← Джавами‘

Джавами‘ · id 22890

المنتخب من كتب شيخ الإسلام

علوي السقاف

Полный текст (364 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

موقف المبتدع من النصوص التي تخالفه ( ... لا تجد قط مبتدعاً إلا وهو يحب كتمان النصوص التي تخالفه ويبغضها، ويبغض إظهارها وروايتها والتحدث بها، ويبغض من يفعل ذلك ... ) (١) . * * *

стр. 142

هجر العاصي والمبتدع بحسب الأحوال والمصالح (وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوَّتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم؛ فإنَّ المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامَّة عن مثل حاله؛ فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشَّرِّ وخفيته كان مشروعاً، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك بل يزيد الشَّرّ والهاجر ضعيف بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر؛ بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف، ولهذا كان النبي ﷺ يتألف قوماً ويهجر آخرين، كما أن الثلاثة الذين خلفوا كانوا خيراً من أكثر المؤلفة قلوبهم، لما كان أولئك كانوا سادة مطاعون في عشائرهم؛ فكانت المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم، وهؤلاء كانوا مؤمنين، والمؤمنون سواهم كثير؛ فكان في هجرهم عز الدين وتطهيرهم من ذنوبهم، وهذا كما أن المشروع في العدو القتال تارة، والمهادنة تارة، وأخذ الجزية تارة؛ كل ذلك بحسب الأحوال والمصالح) (١) . * * *

стр. 143

الأمر بالجماعة والائتلاف والنَّهي عن البدعة والاختلاف وهجر المُظْهِر لبدعته لمصلحة راجحة (إن الله أمر بالجماعة والائتلاف، ونهى عن البدعة والاختلاف، وقال: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ في شَيْءٍ﴾ (١) ، وقال النبي ﷺ : ((عليكم بالجماعة؛ فإن يد الله على الجماعة)) (٢) ، وقال: ((الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد)) (٣) ... فالواجب على المسلم إذا صار في مدينة من مدائن المسلمين أن يصلي معهم الجمعة والجماعة ويوالي المؤمنين ولا يعاديهم، وإن رأى بعضهم ضالاًّ أو غاوياً وأمكن أن يهديه ويرشده فعل ذلك، وإلا؛ فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وإذا كان قادراً على أن يولي في إمامة المسلمين الأفضل ولاه، وإن قدر أن يمنع من يظهر البدع والفجور منعه، وإن لم يقدر على ذلك؛ فالصلاة خلف الأعلم بكتاب الله وسنة نبيه الأسبق إلى طاعة الله ورسوله أفضل؛ كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء؛ فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة

стр. 144

سواء؛ فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء؛ فأقدمهم سناً)) (١) . وإن كان في هجره لمظهر البدعة والفجور مصلحة راجحة هجره، كما هجر النبي ﷺ الثلاثة الذين خلفوا حتى تاب الله عليهم. وأما إذا ولى غيره بغير إذنه وليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية كان تفويت هذه الجمعة والجماعة جهلاً وضلالاً، وكان قد رد بدعة ببدعة) (٢) . وقال: (وتعلمون أن من القواعد العظيمة التي هي من جماع الدين: تأليف القلوب، واجتماع الكلمة، وصلاح ذات البين؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (٣) ، ويقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (٤) ، ويقول: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٥) ... وأمثال ذلك من النصوص التي تأمر بالجماعة والائتلاف وتنهى عن الفرقة والاختلاف. وأهل هذا الأصل: هم أهل الجماعة، كما أن الخارجين عنه هم أهل الفرقة)) (٦) . * * *

стр. 145

الموقف الوسط من هجران أهل البدع (الهجران قد يكون مقصوده ترك سيئة البدعة التي هي ظلم وذنب وإثم وفساد، وقد يكون مقصوده فعل حسنة الجهاد والنهي عن المنكر وعقوبة الظالمين لينزجروا ويرتدعوا، وليقوى الإيمان والعمل الصالح عند أهله؛ فإن عقوبة الظالم تمنع النفوس عن ظلمه وتحضها على فعل ضد ظلمه من الإيمان والسنة ونحو ذلك، فإذا لم يكن في هجرانه انزجار أحد ولا انتهاء أحد، بل بطلان كثير من الحسنات المأمور بها؛ لم تكن هجرة مأموراً بها، كما ذكره أحمد عن أهل خراسان إذ ذاك: أنهم لم يكونوا يقوون بالجهمية، فإذا عجزوا عن إظهار العداوة لهم سقط الأمر بفعل هذه الحسنة، وكان مداراتهم فيه دفع الضرر عن المؤمن الضعيف، ولعله أن يكون فيه تأليف الفاجر القوي، وكذلك لما كثر القدر في أهل البصرة، فلو ترك رواية الحديث عنهم؛ لاندرس العلم والسنن والآثار المحفوظة فيهم، فإذا تعذر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك ذلك الواجب كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيراً من العكس، ولهذا كان الكلام في هذه المسائل فيه تفصيل. وكثير من أجوبة الإمام أحمد وغيره من الأئمة خرج على سؤال سائل قد عَلِم المسؤل حاله، أو خرج خطاباً لمعين قد عُلم حاله؛ فيكون بمنزلة قضايا الأعيان الصادرة عن الرسول ﷺ ، إنما يثبت حكمها في نظيرها. فإن أقواماً جعلوا ذلك عاماً، فاستعملوا من الهجر والإنكار ما لم يؤمروا به؛ فلا يجب ولا يستحب، وربما تركوا به واجبات أو مستحبات وفعلوا به محرمات، وآخرون أعرضوا عن ذلك بالكلية؛ فلم يهجروا ما أُمروا بهجره من السيئات البدعية، بل تركوها ترك المعرض لا ترك المنتهي الكاره أو وقعوا فيها، وقد يتركونها ترك المنتهي الكاره، ولا ينهون عنها غيرهم ولا

стр. 146

يعاقبون بالهجرة ونحوها من يستحق العقوبة عليها؛ فيكونون قد ضيعوا من النهي عن المنكر ما أُمروا به إيجاباً أو استحباباً؛ فهم بين فعل المنكر أو ترك النهي عنه، وذلك فعل ما نُهوا عنه وترك ما أُمروا به؛ فهذا هذا، ودين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، والله سبحانه أعلم) (١) . * * *

стр. 147

الفرق بين ((الخوارج المارقين)) و ((البغاة المتأولين)) ((وأما جمهور أهل العلم؛ فيفرقون بين ((الخوارج المارقين)) وبين ((أهل الجمل وصفين)) وغير أهل الجمل وصفين ممن يعد من البغاة المتأولين، وهذا هو المعروف عن الصحابة، وعليه عامة أهل الحديث والفقهاء والمتكلمين، وعليه نصوص أكثر الأئمة وأتباعهم؛ من أصحاب مالك، وأحمد، والشافعي، وغيرهم. وذلك أنه قد ثبت في ((الصحيح)) عن النبي ﷺ أنه قال: ((تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين، تقتلهم أولى الطائفتين بالحق)) (١) ، وهذا الحديث يتضمن ذكر الطوائف الثلاثة، ويبين أن المارقين نوع ثالث ليسوا من جنس أولئك؛ فإن طائفة علي أولى بالحق من طائفة معاوية، وقال في حق الخوارج المارقين: ((يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم يوم القيامة)) (٢) ، وفي لفظ: ((لو يعلم الذين يقاتلونهم ما لهم على لسان نبيهم لنكلوا عن العمل)) (٣) ، وقد روى مسلم أحاديثهم في الصحيح من عشرة أوجه، وروى هذا البخاري من غير وجه، ورواه أهل السنن والمسانيد، وهي مستفيضة عن النبي ﷺ متلقاة بالقبول،

стр. 148

أجمع عليها علماء الأمة من الصحابة ومن اتبعهم، واتفق الصحابة على قتال هؤلاء الخوارج. وأما ((أهل الجمل وصفين)) ؛ فكانت منهم طائفة قاتلت من هذا الجانب، وأكثر أكابر الصحابة لم يقاتلوا لا من هذا الجانب ولا من هذا الجانب، واستدل التاركون للقتال بالنصوص الكثيرة عن النبي ﷺ في ترك القتال في الفتنة، وبينوا أن هذا قتال فتنة. وكان علي ﵁ مسروراً لقتال الخوارج، ويروي الحديث عن النبي ﷺ في الأمر بقتالهم، وأما قتال ((صفين)) ؛ فذكر أنه ليس معه فيه نص، وإنما هو رأي رآه، وكان أحياناً يحمد من لم ير القتال. وقد ثبت في ((الصحيح)) عن النبي ﷺ أنه قال في الحسن: ((إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)) (١) ؛ فقد مدح الحسن وأثنى عليه بإصلاح الله به بين الطائفتين: أصحاب علي، وأصحاب معاوية، وهذا يبين أن ترك القتال كان أحسن، وانه لم يكن القتال واجباً ولا مستحباً. و ((قتال الخوارج)) قد ثبت عنه أنه أُمر به وُحَّض عليه؛ فكيف يسوى بين ما أُمر به وحُضَّ عليه، وبين ما مُدح تاركه وأُثني عليه؟! فمن سوَّى بين قتال الصحابة الذين اقتتلوا بالجمل وصفِّين وبين قتال ذي الخويصرة التميمي وأمثاله من الخوارج المارقين والحرورية المعتدين؛ كان قولهم من جنس أقوال أهل الجهل والظلم المبين، ولزم صاحب هذا القول أن يصير من جنس الرافضة والمعتزلة الذين يكفرون أو يفسقون

стр. 149

المتقاتلين بالجمل وصفين، كما يقال مثل ذلك في الخوارج المارقين؛ فقد اختلف السلف والأئمة في كفرهم على قولين مشهورين، مع اتفاقهم على الثناء على الصحابة المقتتلين بالجمل وصفين والإمساك عما شجر بينهم؛ فكيف نسبة هذا بهذا؟! وأيضاً؛ فالنبي ﷺ أمر بقتال ((الخوارج)) قبل أن يقاتلوا، وأما ((أهل البغي)) ؛ فإن الله تعالى قال فيهم: ﴿وإنْ طائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنينَ اقْتَتَلوا فَأصْلِحوا بَيْنَهُما فإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلوا التي تَبْغِي حَتَّى تَفيءَ إلى أمْرِ اللهِ فإنْ فاءَتْ فَأصْلِحوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وأقْسِطوا إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ (١) ؛ فلم يأمر بقتال الباغية ابتداءً، فالاقتتال ابتداءً ليس مأموراً به، ولكن إذا اقتتلوا أمر بالإصلاح بينهم، ثم إن بغت الواحدة قوتلت، ولهذا قال من قال من الفقهاء: إن البغاة لا يبتدئون بقتالهم حتى يقاتلوا، وأما الخوارج؛ فقد قال النبي ﷺ فيهم: ((أينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم يوم القيامة)) (٢) ، وقال: ((لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)) (٣) . وكذلك مانعو الزكاة؛ فإن الصديق والصحابة ابتدؤوا قتالهم، قال الصديق: والله؛ لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه. وهم يقاتلون إذا امتنعوا من أداء الواجبات وإن أقروا بالوجوب. ثم تنازع الفقهاء في كفر من منعها وقاتل الإمام عليها مع إقراره بالوجوب؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد، كالروايتين عنه في تكفير الخوارج، وأما أهل البغي المجرد؛ فلا يكفرون باتفاق أئمة الدين؛ فإن

стр. 150

القرآن قد نص على إيمانهم وأخوتهم مع وجود الاقتتال والبغي، والله أعلم) (١) . * * *

стр. 151

أهل السُّنَّة في الإسلام كأهل الإسلام في الملل (كلما كان الإنسان أعظم رغبةً في العلم والعبادة وأقدر على ذلك من غيره، بحيث تكون قوته على ذلك أقوى ورغبته وإرادته في ذلك أتم؛ كان ما يحصل له إن سلمه الله من الشيطان أعظم، وكان ما يفتتن به إن تمكن منه الشيطان أعظم، ولهذا قال الشعبي: كل أمة علماؤها شرارها؛ إلا المسلمين؛ فإن علماءهم خيارهم. وأهل السنة في الإسلام كأهل الإسلام في الملل، وذلك أن كل أمة غير المسلمين فهم ضالون، وإنما يضلهم علماؤهم؛ فعلماؤهم شرارهم، والمسلمون على هدى، وإنما يتبين الهدى بعلمائهم؛ فعلماؤهم خيارهم، وكذلك أهل السنة أئمتهم خيار الأمة، وأئمة أهل البدع أضر على الأمة من أهل الذنوب، ولهذا أمر النبي ﷺ بقتل الخوارج ونهى عن قتال الولاة الظلمة، وأولئك لهم نهمة في العلم والعبادة؛ فصار يعرض لهم من الوساوس التي تضلهم - وهم يظنونها هدى فيطيعونها - ما لا يعرض لغيرهم، ومن سلم من ذلك منهم كان من أئمة المتقين مصابيح الهدى وينابيع العلم؛ كما قال ابن مسعود لأصحابه: كونوا ينابع العلم، مصابيح الحكمة، سرج الليل، جدد القلوب، أحلاس البيوت، خلقان الثياب، تعرفون في أهل السماء وتخفون على أهل الأرض (١) (٢) . * * *

стр. 152

من أسباب ضلال المبتدعة بناؤهم دين الإسلام على مقدِّمات يظنُّون صحَّتها (وأهل البدع إنما دخل عليهم الداخل لأنهم صاروا يبنون دين الإسلام على مقدمات يظنون صحتها: إما في دلالة الألفاظ، وإما في المعاني المعقولة، ولا يتأملون بيان الله ورسوله، وكل مقدمات تخالف بيان الله ورسوله؛ فإنها تكون ضلالاً، ولهذا تكلم أحمد في رسالته المعروفة في الرد على من يتمسك بما يظهر له من القرآن من غير استدلال ببيان الرسول والصحابة والتابعين، وكذلك ذكر في رسالته إلى أبي عبد الرحمن الجرجاني في الرد على المرجئة، وهذه طريقة سائر أئمة المسلمين: لا يعدلون عن بيان الرسول إذا وجدوا إلى ذلك سبيلاً، ومن عدل عن سبيلهم وقع في البدع التي مضمونها أنه يقول على الله ورسوله ما لا يعلم أو غير الحق، وهذا مما حرمه الله ورسوله، وقال تعالى في الشيطان: ﴿إنَّما يَأْمُرُكُمْ بالسُّوءِ والفَحْشاءِ وأنْ تَقولوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمونَ﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ ميثاقُ الكِتابِ أنْ لا يَقولوا عَلَى اللهِ إلاَّ الحَقَّ﴾ (٢) ، وهذا من تفسير القرآن بالرأي الذي جاء فيه الحديث: ((من قال في القرآن برأيه؛ فليتبوأ مقعده من النار)) (٣) (٤) . * * *

стр. 153

مسائل الاجتهاد من عمل فيها بقول بعض العلماء لم يُنْكَر عليه ولم يُهْجَر (مسائل الاجتهاد من عمل فيها بقول بعض العلماء لم يُنكر عليه ولم يُهجر، ومن عمل بأحد القولين لم يُنكر عليه، وإذا كان في المسألة قولان؛ فإن كان الإنسان يظهر له رجحان أحد القولين عمل به، وإلا؛ قلد بعض العلماء الذين يعتمد عليهم في بيان أرجح القولين، والله أعلم) (١) . * * * المؤاخاة والمخالفة المشروع منها والممنوع ( ... أصل الأخوة أن النبي ﷺ آخى بين المهاجرين والأنصار وحالف بينهم في دار أنس بن مالك، كما آخى بين سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف؛ حتى قال سعد لعبد الرحمن: خذ شطر مالي، واختر إحدى زوجَتَيْ حتى أطلقها وتنكحها. فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في مالك وأهلك، دلوني على السوق. وكما آخى بين سلمان الفارسي وأبي الدرداء، وهذا كله في ((الصحيح)) . وأما ما يذكر بعض المصنفين في ((السيرة)) من أن النبي ﷺ آخى بين على وأبي بكر ونحو ذلك؛ فهذا باطل باتفاق أهل المعرفة بحديثه؛ فإنه لم يؤاخ بين مهاجر ومهاجر وأنصاري وأنصاري، وإنما آخى بين المهاجرين والأنصار، وكانت المؤاخاة والمحالفة يتوارثون بها دون أقاربهم؛ حتى أنزل الله تعالى: ﴿وأولو الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلَى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللهِ﴾ (٢) ؛ فصار

стр. 154

الميراث بالرحم دون هذه المؤاخاة والمحالفة. وتنازع العلماء في مثل هذه المحالفة والمؤاخاة: هل يورث بها عند عدم الورثة من الأقارب والموالي؟ على قولين: أحدهما: يورث بها، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد في إحدى الروايتين؛ لقوله تعالى: ﴿والذينَ عَقَدْتْ أيْمانُكُمْ فآتوهُمْ نَصيبَهُمْ﴾ (١) . والثاني: لا يورث بها بحال، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد في الرواية المشهورة عند أصحابه، وهؤلاء يقولون: هذه الآية منسوخة. وكذلك تنازع الناس: هل يُشرع في الإسلام أن يتآخى اثنان ويتحالفا كما فعل المهاجرون والأنصار؟ فقيل: إن ذلك منسوخ؛ لما رواه مسلم في ((صحيحه)) عن جابر: أن النبي ﷺ قال: ((لا حِلْف في الإسلام، وما كان من حلف في الجاهليَّة؛ فلم يزده الإسلام إلا شدة)) (٢) ، ولأن الله قد جعل المؤمنين إخوة بنص القرآن، وقال النبي ﷺ : ((المسلم أخو المسلم، لا يسلمه ولا يظلمه، والذي نفسي بيده؛ لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحبه لنفسه)) (٣) ، فمن كان قائماً بواجب الإيمان كان أخاً لكل مؤمن ووجب على كل مؤمن أن

стр. 155

يقوم بحقوقه، وإن لم يجر بينهما عقد خاص؛ فإن الله ورسوله قد عقدا الأخوة بينهما بقوله: ﴿إنَّما المُؤْمِنونَ أخْوَةٌ﴾ (١) ، وقال النبي ﷺ : ((وددت أني قد رأيت إخواني)) (٢) . ومن لم يكن خارجاً عن حقوق الإيمان وجب أن يُعامل بموجب ذلك؛ فيُحمد على حسناته ويوالى عليها، ويُنهى عن سيئاته ويُجانب عليها بحسب الإمكان، وقد قال النبي ﷺ : ((انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)) . قلت: يا رسول الله! أنصره مظلوماً؛ فكيف أنصره ظالماً؟ ! قال: ((تمنعه من الظلم؛ فذلك نصرك إياه)) (٣) . والواجب على كل مسلم أن يكون حبه وبغضه وموالاته ومعاداته تابعاً لأمر الله ورسوله؛ فيحب ما أحبه الله ورسوله، ويبغض ما أبغضه الله ورسوله، ويوالي من يوالي الله ورسوله، ويعادي من يعادي الله ورسوله، ومن كان فيه ما يوالى عليه من حسنات وما يعادى عليه من سيئات؛ عومل بموجب ذلك، كفساق أهل الملة؛ إذ هم مستحقون للثواب والعقاب والموالاة والمعاداة والحب والبغض بحسب ما فيهم من البر والفجور؛ فإن ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ (٤) . وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، بخلاف الخوارج والمعتزلة، وبخلاف المرجئة والجهمية؛ فإن أولئك يميلون إلى جانب وهؤلاء إلى

стр. 156

جانب، وأهل السنة والجماعة وسط، ومن الناس من يقول: تشرع تلك المؤاخاة والمحالفة، وهو يناسب من يقول بالتوارث بالمحالفة. لكن لا نزاع بين المسلمين في أن ولد أحدهما لا يصير ولد الآخر بإرثه مع أولاده، والله سبحانه قد نسخ التبني الذي كان في الجاهلية حيث كان يتبنى الرجل ولد غيره، قال الله تعالى: ﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللاَّئي تُظاهِرونَ مِنْهُنَّ أمَّهاتِكُمْ وما جَعَلَ أدْعِياءَكُمْ أبْناءَكُمْ﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿ادْعوهُمْ لآبائِهِمْ هُوَ أقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فإنْ لَمْ تَعْلَموا آباءَهُمْ فإخْوانَكُمْ في الدِّينِ﴾ (٢) . وكذلك لا يصير مال كل واحد منهما مالاً للآخر يورث عنه ماله؛ فإن هذا ممتنع من الجانبين، ولكن إذا طابت نفس كل واحد منهما بما يتصرف فيه الآخر من ماله؛ فهذا جائز، كما كان السلف يفعلون، وكان أحدهما يدخل بيت الآخر ويأكل من طعامه مع غيبته لعلمه بطيب نفسه بذلك؛ كما قال تعالى: ﴿أوْ صَديقِكُمْ﴾ (٣) (٤) . * * *

стр. 157

التَّحزُّب المحمود والتَّحزُّب المذموم (أما لفظ ((الزعيم)) ؛ فإنه مثل لفظ الكفيل والقبيل والضمين، قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعيرٍ وأنا بِهِ زَعيمٌ﴾ (١) ، فمن تكفل بأمر طائفة؛ فإنه يقال: هو زعيم، فإن كان قد تكفل بخير كان محموداً على ذلك، وإن كان شراً كان مذموماً على ذلك. وأما ((رأس الحزب)) ؛ فإنه رأس الطائفة التى تتحزب؛ أي: تصير حزباً، فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله من غير زيادة ولا نقصان؛ فهم مؤمنون، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم، سواء كان على الحق والباطل؛ فهذا من التفرق الذي ذمه الله تعالى ورسوله، فإن الله ورسوله أمرا بالجماعة والائتلاف، ونهياً عن التفرقة والاختلاف، وأمرا بالتعاون على البر والتقوى، ونهيا عن التعاون على الإثم والعدوان) (٢) . * * *

стр. 158

ليس لأحد أن يأخذ على أحد عهداً بموافقته على كل ما يريده (إذا جنى شخص؛ فلا يجوز أن يُعاقب بغير العقوبة الشرعية، وليس لأحد من المتعلمين والأستاذين أن يعاقبه بما يشاء، وليس لأحد أن يعاونه ولا يوافقه على ذلك، مثل أن يأمر بهجر شخص فيهجره بغير ذنب شرعي، أو يقول: أقعدته أو أهدرته أو نحو ذلك؛ فإن هذا من جنس ما يفعله القساوسة والرهبان مع النصارى والحزابون مع اليهود، ومن جنس ما يفعله أئمة الضلالة والغواية مع أتباعهم، وقد قال الصديق الذي هو خليفة رسول الله ﷺ في أمته: أطيعوني ما أطعت الله، فإن عصيت الله؛ فلا طاعة لي عليكم. وقد قال النبي ﷺ : ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)) (١) ، وقال: ((من أمركم بمعصية؛ فلا تطيعوه)) (٢) . فإذا كان المعلم أو الأستاذ قد أمر بهجر شخص أو بإهداره وإسقاطه وإبعاده ونحو ذلك؛ نظر فيه، فإن كان قد فعل ذنباً شرعياً عوقب بقدر ذنبه بلا زيادة، وإن لم يكن أذنب ذنباً شرعياً لم يجز أن يعاقب بشيء لأجل غرض المعلم أو غيره. وليس للمعلمين أن يحزبوا الناس ويفعلوا ما يلقي بينهم العداوة

стр. 159

والبغضاء، بل يكونون مثل الأخوة المتعاونين على البر والتقوى؛ كما قال تعالى: ﴿وَتَعاوَنوا عَلَى البِرِّ والتَّقْوَى وَلاَ تَعاوَنوا عَلَى الإثْمِ والعُدْوانِ﴾ (١) . وليس لأحد منهم أن يأخذ على أحد عهداً بموافقته على كل ما يريده وموالاة من يواليه ومعاداة من يعاديه، بل من فعل هذا كان من جنس جنكزخان وأمثاله الذين يجعلون من وافقهم صديقاً والي ومن خالفهم عدواً باغي؛ بل عليهم وعلى أتباعهم عهد الله ورسوله بأن يطيعوا الله ورسوله، ويفعلوا ما أمر الله به ورسوله، ويحرموا ما حرم الله ورسوله، ويرعوا حقوق المعلمين كما أمر الله ورسوله؛ فإن كان أستاذ أحد مظلوماً نصره، وإن كان ظالماً لم يعاونه على الظلم، بل يمنعه منه؛ كما ثبت في ((الصحيح)) عن النبي ﷺ أنه قال: ((انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)) . قيل: يا رسول الله! أنصره مظلوماً؛ فكيف أنصره ظالماً؟! قال: ((تمنعه من الظلم؛ فذلك نصرك إياه)) (٢) . وإذا وقع بين معلم ومعلم أو تلميذ وتلميذ أو معلم وتلميذ خصومة ومشاجرة لم يجز لأحد أن يعين أحدهما حتى يعلم الحق؛ فلا يعاونه بجهل ولا بهوى، بل ينظر في الأمر، فإذا تبين له الحق أعان المحق منهما على المبطل، سواء كان المحق من أصحابه أو أصحاب غيره، وسواء كان المبطل من أصحابه أو أصحاب غيره؛ فيكون المقصود عبادة الله وحده وطاعة رسوله واتباع الحق والقيام بالقسط، قال الله تعالى: ﴿يا أيُّها الذينَ آمنوا كونوا قَوَّامينَ بِالقِسْطِ شُهِداءَ للهِ وَلَوْ عَلَى أنْفُسِكُمْ أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبينَ إنْ يَكُنْ غَنِيّاً أوْ فَقيراً فاللهُ أوْلَى بِهِما فَلاَ تَتَّبِعوا الهَوَى أنْ تَعْدِلوا وإنْ تَلْووا أوْ تُعْرِضوا فَإنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلونَ خَبِيراً﴾ (٣) ، يقال: لوى

стр. 160

يلوي لسانه: فيخبر بالكذب. والإعراض: أن يكتم الحق؛ فإن الساكت عن الحق شيطان أخرس. ومن مال مع صاحبه - سواء كان الحق له أو عليه -؛ فقد حكم بحكم الجاهلية وخرج عن حكم الله ورسوله، والواجب على جميعهم أن يكونوا يداً واحدة مع الحَقِّيِّ على المبطل، فيكون المعظَّم عندهم من عظَّمه الله ورسوله، والمقدَّم عندهم من قدِّمه الله ورسوله، والمحبوب عندهم من أحبَّه الله ورسوله، والمهان عندهم من أهانه الله ورسوله بحسب ما يرضى الله ورسوله لا بحسب الأهواء؛ فإنَّه من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فإنَّه لا يضرُّ إلاَّ نفسه. فهذا هو الأصل الذي عليهم اعتماده، وحينئذ؛ ٍ فلا حاجة إلى تفرُّقهم وتشيُّعهم؛ فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿إنَّ الذينَ فَرَّقوا دينَهُمْ وكانوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ في شَيْءٍ﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَكونوا كالذينَ تَفَرَّقوا واخْتَلَفوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتِ﴾ (٢) ، وإذا كان الرَّجل قد علَّمه أستاذ عرف قدر إحسانه إليه وشكره. ولا يشدُّ وسطه لا لمعلِّمه ولا لغير معلِّمه؛ فإنَّ شدَّ الوسط لشخص معيَّن وانتسابه إليه من بدع الجاهليَّة، ومن جنس التَّحالف الذي كان المشركون يفعلونه، ومن جنس تفرُّق قيس ويمن، فإن كان المقصود بهذا الشدِّ والانتماء التَّعاون على البرِّ والتَّقوى؛ فهذا قد أمر الله به ورسوله له ولغيره بدون هذا الشدِّ، وإن كان المقصود به التَّعاون على الإثم والعدوان؛ فهذا قد حرَّمه الله ورسوله، فما قُصد بهذا من خير؛ ففي أمر الله ورسوله بكلِّ معروف استغناء عن أمر المعلِّمين، وما قُصد بهذا من شرٍّ؛ فقد حرَّمه

стр. 161

الله ورسوله. فليس لمعلِّم أن يحالف تلامذته على هذا، ولا لغير المعلِّم أن يأخذ أحداً من تلامذته لينسبوا إليه على الوجه البدعيِّ: لا ابتداءً ولا إفادةً، وليس له أن يجحد حقَّ الأوَّل عليه، وليس للأوَّل أن يمنع أحداً من إفادة التعلُّم من غيره، وليس للثَّاني أن يقول: شدَّ لي وانتسب لي دون معلِّمك الأوَّل، بل إن تعلَّم من اثنين فإنَّه يراعي حقَّ كلٍّ منهما، ولا يتعصَّب لا للأوَّل ولا للثَّاني، وإذا كان تعليم الأول له أكثر كانت رعايته لحقِّه أكثر. وإذا اجتمعوا على طاعة الله ورسوله وتعاونوا على البرِّ والتَّقوى لم يكن أحد مع أحد في كلِّ شيء؛ بل يكون كلُّ شخص مع كلِّ شخص في طاعة الله ورسوله، ولا يكونون مع أحد في معصية الله ورسوله، بل يتعاونون على الصِّدق والعدل والإحسان، والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، ونصر المظلوم وكلِّ ما يحبُّه الله ورسوله، ولا يتعاونون لا على ظلم ولا عصبيَّة جاهليَّة، ولا اتباع الهوى بدون هدى من الله، ولا تفرق ولا اختلاف، ولا شد وسط لشخص ليتابعه في كل شيء ولا يحالفه على غير ما أمر الله به ورسوله. وحينئذٍ؛ فلا ينتقل أحد عن أحد إلى أحد، ولا ينتمي أحد لا لقيطاً ولا ثقيلاً ولا غير ذلك من أسماء الجاهلية؛ فإن هذه الأمور إنما ولدها كون الأستاذ يريد أن يوافقه تلميذه على ما يريد، فيوالي من يواليه، ويعادي من يعاديه مطلقاً، وهذا حرام؛ ليس لأحد أن يأمر به أحداً ولا يجيب عليه أحداً، بل تجمعهم السنة وتفرقهم البدعة، يجمعهم فعل ما أمر الله به ورسوله وتفرق بينهم معصية الله ورسوله، حتى يصير الناس أهل طاعة الله أو أهل معصية الله؛ فلا تكون العبادة إلا لله ولا الطاعة المطلقة إلا له سبحانه ولرسوله ﷺ .

стр. 162

ولا ريب أنهم إذا كانوا على عادتهم الجاهلية - أي: من علمه أستاذ كان محالفاً له - كان المنتقل عن الأول إلى الثاني ظالماً باغياً ناقضاً لعهده غير موثوق بعقده، وهذا أيضاً حرام وإثم، هذا أعظم من إثم من لم يفعل مثل فعله؛ بل مثل هذا إذا انتقل إلى غير أستاذه وحالفه كان قد فعل حراماً، فيكون مثل لحم الخنزير الميت؛ فإنه لا بعهد الله ورسوله أوفى ولا بعهد الأول؛ بل كان بمنزلة المتلاعب الذي لا عهد له ولا دين له ولا وفاء، وقد كانوا في الجاهلية يحالف الرجل قبيلة، فإذا وجد أقوى منها نقض عهد الأولى وحالف الثانية - وهو شبيه بحال هؤلاء -؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْقُضوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفيلاً إنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلونَ. ولا تكونوا كالتي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثاً تَتَّخِذونَ أيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إنَّما يَبْلُوَكُمُ اللهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فيهِ تَخْتَلِفونَ. وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً ولكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْألُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلونَ. وَلاَ تَتَّخِذوا أيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبوتِها وَتَذوقوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبيلِ اللهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظيمٌ﴾ (١) . وعليهم أن يأتمروا بالمعروف ويتناهوا عن المنكر، ولا يدعوا بينهم من يظهر ظلماً أو فاحشة، ولا يدعوا صبياً أمرد يتبرج أو يظهر ما يفتن به الناس، ولا أن يعاشر من يتهم بعشرته، ولا يكرم لغرض فاسد. ومن حالف شخصاً على أن يوالي من والاه ويعادي من عاداه كان من جنس التتر المجاهدين في سبيل الشيطان، ومثل هذا ليس من المجاهدين في سبيل الله تعالى ولا من جند المسلمين، ولا يجوز أن يكون مثل هؤلاء من عسكر المسلمين؛ بل هؤلاء من عسكر الشيطان، ولكن يحسن أن يقول

стр. 163

لتلميذه: عليك عهد الله وميثاقه أن توالي من والى الله ورسوله وتعادي من عادى الله ورسوله، وتعاون على البر والتقوى ولا تعاون على الإثم والعدوان، وإذا كان الحق معي نصرت الحق، وإن كنت على الباطل لم تنصر الباطل؛ فمن التزم هذا كان من المجاهدين في سبيل الله تعالى، الذين يريدون أن يكون الدين كله لله وتكون كلمة الله هي العليا. وفي ((الصحيحين)) : أن النبي ﷺ قيل له: يا رسول الله! الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء؛ فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا؛ فهو في سبيل الله)) (١) ، فإذا كان المجاهد الذي يقاتل حمية للمسلمين، أو يقاتل رياءً للناس ليمدحوه، أو يقاتل لما فيه من الشجاعة؛ لا يكون قتاله في سبيل الله حتى يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا؛ فكيف من يكون أفضل تعلمه صناعة القتال مبنياً على أساس فاسد ليعاون شخصاً مخلوقاً على شخص مخلوق؟! فمن فعل ذلك كان من أهل الجاهلية الجهلاء والتتر الخارجين عن شريعة الإسلام، ومثل هؤلاء يستحقون العقوبة البليغة الشرعية التي تزجرهم وأمثالهم عن مثل هذا التفرق والاختلاف؛ حتى يكون الدين كله لله والطاعة لله ورسوله ... ) (٢) . * * *

стр. 164

التوسُّط في الحبِّ والبغض والموالاة والمعاداة وفيه فوائد (الحمد والذم والحب والبغض والموالاة والمعاداة إنما تكون بالأشياء التي أنزل الله بها سلطانه، وسلطانه كتابه، فمن كان مؤمنناً وجبت موالاته من أي صنف كان، ومن كان كافراً وجبت معاداته من أي صنف كان، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ. وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الَغالِبُونَ﴾ (١) . ... ومن كان فيه إيمان وفيه فجور أُعطي من الموالاة بحسب إيمانه ومن البغض بحسب فجوره، ولا يخرج من الإيمان بالكلية بمجرد الذنوب والمعاصي كما يقوله الخوارج والمعتزلة، ولا يجعل الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون بمنزلة الفساق في الإيمان والدين والحب والبغض والموالاة والمعاداة، قال الله تعالى: ﴿وإنْ طائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنينَ اقْتَتَلوا فأصْلِحوا بَيْنَهُما فإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلوا التي تَبْغِي حَتَّى تَفيءَ إلى أمْرِ اللهِ فإنْ فاءَتْ فَأصْلِحوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ وأقْسِطوا إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطينَ ... ﴾ إلى قوله: ﴿إنَّما المُؤْمِنونَ أخْوَةٌ﴾ (٢) ؛ فجعلهم إخوة مع وجود الاقتتال والبغي. ... وأما الشخص المعين؛ فيذكر ما فيه من الشر في مواضع: منها: المظلوم له أن يذكر ظالمه بما فيه، أما على وجه دفع ظلمه واستيفاء حقه كما قالت هند: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح،

стр. 165

وأنه ليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي، فقال لها النبي ﷺ : ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)) (١) ... وقال تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلاَّ مَنْ ظُلِمَ﴾ (٢) . ... ومنها أن يكون على وجه النصيحة للمسلمين في دينهم ودنياهم كما في الحديث الصحيح عن فاطمة بنت قيس لما استشارت النبي ﷺ من تنكح؟ وقالت: إنه خطبني معاوية وأبو جهم؛ فقال: ((أما معاوية؛ فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم؛ فرجل ضراب للنساء)) ، وروي: ((لا يضع عصاه عن عاتقه)) (٣) ؛ فبين لها أن هذا فقير قد يعجز عن حقك، وهذا يؤذيك بالضرب، وكان هذا نصحاً لها وإن تضمن ذكر عيب الخاطب. وفي معنى هذا نصح الرجل فيمن يعامله ومن يوكله ويوصي إليه ومن يستشهده؛ بل ومن يتحاكم إليه وأمثال ذلك، وإذا كان هذا في مصلحة خاصة؛ فكيف بالنصح فيما يتعلق به حقوق عموم المسلمين من الأمراء والحكام والشهود والعمال: أهل الديوان وغيرهم؟! فلا ريب أن النصح في ذلك أعظم، كما قال النبي ﷺ : ((الدين النصيحة، الدين النصيحة)) . قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: ((لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم)) (٤) . وقد قالوا لعمر بن الخطاب في أهل الشورى: أمر فلاناً وفلاناً، فجعل

стр. 166

يذكر في حق كل واحد من الستة - وهم أفضل الأمة - أمراً جعله مانعاً له من تعيينه. وإذا كان النصح واجباً في المصالح الدينية الخاصة والعامة، مثل نقلة الحديث الذين يغلطون أو يكذبون، كما قال يحيى بن سعيد: سألت مالكاً والثوري والليث بن سعد - أظنه - والأوزاعي عن الرجل يتهم في الحديث أو لا يحفظ؟ فقالوا: بين أمره. وقال بعضهم لأحمد بن حنبل: إنه يثقل علي أن أقول فلان كذا وفلان كذا. فقال: إذا سكت أنت وسكت أنا؛ فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم؟! ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة؛ فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف؛ فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع؛ فإنما هو للمسلمين هذا أفضل. فبين أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله؛ إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب؛ فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعاً، وأما أولئك؛ فهم يفسدون القلوب ابتداءً) (١) . * * *

стр. 167

نصائح للدعاة (الواجب على كل مؤمن أن يحب ما أحب الله ورسوله؛ وأن يبغض ما أبغضه الله ورسوله مما دل عليه في كتابه، فلا يجوز لأحد أن يجعل الأصل في الدين لشخص إلا لرسول الله ﷺ ؛ ولا لقول إلا لكتاب الله . ومن نصب شخصاً كائناً من كان فوالى وعادى على موافقته في القول والفعل فهو: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً﴾ الآية، وإذا تفقه الرجل وتأدب بطريقة قوم من المؤمنين مثل: اتباع الأئمة والمشايخ؛ فليس له أن يجعل قدوته وأصحابه هم العيار، فيوالي من وافقهم ويعادي من خالفهم، فينبغي للإنسان أن يعود نفسه التفقه الباطن في قلبه والعمل به، فهذا زاجر. وكمائن القلوب تظهر عند المحن. وليس لأحد أن يدعو إلى مقالة أو يعتقدها لكونها قول أصحابه، ولا يناجز عليها، بل لأجل أنها مما أمر الله به ورسوله؛ أو أخبر الله به ورسوله؛ لكون ذلك طاعة لله ورسوله. وينبغي للداعي أن يقدم فيما استدلوا به من القرآن؛ فإنه نور وهدى؛ ثم يجعل إمام الأئمة رسول الله ﷺ ؛ ثم كلام الأئمة. ولا يخلو أمر الداعي من أمرين: الأول: أن يكون مجتهداً أو مقلداً، فالمجتهد ينظر في تصانيف المتقدمين من القرون الثلاثة، ثم يرجح ما ينبغي ترجيحه. الثاني: المقلد يقلد السلف؛ إذ القرون المتقدمة أفضل مما بعدها. فإذا تبين هذا فنقول كما أمرنا ربنا: ﴿قولُوا آمَنَّا باللهِ﴾ إلى قوله:

стр. 168

﴿مُسلمُون﴾ ، ونأمر بما أمرنا به؛ وننهى عما نهانا عنه في نص كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَسُولُ فَخُذُوه﴾ الآية، فمبنى أحكام هذا الدين على ثلاثة أقسام: الكتاب والسنة والإجماع) (١) . * * *

стр. 169

كثير من النَّاس يجعل طائفته هم أهل السُّنَّة والجماعة (كثير من الناس يخبر عن هذه الفِرَق بحكم الظن والهوى؛ فيجعل طائفته والمنتسبة إلى متبوعه الموالية له هم أهل السنة والجماعة، ويجعل من خالفها أهل البدع، وهذا ضلال مبين؛ فإن أهل الحق والسنة لا يكون متبوعهم إلا رسول الله ﷺ ، الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فهو الذي يجب تصديقه في كل ما أخبر وطاعته في كل ما أمر، وليست هذه المنزلة لغيره من الأئمة، بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ ؛ فمن جعل شخصاً من الأشخاص غير رسول الله ﷺ من أحبه ووافقه كان من أهل السنة والجماعة، ومن خالفه كان من أهل البدعة والفرقة - كما يوجد ذلك في الطوائف من أتباع أئمة في الكلام في الدين وغير ذلك - كان من أهل البدع والضلال والتفرق. وبهذا يتبين أن أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية أهل الحديث والسنة، الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله ﷺ وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله وأعظمهم تمييزاً بين صحيحها وسقيمها، وأئمتهم فقهاء فيها [وأهل] معرفة بمعانيها واتباعاً لها: تصديقاً وعملاً وحباً وموالاةً لمن والاها ومعاداةً لمن عاداها، الذين يروون المقالات المجملة إلى ما جاء به من الكتاب والحكمة؛ فلا ينصبون مقالة ويجعلونها من أصول دينهم وجمل كلامهم إن لم تكن ثابتة فيما جاء به الرسول؛ بل يجعلون ما بُعث به الرسول من الكتاب والحكمة هو الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه. وما تنازع فيه الناس من مسائل الصفات والقدر والوعيد والأسماء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك يردونه إلى الله ورسوله،

стр. 170

ويفسرون الألفاظ المجملة التي تنازع فيها أهل التفرق والاختلاف؛ فما كان من معانيها موافقاً للكتاب والسنة أثبتوه، وما كان منها مخالفاً للكتاب والسنة أبطلوه، ولا يتبعون الظن وما تهوى الأنفس، فإن اتباع الظن جهل، واتباع هوى النفس بغير هدى من الله ظلم) (١) . * * *

стр. 171

مسألة رؤية الكفَّار ربَّهم يوم القيامة وما ينبغي مراعاته عند الخلاف قال ﵀ في ((رسالته إلى أهل البحرين)) واختلافهم في صلاة الجمعة: والذي أوجب هذا أن وفدكم حدثونا بأشياء من الفرقة والاختلاف بينكم، حتى ذكروا أن الأمر آل إلى قريب المقاتلة، وذكروا أن سبب ذلك الاختلاف في ((رؤية الكفار ربهم)) ، وما كنا نظن أن الأمر يبلغ بهذه المسألة إلى هذا الحد؛ فالأمر في ذلك خفيف. وإنما المهم الذي يجب على كل مسلم اعتقاده أن المؤمنين يرون ربهم في الدار الآخرة في عرصة القيامة وبعد ما يدخلون الجنة، على ما تواترت به الأحاديث عن النبي ﷺ عند العلماء بالحديث؛ فإنه أخبر ﷺ أنا نرى ربنا كما نرى القمر ليلة البدر والشمس عند الظهيرة، لا يُضام في رؤيته (١) . ... أما ((مسألة رؤية الكفار)) ؛ فأول ما انتشر الكلام فيها وتنازع الناس فيها - فيما بلغنا - بعد ثلاث مئة سنة من الهجرة، وأمسك عن الكلام في هذا قوم من العلماء، وتكلم فيها آخرون؛ فاختلفوا فيها على ((ثلاثة أقوال)) ، مع أني ما علمت أن أولئك المختلفين فيها تلاعنوا ولا تهاجروا فيها؛ إذ في الفِرَق الثلاثة قوم فيهم فضل وهم أصحاب سنة ... والأقوال الثلاثة في ((رؤية الكفار)) :

стр. 172

أحدها: أن الكفار لا يرون ربهم بحال: لا المظهر للكفر، ولا المسر له ... الثاني: أنه يراه من أظهر التوحيد من مؤمني هذه الأمة ومنافقيها وغبرات من أهل الكتاب، وذلك في عرصة القيامة، ثم يحتجب عن المنافقين فلا يرونه بعد ذلك ... الثالث: أن الكفار يرونه رؤية تعريف وتعذيب - كاللص إذا رأى السلطان -، ثم يحتجب عنهم ليعظم عذابهم ويشتد عقابهم ... فبالجملة؛ فليس مقصودي بهذه الرسالة الكلام المستوفي لهذه المسألة؛ فإن العلم كثير، وإنما الغرض بيان أن هذه ((المسألة)) ليست من المهمات التي ينبغي كثرة الكلام فيها وإيقاع ذلك إلى العامة والخاصة حتى يبقى شعاراً ويوجب تفريق القلوب وتشتت الأهواء. وليست هذه ((المسألة)) فيما علمت مما يوجب المهاجرة والمقاطعة، فإن الذين تكلموا فيها قبلنا عامتهم أهل سنة واتباع، وقد اختلف فيها من لم يتهاجروا ويتقاطعوا، كما اختلف الصحابة ﵃ والناس بعدهم في رؤية النبي ﷺ ربه في الدنيا، وقالوا فيها كلمات غليظة؛ كقول أم المؤمنين عائشة ﵂: من زعم أن محمداً رأى ربه؛ فقد أعظم على الله الفرية. ومع هذا؛ فما أوجب هذا النزاع تهاجراً ولا تقاطعاً. وكذلك ناظر الإمام أحمد أقواماً من أهل السنة في ((مسألة الشهادة للعشرة بالجنة)) حتى آلت المناظرة إلى ارتفاع الأصوات، وكان أحمد وغيره يرون الشهادة، ولم يهجروا من امتنع من الشهادة، إلى مسائل نظير هذه كثيرة.

стр. 173

وهنا آداب تجب مراعاتها: ١ ـ منها: أن من سكت عن الكلام في هذه المسألة ولم يدع إلى شيء؛ فإنه لا يحل هجره، وإن كان يعتقد أحد الطرفين؛ فإن البدع التي هي أعظم منها، لا يهجر فيها إلا الداعية دون الساكت؛ فهذه أولى. ٢ ـ ومن ذلك: أنه لا ينبغي لأهل العلم أن يجعلوا هذه المسألة محنة وشعاراً يفضلون بها بين إخوانهم وأضدادهم؛ فإن مثل هذا مما يكرهه الله ورسوله. ٣ ـ وكذلك لا يفاتحوا فيها عوام المسلمين الذين هم في عافية وسلام عن الفتن، ولكن إذا سئل الرجل عنها أو رأى من هو أهل لتعريفه ذلك ألقى إليه مما عنده من العلم ما يرجو النفع به، بخلاف الإيمان بأ ن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة؛ فإن الإيمان بذلك فرض واجب لما قد تواتر فيها عن النبي ﷺ وصحابته وسلف الأمة. ٤ ـ ومن ذلك: أنه ليس لأحد أن يطلق القول بأن الكفار يرون ربهم من غير تقييد؛ لوجهين: أحدهما: أن ((الرؤية المطلقة)) قد صار يُفهم منها الكرامة والثواب؛ ففي إطلاق ذلك إيهام وإيحاش، وليس لأحد أن يطلق لفظاً يوهم خلاف الحق إلا أن يكون مأثوراً عن السلف، وهذا اللفظ ليس مأثوراً. الثاني: أن الحكم إذا كان عاماً في تخصيص بعضه باللفظ خروج عن القول الجميل؛ فإنه يمنع من التخصيص، فإن الله خالق كل شيء ومريد لكل حادث، ومع هذا يمنع الإنسان أن يخص ما يستقذر من المخلوقات وما يستقبحه الشرع من الحوادث، بأن يقول على الانفراد: يا خالق الكلاب، ويا مريداً للزنا، ونحو ذلك، بخلاف ما لو قال: يا خالق كل شيء، ويا من كل

стр. 174

شيء يجري بمشيئته. فكذلك هنا لو قال: ما من أحد إلا سيخلو به ربه وليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان، أو قال: إن الناس كلهم يُحشرون إلى الله فينظر إليهم وينظرون إليه؛ كان هذا اللفظ مخالفاً في الإيهام للفظ الأول. فلا يخرجن أحد عن الألفاظ المأثورة، وإن كان قد يقع تنازع في بعض معناها؛ فإن هذا الأمر لا بد منه، فالأمر كما قد أخبر به نبينا ﷺ والخير كل الخير في اتباع السلف الصالح والاستكثار من معرفة حديث رسول الله ﷺ والتفقه فيه، والاعتصام بحبل الله، وملازمة ما يدعو إلى الجماعة والألفة، ومجانبة ما يدعو إلى الخلاف والفرقة؛ إلا أن يكون أمراً بيناً قد أمر الله ورسوله فيه بأمر من المجانبة؛ فعلى الرأس والعين. وأما إذا اشتبه الأمر: هل هذا القول أو الفعل مما يعاقب صاحبه عليه أو ما لا يعاقب؟ فالواجب ترك العقوبة؛ لقول النبي ﷺ : ((ادرؤوا الحدود بالشبهات؛ فإنك إن تخطىء في العفو خير من أن تخطىء في العقوبة)) (١) . رواه أبو داود، ولا سيما إذا آل الأمر إلى شر طويل وافتراق أهل السنة والجماعة؛ فإن الفساد الناشىء في هذه الفرقة أضعاف الشر الناشىء من خطأ نفر قليل في مسألة فرعية. وإذا اشتبه على الإنسان أمر؛ فليدع بما رواه مسلم في ((صحيحه)) عن عائشة ﵂؛ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يقول: ((اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما

стр. 175

اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)) (١) . وبعد هذا؛ فاسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه من القول والعمل، ويرزقنا اتباع هدي نبيه ﷺ باطناً وظاهراً، ويجمع على الهدى شملنا، ويقرن بالتوفيق أمرنا، ويجعل قلوبنا على قلب خيارنا، ويعصمنا من الشيطان، ويعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. وقد كتبت هذا الكتاب وتحريت فيه الرشد، وما أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، ومع هذا؛ فلم أحط علماً بحقيقة ما بينكم ولا بكيفية أموركم، وإنما كتبت على حسب ما فهمت من كلام من حدثني، والمقصود الأكبر إنما هو إصلاح ذات بينكم وتأليف قوبكم. وأما استيعاب القول في ((هذه المسألة)) وغيرها وبيان حقيقة الأمر فيها؛ فربما أقول أو أكتب في وقت آخر إن رأيت الحاجة ماسة إليه، فإني في هذا الوقت رأيت الحاجة إلى انتظام أمركم أوكد. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، وحسبنا الله ونعم الوكيل) (٢) . * * *

стр. 176

أهل السُّنة والجماعة يتَّبعون الحقَّ ويرحمون الخلق (الخوارج هم أول من كفر المسلمين: يكفرون بالذنوب، ويكفرون من خالفهم في بدعتهم، ويستحلون دمه وماله، وهذه حال أهل البدع، يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم فيها، وأهل السنة والجماعة يتبعون الكتاب والسنة ويطيعون الله ورسوله؛ فيتبعون الحق، ويرحمون الخلق) (١) . * * *

стр. 177

من عُلم منه الاجتهاد السائغ فلا يجوز أن يُذكَر على وجه الذَّمِّ (من عُلم منه الاجتهاد السائغ؛ فلا يجوز أن يُذكر على وجه الذم والتأثيم له؛ فإن الله غفر له خطأه، بل يجب لما فيه من الإيمان والتقوى موالاته ومحبته والقيام بما أوجب الله من حقوقه: من ثناء ودعاء وغير ذلك؛ وإن عُلم منه النفاق، كما عُرف نفاق جماعة على عهد رسول الله ﷺ مثل عبد الله بن أُبي وذويه، وكما علم المسلمون نفاق سائر الرافضة: عبد الله بن سبأ وأمثاله، مثل عبد القدوس بن الحجاج، ومحمد بن سعيد المصلوب؛ فهذا يذكر بالنفاق، وإن أعلن بالبدعة ولم يعلم هل كان منافقاً أو مؤمناً مخطئاً ذُكر بما يُعلم منه؛ فلا يحل للرجل أن يقفو ما ليس له به علم، ولا يحل له أن يتكلم في هذا الباب إلا قاصداً بذلك وجه الله تعالى، وأن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله؛ فمن تكلم في ذلك بغير علم أو بما يعلم خلافه كان آثماً) (١) . وقال: (وأهل السنة والجماعة يقولون: ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع وهو أن المؤمن يستحق وعد الله وفضله الثواب على حسناته، ويستحق العقاب على سيئاته، وأن الشخص الواحد يجتمع فيه ما يُثاب عليه وما يُعاقب عليه، وما يُحمد عليه وما يُذم عليه، وما يُحب منه وما يُبغض منه؛ فهذا هذا) (٢) . * * *

стр. 178

لا يجوز التَّفريق بين الأمَّة بأسماء مُبتَدَعة لا أصل لها في الكتاب والسُّنَّة (وكذلك ـ أي من البدع ـ التفريق بين الأمة وامتحانها بما لم يأمر الله به ولا رسوله: مثل أن يقال للرجل: أنت شكيلي أو قرفندي. فإن هذه أسماء باطلة ما أنزل الله بها من سلطان، وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ ، ولا في الآثار المعروفة عن سلف الأئمة لا شكيلي ولا قرفندي، والواجب على المسلم إذا سئل عن ذلك أن يقول: لا أنا شكيلي ولا قرفندي؛ بل أنا مسلم متبع لكتاب الله وسنة رسوله. بل الأسماء التي قد يسوغ التسمي بها مثل انتساب الناس إلى إمام كالحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، أو إلى شيخ كالقادري والعدوي ونحوهم، أو مثل الانتساب إلى القبائل: كالقيسي واليماني، وإلى الأمصار كالشامي والعراقي والمصري. فلا يجوز لأحد أن يمتحن الناس بها، ولا يوالي بهذه الأسماء ولا يعادي عليها، بل أكرم الخلق عند الله أتقاهم من أي طائفة كان. فكيف يجوز مع هذا لأمة محمد ﷺ أن تفترق وتختلف، حتى يوالي الرجل طائفة ويعادي طائفة أخرى بالظن والهوى بلا برهان من الله تعالى، وقد برأ الله نبيه ﷺ ممن كان هكذا. فهذا فعل أهل البدع؛ كالخوارج الذين فارقوا جماعة المسلمين واستحلوا دماء من خالفهم. وأما أهل السنة والجماعة؛ فهم معتصمون بحبل الله، وأقل ما في ذلك أن يفضل الرجل من يوافقه على هواه وإن كان غيره أتقى لله منه، وإنما الواجب أن يقدم من قدمه الله ورسوله، ويؤخر من أخره الله ورسوله،

стр. 179

ويحب ما أحبه الله ورسوله، ويبغض ما أبغضه الله ورسوله، وينهى عما نهى الله عنه ورسوله، وأن يرضى بما رضي الله به ورسوله، وإن يكون المسلمون يداً واحدة؛ فكيف إذا بلغ الأمر ببعض الناس إلى أن يضلل غيره ويكفره، وقد يكون الصواب معه وهو الموافق للكتاب والسنة، ولو كان أخوه المسلم قد أخطأ في شيء من أمور الدين؛ فليس كل من أخطأ يكون كافراً ولا فاسقاً، بل قد عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، وقد قال تعالى في كتابه في دعاء الرسول ﷺ والمؤمنين: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسينا أوْ أخْطَأنا﴾ (١) ، وثبت في ((الصحيح)) أن الله قال: قد فعلت (٢) ... وكيف يجوز التفريق بين الأمة بأسماء مبتدعة لا أصل لها في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ ؟! وهذا التفريق الذي حصل من الأمة؛ علمائها ومشائخها، وأمرائها وكبرائها؛ هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها، وذلك بتركهم العمل بطاعة الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ الذينَ قالوا إنَّا نَصَارى أخَذْنا ميثاقَهُمْ فَنَسَوْا حَظّاً مِمَّا ذُكِّروا بِهِ فأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العداوَةَ والبَغْضاءَ﴾ (٣) . فمتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به وقعت بينهم العداوة والبغضاء، وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا؛ فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب) (٤) . * * *

стр. 180

الفرق بين الباغي أو الظَّالم المتأوِّل وغير المتأوِّل (وكل من كان باغياً، أو ظالماً، أو معتدياً، أو مرتكباً ما هو ذنب؛ فهو ((قسمان)) : متأول، وغير متأول؛ فالمتأول المجتهد: كأهل العلم والدين، والذين اجتهدوا، واعتقد بعضهم حل أمور واعتقد الآخر تحريمها، كما استحل بعضهم بعض أنواع الأشربة وبعضهم بعض المعاملات الربوية، وبعضهم بعض عقود التحليل والمتعة، وأمثال ذلك؛ فقد جرى ذلك وأمثاله من خيار السلف؛ فهؤلاء المتأولون المجتهدون غايتهم أنهم مخطئون، وقد قال الله تعالى: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسينا أوْ أخْطَأْنا﴾ ، وقد ثبت في ((الصحيح)) أن الله استجاب هذا الدعاء (١) . وقد أخبر سبحانه عن داود وسليمان ﵉ أنهما حكما في الحرث وخص أحدهما بالعلم والحكم مع ثنائه على كل منهما بالعلم والحكم، والعلماء ورثة الأنبياء، فإذا فهم أحدهم من المسألة ما لم يفهمه الآخر لم يكن بذلك ملوماً ولا مانعاً لما عرف من علمه ودينه، وإن كان ذلك مع العلم بالحكم يكون إثماً وظلماً، والإصرار عليه فسقاً، بل متى عُلم تحريمه ضرورة كان تحليله كفراً؛ فالبغي هو من هذا الباب) (٢) . * * *
следующие страницы →