إلى مخلاف)) (١) ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الذي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ في الأرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فيما آتاكُمْ﴾ (٢) ، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا القُرونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَموا ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلاَئِفَ في الأرْضِ﴾ (٣) ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الذينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دينَهُمْ الذي ارْتَضَى لَهُمْ ... ﴾ (٤) الآية.
وقد ظن بعض القائلين الغالطين - كابن عربي - أن ((الخليفة)) هو الخليفة عن الله، مثل نائب الله، وزعموا أن هذا بمعنى أن يكون الإنسان مستخلفاً ...
والله لا يجوز له خليفة، ولهذا لما قالوا لأبي بكر: يا خليفة الله! قال: لست بخليفة الله، ولكني خليفة رسول الله ﷺ ، حسبي ذلك. بل هو سبحانه يكون خليفة لغيره، قال النبي ﷺ : ((اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في سفرنا واخلفنا في أهلنا)) (٥) ، وذلك لأن الله حي شهيد مهيمن قيوم رقيب حفيظ غني عن العالمين، ليس له شريك ولا ظهير، ولا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، والخليفة إنما يكون عند عدم
стр. 107
المستخلف بموت أو غيبة، ويكون لحاجة المستخلف إلى الاستخلاف، وسمي ((خليفة)) لأنه خلف عن الغزو، وهو قائم خلفه، وكل هذه المعاني منتفية في حق الله تعالى وهو منزه عنها؛ فإنه حي قيوم شهيد، لا يموت ولا يغيب، وهو غني يرزق ولا يُرزق: يرزق عباده، وينصرهم، ويهديهم، ويعافيهم بما خلقه من الأسباب التي هي من خلقه، والتي هي مفتقرة إليه كافتقار المسببات إلى أسبابها؛ فالله هو الغني الحميد، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما، ﴿يَسْألْهُ مَنُ في السَّماواتِ كُلُّ يَوْمٍ هُوَ في شانٍ﴾ (١) ، ﴿وَهُوَ الذي في السَّماءِ إلهٌ وفي الأرْضِ إلهٌ﴾ (٢) ، ولا يجوز أن يكون أحد خلفاً منه ولا يقوم مقامه؛ لأنه لا سمي له ولا كفء له، فمن جعل له خليفة؛ فهو مشرك به) (٣) .
* * *
стр. 108
الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
أفضل الأعمال
(معلوم أن الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أفضل الأعمال؛ كما قال ﷺ : ((رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذِروة سنامه الجهاد في سبيل الله تعالى)) (١) ، وفي ((الصحيح)) عنه ﷺ أنه قال: ((إن في الجنة لمئة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء إلى الأرض أعدها الله للمجاهدين في سبيله)) (٢) ، وقال ﷺ : ((رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه)) (٣) ، ومن مات مرابطاً مات مجاهداً وجرى عليه عمله وأجرى عليه رزقه من الجنة وأمن الفتنة، والجهاد أفضل من الحج والعمرة؛ كما قال تعالى: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وَعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَنْ آمَنَ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ في سَبيلِ اللهِ لا يَسْتَوونَ عِنْدَ اللهِ واللهُ لا يَهْدي القَوْمَ الظَّالِمينَ. الذينَ آمَنوا وَهاجَروا وَجاهَدوا في سَبيلِ اللهِ بأمْوالِهِمْ وَأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وأولئكَ هُمُ الفائِزونَ. يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فيها نَعيمٌ مُقيمٌ. خالِدِينَ فيها أبَداً إنَّ اللهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظيمٌ)) (٤) ،
والحمد لله رب
стр. 109
العالمين، وصلاته وسلامه على خير خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين) (١) .
* * *
стр. 110
فروض الكفايات يقوم بها من قدر عليها إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها
(خاطب الله المؤمنين بالحدود والحقوق خطاباً مطلقاً؛ كقوله: ﴿والسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعوا﴾ (١) ، وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ والزَّاني فَاجْلِدوا﴾ (٢) ، وقوله: ﴿والذينَ يَرْمونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدوهُمْ﴾ (٣) ، وكذلك قوله: ﴿وَلاَ تَقْبَلوا لَهُمْ شَهادَةً أبَداً﴾ (٤) ؛ لكن قد عُلم أن المخاطب بالفعل لا بد أن يكون قادراً عليه والعاجزون لا يجب عليهم، وقد عُلم أن هذا فرض على الكفاية، وهو مثل الجهاد؛ بل هو نوع من الجهاد؛ فقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ (٥) ، وقوله: ﴿وَقاتِلوا في سَبيلِ اللهِ﴾ (٦) ، وقوله: ﴿إلاَّ تَنْفِروا يُعَذِّبْكُم﴾ (٧) ، ونحو ذلك: هو فرض على الكفاية من القادرين، و ((القدرة)) : هي السلطان؛ فلهذا وجب إقامة الحدود على ذي السلطان ونوابه.
والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد والباقون نوابه، فإذا فُرض أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها وعجز من الباقين أو غير ذلك فكان لها عدة أئمة؛ لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود ويستوفي الحقوق، ولهذا قال العلماء: إن أهل البغي ينفذ من أحكامهم ما ينفذ من أحكام أهل العدل، وكذلك لو شاركوا الإمارة وصاروا أحزاباً لوجب على
стр. 111
كل حزب فعل ذلك في أهل طاعتهم؛ فهذا عند تفرق الأمراء وتعددهم، وكذلك لو لم يتفرقوا، لكن طاعتهم للأمير الكبير ليست طاعة تامة؛ فإن ذلك أيضاً إذا أسقط عنه إلزامهم بذلك لم يسقط عنهم القيام بذلك؛ بل عليهم أن يقيموا ذلك، وكذلك لو فُرض عجز بعض الأمراء عن إقامة الحدود والحقوق أو إضاعته لذلك؛ لكان ذلك الفرض على القادر عليه.
وقول من قال: لا يقيم الحدود إلا السلطان ونوابه إذا كانوا قادرين فاعلين بالعدل، كما يقول الفقهاء: الأمر إلى الحاكم، إنما هو العادل القادر، فإذا كان مضيعاً لأموال اليتامى أو عاجزاً عنها؛ لم يجب تسليمها إليه مع إمكان حفظها بدونه، وكذلك الأمير إذا كان مضيعاً للحدود أو عاجزاً عنها لم يجب تفويضها إليه مع إمكان إقامتها بدونه.
والأصل أن هذه الواجبات تقام على أحسن الوجوه؛ فمتى أمكن إقامتها من أمير لم يحتج إلى اثنين، ومتى لم يقم إلا بعدد ومن غير سلطان أقيمت إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها، فإنها من ((باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)) ، فإن كان في ذلك من فساد ولاة الأمر أو الرعية ما يزيد على إضاعتها؛ لم يدفع فساد بأفسد منه، والله أعلم) (١) .
* * *
стр. 112
طلب العلم الشَّرعي فرض على الكفاية إلاَّ
فيما يتعيَّن
(طلب العلم الشرعي فرض على الكفاية إلا فيما يتعين؛ مثل طلب كل واحد علم ما أمره الله به وما نهاه عنه؛ فإن هذا فرض على الأعيان كما أخرجاه في ((الصحيحين)) عن النبي ﷺ أنه قال: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) (١) ، وكل من أراد الله به خيراً لا بدَّ أن يفقهه في الدين، فمن لم يفقهه في الدين لم يرد الله به خيراً، والدين: ما بعث الله به رسوله، وهو ما يجب على المرء التصديق به والعمل به، وعلى كل أحد أن يصدق محمداً ﷺ فيما أخبر به ويطيعه فيما أمر تصديقاً عامّاً وطاعة عامَّة، ثم إذا ثبت عنه خبر كان عليه أن يصدق به مفصلاً، وإذا كان مأموراً من جهة بأمر معين كان عليه أن يطيعه طاعة مفصلة) (٢) .
* * *
стр. 113
قتال الطَّائفة الممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظَّاهرة المتواترة
(أجمع علماء المسلمين على أن كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة؛ فإنه يجب قتالها حتى يكون الدين كله لله.
فلو قالوا: نصلي ولا نزكي، أو: نصلي الخمس ولا نصلي الجمعة ولا الجماعة، أو: نقوم بمباني الإسلام الخمس ولا نحرم دماء المسلمين وأموالهم، أو: لا نترك الربا ولا الخمر ولا الميسر، أو: نتبع القرآن ولا نتبع رسول الله ﷺ ولا نعمل بالأحاديث الثابتة عنه، أو: نعتقد أن اليهود والنصارى خير من جمهور المسلمين وأن أهل القبلة قد كفروا بالله ورسوله ولم يبق منهم مؤمن إلا طائفة قليلة، أو قالوا: إنا لا نجاهد الكفار مع المسلمين، أو غير ذلك من الأمور المخالفة لشريعة رسول الله ﷺ وسنته وما عليه جماعة المسلمين؛ فإنه يجب جهاد هذه الطوائف جميعها؛ كما جاهد المسلمون مانعي الزكاة، وجاهدوا الخوارج وأصنافهم، وجاهدوا الخرمية والقرامطة والباطنية وغيرهم من أصناف أهل الأهواء والبدع الخارجين عن شريعة الإسلام.
وذلك لأن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿وَقَاتِلوهُمْ حَتَّى لا تَكونَ فِتْنَةٌ وَيَكونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ﴾ (١) ، فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب قتالهم حتى يكون الدين كله لله، وقال تعالى: ﴿فإنْ تابوا وأقاموا الصَّلاةَ وآتوا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبيلَهُمْ﴾ (٢) ؛ فلم يأمر بتخلية سبيلهم إلا بعد التوبة من جميع أنواع الكفر، وبعد إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وقال تعالى: ﴿يا أيُّها
стр. 114
الذينَ آمَنوا اتَّقوا اللهَ وَذَروا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمنينَ. فإنْ لَمْ تَفْعَلوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسولِهِ﴾ (١) ؛ فقد أخبر تعالى أن الطائفة الممتنعة إذا لم تنته عن الربا فقد حاربت الله ورسوله، والربا آخر ما حرم الله في القرآن، فما حرمه قبله أوكد، وقال تعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الذينَ يُحارِبونَ اللهَ وَرَسولَهُ وَيَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَساداً أنْ يُقَتَّلوا أوْ يُصَلَّبوا أوْ تُقَطَّعَ أيديهُمْ وأرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أو يُنْفوا مِنَ الأرْضِ﴾ (٢) .
فكل من امتنع من أهل الشوكة عن الدخول في طاعة الله ورسوله؛ فقد حارب الله ورسوله، ومن عمل في الأرض بغير كتاب الله وسنة رسوله؛ فقد سعى في الأرض فساداً، ولهذا تأول السلف هذه الآية على الكفار وعلى أهل القبلة حتى أدخل عامة الأئمة فيها قطاع الطريق الذين يشهرون السلاح لمجرد أخذ الأموال، وجعلوهم بأخذ أموال الناس بالقتال محاربين لله ورسوله ساعين في الأرض فساداً؛ وإن كانوا يعتقدون تحريم ما فعلوه ويقرون بالإيمان بالله ورسوله.
فالذي يعتقد حِلَّ دماء المسلمين وأموالهم ويستحل قتالهم أولى بأن يكون محارباً لله ورسوله ساعياً في الأرض فساداً من هؤلاء، كما أن الكافر الحربي الذي يستحل دماء المسلمين وأموالهم ويرى جواز قتالهم أولى بالمحاربة من الفاسق الذي يعتقد تحريم ذلك، وكذلك المبتدع الذي خرج عن بعض شريعة رسول الله ﷺ وسنته واستحل دماء المسلمين المتمسكين بسنة رسول الله ﷺ وشريعته وأموالهم هو أولى بالمحاربة من الفاسق؛ وإن اتخذ ذلك ديناً يتقرب به إلى الله، كما أن اليهود والنصارى تتخذ محاربة المسلمين ديناً تتقرب به إلى الله.
стр. 115
ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أن هذه البدع المغلظة شر من الذنوب التي يعتقد أصحابها أنها ذنوب، وبذلك مضت سنة رسول الله ﷺ ) (١) .
وقال أيضاً: (كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة من هؤلاء القوم وغيرهم؛ فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين وملتزمين بعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر الصديق والصحابة ﵃ مانعي الزكاة، وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم بعد سابقة مناظرة عمر لأبي بكر ﵄؛ فاتفق الصحابة ﵃ على القتال على حقوق الإسلام عملاً بالكتاب والسنة.
وكذلك ثبت عن النبي ﷺ من عشرة أوجه الحديث عن الخوارج، وأخبر أنهم شر الخلق والخليقة مع قوله: ((تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم)) (٢) ؛ فعلم أن مجرد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه ليس بمسقط للقتال؛ فالقتال واجب حتى يكون الدين كله لله وحتى لا تكون فتنة، فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب.
فأيما طائفة امتنعت من بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء والأموال والخمر والزنا والميسر، أو عن نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته - التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها - التي يكفر الجاحد لوجوبها؛ فإن الطائفة الممتنعة تقاتل
стр. 116
عليها وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء ... ) (١) .
وقال أيضاً: (كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة؛ فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين وإن تكلمت بالشهادتين، فإذا أقروا بالشهادتين وامتنعوا عن الصلوات الخمس وجب قتالهم حتى يصلوا، وإن امتنعوا عن الزكاة وجب قتالهم حتى يؤدوا الزكاة، وكذلك إن امتنعوا عن صيام شهر رمضان أو حج البيت العتيق، وكذلك إن امتنعوا عن تحريم الفواحش أو الزنا أو الميسر أو الخمر أو غير ذلك من محرمات الشريعة، وكذلك إن امتنعوا عن الحكم في الدماء والأموال والأعراض والأبضاع ونحوها بحكم الكتاب والسنة، وكذلك إن امتنعوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار إلى أن يسلموا ويؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وكذلك إن أظهروا البدع المخالفة للكتاب والسنة واتباع سلف الأمة وأئمتها؛ مثل أن يظهروا الإلحاد في أسماء الله وآياته، أو التكذيب بأسماء الله وصفاته، أو التكذيب بقدره وقضائه، أو التكذيب بما كان عليه جماعة المسلمين على عهد الخلفاء الراشدين، أو الطعن في السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، أو مقاتلة المسلمين حتى يدخلوا في طاعتهم التي توجب الخروج عن شريعة الإسلام، وأمثال هذه الأمور.
قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلوُهْم حَتَّى لا َتكوَن فِتْنَةٌ وَيَكونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ﴾ (٢) ، فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله؛ وجب القتال حتى يكون الدين كله لله) (٣) .
стр. 117
كلُّ من خشي الله فهو عالم وليس كلُّ عالم
يخشى الله
(قال أبو حيان التيمي: ((العلماء ثلاثة)) : عالم بالله وبأمر الله، وعالم بالله ليس عالماً بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس عالماً بالله،؛ فالعالم بالله الذي يخشاه، والعالم بأمر الله الذي يعلم حدوده وفرائضه، وقد قال تعالى: ﴿إنَّما يّخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ العُلماءُ﴾ (١) ، وهذا يدل على أن كل من خشي الله فهو عالم، وهو حق، ولا يدل على أن كل عالم يخشاه؛ لكن لما كان العلم به موجباً للخشية عند عدم المعارض كان عدمه دليلاً على ضعف الأصل؛ إذ لو قوي لدفع المعارض) (٢) .
* * *
стр. 118
لو أفتى المفتي بالخطأ فالعقوبة لا تجوز إلاَّ بعد إقامة الحُجَّة ولا يجوز منعه من الفُتْيا
مطلقاً ولا حبسه
(لو قدر أن المفتي أفتى بالخطأ؛ فالعقوبة لا تجوز إلا بعد إقامة الحجة، فالواجب أن تبين دلالة الكتاب والسنة على خطئه، ويجاب عما احتج به؛ فإنه لا بد من ذكر الدليل والجواب عن المعارض، وإلا؛ فإذا كان مع هذا حجة ومع هذا حجة لم يجز تعيين الصواب مع أحدهما إلا بمرجِّح) (١) .
وقال: (لو قدر أن العالم الكثير الفتاوى أفتى في عدة مسائل بخلاف سنة رسول الله ﷺ الثابتة عنه وخلاف ما عليه الخلفاء الراشدون؛ لم يجز منعه من الفتيا مطلقاً، بل يبين له خطؤه فيما خالف فيه، فما زال في كل عصر من أعصار الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء المسلمين من هو كذلك؛ فابن عباس ﵄ كان يقول في ((المتعة والصرف)) بخلاف السنة الصحيحة، وقد أنكر عليه الصحابة ذلك ولم يمنعوه من الفتيا مطلقاً؛ بل بينوا له سنة رسول الله ﷺ المخالفة لقوله؛ فعلي ﵁ روي له عن النبي ﷺ أنه حرم المتعة، وأبو سعيد الخدري ﵁ وغيره رووا له تحريمه لربا الفضل ولم يردوا فتياه لمجرد قولهم وحكمهم ويمنعوه من الفتيا مطلقاً، ومثل هذا كثير؛ فالمنع العام حكم بغير ما أنزل الله وهو باطل باتفاق المسلمين) (٢) .
وقال أيضاً: (لو قدر أن العالم الكثير الفتاوى أخطأ في مئة مسألة لم
стр. 119
يكن ذلك عيباً، وكل من سوى الرسول ﷺ يصيب ويخطىء، ومن منع عالماً من الإفتاء مطلقاً وحكم بحبسه لكونه أخطأ في مسائل؛ كان ذلك باطلاً بالإجماع، فالحكم بالمنع والحبس حكم باطل بالإجماع؛ فكيف إذا كان المفتي قد أجاب بما هو سنة رسول الله ﷺ وقول علماء أمته؟!
...
إن المفتي لو أفتى في المسائل الشرعية ((مسائل الأحكام)) بما هو أحد قولي علماء المسلمين، واستدل على ذلك بالكتاب والسنة، وذكر أن هذا القول هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة دون القول الآخر في أي باب كان ذلك من مسائل البيوع والنكاح والطلاق والحج والزيارة وغير ذلك؛ لم يكن لأحد أن يلزمه بالقول الآخر بلا حجة من كتاب أو سنة، ولا أن يحكم بلزومه ولا منعه من القول الآخر بالإجماع؛ فكيف إذا منعه منعاً عاماً وحكم بحبسه؟! فإن هذا من أبطل الأحكام بإجماع المسلمين) (١) .
* * *
стр. 120
ليس لأحد أن يحكم بين أحد إلاَّ بحكم
الله ورسوله
(ليس لأحد أن يحكم بين أحد من خلق الله؛ لا بين المسلمين، ولا الكفار، ولا الفتيان، ولا رماة البندق، ولا الجيش، ولا الفقراء، ولا غير ذلك؛ إلا بحكم الله ورسوله، ومن ابتغى غير ذلك تناوله قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغونَ وَمَنْ أحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يوقِنونَ﴾ (١) ، وقوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنونَ حَتَّى يُحَكِّموكَ فيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّموا تَسْليماً﴾ (٢) ؛ فيجب على المسلمين أن يحكموا الله ورسوله في كل ما شجر بينهم، ومن حكم بحكم البندق وشرع البندق أو غيره مما يخالف شرع الله ورسوله وحكم الله ورسوله وهو يعلم ذلك؛ فهو من جنس التتار الذين يقدمون حكم ((الياساق)) على حكم الله ورسوله، ومن تعمد ذلك؛ فقد قدح في عدالته ودينه، ووجب أن يُمنع من النظر في الوقف، والله أعلم) (٣) .
* * *
стр. 121
الشَّرع المنزَّل والشَّرع المؤوَّل والشَّرع المبدَّل
(لفظ الشرع في هذه الأزمنة ((ثلاثة أقسام)) :
أحدها: الشرع المُنَزَّل، وهو الكتاب والسنة، واتباعه واجب، من خرج عنه وجب قتله، ويدخل فيه أصول الدين وفروعه، وسياسة الأمراء وولاة المال، وحكم الحكام، ومشيخة الشيوخ، وغير ذلك؛ فليس لأحد من الأولين والآخرين خروج عن طاعة الله ورسوله.
والثاني: الشرع المؤوَّل، وهو موارد النزاع والاجتهاد بين الأمة، فمن أخذ فيما يسوغ فيه الاجتهاد أقر عليه ولم يجب على جميع الخلق موافقته إلا بحجة لا مرد لها من الكتاب والسنة.
والثالث: الشرع المبدَّل، مثل ما يثبت من شهادات الزور، أو يُحكم فيه بالجهل والظلم بغير العدل والحق حكماً بغير ما أنزل الله، أو يُؤمر فيه بإقرار باطل لإضاعة حق، مثل أمر المريض أن يقر لوارث بما ليس بحق ليبطل به حق بقية الورثة؛ فإن الأمر بذلك والشهادة عليه محرمة، وإن كان الحاكم الذي لم يعرف باطن الأمر إذا حكم بما ظهر له من الحق لم يأثم؛ فقد قال سيد الحكام ﷺ في الحديث المتفق عليه: ((إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه؛ فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار)) (١)(٢) .
стр. 122
..
وقال أيضاً: (اسم ((السنة)) و ((الشريعة)) قد يكون في العقائد والأقوال، وقد يكون في المقاصد والأفعال؛ فالأولى في طريقة العلم والكلام، والثانية في طريقة الحال والسماع، وقد تكون في طريقة العبادات الظاهرة والسياسات السلطانية؛ فالمتكلمة جعلوا بإزاء الشرعيات العقليات أو الكلاميات، والمتصوفة جعلوا بإزائها الذوقيات والحقائق، والمتفلسفة جعلوا بإزاء الشريعة الفلسفة، والملوك جعلوا بإزاء الشريعة السياسة، وأما الفقهاء والعامة؛ فيخرجون عما هو عندهم من الشريعة إلى بعض هذه الأمور، أو يجعلون بإزائها العادة أو المذهب أو الرأي.
والتحقيق أن الشريعة التي بعث الله بها محمداً ﷺ جامعة لمصالح الدنيا والآخرة، وهذه الأشياء ما خالف الشريعة منها فهو باطل، وما وافقها منها فهو حق؛ لكن قد يغير أيضاً لفظ الشريعة عند أكثر الناس؛ فالملوك والعامة عندهم أن الشرع والشريعة اسم لحكم الحاكم، ومعلوم أن القضاء فرع من فروع الشريعة، وإلا؛ فالشريعة جامعة لكل ولاية وعمل فيه صلاح الدين والدنيا، والشريعة إنما هي كتاب الله وسنة رسوله وما كان عليه سلف الأمة في العقائد والأحوال والعبادات والأعمال والسياسات والأحكام والولايات والعطيات.
ثم هي مستعملة في كلام الناس على ثلاثة أنحاء: شرع منزل؛ وهو ما شرعه الله ورسوله، وشرع متأول؛ وهو ما ساغ فيه الاجتهاد، وشرع مُبَدَّل؛ وهو ما كان من الكذب والفجور الذي يفعله المبطلون بظاهر من الشرع أو البدع أو الضلال الذي يضيفه الضالون إلى الشرع، والله أعلم.
وبما ذكرته في مسمى الشريعة والحكم الشرعي والعلم الشرعي يتبين أنه ليس للإنسان أن يخرج عن الشريعة في شيء من أموره، بل كلما يصلح
стр. 123
له؛ فهو في الشرع من أصوله وفروعه وأحواله وأعماله وسياسته ومعاملته وغير ذلك، والحمد لله رب العالمين.
وسبب ذلك أن الشريعة هي طاعة الله ورسوله وأولي الأمر منا، وقد قال تعالى: ﴿يا أيُّها الذينَ آمَنوا أطيعوا اللهَ وأطيعوا الرَّسولَ وأولي الأمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١) ، وقد أوجب طاعته وطاعة رسوله في آي كثير من القرآن، وحرم معصيته ومعصية رسوله، ووعد برضوانه ومغفرته ورحمته وجنته على طاعته وطاعة رسوله، وأوعد بضد ذلك على معصيته ومعصية رسوله؛ فعلى كل أحد من عالم أو أمير أو عابد أو معامل أن يطيع الله ورسوله فيما هو قائم به من علم أو حكم أو أمر أو نهي أو عمل أو عبادة أو غير ذلك.
وحقيقة الشريعة: اتباع الرسل والدخول تحت طاعتهم، كما أن الخروج عنها خروج عن طاعة الرسل، وطاعة الرسل هي دين الله الذي أمر بالقتال عليه؛ فقال: ﴿وقاتِلوهُمْ حَتَّى لا تَكونَ فِتْنَةٌ وَيَكونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ﴾ (٢) ؛ فإنه قد قال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسولَ فَقَدْ أطاعَ اللهَ﴾ (٣) ، والطاعة له دين له، وقال النبي ﷺ : ((من أطاعني؛ فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري؛ فقد أطاعني، ومن عصاني؛ فقد عصا الله، ومن عصى أميري؛ فقد عصاني)) (٤) ، والأمراء والعلماء لهم مواضع تجب طاعتهم فيها، وعليهم هم أيضاً أن يطيعوا الله والرسول فيما يَأمَرون؛ فعلى كلٍ من الرعاة والرعية والرؤوس والمرؤوسين أن يطيع كل منهم الله ورسوله في حاله، ويلتزم شريعة الله التي
стр. 124
شرعها له.
وهذه جملة تفصيلها يطول، غلط فيها صنفان من الناس:
صنف سوغوا لنفوسهم الخروج عن شريعة الله ورسوله وطاعة الله ورسوله؛ لظنهم قصور الشريعة عن تمام مصالحهم جهلاً منهم أو جهلاً وهوى أو هوى محضاً.
وصنف قصروا في معرفة قدر الشريعة؛ فضيقوها حتى توهموا هم والناس أنه لا يمكن العمل بها، وأصل ذلك الجهل بمسمى الشريعة ومعرفة قدرها وسعتها، والله أعلم) (١) .
* * *
стр. 125
الحكم بغير ما أنزل الله
من أعظم أسباب تغيير الدُّول
(و ((ولي الأمر)) إن عرف ما جاء به الكتاب والسنة حكم بين الناس به، وإن لم يعرفه وأمكنه أن يعلم ما يقول هذا وما يقول هذا حتى يعرف الحق حكم به، وإن لم يمكنه لا هذا ولا هذا ترك المسلمين على ما هم عليه كل يعبد الله على حسب اجتهاده، وليس له أن يلزم أحداً بقبول قول غيره وإن كان حاكماً.
وإذا خرج ولاة الأمور عن هذا؛ فقد حكموا بغير ما أنزل الله، ووقع بأسهم بينهم؛ قال النبي ﷺ : ((ما حكم قوم بغير ما أنزل الله؛ إلا وقع بأسهم بينهم)) (١) ، وهذا من أعظم أسباب تغيير الدول كما قد جرى مثل هذا مرة بعد مرة في زماننا وغير زماننا، ومن أراد الله سعادته جعله يعتبر بما أصاب غيره؛ فيسلك مسلك من أيده الله ونصره، ويجتنب مسلك من خذله الله وأهانه؛ فإن الله يقول في كتابه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرهُ إنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزيزٌ. الذينَ إنْ مَكَّنَّاهُمْ في الأرْضِ أقاموا الصَّلاةَ وآتوا الزَّكاةَ وأمروا بالمَعْروفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ وللهِ عاقِبَةُ الأمورِ﴾ (٢) ؛
فقد وعد الله بنصر من ينصره، ونصره هو نصر كتابه ودينه ورسوله لا نصر من يحكم بغير ما أنزل الله ويتكلم بما لا يعلم؛ فإن الحاكم إذا كان ديِّناً لكنه حكم بغير علم كان من أهل النار، وإن كان عالماً لكنه حكم بخلاف الحق الذي يعلمه
стр. 126
كان من أهل النار، وإذا حكم بلا عدل ولا علم كان أولى أن يكون من أهل النار، وهذا إذا حكم في قضية معينة لشخص، وأما إذا حكم حكماً عاماً في دين المسلمين؛ فجعل الحق باطلاً والباطل حقاً، والسنة بدعة والبدعة سنة، والمعروف منكراً والمنكر معروفاً، ونهى عما أمر الله به ورسوله، وأمر بما نهى الله عنه ورسوله؛ فهذا لون آخر يحكم فيه رب العالمين، وإله المرسلين، مالك يوم الدين، الذي ﴿لَهُ الحَمْدُ في الأولى والآخِرَةِ وَلَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعونَ﴾ (١) ، ﴿الذي أرْسَلَ رُسُلَهُ بالهُدَى ودينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى باللهِ شَهيداً﴾ (٢) ، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم) (٣) .
* * *
стр. 127
ترك العالم ما عَلِمَه من الحقِّ واتِّباع حكم الحاكم
(متى ترك العالم ما علمه من كتاب الله وسنة رسوله واتبع حكم الحاكم المخالف لحكم الله ورسوله كان مرتداً كافراً، يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿المص.كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى للمُؤْمنينَ. اتَّبِعوا ما أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعوا مِنْ دونِهِ أوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرونَ﴾ (١) .
ولو ضُرب وحُبس وأُوذي بأنواع الأذى ليدع ما علمه من شرع الله ورسوله الذي يجب اتباعه واتبع حكم غيره؛ كان مستحقاً لعذاب الله، بل عليه أن يصبر وإن أوذي في الله؛ فهذه سنة الله في الأنبياء وأتباعهم، قال الله تعالى:
﴿ألم. أحَسِبَ النَّاسُ أنْ يُتْرَكوا أنْ يَقولوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الذينَ صَدَقوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذِبينَ﴾ (٢) .
وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنْكُمْ والصَّابِرينَ وَنَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ (٣) .
وقال تعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الذينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلوا حَتَّى يَقولَ الرَّسولُ والذينَ آمنوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللهِ قَريبٌ﴾ (٤) .
وهذا إذا كان الحاكم قد حكم في مسألة اجتهادية قد تنازع فيها
стр. 128
الصحابة والتابعون فحكم الحاكم بقول بعضهم وعند بعضهم سنة لرسول الله ﷺ تخالف ما حكم به؛ فعلى هذا أن يتبع ما علم من سنة رسول الله ﷺ ويأمر بذلك ويفتي به ويدعو إليه ولا يقلد الحاكم. هذا كله باتفاق المسلمين.
وإن ترك المسلم عالماً كان أو غير عالم ما علم من أمر الله ورسوله ﷺ لقول غيره كان مستحقاً للعذاب، قال تعالى: ﴿َفْلَيْحَذِر الذينَ يُخالِفونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصيبَهُمْ فِتْنَةٌ أوْ يُصيبَهُمْ عَذَابٌ أليمٌ﴾ (١) ، وإن كان ذلك الحاكم قد خفي عليه هذا النص - مثل كثير من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم تكلموا في مسائل باجتهادهم وكان في ذلك سنة لرسول الله ﷺ تخالف اجتهادهم -؛ فهم معذورون لكونهم اجتهدوا و ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إلاَّ وُسْعَها﴾ (٢) ، ولكن من علم سنة رسول الله ﷺ لم يجز له أن يعدل عن السنة إلى غيرها، قال تعالى: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضَى اللهُ وَرَسولُهُ أمْراً أنْ يَكونَ لَهُمُ الخيرَةُ مِنْ أمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصي اللهَ وَرَسولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبيناً﴾ (٣)(٤) .
* * *
стр. 129
المساجد هي مواضع الأئمَّة ومجامع الأمَّة
(كانت ((مواضع الأئمة ومجامع الأمة)) هي المساجد؛ فإن النبي ﷺ أسس مسجده المبارك على التقوى؛ ففيه: الصلاة والقراءة والذكر وتعليم العلم والخطب، وفيه السياسة وعقد الألوية والرايات وتأمير الأمراء وتعريف العرفاء، وفيه يجتمع المسلمون عنده لما أهمهم من أمر دينهم ودنياهم.
وكذلك عماله في مثل مكة والطائف وبلاد اليمن وغير ذلك من الأمصار والقرى، وكذلك عماله على البوادي؛ فإن لهم مجمعاً فيه يصلون وفيه يساسون؛ كما قال النبي ﷺ : ((إن بني إسرائيل كان تسوسهم الأنبياء، كلما ذهب نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء تعرفون وتنكرون)) . قالوا: فما تأمرنا؟ قال: ((أوفوا ببيعة الأول فالأول، واسألوا الله لكم؛ فإن الله سائلهم عما استرعاهم)) (١) .
وكان ((الخلفاء والأمراء)) يسكنون في بيوتهم كما يسكن سائر المسلمين في بيوتهم، لكن مجلس الإمام الجامع هو المسجد الجامع، وكان سعد بن أبي وقاص قد بنى له بالكوفة قصراً وقال: اقطع عني الناس. فأرسل إليه عمر بن الخطاب محمد بن مسلمة وأمره أن يحرقه، فاشترى من نبطي حزمة حطب وشرط عليه حملها إلى قصره، فحرقه؛ فإن عمر كره للوالي الاحتجاب عن رعيته، ولكن بنيت قصور الأمراء، فلما كانت إمارة معاوية احتجب لما خاف أن يُغتال كما اغتيل علي، واتخذ المقاصير في المساجد ليصلي فيها ذو السلطان وحاشيته، واتخذ المراكب؛ فاستن به الخلفاء الملوك بذلك، فصاروا مع كونهم يتولون الحرب والصلاة بالناس ويباشرون الجمعة والجماعة والجهاد وإقامة الحدود لهم قصور يسكنون فيها ويغشاهم
стр. 130
رؤوس الناس فيها، كما كانت ((الخضراء)) لبني أمية قبلي المسجد الجامع، والمساجد يجتمع فيها للعبادات والعلم ونحو ذلك) (١) .
* * *
стр. 131
أوَّل من أحدث أيمان البيعة
الحجَّاج بن يوسف الثقفي
( ... وأما أيمان البيعة؛ فقالوا: أول من أحدثها الحجاج بن يوسف الثقفي، وكانت السنة أن الناس يبايعون الخلفاء كما بايع الصحابة النبي ﷺ : يعقدون البيعة كما يعقدون عقد البيع والنكاح ونحوهما: إما أن يذكروا الشروط التي يبايعون عليها ثم يقولون: بايعناك على ذلك كما بايعت الأنصار النبي ﷺ ليلة العقبة، فلما أحدث الحجاج ما أحدث من الفسق كان من جملته أن حلَّف الناس على بيعتهم لعبد الملك بن مروان بالطلاق والعتاق واليمين بالله وصدقة المال؛ فهذه الأيمان الأربعة هي كانت أيمان البيعة القديمة المُبْتَدَعة، ثم أحدث المُستخلَفون عن الأمراء من الخلفاء والملوك وغيرهم أيماناً كثيرة أكثر من ذلك، وقد تختلف فيها عاداتهم، ومن أحدث ذلك؛ فعليه إثم ما ترتب على هذه الأيمان من الشر) (١) .
* * *
стр. 132
كثير من النَّاس إذا رأى المنكر جزع
وهو منهيٌّ عن هذا
(الإيمان له حلاوة في القلب ولذة لا يعدلها شيء ألبتة، وقد قال النبي ﷺ : ((ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار)) (١) . أخرجاه في ((الصحيحين)) ، وفي ((صحيح مسلم)) : ((ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً)) (٢) .
وكما أن الله نهى نبيه أن يصيبه حزن أو ضيق ممن لم يدخل في الإسلام في أول الأمر فكذلك في آخره؛ فالمؤمن منهيٌّ أن يحزن عليهم أو يكون في ضيق من مكرهم.
وكثير من الناس إذا رأى المنكر أو تغيُّر كثير من أحوال الإسلام جزع وكَلَّ وناح كما ينوح أهل المصائب، وهو منهي عن هذا؛ بل هو مأمور بالصبر والتوكل والثبات على دين الإسلام، وأن يؤمن بأن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأن العاقبة للتقوى، وأن ما يصيبه فهو بذنوبه؛ فليصبر، إن وعد الله حق، وليستغفر لذنبه، وليسبح بحمد ربه بالعشي والإبكار.
стр. 133
وقوله ﷺ : ((ثم يعود غريباً كما بدأ)) (١) يحتمل شيئين:
أحدهما: أنه في أمكنة وأزمنة يعود غريباً بينهم ثم يظهر، كما كان في أول الأمر غريباً ثم ظهر، ولهذا قال: ((سيعود غريباً كما بدأ)) .
وهو لما بدأ كان غريباً لا يُعرف ثم ظهر وعرف، فكذلك يعود حتى لا يُعرف ثم يظهر ويُعرف، فيقل من يعرفه في أثناء الأمر كما كان من يعرفه أولاً.
ويحتمل أنه في آخر الدنيا لا يبقى مسلماً إلا قليل، وهذا إنما يكون بعد الدجال ويأجوج ومأجوج عند قرب الساعة، وحينئذٍ يبعث الله ريحاً تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة ثم تقوم القيامة.
وأما قبل ذلك؛ فقد قال ﷺ : ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم؛ حتى تقوم الساعة)) (٢) ، وهذا الحديث في ((الصحيحين)) ومثله من عدة أوجه.
فقد أخبر الصادق المصدوق أنه لا تزال طائفة ممتنعة من أمته على الحق، أعزاء، لا يضرهم المخالف ولا خلاف الخاذل، فأما بقاء الإسلام غريباً ذليلاً في الأرض كلها قبل الساعة؛ فلا يكون هذا) (٣) .
* * *
стр. 134
الواجب في أمور الجهاد أن يُعتبر برأي
أهل الدِّين والدُّنيا
(الواجب أن يُعتبر في أمور الجهاد برأي أهل الدين الصحيح الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا دون أهل الدنيا الذين يغلب عليهم النظر في ظاهر الدين؛ فلا يؤخذ برأيهم ولا برأي أهل الدين الذين لا خبرة لهم في الدنيا) (١) .
* * *
طاعة الإمام العدل وغير العدل
(الإمام العدل تجب طاعته فيما لم يُعلم أنه معصية، وغير العدل تجب طاعته فيما عُلم أنه طاعة؛ كالجهاد) (٢) .
* * *
стр. 135
الحبس الشَّرعيُّ ليس هو السِّجن في مكان ضيِّق
(إن ((الحبس الشرعي)) ليس هو السجن في مكان ضيق، وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه، سواء كان في بيت أو مسجد أو كان بتوكيل نفس الخصم أو وكيل الخصم عليه، ولهذا سماه النبي ﷺ أسيراً، كما روى أبو داود وابن ماجه عن الهرماس بن حبيب، عن أبيه؛ قال: أتيت النبي ﷺ بغريم لي، فقال لي: ((الزمه)) . ثم قال: ((يا أخا بني تميم! ما تريد أن تفعل بأسيرك؟)) ، وفي رواية ابن ماجه: ثم مر بي آخر النهار، فقال: ((ما فعل أسيرك يا أخا بني تميم؟)) (١) ، وهذا هو الحبس على عهد النبي ﷺ ، ولم يكن على عهد النبي ﷺ وأبي بكر حبساً معداً لسجن الناس، ولكن لما انتشرت الرعية في زمن عمر بن الخطاب ابتاع بمكة داراً وجعلها سجناً وحبس فيها.
ولقد تنازع العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم: هل يتخذ الإمام حبساً؟ على قولين: فمن قال: لا يتخذ حبساً؛ قال: يعوقه بمكان من الأمكنة أو يقام عليه حافظ، وهو الذي يسمى ((الترسيم)) .
ولهذا لما كان حضور مجلس الحاكم تعويقاً ومنعاً من جنس السجن والحبس تنازع العلماء: هل يحضر الخصم المطلوب بمجرد الدعوى، أم لا يحضر إذا كان ممن يتبذل بالحضور حتى يبين لمدعي الدعوى أصل؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد، ((والثاني)) قول مالك، ((والأول)) قول أبي حنيفة والشافعي.
ومن العلماء من قال: الحبس في التهمة إنما هو للوالي والي الحرب
стр. 136
دون القاضي، وقد ذكرها طائفة من أصحاب الشافعي؛ كأبي عبد الله الزبيري، وأقضى القضاة الماوردي، وغيرهما، وطائفة من أصحاب أحمد المصنفين في ((أدب القضاة)) وغيرهم) (١) .
* * *
стр. 137
من عادات الفرس والعجم في الإمارة والقتال التي دخلت على المسلمين
( ... وأما القتال؛ فالسنة أيضاً فيه خفض الصوت ... وهذه الدقادق والأبواق التي تشبه قرن اليهود وناقوس النصارى لم تكن تُعرف على عهد الخلفاء الراشدين ولا من بعدهم من أمراء المسلمين، وإنما حدث في ظني من جهة بعض ملوك المشرق من أهل فارس؛ فإنهم أحدثوا في أحوال الإمارة والقتال أموراً كثيرة، وانبثت في الأرض لكون ملكهم انتشر؛ حتى ربا في ذلك الصغير وهرم فيها الكبير، لا يعرفون غير ذلك، بل ينكرون أن يتكلم أحد بخلافه، حتى ظن بعض الناس أن ذلك من إحداث عثمان بن عفان، وليس الأمر كذلك؛ بل ولا فعله عامة الخلفاء والأمراء بعد عثمان ﵁ ... ولهذا ظهر في شعائر الجند المقاتلين شعائر الأعاجم من الفرس وغيرهم، حتى في اللباس وأعمال القتال والأسماء التي تكون لأسباب الإمرة مثل الألفاظ المضافة إلى دار؛ كقولهم: ركاب دار، وطشت دار، وخان دار؛ فإن ذلك في لغة الفرس بمعنى صاحب وحافظ، فإذا قالوا: جان دار؛ فالجان هي الروح في لغتهم، فالجان دار بمعنى حافظ الروح وصاحب الروح، وكذلك الركاب دار؛ أي: صاحب الركاب وحافظ الركاب، وهو الذي يسرج الفرس ويلجمه ويكون في ركاب الراكب، وكذلك صاحب الطشت الذي يغسل الثياب والأبدان، وكذلك برد دار وهو صاحب العتبة وهو الموكل بدار الأمير؛ كالحداد والبواب الذي يمنع من الدخول والخروج ويأذن فيه.
وكذلك يقولون: جمدار، وسلاح دار، وجوكان دار، وبندق دار، ودوادار، وخزندار، واستادار: لصاحب الثياب الذي يحفظ الثياب وما يتعلق بذلك، ولصاحب السلاح، والجوكان، والبندق، والدواه، وخزانة المال
стр. 138
والإستادنة، وهي التصرف في إخراج المال وصرفه فيما يُحتاج إليه من الطعام واللباس وغير ذلك.
ويتعدى ذلك إلى ولاة الطعام والشراب، فيقولون: مرق دار؛ أي: صاحب المرقة وما يتعلق بها، وشراب دار لصاحب الشراب، ويقولون: مهماندار؛ أي: صاحب المهم، كما يقولون: مهمان خاناه؛ أي: بيت المهم والمهمة، وهو في لغتهم الضيف، أي بيت الإضافة، وصاحب الضيافة مهان دار لمثل رسول يرد على الأمير، والعيون الذين هم الجواسيس، ونحو ذلك ممن يُتخذ له ضيافة ويوجد منه أخبار وكتب ويُعطى ذلك ونحو ذلك.
فإن الألف والنون في لغتهم جمع، كما يقولون: مسلمان، وفقيهان، وعالمان؛ أي: مسلمون، وفقهاء، وعلماء، ونحو ذلك قولهم: فراش خاناه؛ أي: بيت الفرس، والفراش يسمونه باللفظ العربي، ويقولون: زرد خاناه؛ أي: بيت الزرد ... ) (١) .
* * *
стр. 139
القسم الثالث
مسائل في:
الخلاف والاختلاف والإنكار،
والتحزب المحمود والمذموم والبدعة
والمصالح والمفاسد والإنصاف .
стр. 140
الإنكار على من أظهر الفجور أو البدع ودعا إليها
(( ... من كان مظهراً للفجور أو البدع يجب الإنكار عليه ونهيه عن ذلك، وأقل مراتب الإنكار هجره لينتهي عن فجوره وبدعته، ولهذا فرق جمهور الأئمة بين الداعية وغير الداعية؛ فإن الداعية أظهر المنكر فاستحق الإنكار عليه، بخلاف الساكت؛ فإنه بمنزلة من أسر بالذنب، فهذا لا ينكر عليه في الظاهر، فإن الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، ولكن إذا أعلنت فلم تنكر ضرت العامة، ولهذا كان المنافقون تقبل منهم علانيتهم وتوكل سرائرهم إلى الله تعالى، بخلاف من أظهر الكفر)) (١) .
* * *
البدعة التي يعدُّ بها الرَّجل من أهل الأهواء
(( (البدعة)) التي يعد بها الرجل من أهل الأهواء ما اشتهر عند أهل العلم بالسنة مخالفتها للكتاب والسنة؛ كبدعة الخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة؛ فإن عبد الله بن المبارك ويوسف بن أسباط وغيرهما قالوا: أصول اثنتين وسبعين فرقة هي أربع: الخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة. قيل لابن المبارك: فالجهمية؟ قال: ليست الجهمية من أمة محمد ﷺ ) (٢) .
* * *
стр. 141
موقف المبتدع من النصوص التي تخالفه
( ... لا تجد قط مبتدعاً إلا وهو يحب كتمان النصوص التي تخالفه ويبغضها، ويبغض إظهارها وروايتها والتحدث بها، ويبغض من يفعل ذلك ... ) (١) .
* * *
стр. 142
هجر العاصي والمبتدع بحسب الأحوال والمصالح
(وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوَّتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم؛ فإنَّ المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامَّة عن مثل حاله؛ فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشَّرِّ وخفيته كان مشروعاً، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك بل يزيد الشَّرّ والهاجر ضعيف بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر؛ بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف، ولهذا كان النبي ﷺ يتألف قوماً ويهجر آخرين، كما أن الثلاثة الذين خلفوا كانوا خيراً من أكثر المؤلفة قلوبهم، لما كان أولئك كانوا سادة مطاعون في عشائرهم؛ فكانت المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم، وهؤلاء كانوا مؤمنين، والمؤمنون سواهم كثير؛ فكان في هجرهم عز الدين وتطهيرهم من ذنوبهم، وهذا كما أن المشروع في العدو القتال تارة، والمهادنة تارة، وأخذ الجزية تارة؛ كل ذلك بحسب الأحوال والمصالح) (١) .
* * *
стр. 143
الأمر بالجماعة والائتلاف والنَّهي عن البدعة والاختلاف وهجر المُظْهِر لبدعته لمصلحة راجحة
(إن الله أمر بالجماعة والائتلاف، ونهى عن البدعة والاختلاف، وقال: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ في شَيْءٍ﴾ (١) ، وقال النبي ﷺ : ((عليكم بالجماعة؛ فإن يد الله على الجماعة)) (٢) ، وقال: ((الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد)) (٣) ...
فالواجب على المسلم إذا صار في مدينة من مدائن المسلمين أن يصلي معهم الجمعة والجماعة ويوالي المؤمنين ولا يعاديهم، وإن رأى بعضهم ضالاًّ أو غاوياً وأمكن أن يهديه ويرشده فعل ذلك، وإلا؛ فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وإذا كان قادراً على أن يولي في إمامة المسلمين الأفضل ولاه، وإن قدر أن يمنع من يظهر البدع والفجور منعه، وإن لم يقدر على ذلك؛ فالصلاة خلف الأعلم بكتاب الله وسنة نبيه الأسبق إلى طاعة الله ورسوله أفضل؛ كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء؛ فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة
стр. 144
سواء؛ فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء؛ فأقدمهم سناً)) (١) .
وإن كان في هجره لمظهر البدعة والفجور مصلحة راجحة هجره، كما هجر النبي ﷺ الثلاثة الذين خلفوا حتى تاب الله عليهم. وأما إذا ولى غيره بغير إذنه وليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية كان تفويت هذه الجمعة والجماعة جهلاً وضلالاً، وكان قد رد بدعة ببدعة) (٢) .
وقال: (وتعلمون أن من القواعد العظيمة التي هي من جماع الدين: تأليف القلوب، واجتماع الكلمة، وصلاح ذات البين؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (٣) ، ويقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (٤) ، ويقول: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٥) ... وأمثال ذلك من النصوص التي تأمر بالجماعة والائتلاف وتنهى عن الفرقة والاختلاف.
وأهل هذا الأصل: هم أهل الجماعة، كما أن الخارجين عنه هم أهل الفرقة)) (٦) .
* * *
стр. 145
الموقف الوسط من هجران أهل البدع
(الهجران قد يكون مقصوده ترك سيئة البدعة التي هي ظلم وذنب وإثم وفساد، وقد يكون مقصوده فعل حسنة الجهاد والنهي عن المنكر وعقوبة الظالمين لينزجروا ويرتدعوا، وليقوى الإيمان والعمل الصالح عند أهله؛ فإن عقوبة الظالم تمنع النفوس عن ظلمه وتحضها على فعل ضد ظلمه من الإيمان والسنة ونحو ذلك، فإذا لم يكن في هجرانه انزجار أحد ولا انتهاء أحد، بل بطلان كثير من الحسنات المأمور بها؛ لم تكن هجرة مأموراً بها، كما ذكره أحمد عن أهل خراسان إذ ذاك: أنهم لم يكونوا يقوون بالجهمية، فإذا عجزوا عن إظهار العداوة لهم سقط الأمر بفعل هذه الحسنة، وكان مداراتهم فيه دفع الضرر عن المؤمن الضعيف، ولعله أن يكون فيه تأليف الفاجر القوي، وكذلك لما كثر القدر في أهل البصرة، فلو ترك رواية الحديث عنهم؛ لاندرس العلم والسنن والآثار المحفوظة فيهم، فإذا تعذر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك ذلك الواجب كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيراً من العكس، ولهذا كان الكلام في هذه المسائل فيه تفصيل.
وكثير من أجوبة الإمام أحمد وغيره من الأئمة خرج على سؤال سائل قد عَلِم المسؤل حاله، أو خرج خطاباً لمعين قد عُلم حاله؛ فيكون بمنزلة قضايا الأعيان الصادرة عن الرسول ﷺ ، إنما يثبت حكمها في نظيرها.
فإن أقواماً جعلوا ذلك عاماً، فاستعملوا من الهجر والإنكار ما لم يؤمروا به؛ فلا يجب ولا يستحب، وربما تركوا به واجبات أو مستحبات وفعلوا به محرمات، وآخرون أعرضوا عن ذلك بالكلية؛ فلم يهجروا ما أُمروا بهجره من السيئات البدعية، بل تركوها ترك المعرض لا ترك المنتهي الكاره أو وقعوا فيها، وقد يتركونها ترك المنتهي الكاره، ولا ينهون عنها غيرهم ولا