Полный текст (386 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وسلم؛ فلا معنى للمعارضة، وقد صح أنه قال ﷺ : ((إنَّ الله جميل يحب الجمال)) ؛ فالوجه إنما هو التسليم والإيمان)) . اهـ.
وقال ابن القيم في ((النونية)) (٢/٦٤) :
((وَهُوَ الجَمِيلُ عَلَى الحَقِيقَةِ كَيْفَ لا ... وجمَالُ سَائِرِ هذهِ الأكْوَانِ
مِنْ بَعْض آثَارِ الجَمِيلِ فَرَبُّهَا ... أَوْلْى وَأجْدرُ عِنْدَ ذِي العِرْفَانِ
فَجَمَالُهُ بِالذَّاتِ والأوصَافِ وَالـ ... ِأفعَالِ وَالأسْمَاءِ بالبُرهَانِ
لا شَيءَ يُشْبِهُ ذَاتَهُ وصِفَاتِهِ ... سُبْحَانَهُ عَنْ إفْكِ ذِي بُهْتَانِ))
وقال الهرَّاس في ((الشرح)) : ((وأما الجميل؛ فهو اسم له سبحانه من الجمال، وهو الحسن الكثير، والثابت له سبحانه من هذا الوصف هو الجمال المطلق، الذي هو الجمال على الحقيقة؛ فإنَّ جمال هذه الموجودات على كثرة ألوانه وتعدد فنونه هو من بعض آثار جماله، فيكون هو سبحانه أولى بذلك الوصف من كل جميل؛ فإنَّ واهب الجمال للموجودات لابدَّ أنَّ يكون بالغاً من هذا الوصف أعلى الغايات، وهو سبحانه الجميل بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.
أما جمال الذات؛ فهو ما لا يمكن لمخلوق أنَّ يعبر عن شيء منه أو يبلغ بعض كنهه، وحسبك أنَّ أهل الجنة مع ما هم فيه من النعيم المقيم وأفانين اللذات والسرور التي لا يقدر قدرها، إذا رأوا ربهم، وتمتعوا بجماله؛ نسوا كل ما هم فيه، واضمحل عندهم هذا النعيم، وودوا لو تدوم لهم هذه
стр. 107
الحال، ولم يكن شيء أحب إليهم من الاستغراق في شهود هذا الجمال، واكتسبوا من جماله ونوره سبحانه جمالاً إلى جمالهم، وبقوا في شوق دائم إلى رؤيته، حتى إنهم يفرحون بيوم المزيد فرحاً تكاد تطير له القلوب.
وأما جمال الأسماء؛ فإنها كلها حسنى، بل هي أحسن الأسماء وأجملها على الإطلاق؛ فكلها دالة على كمال الحمد والمجد والجمال والجلال، ليس فيها أبداً ما ليس بحسن ولا جميل.
وأما جمال الصفات؛ فإنَّ صفاته كلها صفات كمال ومجد، ونعوت ثناء وحمد، بل هي أوسع الصفات وأعمها، وأكملها آثاراً وتعلقات، لا سيما صفات الرحمة والبر والكرم والجود والإحسان والإنعام.
وأما جمال الأفعال؛ فإنها دائرة بين أفعال البر والإحسان التي يحمد عليها ويشكر، وبين أفعال العدل التي يحمد عليها لموافقتها للحكمة والحمد؛ فليس في أفعاله عبث ولا سفه ولا جور ولا ظلم، بل كلها خير ورحمة ورشد وهدى وعدل وحكمة، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ، ولأنَّ كمال الأفعال تابع لكمال الذات والصفات؛ فإنَّ الأفعال أثر الصفات، وصفاته كما قلنا أكمل الصفات؛ فلا غرو أنَّ تكون أفعاله أكمل الأفعال)) .
- الْجَنْبُ
جعل بعضهم (الجنب) صفةً من صفات الله الذاتية، وهذا خطأ،
стр. 108
والسلف على خلاف ذلك، ومن هؤلاء الذين أثبتوا هذه الصفة صديق حسن خان في كتابه ((قطف الثمر)) (ص٦٧) ، والذين أثبتوا هذه الصفة يستدلون بقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ (الزمر: ٥٦) .
يقول ابن جرير عند تفسير هذه الآية: ((وقوله: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّه﴾ ؛ يقول: على ما ضيعت من العمل بما أمرني الله به، وقصرت في الدنيا في طاعة الله)) .أهـ.
وقال الدارمي في ((رده على المريسي)) (ص ١٨٤) : ((وادعى المعارض أيضاً زوراً على قوم أنهم يقولون في تفسير قول الله: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ ؛ قال: يعنون بذلك الجنب الذي هو العضو، وليس على ما يتوهمونه.
فيقال لهذا المعارض: ما أرخص الكذب عندك، وأخفه على لسانك، فإن كنت صادقاً في دعواك؛ فأشر بها إلى أحد من بني آدم قاله، وإلا؛ فلم تشنع بالكذب على قوم هم أعلم بهذا التفسير منك، وأبصر بتأويل كتاب الله منك ومن إمامك؟! .
إنما تفسيرها عندهم: تحسر الكفار على ما فرطوا في الإيمان والفضائل التي تدعو إلى ذات الله تعالى، واختاروا عليها الكفر والسخرية بأولياء الله،
стр. 109
فسماهم الساخرين، فهذا تفسير (الجنب) عندهم، فمن أنبأك أنهم قالوا: جنب من الجنوب؟! . فإنه [لا] يجهل هذا المعنى كثير من عوام المسلمين، فضلاً عن علمائهم)) أهـ.
ويقول شيخ الإسلام في ((الجواب الصحيح)) (٣/١٤٥، ١٤٦) : (( ... لا يُعرف عالم مشهور عند المسلمين، ولا طائفة مشهورة من طوائف المسلمين، أثبتوا لله جنباً نظير جنب الإنسان، وهذا اللفظ جاء في القرآن في قوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ (الزمر:٥٦) فليس في مجرد الإضافة ما يستلزم أنَّ يكون المضاف إلى الله صفة له، بل قد يضاف إليه من الأعيان المخلوقة وصفاتها القائمة بها ما ليس بصفة له باتفاق الخلق؛ كقوله تعالى: ﴿بَيْت الله﴾ ، ﴿ناقَة الله﴾ ، و ﴿عِبَاد الله﴾ ، بل وكذلك ﴿رُوح الله﴾ عند سلف المسلمين وأئمتهم وجمهورهم، ولكن؛ إذا أضيف إليه ما هو صفة له وليس بصفة لغيره؛ مثل كلام الله، وعلم الله، ويد الله، ونحو ذلك؛ كان صفة له.
وفي القرآن ما يبين أنه ليس المراد بالجنب ما هو نظير جنب الإنسان؛ فإنه قال: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ ، والتفريط ليس في شيء من صفات الله ، والإنسان إذ قال: فلان قد فرط في جنب فلان أو جانبه؛ لا يريد به أنَّ التفريط وقع في شيء من نفس ذلك الشخص، بل يريد به أنه فرط في جهته وفي حقه.
стр. 110
فإذا كان هذا اللفظ إذا أضيف إلى المخلوق لا يكون ظاهره أنَّ التفريط في نفس جنب الإنسان المتصل بأضلاعه، بل ذلك التفريط لم يلاصقه؛ فكيف يظن أنَّ ظاهره في حق الله أنَّ التفريط كان في ذاته؟ !)) .اهـ.
ويقول ابن القيم في ((الصواعق المرسلة)) (١/٢٥٠) : (( ... فهذا إخبار عما تقوله هذه النفس الموصوفة بما وصفت به، وعامة هذه النفوس لا تعلم أنَّ لله جنباً، ولا تقر بذلك؛ كما هو الموجود منها في الدنيا؛ فكيف يكون ظاهر القرآن أنَّ الله أخبر عنهم بذلك، وقد قال عنهم: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ (الزمر: ٥٦) ، والتفريط فعل أو ترك فعل، وهذا لا يكون قائماً بذات الله؛ لا في جنب ولا في غيره، بل يكون منفصلاً عن الله، وهذا معلوم بالحس والمشاهدة، وظاهر القرآن يدل على أنَّ قول القائل: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ ؛ ليس أنه جعل فعله أو تركه في جنب يكون من صفات الله وأبعاضه)) .اهـ
قلت: لا يصح إضافة الأبعاض إلى الله تعالى.
وذكر ابن الجوزي في ((زاد المسير)) عند تفسير الآية السابقة خمسة أقوال لجنب الله: طاعة الله، وحق الله، وأمر الله، وذكر الله، وقرب الله.
- الْجِهَةُ
لم يرد لفظ (الجهة) ؛ لا إثباتاً ولا نفياً، لا في الكتاب ولا في السنة،
стр. 111
ولذلك؛ فالحق فيها التفصيل، ويغني عنه العلو والفوقية، وأنه في السماء.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في ((الرسالة التدمرية)) (القاعدة الثانية) : ((فلفظ الجهة قد يراد به شيء موجود غير الله؛ فيكون مخلوقاً، كما إذا أريد بالجهة نفس العرش أو نفس السماوات، وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى؛ كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم.
ومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ الجهة ولا نفيه؛ كما فيه إثبات العلو، والاستواء، والفوقية، والعروج إليه ... ونحو ذلك، وقد علم أنَّ ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق مباين للمخلوق، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته.
فيقال لمن نفى الجهة: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق؟ فالله ليس داخلاً في المخلوقات، أم تريد بالجهة ما وراء العالم؟ فلا ريب أنَّ الله فوق العالم مباين للمخلوقات. وكذلك يقال لمن قال: الله في جهة، أتريد بذلك أنَّ الله فوق العالم؟ أو تريد به أنَّ الله داخلٌ في شيء من المخلوقات؟ فإن أردت الأول؛ فهو حق، وإن أردت الثاني؛ فهو باطل)) .اهـ
ويقول في ((مجموع الفتاوى)) (٦/٣٩-٤٠) : ((فإذا قال القائل: هو في جهة أو ليس في جهة؟ قيل له: الجهة أمر موجود أو معدوم، فإن كان أمراً موجوداً، ولا موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق بائن عن
стр. 112
المخلوق؛ لم يكن الرب في جهة موجودة مخلوقة، وإن كانت الجهة أمراً معدوماً؛ بأنَّ يسمى ما وراء العالم جهة، فإذا كان الخالق مبايناً العالم، وكان ما وراء العالم جهة مسماة، وليس هو شيئاً موجوداً؛ كان الله في جهة معدومة بهذا الاعتبار. لكن؛ لا فرق بين قول القائل: هو في معدوم، وقوله: ليس في شيء غيره؛ فإنَّ المعدوم ليس شيئاً باتفاق العقلاء.
ولا ريب أنَّ لفظ الجهة يريدون به تارة معنىً موجوداً، وتارة معنىً معدوماً، بل المتكلم الواحد يجمع في كلامه بين هذا وهذا، فإذا أزيل الاحتمال؛ ظهر حقيقة الأمر.
فإذا قال القائل: لو كان في جهة؛ لكانت قديمة معه. قيل له: هذا إذا أريد بالجهة أمرٌ موجود سواه؛ فالله ليس في جهة بهذا الاعتبار.
وإذا قال: لو رُئي؛ لكان في جهة، وذلك محال. قيل له: إن أردت بذلك: لكان في جهة موجودة؛ فذلك محال؛ فإنَّ الموجود يمكن رؤيته، وإن لم يكن في موجود غيره؛ كالعالم، فإنه يمكن رؤية سطحه وليس هو في عالم آخر. وإن قال: أردت أنه لابدَّ أنَّ يكون فيما يسمى جهة، ولو معدوماً؛ فإنه إذا كان مبايناً للعالم؛ سمي ما وراء العالم جهة. قيل له: فلم قلت: إنه إذا كان في جهة بهذا الاعتبار كان ممتنعاً؟ فإذا قال: لأنَّ ما باين العالم ورُئي لا يكون إلا جسماً أو متحيزاً؛ عاد القول إلى لفظ الجسم والمتحيز كما عاد إلى لفظ الجهة. فيقال له: المتحيز يراد به ما حازه غيره.
стр. 113
ويراد به ما بان عن غيره فكان متحيزاً عنه، فإن أردت بالمتحيز الأول؛ لم يكن سبحانه متحيزاً؛ لأنه بائن عن المخلوقات، لا يحوزه غيره، وإن أردت الثاني؛ فهو سبحانه بائن عن المخلوقات، منفصل عنها، ليس هو حالاً فيها، ولا متحداً بها؛ فبهذا التفصيل يزول الاشتباه والتضليل)) . اهـ
وقال الشيخ العثيمين ﵀ في ((القواعد المثلى)) (ص٤٠) : ((وممَّا لم يرد إثباته ولا نَفْيه لفظ (الجهة) ، فلو سأل سائل: هل نُثْبِت لله تعالى جهة؟ قلنا له: لفظ الجهة لم يرد في الكتاب والسنة إثباتاً ولا نفياً، ويُغني عنه ما ثبت فيهما من أنَّ الله تعالى في السَّماء، وأما معناه؛ فإمَّا أنَّ يراد به: جهةُ سُفْلٍ أو جهةُ عُلُوٍ تحيط بالله أو جهةُ عُلُوٍ لا تحيط به.
فالأول باطل؛ لمنافاته لعلو الله تعالى الثابت بالكتاب والسنة والعقل والفطرة والإجماع.
والثاني باطلٌ أيضاً، لأنَّ الله تعالى أعظم من أنَّ يحِيط به شيء من مخلوقاته.
والثالث حقٌّ؛ لأنَّ الله تعالى العليّ فوق خلْقه ولا يحيط به شيء من مخلوقاته)) اهـ.
الْجُودُ
يوصف الله بالجود، وهي صفةٌ ذاتيةٌ، من (جواد) ، وهو اسم
стр. 114
له ثابت بالسنة الصحيحة.
? الدليل:
حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ مرفوعاً: (( ... إنَّ الله جوادٌ يحب الجود ... )) . حديث صحيح بمجموع طرقه. رواه الترمذي (ضعيف سنن الترمذي/ص ٣٣٢) ، وأبو يعلى، والبزار، وابن حبان في ((المجروحين)) ، وابن أبي الدنيا في ((مكارم الأخلاق)) ، والخطيب في ((الجامع)) ، والدولابي في ((الكنى)) ، وابن عساكر، والضياء في ((المختارة)) ؛ بألفاظ مختلفة، وإسنادُ كلِّ واحد منهم لا يخلو من مقال. انظر: ((مسند سعد)) للبزار (٥١-الحويني) ، و ((مسند سعد)) للدورقي (٣١) ، و ((السلسلة الصحيحة)) (٢٣٦، ١٣٧٨، ١٦٢٧) .
وممن أثبت هذا الاسم لله ابن منده في ((كتاب التوحيد)) (٢/٩٩)
وأثبته أيضاً ابن القيم في ((نونيته)) (٢/٨٨) فقال:
((وَهُوَ الجَوَادُ فَجُودُهُ عَمَّ الوُجُو ... دَ جَمِيعَهُ بِالفَضْلِ وَالإحْسَانِ
وَهُوَ الجَوَادُ فَلا يُخَيِّبُ سَائِلاً ... وَلَوْ أنَّهُ مِنْ أُمَّةِ الكُفْرَانِ))
...
قال الهرَّاس: ((الجواد المتصف بالجود، وهو كثرة الفضل والإحسان، وجوده تعالى أيضاً نوعان ... )) .
وممن أثبته كذلك الشيخ محمد العثيمين ﵀ في كتابه الفذ: ((القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى)) .
стр. 115
الْحَاكِمُ وَالْحَكَمُ
يوصف الله بأنه الحاكم والحكم، و (الحكم) اسم له ثابتٌ بالكتاب والسنة.
? الدليل من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمَاًَ﴾ [الأنعام: ١١٤] .
٢ - قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٧]
? الدليل من السنة:
حديث هانئ بن يزيد ﵁؛ أنه لما وفد إلى رسول الله ﷺ مع قومه؛ سمعهم يكنونه بأبي الحكم، فدعاه رسول الله ﷺ فقال: إنَّ الله هو الحَكَم، وإليه الحُكم، فلِمَ تكنى أبا الحكم؟ ((. حديث صحيح. رواه: أبو داود (صحيح سنن أبي داود/٤١٤٥) ، والنسائي (صحيح سنن النسائي/٤٩٨٠) .
والحَكَم والحاكم بمعنى واحد؛ إلا أنَّ الحَكَم أبلغ من الحاكم، وهو الذي إليه الحُكْم، وأصل الحُكم منع الفساد والظلم ونشر العدل والخير.
الْحُبُّ وَالْمَحَبَّةُ
صفاتٌ لله فِعْلِيَّةٌ اختيارِيَّةٌ ثابتةٌ بالكتاب والسنة.
стр. 116
الدليل من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] .
٢ - وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]
? الدليل من السنة:
١- حديث سهل بن سعد ﵁: (( ... لأعطين الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله ... )) . رواه: البخاري (٣٠٠٩) ، ومسلم (٢٤٠٥) .
٢- حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: ((إنَّ الله يحب العبد التقي، الغني، الخفي)) . رواه مسلم (٢٩٦٥) .
فأهل السنة والجماعة يثبتون صفة الحب والمحبة لله ، ويقولون: هي صفة حقيقية لله ، على ما يليق به، وليس هي إرادة الثواب؛ كما يقول المؤولة. كما يثبت أهل السنة لازم المحبة وأثرها، وهو إرادة الثواب وإكرام من يحبه سبحانه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)) (٢ / ٣٥٤) : ((إنَّ الكتاب والسنة وإجماع المسلمين أثبتت محبة الله لعباده المؤمنين ومحبتهم له، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ وقوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ وقوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللهِ وَرَسُولِه﴾ ... وقد أجمع سلف الامة وأئمتها على إثبات محبة الله تعالى لعباده المؤمنين ومحبتهم له وهذا
стр. 117
أصل دين الخليل امام الحنفاء ﵇) اهـ
الْحَثْوُ
صفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله بالسنة الصحيحة.
? الدليل:
١- حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ مرفوعاً: ((وعدني ربي أنَّ يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب، مع كل ألف سبعون ألفاً، وثلاث حثيات من حثيات ربي)) . حديث صحيح، رواه أحمد (٥/٢٦٨) ، وابن أبي عاصم في السنة (٥٨٩) ، والترمذي (صحيح سنن الترمذي ١٩٨٤) ، وابن ماجه (٤٢٨٦) ، وغيرهم.
٢- حديث عامر بن زيد البكالي عن عتبة بن عبدٍ السُّلَمي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنَّ ربي وعدني أنَّ يدخل من أمتي الجنة سبعين ألفاً بغير حساب، ثم يتبع كل ألف سبعين ألفاً، ثم يحثي بكفه ثلاث حثيات، فكبَّر عمر ... )) الحديث. رواه عثمان بن سعيد الدارمي في ((رده على بشر المريسي)) (ص ٣٧) ، وابن حبان في ((صحيحه)) (٧٢٤٧) ، والفسوي في ((المعرفة والتاريخ)) (٢/٣٤١) ، والطبراني في ((الكبير)) (١٧/١٢٦) ، و ((الأوسط)) (٤٠٤) ؛ كلهم من طريق عامر بن زيد البكالي.
стр. 118
وأبو عامر البكالي: ذكره ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) والبخاري في ((التاريخ الكبير)) ولم يجرحاه أو يوثقاه، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) ، وقال: ((يروي عن عتبة بن عبدٍ، روى عنه أبو سلام ويحيى بن أبي كثير، وعداده في أهل الشام)) اهـ.
قلت: وأبو سلام - وهو ممطور بن الأسود الحبشي - ويحيى بن أبي كثير ثقتان. وبقية رجاله ثقات، ويشهد له حديث أبي أمامة السابق.
٣- حديث أبي سعيد الأنماري الخير ﵁ مرفوعاً: ((إنَّ ربي وعدني أنَّ يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً بغير حساب، ويشفع لكل ألف سبعين ألفاً، ثم يحثي ربي ثلاث حثيات بكفيه ... )) . رواه الدارمي في ((رده على المريسي)) (ص ٣٧) ، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (٨١٤) ، والطبراني في ((الكبير)) و ((الأوسط)) (مجمع البحرين ٤٩٠٥) ، وفي سنده اضطراب - كما قال الألباني ﵀ في ((ظلال الجنة)) -، ويشهد له أيضاً حديث أبي أمامة المتقدم.
وقد أورد الدارمي في حديث عتبة وأبي سعيد في موطن الرد على المريسي في طعنه إثبات صفة اليد والكف لله .
وقال المباركفوري في ((تحفة الأحوذي)) (٧/١٢٩) عند شرحه لحديث أبي أمامة المتقدم: (( (ثلاث حثيات) ؛ بفتح الحاء والمثلثة، جمع حثية، والحثية والحثوة يستعمل فيما يعطيه الإنسان بكفيه دفعة واحدة من غير
стр. 119
وزن وتقدير)) اهـ.
وقال ابن القيم - كما في ((مختصر الصواعق المرسلة)) (٢/١٧١) -: ((ورد لفظ اليد في القرآن والسنة وكلام الصحابة والتابعين في أكثر من مئة موضع وروداً متنوعاً متصرفاً فيه مقروناً بما يدل على أنها يد حقيقة من الإمساك والطي والقبض والبسط والمصافحة والحثيات ... )) اهـ.
الْحُجْزَةُ وَالْحَقْوُ
صفتان ذاتيان خبريَّتان ثابتتان بالسنة الصحيحة.
? الدليل:
١- حديث ابن عباس ﵄: ((إنَّ الرحم شَجْنَةٌ آخذةٌ بحُجزة الرحمن؛ يصل من وصلها، ويقطع من قطعها)) . رواه الإمام أحمد (٢٩٥٦-شاكر) ، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (٥٣٨) ؛ بإسناد حسن. وانظر: ((السلسلة الصحيحة)) (١٦٠٢) .
٢- حديث أبي هريرة ﵁: ((خلق الله الخلق، فلما فرغ منه؛ قامت الرحم، فأخذت بحقو الرحمن، فقال: مه! قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة ... )) .رواه البخاري (٤٨٣٠) وغيره.
والحقو والحُجْزة: موضع عقد الإزار وشده.
قال الحافظ أبو موسى المديني في ((المجموع المغيث)) (١/٤٠٥) :
стр. 120
((وفي الحديث: ((إنَّ الرحم أخذت بحجزة الرحمن)) - ثم ذكر تفسيرين للحديث- ثم قال: وإجراؤه على ظاهره أولى)) اهـ.
وقال الشيخ عبد الله الغنيمان في ((شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري)) (٢/٣٨٣) ناقلاً من ((نقض التأسيس)) لشيخ الإسلام، ومن ((إبطال التأويلات)) لأبي يعلى الفراء، ومعلقاً:
((قال شيخ الإسلام ﵀ في رده على الرازي في زعمه أنَّ هذا الحديث: (يعني: حديث أبي هريرة المتقدم) يجب تأويله:
قال: فيقال له: بل هذا من الأخبار التي يقرها من يقر نظيره، والنِّزاع فيه كالنِّزاع في نظيره؛ فدعواك أنه لا بدَّ فيه من التأويل بلا حجة تخصه؛ لا تصح.
وقال: وهذا الحديث في الجملة من أحاديث الصفات، التي نص الأئمة على أنه يمر كما جاء، وردوا على من نفى موجبه، وما ذكره الخطابي وغيره أنَّ هذا الحديث مما يتأول بالاتفاق؛ فهذا بحسب علمه، حيث لم يبلغه فيه عن أحد من العلماء أنه جعله من أحاديث الصفات التي تمر كما جاءت.
قال ابن حامد: ومما يجب التصديق به: أنَّ لله حَقْواً.
قال المروزي: قرأت على أبي عبد الله كتاباً، فَمَرَّ فيه ذكر حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : ((إنَّ الله خلق الرحم، حتى إذا فرغ
стр. 121
منها؛ أخذت بحقو الرحمن)) . فرفع المحدث رأسه، وقال: أخاف أنَّ تكون كفرت. قال أبو عبد الله: هذا جهمي.
وقال أبو طالب: سمعت أبا عبد الله يسأل عن حديث هشام بن عمار؛ أنه قريء عليه حديث الرحم: ((تجيء يوم القيامة فتعلق بالرحمن تعالى ... )) ، فقال: أخاف أنَّ تكون قد كفرت. فقال: هذا شامي؛ ما له ولهذا؟ قلت: فما تقول؟ قال: يمضي كل حديث على ماجاء.
وقال القاضي أبو يعلى: اعلم أنه غير ممتنع حمل هذا الخبر على ظاهره، وأنَّ (الحقو) و (الحجزة) صفة ذات، لا على وجه الجارحة والبعض، وأنَّ الرحم آخذة بها، لا على وجه الاتصال والمماسة، بل نطلق ذلك تسمية كما أطلقها الشرع، وقد ذكر شيخنا أبو عبد الله ﵀ هذا الحديث في كتابه، وأخذ بظاهره، وهو ظاهر كلام أحمد.
قلت: قوله: ((لا على وجه الجارحة والبعض)) ، وقوله: ((لا على وجه الاتصال والمماسة)) ؛ قول غير سديد، وهو من أقوال أهل البدع التي أفسدت عقولَ كثير من الناس؛ فمثل هذا الكلام المجمل لا يجوز نفيه مطلقاً، ولا إثباته مطلقاً؛ لأنه يحتمل حقاً وباطلاً، فلا بدَّ من التفصيل في ذلك، والإعراض عنه أولى؛ لأنَّ كلام رسول الله ﷺ خال منه، وليس هو بحاجة إليه؛ فهو واضح، وليس ظاهر هذا الحديث أنَّ لله إزاراً ورداءً من جنس الأزر والأردية التي يلبسها الناس، مما يصنع من
стр. 122
الجلود والكتان والقطن وغيره، بل هذا الحديث نص في نفي هذا المعنى الفاسد؛ فإنه لو قيل عن بعض العباد: إنَّ العظمة إزاره والكبرياء رداؤه؛ لكان إخباره بذلك عن العظمة والكبرياء اللذين ليسا من جنس ما يلبس من الثياب.
فإذا كان هذا المعنى الفاسد لا يظهر من وصف المخلوق؛ لأنَّ تركيب اللفظ يمنع ذلك، وبين المعنى المراد؛ فكيف يدعى أنَّ هذا المعنى ظاهر اللفظ في حق الله تعالى، فإنَّ كل من يفهم الخطاب ويعرف اللغة؛ يعلم أنَّ الرسول ﷺ لم يخبر عن ربه بلبس الأكسية والثياب، ولا أحد ممن يفهم الخطاب يدعي في قوله ﷺ في خالد بن الوليد: ((إنه سيف الله)) ؛ أنَّ خالداً حديد، ولا في قوله ﷺ في الفرس: ((إنا وجدناه بحراً)) ؛ أنَّ ظاهره أنَّ الفرس ماء كثير ونحو ذلك)) اهـ
الْحَدِيثُ
صفةٌ لله كالقول.
انظر: صفة (الكلام) .
الْحَرْفُ
انظر: صفة (الكلام) .
стр. 123
- الْحَرَكَةُ
لم يرد هذا اللفظ في الكتاب والسنة، ويغني عنه إثبات النُّزول والإتيان والمجيء ونحو ذلك.
قال شيخ الإسلام في شرح حديث النُّزول ((مجموع الفتاوى)) (٥/٥٦٥) : ((لفظ (الحركة) ؛ هل يوصف الله بها أم يجب نفيه عنه؟ اختلف فيه المسلمون وغيرهم من أهل الملل وغير أهل الملل من أهل الحديث وأهل الكلام وأهل الفلسفة وغيرهم على ثلاثة أقوال، وهذه الثلاثة موجودة في أصحاب الآئمة الأربعة من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم)) .
ثم شرع ﵀ في ذكر معنى الحركة عند المتكلمين والفلاسفة وأصحاب أرسطو وأنواع الحركة ... إلى أنْ قال (٥/٥٧٧) : ((والمقصود هنا أنَّ الناس متنازعون في جنس الحركة العامة التي تتناول ما يقوم بذات الموصوف من الأمور الاختيارية؛ كالغضب والرضى والفرح، وكالدنو والقرب والاستواء والنُّزول، بل والأفعال المتعدية كالخلق والإحسان وغير ذلك على ثلاثة أقوال:
أحدها: قول من ينفي ذلك مطلقاً وبكل معنى ... وهذا أول من عرف به هم الجهمية والمعتزلة ...
والقول الثاني: إثبات ذلك، وهو قول الهشامية والكرامية وغيرهم من
стр. 124
طوائف أهل الكلام الذين صرحوا بلفظ الحركة ...
وذكر عثمان بن سعيد الدارمي إثبات لفظ الحركة في كتاب نقضه على بشر المريسي، ونصره على أنه قول أهل السنة والحديث، وذكره حرب بن إسماعيل الكرماني - لما ذكر مذهب أهل السنة والأثر - عن أهل السنة والحديث قاطبة، وذكر ممن لقي منهم على ذلك: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور، وهو قول أبي عبد الله بن حامد وغيره.
وكثيرٌ من أهل الحديث والسنة يقول: المعنى صحيح، لكن؛ لا يطلق هذا اللفظ؛ لعدم مجيء الأثر به؛ كما ذكر ذلك أبو عمر بن عبد البر وغيره في كلامهم على حديث النُّزول.
والقول المشهور عن السلف عند أهل السنة والحديث: هو الإقرار بما ورد به الكتاب والسنة؛ من أنه يأتي وينْزل وغير ذلك من الأفعال اللازمة.
قال أبو عمرو الطَّلْمَنْكِيُّ: أجمعوا (يعني: أهل السنة والجماعة) على أنَّ الله يأتي يوم القيامة والملائكة صفَّاً صفَّاً لحساب الأمم وعرضها كما يشاء وكيف يشاء؛ قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأمْرُ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفَّاً صَفَّاً﴾ . قال: وأجمعوا على أنَّ الله يَنْزل كل ليلة إلى سماء الدنيا على ما أتت به الآثار كيف شاء، لا يحدون في ذلك شيئا. ثم روى بإسناده عن محمد بن وضاح؛
стр. 125
قال: وسألت يحيى بن معين عن النُّزول؟ فقال: نعم؛ أقر به، ولا أحِدُّ فيه حَدَّاً.
والقول الثالث: الإمساك عن النفي والإثبات، وهو اختيار كثيرٌ من أهل الحديث والفقهاء والصوفية؛ كإبن بطة وغيره، وهؤلاء فيهم من يعرض بقلبه عن تقدير أحد الأمرين، ومنهم من يميل بقلبه إلى أحدهما، ولكن؛ لا يتكلم لا بنفي ولا بإثبات.
والذي يجب القطع به أنَّ الله ليس كمثله شيء في جميع ما يصف به نفسه، فمن وصفه بمثل صفات المخلوقين في شيء من الأشياء؛ فهو مخطيءٌ قطعاً؛ كمن قال: إنه ينْزل فيتحرك وينتقل كما يَنْزل الإنسان من السطح إلى أسفل الدار؛ كقول من يقول: إنه يخلو منه العرش! فيكون نزوله تفريغاً لمكان وشغلاً لآخر؛ فهذا باطل يجب تنْزِيه الرب عنه كما تقدم)) اهـ.
وانظر كلامه ﵀ في ((الاستقامة)) (١/٧٠-٧٨) .
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في ((إزالة الستار عن الجواب المختار)) (ص ٣٢) :
(( ... النصوص في إثبات الفعل والمجيء والاستواء والنُّزول إلى السماء الدنيا إن كانت تستلزم الحركة لله؛ فالحركة له حق ثابت بمقتضى هذه النصوص ولازمها، وإن كنا لا نعقل كيفية هذه الحركة ... وإن كانت هذه النصوص لا تستلزم الحركة لله تعالى؛ لم يكن لنا إثبات الحركة له بهذه
стр. 126
النصوص، وليس لنا أيضاً أنَّ ننفيها عنه بمقتضى استبعاد عقولنا لها، أو توهمنا أنها تستلزم إثبات النقص، وذلك أنَّ صفات الله تعالى توقيفية، يتوقف إثباتها ونفيها على ما جاء به الكتاب والسنة؛ لامتناع القياس في حقه تعالى؛ فإنه لا مثل له ولا ند، وليس في الكتاب والسنَّة إثبات لفظ الحركة أو نفيه؛ فالقول بإثبات نفيه أو لفظه قول على الله بلا علم ...
وقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كثير من رسائله في الصفات على مسألة الحركة، وبيَّن أقوال الناس فيها، وما هو الحق من ذلك، وأنَّ من الناس من جزم بإثباتها، ومنهم من توقف، ومنهم من جزم بنفيها، والصواب في ذلك أنَّ ما دل عليه الكتاب والسنة من أفعال الله تعالى ولوازمها؛ فهو حق ثابت يجب الإيمان به، وليس فيه نقص ولا مشابهة للخلق؛ فعليك بهذا الأصل؛ فإنه يفيدك، وأعرض عما كان عليه أهل الكلام من الأقيسة الفاسدة التي يحاولون صرف نصوص الكتاب والسنة إليها؛ ليحرفوا بها الكلم عن مواضعه، سواء عن نية صالحة أو سيئة)) اهـ.
الْحَسِيبُ
يوصف الله بأنه الحسيب، وهو اسم له ثابتٌ بالكتاب والسنة.
? الدليل من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً﴾ [النساء: ٨٦] .
стр. 127
٢- وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً﴾ [النساء: ٦، والأحزاب: ٣٩] .
? الدليل من السنة:
١- حديث أبي بكرة ﵁: (( ... إن كان أحدكم مادحاً لا محالة؛ فليقل: أحسب كذا وكذا - إن كان يرى أنه كذلك -، وحسيبه الله، ولا يُزكَّى على الله أحد)) رواه: البخاري (٦١٦٢) ، ومسلم (٣ ... )
٢- قول عمر بن الخطاب ﵁: (( ... فمن أظهر لنا خيراً؛ أمَّناه وقرَّبناه، وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته ... )) . رواه البخاري (٢٦٤١) .
ومعنى الحسيب؛ أي: الحفيظ، والكافي، والشهيد، والمحاسب. انظر: تفسير الآية ٦و٨٦ من سورة النساء في ((تفسير ابن جرير)) وابن الجوزي في ((زاد المسير)) .
الْحِفْظُ
صفةٌ من صفاته تعالى الثابتة بالكتاب والسنة من اسميه (الحافظ) و (الحفيظ) .
? الدليل من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [هود: ٥٧] .
٢- وقوله: ﴿فَاللهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أرْحَمُ الرَّاحِمينَ﴾ [يوسف: ٦٤] .
стр. 128
الدليل من السنة:
١- حديث ابن عباس ﵄ المشهور: (( ... احفظ الله يحفظك ... )) رواه الترمذي (٢٥١٨) ، وقال: ((حديث حسن صحيح)) ، وهو كما قال، وأحمد (٢٨٠٤و٢٦٦٩) .
يقول ابن القيم في ((النونية)) (٢/٨٣) :
((وَهُوَ الحَفِي ظُ عَلَيْهِمُ وَهُوَ الكَفِيـ الكَفِيـ ... ... لُ بِحِفْظِهِمْ مِنْ كُلِّ أمْرٍ عانِ))
يقول الهرَّاس في الشرح (باختصار) : ((ومن أسمائه سبحانه: الحفيظ، وله معنيان: أحدهما: أنه يحفظ على العباد ما عملوه من خير وشر، وعرف ونكر، وطاعة ومعصية ... والمعنى الثاني من معنيي الحفيظ: أنه تعالى الحافظ لعباده من جميع ما يكرهون ... وحفظه لخلقه نوعان: عام وخاص. فالعام هو حفظه لجميع المخلوقات ... والنوع الثاني حفظه الخاص لأوليائه حفظاً زائداً على ما تقدم؛ يحفظهم عما يضر إيمانهم ويزلزل يقينهم ... )) .
الْحَفِيُّ
يوصف الله بأنه حفيٌّ، وهذا ثابت بالكتاب العزيز.
? الدليل:
قوله تعالى: ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيَّاً﴾
стр. 129
[مريم: ٤٧] .
وقد عدَّه الشيخُ العثيمين ﵀ مع تردد عنده - من أسماء الله تعالى في كتابه: ((القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى)) .
ومعنى الحفيِّ؛ أي: البَر اللطيف. قاله الراغب في ((المفردات)) .
وقال ابن قتيبة في ((تفسير غريب القرآن)) : ((أي: بارَّاً عوَّدني منه الإجابة إذا دعوته)) .
الْحَقُّ
يوصف الله بأنه الحق ، وهو اسمٌ له ثابتٌ بالكتاب والسنة.
? الدليل من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج: ٦] .
٢- وقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] .
? الدليل من السنة:
حديث ابن عباس ﵄: (( ... أنت الحق وقولك الحق)) . رواه البخاري (٧٣٨٥) .
стр. 130
قال قَوَّام السنة في ((الحجة)) (١/١٣٥) : ((ومن أسمائه تعالى: الحق، وهو المتحقق كونه ووجوده، وكل شيء صح وجوده وكونه فهو حق)) اهـ.
وبنحوه قال ابن الأثير في ((جامع الأصول)) (٤/١٧٩) .
وقال السعدي في ((تفسيره)) (٥/٣٠٥) : ((الحق؛ في ذاته وصفاته؛ فهو واجب الوجود، كامل الصفات والنعوت، وجوده من لوازم ذاته، ولا وجود لشيء من الأشياء إلاَّ به، فهو الذي لم يزل ولا يزال بالجلال والجمال والكمال موصوفاً، ولم يزل ولا يزال بالإحسان معروفاً، فقوله حق، وفعله حق، ولقاؤه حق، ورسله حق، وكتبه حق، ودينه هو الحق، وعبادته وحده لا شريك له هي الحق، وكل شيء ينسب إليه فهو حق، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ، ﴿وَقُل الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ﴾ ... )) اهـ
قلت: قوله: ((وكل شيء ينسب إليه؛ فهو حق)) ؛ أي: كل شيء ينسب إليه بحق؛ فهو حق.
الْحَقْوُ
انظر: صفة (الحُجْزَة) .
стр. 131
الْحَكَمُ
انظر: صفة (الحاكم) .
الْحِكْمَةُ
صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ، و (الحكيم) من أسمائه تعالى، وهو ثابتٌ بالكتاب والسنة.
? الدليل من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨] .
٢- وقوله: ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] .
? الدليل من السنة:
١- حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: (( ... وسبحان الله رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم ... )) . رواه مسلم (٢٦٩٦)
قال ابن القيم في ((النونية)) (٢/٧٥) :
((وهو الحكيمُ وذَاكَ من أوْصَافِه ... نَوْعَانِ أيْضاَ مَا هُمَا عَدَمَانِ
حُكْمٌ وإحْكَامٌ فَكُلٌّ مِنْهُمَا ... نَوْعَانِ أيْضاً ثَابِتا البُرْهَانِ))
قال الهرَّاس: ((ومن أسمائه الحسنى سبحانه: (الحكيم) ، وهو إما فعيل بمعنى فاعل؛ أي: ذو الحكم، وهو القضاء على الشيء بأنه كذا أو ليس كذا، أو فعيل بمعنى مفعل، وهو الذي يُحكِم الأشياء ويتقنها، وقيل:
стр. 132
الحكيم ذو الحكمة، وهي معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم)) .
الْحِِلْمُ
يوصف الله بالحِلم، وهي صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ له بالكتاب والسنة، و (الحليم) اسم من أسمائه تعالى.
? الدليل من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣] .
٢- وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١] .
- الدليل من السنة:
١- حديث ابن عباس ﵄: (( ... لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم ... )) رواه: البخاري (٦٣٤٥) ، ومسلم (٢٧٣٠) .
قال ابن القيم في ((النونية)) (٢/٨١) :
((وَهُوَ الحليمُ فَلاَ يُعاجِلُ عَبْدهُ ... بعُقُوبَةٍ لِيَتُوبَ منْ عِصْيَانِ
وَهُوَ العَفُوُّ فَعَفْوُهُ وَسِعَ الوَرَى ... لَوْلاَهُ غَارَ الأرْضُ بِالسُّكَّانِ))
وقال الهرَّاس في ((الشرح)) : ((ومن أسمائه سبحانه (الحليم) و (العفو) ؛ فالحليم الذي له الحلم الكامل الذي وسع أهل الكفر والفسوق
стр. 133
والعصيان، حيث أمهلهم ولم يعاجلهم بالعقوبة؛ رجاء أنَّ يتوبوا، ولو شاء؛ لأخذهم بذنوبهم فور صدورها منهم؛ فإن الذنوب تقتضي ترتب آثارها عليها من العقوبات العاجلة المتنوعة، ولكن حلمه سبحانه هو الذي اقتضى إمهالهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ ))
الْحَمِيدُ
يوصف الله بأنه الحميد، وهو صفةٌ ذاتيةٌ له، و (الحميد) اسم من أسمائه، ثابتٌ بالكتاب والسنة.
? الدليل من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧] .
٢- وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُم الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥] .
? الدليل من السنة:
حديث كعبٍ بن عُجرة ﵁ في التشهد: (( ... قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد)) . رواه: البخاري (٣٣٧٠) ، ومسلم (٤٠٦) .
стр. 134
المعنى:
١- قال ابن منظور في ((اللسان)) : ((الحميد من صفاته ، بمعنى المحمود على كل حال، وهو فعيل بمعنى مفعول)) .
٢- وقال ابن الأثير في ((جامع الأصول)) (٤/١٨٠) : ((الحميد: المحمود، الذي استحق الحمد بفعله، وهو فعيل بمعنى مفعول)) .
الْحَنَانُ (بمعنى الرحمة)
صفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله بالكتاب والسنة.
? الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿يَايَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيَّاً - وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيَّاً﴾ [مريم: ١٢-١٣] .
? الدليل من السنة:
حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعاً: ((يوضع الصراط بين ظهراني جهنم، عليه حسك كحسك السعدان ... ثم يشفع الأنبياء في كل من كان يشهد أنَّ لا إله إلا الله مخلصاً، فيخرجونهم منها)) ، قال: ثم يتحنَّن الله برحمته على مَن فيها، فما يترك فيها عبداً في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا أخرجه منها)) .
رواه: الإمام أحمد (٣/١١) ، وابن جرير في ((التفسير)) (١٦/١١٣) ،
стр. 135
وابن خزيمة في ((التوحيد)) (٢/٧٦٦) ، وابن المبارك في ((الزهد)) (١٢٦٨) ؛ من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن عليَّة؛ قال: حدثني محمد بن إسحاق، حدثني عبيد الله بن المغيرة بن معيقيب، عن سليمان بن عمرو بن عبد العُتواري أحد بني ليث عن أبي سعيد الخدري ﵁: (وذكره) .
ورواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٣/١٧٦/رقم ١٦٠٣٩) من طريق عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق به.
ورجال إسناده ثقات، عدا عبيد الله بن المغيرة، قال عنه الحافظ في ((التقريب)) : ((صدوق)) ، ومحمد بن إسحاق صرح بالتحديث، فالحديث لا يَنْزل عن مرتبة الحسن، وقد حسن إسناده الوادعي في ((الشفاعة)) (ص ١٣٧)
ورواه الحاكم في ((المستدرك)) (٤/٥٨٥) من طريق أحمد بن خالد الوهبي عن محمد بن إسحاق به، وقال: ((على شرط مسلم، ولم يخرجاه)) ، وسكت عنه الذهبي، وتعقبه الوادعي في ((كتاب الشفاعة)) .
تنبيهان:
الأول: عند أحمد والحاكم: ((عن سليمان بن عمرو العتواري حدثني ليث ... )) ، وعند ابن أبي شيبة: ((عن سليمان العتواري جد بني ليث)) ، وعند البقية: ((سليمان العتواري أحد بني ليث)) ، وهو الصواب، وما قبله
стр. 136
تحريف.
الثاني: عند ابن خزيمة: ((ثم يتجلى الله برحمته ... )) ؛ بدل: ((يتحنَّن)) وهذا خطأ من الناسخ؛ لأنه في جميع الروايات: ((يتحنَّن)) ، ثم هو في النسخة الألمانية لكتاب ((التوحيد)) ، والتي رمز لها المحقق الشهوان بالرمز (ل) : ((يتحنَّن)) .
والحديث رواه ابن ماجه (صحيح سنن ابن ماجه٣٤٥٣) مختصراً بدون الشاهد، وأصله في ((الصحيحين)) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ﵄.
قال ابن جرير في ((التفسير)) (١٦/٥٥) : ((قوله: ﴿وَحَنَاناً مِنْ لَدُنَّا﴾ : يقول تعالى ذكره: ورحمة منا ومحبة له آتيناه الحكم صبيّاً، وقد اختلف أهل التأويل في معنى الحنان، فقال بعضهم: معناه: الرحمة)) اهـ، ثم نسب ذلك بإسناده إلى ابن عباس وعكرمة والضحاك وقتادة، ثم قال: ((وقال آخرون: معنى ذلك: وتعطُّفاً من عندنا عليه فعلنا ذلك)) ، ونسب ذلك بإسناده إلى مجاهد، ثم قال: ((وقال آخرون: بل معنى الحنان: المحبة، ووجهوا معنى الكلام إلى: ومحبة من عندنا فعلنا ذلك)) ، ثم نسب ذلك بإسناده إلى عكرمة وابن زيد، ثم قال: وقال آخرون: معناه تعظيماً منَّا له)) ، ونسب ذلك بإسناده إلى عطاء بن أبي رباح ... ثم قال: ((وأصل ذلك - أعني: الحنان- من قول القائل: حنَّ فلان إلى كذا، وذلك إذا ارتاح إليه
стр. 137
واشتاق، ثم يقال: تحنَّن فلان على فلان: إذا وصف بالتعطُّف عليه والرقة به والرحمة له؛ كما قال الشاعر:
تَحَنَّنْ عليَّ هَداك المليكُ ... فإنَّ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالاً
بمعنى: تعطَّف عليَّ؛ فالحنان: مصدر من قول القائل: حنَّ فلانٌ على فلانٍ، يقال منه: حننتُ عليه؛ فأنا أحِنُّ عليه، وحناناً)) اهـ.
وقال الفراء في ((معاني القرآن)) (٢/١٦٣) : ((وقوله: ﴿وَحَنَانَاً مِنْ لَدُنَّا﴾ الحنان: الرحمة، ونصب ﴿حناناً﴾ ؛ أي: وفعلنا ذلك رحمة لأبويه)) اهـ
وبنحوه قال ابن قتيبة في ((تفسير غريب القرآن)) (ص٢٧٣) ، والبغوي في ((التفسير)) ، ونسب البيت السابق للحطيئة يخاطب فيه عمر بن الخطاب ﵁.
وروى أبو عبيد القاسم بن سلاَّم في كتاب ((غريب الحديث)) (٢/٤٠٥) عن أبي معاوية (الضرير) عن هشام بن عروة عن أبيه؛ أنه كان يقول في تلبيته: لبيك ربنا وحنانيك. وهذا إسناد صحيح، وعروة بن الزبير تابعي ثقة، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة. قال أبو عبيد: ((قوله: حنانيك؛ يريد: رحمتك، والعرب تقول: حنانك يا رب، وحنانيك يا رب؛ بمعنى واحد)) اهـ.
وقال أبو موسى المديني في ((المجموع المغيث)) (١/٥١٤) : ((في
стр. 138
حديث زيد بن عمرو: ((حنانيك؛ أي: ارحمني رحمة بعد رحمة)) اهـ.
وقال الأزهري في ((تهذيب اللغة)) (٣/٤٤٦) : ((روى أبو العباس عن ابن الأعرابي؛ أنه قال: الحنَّان: من أسماء الله؛ بتشديد النون؛ بمعنى: الرحيم. قال: والحنَان؛ بالتخفيف: الرحمة. قال: والحنان: الرزق، والحنان: البركة، والحنان: الهيبة، والحنان: الوقار)) .
ثم قال الأزهري: ((وقال الليث: الحنان: الرحمة، والفعل التحنُّن. قال: والله الحنَّان المنَّان الرحيم بعباده، ومنه قوله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ ؛ أي: رحمة من لدنا. قلت (أي: الأزهري) : والحنَّان من أسماء الله تعالى، جاء على فعَّال بتشديد النون صحيح، وكان بعض مشايخنا أنكر التشديد فيه؛ لأنه ذهب به إلى الحنين، فاستوحش أنَّ يكون الحنين من صفات الله تعالى، وإنما معنى الحنَّان: الرحيم، من الحنان، وهو الرحمة)) .
ثم قال: ((قال أبو إسحاق: الحنَّان في صفة الله: ذو الرحمة والتعطف)) اهـ كلام الأزهري.
وقال أبوسليمان الخطابي في ((شأنَّ الدعاء)) (ص ١٠٥) : ((الحنَّان: ذو الرحمة والعطف، والحنان - مخفف - الرحمة)) .
وقال ابن تيمية في ((شرح حديث النُّزول)) (ص١٨٤) : ((وقال (يعني: الجوهري) : الحنين: الشوق، وتوقان النفس. وقال: حنَّ إليه يحنُّ حنيناً فهو حانٌّ، والحنان: الرحمة، يقال: حنَّ عليه يحنُّ حناناً، ومنه قوله تعالى: ﴿وَحَنَانَاً مِنْ لَدُنَّا وزكاةً﴾ ، والحنَّان بالتشديد: ذو الرحمة، وتحننَّ
стр. 139
عليه: ترحَّم، والعرب تقول: حنانيك يا رب! وحنانك! بمعنى واحد؛ أي: رحمتك. وهذا كلام الجوهري، وفي الأثر في تفسير الحنَّان المنَّان: ((أنَّ الحنان هو الذي يقبل على من أعرض عنه، والمنَّان الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال)) ، وهذا باب واسع)) اهـ كلام ابن تيمية.
وقال ابن القيم في ((القصيدة النونية)) (١/٥٠) راداً على الجهمية نفاة الصفات:
((قالوا وليس لربِّنَا سَمْعٌ ولا بَصَرٌ ... ولا وَجْهٌ فكيفَ يَدَانِ
وكذاك ليس لربِّنَا من قُدْ ... رَةٍ وإرادةٍ أو رحمةٍ وحَنَانِ
كلا ولا وَصْفٌ يَقُومُ بِه ... سِوى ذاتٌ مجردةٌ بِغَيْرِ مَعَانِ))
تنبيهات:
الأول: فَسَّرَ بعض المفسرين، ومنهم ابن كثير: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيَّاً - وَحَنَانَاً مِنْ لَدُنَّا﴾ ؛ أي آتيناه الحكم وحناناً وزكاةً؛ أي: جعلناه ذا حنان وزكاة، فيكون الحنان صفة ليحيى ﵊.
الثاني: روى ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٩٤١٠) ، وأحمد في ((المسند)) (٣/١٢٠) ، وابن ماجه (٣٨٥٨) ؛ من طريق وكيع عن أبي خزيمة عن أنس بن سيرين عن أنس بن مالك ﵁؛ قال: سمع النبي ﷺ رجلاً يقول: اللهم إني أسألك بأنَّ لك الحمد، لا إله إلا أنت، وحدك، لا شريك لك، المنان، بديع السماوات والأرض ... )) ، وهذا إسناد صحيح.
стр. 140
ورواه أحمد في ((المسند)) (٣/٢٤٥) ، والنسائي (١٣٠٠) ، وأبو داود (١٤٩٥) ، والطبراني في ((الدعاء)) (١١٦) ، والبغوي في ((شرح السنة)) (١٢٥٨) ، والحاكم في ((المستدرك)) (١/٥٠٣) ؛ من طريق خلف بن خليفة عن حفص بن عمر أخي أنس بن مالك لأمه؛ بلفظ: ((المنَّان)) .
وأخرجه أحمد في ((المسند)) (٣/١٥٨) من طريق خلف بن خليفة به بلفظ: ((الحنَّان)) .
وأخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) (٨٩٣) من طريق خلف بن خليفة به بلفظ: ((الحنَّان المنَّان)) .
وخلف بن خليفة: قال عنه الحافظ في ((التقريب)) : ((صدوق، اختلط في الآخر، وادَّعى أنه رأى عمرو بن حريث الصحابي، فأنكر عليه ذلك ابن عيينة وأحمد)) اهـ.
الثالث: روى الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/٢٣٠) وغيره حديث: ((أنَّ عبداً في جهنم لينادي ألف سنة يا حنَّان يا منَّان ... )) .وإسناده ضعيف، انظر تخريجه في ((الأسماء والصفات)) للبيهقي تحقيق عبد الله الحاشدي (١/٢٠٦-٢٠٧) .
الرابع: روى الحاكم في ((المستدرك)) (١/١٧) من طريق عبد العزيز بن الحصين بن الترجمان حديث: ((إنَّ لله تعالى تسعةً وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة ... )) فذكرها وعدَّ منها: ((الحنَّان)) ، وعبد العزيز هذا
стр. 141
ضعيف، قال عنه الحافظ في ((التلخيص الحبير)) (٤/١٧٢) : ((متفق على ضعفه، وهَّاه البخاري ومسلم وابن معين، وقال البيهقي: ضعيف عند أهل النقل)) اهـ.
قال الخطابي في ((شأنَّ الدعاء)) (ص ١٠٥) : ((ومما يدعو به الناس خاصُّهم وعامُّهم، وإن لم تثبت به الرواية عن رسول الله ﷺ : الحنَّان)) اهـ.
هذا حسب النسخة المغربية كما أفاده الأستاذ أحمد يوسف الدقاق محقق الكتاب، وفي النسخة التيمورية زيادة: ((المنَّان)) ، وأظنها خطأ من الناسخ، وعلى أية حال فقد تقدم إثبات أنَّ ((المنَّان)) من أسماء الله .
والخلاصة: أنَّ عدَّ بعضهم (الحنَّان) من أسماء الله تعالى فيه نظر؛ لعدم ثبوته. والله أعلم.
الْحَيَاءُ وَالاسْتِحْيَاءُ
صفةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله بالكتاب والسنة، و (الحيي) من أسمائه تعالى.
? الدليل من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦] .
стр. 142
٢- قوله تعالى: ﴿وَاللهُ لا يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] .
? الدليل من السنة:
١- حديث أبي واقد الليثي ﵁ مرفوعاً: (( ... وأما الآخر؛ فاستحيا، فاستحيا الله منه، وأما الآخر؛ فأعرض، فأعرض الله عنه)) رواه: البخاري (٦٦) ، ومسلم (١٤٠٥) .
٢- حديث سلمان ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : (( ... إنَّ ربكم حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أنَّ يردهما صفراً خائبتين)) . رواه: الترمذي واللفظ له، وأبو داود، وأحمد، والحاكم. انظر: ((جامع الأصول)) (٢١١٨) ، و ((صحيح الجامع)) (١٧٥٧) .
ومِمَّن أثبت صفة الاستحياء من السلف الإمام أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي، فيما نقله عنه شيخ الإسلام في ((مجموع الفتاوى)) (٤/١٨١) ؛ موافقاً له.
وقال ابن القيم في ((النونية)) (٢/٨٠) :
((وهو الحييُّ فليسَ يفضحُ عبده ... عندَ التجاهُرِ منهُ بالعصيانِ
لكنَّهُ يُلقِي عليه سِترهُ ... فَهُو السِّتِّيرُ وصاحب الغفرانِ))
قال الهرَّاس: ((وحياؤه تعالى وصف يليق به، ليس كحياء المخلوقين، الذي هو تغير وانكسار يعتري الشخص عند خوف ما يعاب أو يذم، بل
стр. 143
هو ترك ما ليس يتناسب مع سعة رحمته وكمال جوده وكرمه وعظيم عفوه وحلمه؛ فالعبد يجاهره بالمعصية مع أنه أفقر شيء إليه وأضعفه لديه، ويستعين بنعمه على معصيته، ولكن الرب سبحانه مع كمال غناه وتمام قدرته عليه يستحي من هتك ستره وفضيحته، فيستره بما يهيؤه له من أسباب الستر، ثم بعد ذلك يعفو عنه ويغفر)) اهـ.
قال الأزهري في ((تهذيب اللغة)) (٥/٢٨٨) ((وقال الليث: الحياء من الاستحياء؛ ممدود ... قلت: وللعرب في هذا الحرف لغتان: يُقال: استحى فلان يستحي؛ بياء واحدة، واستحيا فلان يستحْيِي؛ بياءين، والقرآن نزل باللغة التامَّة؛ (يعني الثانية)) ) اهـ.
الْحَيَاةُ
صفة من صفات الله الذاتية الثابتة بالكتاب والسنة، و (الحي) اسم من أسمائه تعالى.
? الدليل من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] .
٢- وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوت﴾ [الفرقان: ٥٨] .
? الدليل من السنة:
حديث ابن عباس ﵄: ((اللهم لك أسلمت، وبك
стр. 144
آمنت ... أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون)) . رواه مسلم (٢٧١٧) .
قال شيخ الإسلام في ((دقائق التفسير)) (٢/١٠٢) : ((كلامه وحياته من صفات الله كعلمه وقدرته)) .
وقال في ((الجواب الصحيح)) (٤/٥٠) : ((لم يعبر أحد من الأنبياء عن حياة الله بأنها روح الله فمن حمل كلامَ أحدٍ من الأنبياء بلفظ الروح أنه يراد به حياة الله فقد كذب))
وقال الهرَّاس في شرحه لـ ((النونية)) (٢/١٠٣) : ((ومعنى الحي: الموصوف بالحياة الكاملة الأبدية، التي لا يلحقها موت ولا فناء، لأنها ذاتية له سبحانه، وكما أنَّ قيوميته مستلزمة لسائر صفات الكمال الفعلية؛ فكذلك حياته مستلزمة لسائر صفات الكمال الذاتية من العلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والعزة والكبرياء والعظمة ونحوها)) اهـ.
فائدة:
في حديث الإفك عند البخاري ومسلم: ((قال سعد بن معاذ ﵁: يا رسول الله! أنا والله أعذرك منه، إن كان من الأوس؛ ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج؛ أمرتنا، ففعلنا فيه أمرك. فقال سعد بن عبادة ﵁: كذبت لعمر الله؛ لا تقتله، ولا تقدر على ذلك. فقام أسيد بن الحضير ﵁، فقال: كذبت لعمر الله؛ لنقتلنَّه ... )) .
стр. 145
قال الحافظ في ((الفتح)) (٨/٤٧٢) : ((العَمْر؛ بفتح العين المهملة: هو البقاء، وهو العُمُر بضمها، لكن لا يستعمل في القسم إلا بالفتح)) .
وقال القاضي عياض في ((مشارق الأنوار)) (٢/٨٧) : ((وقوله: ((لعمر الله)) ؛ أي: بقاء الله)) .
وقال البيهقي في ((الاعتقاد)) (ص ٨٣) : ((فحلف كلُّ واحد منهما بحياة الله وببقائه والنبي ﷺ يسمع)) . وبنحوه قال في ((الأسماء والصفات)) (١/١٩٤) .
الْخَبِيرُ
صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله بالكتاب والسنة، وذلك من اسمه (الخبير) .
? الدليل من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿ ... قَالَ نَبَّأَنِي الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣]
٢- وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧٣]
? الدليل من السنة:
حديث عائشة ﵂؛ أنَّ النبي ﷺ قال لها في قصة تتبعها له إلى البقيع: ((ما لك يا عائش حشياً رابية؟)) . قالت: قلت: لا شيء. قال: ((لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير)) . رواه مسلم (٩٧٤)
следующие страницы →