Полный текст (386 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
قال شيخ الإسلام في ((مجموع الفتاوى)) (٣٥/٢٧٣) : ((الحلف بالنذر والطلاق ونحوهما هو حلفٌ بصفاتِ الله، فإنَّه إذا قال: إن فعلتُ كذا فعلي الحج فقد حلف بإيجاب الحج عليه وإيجاب الحج عليه حكمٌ من أحكام الله تعالى وهو من صفاته، وكذلك لو قال: فعلي تحريرُ رقبة، وإذا قال: فامرأتي طالقٌ وعبدي حرٌ فقد حلف بإزالة ملكه الذي هو تحريمه عليه والتحريم من صفات الله كما أنَّ الإيجاب من صفات الله)) اهـ
وانظر صفة: (التشريع)
الْبَارِيءُ
يوصف الله بأنه الباريء، وهو اسم له ، وهذه الصفةُ ثابتةٌ بالكتاب والسنة.
? الدليل من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿هُوَ اللهُ الخَالِقُ البَاريءُ﴾ [الحشر: ٢٤] .
٢- وقوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] .
? الدليل من السنة:
حديث أبي جحيفة؛ قال: سألت عليّاً ﵁: هل عندكم شيء ما ليس في القرآن؟ فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة؛ ما عندنا إلا ما في القرآن؛ إلا فهماً ... )) . رواه البخاري (٦٩٠٣) .
стр. 72
قال ابن قتيبة في ((تفسير غريب القرآن)) (ص ١٥) : ((ومن صفاته (الباريء) ، ومعنى (الباريء) : الخالق، يُقال: برأ الخلق يبرؤهم، والبريَّة: الخلق)) اهـ.
وقال الزجاج في ((تفسير الأسماء الحسنى)) (ص ٣٧) : ((البرء: خلق على صفة، فكل مبروء مخلوق، وليس كل مخلوق مبروءاً)) .
وقال ابن الأثير: ((الباريء: هو الذي خلق الخلق، لا عن مثال، إلا أنَّ لهذه اللفظة من الاختصاص بالحيوان ما ليس لها بغيره من المخلوقات، وقلما تستعمل في غير الحيوان، فيقال: برأ الله النسمة، وخلق السماوات والأرض)) . ((جامع الأصول)) (٤/١٧٧) .
الْبَاطِنُ (الْبَاطِنِيَّةُ)
يوصف الله بأنه الباطن، وهو اسم له ثابت بالكتاب والسنة.
? الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣] .
? الدليل من السنة:
حديث أبي هريرة المتقدم عند مسلم (٢٧١٣) : (( ... اللهم أنت الأوَّل؛ فليس قبلك شيء ... وأنت الباطن؛ فليس دونك شيء)) .
والمعنى كما قال ابن جرير: ((هو الباطن لجميع الأشياء؛ فلا شيء أقرب إلى
стр. 73
شيء منه؛ كما قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾
وقال ابن منده في ((كتاب التوحيد)) (٢/٨٢) : ((الباطن: المحتجب عن ذوي الألباب كنه ذاته وكيفية صفاته ) .
وقال البغوي في ((التفسير)) : ((الباطن: العالم بكل شيء)) .
وانظر: كلام ابن القيم في صفة (الأوَّليَّة) .
بَدِيعُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ
يوصف الله بأنه بديع السماوات والأرض وما فيهن، وهي صفةٌ ثابتةٌ له بالكتاب والسنة.
? الدليل من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧] .
٢- وقوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُل شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] .
? الدليل من السنة:
حديث أنس بن مالك ﵁؛ قال: سمع النبي ﷺ رجلاً يقول: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت وحدك، لا شريك لك، المنان، بديع السماوات والأرض، ذو الجلال والإكرام.
стр. 74
فقال: ((لقد سأل الله باسمه الأعظم، الذي إذا سُئِلَ به؛ أعطى، وإذا دُعِيَ به؛ أجاب)) . حديث صحيح. رواه: الترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه واللفظ له. ((صحيح سنن ابن ماجه)) (٣١١٢) . وانظر: ((جامع الأصول)) (٢١٤٣) .
المعنى:
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في ((التفسير)) (٥/٣٠٣) : ((بديع السماوات والأرض؛ أي: خالقهما ومبدعهما في غاية ما يكون من الحسن والخلق البديع والنظام العجيب المحكم)) .
وقال ابن منظور في مادة (ب د ع) : ((بديع السماوات والأرض، أي: خالقها ومبدعها؛ فهو سبحانه الخالق المخترع لا عن مثال سابق)) .
وعدَّ بعضُهم (البديع) من أسماء الله ، وفي هذا نظر.
الْبِرُّ
صفةٌ لله ثابتةٌ بالكتاب والسنة، و (البَرّ) من أسمائه تعالى.
? الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور:٢٨]
? الدليل من السنة:
حديث أنس بن مالك ﵁: ((إن من عباد الله تعالى من لو
стр. 75
أقسم على الله لأبَرَّه)) . رواه: البخاري (٢٧٠٣) ، ومسلم (١٦٧٥) .
ومعنى (البَرّ) :
١- اللطيف بعباده. قاله ابن جرير في تفسير الآية السابقة.
٢- العطوف على عباده ببره ولطفه. قاله ابن الأثير في ((جامع الأصول)) (٤/١٨٢) .
٣- وقال ابن القيم في ((النونية)) (٢/٩٩) :
((والبِِرُّ في أوصَافِهِ سُبْحَانَهُ ... هُوَ كثْرةُ الخَيراتِ والإحْسَانِ))
ِ
وفي ((لسان العرب)) : ((البَرُّ: الصادق، وفي التنزيل العزيز: ﴿إِنَّهُ هُوَ البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ والبَرُّ من صفات الله تعالى وتَقَدَّس: العطوفُ الرحيمُ اللطيفُ الكريمُ،قال ابن الأثير: في أسماء الله تعالى البَرُّ دون البارُّ وهو العطوف على عباده ببرِّه ولُطْفِه))
البَرَكَةُ والتَبَارُكُ
صفةٌ ذاتيةٌ وفعلية لله ، ثابتةٌ بالكتاب والسنة.
? الدليل من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ﴾ [هود: ٧٣]
٢- وقوله: ﴿تَبَارَكَ الذِي بِيَدِهِ المُلكُ﴾ [الملك: ١]
ووردت لفظة (تبارك) في مواضع أخرى من القرآن الكريم:
стр. 76
(الزخرف: ٨٥) ، (الرحمن: ٧٨) ، وفي ثلاث مواضع من سورة الفرقان.
? الدليل من السنة:
حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: ((بينا أيوب ﵇ يغتسل عرياناً ... فناداه ربه : يا أيوب! ألم أكن أغنيتك عمَّا ترى؟ قال: بلى وعزتك، ولكن لا غنى بي عن بركتك)) . رواه البخاري (٢٧٩) .
ويكفي استدلالاً لذلك تحية الإسلام: ((السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)) .
المعنى:
قال ابن القيم في ((بدائع الفوائد)) (٢/١٨٥) : (( ... وأما صفته تبارك؛ فمختصة به تعالى كما أطلقها على نفسه ... )) .
وقال في ((جلاء الأفهام)) (ص ١٦٧) : (( ... فتبارُكُه سبحانه صفة ذات له وصفة فعل ... )) .
وقال السلمان في شرحه للواسطية ((الكواشف الجلية)) (ص ٢٨٣) : (( ... والنوع الثاني بركة: هي صفته تضاف إليه إضافة الرحمة والعزة، والفعل منها تبارك، ولهذا لا يقال لغيره كذلك، ولا يصلح إلا له ؛ فهو سبحانه المبارِك، وعبده ورسوله المبارَك؛ كما قال المسيح: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً﴾ ، فمن بارك الله فيه؛ فهو المبارك، وأما صفته؛ فمختصة به؛ كما أطلق على نفسه بقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ﴾ )) .
стр. 77
البَسْطُ والقَبْضُ
يوصف الله بالبسط، وتوصف يده بالبسط، وهي صفةٌ فعلية خبريَّةٌ ٌ ثابتةٌ بالكتاب والسنة، و (الباسط) اسم من أسمائه .
? الدليل من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥]
٢ - وقوله: ﴿بَل يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] .
٣- وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الإسراء: ٣٠]
? الدليل من السنة:
١- حديث أنس ﵁: (( ... إنَّ الله هو المُسَعِّر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو الله أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال)) . حديث صحيح.
رواه أحمد في ((المسند)) (٣/١٥٦) ، والترمذي (١٣١٤) ، وأبو داود (٣٤٥١) ، وابن ماجه (٢٢٠٠) ، وابن جرير في ((التفسير)) (٥٦٢٣) ، وابن حبان (٤٩٣٥) ، وأبو يعلى (٢٧٧٤و٢٨٦١) ، والضياء في ((المختارة)) (١٦٣٠) والدارمي، والطبراني في ((الكبير)) ، والبيهقي في ((السنن)) وفي ((الأسماء والصفات)) . قال الحافظ في ((التلخيص الحبير)) (١١٥٨) : ((إسناده على شرط مسلم)) ، والحديث صححه الألباني في ((غاية المرام)) (٣٢٣) .
стр. 78
٢- حديث نزول الرب ﵎ إلى السماء الدنيا عند مسلم (٧٥٨) من حديث أبي هريرة ﵁: (( ... ثم يبسط يديه ﵎؛ يقول: من يقرض غير عَدُومٍ ولا ظَلُوم)) .
٣- حديث أبي موسى الأشعري ﵁: ((إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ... )) . رواه مسلم (٢٧٦٠) .
قال ابن منده في ((كتاب التوحيد)) (٢/٩٣) : ((ومن أسماء الله : الباسط؛ صفة له)) .اهـ.
قال ابن جرير في تفسير الآية الأولى: ((يعني بقوله ((يقبض)) : يقتِّر بقبضه الرزق عمَّن يشاء من خلقه، ويعني بقوله ((ويبسط)) : يوسِّع ببسطه الرزق على من يشاء)) اهـ.
فالبسط: نقيض القبض، وبسط الشيء: نشره، ويد بسط؛ أي: مطلقة، والبسطة: الزيادة والسعة. ومنه قوله تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ ، والباسط: هو الذي يبسط الرزق لعباده، ويوسعه عليهم بجوده ورحمته، ويبسط الأرواح في الأجساد عند الحياة. انظر مادة (ب س ط) في ((لسان العرب)) .
قال شيخ الإسلام في ((التدمرية)) (ص ٢٩) : ((ووصف نفسه (يعني: الله) ببسط اليدين، فقال ﴿ ... بَل يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ، ووصف بعض خلقه
стр. 79
ببسط اليد في قوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَل يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُل البَسْطِ﴾ ، وليس اليد كاليد، ولا البسط كالبسط ... )) .
وانظر صفة: (القبض) .
الْبَشْبَشَةُ أو الْبَشَاشَةُ
صفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ لله ثابتةٌ بالحديث الصحيح.
? الدليل:
حديث أبي هريرة ﵁؛ أنَّ النبي ﷺ قال: ((ما توطن رجل مسلم المساجد للصلاة والذكر؛ إلا تبشبش الله له كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم)) . رواه: ابن ماجه واللفظ له (صحيح سنن ابن ماجه/٦٥٢) ، وأحمد في ((المسند)) (٨٣٣٢) ، والطيالسي (٢٣٣٤) ، والحاكم (١/٢١٣) ، وقال: ((على شرط الشيخين)) ، ووافقه الذهبي والألباني في ((صحيح الترغيب)) (٣٢٥) والشيخ مقبل الوادعي في ((الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين)) (٢/٣٢٢/رقم ١٢٦٨) ، ورواه ابن خزيمة (١٥٠٣) ، وابن قتيبة في ((غريب الحديث)) (١/١٦٠) ، وفي ((مسند أحمد)) (٨٠٥١) ؛ بلفظ: ((لا يتوضأ أحدكم فيحسن الوضوء)) ، وصحح إسناده أحمد شاكر،
وصحح وقفه الحافظ ابن حجر فى "المطالب العاليه" (١/١٧٨) .
стр. 80
((قوله: يتبشبش، هو من البشاشة، وهو (يتفعَّل)) ) .اهـ.
قال أبو يعلى الفراء في ((إبطال التأويلات)) (١/٢٤٣) تعقيباً على كلام ابن قتيبة: ((فحمل الخبر على ظاهره، ولم يتأوله)) .
وقال قبل ذلك بعد أن تكلم عن إثبات صفة الفرح لله تعالى: (( ... وكذلك القول في البشبشة؛ لأن معناه يقارب معنى الفرح، والعرب تقول: رأيت لفلان بشاشة وهشاشة وفرحاً، ويقولون: فلان هش بش فرح، إذا كان منطلقاً، فيجوز إطلاق ذلك كما جاز إطلاق الفرح)) . اهـ.
قال الإمام الدارمي في ((رده على بشر المريسي)) (ص ٢٠٠) : ((وبلغنا أنَّ بعض أصحاب المريسي قال له: كيف تصنع بهذه الأسانيد الجياد التي يحتجون بها علينا في رد مذاهبنا مما لا يمكن التكذيب بها؛ مثل: سفيان عن منصور عن الزهري، والزهري عن سالم، وأيوب بن عوف عن ابن سيرين، وعمرو بن دينار عن جابر عن النبي ﷺ ... وما أشبهها؟)) . قال: ((فقال المريسي: لا تردوه تفتضحوا، ولكن؛ غالطوهم بالتأويل؛ فتكونوا قد رددتموها بلطف؛ إذ لم يمكنكم ردها بعنف؛ كما فعل هذا المعارض سواء.
وسننقل بعض ما روي في هذه الأبواب من الحب والبغض والسخط والكراهية وما أشبهه ... (ثم ذكر أحاديث في صفة الحب ثم البغض ثم
стр. 81
السخط ثم الكره ثم العجب ثم الفرح، ثم حديث أبي هريرة السابق في البشاشة، ثم قال) وفي هذه الأبواب روايات كثيرة أكثر مما ذكر، لم نأت بها مخافة التطويل)) .
البَصَرُ
البصر صفةٌ من صفات الله الذاتية الثابتة بالكتاب والسنة. و (البصير) : اسم من أسمائه تعالى.
? الدليل من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [النساء: ٥٨] .
٢- وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]
? الدليل من السنة:
حديث أبي موسى الأشعري ﵁: ((يا أيها الناس! أربعوا على
أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً، ولكن تدعون سميعاً بَصيراً، إنَّ الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)) . رواه البخاري (٦٣٨٤)
وانظر صفة: (الرؤية) و (النظر) و (العين) ؛ لله .
стр. 82
الْبَطْشُ
صفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله بالكتاب العزيز، ومعناه: الانتقام والأخذ القوي الشديد.
وقد ورد البطش مضافاً إلى الله تعالى في ثلاث مواضع من القرآن الكريم.
١- قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ [الدخان:١٦]
٢- وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ [القمر: ٣٦]
٣- وقوله: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢]
قال ابن القيم في ((الصواعق المرسلة)) (٣/٩١٥) : ((قال تعالى في آلهة المشركين المعطلين ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ ، فجعل سبحانه عدم البطش والمشي والسمع والبصر دليلا على عدم إلهية من عُدمت فيه هذه الصفات، فالبطش والمشي من أنواع الأفعال، والسمع والبصر من أنواع الصفات، وقد وصف نفسه سبحانه بضد صفة أربابهم وبضد ما وصفه به المعطلة والجهمية))
وقال في ((التبيان في أقسام القرآن)) (ص٥٩) : (( ... ثم ذكر سبحانه جزاء أوليائه المؤمنين ثم ذكر شدة بطشه وأنه لا يعجزه شيء، فإنه هو المبديء المعيد، ومن كان كذلك فلا أشد من بطشه، وهو مع ذلك الغفور الودود، يغفر لمن تاب إليه ويوده ويحبه، فهو سبحانه الموصوف بشدة
стр. 83
البطش ومع ذلك هو الغفور الودود المتودد إلى عباده بنعمه الذي يود من تاب إليه وأقبل عليه))
وقال الشيخ ابن عثيمين في ((القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى)) (٣٠) ((من صفات الله تعالى المجيء والإتيان والأخذ والإمساك والبطش إلى غير ذلك من الصفات ... فنصف الله تعالى بهذه الصفات على الوجه الوارد))
الْبُغْضُ
صفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله بالأحاديث الصحيحة.
? الدليل:
١- حديث أبي هريرة ﵁: ((إن الله تعالى إذا أحب عبداً ... وإذا أبغض عبداً؛ دعا جبريل، فيقول إني أبغض فلاناً؛ فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء ... إنَّ الله يبغض فلاناً؛ فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء، ثم توضع له البغضاء في الأرض)) رواه مسلم: (٢٦٣٧)
٢ - حديث أبي هريرة ﵁: ((أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها)) . رواه مسلم (٦٧١) .
يقول ابن القيم في ((الصواعق المرسلة)) (٤/١٤٥١) : ((إن ما وصف الله سبحانه به نفسه من المحبة والرضى والفرح والغضب والبغض
стр. 84
والسخط من أعظم صفات الكمال)) اهـ.
وفي ((تهذيب اللغة)) (٨/١٧) : ((وقال الليث: البغض: نقيض الحب)) .
وانظر كلام ابن أبي العز في صفة (الغضب) وابن كثير في صفة (السمع) .
الْبَقَاءُ
صفةٌ ذاتيةٌ خاصةٌ بالله ثابتةٌ بالكتاب العزيز.
? الدليل:
قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] .
وقد عَدَّ بعضهم (الباقي) من أسماء الله تعالى، ولا دليل معهم، منهم: ابن منده في ((كتاب التوحيد)) (٢/٨٦) ، والزجاجي في ((اشتقاق أسماء الله)) (ص ٢٠٠) ، وقوَّام السنة الأصبهاني في ((الحجة)) (١/١٢٧) ، وغيرهم.
قال قَوَّامُ السُّنَّة في ((الحجة)) (١/١٢٨) : ((معنى الباقي: الدائم، الموصوف بالبقاء، الذي لا يستولي عليه الفناء، وليست صفة بقائه ودوامه كبقاء الجنة والنار ودوامهما، وذلك أنَّ بقاءه أبدي أزلي، وبقاء الجنة والنار أبدي غير أزلي، فالأزلي ما لم يزل، والأبدي ما لا يزال، والجنة والنار كائنتان
стр. 85
بعد أن لم تكونا)) .اهـ
وقال أبو بكر الباقلاني فيما نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في ((الفتاوى)) (٥/٩٩) وأقره عليه: ((صفات ذاته التي لم يزل ولا يزال موصوفاً بها هي: الحياة، والعلم ... والبقاء والوجه، والعينان ... )) .
وقال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) (١١/٥٤٧) : ((قوله (باب قول الرَّجُل لَعَمْرُ الله) أَيْ هَلْ يَكُون يَمِينًا , وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى تفسير ((لَعَمْر)) ... وقال أَبُو القَاسِم الزَّجَّاج: العُمْر الحياة , فمن قال لَعَمْر الله كأنه حلف بِبَقَاءِ الله , واللام لِلتَّوْكِيدِ والخبر محذوف أَيْ مَا أُقسم به , ومِن ثَمَّ قَالَ المَالِكِيَّة وَالحَنَفِيَّة: تَنْعَقِد بِهَا اليَمِين ; لأن بَقَاء الله مِنْ صِفَة ذَاته))
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ في ((الفتاوى والرسائل)) (١/٢٠٧) : ((البقاء من صفات الله، فإذا أسند إلى إنسان؛ فهو من الشرك)) اهـ.
وانظر صفة (الحياة) .
الْتَأْخِيِرُ
صفةٌ ثابتةٌ لله .
انظر صفة: (التقديم) .
стр. 86
الْتَبَارُكُ
صفةٌ ثابتةٌ لله .
انظر صفة: (البركة) .
التَّجَلِّي
صفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله بالكتاب والسنة. ومعناه الظهور للعيان، لا كما تقول الصوفية: التَّجَلِّي: ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب.
? الدليل من الكتاب:
قوله تعالى ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً﴾ [الأعراف: ١٤٣]
- الدليل من السنة:
١- روى الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/١٢٥) بإسناد صحيح: ((حدثنا
أبو المثنى معاذ بن معاذ العنبري قال حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ قال: قال هكذا يعني أنه أخرج طرف الخنصر قال أحمد أرانا معاذ قال: فقال له حميد الطويل: ما تريد إلى
стр. 87
هذا يا أبا محمد قال فضرب صدره ضربة شديدة وقال من أنت يا حميد وما أنت يا حميد يحدثني به أنس بن مالك عن النبي ﷺ فتقول أنت ما تريد إليه)) .
وعند الترمذي (٣٢٨٢) بإسناد صحيح أيضاً من حديث سليمان بن حرب حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس ﵁: ((أنَّ النبي ﷺ قرأ هذه الآية ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً﴾ قال حماد هكذا وأمسك سليمان بطرف إبهامه على أنملة إصبعه اليمنى قال فساخ الجبل وخَرَّ موسى صعقاً)) .انظر: ((صحيح سنن الترمذي)) (٣/٥١)
٢- حديث تجلِّي الله لعباده يوم القيامة المشهور. رواه البخاري (٧٤٣٨) والترمذي (٢٤٨٠) وقال: ((هذا حديث حسن صحيح، وقد روي عن النبي ﷺ رواياتٌ كثيرة مثل هذا ما يذكر فيه أمر الرؤية أنَّ الناس يرون ربهم وذِكر القدم وما أشبه هذه الأشياء، والمذهبُ في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم أنهم رووا هذه الأشياء ثم قالوا تُروى هذه الأحاديث ونؤمن بها ولا يقال كيف، وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن تُروى هذه الأشياء كما جاءت ويُؤمَن بها ولا تُفَسَّر ولا تُتَوَهَّم ولا يقال كيف وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا
стр. 88
إليه ومعنى قوله في الحديث:
((فَيُعَرِّفَهم نفسه)) يعني: يَتَجَلَّى لهم))
قال الإمام أحمد كما في ((مجموع الفتاوى)) (٥/٢٥٧) لشيخ الإسلام ابن تيمية: ((وهو الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، وهو الذي كَلَّم موسى تكليماً، وتَجَلَّى للجبل فجعله دكاً، ولا يماثله شىءٌ من الأشياء في شيءٍ من صفاته، فليس كَعِلمه علمُ أحدٍ، ولا كقدرته قدرةُ أحدٍ، ولا كرحمته رحمةُ أحدٍ، ولا كاستوائه استواء أحدٍ، ولا كسمعه وبصره سمع أحدٍ ولا بصره، ولا كتكليمه تكليم أحدٍ، ولا كَتَجَلِّيِهِ تَجَلِّي أحدٍ))
قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٧/١٥٣) : ((وقول رسول الله ﷺ : ((يَنْزِل ربُّنَا إلى السماء الدنيا)) عندهم مثل قول الله ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ ومثل قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفَّاً صَفَّاً﴾ كلهم يقول يَنْزِل ويَتَجَلَّى ويجيء، بلا كيف، لا يقولون: كيف يجيء وكيف يَتَجَلَّى وكيف يَنْزِل، ولا من أين جاء ولا من أين تَجَلَّى ولا من أين يَنْزِل، لأنه ليس كشيءٍ من خلقه، وتعالى عن الأشياء، ولا شريك له، وفي قول الله ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ دلالةٌ واضحةٌ أنه لم يكن قبل ذلك متجلِّيَاً للجبل وفي ذلك ما يفسر معنى حديث التَنْزيل ومن أراد أن يقف على أقاويل العلماء في قوله : ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ فلينظر في تفسير
стр. 89
بقيُّ بن مخلد ومحمد بن جرير وليقف على ما ذكرا من ذاك ففيما ذكرا منه كفاية وبالله العصمة والتوفيق))
وقال شيخ الإسلام في ((مجموع الفتاوى)) (٦/٣٧) : ((وطريقة الرسل هي ما جاء بها القرآن والله تعالى في القرآن يثبت الصفات على وجه التفصيل وينفي عنه - على طريق الإجمال - التشبيه والتمثيل. فهو في القرآن يخبر أنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وأنه عزيز حكيم غفور رحيم وأنه سميع بصير وأنه غفور ودود وأنه تعالى - على عظم ذاته - يحب المؤمنين ويرضى عنهم ويغضب على الكفار ويسخط عليهم وأنه خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش وأنه كلم موسى تكليما وأنه تَجَلَّى للجبل فجعله دكاً ; وأمثال ذلك))
وقال في ((مجموع الفتاوى)) (٢٣/٧٦) ((ثبت في الأحاديث الصحيحة: أنه إذا تَجَلَّى لهم يوم القيامة سجد له المؤمنون، ومن كان يسجد في الدنيا رياءً يصيُر ظهرُه مثل الطبق))
وقال الحكمي في ((معارج القبول)) (٢/٧٧٢) : ((وقوله فتنظرون إليه وينظر إليكم فيه إثبات صفة التَجَلِّي لله وإثبات النظر له واثبات رؤيته في الآخرة ونظر المؤمنين إليه))
قال ابن منظور في ((لسان العرب)) : ((قال الزجاج: ﴿تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ أي: ظهر وبان. قال: وهذا قول أهل السنة والجماعة))
стр. 90
وقال الخليل بن أحمد الفراهيدي في كتاب ((العين)) : ((قال الله ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ أي ظهر وبان))
الْتَحْلِيِلُ والْتَحْرِيِمُ
انظر صفة: (الإيجاب)
التَّدَلِّي (إلى السماء الدنيا)
صفةٌ فِعْلِيَّةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله بالسنة الصحيحة.
والتَّدَلِّي في اللغة: النُّزُولُ من عُلُوٍ.
انظر صفة: (النُّزُول)
التَّرَدُّدُ فِي قَبْضِ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ
صفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله تعالى على ما يليق به؛ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ .
? الدليل:
حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: ((إن الله قال: من عادى لي وليّاً؛ فقد آذنته بالحرب ... وما تردَّدت عن شيء أنا فاعله تردُّدي عن نفس المؤمن؛ يكره الموت، وأنا أكره مَسَاءَته)) . رواه البخاري (٦٥٠٢) .
سئل شيخ الإسلام ﵀ في ((الفتاوى)) (١٨/١٢٩) عن معنى
стр. 91
تردد الله في هذا الحديث؟ فأجاب:
((هذا حديث شريف، قد رواه البخاري من حديث أبي هريرة، وهو أشرف حديث روي في صفة الأولياء، وقد ردَّ هذا الكلام طائفة، وقالوا: إنَّ الله لا يوصف بالتردد، وإنما يتردد من لا يعلم عواقب الأمور، والله أعلم بالعواقب، وربما قال بعضهم: إنَّ الله يعامل معاملة المتردد.
والتحقيق: أنَّ كلام رسوله حق، وليس أحد أعلم بالله من رسوله، ولا أنصح للأمة منه، ولا أفصح ولا أحسن بياناً منه، فإذا كان كذلك؛ كان المتحذلق والمنكر عليه من أضل الناس وأجهلهم وأسوئهم أدباً، بل يجب تأديبه وتعزيره، ويجب أن يصان كلام رسول الله ﷺ عن الظنون الباطلة والاعتقادات الفاسدة، ولكن المتردد منا، وإن كان تردده في الأمر لأجل كونه ما يعلم عاقبة الأمور؛ لا يكون ما وصف الله به نفسه بمنْزلة ما يوصف به الواحد منا؛ فإن الله ليس كمثله شيء؛ لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ثم هذا باطل؛ فإن الواحد منا يتردد تارة لعدم العلم بالعواقب، وتارة لما في الفعلين من المصالح والمفاسد، فيريد الفعل لما فيه من المصلحة، ويكرهه لما فيه من المفسدة، لا لجهل منه بالشيء الواحد الذي يحب من وجه ويكره من وجه؛ كما قيل:
الشَّيْبُ كُرْهٌ وكُرْهٌ أَنْ أفَارِقَهُ ... فأعْجَبْ لِشَيْءٍ عَلى البغضاءِ محبوبُُ
ِ
وهذا مثل إرادة المريض لدوائه الكريه، بل جميع ما يريده العبد من
стр. 92
الأعمال الصالحة التي تكرهها النفس هو من هذا الباب، وفي الصحيح: ((حفت النار بالشهوات، وحفت الجنة بالمكاره)) ، وقال تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ الآية.
ومن هذا الباب يظهر معنى التردد المذكور في هذا الحديث؛ فإنه قال: ((لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)) ؛ فإن العبد الذي هذا حاله صار محبوباً للحق محباً له، يتقرب إليه أولاً بالفرائض وهو يحبها، ثم اجتهد في النوافل التي يحبها ويحب فاعلها، فأتى بكل ما يقدر عليه من محبوب الحق، فأحبه الحق لفعل محبوبه من الجانبين بقصد اتفاق الإرادة؛ بحيث يحب ما يحبه، ويكره ما يكرهه محبوبه، والرب يكره أن يسوء عبده ومحبوبه، فلزم من هذا أن يكره الموت؛ ليزداد من محاب محبوبه، والله قد قضى بالموت، فكل ما قضى به؛ فهو يريده، ولا بد منه؛ فالرب مريد لموته لما سبق به قضاؤه، وهو مع ذلك كارهٌ لمساءة عبده، وهي المساءة التي تحصل له بالموت، فصار الموت مراداً للحق من وجه، مكروهاً له من وجه، وهذا حقيقة التردد، وهو أن يكون الشيء الواحد مراداً من وجه مكروهاً من وجه، وإن كان لابد من ترجح أحد الجانبين، كما ترجح إرادة الموت، لكن مع وجود كراهة مساءة عبده، وليس أرادته لموت المؤمن الذي يحبه ويكره مساءته كإرادته لموت الكافر الذي يبغضه ويريد مساءته)) .
ثم قال (ص ١٣٥) : ((والمقصود هنا: التنبيه على أنَّ الشيء المعين يكون
стр. 93
محبوباً من وجه مكروهاً من وجه، وأن هذا حقيقة التردد، وكما أنَّ هذا في الأفعال؛ فهو في الأشخاص، والله أعلم)) .
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في ((لقاء الباب المفتوح)) (س١٣٦٩) ((إثبات التردد لله على وجه الإطلاق لا يجوز، لأن الله تعالى ذكر التردد في هذه المسألة: ((ما ترددت عن شيء أنا فاعله كترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن)) ، وليس هذا التردد من أجل الشك في المصلحة، ولا من أجل الشك في القدرة على فعل الشيء، بل هو من أجل رحمة هذا العبد المؤمن، ولهذا قال في نفس الحديث: ((يكره الموت، وأكره إساءته، ولابد له منه)) . وهذا لا يعني أنَّ الله موصوف بالتردد في قدرته أو في علمه، بخلاف الآدمي فهو إذا أراد أن يفعل الشيء يتردد، إما لشكه في نتائجه ومصلحته، وإما لشكه في قدرته عليه: هل يقدر أو لا يقدر. أما الرب فلا)) .
التَّرْكُ
صفةٌ فعليةٌ ثابتةٌ بالكتاب والسنة.
? الدليل من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧] .
стр. 94
٢- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] .
? الدليل من السنة:
حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: ((قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري؛ تركته وشِركه)) . رواه مسلم (٢٩٨٥) .
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في ((مجموع فتاوى ورسائل)) (٢/٥٦/رقم٣٥٤) : (( ... وتركه سبحانه للشيء صفة من صفاته الفعلية الواقعة بمشيئته التابعة لحكمته: قال الله تعالى: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ وقال: ﴿وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً﴾ .
والنصوص في ثبوت الترك وغيره من أفعاله المتعلقة بمشيئته كثيرة معلومة، وهي دالة على كمال قدرته وسلطانه.
وقيام هذه الأفعال به سبحانه لا يماثل قيامها بالمخلوقين، وإن شاركوه في أصل المعنى، كما هو معلوم عند أهل السنة)) اهـ.
وانظر صفة: (النسيان) .
التَّشْرِيعُ
صفةٌ فعليةٌ ثابتةٌ لله بالكتاب والسنة، من خصائص ربوبِيَّتِه، من
стр. 95
نازعه فيها فقد كفر، والله هو ((الشارع)) وهو ((المُشَرِّع)) وليسا هما من أسمائه سبحانه.
? الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ... ﴾ الآية [الشورى: ١٣]
? الدليل من السنة:
حديث عَبْدِ اللهِ بن مسعود ﵁ قَالَ: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ فَإِنَّ اللهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ ﷺ سُنَنَ الْهُدَى وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى ... )) رواه مسلم (١٠٤٦) .
وقد كثر في أقوال العلماء إضافة التشريع لله ومن ذلك:
١-قول العلامة محمد الأمين الشنقيطي في ((أضواء البيان)) (٣/٤٠٠) : ((والعجب ممن يحكِّم غير تشريع الله ثم يدعي الإسلام))
٢- وقوله (٤/٨٣) : ((وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور: أنَّ الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم، أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته وأعماه عن نور الوحي مثلهم))
стр. 96
٣- وقوله (٧/١٦٩) : ((ولما كان التشريع وجميع الأحكام، شرعية كانت أو كونية قدرية، من خصائص الربوبية، كما دلت عليه الآيات المذكورة كان كل من اتبع تشريعاً غير تشريع الله قد اتخذ ذلك المشرِّع رباً، وأشركه مع الله))
٤- وقوله: ((اعلموا أيها الإخوان: أنَّ الإشراك بالله في حكمه والإشراك به في عبادته كلها بمعنى واحد لا فرق بينهما ألبتة فالذي يتبع نظاماً غير نظام الله وتشريعاً غير تشريع الله - أو غير ما شرعه الله - وقانوناً مخالفاً لشرع الله من وضع البشر مُعْرِضَاً عن نور السماء الذي أنزله الله على لسان رسوله ... من كان يفعل هذا هو ومن كان يعبد الصنم ويسجد للوثن لا فرق بينهما البتة بوجه من الوجوه، فهما واحد، كلاهما مشرك بالله، هذا أشرك به في عبادته، وهذا أشرك به في حكمه، كلهما سواء)) من شريط مسجل نقلاً عن كتاب ((الحاكمية في تفسير أضواء البيان)) لعبد الرحمن السديس (ص٥٢)
٥-قول اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والدعوة والإرشاد (١/٥١٦) : ((الشرك الأكبر أن يجعل الإنسان لله نداً إما في أسمائه وصفاته، وإما أن يجعل له نداً في العبادة ... وإما أن يجعل لله نداً في التشريع بأن يتخذ مشرِّعاً له سوى الله أو شريكاً لله في التشريع يرتضي حكمه ويدين به في التحليل والتحريم عبادة وتقرباً وقضاءً وفصلاً في الخصومات أو يستحله وإن لم
стр. 97
يُرِدْهُ ديناً))
كما كثر إطلاقهم لكلمة ((الشارع)) و ((المُشَرِّع)) على الله من باب الصفة.
وانظر صفات: (الإيجاب والتحريم والتحليل)
التَّعَجُّبُ
صفةٌ فعليَّةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله بالكتاب والسنة.
انظر صفة: (العَجَب) .
التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ
صفتان من صفات الذات والأفعال لله ثابتتان بالكتاب والسنة، والمقدِّم والمؤخِّر اسمان لله تعالى.
? الدليل من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون:١١]
٢- وقوله: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم:٤١]
? الدليل من السنة:
١- حديث: (( ... أنت المقدِّم، وأنت المؤخِّر، لا إله إلا أنت))
رواه: البخاري (١١٢٠) ، ومسلم (٧٧١) .
стр. 98
٢- حديث: ((أعذر الله إلى امرئ أخَّر أجله حتى بلغ ستين سنة)) . رواه البخاري (٦٤١٩) .
٣- حديث: (( ... لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله)) . رواه مسلم (٤٣٨) .
قال ابن القيم في ((النونية)) (٢/١٠٩) :
((وهُوَ المُقَدِّمُ والمُؤخِّرُ ذَانِكَ الـ ... صِّفَتَانِ للأفْعَالِ تَابِعَتَانِ
وهُمَا صِفَاتُ الذَّاتِ أيضاً إذْ هُمَا ... ِبالذَّاتِ لا بِالغَيْرِ قَائِمَتَانِ))
قال الشيخ محمد خليل الهرَّاس في شرحه للأبيات: ((والتقديم والتأخير صفتان من صفتان الأفعال التابعة لمشيئته تعالى وحكمته، وهما أيضاً صفتان للذات؛ إذا قيامهما بالذات لا بغيرها، وهكذا كل صفات الأفعال هي من هذا الوجه صفات ذات، حيث إنَّ الذات متصفة بها، ومن حيث تعلقها بما ينشأ عنها من الأقوال والأفعال تسمى صفات أفعال)) .
التَّقَرُّبُ والْقُرْبُ والدُّنُوُّ
التقرب أو القرب والدُّنو من صفات الله الفعلية الاختيارية، ثابتة له بالكتاب والسنة. و (القريب) اسم من أسمائه تعالى.
? الدليل من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ
стр. 99
الدَّاعِي إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] .
٢- وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيب﴾ [هود: ٦١]
? الدليل من السنة:
١- حديث: (( ... من تقرَّب مني شبراً؛ تقرَّبتُ منه ذراعاً، ومن تقرَّب مني ذراعاً؛ تقرَّبتُ منه باعاً ... )) . رواه: البخاري (٧٤٠٥) ، ومسلم (٢٦٧٥) ؛ من حديث أبي هريرة، ومسلم (٢٦٨٧) من حديث أبي ذر ﵄.
٢- حديث أبي موسى الأشعري ﵁: ((أيها الناس! اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً، ولكن تدعون سميعاً قريباً، إنَّ الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)) . رواه مسلم (٢٧٠٤) .
٣- حديث عائشة ﵂ مرفوعاً: ((ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة)) . رواه مسلم (١٣٤٨) .
اعلم أنَّ أهل السنة والجماعة من السلف وأهل الحديث يعتقدون أنَّ الله قريب من عباده حقيقة كما يليق بجلاله وعظمته، وهو مستوٍ على عرشه، بائنٌ من خلقه، وأنه يتقرَّب إليهم حقيقة، ويدنو منهم حقيقة،
стр. 100
ولكنهم لا يفسرون كلَّ قربٍ وَرَدَ لفظه في القرآن أو السنة بالقرب الحقيقي؛ فقد يكون القرب قرب الملائكة، وذلك حسب سياق اللفظ.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في ((الفتاوى)) (٥/٤٦٦) : ((وأما دنوه وتقربه من بعض عباده؛ فهذا يثبته من يثبت قيام الأفعال الاختيارية بنفسه، ومجيئه يوم القيامة، ونزوله، واستواءه على العرش، وهذا مذهب أئمة السلف وأئمة الإسلام المشهورين وأهل الحديث، والنقل عنهم بذلك متواتر)) .اهـ.
ويقول في موضعٍ آخر من ((الفتاوي)) (٦/١٤) : (( ... ولا يلزم من جواز القرب عليه أن يكون كل موضع ذكر فيه قربه يراد به قربه بنفسه، بل يبقى هذا من الأمور الجائزة، وينظر في النص الوارد، فإن دل على هذا؛ حُمل عليه، وإن دل على هذا؛ حُمل عليه، وهذا كما تقدم في لفظ الإتيان والمجيء)) . اهـ.
وقد أطال الكلام ﵀ على هذه المسألة بما لا مزيد عليه، وانظر إن شئت المواضع التالية (٥/٢٣٢-٢٣٧، ٢٤٠-٢٤١، ٢٤٧-٢٤٨، ٤٥٩-٤٦٧، ٤٩٤-٥١٤) ، (٦/٥، ٨، ١٢-١٤، ١٩-٢٥، ٣٠-٣٢، ٧٦) ، وانظر: ((القواعد المثلى)) للشيخ ابن عثيمين (المثال الحادي عشر والثاني عشر) .
التَّوْبُ
صفةٌ فعليةٌ ثابتةٌ بالكتاب والسنة، و (التَّوَّاب) من أسمائه تعالى.
стр. 101
الدليل من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّاب الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧] .
٢- وقوله: ﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧] .
? الدليل من السنة:
١- حديث أبي هريرة ﵁: ((من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها؛ تابَ الله عليه)) . رواه مسلم (٢٧٠٣) .
٢- حديث ابن عباس ﵄: ((لو أنَّ لابن آدم وادياً من ذهب؛ أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوبُ الله على من تاب)) . رواه: البخاري (٦٤٣٦) ، ومسلم (١٠٤٩) .
يقول ابن القيم في ((نونيته)) (٢/٩٢) :
((وَكَذَلِكَ التَّوَّاب مِنْ أوصَافِهِ ... والتَّوْبُ في أوصَافِهِ نَوْعَانِ
إذْنٌ بِتَوْبَةِ عَبْدهِ وقَبُولُهَا ... ِبَعْدَ المَتَابِ بِمِنَّةِ المنَّانِ))
قال الشيخ الهرَّاس في شرح هذين البيتين: ((وأما التَّوَّاب؛ فهو الكثير التَّوْب؛ بمعنى: الرجوع على عبده بالمغفرة وقبول التوبة ... وتوبته سبحانه على عبده نوعان:
أحدهما: أنه يلهم عبده التوبة إليه، ويوفقه لتحصيل شروطها من الندم والاستغفار والإقلاع عن المعصية والعزم على عدم العود إليها واستبدالها
стр. 102
بعمل الصالحات.
والثاني: توبته على عبده بقبولها وإجابتها ومحو الذنوب بها؛ فإنَّ التوبة النصوح تجب ما قبلها)) .
الْجَبَرُوتُ
صفةٌ ذاتيةٌ لله ، من اسمه (الجَبَّار) ، وهي ثابتةٌ بالكتاب والسنة.
? الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣] .
? الدليل من السنة:
١- حديث عوف بن مالك ﵁؛ قال: قمت مع رسول الله ﷺ ليلة، فلما ركع؛ مكث قدر سورة البقرة يقول في ركوعه: ((سبحانه ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة)) . حديث حسن. رواه: أبو داود، والنسائي. انظر: (صحيح سنن النسائي: ١٠٠٤)
٢- حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في الرؤية: (( ... . قال: فيأتيهم الجبَّارُ في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة ... )) . رواه البخاري (٧٤٣٩) .
قال ابن قتيبة في ((تفسير غريب القرآن)) (ص ١٩) : (( (جبروته) :
стр. 103
تجبُّره، أي: تعظمه)) اهـ.
وقال ابن القيم في ((النونية)) (٢/٩٥) :
((وكَذلكَ الجَبَّارُ في أَوْصافِهِ ... والجَبْرُ في أَوْصَافِه نَوْعَانِ
جَبْرُ الضَّعِيفِ وكُلُّ قَلْبٍ قد غَدَاَ ... ذَا كَسْرَةٍ فَالجَبْرُ مِنْهُ دَانِ
والثَّاني جَبْرُ القَهْرِ بِالعِزِّ الَّذي ... لا يَنْبَغِي لِسِوَاهُ مِنْ إِنْسَانِ
ولَهُ مُسَمَّىً ثَالِثٌ وَهُوَ العُلُـ ... ـوَ فَلَيْسَ يَدْنُو مِنْهُ مِنْ إِنْسَانِ
مِنْ قولهم جَبَّارةٌ للنَّخْلَةِ العُلْيَا ... التي فاتَتْ لِكُلِّ بَنَانِ)) .
قال الهرَّاس في شرحه لهذه الأبيات: ((وقد ذكر المؤلف هنا لاسمه (الجبار) ثلاثة معان، كلها داخلة فيه، بحيث يصح إرادتها منه:
أحدها: أنه الذي يجبر ضعف الضعفاء من عباده، ويجبر كسر القلوب المنكسرة من أجله، الخاضعة لعظمته وجلاله؛ فكم جبر سبحانه من كسير، وأغنى من فقير، وأعز من ذليل، وأزال من شدة، ويسر من عسير؟ وكم جبر من مصاب، فوفقه للثبات والصبر، وأعاضه من مصابه أعظم الأجر؟ فحقيقة هذا الجبر هو إصلاح حال العبد بتخليصه من شدته ودفع المكاره عنه.
المعنى [الثاني] : أنه القهار، دانَ كلُّ شيء لعظمته، وخضع كل مخلوق لجبروته وعزته؛ فهو يجبر عباده على ما أراد مما اقتضته حكمته ومشيئته؛ فلا يستطيعون الفكاك منه.
стр. 104
والثالث: أنه العلي بذاته فوق جميع خلقه؛ فلا يستطيع أحد منهم أنَّ يدنو منه)) اهـ
وقد ذكر العلامة الشيخ السعدي ﵀ أنَّ له معنى رابعاً، وهو أنه المتكبر عن كل سوء ونقص، وعن مماثلة أحد، وعن أنَّ يكون له كفوٌ أو ضدٌ أو سميٌ أو شريكٌ في خصائصه وحقوقه)) اهـ.
الْجَلالُ
صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ بالكتاب والسنة، و (الجليل) ليس من أسمائه تعالى.
? الدليل من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَام﴾ [الرحمن:٢٧]
٢- وقوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٨]
? الدليل من السنة:
١- حديث أنس بن مالك ﵁: (( ... فيقول: وعزَّتي وجلالي وكبريائي وعظمتي؛ لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله)) . رواه البخاري (٧٥١٠) .
٢- حديث أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنَّ الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم
стр. 105
أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي)) . رواه مسلم (٢٥٦٦) .
والجلال بمعنى العظمة.
قال ابن القيم في ((النونية)) (٢/٦٤) :
((وَهُوَ الجَلِيلُ فَكُلُّ أوْصَافِ الجَلا ... لِ لهُ مُحَقَّقَةٌ بِلا بُطْلانِ))
قال الهرَّاس: ((وأوصاف الجلال الثابتة له سبحانه؛ مثل العزة والقهر والكبرياء والعظمة والسعة والمجد؛ كلها ثابتةٌ له على التحقيق، لا يفوته منها شيء)) .
الْجَمَالُ
صفةٌ ذاتيةٌ لله ، من اسمه (الجميل) ، الثابت في السنة الصحيحة.
? الدليل:
حديث عبد الله بن مسعود ﵁ مرفوعا: (( ... إنَّ الله جميل يحب الجمال....)) . رواه مسلم (٩١) .
قال الحافظ قَوَّام السنة أبو القاسم الأصبهاني في ((الحجة في بيان المحجة)) (٢/٤٥٦) :
((قال بعض أهل النظر ... وقال: لا يجوز أنَّ يوصف الله بـ (الجميل) ولا وجهَ لإنكار هذا الاسم أيضاً؛ لأنه إذا صح عن النبي صلى الله عليه
стр. 106
وسلم؛ فلا معنى للمعارضة، وقد صح أنه قال ﷺ : ((إنَّ الله جميل يحب الجمال)) ؛ فالوجه إنما هو التسليم والإيمان)) . اهـ.
وقال ابن القيم في ((النونية)) (٢/٦٤) :
((وَهُوَ الجَمِيلُ عَلَى الحَقِيقَةِ كَيْفَ لا ... وجمَالُ سَائِرِ هذهِ الأكْوَانِ
مِنْ بَعْض آثَارِ الجَمِيلِ فَرَبُّهَا ... أَوْلْى وَأجْدرُ عِنْدَ ذِي العِرْفَانِ
فَجَمَالُهُ بِالذَّاتِ والأوصَافِ وَالـ ... ِأفعَالِ وَالأسْمَاءِ بالبُرهَانِ
لا شَيءَ يُشْبِهُ ذَاتَهُ وصِفَاتِهِ ... سُبْحَانَهُ عَنْ إفْكِ ذِي بُهْتَانِ))
وقال الهرَّاس في ((الشرح)) : ((وأما الجميل؛ فهو اسم له سبحانه من الجمال، وهو الحسن الكثير، والثابت له سبحانه من هذا الوصف هو الجمال المطلق، الذي هو الجمال على الحقيقة؛ فإنَّ جمال هذه الموجودات على كثرة ألوانه وتعدد فنونه هو من بعض آثار جماله، فيكون هو سبحانه أولى بذلك الوصف من كل جميل؛ فإنَّ واهب الجمال للموجودات لابدَّ أنَّ يكون بالغاً من هذا الوصف أعلى الغايات، وهو سبحانه الجميل بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.
أما جمال الذات؛ فهو ما لا يمكن لمخلوق أنَّ يعبر عن شيء منه أو يبلغ بعض كنهه، وحسبك أنَّ أهل الجنة مع ما هم فيه من النعيم المقيم وأفانين اللذات والسرور التي لا يقدر قدرها، إذا رأوا ربهم، وتمتعوا بجماله؛ نسوا كل ما هم فيه، واضمحل عندهم هذا النعيم، وودوا لو تدوم لهم هذه
стр. 107
الحال، ولم يكن شيء أحب إليهم من الاستغراق في شهود هذا الجمال، واكتسبوا من جماله ونوره سبحانه جمالاً إلى جمالهم، وبقوا في شوق دائم إلى رؤيته، حتى إنهم يفرحون بيوم المزيد فرحاً تكاد تطير له القلوب.
وأما جمال الأسماء؛ فإنها كلها حسنى، بل هي أحسن الأسماء وأجملها على الإطلاق؛ فكلها دالة على كمال الحمد والمجد والجمال والجلال، ليس فيها أبداً ما ليس بحسن ولا جميل.
وأما جمال الصفات؛ فإنَّ صفاته كلها صفات كمال ومجد، ونعوت ثناء وحمد، بل هي أوسع الصفات وأعمها، وأكملها آثاراً وتعلقات، لا سيما صفات الرحمة والبر والكرم والجود والإحسان والإنعام.
وأما جمال الأفعال؛ فإنها دائرة بين أفعال البر والإحسان التي يحمد عليها ويشكر، وبين أفعال العدل التي يحمد عليها لموافقتها للحكمة والحمد؛ فليس في أفعاله عبث ولا سفه ولا جور ولا ظلم، بل كلها خير ورحمة ورشد وهدى وعدل وحكمة، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ، ولأنَّ كمال الأفعال تابع لكمال الذات والصفات؛ فإنَّ الأفعال أثر الصفات، وصفاته كما قلنا أكمل الصفات؛ فلا غرو أنَّ تكون أفعاله أكمل الأفعال)) .
- الْجَنْبُ
جعل بعضهم (الجنب) صفةً من صفات الله الذاتية، وهذا خطأ،
стр. 108
والسلف على خلاف ذلك، ومن هؤلاء الذين أثبتوا هذه الصفة صديق حسن خان في كتابه ((قطف الثمر)) (ص٦٧) ، والذين أثبتوا هذه الصفة يستدلون بقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ (الزمر: ٥٦) .
يقول ابن جرير عند تفسير هذه الآية: ((وقوله: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّه﴾ ؛ يقول: على ما ضيعت من العمل بما أمرني الله به، وقصرت في الدنيا في طاعة الله)) .أهـ.
وقال الدارمي في ((رده على المريسي)) (ص ١٨٤) : ((وادعى المعارض أيضاً زوراً على قوم أنهم يقولون في تفسير قول الله: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ ؛ قال: يعنون بذلك الجنب الذي هو العضو، وليس على ما يتوهمونه.
فيقال لهذا المعارض: ما أرخص الكذب عندك، وأخفه على لسانك، فإن كنت صادقاً في دعواك؛ فأشر بها إلى أحد من بني آدم قاله، وإلا؛ فلم تشنع بالكذب على قوم هم أعلم بهذا التفسير منك، وأبصر بتأويل كتاب الله منك ومن إمامك؟! .
إنما تفسيرها عندهم: تحسر الكفار على ما فرطوا في الإيمان والفضائل التي تدعو إلى ذات الله تعالى، واختاروا عليها الكفر والسخرية بأولياء الله،
стр. 109
فسماهم الساخرين، فهذا تفسير (الجنب) عندهم، فمن أنبأك أنهم قالوا: جنب من الجنوب؟! . فإنه [لا] يجهل هذا المعنى كثير من عوام المسلمين، فضلاً عن علمائهم)) أهـ.
ويقول شيخ الإسلام في ((الجواب الصحيح)) (٣/١٤٥، ١٤٦) : (( ... لا يُعرف عالم مشهور عند المسلمين، ولا طائفة مشهورة من طوائف المسلمين، أثبتوا لله جنباً نظير جنب الإنسان، وهذا اللفظ جاء في القرآن في قوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ (الزمر:٥٦) فليس في مجرد الإضافة ما يستلزم أنَّ يكون المضاف إلى الله صفة له، بل قد يضاف إليه من الأعيان المخلوقة وصفاتها القائمة بها ما ليس بصفة له باتفاق الخلق؛ كقوله تعالى: ﴿بَيْت الله﴾ ، ﴿ناقَة الله﴾ ، و ﴿عِبَاد الله﴾ ، بل وكذلك ﴿رُوح الله﴾ عند سلف المسلمين وأئمتهم وجمهورهم، ولكن؛ إذا أضيف إليه ما هو صفة له وليس بصفة لغيره؛ مثل كلام الله، وعلم الله، ويد الله، ونحو ذلك؛ كان صفة له.
وفي القرآن ما يبين أنه ليس المراد بالجنب ما هو نظير جنب الإنسان؛ فإنه قال: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ ، والتفريط ليس في شيء من صفات الله ، والإنسان إذ قال: فلان قد فرط في جنب فلان أو جانبه؛ لا يريد به أنَّ التفريط وقع في شيء من نفس ذلك الشخص، بل يريد به أنه فرط في جهته وفي حقه.
стр. 110
فإذا كان هذا اللفظ إذا أضيف إلى المخلوق لا يكون ظاهره أنَّ التفريط في نفس جنب الإنسان المتصل بأضلاعه، بل ذلك التفريط لم يلاصقه؛ فكيف يظن أنَّ ظاهره في حق الله أنَّ التفريط كان في ذاته؟ !)) .اهـ.
ويقول ابن القيم في ((الصواعق المرسلة)) (١/٢٥٠) : (( ... فهذا إخبار عما تقوله هذه النفس الموصوفة بما وصفت به، وعامة هذه النفوس لا تعلم أنَّ لله جنباً، ولا تقر بذلك؛ كما هو الموجود منها في الدنيا؛ فكيف يكون ظاهر القرآن أنَّ الله أخبر عنهم بذلك، وقد قال عنهم: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ (الزمر: ٥٦) ، والتفريط فعل أو ترك فعل، وهذا لا يكون قائماً بذات الله؛ لا في جنب ولا في غيره، بل يكون منفصلاً عن الله، وهذا معلوم بالحس والمشاهدة، وظاهر القرآن يدل على أنَّ قول القائل: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ ؛ ليس أنه جعل فعله أو تركه في جنب يكون من صفات الله وأبعاضه)) .اهـ
قلت: لا يصح إضافة الأبعاض إلى الله تعالى.
وذكر ابن الجوزي في ((زاد المسير)) عند تفسير الآية السابقة خمسة أقوال لجنب الله: طاعة الله، وحق الله، وأمر الله، وذكر الله، وقرب الله.
- الْجِهَةُ
لم يرد لفظ (الجهة) ؛ لا إثباتاً ولا نفياً، لا في الكتاب ولا في السنة،
следующие страницы →