم من أيام رمضان. وجنسه جنس زكاة الفطر. فيعتبر غالب قوت البلد على الأصح. ولا يجزيء الدقيق والسويق.
ومصرفها: الفقراء أو المساكين.
وكل مد من ككفارة تامة فيجوز صرف عدد منها إلى مسكين واحد، بخلاف أمداد الكفارة فإنه يجب صرف كل مدّ إلى مسكين.
* وتجب الفدية بثلاثة طرق:
الأول: فوات نفس الصوم، كمن فاته صوم يوم من رمضان ومات قبل
стр. 693
قضائه، بعد تمكنه من القضاء وترك الأداء بعذر أم بغيره.
فلابد من تداركه بعد موته، وفي صفة التدارك قولان: الجديد أنه يُطعم من تركته عن كل يوم مدًا" (١) .
* الشيخ الهرم الذي لا يطيق الصوم، أو تلحقه به مشقة شديدة.
لا صوم عليه. وفي وجوب الفدية عليه قولان أظهرها الوجوب ويجري القولان في المريض الذي لا يرجى برؤه.
* وإذا أوجبنا الفدية على الشيخ، فكان معسرًا، هل تلزمه إذا قدر؟
قولان كالكفارة.
الطريق الثاني لوجوب الفدية: ما يجب لفضيلة الوقت (٢) .
* كالحامل والمرضع: [تجب عليهما الفدية فقط عند ابن عباس] (٣) .
ولا تتعدد الفدية بتعدد الأولاد على الأصح.
* لو رأى مشرفًا على الهلاك بغرق أو غيره وافتقر في تخليصه إلى الفطر فيجب عليه الفطر ويلزمه القضاء، وتلزمه الفدية على الأصح أيضاً كالمرضع.
الطريق الثالث: ما يجب لتأخير القضاء:
فمن عليه قضاء رمضان، وأخّره حتى دخل رمضان السنة القابلة، نظر، فإن كان مسافرًا أو مريضاً، فلا شيء عليه، فإن تأخير الأداء بهذا العذر جائز فتأخير القضاء أولى، وإن لم يكن فعليه مع القضاء لكل يوم مد.
ولو أخّر حتى مضى رمضانان فصاعدًا، فهل تكرر الفدية؟ وجهان. قال في "النهاية": الأصح التكرر. فإن تكررت السنون زادت الأمداد.
ولو أفطر عدوانا وألزمناه الفدية فأخرّ القضاء فعليه لكل يوم فديتان واحدة للإفطار، وأخرى للتأخير، هذا هو المذهب".
стр. 694
صوم النذر
النذر ضربان:
* أحدهما: نذر تبرر.
* والثاني: نذر لجاج وغضب.
* النوع الأول: نذر التبرر: ونوعان:
(١) أحدهما: نذر المجازاة: وهو أن يلتزم قربة كالصوم في مقابلة حدوث نعمة أو اندفاع بلية كقوله: إن شفى الله مريضي، أو رزقني ولدًا، أو نجانا من الغرق أو من العدو الظالم، ونحو ذلك فللَّه على صوم كذا أو صلاة كذا، فإذا حصل المعلق به لزمه الوفاء بما التزم، وهذا لا خلاف فيه لعموم الحديث الصحيح: "من نذر أن يطيع الله فليطعه".
(٢) أن يلتزمه ابتداء من غير تعليق على شيء:
فيقول ابتداءً: لله على أن أصوم.
وفيه وجهان أصحهما أنه يصح نذره.
* النوع الثاني: "نذر اللجاج والغضب".
وهو أن يمنع نفسه من فعل أو يحثها عليه بتعليق التزام قربة بالفعل أو بالترك ويقال فيه يمين اللجاج والغضب، ويقال له أيضاً: يمين الغلق ويقال أيضاً: نذر الغَلقَ.
فإذا قال: إن كلمت فلانًا، أو إن دخلت الدار أو إن لم أخرج من البلد فللَّه على صوم شهر أو نحو ذلك.
وهذا يخيرّ بين ما التزم وكفارة اليمين.
* الصيغة قد تردد فتحتم نذر التبرر، وتحتمل نذر اللجاج فيرجع فيها إلى قصد الشخص وإرادته.
فإن قال: إن صليت فللَّه على صوم يوم معناه: إن وفقني الله للصلاة صمت فإذا وفق لها لزمه الصوم.
стр. 695
ويتصور اللجاج بأن يقول له: صل فيقول لا أصلي وإن صليت فعليّ صوم فإذا صلى ففيما يلزمه الأقوال والطريق السابق.
* الملتزم بالنذر إن نذر واجبًا فلا يصح نذره لأنه واجب بإيجاب الشرع له، كمن نذر صوم رمضان لا يصح نذره.
* وإن نذر مستحبًا كنوافل الصوم لزمه بلا خلاف.
من نذر أن يصوم أيامًا فوافق النحر أو الفطر.
* عن حكيم بن أبي حُرة الأسلمي أنه "سمع عبد الله بن عمر ﵄ سئل عن رجل نذر أن لا يأتي عليه يوم إلا صام فوافق يوم أضحى أو فطر فقال: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، لم يكن يصوم الأضحى والفطر ولا يرى صيامهما" رواه البخاري.
قال ابن حجر في "الفتح" (١١/٥٩٩) : "انعقد الإجماع على أنه لا يجوز له أن يصوم يوم الفطر ولا يوم النحر لا تطوعًا، ولا عن نذر سواء عينهما أو أحدهما بالنذر، أو وقعا معا، أو أحدهما اتفاقًا، لو نذر لم ينعقد نذره عند الجمهور، وعند الحنابلة روايتان في وجوب القضاء، وخالف أبو حنيفة فقال: لو أقد فصام وقع ذلك عن نذره".
وفي سياق الحديث إشعار برجحان المنع عند ابن عمر.
وعن الحسن: يصوم يوماً مكانه.
قال النووي في "المجموع" (٨/٤٤٢-٤٤٣) : "إذا نذر صوم يوم الفطر أو الأضحى أو التشريق وقلنا أنه لا يجوز صوم يوم التشريق لم ينعقد نذره ولم يلزمه بهذا النذر شيء.
هذا مذهبنا وبه قال مالك وأحمد وجماهير العلماء. وخالفهم أبو حنيفة فقال: ينعقد نذره، ولا يصوم ذلك، بل يصوم غيره. قال: فإن صامه أجزأه وسقط عنه به فرض نذره "ورأى الجمهور هو الأصح والأرجح لقوله ﷺ : "لا نذر في معصية".
стр. 696
مسائل من المجموع
(١) إذا أطلق التزام الصوم: فقال لله علىّ صوم أو أن: أصوم لزمه صوم يوم بناءً على أن النذر ينزل على أقل ما يصح من جنسه.
(٢) هل يجب تبييت النية في الصوم المنذور أم يكفي بنية قبل الزوال؟
الأصح: اشتراط التبييت فالنذر واجب.
(٣) إذا لزمه صوم يوم النذر فيستحب البادرة به، ولا تجب المبادرة، بل يخرج عن نذره بأي يوم صامه من الأيام التي تقبل الصوم غير رمضان.
* ولو نذر صوم يوم خميس ولم يعين صام أي خميس شاء، فإذا مضى خميس ولم يصم مع التمكن استقر في ذمته حتى لو مات قبل الصوم فدى عنه.
* ولو عين في نذره يوماً كأول خميس من الشهر أو أول خميس هذا الأسبوع تعيّن، وبه قطع الجمهور فلا يصح الصوم قبله، فإن أخرّه عنه صام قضاء، سواء أخره بعذر أم لا، لكن أن أخره بعذر أثم، وإن أخره بعذر سفر أو مرض لا يأثم.
(٤) لوعيّن يوماً من أسبوع والتبس عليه فينبغي أن يصوم يوم الجمعة لأنه آخر الأسبوع، فإن لم يكن هو المعين في نفس الأمر أجزأه وكان قضاءً، ومما يدل على أن يوم الجمعة آخر الأسبوع ويوم السبت أوله حديث أبي هريرة ﵁ قال: "أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: "خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيه الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الإثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبعث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق، في آخر ساعة من النهار فيما بين العصر إلى الليل" رواه مسلم.
(٥) الصوم المعين بالنذر لا يثبت له خواص رمضان: سواءً عيناه بالنذر أم جوّزناه من الكفارة بالفطر بالجماع فيه، ووجوب الإمساك لو أفطر، وعدم قبول صوم آخر من قضاء أو كفارة أو غيرهما، بل لو صامه من قضاء أو كفارة صحّ بلا خلاف.
стр. 697
(٦) إذا نذر صوم أيام بأن قال: لله علي صوم عشرة أيام: يجوز صوم هذه الأيام متفرقة ومتتابعة لحصول الوفاء بالمسمى.
(٧) وإن عيّن النذر بالتتابع لزمه. فإن أخلّ به فحكمه حكم صوم الشهرين المتتابعين.
(٨) إذا نذر صوم شهر: نُظر: إن عيّنه كرجب أو شعبان، أو قال: أصوم شرًا من الآن، فالصوم يقع متتابعًا لتعين أيام الشهر ولو أفطر يوماً لا يلزمه الاستئناف.
* فلو شرط التتابع: فيه وجهان أصحهما: يلزمه، حتى لو أفسد يوم لزمه الاستئناف، وإذا فات لزمه قضاؤه متتابعًا.
(٩) إذا نذر صوم سنة: فله حالان:
(أحدهما) أن يعين سنة متوالية بأن يقول أصوم سنة كذا أو سنة من أول شهر كذا أو من الغد فصيامها يقع متتابعًا لضرورة الوقت ويصوم رمضان عن فرصة ويفطر العيدين وكذا التشريق ولا يجب قضاء رمضان والعيدين والتشريق لأنها داخلة في النذر. ولو أفطرت المرأة فيها بحيض أو نفاس ففي وجوب القضاء قولان أصحهما لا يجب كالعيد وبه قال الجمهور.
* ولو أفطر بالمرض فيه الخلاف ورجح ابن حج وجوب القضاء لأنه لا يصح أن ينذر صوم أيام الحيض ويصح أن ينذر صوم أيام المرض.
ولو أفطر بالسفر فطريقان أصحهما: وجوب القضاء.
(الحال الثاني) : إذا نذر صوم سنة وأطلق، فإن لم يشترط التتابع صام ثلاثمائة وستين يوماً أو اثنى عشر شهرا بالأهلة أيهما شاء فعله وأجزأه، وكلشهر استوعبه بالصوم فناقصه كالكامل يحسب شهرًا، وإن انكسر شهر أتمه ثلاثين يوماً، وشوال وذو الحجة منكسران بسبب العيد والتشريق ولا يلزمه التتابع هنا بلا خلاف، فلو صام سنة متوالية قضى العيدين ورمضان ويجب قضاء أيام الحيض.
وإذا أفطر بلا عذر وجب الاستئناف بلا خلاف.
стр. 698
(١٠) لو نذر صوم ثلثمائة وستين يوماً لزمه صوم هذا العدد ولا يلزمه فيه التتابع. ولو قال متتابعة لزمه التتابع ويقضي رمضان والعيدين والتشريق على الاتصال.
(١١) إذا نذر أن يصوم في الحرم ففيه خلاف والأصح: لا يجزئه في غيره.
(١٢) إذا قال لله على صوم هذه السنة لزمة صوم باقي سنة التاريخ ولا يلزمه غير ذلك، لأن السنة تنصرف إلى المعهودة المشار إليها، وهي سنة التاريخ فكأنه قال: باقي هذه السنة.
(١٣) لو نذر صوم يوم الخميس مثلاً لم يجز الصوم قبله. وبه قال مالك وأحمد وداود وهو المشهور من مذهب الشافعي. وقال أبو يوسف يجزئه.
ودليل الجمهور أنه صوم متعلق بزمان، فلا يجوز قبله كرمضان.
(١٤) وإن نذر أن يصوم في كل اثنين لم يلزمه قضاء أثاني رمضان لأنه يعلم أن رمضان لابد فيه من الأثانين فلا يدخل في النذر فلم يجب قضاؤها وكذا أيام العيد إذا وافقت الإثنين.
* وإن لزمه صوم الاثنين بالنذر، ثم لزمه صوم شهرين متتابعين في كفارة.
بدأ بصوم الشهرين ثم يقضى صوم الأثانين، لأنه إذا بدأ بصوم الشهرين يمكنه بعد الفراغ من الشهرين، أن يقضي صوم الأثانين، وإذا بدأ بصوم الأثانين لم يمكنه أن يقضي صوم الشهرين فكان الجمع بينهما أولى.
(١٥) إن نذر صوم الدهر: انعقد نذره، ويستثنى منه العيدان والتشريق وقضاء رمضان، وكذا لو كان عليه كفارة حال النذر، ويلزمه صوم ما سوى ذلك من أيام الدهر، ولو لزمه كفارة بعد النذر فالمذهب أن يصوم عنها ويفدي عن النذر.
(١٦) إن نذر أن يصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان يصح نذره لأنه يمكنه أن يتحرى اليوم الذي يقدم فيه، فينوي صيامه من الليل، فإذا قدم صارما صامه قبل القدوم تطوعًا وما بعده فرضًا وذلك يجوز.
стр. 699
فإن قلنا ينعقد نذره نظر إن قدم ليلاَّ فلا صوم على الناذر لأنه لم يوجد يوم قدوم. ولو عنى باليوم الوقت لم يلزمه أيضاً لأن الليل ليس بقابل للصوم، قال الشافعية: ويستحب (الفداء أو يصوم يوماً آخر) .
* وإن قدم بالنهار فللناذر أربعة أحوال:
(١) أن يكون مفطرًا فيلزمه أن يصوم عن نذره يوماً آخر.
(٢) أن يقدم فلان والناذر صائم عن واجب من قضاء أو نذر فيتم ما هو فيه ويلزمه صوم يوم آخر لهذا النذر.
(٣) أن يقدم وهو صائم تطوعًا أو غير صائم وهو ممسك وهو قبل زوال الشمس فيبني على أنه يجب الصوم من أول النهار فيلزمه صوم يوم آخر.
(٤) أن يقدم فلان يوم العيد أو في رمضان، فهو كما لو قدم ليلاً.
(١٧) إذا قال: إن قدم فلان فلله على أن أصوم أمس يوم قدومه فلا يصح نذره.
(١٨) إذا اجتمع في يوم نذران بأن قال: إن قدم زيد لله على أن أصوم اليوم الذي يلي يوم مقدمه، وإن قدم عمرو فلله على أن أصوم أول خميس بعده، فإن قدم زيد وعمرو يوم الأربعاء، لزمه صوم يوم الخميس عن أول نذره، ثم يقضي عن الآخر.
(١٩) لو شرع في صوم تطوع، ثم نذر إتمامه فهل يلزمه إتمامه؟ فيه وجهان، الصحيح: أنه يلزمه.
عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
(٢٠) "كفارة النذر كفارة اليمين" رواه مسلم.
قال ابن حجر في "الفتح" (١١/٥٩٥) : "حمله الجمهور على نذر اللجاج وبعضهم على النذر المطلق".
قال ﷺ : "لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم" رواه مسلم.
واختلف فيمن وقع من النذر من ذلك هل تجب فيه كفارة؟ فقال الجمهور: لا، وعن أحمد والثوري وإسحاق وبعض الشافعية وبعض الحنفية:
стр. 700
نعم، ونقل الترمذي اختلاف الصحابة في ذلك كالقولين. واتفقوا على تحريم النذر في المعصية، واختلافهم إنما هو في وجوب الكفارة.
صوم الكفارات
سبق ذكره في "الصوم على أربعين وجها":
قال تعالى: (لا يُؤَاخِذُكمُ الله بِاللَّغْوِ فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقدتُّمُ الأَيمَانَ فَكَفَّارَتُة إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِن أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكمْ أَوْ كِسْوَتُمْ أَوْ تحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّم يَجِدْ فَصِيَام ثَلاثةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفارَة أَيْمَانِكُم إِذَا حَلَفتُمْ وَاحْفَظوا أَيْمَانَكمْ كذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُم آيَاتِهِ لَعَلَّكُم تَشكُرُونَ) [المائدة: ٨٩] .
وقال تعالى: (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) .
قال مجاهد: كل شيء في القرآن "أوْ" نحو قوله: (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) فهو فيه مخير، وما كان (فمن لم يجد) فهو على الولاء أي على الترتيب. رواه الطبراني بسند صحيح.
وقال عطاء: ما كان في القرآن (أو أو) فلصاحبه أن يختار أيها شاء.
سنده صحيح.
وقال عكرمة: كل شيء في القرآن "أو أو" فليتخير أي الكفارات شيء، فإذا كان (فمن لم يجد) فالأول الأول.
قال ابن بطال: هذا متفق عليه بين العلماء.
مسألة [اختلافهم في اشتراط تتابع الأيام الثلاثة في صوم الكفارة]
ذهب مالك والشافعي إلى عدم اشتراط التتابع ويجزئه التفريق وإن كانا استحباه ودليلهم أن التتابع صفة، تجب إلا بنص أو قياس على منصوص وقد عدما.
* وذهب أبو حنيفة والثوري والمزني وأحد قولي الشافعي إلى وجوب التتابع وسبب اختلافهم في ذلك شيئان: أحدها: هل يجوز العمل بالقراءة التي
стр. 701
ليست في المصحف؟ وذلك أن في قراءة عبد الله بن مسعود (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) والسبب الثاني: اختلافهم هل يحمل الأمر بمطلق الصوم على التتابع أم ليس يحمل إذا كان الأصل في الصيام الواجب بالشرع إنما هو التتابع.
مسألة: "قال أبو حنيفة في الرجل يقول: هو يهودي أو نصراني أو برئ من الإسلام أو من النبي أو من القرآن إنها يمين تلزم فيها الكفارة، ولا تلزم فيها، إذا قال: واليهودية والنصرانية والنبي والكعبة إن كانت على صيغة الإيمان" (١) .
* عن كعب بن عجرة قال: أتيته - يعني النبي ﷺ - فقال: ادن فدنوت، فقال: "أيؤذيك هوامك؟ " قلت: نعم. قال: "فدية من صيام أو صدقة أو نسك" رواه البخاري.
***
стр. 702
ما يباح للصائم فعله
من ﵀ بعباده ورفعًا للحرج عن أمة حبيبه ﷺ ، أباح الشارع للصائم فعل أشياء:
(١) الصائم يصبح جنبًا:
من أدركه الفجر وهو جنب من أهله، فيغتسل بعد الفجر ويصوم.
وكذلك الحائض والنفساء إذا انقطع الدم من الليل جاز لهما تأخير الغسل إلى الصبح وأصبحتا صائمتين.
عن عائشة وأم سلمة ﵄ "أن النبي ﷺ كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم" (١) .
(٢) السواك للصائم:
قال ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء" (٢) .
قال ابن حجر في "الفتح" (٤/١٨٨) : "يقتضي إباحته في كل وقت وعلى كل حال".
قال ابن عمر يستاك أول النهار وآخره.
وقال ابن سيرين: لا بأس بالسواك الرطب. قيل له طعم. قال: والماء له طعم وأنت تمضمض به.
قال ابن حجر في "تلخيص الحبير" (٢/٢٠٢) : "روى الطبراني بإسناد جيد عن عبد الرحمن بن غنم. قال: سألت معاذ بن جبل أأتسوك وأنا صائم؟ قال: نعم. قلت: أي النهار؟ قال: غدوة أو عشية. قلت: إن الناس يكرهونه عشية ويقولون إن رسول ﷺ : "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" قال: "سبحان الله لقد أمرهم بالسواك، وما كان بالذي يأمرهم أن ييبسوا بأفواهم عمدًا، ما في ذلك من الخير شيء بل فيه شر".
стр. 703
فالسواك عام قبل الزوال وبعده.
(٣) المضمضة والاستنشاق:
إلا أنه تكره المبالغة فيهما. عن لقيط بن صبرة أن النبي ﷺ قال: " ... وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً" (١) .
قال ابن قدامة: "وإن تمضمض أو استنشق في الطهارة فسبق الماء إلي حلقه من غير قصد ولا إسراف فلا شيء عليه".
قال عطاء: إن استنثر فدخل الماء في حلقه لا بأس إن لم يملك.
(٤) المباشرة والقبلة للصائم:
عن عائشة- ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم ويباشر وهو صائم ولكنه كان أملككم لإربه" (٢) .
(٥) تحليل الدم وضرب الإبر والحقن التي في العضل أو الوريد:
ليست من المفطرات "لأنها ليست منصوصًا عليها ولا بمعنى المنصوص ولكن الاحتياط أن الإنسان لا يستعمل مثل هذه الإبرة وهو صائم إلا في حال مرض يبيح له الفطر وحينئذ يفطر ويستعملها". كما قال الشيخ ابن عثيمين.
(٦) الحجامة:
وهو أخذ الدم من الرأس أو من عرق من العروق، وكذا القصد. فقد كانت من جملة المفطرات ثم نسخت، وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم لما ورد عن ابن عباس ﵄: " أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم" (٣) .
стр. 704
(٧) الكحل والقطرة ونحوهما مما يدخل العين:
هذه الأمور لا تفطر سواء وجد طعمه في حلقه أم لم يجده لأن العين ليست بمنفذ للجوف، وهذا ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية كما في "مجموع الفتاوى" وفي رسالته "حقيقة الصيام" وتلميذه ابن القيم في "زاد المعاد".
قال البخاري في "صحيحه": "لم ير أنس والحسن وإبراهيم بالكحل للصائم بأسًا".
(٨) صب الماء البارد على الرأس والاغتسال:
بوّب البخاري في صحيحه: "باب اغتسال الصائم، وبلّ ابن عمر ﵄ ثوبًا فألقاه عليه وهو صائم" ودخل الشعبي الحمام وهو صائم.
وقال الحسن: لا بأس بالمضمضة والتبرد للصائم" (١) .
وكان ﷺ يصب الماء على رأسه وهو صائم من العطش أو من الحر" (٢) .
(٩) ذوق الطعام: وهذا مقيد بعدم دخوله الحلق.
عن عطاء عن ابن عباس قال: "لا بأس أن يذوق الخل والشيء يريد شراءه" (٣) .
وعن ابن عباس قال: "لا بأس أن يتطاعم الصائم العسل والسمن ونحوه يمجه" (٤) .
стр. 705
(١٠) السلف للصائم الترفه والتجمل بالترجل والإدهان كما قال ابن حجر. وأيضاً التطيب.
عن ابن مسعود ﵁: "إذا كان صوم أحدكم فليصبح دهينًا مترجلاً" (١) .
(١١) ما لا يمكن الاحتراز منه كبلع الريق وغبار الطريق وغربلة الدقيق والنخامة ونحو ذلك.
(١٢) العلك: كل ما يمُضغ ويبقى في الفم كالمصطكي واللبان قال ابن حجر في "الفتح" (٤/١٩٠) : "رخص في مضغ العلك أكثر العلماء إن كان لا يتحلب منه شيء فمان تحلب منه شيء فازدرده فالجمهور على- أنه يفطر.
(١٣) قال ابن المنذر: "أجمعوا على أنه لا شيء على الصائم فيما يبتلعه مما جرى مع الريق مما بين أسنانه مما لا يقدر على إخراجه" (٢) .
***