Полный текст (386 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
ضعيف، قال عنه الحافظ في ((التلخيص الحبير)) (٤/١٧٢) : ((متفق على ضعفه، وهَّاه البخاري ومسلم وابن معين، وقال البيهقي: ضعيف عند أهل النقل)) اهـ.
قال الخطابي في ((شأنَّ الدعاء)) (ص ١٠٥) : ((ومما يدعو به الناس خاصُّهم وعامُّهم، وإن لم تثبت به الرواية عن رسول الله ﷺ : الحنَّان)) اهـ.
هذا حسب النسخة المغربية كما أفاده الأستاذ أحمد يوسف الدقاق محقق الكتاب، وفي النسخة التيمورية زيادة: ((المنَّان)) ، وأظنها خطأ من الناسخ، وعلى أية حال فقد تقدم إثبات أنَّ ((المنَّان)) من أسماء الله .
والخلاصة: أنَّ عدَّ بعضهم (الحنَّان) من أسماء الله تعالى فيه نظر؛ لعدم ثبوته. والله أعلم.
الْحَيَاءُ وَالاسْتِحْيَاءُ
صفةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله بالكتاب والسنة، و (الحيي) من أسمائه تعالى.
? الدليل من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦] .
стр. 142
٢- قوله تعالى: ﴿وَاللهُ لا يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] .
? الدليل من السنة:
١- حديث أبي واقد الليثي ﵁ مرفوعاً: (( ... وأما الآخر؛ فاستحيا، فاستحيا الله منه، وأما الآخر؛ فأعرض، فأعرض الله عنه)) رواه: البخاري (٦٦) ، ومسلم (١٤٠٥) .
٢- حديث سلمان ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : (( ... إنَّ ربكم حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أنَّ يردهما صفراً خائبتين)) . رواه: الترمذي واللفظ له، وأبو داود، وأحمد، والحاكم. انظر: ((جامع الأصول)) (٢١١٨) ، و ((صحيح الجامع)) (١٧٥٧) .
ومِمَّن أثبت صفة الاستحياء من السلف الإمام أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي، فيما نقله عنه شيخ الإسلام في ((مجموع الفتاوى)) (٤/١٨١) ؛ موافقاً له.
وقال ابن القيم في ((النونية)) (٢/٨٠) :
((وهو الحييُّ فليسَ يفضحُ عبده ... عندَ التجاهُرِ منهُ بالعصيانِ
لكنَّهُ يُلقِي عليه سِترهُ ... فَهُو السِّتِّيرُ وصاحب الغفرانِ))
قال الهرَّاس: ((وحياؤه تعالى وصف يليق به، ليس كحياء المخلوقين، الذي هو تغير وانكسار يعتري الشخص عند خوف ما يعاب أو يذم، بل
стр. 143
هو ترك ما ليس يتناسب مع سعة رحمته وكمال جوده وكرمه وعظيم عفوه وحلمه؛ فالعبد يجاهره بالمعصية مع أنه أفقر شيء إليه وأضعفه لديه، ويستعين بنعمه على معصيته، ولكن الرب سبحانه مع كمال غناه وتمام قدرته عليه يستحي من هتك ستره وفضيحته، فيستره بما يهيؤه له من أسباب الستر، ثم بعد ذلك يعفو عنه ويغفر)) اهـ.
قال الأزهري في ((تهذيب اللغة)) (٥/٢٨٨) ((وقال الليث: الحياء من الاستحياء؛ ممدود ... قلت: وللعرب في هذا الحرف لغتان: يُقال: استحى فلان يستحي؛ بياء واحدة، واستحيا فلان يستحْيِي؛ بياءين، والقرآن نزل باللغة التامَّة؛ (يعني الثانية)) ) اهـ.
الْحَيَاةُ
صفة من صفات الله الذاتية الثابتة بالكتاب والسنة، و (الحي) اسم من أسمائه تعالى.
? الدليل من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] .
٢- وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوت﴾ [الفرقان: ٥٨] .
? الدليل من السنة:
حديث ابن عباس ﵄: ((اللهم لك أسلمت، وبك
стр. 144
آمنت ... أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون)) . رواه مسلم (٢٧١٧) .
قال شيخ الإسلام في ((دقائق التفسير)) (٢/١٠٢) : ((كلامه وحياته من صفات الله كعلمه وقدرته)) .
وقال في ((الجواب الصحيح)) (٤/٥٠) : ((لم يعبر أحد من الأنبياء عن حياة الله بأنها روح الله فمن حمل كلامَ أحدٍ من الأنبياء بلفظ الروح أنه يراد به حياة الله فقد كذب))
وقال الهرَّاس في شرحه لـ ((النونية)) (٢/١٠٣) : ((ومعنى الحي: الموصوف بالحياة الكاملة الأبدية، التي لا يلحقها موت ولا فناء، لأنها ذاتية له سبحانه، وكما أنَّ قيوميته مستلزمة لسائر صفات الكمال الفعلية؛ فكذلك حياته مستلزمة لسائر صفات الكمال الذاتية من العلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والعزة والكبرياء والعظمة ونحوها)) اهـ.
فائدة:
في حديث الإفك عند البخاري ومسلم: ((قال سعد بن معاذ ﵁: يا رسول الله! أنا والله أعذرك منه، إن كان من الأوس؛ ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج؛ أمرتنا، ففعلنا فيه أمرك. فقال سعد بن عبادة ﵁: كذبت لعمر الله؛ لا تقتله، ولا تقدر على ذلك. فقام أسيد بن الحضير ﵁، فقال: كذبت لعمر الله؛ لنقتلنَّه ... )) .
стр. 145
قال الحافظ في ((الفتح)) (٨/٤٧٢) : ((العَمْر؛ بفتح العين المهملة: هو البقاء، وهو العُمُر بضمها، لكن لا يستعمل في القسم إلا بالفتح)) .
وقال القاضي عياض في ((مشارق الأنوار)) (٢/٨٧) : ((وقوله: ((لعمر الله)) ؛ أي: بقاء الله)) .
وقال البيهقي في ((الاعتقاد)) (ص ٨٣) : ((فحلف كلُّ واحد منهما بحياة الله وببقائه والنبي ﷺ يسمع)) . وبنحوه قال في ((الأسماء والصفات)) (١/١٩٤) .
الْخَبِيرُ
صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله بالكتاب والسنة، وذلك من اسمه (الخبير) .
? الدليل من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿ ... قَالَ نَبَّأَنِي الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣]
٢- وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧٣]
? الدليل من السنة:
حديث عائشة ﵂؛ أنَّ النبي ﷺ قال لها في قصة تتبعها له إلى البقيع: ((ما لك يا عائش حشياً رابية؟)) . قالت: قلت: لا شيء. قال: ((لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير)) . رواه مسلم (٩٧٤)
стр. 146
معنى (الخبير) :
١- العالم بما كان وما يكون: قاله ابن منظور في ((اللسان)) .
٢- وقال الخطابي في ((شأنَّ الدعاء)) (ص ٦٣) : ((هو العالم بكنه الشيء، المطلع على حقيقته)) .
٣- وقال أبو هلال العسكري في ((الفروق)) (ص ٧٤) : ((الفرق بين العلم والخَبْر: أنَّ الخَبْر هو العلم بكنه المعلومات على حقائقها؛ ففيه معنى زائد على العلم)) .
الْخِدَاعُ لِمَنْ خَادَعَهُ
الخداعُ صفةٌ من صفات الله الفعليَّة الخبريَّة الثابتة بالكتاب والسنة، ولكنه لا يوصف بها على سبيل الإطلاق، إنما يوصف بها حين تكون مَدْحاً.
? الدليل من الكتاب:
قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] .
? الدليل من السنة:
حديث الزبير بن العوام ﵁، أنَّ أم كلثوم بنت عقبة كانت عنده، فقالت له وهي حامل: طيِّب نفسي بتطليقة. فطلقها تطليقة، ثم خرج إلى الصلاة، فرجع وقد وضعت، فقال: ما لها خدعتني خدعها
стр. 147
الله؟! ثم أتى النبي ﷺ ، فقال ((سبق الكتاب أجله، اخطبها إلى نفسها)) رواه ابن ماجه (٢٠٢٦) والبيهقي (٧/٤٢١) ؛ وانظر: ((إرواء الغليل)) (٧/١٩٧) .
قال ابن القيم في ((إعلام الموقعين)) (٣/٢٢٩) بعد أنَّ ذكر آيات في صفة (الكيد) و (المكر) : ((قيل: إنَّ تسمية ذلك مكراً وكيداً واستهزاءً وخداعاً من باب الاستعارة ومجاز المقابلة؛ نحو: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ، ونحو قوله: ﴿فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ، وقيل -وهو أصوب-: بل تسميته بذلك حقيقة على بابه؛ فإنَّ المكر إيصال الشيء إلى الغير بطريق خفي، وكذلك الكيد والمخادعة ... )) اهـ.
قلت: قوله عن القول الثاني: ((وهو أصوب)) : قد يوهم أنَّ الأول صواب، والحق أنَّ القول الأول باطل مخالف لطريقة السلف في الصفات، وانظر كلامه ﵀ في ((مختصر الصواعق المرسلة)) (٢/٣٣-٣٤) .
وقال الشيخ عبد العزيز بن بار في ((الفتح)) (٣/٣٠٠) معقباً على الحافظ ابن حجر لَمَّا تأوَّل صفةً من صفات الله: ((هذا خطأ لا يليق من الشارح، والصواب إثبات وصف الله بذلك حقيقة على الوجه اللائق به سبحانه كسائر الصفات، وهو سبحانه يجازي العامل بمثل عمله، فمن مكر؛ مكر الله به، ومن خادع؛ خادعه، وهكذا من أوعى؛ أوعى الله عليه، وهذا قول أهل السنة والجماعة؛ فالزمه؛ تفز بالنجاة والسلامة، والله
стр. 148
الموفق)) اهـ.
وسئل الشيخ العثيمين ﵀ في ((المجموع الثمين)) (٢/٦٦) : هل يوصف الله بالخيانة والخداع كما قال الله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ فأجاب بقوله:
((أما الخيانة؛ فلا يوصف الله بها أبداً؛ لأنها ذم بكل حال؛ إذ إنها مكر في موضع الإئتمان، وهو مذموم؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأنفال: ٧١] ، ولم يقل: فخانهم.
وأما الخداع؛ فهو كالمكر، يوصف الله تعالى به حين يكون مدحاً، ولا يوصف به على سبيل الإطلاق؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] )) اهـ.
وانظر كلام ابن جرير الطبري في صفة (الاستهزاء) ؛ فإنه مهم، وكلام الشيخ محمد بن إبراهيم في صفة (الملل) .
الْخَطُّ
انظر: صفة (الكتابة) .
الْخَلْقُ
صفةٌ من صفات الله الفعلية الثابتة بالكتاب والسنة، وهي مأخوذة أيضاً من اسميه (الخالق) و (الخلاَّق) ، وهي من صفات الذات وصفات الفعل معاً.
стр. 149
الدليل من الكتاب:
وردت هذه الصفة في القرآن مرات عديدة، تارة بالفعل (خَلَقَ) ، أو بمصدره، وتارة باسمه (الخالق) أو (الخلاَّق) ، ومن ذلك:
١- قوله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ واَلأمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] .
٢- وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ﴾ [الحجر: ٨٦] .
٣- وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦] .
٤- وقوله: ﴿هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِيءُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر: ٢٤]
? الدليل من السنة:
١- حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: ((قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كَخَلْقي؛ فليخلقوا ذرَّة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة)) . رواه: البخاري (٥٩٥٣) ، ومسلم (٢١١١) .
٢- حديث عائشة ﵂ في التصاوير: (( ... أشد الناس عذاباً عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله ... )) . رواه: البخاري (٥٩٥٤) ، ومسلم (٣/١٦٦٨) .
قال الأزهري في ((تهذيب اللغة)) (٧/٢٦) : ((ومن صفات الله: الخالق والخلاق، ولا تجوز هذه الصفة بالألف واللام لغير الله جل وعز.
والخلق في كلام العرب ابتداع الشيء على مثال لم يسبق إليه.
стр. 150
وقال أبو بكر بن الأنباري: الخلق في كلام العرب على ضربين: أحدهما:
الإنشاء على مثال أبدعه. والآخر: التقدير.
وقال في قول الله جَلَّ وعَزَّ: ﴿فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ : معناه: أحسن المقدرين)) اهـ.
وقال ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)) (٦/٢٧٢) : ((وأما قولنا: هو موصوف في الأزل بالصفات الفعلية من الخلق والكرم والمغفرة؛ فهذا إخبار عن أنَّ وصفه بذلك متقدم؛ لأن الوصف هو الكلام الذي يخبر به عنه، وهذا مما تدخله الحقيقة والمجاز، وهو حقيقة عند أصحابنا، وأما اتصافه بذلك؛ فسواء كان صفةً ثبوتِيَّةً وراء القدرة أو إضافية؛ فيه من الكلام ما تقدم)) .
وقال في موضع آخر (٨/١٢٦) : ((والله تعالى لا يوصف بشيء من مخلوقاته، بل صفاته قائمة بذاته، وهذا مطرد على أصول السلف وجمهور المسلمين من أهل السنة وغيرهم، ويقولون: إنَّ خلق الله للسماوات والأرض ليس هو نفس السماوات والأرض، بل الخلق غير المخلوق، لا سيما مذهب السلف والأئمة وأهل السنة الذين وافقوهم على إثبات صفات الله وأفعاله)) .
وقال في موضع ثالث (١٢/٤٣٥-٤٣٦) : ((ولهذا كان مذهب جماهير
стр. 151
أهل السنة والمعرفة - وهو المشهور عند أصحاب الإمام أحمد وأبي حنيفة وغيرهم من المالكية والشافعية والصوفية وأهل الحديث وطوائف من أهل الكلام من الكرامية وغيرهم - أنَّ كون الله خالقاً ورازقاً ومحيياً ومميتاً وباعثاً ووارثاً ... وغير ذلك من صفات فعله، وهو من صفات ذاته؛ ليس من يخلق كمن لا يخلق.
ومذهب الجمهور أنَّ الخلق غير المخلوق؛ فالخلق فعل الله القائم به، والمخلوق هو المخلوقات المنفصلة عنه)) .
وقد نقل ﵀ في ((مجموع الفتاوى)) (٦/١٤٩) قول أبي يعلى الصغير الحنبلي: (( ... فالخلق صفة قائمة بذاته، والمخلوق الموجود المخترَع، وهذا بناء على أصلنا، وأن الصفات [الناشئة] عن الأفعال موصوف بها في القدم، وإن كانت المفعولات محدثة)) . قال: ((وهذا هو الصحيح)) .
الخُلَّةُ
صفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ بالكتاب والسنة، فالله يحبُ ويخالِلُ من يشاء ويكرهُ ويبغضُ من يشاء.
? الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء: ١٢٥] .
стр. 152
الدليل من السنة:
١- حديث: (( ... ولقد اتخذ الله صاحبكم خَلِيلاً)) ؛ يعني نفسه ﷺ . رواه مسلم (٢٣٨٣) .
٢- حديث أبي هريرة ﵁: ((قيل: يا رسول الله من أكرم الناس؟ قال: أتقاهم، فقالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله؛ ... )) رواه البخاري: (٣٣٥٣) ومسلم (٤٣٨٣) .
قال البغوي في تفسير آية النساء: (( ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ ؛ صفيَّاً، والخُلَّةُ: صفاء المودة)) ، ثم قال: (( ... قال الزجاج: معنى الخليل الذي ليس في محبته خلل، والخُلَّة: الصداقة، فسمي خليلاً لأن الله أحبه واصطفاه)) .
وقال ابن كثير في تفسير الآية نفسها: ((وإنما سمي خليل الله لشدة محبة ربه له؛ لما قام له من الطاعة التي يحبها ويرضاها)) .
ونقل ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)) (٥/٨٠) من كلام أبي عبد الله محمد بن خفيف من كتابه ((اعتقاد التوحيد بإثبات الأسماء والصفات)) قوله: ((والخُلَّة والمحبة صفتان لله، هو موصوف بهما، ولا تدخل أوصافه تحت التكييف والتشبيه، وصفات الخلق من المحبة والخُلَّة جائز عليها الكيف ... )) . وانظر أيضاً: ((مجموع الفتاوى)) (٥/٧١) .
стр. 153
الدَّلالَةُ أو الدَّلِيِلُ
يوصف الله بأنه الدليل يدُلُّ عباده ويهديهم طريق الرشاد. وليس الدليل من أسمائه. والدليل: الهادي، والدِّلالة (بفتح الدال وكسرها) : الهداية.
? الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠]
? الدليل من السنة:
حديث أبيِّ بن كعب ﵁ قال: سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول: ((إنه بينما موسى ﵇ في قومه يذكرهم بأيام الله - وأيام الله: نعماؤه وبلاؤه - إذ قال: ما أعلم في الأرض رجلاً خيراً وأعلم مني، قال: فأوحى الله إليه إني أعلم بالخير منه، أو عند من هو، إنَّ في الأرض رجلاً هو أعلم منك قال: يا رب فَدُلَّنِي عليه)) رواه: مسلم (٤٣٨٦)
قال شيخ الإسلام في ((مجموع الفتاوى)) (١/٢٠٧) ((وهدايتُه ودلالتُه من مقتضى اسمه الهادي وفي الأثر المنقول عن أحمد بن حنبل أنه أمر رجلا أنْ يقول يا دليل الحيارى دُلَّنِي على طريق الصادقين واجعلني من عبادك
стр. 154
الصالحين))
... وقال كما في ((مجموع الفتاوى)) (٢/١٧) : ((وفي الدعاء الذي علَّمه الإمام أحمد لبعض أصحابه: (يا دليل الحيارى دُلَّنِي على طريق الصادقين واجعلني من عبادك الصالحين) ولهذا كان عامة أهل السنة من أصحابنا وغيرهم على أنَّ الله يسمى دليلاً، ومنع ابن عقيل وكثيرٌ من أصحاب الأشعري أن يسمى دليلاً لاعتقادهم أنَّ الدليل هو ما يستدل به وأن الله هو الدالُّ، وهذا الذي قالوه بحسب ما غلب في عرف استعمالهم من الفرق بين الدال والدليل، وجوابه من وجهين؛ أحدهما: أنَّ الدليل معدول عن الدال وهو ما يؤكد فيه صفة الدلالة فكلُّ دليلٍ دالٌ وليس كلُّ دالٍ دليلاً، وليس هو من أسماء الآلات التي يفعل بها فإن فَعِيل ليس من أبنية الآلات كمِفْعَل ومِفْعَال، وإنما سُمِّي ما يستدل به من الأقوال والأفعال والأجسام أدلة باعتبار أنها تدل من يستدل بها، كما يخبر عنها بأنها تَهْدِي وَتُرْشِدُ وَتَعْرِفُ وَتَعْلَمُ وَتَقُولُ وَتُجِيبُ وَتَحْكُمُ وَتُفْتِي وَتَقُصُّ وَتَشْهَدُ وإن لم يكن لها في ذلك قصد وإرادة ولا حس وإدراك كما هو مشهورٌ في الكلام العربي وغيره، فما ذكروه من الفرق والتخصيص لا أصل له في كلام العرب، الثاني: أنه لو كان الدليل من أسماء الآلات التي يفعل بها فقد قال الله تعالى فيما روى عنه نبيه في عبده المحبوب: فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يعقل، وبي ينطق، وبي يبطش، وبي يسعى، والمسلم يقول: استعنت بالله، واعتصمت به، وإذا كان
стр. 155
ما سوى الله من الموجودات الأعيان والصفات يستدل بها سواء كانت حية أو لم تكن بل ويستدل بالمعدوم، فلأن يستدل بالحي القيوم أولى وأحرى، على أنَّ الذي في الدعاء المأثور: (يا دليل الحيارى دُلَّنِي على طريق الصادقين واجعلني من عبادك الصالحين) يقتضي أنَّ تسميته دليلاً باعتبار أنه دالٌ لعباده لا بمجرد أنه يستدل به كما قد يستدل بما لا يقصد الدلالة والهداية من الأعيان والأقوال والأفعال)) اهـ
قلت: أسماء الله توقيفية وليس منها (الدليل) وتوجيه كلام شيخ الإسلام في ردِّه على ابن عقيل وكثيرٍ من الأشاعرة أنهم لا يُوصِفُون الله بالدليل ويقولون هو دالٌ وليس دليلاً، فردَّ عليهم مُثبتاً صفةَ الدَّلالة لله بما سبق نقله ومنه قوله: ((الدليل معدولٌ عن الدالِّ وهو ما يؤكد فيه صفةَ الدِّلالة فكلُّ دليلٍ دالٌ وليس كلُّ دالٍ دليلاً)) ؛ أما دعاء الإمام أحمد -إن صحَّ عنه- فليس فيه تسمية الله بـ (الدليل) إنما فيه مناداة الله بصفة من صفاته وهذا جائز كقولك: يا فارج الهم ويا كاشف الغم، ويا دليل لحيارى ونحو ذلك، وليس الفارج والكاشف من أسمائه تعالى، والله أعلم.
الدُّنُوُّ
انظر: (التَّقَرُّب) .
стр. 156
الدَّيَّانُ
يوصف الله بأنه الدَيَّان الذي يجازي عباده بعملهم،وهو اسم له ثابتٌ بالسنة.
? الدليل:
حديث عبد الله بن أنيس ﵁ قال: ((سمعت رسول الله ﷺ يقول: يحشر الناس يوم القيامة أو قال العباد عراة غرلاً بُهْمَاً قال قلنا وما بهما قال ليس معهم شيء ثم يناديهم بصوت يسمعه من قرب أنا الملك أنا الدَيَّان ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه....)) رواه أحمد في ((المسند)) (٣/٤٩٥) وابن أبي عاصم في ((السنة)) (٥١٤) وغيرهما بإسناد حسن، ورواه البخاري في صحيحه معلقاً في (كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ..﴾ ) بلفظ: ((يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الدَيَّان)) ووصله في ((تغليق التعليق)) (٥/٣٥٥) من طريق الإمام أحمد وإسناده.
وانظر تخريج الحديث في ((ظلال الجنة في تخريج السنة)) (١/٢٢٥) للألباني ﵀-
стр. 157
وممن أثبت هذا الاسم لله الإمام ابن القيم في قصيدته النونية المشهورة المسماة ((الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية)) في أكثر من موضع من ذلك قوله (١/٤٤) :
((جَهْمُ بنُ صَفْوَانٍ وشِيِعَتِهِ الأُلَى ... جَحَدُوا صِفَاِت الخَاِلقِ الدَيَّان))
وفي ((مختار الصحاح)) : ((وقوله تعالى ﴿أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ أي: لمجزيون محاسبون ومنه الدَيَّان في صفة الله تعالى)) .
وفي ((لسان العرب)) : ((الدَيَّان من أسماء الله معناه: الحكم القاضي وسئل بعض السلف عن علي بن أبي طالب ﵇ فقال: كان ديان هذه الأمة بعد نبيها أي قاضيها وحاكمها، والدَيَّان: القهار ... وهو فعال من دان الناس أي قهرهم على الطاعة يقال دنتهم فدانوا أي قهرتهم فأطاعوا))
- الذَّاتُ
يصح إضافة لفظة (الذات) إلى الله ؛ كقولنا: ذات الله، أو: الذات الإلهية، لكن لا على أنَّ (ذات) صفة له، بل ذات الشيء بمعنى نفسه أو حقيقته.
وقد وردت كلمة (ذات) في السنة أكثر من مرة، ومن ذلك:
١- ما رواه: البخاري (٣٣٥٨) ، ومسلم (٢٣٧١) ؛ من حديث أبي
стр. 158
هريرة ﵁: ((إنَّ إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كذبات، اثنتين في ذات الله)) .
٢- وما رواه البخاري (٣٠٤٥) من حديث أبي هريرة ﵁ في قصة مقتل خبيب الأنصاري ﵁، وقوله:
((ولَسْتُ أبالي حَيْنَ أُقْتَلُ مسلماً ... على أي شِقٍّ كان في الله مصْرعِي
وذلكَ في ذاتِ الإلهِ وإنْ يَشأْ ... يُبَارِكْ على أوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ))
وقد أفرد قَوَّام السُّنَّة في ((الحجة في بيان المحجة)) (١/١٧١) فصلاً في الذات، فقال: ((فصل في بيان ذكر الذات)) ، ثم قال: ((قال قوم من أهل العلم: ذات الله حقيقته. وقال بعضهم: انقطع العلم دونها. وقيل: استغرقت العقول والأوهام في معرفة ذاته. وقيل: ذات الله موصوفة بالعلم غير مدركة بالإحاطة ولا مرئية بالأبصار في دار الدنيا، وهو موجود بحقائق الإيمان على الإيقان بلا إحاطة إدراك، بل هو أعلم بذاته، وهو موصوف غير مجهول، وموجود غير مدرك، ومرئي غير محاط به؛ لقربه، كأنك تراه، يسمع ويرى، وهو العلي الأعلى، وعلى العرش استوى ﵎، ظاهرٌ في ملكه وقدرته، قد حجب عن الخلق كنه ذاته، ودلهم عليه بآياته؛ فالقلوب تعرفه، والعقول لا تكيفه، وهو بكل شيء محيط، وعلى كل شيء قدير)) اهـ.
وقال شيخ الإسلام في ((مجموع الفتاوى)) (٦/٢٠٦) : ((اسم (الله)
стр. 159
إذا قيل: الحمد لله، أو قيل: بسم الله؛ يتناول ذاته وصفاته، لا يتناول ذاتاً مجردة عن الصفات، ولا صفات مجردة عن الذات، وقد نص أئمة السنة كأحمد وغيره على أنَّ صفاته داخلة في مسمى أسمائه، فلا يقال: إنَّ علم الله وقدرته زائدة عليه، لكن من أهل الإثبات من قال: إنها زائدة على الذات. وهذا إذا أريد به أنها زائدة على ما أثبته أهل النفي من الذات المجردة؛ فهو صحيح؛ فإن أولئك قصروا في الإثبات، فزاد هذا عليهم، وقال: الرب له صفات زائدة على ما علمتموه. وإن أراد أنها زائدة على الذات الموجودة في نفس الأمر؛ فهو كلام متناقض؛ لأنه ليس في نفس الأمر ذات مجردة حتى يقال: إنَّ الصفات زائدة عليها، بل لا يمكن وجود الذات إلا بما به تصير ذاتاً من الصفات، ولا يمكن وجود الصفات إلا بما به تصير صفات من الذات، فتخيل وجود أحدهما دون الآخر، ثم زيادة الآخر عليه تخيل باطل)) اهـ.
وقال في ((مجموع الفتاوى)) (٦/١٤٢) أيضاً: ((ويفرق بين دعائه والإخبار عنه؛ فلا يدعى إلا بالأسماء الحسنى، وأما الإخبار عنه؛ فلا يكون باسم سيء، لكن قد يكون باسم حسن، أو باسم ليس بسيء، وإن لم يحكم بحسنه؛ مثل اسم: شيء، وذات، وموجود ... )) اهـ.
وانظر كلامه ﵀ عن الذات في ((مجموع الفتاوى)) (٥/٣٣٠و٣٣٨) .
وقال الشيخ عبد الله الغنيمان في ((شرحه لكتاب التوحيد من صحيح
стр. 160
البخاري)) (١/٢٤٥) : ((وبعض الناس يظن أنَّ إطلاق الذات على الله تعالى كإطلاق الصفات؛ أي أنه وصف له، فينكر ذلك بناء على هذا الظن، ويقول: هذا ما ورد، وليس الأمر كذلك، وإنما المراد التفرقة بين الصفة والموصوف، وقد تبين مراد الذين يطلقون هذا اللفظ؛ أنهم يريدون نفس الموصوف وحقيقته فلا إنكار عليهم في ذلك؛ كما وضحه كلام شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم))
الرَّأفَةُ
صفةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ، وذلك من اسمه (الرؤوف) ، وهو ثابت بالكتاب العزيز.
? الدليل:
١- قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٠] .
٢- قوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] .
والرأفة أشد وأبلغ من الرحمة.
قال ابن جرير في تفسير الآية ٦٥ من سورة الحج ﴿إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ : ((إنَّ الله بجميع عباده ذو رأفة، والرأفة أعلى معاني
стр. 161
الرحمة، وهي عامة لجميع الخلق في الدنيا ولبعضهم في الآخرة)) .
وقال الخطابي في ((شأن الدعاء)) (ص ٩١) :
((الرَّؤوف: هو الرحيم العاطف برأفته على عباده، وقال بعضهم: الرأفة أبلغ الرحمة وأرقها، ويقال: إنَّ الرأفة أخص والرحمة أعم، وقد تكون الرحمة في الكراهة للمصلحة، ولا تكاد الرأفة تكون في الكراهة؛ فهذا موضع الفرق بينهما)) .
وانظر: ((جامع الأصول)) (٤/١٨٢) .
وقال الأزهري في ((تهذيب اللغة)) (١٥/٢٣٨) : ((ومن صفات الله : الرؤوف، وهو الرحيم، والرأفة أخص من الرحمة وأرقّ)) .
الرُّؤيَةُ
... الرؤية - كالبصر والنظر- صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله بالكتاب والسنة.
? الدليل من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] .
٢- وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤] .
? الدليل من السنة:
١- حديث جبريل المشهور وفيه: (( ... قال: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه؛ فإنه يراك ... )) . رواه: البخاري
стр. 162
(٥٠) ، ومسلم (٩) ؛ من حديث أبي هريرة ﵁. ورواه مسلم أيضاً (١) من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
٢- قول أنس بن النضر ﵁ في غزوة أحد: (( ... لئن الله أشهدني قتال المشركين؛ لَيرَيَنَّ الله ما أصنع)) . رواه البخاري (٢٨٠٥) ، ورواه مسلم (١٩٠٣) بلفظ: ((ليراني الله)) .
قال قَوَّامُ السُّنَّة الأصبهاني في ((الحجة)) (١/١٨١) : ((قال الله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ ، وقال: ﴿تَجْري بِأَعْيُنِنَا﴾ ، وقال: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ، وقال: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ ؛ فواجب على كل مؤمن أن يثبت من صفات الله ما أثبته الله لنفسه، وليس بمؤمن من ينفي عن الله ما أثبته الله لنفسه في كتابه؛ فرؤية الخالق لا تكون كرؤية المخلوق، وسمع الخالق لا يكون كسمع المخلوق، قال الله تعالى: ﴿فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ ، وليس رؤية الله تعالى أعمال بني آدم كرؤية رسول الله ﷺ والمؤمنين، وإن كان اسم الرؤية يقع على الجميع، وقال تعالى: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾ ، جل وتعالى عن أن يشبه صفة شيء من خلقه صفته، أو فعل أحد من خلقه فعله؛ فالله تعالى يرى ما تحت الثرى، وما تحت الأرض السابعة السفلى، وما في السماوات العلى، لا يغيب عن بصره شيء من ذلك ولا يخفي؛ يرى ما في جوف البحار ولججها كما يرى ما في السموات، وبنو آدم
стр. 163
يرون ما قرب من أبصارهم، ولا تدرك أبصارهم ما يبعد منهم، لا يدرك بصر أحد من الآدميين ما يكون بينه وبينه حجاب، وقد تتفق الأسامي وتختلف المعاني)) اهـ.
رُؤْيَتُهُ
... أهل السنة والجماعة يؤمنون أنَّ المؤمنين يرون ربهم عياناً يوم القيامة، وهذا ثابت بالكتاب والسنة.
? الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ - إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣]
? الدليل من السنة:
١- قوله ﷺ : ((إنكم سترون ربكم [عياناً] كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته ... )) . رواه البخاري (٥٥٤) ، ومسلم (٦٣٣) ؛ من حديث جرير بن عبد الله ﵁.
٢- حديث صهيب ﵁ مرفوعاً: ((إذا دخل أهل الجنة الجنة؛ يقول الله ﵎: تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحبّ إليهم من النظر إلى ربهم ، ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحسنَى وَزِيَادَةٌ﴾ .رواه مسلم (١٨١) .
стр. 164
قال أبو الحسن الأشعري في ((رسالة إلى أهل الثغر)) (ص ٢٣٧) : ((وأجمعوا على أنَّ المؤمنين يرون الله يوم القيامة بأعين وجوههم، على ما أخبر به تعالى، في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ، وقد بيَّن معنى ذلك النبي ﷺ ، ودفع إشكاله فيه؛ بقوله للمؤمنين: ((ترون ربكم عياناً)) ، وقوله: ((ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر؛ لا تُضامون في رؤيته)) ، فبيَّن أنَّ رؤيته تعالى بأعين الوجوه)) اهـ.
وقال الشيخ عبد الله الغنيمان في ((شرحه لكتاب التوحيد من صحيح البخاري)) (٢/٨) : ((والأحاديث في رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة كثيرة جدّاً، وقد تواترت عن رسول الله ﷺ ، وتلقاها أتباعه بكل قبول وارتياح وانشراح لها، وكلهم يرجو ربه ويسأله أن يكون ممن يراه في جنات عدن يوم يلقاه)) .
وانظر: كتاب ((الرؤية)) للدارقطني، و ((الرد على الجهمية)) (ص ٨٧) و ((الشريعة)) للآجري (ص ٢٥١) ، و ((التصديق بالنظر إلى الله تعالى في الآخرة)) له أيضاً، وكتاب ((رؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها)) للدكتور أحمد بن ناصر آل حمد، وكتاب ((دلالة القرآن والأثر على رؤية الله تعالى بالبصر)) للأستاذ عبد العزيز الرومي.
стр. 165
الرُّبُوبِيَّةُ
صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ، وذلك من اسمه (الرب) الثابت بالكتاب والسنة في مواضع عديدة؛ تارة وحده (الرب) ، وتارة مضافاً؛ مثل: (رب العالمين) ، و (رب المشرقين) .
? الدليل من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] .
٢- وقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] .
? الدليل من السنة:
١- حديث ابن عباس ﵁ مرفوعاً: ((ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً وساجداً، فأما الركوع؛ فعظموا فيه الرب ... )) . رواه مسلم (٤٧٩) .
٢- حديث عمرو بن عبسة مرفوعاً: ((أقرب ما يكون الرَّبُّ من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة؛ فكن)) . ((صحيح سنن الترمذي)) (٣٨٣٢) .
ومعنى الرَّب: المالك والمتصرف والمدبر والسيد والمربي.
قال ابن قتيبة في ((غريب القرآن)) (ص ٩) : ((ومن صفاته (الرب) ، والرب المالك، يُقال: هذا رب الدار ورب الضيعة ورب الغلام؛ أي: مالكه، قال الله سبحانه: ﴿ارْجعْ إلى رَبِّك﴾ ؛ أي: إلى سيدك. ولا يُقال
стр. 166
لمخلوق: هذا الرَّبُّ؛ معرفاً بالألف واللام؛ كما يُقال لله، إنما يُقال: هذا رب كذا، فيُعرَّف بالإضافة؛ لأن الله مالك كل شيء. فإذا قيل: الرَّبُّ؛ دلَّت الألف واللام على معنى العموم، وإذا قيل لمخلوق: ربُّ كذا وربُّ كذا؛ نُسب إلى شيء خاص؛ لأنه لا يملك [شيئاً] غيره)) اهـ.
وقال ابن القيم في ((مدارج السالكين)) (١/٣٤) : ((وتأمل ارتباط الخلق والأمر بهذه الأسماء الثلاثة، وهي (الله) ، و (الرب) ، و (الرحمن) ؛ كيف نشأ عنها الخلق والأمر والثواب والعقاب، وكيف جمعت الخلق وفرقتهم؛ فلها الجمع، ولها الفرق.
فاسم (الرب) له الجمع الجامع لجميع المخلوقات؛ فهو رب كل شيء وخالقه والقادر عليه، لا يخرج شيء عن ربوبيته، وكل من في السماوات والأرض عبد له في قبضته وتحت قهره، فاجتمعوا بصفة الربوبية، وافترقوا بصفة الإلهية، فألَّهه وحده السعداء، وأقروا له طوعاً بأنه الله الذي لا إله إلا هو، الذي لا تنبغي العبادة والتوكل والرجاء والخوف والحب والإنابة والإخبات والخشية والتذلل والخضوع إلاَّ له، وهنا افترق الناس، وصاروا فريقين: فريقاً مشركين في السعير، وفريقاً موحدين في الجنة؛ فالإلهية هي التي فرقتهم كما أنَّ الربوبية هي التي جمعتهم؛ فالدين والشرع، والأمر والنهي -مظهره وقيامه- من صفة الإلهية، والخلق والإيجاد والتدبير والفعل من صفة الربوبية، والجزاء بالثواب والعقاب والجنة والنار من صفة
стр. 167
الملك، وهو ملك يوم الدين، فأمرهم بإلهيته، وأعانهم ووفقهم وهداهم وأضلهم بربوبيته، وأثابهم وعاقبهم بملكه وعدله، وكل واحدة من هذه الأمور لا تنفك عن الأخرى ... )) إلخ.
الرِّجْلُ وَالْقَدَمَانِ
صفةٌ ذاتيةٌ خبريةٌ ثابتةٌ لله بصحيح السنة.
? الدليل:
١- حديث أبي هريرة ﵁ في تحاجج الجنة والنار، وفيه: ((فأما النار؛ فلا تمتلئ حتى يضع الله ﵎ رجله (وعند مسلم: قدمه) ، فتقول: قط قط ... )) .رواه: البخاري (٤٨٥٠) ، ومسلم (٢٨٤٦) .
٢- ورواه البخاري (٤٨٤٨) من حديث أنس ﵁ بنحوه.
٣- أثر ابن عباس ﵁؛ قال: ((الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره)) . رواه: ابن خزيمة في ((التوحيد)) (١/٢٤٨ رقم: ١٥٤) ، وابن أبي شيبة في ((العرش)) (٦١) ، والدارمي في ((الرد على المريسي)) ، وعبد الله ابن الإمام أحمد في ((السنة)) ، والحاكم في ((المستدرك)) (٢/٢٨٢) ، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في ((مختصر العلو)) ((ص ١٠٢)) ، وأحمد شاكر في ((عمدة التفسير)) ٢/١٦٣) .
٤- أثر أبي موسى الأشعري ﵁؛ قال: (الكرسي موضع
стр. 168
القدمين، وله أطيطٌ كأطيطِ الرَّحْل)) . رواه: عبد الله ابن الإمام أحمد في ((السنة)) ، وأبو الشيخ في ((العظمة)) ، وابن أبي شيبة في ((العرش)) (٦٠) ، وابن جرير، والبيهقي، وغيرهم، وصحح إسناده موقوفاً الألباني ﵀ في ((مختصر العلو)) (ص ١٢٣-١٢٤) .
وبهذه الأحاديث والآثار الصحيحة نثبت لله صفة القَدَم والرِّجل، وأن لله قدمين - كما في أثر ابن عباس وأبي موسى ﵄ تليقان به وبعظمته، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ .
قال الشيخ عبد الله الغنيمان في ((شرحه لكتاب التوحيد من صحيح البخاري)) (١/١٥٦) بعد ذكر روايات صفة القدم والرجل: ((ففي مجموع هذه الروايات البيان الواضح بأن القدم والرجل - وكلاهما عبارة عن شيء واحد - صفة لله تعالى حقيقة على ما يليق بعظمته)) . اهـ.
وانظر لهذه الصفة: كتاب ((التوحيد)) لابن خزيمة (١/٢٠٢) ، ((رد الدارمي على المريسي)) (ص٦٧-٧٠) ، ((إبطال التأويلات)) للفراء (ص ١٩٢) ، و ((الجواب الصحيح)) لابن تيمية (٣/١٥١) .
... وانظر كلام ابن كثير في صفة (الأصابع) .
الرَّحْمَةُ
صفةٌ ثابتةٌ بالكتاب والسنة، و (الرحمن) و (الرحيم) من أسماءه تعالى
стр. 169
تكررا في الكتاب والسنة مراتٍ عديدة.
? الدليل من الكتاب:
... ١- قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١و٢] .
٢- قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨] .
? الدليل من السنة:
١- تحية الإسلام: ((السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)) ، وقد وردت في أحاديث صحيحة كثيرة.
٢- حديث أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لما خلق الله الخلق، كتب في كتاب، فهو عنده فوق العرش: إنَّ رحمتي تغلب (أو: غلبت) غضبي)) .رواه البخاري (٣١٩٤) ، ومسلم (٢٧٥١) .
الرَّزْقُ
صفةٌ فعليةٌ ثابتةٌ لله بالكتاب والسنة، و (الرزَّاق) و (الرَّازق) من أسمائه تعالى.
? الدليل من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّبَاً﴾ [النحل: ١١٤] .
стр. 170
٢- وقوله تعالى: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقَاً حَسَنَاً وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الحج: ٥٨] .
٣- وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] .
? الدليل من السنة:
١- حديث ابن عباس ﵄ مرفوعاً: ((لو أنَّ أحدكم إذا أتى أهله
قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رَزَقْتَنَا ... )) . رواه: البخاري (١٤١) ، ومسلم (١٤٣٤) .
٢- حديث أنس ﵁ مرفوعاً: ((إن الله هو المسعِّر القابض الباسط الرَّازق ... )) . تقدم تخريجه في صفة (البسط) ، وهو عند أحمد وأبي داود وابن ماجه وابن جرير وابن حبان وأبي يعلى بلفظ: ((الرازق)) ، وعند الترمذي والضياء وغيرهما: ((الرزَّاق)) .
قال ابن القيم في ((النونية)) (٢/١٠١-شرح الهرَّاس) :
((وكذلك الرزَّاقُ من أسمائه ... والرَّزْقُ من أفعالهِ نوعانِ))
قال الهرَّاس: ((ومن أسمائه سبحانه (الرزَّاقُ) ، وهو مبالغة من (رازق) ؛ للدلالة على الكثرة، مأخوذ من الرَّزْق - بفتح الراء - الذي هو المصدر، وأما الرِّزق - بكسرها -؛ فهو لعباده الذين لا تنقطع عنهم أمداده وفواضله طرفة عين، والرزق كالخلق، اسم لنفس الشيء الذي يرزق الله به العبد؛ فمعنى الرزَّاق: الكثير الرزق، صفةٌ من صفات الفعل، وهو شأن من
стр. 171
شؤون ربوبيته ، لا يصح أن ينسب إلى غيره، فلا يسمى غيره رازقاً كما لا يسمى خالقاً، قال تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ ؛ فالأرْزاق كلها بيد الله وحده، فهو خالق الأرزاق والمرتزقة، وموصلها إليهم، وخالق أسباب التمتع بها؛ فالواجب نسبتها إليه وحده وشكره عليها فهو مولاها وواهبها)) اهـ.
الرُّشْدُ
صفةٌ لله ، وقد ثبت أنَّ النبي ﷺ قال: ((الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين)) . ((صحيح سنن الترمذي)) (١٧٠) .
قال الخطابي في ((شأن الدعاء)) (ص ٩٧) :
((الرشيد: هو الذي أرشد الخلق إلى مصالحهم، فعيل بمعنى مُفْعِل، ويكون بمعنى الحكيم ذي الرُّشد؛ لاستقامة تدبيره، وإصابته في أفعاله)) .
قال ابن القيم في ((النونية)) (٢/٩٧) :
((وَهُوَ الرَّشيدُ فقوله وفِعَالُهُ ... رُشْدٌ ورَبُّكَ مُرْشِدُ الحَيْرَانِ
وكِلاهُما حقٌ فهذا وصْفهُ ... والفعلُ للإرشادِ ذاك الثَّاني))
وقال الهرَّاس: ((قال العلامة السعدي ﵀ في شرحه لهذا الاسم الكريم: يعني أنَّ (الرشيد) هو الذي قوله رُشد وفعله كله رُشد، وهو
стр. 172
مُرشد الحيران الضال، فيهديه إلى الصراط المستقيم بياناً وتعليماً وتوفيقاً. فالرُّشد الدال عليه اسمه (الرشيد) وصفه تعالى، والإرشاد لعباده فعله)) .اهـ.
قلت: وتسمية الله بـ (الرشيد) يفتقر إلى دليل.
الرِّضَى
صفةٌ من صفات الله الفعليَّة الخبريَّة الثابتة بالكتاب والسنة.
? الدليل من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿رَضيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩] .
٢- وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] .
? الدليل من السنة:
١- حديث عائشة ﵂: ((اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك ... )) .رواه مسلم (٤٨٦) .
٢- حديث: ((إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً ... )) . رواه مسلم (١٧١٥) .
قال أبو إسماعيل الصابوني في ((عقيدة السلف أصحاب الحديث)) (ص ٥) : ((وكذلك يقولون (أي: الإثبات)) في جميع الصفات التي نزل
стр. 173
بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح؛ من: السمع، والبصر، والعين ... والرضى، والسخط، والحياة ... )) اهـ.
وقد استشهد شيخ الإسلام ابن تيمية في ((الواسطية)) (ص ١٠٨) ، و ((التدمرية)) (ص٢٦) ببعض ما مضى على إثبات صفة الرضى لله تعالى على ما يليق به.
وانظر: صفة (الغضب) وكلام ابن كثير في صفة (السمع) .
الرِّفْقُ
من الصفات الفعلية الخبريَّة الثابتة لله ، و (الرفيق) اسم من أسمائه تعالى
? الدليل:
١- حديث عائشة ﵂ مرفوعاً: ((يا عائشة! إنَّ الله رفيق، يحب الرفق في الأمر كله ... )) . رواه البخاري (٦٩٢٧) ومسلم (٤٠٢٧)
٢- حديث عائشة ﵂ مرفوعاً: ((اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً، فَشَقَّ عليهم، فاشقُقْ عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً، فرفق بهم، فارفق به)) . رواه مسلم (١٨٢٨) .
قال أبو يعلى الفراء في ((إبطال التأويلات)) (ص ٤٦٧) ((اعلم أنه غير ممتنع وصفه بالرفق لأنه ليس في ذلك ما يحيل على صفاته، وذلك أنَّ الرفق
стр. 174
هو الإحسان والإنعام وهو موصوف بذلك لما فيها من المدح، ولأن ذلك إجماع الأمة)) اهـ
... وقال ابن القيم في ((النونية (٢/٨٦) :
((وهُوَ الرَّفِيقُ يُحبُّ أهل الرِّفْقِ بَلْ ... يُعطيهمُ بالرِّفقِ فَوْق أمَانِي))
قال الهرَّاس: ((ومن أسمائه (الرفيق) ، وهو مأخوذ من الرفق الذي هو التأني في الأمور والتدرج فيها، وضده العنف الذي هو الأخذ فيها بشدة واستعجال)) اهـ.
وفي ((تهذيب اللغة)) (٩/١٠٩) : ((قال الليث: الرفق: لين الجانب، ولطافة الفعل، وصاحبه رفيق)) .
الرَّقِيبُ
يوصف الله بأنه الرقيب، وهو من صفات الذات، و (الرقيب) اسمٌ
من أسماء الله الثابتة بالكتاب.
? الدليل:
١- قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء: ١] .
٢- وقوله تعالى: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] .
قال ابن منظور في ((اللسان)) : ((الرقيب: فعيل بمعنى فاعل، وهو
стр. 175
الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء)) .
وقال ابن الأثير في ((جامع الأصول)) (٤/١٧٩) : ((الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء)) .
وقال السعدي في ((التفسير)) (٥/٣٠١) :
((الرقيب: المطلع على ما أكنَّته الصدور، القائم على كل نفس بما كسبت، الذي حفظ المخلوقات وأجراها على أحسن نظام وأكمل تدبير)) .
قال القرطبي في ((الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى)) (١/٤٠١) : ((رقيب؛ بمعنى: رَاقِب، فهو من صفات ذاته، راجعة إلى العلم والسمع والبصر؛ فإن الله تعالى رقيب على الأشياء بعلمه المقدس عن مباشرة النسيان، ورقيب للمبصَرات ببصره الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، ورقيب للمسموعات بسمعه المُدرِكِ لكل حركة وكلام؛ فهو سبحانه رقيب عليها بهذه الصفات، تحت رِقبته الكليات والجزئيات وجميع الخفيات في الأرضين والسماوات، ولا خفي عنده، بل جميع الموجودات كلها على نمطٍ واحدٍ، في أنها تحت رِقبته التي هي من صفته)) .اهـ.
الرَّوْحُ
الرَّوح؛ بفتح الراء وسكون الواو؛ بمعنى: الرحمة، ونسيم الريح، والراحة (انظر: ((لسان العرب)) ) ، وعلى المعنى الأول تكون صفة لله
стр. 176
عزَّ وجلَّ.
? ورود (رَوْح) بمعنى (رحمة) في القرآن الكريم:
قوله تعالى: ﴿وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] .
قال ابن جرير في ((التفسير)) (١٦/٢٣٢ - شاكر) : (( ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ﴾ ؛ يقول: لا يقنط من فرجه ورحمته ويقطع رجاءه منه)) ، ثم نقل بسنده عن قتادة قوله: ﴿وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ﴾ ؛ أي: من رحمته)) اهـ.
وقال البغوي: (( ﴿مِنْ رَوْحِ اللهِ﴾ ؛ أي: من رحمة الله، وقيل: من فَرَجِه)) .
وقال السعدي في تفسير الآية أيضاً (٤/٢٧) : (( ﴿وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ﴾ ؛ فإن الرجاء يوجب للعبد السعي والاجتهاد فيما رجاه، والإياس يوجب له التثاقل والتباطؤ، وأولى ما رجا العباد فضل الله وإحسانه ورحمته ورّوْحه. ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ ، فإنهم لكفرهم يستَبعدون رحمته، ورحمته بعيدة منهم، فلا تتشبَّهوا بالكافرين، ودلَّ هذا على أنه بحسب إيمان العبد يكون
رجاؤه لرحمة الله وروحه)) .
? ورود لفظة (رَوْح) في السنة:
حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً ((الريح من رَوْح اللهِ ... )) .حديث صحيح. رواه: أبو داود (٥٠٧٥) ، وابن ماجه (٣٧٢٧) ،
стр. 177
وأحمد (٧٦١٩ - شاكر) ، وغيرهم، وانظر: ((الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين)) (١٤١٧) .
و (رَوْح) هنا إما بمعنى رحمة أو هي نسيم الريح، وعلى الأول تكون صفة، وعلى الثاني تكون من إضافة المخلوق لله .
قال ابن الأثير في ((النهاية)) (٢/٢٧٢) : ((وفيه: ((الريح من روح الله)) ؛ أي: من رحمته بعباده)) .
وقال النووي في ((الأذكار)) (ص ٢٣٢) : (( (من روح الله) ؛ هو بفتح الراء، قال العلماء: أي: من رحمة الله بعباده)) .
وقال شمس الحق العظيم آبادي في ((عون المعبود)) (١٤/٣) : (( (الريح من روح الله) ؛ بفتح الراء؛ بمعنى الرحمة؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ )) .
وقال أحمد شاكر في ((شرحه للمسند)) (١٣/١٤٤) : ((وقوله: ((من روح الله)) ؛ بفتح الراء وسكون الواو؛ أي: من رحمته بعباده)) اهـ.
وبنحوه قال الألباني ﵀ في ((الكلم الطيب)) (١٥٣) .
ولشيخ الإسلام تفسير آخر للحديث، سيأتي ذكره قريباً في لفظة (رُوح) ؛ بالضم، وكأنه جعل لفظ الحديث: ((الريح من رُوحِ الله)) .
стр. 178
- الرُّوُحُ
الرُّوح؛ بالضم: خلقٌ من مخلوقات الله ، أضيفت إلى الله إضافة ملكٍ وتشريفٍ لا إضافة وصف؛ فهو خالقها ومالكها، يقبضها متى شاء ويرسلها متى شاء سبحانه، وقد وردت في الكتاب والسنة مضافة إلى الله في عدة مواضع.
? ذكرها في الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] .
٢- وقوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩،ص: ٧٢]
٣- وقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيَّاً﴾ [مريم: ١٧] .
٤- وقوله: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة: ٩] .
? ذكرها في السنة:
١- حديث أبي هريرة ﵁ في استفتاح الجنة، وفيه: (( ... فيأتون آدم ... ثم موسى ﵉، فيقول: اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه ... )) . رواه مسلم (١٩٥) .
٢- حديث أبي هريرة ﵁ في الشفاعة، وفيه: (( ... يا آدم! أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه ... فيأتون عيسى، فيقولون: يا عيسى! أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ... )) .
стр. 179
رواه: البخاري (٣٣٤٠، ٤٧١٢) ، ومسلم (١٩٤) .
أقوال العلماء في (الرُّوح) المضافة إلى الله تعالى:
١- قال ابن تيمية في ((الجواب الصحيح)) (٣/١٤٥) : ((فليس في مجرد الإضافة ما يستلزم أن يكون المضاف إلى الله صفة له، بل قد يضاف إليه من الأعيان المخلوقة وصفاتها القائمة بها ما ليس بصفة له باتفاق الخلق؛ كقوله تعالى: ﴿بيت الله﴾ ، و ﴿ناقة الله﴾ ، و ﴿عباد الله﴾ ، بل وكذلك ﴿روح الله﴾ عند سلف المسلمين وأئمتهم وجمهورهم، ولكن؛ إذا أضيف إليه ما هو صفة له وليس بصفة لغيره؛ مثل كلام الله، وعلم الله، ويد الله ... ونحو ذلك؛ كان صفة له)) .
وقال في ((مجموع الفتاوى)) (٩/٢٩٠) : ((وقال النبي ﷺ : ((الريح من روح الله)) ؛ أي: من الروح التي خلقها الله، فإضافة الروح إلى الله إضافة ملك، لا إضافة وصف؛ إذ كل ما يضاف إلى الله إن كان عيناً قائمة بنفسها فهو ملك له، وإن كان صفة قائمة بغيرها ليس لها محل تقوم به؛ فهو صفة لله؛ فالأول كقوله ﴿نَاقَةَ اللهِ وَسُقْيَاهَا﴾ ، وقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ ، وهو جبريل، ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيَّاً - قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تقِيَّاً - قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيَّاً﴾ ، وقال: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ ، وقال عن آدم: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا
стр. 180
لَهُ سَاجِدِينَ﴾ .
٢- وقال ابن القيم في ((كتاب الروح)) (ص ٥٠١) : ((فصل: وأما المسألة السابعة عشرة، وهي: هل الروح قديمة أم محدثة مخلوقة؟ وإذا كانت محدثة مخلوقة، وهي من أمر الله؛ فكيف يكون أمر الله محدثاً مخلوقاً؟ وقد أخبر سبحانه أنه نفخ في آدم من روحه؛ فهذه الإضافة إليه هل تدل على أنها قديمة أم لا؟ وما حقيقة هذه الإضافة؛ فقد أخبر عن آدم أنه خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، فأضاف اليد والروح إليه إضافة واحدة؟.
فهذه مسألة زلَّ فيها عالم، وضل فيها طوائف من بني آدم، وهدى الله أتباع رسوله فيها للحق المبين والصواب المستبين، فأجمعت الرسل صلوات الله وسلامه عليهم على أنها محدثة مخلوقة مصنوعة مربوبة مدبرة، هذا معلوم بالاضطرار من دين الرسل صلوات الله وسلامه عليهم؛ كما يُعلم بالاضطرار من دينهم أنَّ العالم حادث، وأن معاد الأبدان واقع، وأن الله وحده الخالق، وكل ما سواه مخلوق له، وقد انطوى عصر الصحابة والتابعين وتابعيهم - وهم القرون المفضلة - على ذلك من غير اختلاف بينهم في حدوثها وأنها مخلوقة، حتى نبغت نابغة ممَّن قصر فهمه في الكتاب والسنة، فزعم أنها قديمة غير مخلوقة، واحتج بأنها من أمر الله، وأمره غير مخلوق، وبأن الله تعالى أضافها إليه كما أضاف إليه علمه وكتابه وقدرته وسمعه وبصره ويده، وتوقف آخرون فقالوا: لا نقول مخلوقة ولا غير
следующие страницы →