← Джавами‘

Джавами‘ · id 22890

المنتخب من كتب شيخ الإسلام

علوي السقاف

Полный текст (364 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الخوارج فارقوا أهل السنة والجماعة لجهلهم والرد عليهم (الخوارج لهم أسماء، يقال لهم: ((الحرورية)) ؛ لأنهم خرجوا بمكان يقال له حروراء، ويقال لهم: ((أهل النهروان)) ؛ لأن علياً قاتلهم هناك، ومن أصنافهم: ((الإباضية)) أتباع عبد الله بن أباض، و ((الأزارقة)) : أتباع نافع بن الأزرق، و ((النجدات)) : أصحاب نجدة الحروري. وهم أول من كفر أهل القبلة بالذنوب بل بما يرونه هم من الذنوب، واستحلوا دماء أهل القبلة بذلك؛ فكانوا كما نعتهم النبي ﷺ : ((يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان)) ، وكفروا علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان ومن والاهما، وقتلوا علي بن أبي طالب مستحلين لقتله، قتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي منهم، وكان هو وغيره من الخوارج مجتهدين في العبادة، لكن كانوا جهالاً فارقوا السنة والجماعة؛ فقال هؤلاء: ما الناس إلا مؤمن أو كافر، والمؤمن من فعل جميع الواجبات وترك جميع المحرمات؛ فمن لم يكن كذلك فهو كافر مخلد في النار. ثم جعلوا كل من خالف قولهم كذلك؛ فقالوا: إن عثمان وعلياً ونحوهما حكموا بغير ما أنزل الله وظلموا فصاروا كفاراً. ومذهب هؤلاء باطل بدلائل كثيرة من الكتاب والسنة؛ فإن الله سبحانه أمر بقطع يد السارق دون قتله، ولو كان كافراً مرتداً لوجب قتله؛ لأن النبي ﷺ قال: ((من بدل دينه؛ فاقتلوه)) (١) ، وقال: ((لا يحل دم امرىء

стр. 72

مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إسلام، وزنا بعد إحصان، أو قتل نفس يقتل بها)) (١) . وأمر سبحانه بأن يجلد الزاني والزانية مئة جلدة، ولو كانا كافرين لأمر بقتلهما، وأمر سبحانه أن يجلد قاذف المحصنة ثمانين جلدة، ولو كان كافراً لأمر بقتله) (٢) . * * *

стр. 73

فتوى شيخ الإسلام في النصيرية والدروز (هؤلاء القوم المسمون بالنصيرية هم وسائر أصناف القرامطة الباطنية أكفر من اليهود والنصارى بل وأكفر من كثير من المشركين، وضررهم على أمة محمد ﷺ أعظم من ضرر الكفار المحاربين مثل كفار التتار والفرنج وغيرهم؛ فإن هؤلاء يتظاهرون عند جهال المسلمين بالتشيع وموالاة أهل البيت، وهم في الحقيقة لا يؤمنون بالله ولا برسوله ولا بكتابه، ولا بأمر ولا نهي، ولا ثواب ولا عقاب، ولا جنة ولا نار، ولا بأحد من المرسلين قبل محمد ﷺ ، ولا بملة من الملل السالفة؛ بل يأخذون كلام الله ورسوله المعروف عند علماء المسلمين يتأولونه على أمور يفترونها، يدعون أنها علم الباطن ... فإنه ليس لهم حد محدود فيما يدعونه من الإلحاد في أسماء الله تعالى وآياته وتحريف كلام الله تعالى ورسوله عن مواضعه؛ إذ مقصودهم إنكار الإيمان وشرائع الإسلام بكل طريق مع التظاهر بأن لهذه الأمور حقائق يعرفونها ... ولهم في معاداة الإسلام وأهله وقائع مشهورة وكتب مصنفة، فإذا كانت لهم مكنة سفكوا دماء المسلمين؛ كما قتلوا مرة الحجاج وألقوهم في بئر زمزم، وأخذوا مرة الحجر الأسود وبقي عندهم مدة، وقتلوا من علماء المسلمين ومشايخهم ما لا يحصي عدده إلا الله تعالى ... وصنف علماء المسلمين كتباً في كشف أسرارهم وهتك أستارهم، وبينوا فيها ما هم عليه من الكفر والزندقة والإلحاد الذي هم به أكفر من اليهود والنصارى ومن براهمة الهند الذين يعبدون الأصنام ... ومن المعلوم عندنا أن السواحل الشامية إنما استولى عليها النصارى من جهتهم، وهم دائماً مع كل عدو للمسلمين؛ فهم مع النصارى على المسلمين، ومن أعظم المصائب عندهم فتح المسلمين للسواحل وانقهار

стр. 74

النصارى؛ بل ومن أعظم المصائب عندهم انتصار المسلمين على التتار، ومن أعظم أعيادهم إذا استولى - والعياذ بالله تعالى - النصارى على ثغور المسلمين، فإن ثغور المسلمين ما زالت بأيدي المسلمين، حتى جزيرة قبرص يسر الله فتحها عن قريب وفتحها المسلمون في خلافة أمير المؤمنين ((عثمان بن عفان)) ﵁، فتحها ((معاوية بن أبي سفيان)) إلى أثناء المئة الرابعة. فهؤلاء المحادون لله ورسوله كثروا حينئذٍ بالسواحل وغيرها؛ فاستولى النصارى على الساحل، ثم بسببهم استولوا على القدس الشريف وغيره؛ فإن أحوالهم كانت من أعظم الأسباب في ذلك، ثم لما أقام الله ملوك المسلمين المجاهدين في سبيل الله تعالى؛ ((كنور الدين الشهيد، وصلاح الدين)) وأتباعهما، وفتحوا السواحل من النصارى وممن كان بها منهم، وفتحوا أيضاً أرض مصر؛ فإنهم كانوا مستولين عليها نحو مئتي سنة، واتفقوا هم والنصارى؛ فجاهدهم المسلمون حتى فتحوا البلاد، ومن ذلك التاريخ انتشرت دعوة الإسلام للديار المصرية والشامية. ثم إن التتار ما دخلوا بلاد الإسلام وقتلوا خليفة بغداد وغيره من ملوك المسلمين إلا بمعاونتهم ومؤازرتهم؛ فإن منجم هولاكو الذي كان وزيرهم وهو ((النصير الطوسي)) كان وزيراً لهم بالألموت، وهو الذي أمر بقتل الخليفة وبولاية هؤلاء. ولهم ((ألقاب)) معروفة عند المسلمين: تارة يسمون ((الملاحدة)) ، وتارة يسمون ((القرامطة)) ، وتارة يسمون ((الباطنية)) ، وتارة يسمون ((الإسماعيلية)) ، وتارة يسمون: ((النصيرية)) ، وتارة يسمون: ((الخرمية)) ، وتارة يسمون: ((المحمرة)) ، وهذه الأسماء منها ما يعمهم ومنها ما يخص بعض أصنافهم، كما أن الإسلام والإيمان يعم المسلمين ولبعضهم اسم يخصه: إما لنسب،

стр. 75

وإما لمذهب، وإما لبلد، وإما لغير ذلك. وشرح مقاصدهم يطول، وهم كما قال العلماء فيهم: ظاهر مذهبهم الرفض، وباطنه الكفر المحض، وحقيقة أمرهم أنهم لا يؤمنون بنبي من الأنبياء والمرسلين؛ لا بنوح، ولا إبراهيم، ولا موسى، ولا عيسى، ولا محمد؛ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولا بشيء من كتب الله المنزلة؛ لا التوراة، ولا الإنجيل، ولا القرآن، ولا يقرون بأن للعالم خالقاً خلقه، ولا بأن له ديناً أمر به، ولا أن له داراً يجزى الناس فيها على أعمالهم غير هذه الدار، وهم تارة يبنون قولهم على مذاهب الفلاسفة الطبيعيين أو الإلهيين، وتارة يبنونه على قول المجوس الذين يعبدون النور، ويضمون إلى ذلك الرفض ... وقد دخل كثير من باطلهم على كثير من المسلمين، وراج عليهم حتى صار ذلك في كتب طوائف من المنتسبين إلى العلم والدين وإن كانوا لا يوافقونهم على أصل كفرهم ... وقد اتفق علماء المسلمين على أن هؤلاء لا تجوز مناكحتهم، ولا يجوز أن ينكح الرجل مولاته منهم، ولا يتزوج منهم امرأة، ولا تباح ذبائحهم ... ولا يجوز دفنهم في مقابر المسلمين، ولا يُصلى على من مات منهم؛ فإن الله نهى نبيه ﷺ عن الصلاة على المنافقين؛ كعبد الله بن أُبي ونحوه، وكانوا يتظاهرون بالصلاة والزكاة والصيام والجهاد مع المسلمين ولا يظهرون مقالة تخالف دين الإسلام؛ لكن يسرون ذلك، فقال الله: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إنَّهُمْ كَفَروا بِاللهِ وَرَسولِهِ وماتوا وَهُمْ فاسِقونَ﴾ (١) ؛ فكيف بهؤلاء الذين هم مع الزندقة والنفاق يظهرون الكفر والإلحاد؟! وأما استخدام مثل هؤلاء في ثغور المسلمين أو حصونهم أو جندهم؛

стр. 76

فإنه من الكبائر، وهو بمنزلة من يستخدم الذئاب لرعي الغنم؛ فإنهم من أغش الناس للمسلمين ولولاة أمورهم، وهم أحرص الناس على فساد المملكة والدولة، وهم شر من المخامر الذي يكون في العسكر؛ فإن المخامر قد يكون له غرض: إما مع أمير العسكر، وإما مع العدو، وهؤلاء مع الملة، ونبيها، ودينها، وملوكها، وعلمائها، وعامتها، وخاصتها، وهم أحرص الناس على تسليم الحصون إلى عدو المسلمين وعلى إفساد الجند على ولي الأمر وإخراجهم عن طاعته. والواجب على ولاة الأمور قطعهم من دواوين المقاتلة؛ فلا يتركون في ثغر ولا في غير ثغر؛ فإن ضررهم في الثغر أشد، وأن يستخدم بدلهم من يحتاج إلى استخدامه من الرجال المأمونين على دين الإسلام وعلى النصح لله ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم؛ بل إذا كان ولي الأمر لا يستخدم من يغشه وإن كان مسلماً؛ فكيف بمن يغش المسلمين كلهم؟! ولا يجوز له تأخير هذا الواجب مع القدرة عليه؛ بل أي وقت قدر على الاستبدال بهم وجب عليه ذلك. وأما إذا استخدموا وعملوا العمل المشروط عليهم؛ فلهم إما المسمى وإما أجرة المثل لأنهم عوقدوا على ذلك؛ فإن كان العقد صحيحاً وجب المسمى، وإن كان فاسداً وجبت أجرة المثل، وإن لم يكن استخدامهم من جنس الإجارة اللازمة؛ فهي من جنس الجعالة الجائزة، لكن هؤلاء لا يجوز استخدامهم؛ فالعقد عقد فاسد، فلا يستحقون إلا قيمة عملهم، فإن لم يكونوا عملوا عملاً له قيمة؛ فلا شيء لهم، لكن دماؤهم وأموالهم مباحة. وإذا أظهروا التوبة؛ ففي قبولها منهم نزاع بين العلماء: فمن قبل توبتهم إذ التزموا شريعة الإسلام أقر أموالهم عليهم، ومن لم يقبلها لم تنقل إلى ورثتهم من جنسهم؛ فإن مالهم يكون فيأً لبيت المال، لكن هؤلاء إذا أخذوا

стр. 77

فإنهم يظهرون التوبة؛ لأن أصل مذهبهم التقية وكتمان أمرهم، وفيهم من يعرف وفيهم من قد لا يعرف؛ فالطريق في ذلك أن يحتاط في أمرهم، فلا يتركون مجتمعين، ولا يمكنون من حمل السلاح، ولا أن يكونوا من المقاتلة، ويلزمون شرائع الإسلام: من الصلوات الخمس، وقراءة القرآن، ويترك بينهم من يعلمهم دين الإسلام، ويحال بينهم وبين معلمهم ... وسئل عن ((الدرزية)) و ((النصيرية)) : ما حكمهم؟ فأجاب: هؤلاء ((الدرزية)) و ((النصيرية)) كفار باتفاق المسلمين، لا يحل أكل ذبائحهم، ولا نكاح نسائهم؛ بل ولا يقرون بالجزية؛ فإنهم مرتدون عن دين الإسلام، ليسوا مسلمين ولا يهود، ولا نصارى، لا يقرون بوجوب الصلوات الخمس، ولا وجوب صوم رمضان، ولا وجوب الحج، ولا تحريم ما حرم الله ورسوله من الميتة والخمر وغيرهما، وإن أظهروا الشهادتين مع هذه العقائد؛ فهم كفار باتفاق المسلمين. فأما ((النصيرية)) ؛ فهم أتباع أبي شعيب محمد بن نصير ... وأما ((الدرزية)) ؛ فأتباع هشتكين الدرزي، وكان من موالي الحاكم، أرسله إلى أهل وادي تيم الله بن ثعلبة، فدعاهم إلى إلاهية الحاكم، ويسمونه ((الباري، العلام)) ويحلفون به، وهم من الإسماعيلية القائلين بأن محمد بن إسماعيل نسخ شريعة محمد بن عبد الله، وهم أعظم كفراً من الغالية، يقولون بقدم العالم، وإنكار المعاد، وإنكار واجبات الإسلام ومحرماته، وهم من القرامطة الباطنية الذين هم أكفر من اليهود والنصارى ومشركي العرب، وغايتهم أن يكونوا ((فلاسفة)) على مذهب أرسطو وأمثاله، أو ((مجوساً)) ، وقولهم مركب من قول الفلاسفة والمجوس، ويظهرون التشيع نفاقاً. والله أعلم. وقال رداً على نُبَذ لطوائف من ((الدروز)) :

стр. 78

كفر هؤلاء مما لا يختلف فيه المسلمون؛ بل من شك في كفرهم فهو كافر مثلهم؛ لا هم بمنزلة أهل الكتاب ولا المشركين، بل هم الكفرة الضالون؛ فلا يباح أكل طعامهم، وتسبى نساؤهم، وتؤخذ أموالهم؛ فإنهم زنادقة مرتدون لا تقبل توبتهم، بل يقتلون أينما ثقفوا ويلعنون كما وصفوا، ولا يجوز استخدامهم للحراسة والبوابة والحفاظ، ويجب قتل علمائهم وصلحائهم لئلا يضلوا غيرهم، ويحرم النوم معهم في بيوتهم ورفقتهم والمشي معهم وتشييع جنائزهم إذا علم موتها، ويحرم على ولاة أمور المسلمين إضاعة ما أمر الله من إقامة الحدود عليهم بأي شيء يراه المقيم لا المقام عليه، والله المستعان وعليه التكلان)) (١) .

стр. 79

أهل السنة والجماعة لا يُكفِّرون أهل القبلة بمطلق الذنوب (ومن أصول أهل السنة: أن الدين والإيمان قول وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر، كما يفعله الخوارج؛ بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي، كما قال في آية القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فاتِّباعٌ بِالمَعْروفِ﴾ (١) ، وقال: ﴿وإِنْ طائِفَتَانِ مِنَ الُمؤمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فإنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الأُخرَى فَقَاتِلُوا التَّي تَبْغِي حَتَّى تَفَيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ فإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بالعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِين. َ إِنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخوةٌ فَأصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُم﴾ (٢) . ولا يسلبون الفاسق المِلِّي (٣) اسم الإيمان بالكلية، ولا يخلدونه في النار، كما تقول المعتزلة، بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان في مثل قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٤) . وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وإذا تُلِيَتْ عَلِيهمْ آياتُهُ

стр. 80

زَادَتْهُمْ إِيماناً﴾ (١) ، وقوله ﷺ : ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن)) (٢) . ويقولون: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته؛ فلا يعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم) (٣) . (ولهذا قال علماء السنة في وصفهم ((اعتقاد أهل السنة والجماعة)) : أنهم لا يكفرون أحداً من أهل القبلة بذنب. إشارة إلى بدعة الخوارج المكفرة بمطلق الذنوب، فأما أصل الإيمان الذي هو الإقرار بما جاءت به الرسل عن الله تصديقاً به وانقياداً له؛ فهذا أصل الإيمان الذي من لم يأت به فليس بمؤمن، ولهذا تواتر في الأحاديث: ((أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان)) (٤) (٥) .

стр. 81

زيارة قبور المسلمين نوعان: شرعية وبدعية زيارة قبور المسلمين على وجهين: زيارة شرعية، وزيارة بدعية. فالزيارة الشرعية: أن يكون مقصود الزائر الدعاء للميت؛ كما يقصد بالصلاة على جنازته الدعاء له؛ فالقيام على قبره من جنس الصلاة عليه، قال الله تعالى في المنافقين: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (١) ؛ فنهى نبيه عن الصلاة عليهم والقيام على قبورهم لأنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهو كافرون، فلما نهى عن هذا وهذا لأجل هذه العلة وهي الكفر دل ذلك على انتفاء هذا النهي عند انتفاء هذه العلة. ودل تخصيصهم بالنهي على أن غيرهم يصلى عليه ويقام على قبره؛ إذ لو كان هذا غير مشروع في حق أحد لم يخصوا بالنهي ولم يعلل ذلك بكفرهم، ولهذا كانت الصلاة على الموتى من المؤمنين والقيام على قبورهم من السنة المتواترة؛ فكان النبي ﷺ يصلى على موتى المسلمين وشرع ذلك لأمته، وكان إذا دفن الرجل من أمته يقوم على قبره ويقول: ((سلوا له التثبيت؛ فإنه الآن يُسأل)) (٢) . رواه أبو داود وغيره. وكان يزور قبور أهل البقيع والشهداء بأحد ويعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول أحدهم: ((السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله تعالى بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا

стр. 82

بعدهم)) (١) ... والأحاديث في ذلك صحيحة ومعروفة؛ فهذه الزيارة لقبور المؤمنين مقصودها الدعاء لهم. وهذه غير الزيارة المشتركة التي تجوز في قبور الكفار، كما ثبت في ((صحيح مسلم)) وأبي داود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة؛ أنه قال: أتى رسول الله ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، ثم قال: ((استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، فاستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي؛ فزوروا القبور؛ فإنها تذكركم الآخرة)) (٢) ؛ فهذه الزيارة التي تنفع في تذكير الموت تشرع ولو كان المقبور كافراً، بخلاف الزيارة التي يقصد بها الدعاء للميت؛ فتلك لا تشرع إلا في حق المؤمنين. وأما الزيارة البدعية؛ فهي التي يقصد بها أن يطلب من الميت الحوائج، أو يطلب منه الدعاء والشفاعة، أو يقصد الدعاء عند قبره لظن القاصد أن ذلك أجوب للدعاء؛ فالزيارة على هذه الوجوه كلها مبتدعة لم يشرعها النبي ﷺ ، ولا فعلها الصحابة لا عند قبر النبي ﷺ ولا عند غيره، وهي من جنس الشرك وأسباب الشرك. ولو قصد الصلاة عند قبور الأنبياء والصالحين من غير أن يقصد دعاءهم والدعاء عندهم، مثل أن يتخذ قبورهم مساجد؛ لكان ذلك محرماً منهياً عنه، ولكان صاحبه متعرضاً لغضب الله ولعنته؛ كما قال النبي ﷺ :

стр. 83

((اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) ، وقال: ((قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) يحذر ما صنعوا (١) ، وقال: ((إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك)) (٢) . فإذا كان هذا محرماً وهو سبب لسخط الرب ولعنته؛ فكيف بمن يقصد دعاء الميت والدعاء عنده وبه، واعتقد أن ذلك من أسباب إجابة الدعوات ونيل الطلبات وقضاء الحاجات؟! وهذا كان أول أسباب الشرك في قوم نوح وعبادة الأوثان في الناس، قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام، ثم ظهر الشرك بسبب تعظيم قبور صالحيهم)) (٣)

стр. 84

وصول ثواب العبادات المالية والبدنية للميت (وأما ((القراءة، والصدقة)) وغيرهما من أعمال البر؛ فلا نزاع بين علماء السنة والجماعة في وصول ثواب العبادات المالية؛ كالصدقة والعتق، كما يصل إليه أيضاً الدعاء والاستغفار، والصلاة عليه صلاة الجنازة، والدعاء عند قبره. وتنازعوا في وصول الأعمال البدنية؛ كالصوم، والصلاة، والقراءة، والصواب أن الجميع يصل إليه؛ فقد ثبت في ((الصحيحين)) عن النبي ﷺ أنه قال: ((من مات وعليه صيام صام عنه وليه)) (١) ، وثبت أيضاً: ((أنه أمر امرأة ماتت أمها وعليها صوم أن تصوم عن أمها)) (٢) ، وفي ((المسند)) عن النبي ﷺ أنه قال لعمرو بن العاص: ((لو أن أباك أسلم فتصدقت عنه، أو صمت، أو أعتقت عنه؛ نفعه ذلك)) (٣) ، وهذا مذهب أحمد، وأبي حنيفة، وطائفة من أصحاب مالك، والشافعي. وأما احتجاج بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَأنْ لَيْسَ للإنْسانِ إلاَّ ما سَعَى﴾ (٤) ؛ فيقال له: قد ثبت بالسنة المتواترة وإجماع الأمة أنه يصلى عليه، ويدعى له، ويستغفر له، وهذا من سعي غيره، وكذلك قد ثبت ما سلف من أنه ينتفع بالصدقة عنه والعتق، وهو من سعي غيره، وما كان من جوابهم في

стр. 85

موارد الإجماع؛ فهو جواب الباقين في مواقع النزاع، وللناس في ذلك أجوبة متعددة. لكن الجواب المحقق في ذلك أن الله تعالى لم يقل: إن الإنسان لا ينتفع إلا بسعي نفسه؛ وإنما قال: ﴿لَيْسَ للإنْسانِ إلاَّ ما سَعَى﴾ ؛ فهو لا يملك إلا سعيه ولا يستحق غير ذلك، وأما سعي غيره؛ فهو له، كما أن الإنسان لا يملك إلا مال نفسه ونفع نفسه، فمال غيره ونفع غيره هو كذلك للغير، لكن إذا تبرع له الغير بذلك جاز. وهكذا هذا إذا تبرع له الغير بسعيه نفعه الله بذلك، كما ينفعه بدعائه له والصدقة عنه، وهو ينتفع بكل ما يصل إليه من كل مسلم، سواء كان من أقاربه أو غيرهم، كما ينتفع بصلاة المصلين عليه ودعائهم له عند قبره) (١) . * * *

стр. 86

جواز كتابة شيء من القرآن بالمداد المباح وغسله وشربه (ويجوز أن يكتب للمصاب وغيره من المرضى شيئاً من كتاب الله وذكره بالمداد المباح ويغسل ويسقى، كما نص على ذلك أحمد وغيره. قال عبد الله بن أحمد: قرأت على أبي، ثنا يعلى بن عبيد، ثنا سفيان، عن محمد بن أبي ليلى، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: ((إذا عسر على المرأة ولادتها؛ فليكتب: بسم الله، لا إله إلا الله الحليم الكريم،

стр. 87

سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، ﴿كَأنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إلاَّ عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ (١) ، ﴿كَأنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوْعَدونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلاَّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلاَّ القَوْمُ الفاسِقونَ﴾ (٢) (٣) . قال أبي: ثنا أسود بن عامر بإسناده بمعناه، وقال: يكتب في إناء نظيف فيسقى. قال أبي: وزاد فيه وكيع: فتسقى وينضح ما دون سرتها. قال عبد الله: رأيت أبي يكتب للمرأة في جام أو شيء نظيف. وقال أبو عمرو محمد بن أحمد بن حمدان الحيري: أنا الحسن بن سفيان النسوي، حدثني عبد الله بن أحمد بن شبويه، ثنا علي بن الحسن بن شقيق، ثنا عبد الله بن المبارك، عن سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: ((إذا عسر على المرأة ولادها؛ فليكتب: بسم الله، لا إله إلا الله العلي العظيم، لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله، وتعالى رب العرش العظيم، والحمد الله رب العالمين، ﴿كَأنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثوا إلاَّ عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ ، ﴿كَأنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوْعَدونَ لَمْ يَلْبَثوا إلاَّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلاَّ القَوْمُ الفاسِقونَ﴾ )) (٤) . قال علي: يكتب في كاغدة، فيعلق على عضد المرأة. قال علي: وقد جربناه؛ فلم نر شيئاً أعجب منه، فإذا وضعت تحله سريعاً ثم تجعله في خرقة أو تحرقه) (٥) . * * *

стр. 88

الشَّياطين تتصوَّر لبعض النَّاس في صور الآدميِّين لتوقعهم في الشِّرك (المشركون الذين وصفهم الله ورسوله بالشرك أصلهم صنفان: قوم نوح، وقوم إبراهيم. فقوم نوح كان أصل شركهم العكوف على قبور الصالحين، ثم صوروا تماثيلهم، ثم عبدوهم. وقوم إبراهيم كان أصل شركهم عبادة الكواكب والشمس والقمر. وكل من هؤلاء يعبدون الجن؛ فإن الشياطين قد تخاطبهم وتعينهم على أشياء، وقد يعتقدون أنهم يعبدون الملائكة وإن كانوا في الحقيقة إنما يعبدون الجن؛ فإن الجن هم الذين يعينونهم ويرضون بشركهم، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَميعاً ثُمَّ يَقولُ لِلْملائِكَةِ أهؤلاءِ إيَّاكُمْ كانوا يَعْبُدونَ. قالوا سُبْحَانَكَ أنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دونِهِمْ بَلْ كانوا يَعْبُدونَ الجِنَّ أكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمنونَ﴾ (١) . والملائكة لا تعينهم على الشرك لا في المحيا ولا في الممات ولا يرضون بذلك، ولكن الشياطين قد تعينهم وتتصور لهم في صور الآدميين؛ فيرونهم بأعينهم ويقول أحدهم: أنا إبراهيم، أنا المسيح، أنا محمد، أنا الخضر، أنا أبو بكر، أنا عمر، أنا عثمان، أنا علي، أنا الشيخ فلان. وقد يقول بعضهم عن بعض: هذا هو النبي فلان أو هذا هو الخضر، ويكون أولئك كلهم جناً يشهد بعضهم لبعض، والجن كالإنس؛ فمنهم الكافر، ومنهم الفاسق، ومنهم العاصي، وفيهم العابد الجاهل؛ فمنهم من يحب شيخاً فيتزيا في صورته ويقول: أنا فلان، ويكون ذلك في برية ومكان قفر، فيطعم ذلك

стр. 89

الشخص طعاماً ويسقيه شراباً أو يدله على الطريق أو يخبره ببعض الأمور الواقعة الغائبة، فيظن ذلك الرجل أن نفس الشيخ الميت أو الحي فعل ذلك، وقد يقول: هذا سر الشيخ، وهذه رقيقته، وهذه حقيقته، أو هذا ملك جاء على صورته. وإنما يكون ذلك جنياً؛ فإن الملائكة لا تعين على الشرك والإفك والإثم والعدوان) (١) . * * *

стр. 90

ليس في أئمَّة المسلمين من ينكر دخول الجنِّ في بدن المصروع وغيره (وجود الجن ثابت بكتاب الله وسنة رسوله واتفاق سلف الأمة وأئمتها، وكذلك دخول الجني في بدن الإنسان ثابت باتفاق أئمة أهل السنة والجماعة، قال الله تعالى: ﴿الذينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقومونَ إلاَّ كَمَا يَقومُ الذي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾ (١) ، وفي ((الصحيح)) عن النبي ﷺ : ((إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)) (٢) ، وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل: قلت لأبي: إن أقواماً يقولون: إن الجني لا يدخل في بدن المصروع! فقال: يا بني! يكذبون، هذا يتكلم على لسانه. وهذا الذي قاله أمر مشهور؛ فإنه يصرع الرجل فيتكلم بلسان لا يعرف معناه، ويضرب على بدنه ضرباً عظيماً لو ضرب به جمل لأثر به أثراً عظيماً، والمصروع مع هذا لا يحس بالضرب ولا بالكلام الذي يقوله، وقد يجر المصروع وغير المصروع، ويجر البساط الذي يجلس عليه، ويحول آلات، وينقل من مكان إلى مكان، ويجري غير ذلك من الأمور، من شاهدها أفادته علماً ضرورياً بأن الناطق على لسان الإنسي والمحرك لهذه الأجسام جنس آخر غير الإنسان. وليس في أئمة المسلمين من ينكر دخول الجني في بدن المصروع وغيره، ومن أنكر ذلك وادعى أن الشرع يكذب ذلك؛ فقد كذب على الشرع، وليس في الأدلة الشرعية ما ينفي ذلك) (٣) .

стр. 91

أصناف الناس في مسألة دخول الجني في الإنسي ( ... والناس في هذا الباب ثلاثة أصناف: قوم يكذبون بدخول الجني في الإنس، وقوم يدفعون ذلك بالعزائم المذمومة؛ فهؤلاء يكذبون بالموجود، وهؤلاء يعصون بل يكفرون بالمعبود، والأمة الوسط تصدق بالحق الموجود وتؤمن بالإله الواحد المعبود وبعبادته ودعائه وذكره وأسمائه وكلامه، فتدفع شياطين الإنس والجن. وأما سؤال الجن وسؤال من يسألهم؛ فهذا إن كان على وجه التصديق لهم في كل ما يخبرون به والتعظيم للمسؤول؛ فهو حرام، كما ثبت في ((صحيح مسلم)) وغيره عن معاوية بن الحكم السلمي؛ قال: قلت: يا رسول الله! أموراً كنا نصنعها في الجاهلية: كنا نأتي الكهان. قال: ((فلا تأتوا الكهان)) (١) . وفي ((صحيح مسلم)) أيضاً عن عبيد الله، عن نافع، عن صفية، عن بعض أزواج النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ ؛ قال: ((من أتى عرافاً فسأله عن شيء؛ لم تقبل له صلاة أربعين يوماً)) (٢) . وأما إن كان يسأل المسؤول ليمتحن حاله ويختبر باطن أمره وعنده ما يميز به صدقه من كذبه؛ فهذا جائز كما ثبت في ((الصحيحين)) : ((أن النبي ﷺ سأل ابن صياد، فقال: ((ما يأتيك؟)) . فقال: يأتيني صادق وكاذب. قال: ((ما ترى؟)) . قال: أرى عرشاً على الماء. قال: ((فإني قد خبأت لك خبيئاً)) .

стр. 92

قال: الدخ الدخ. قال: ((اخسأ؛ فلن تعدو قدرك، فإنما أنت من إخوان الكهان)) (١) . وكذلك إذا كان يسمع ما يقولونه ويخبرون به عن الجن كما يسمع المسلمون ما يقول الكفار والفجار ليعرفوا ما عندهم فيعتبروا به، وكما يسمع خبر الفاسق ويتبين ويتثبت؛ فلا يجزم بصدقه ولا كذبه إلا ببينة؛ كما قال تعالى: ﴿إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنوا﴾ (٢) ، وقد ثبت في ((صحيح البخاري)) عن أبي هريرة: أن أهل الكتاب كانوا يقرأون التوراة ويفسرونها بالعربية، فقال النبي ﷺ : ((إذا حدثكم أهل الكتاب؛ فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه، وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه، وقولوا: ﴿آمَنَّا باللهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ وإلهُنا وإلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمونَ﴾ (٣) (٤) ؛ فقد جاز للمسلمين سماع ما يقولونه ولم يصدقوه ولم يكذبوه. وقد روي عن أبي موسى الأشعري أنه أبطأ عليه خبر عمر وكان هناك امرأة لها قرين من الجن، فسأله عنه، فأخبره أنه ترك عمر يَسم إبل

стр. 93

الصدقة (١) ، وفي خبر آخر أن عمر أرسل جيشاً، فقدم شخص إلى المدينة، فأخبر أنهم انتصروا على عدوهم وشاع الخبر، فسأل عمر عن ذلك، فذكر له، فقال: هذا أبو الهيثم بريد المسلمين من الجن، وسيأتي بريد الإنس بعد ذلك. فجاء بعد ذلك بعدة أيام (٢) (٣) . * * *

стр. 94

تمثل الجن بالإنس ومن ذلك تمثلهم بابن تيمية نفسه (وقد يأمر الملك بعض الناس بأمر ويستكتمه إياه، فيخرج فيرى الناس يتحدثون به؛ فإن الجن تسمعه وتخبر به الناس، والذين يستخدمون الجن في المباحات يشبه استخدام سليمان، لكن أُعطي ملكاً لا ينبغي لأحد بعده وسُخِّرت له الإنس والجن، وهذا لم يحصل لغيره، والنبي ﷺ لما تفلَّت عليه العفريت ليقطع عليه صلاته؛ قال: ((فأخذته، فذعته حتى سال لعابه على يدي، وأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد، ثم ذكرت دعوة أخي سليمان فأرسلته)) (١) ؛ فلم يستخدم الجن أصلاً، لكن دعاهم إلى الإيمان بالله، وقرأ عليهم القرآن، وبلغهم الرسالة، وبايعهم كما فعل بالإنس. والذي أوتيه ﷺ أعظم مما أوتيه سليمان؛ فإنه استعمل الجن والإنس في عبادة الله وحده وسعادتهم في الدنيا والآخرة، لا لغرض يرجع إليه إلا ابتغاء وجه الله وطلب مرضاته، واختار أن يكون عبداً رسولاُ على أن يكون نبياً ملكاً؛ فداود وسليمان ويوسف أنبياء ملوك، وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد رسل عبيد؛ فهو أفضل، كفضل السابقين المقربين على الأبرار أصحاب اليمين. وكثير ممن يرى هذه العجائب الخارقة يعتقد أنها من كرامات الأولياء، وكثير من أهل الكلام والعلم لم يعرفوا الفرق بين الأنبياء والصالحين

стр. 95

في الآيات الخارقة وما لأولياء الشيطان من ذلك من السحرة والكهان والكفار من المشركين وأهل الكتاب وأهل البدع والضلال من الداخلين في الإسلام؛ فجعلوا الخوارق جنساً واحداً، وقالوا: كلها يمكن أن تكون معجزة إذا اقترنت بدعوى النبوة والاستدلال بها والتحدي بمثلها. وإذا ادعى النبوة من ليس بنبي من الكفار والسحرة؛ فلا بد أن يسلبه الله ما كان معه من ذلك، وأن يقيض له من يعارضه، ولو عارض واحد من هؤلاء النبي لأعجزه الله؛ فخاصة المعجزات عندهم مجرد كون المرسل إليهم لا يأتون بمثل ما أتى به النبي مما لم يكن معتاداً للناس، قالوا: إن عجز الناس عن المعارضة خرق عادة. فهذه المعجزات عندهم، وهم ضاهوا سلفهم من المعتزلة الذين قالوا: المعجزات هي خرق العادة. لكن أنكروا كرامات الصالحين، وأنكروا أن يكون السحر والكهانة إلا من جنس الشعبذة والحيل، ولم يعلموا أن الشياطين تعين على ذلك، وأولئك أثبتوا الكرامات ثم زعموا أن المسلمين أجمعوا على أن هذه لا تكون إلا لرجل صالح أو نبي، قالوا: فإذا ظهرت على يد رجل كان صالحاً بهذا الإجماع. وهؤلاء أنفسهم قد ذكروا أنها يكون للسحرة ما هو مثلها، وتناقضوا في ذلك كما قد بُسط في غير هذا الموضع؛ فصار كثير من الناس لا يعلمون ما للسحرة والكهان وما يفعله الشياطين من العجائب، وظنوا أنها لا تكون إلا لرجل صالح؛ فصار من ظهرت هذه له يظن أنها كرامة، فيقوى قلبه بأن طريقته هي طريقة الأولياء، وكذلك غيرهم يظن فيه ذلك، ثم يقولون: الولي إذا تولى لا يعترض عليه؛ فمنهم من يراه مخالفاً لما عُلم بالاضطرار من دين الرسول، مثل: ترك الصلاة المفروضة، وأكل الخبائث كالخمر والحشيشة والميتة وغير ذلك، وفعل الفواحش، والفحش والتفحش في المنطق، وظلم الناس، وقتل النفس بغير حق، والشرك بالله، وهو مع ذلك يظن فيه أنه ولي

стр. 96

من أولياء الله قد وهبه هذه الكرامات بلا عمل فضلاً من الله تعالى، ولا يعلمون أن هذه من أعمال الشياطين، وأن هذه من أولياء الشياطين تضل بها الناس وتغويهم. ودخلت الشياطين في أنواع من ذلك؛ فتارة يأتون الشخص في النوم، يقول أحدهم: أنا أبو بكر الصديق، وأنا أُتَوِّبك لي وأصير شيخك وأنت تُتَوِّب الناس لي، ويلبسه، فيصبح وعلى رأسه ما ألبسه؛ فلا يشك أن الصديق هو الذي جاءه ولا يعلم أنه الشيطان، وقد جرى مثل هذا لعدة من المشايخ بالعراق والجزيرة والشام، وتارة يقص شعره في النوم فيصبح فيجد شعره مقصوصاً، وتارة يقول: أنا الشيخ فلان؛ فلا يشك أن الشيخ نفسه جاءه وقص شعره. وكثيراً ما يستغيث الرجل بشيخه الحي أو الميت، فيأتونه في صورة ذلك الشيخ، وقد يخلصونه مما يكره؛ فلا يشك أن الشيخ نفسه جاءه، أو أن ملكاً تصور بصورته وجاءه، ولا يعلم أن ذلك الذي تمثل إنما هو الشيطان لما أشرك بالله أضلته الشياطين، والملائكة لا تجيب مشركاً. وتارة يأتون إلى من هو خال في البرية وقد يكون ملكاً أو أميراً كبيراً ويكون كافرا، وقد انقطع عن أصحابه وعطش وخاف الموت، فيأتيه في صورة إنسي ويسقيه ويدعوه إلى الإسلام ويتوبه، فيسلم على يديه ويتوبه ويطعمه ويدله على الطريق، ويقول: من أنت؟ فيقول: أنا فلان. ويكون من مؤمني الجن. كما جرى مثل هذا لي، كنت في مصر في قلعتها، وجرى مثل هذا إلى كثير من الترك من ناحية المشرق، وقال له ذلك الشخص: أنا ابن تيمية؛ فلم يشك ذلك الأمير إني أنا هو، وأخبر بذلك ملك ماردين، وأرسل بذلك ملك ماردين إلى ملك مصر رسولاً وكنت في الحبس، فاستعظموا ذلك وأنا

стр. 97

لم أخرج من الحبس، ولكن كان هذا جنياً يحبنا فيصنع بالترك التتر مثل ما كنت أصنع بهم لما جاؤوا إلى دمشق: كنت أدعوهم إلى الإسلام، فإذا نطق أحدهم بالشهادتين أطعمتهم ما تيسر، فعمل معهم مثل ما كنت أعمل، وأراد بذلك إكرامي ليظن ذاك أني أنا الذي فعلت ذلك. قال لي طائفة من الناس: فلم لا يجوز أن يكون ملكاً؟ قلت: لا، إن الملك لا يكذب، وهذا قد قال: أنا ابن تيمية وهو يعلم أنه كاذب في ذلك) (١) . * * *

стр. 98

سبب كثرة تصور الجن بصورة الكلب والقط الأسودان (وقد تنازع العلماء في شيطان الجن إذا مر بين يدي المصلي: هل يقطع؟ على قولين هما قولان في مذهب أحمد، كما ذكرهما ابن حامد وغيره: أحدهما: يقطع لهذا الحديث ولقوله لما أخبر أن مرور الكلب الأسود يقطع الصلاة: ((الكلب الأسود شيطان)) (١) ؛ فعلل بأنه شيطان، وهو كما قال رسول الله ﷺ ؛ فإن الكلب الأسود شيطان الكلاب، والجن تتصور بصورته كثيراً وكذلك بصورة القط الأسود؛ لأن السواد أجمع للقوى الشيطانية من غيره، وفيه قوة الحرارة) (٢) . * * *

стр. 99

القسم الثاني مسائل في: العلم والجهاد والسياسة الشرعية

стр. 100

الشرع والسياسة (ثبت في ((الصحيح)) عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((إن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، كلما مات نبي قام نبي، وأنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء يكثرون)) . قالوا: فما تأمرنا؟ قال: ((أوفوا بيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم؛ فإن الله سائلهم عما استرعاهم)) (١) ، فلما صارت الخلافة في ولد العباس واحتاجوا إلى سياسة الناس وتقلد لهم القضاء من تقلده من فقهاء العراق، ولم يكن ما معهم من العلم كافياً في السياسة العادلة: احتاجوا حينئذٍ إلى وضع ولاية المظالم، وجعلوا ولاية حرب غير ولاية شرع، وتعاظم الأمر في كثير من أمصار المسلمين؛ حتى صار يُقال: الشرع والسياسة، وهذا يدعو خصمه إلى الشرع وهذا يدعو إلى السياسة، سوغ حاكماً أن يحكم بالشرع والآخر بالسياسة. والسبب في ذلك أن الذين انتسبوا إلى الشرع قصروا في معرفة السنة، فصارت أمور كثيرة: إذا حكموا ضيعوا الحقوق وعطلوا الحدود؛ حتى تُسفك الدماء، وتؤخذ الأموال، وتُستباح المحرمات، والذين انتسبوا إلى السياسة صاروا يسوسون بنوع من الرأي من غير اعتصام بالكتاب والسنة، وخيرهم الذي يحكم بلا هوى وتحرى العدل، وكثير منهم يحكمون بالهوى ويحابون القوي ومن يرشوهم ونحو ذلك. وكذلك كانت الأمصار التي ظهر فيها مذهب أهل المدينة يكون فيها من الحكم بالعدل ما ليس في غيرها من جعل صاحب الحرب متبعاً لصاحب الكتاب ما لا يكون في الأمصار التي ظهر فيها مذهب أهل العراق

стр. 101

ومن اتبعهم، حيث يكون في هذه والي الحرب غير متبع لصاحب العلم، وقد قال الله تعالى في كتابه: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وَأنْزَلْنا مَعَهُمْ ... ﴾ (١) الآية؛ فقوام الدين بكتاب يهدي وسيف ينصر: ﴿وَكَفَى بِرَبِّك هادِياً وَنَصيراً﴾ (٢) . ودين الإسلام أن يكون السيف تابعاً للكتاب، فإذا ظهر العلم بالكتاب والسنة وكان السيف تابعاً لذلك كان أمر الإسلام قائماً، وأهل المدينة أولى الأمصار بمثل ذلك، أما على عهد الخلفاء الراشدين؛ فكان الأمر كذلك، وأما بعدهم؛ فهم في ذلك أرجح من غيرهم، وأما إذا كان العلم بالكتاب فيه تقصير وكان السيف تارة يوافق الكتاب وتارة يخالفه؛ كان دين من هو كذلك بحسب ذلك) (٣) . * * *

стр. 102

شيخ الإسلام يصف أهل زمانه وقت ظهور التتار ( ... أما الطائفة بالشام ومصر ونحوهما؛ فهم في هذا الوقت المقاتلون عن دين الإسلام، وهم من أحق الناس دخولاً في الطائفة المنصورة التي ذكرها النبي ﷺ بقوله في الأحاديث الصحيحة المستفيضة عنه: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة)) (١) ، وفي رواية لمسلم: ((لا يزال أهل الغرب)) (٢) . والنبي ﷺ تكلم بهذا الكلام بمدينته النبوية؛ فغربه ما يغرب عنها، وشرقه ما يشرق عنها، فإن التشريق والتغريب من الأمور النسبية؛ إذ كل بلد له شرق وغرب، ولهذا إذا قدم الرجل إلى الإسكندرية من الغرب يقولون: سافر إلى الشرق، وكان أهل المدينة يسمون أهل الشام أهل الغرب ويسمون نجد والعراق أهل الشرق ... ... ومن يتدبر أحوال العالم في هذا الوقت يعلم أن هذه الطائفة هي أقوم الطوائف بدين الإسلام: علما، ً وعملاً، وجهاداً من شرق الأرض وغربها؛ فإنهم هم الذين يقاتلون أهل الشوكة العظيمة من المشركين وأهل الكتاب ومغازيهم مع النصارى ومع المشركين من الترك ومع الزنادقة المنافقين من الداخلين في الرافضة وغيرهم؛ كالإسماعيلية ونحوهم من القرامطة معروفة معلومة قديماً وحديثاً، والعز الذي للمسلمين بمشارق الأرض ومغاربها هو بعزهم ...

стр. 103

وذلك أن سكان اليمن في هذا الوقت ضعاف عاجزون عن الجهاد أو مضيعون له، وهم مطيعون لمن ملك هذه البلاد، حتى ذكروا أنهم أرسلوا بالسمع والطاعة لهؤلاء، وملك المشركين لما جاء إلى حلب جرى بها من القتل ما جرى، وأما سكان الحجاز؛ فاكثرهم أو كثير منهم خارجون عن الشريعة، وفيهم من البدع والضلال والفجور ما لا يعلمه إلا الله، وأهل الإيمان والدين فيهم مستضعفون عاجزون، وإنما تكون القوة والعزة في هذا الوقت لغير أهل الإسلام بهذه البلاد، فلو ذلت هذه الطائفة - والعياذ بالله تعالى -؛ لكان المؤمنون بالحجاز من أذل الناس، لا سيما وقد غلب فيهم الرفض، وملك هؤلاء التتار المحاربون لله ورسوله الآن مرفوض، فلو غلبوا لفسد الحجاز بالكلية، وأما بلاد إفريقية؛ فأعرابها غالبون عليها، وهم من شر الخلق، بل هم مستحقون للجهاد والغزو، وأما المغرب الأقصى؛ فمع استيلاء الإفرنج على أكثر بلادهم، لا يقومون بجهاد النصارى هناك، بل في عسكرهم من النصارى الذين يحملون الصلبان خلق عظيم، لو استولى التتار على هذه البلاد؛ لكان أهل المغرب معهم من أذل الناس، لا سيما والنصارى تدخل مع التتار؛ فيصيرون حزباً على أهل المغرب. فهذا وغيره مما يبين أن هذه العصابة التي بالشام ومصر في هذا الوقت هم كتيبة الإسلام، وعزهم عز الإسلام، وذلهم ذل الإسلام، فلو استولى عليهم التتار لم يبق للإسلام عز ولا كلمة عالية ولا طائفة ظاهرة عالية يخافها أهل الأرض تقاتل عنه) (١) . * * *

стр. 104

انتقال الأمر من خلافة النبوة إلى الملك (انتقال الأمر عن خلافة النبوة إلى الملك: إما أن يكون لعجز العباد عن خلافة النبوة، أو اجتهاد سائغ، أو مع القدرة على ذلك علماً وعملاً؛ فإن كان مع العجز علماً أو عملاً كان ذو الملك معذوراً في ذلك، وإن كانت خلافة النبوة واجبة مع القدرة كما تسقط سائر الواجبات مع العجز كحال النجاشي لما أسلم وعجز عن إظهار ذلك في قومه، بل حال يوسف الصديق تشبه ذلك من بعض الوجوه، لكن الملك كان جائزاً لبعض الأنبياء كداود وسليمان ويوسف. وإن كان مع القدرة علماً وعملاً، وقدر أن خلافة النبوة مستحبة ليست واجبة، وأن اختيار الملك جائز في شريعتنا كجوازه في غير شريعتنا؛ فهذا التقدير إذا فرض أنه حق فلا إثم على الملك العادل أيضاً) (١) . * * *

стр. 105

لا يصح أن يقال الخليفة هو الخليفة عن الله مثل النائب عنه (و ((الخليفة)) : هو من كان خلفاً عن غيره، فَعِيلة بمعنى فاعلة، كان النبي ﷺ إذا سافر يقول: ((اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل)) (١) ، وقال ﷺ : ((من جهز غازياً فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا)) (٢) ... وفي القرآن الكريم: ﴿سَيَقولُ لَكَ المُخَلَّفونَ مِنَ الأعْرابِ﴾ (٣) ، وقوله: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رسولِ اللهِ﴾ (٤) . والمراد بـ ((الخليفة)) أنه خلف من كان قبله من الخلق، والخلف فيه مناسبة، كما كان أبو بكر الصديق خليفة رسول الله ﷺ ؛ لأنه خلفه على أمته بعد موته، وكما كان النبي ﷺ إذا سافر لحج أو عمرة أو غزوة يستخلف على المدينة من يكون خليفة له مدة معينة؛ فيستخلف تارة ابن أم مكتوم وتارة غيره، واستخلف علي بن أبي طالب في غزوة تبوك. وتسمى الأمكنة التي يُستخلف فيها الإمام ((مخاليف)) ، مثل: مخاليف اليمن، ومخاليف أرض الحجاز، ومنه الحديث: ((حيث خرج من مخلاف

стр. 106

إلى مخلاف)) (١) ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الذي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ في الأرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فيما آتاكُمْ﴾ (٢) ، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا القُرونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَموا ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلاَئِفَ في الأرْضِ﴾ (٣) ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الذينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دينَهُمْ الذي ارْتَضَى لَهُمْ ... ﴾ (٤) الآية. وقد ظن بعض القائلين الغالطين - كابن عربي - أن ((الخليفة)) هو الخليفة عن الله، مثل نائب الله، وزعموا أن هذا بمعنى أن يكون الإنسان مستخلفاً ... والله لا يجوز له خليفة، ولهذا لما قالوا لأبي بكر: يا خليفة الله! قال: لست بخليفة الله، ولكني خليفة رسول الله ﷺ ، حسبي ذلك. بل هو سبحانه يكون خليفة لغيره، قال النبي ﷺ : ((اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في سفرنا واخلفنا في أهلنا)) (٥) ، وذلك لأن الله حي شهيد مهيمن قيوم رقيب حفيظ غني عن العالمين، ليس له شريك ولا ظهير، ولا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، والخليفة إنما يكون عند عدم

стр. 107

المستخلف بموت أو غيبة، ويكون لحاجة المستخلف إلى الاستخلاف، وسمي ((خليفة)) لأنه خلف عن الغزو، وهو قائم خلفه، وكل هذه المعاني منتفية في حق الله تعالى وهو منزه عنها؛ فإنه حي قيوم شهيد، لا يموت ولا يغيب، وهو غني يرزق ولا يُرزق: يرزق عباده، وينصرهم، ويهديهم، ويعافيهم بما خلقه من الأسباب التي هي من خلقه، والتي هي مفتقرة إليه كافتقار المسببات إلى أسبابها؛ فالله هو الغني الحميد، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما، ﴿يَسْألْهُ مَنُ في السَّماواتِ كُلُّ يَوْمٍ هُوَ في شانٍ﴾ (١) ، ﴿وَهُوَ الذي في السَّماءِ إلهٌ وفي الأرْضِ إلهٌ﴾ (٢) ، ولا يجوز أن يكون أحد خلفاً منه ولا يقوم مقامه؛ لأنه لا سمي له ولا كفء له، فمن جعل له خليفة؛ فهو مشرك به) (٣) . * * *

стр. 108

الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أفضل الأعمال (معلوم أن الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أفضل الأعمال؛ كما قال ﷺ : ((رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذِروة سنامه الجهاد في سبيل الله تعالى)) (١) ، وفي ((الصحيح)) عنه ﷺ أنه قال: ((إن في الجنة لمئة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء إلى الأرض أعدها الله للمجاهدين في سبيله)) (٢) ، وقال ﷺ : ((رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه)) (٣) ، ومن مات مرابطاً مات مجاهداً وجرى عليه عمله وأجرى عليه رزقه من الجنة وأمن الفتنة، والجهاد أفضل من الحج والعمرة؛ كما قال تعالى: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وَعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَنْ آمَنَ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ في سَبيلِ اللهِ لا يَسْتَوونَ عِنْدَ اللهِ واللهُ لا يَهْدي القَوْمَ الظَّالِمينَ. الذينَ آمَنوا وَهاجَروا وَجاهَدوا في سَبيلِ اللهِ بأمْوالِهِمْ وَأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وأولئكَ هُمُ الفائِزونَ. يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فيها نَعيمٌ مُقيمٌ. خالِدِينَ فيها أبَداً إنَّ اللهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظيمٌ)) (٤) ، والحمد لله رب

стр. 109

العالمين، وصلاته وسلامه على خير خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين) (١) . * * *

стр. 110

فروض الكفايات يقوم بها من قدر عليها إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها (خاطب الله المؤمنين بالحدود والحقوق خطاباً مطلقاً؛ كقوله: ﴿والسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعوا﴾ (١) ، وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ والزَّاني فَاجْلِدوا﴾ (٢) ، وقوله: ﴿والذينَ يَرْمونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدوهُمْ﴾ (٣) ، وكذلك قوله: ﴿وَلاَ تَقْبَلوا لَهُمْ شَهادَةً أبَداً﴾ (٤) ؛ لكن قد عُلم أن المخاطب بالفعل لا بد أن يكون قادراً عليه والعاجزون لا يجب عليهم، وقد عُلم أن هذا فرض على الكفاية، وهو مثل الجهاد؛ بل هو نوع من الجهاد؛ فقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ (٥) ، وقوله: ﴿وَقاتِلوا في سَبيلِ اللهِ﴾ (٦) ، وقوله: ﴿إلاَّ تَنْفِروا يُعَذِّبْكُم﴾ (٧) ، ونحو ذلك: هو فرض على الكفاية من القادرين، و ((القدرة)) : هي السلطان؛ فلهذا وجب إقامة الحدود على ذي السلطان ونوابه. والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد والباقون نوابه، فإذا فُرض أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها وعجز من الباقين أو غير ذلك فكان لها عدة أئمة؛ لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود ويستوفي الحقوق، ولهذا قال العلماء: إن أهل البغي ينفذ من أحكامهم ما ينفذ من أحكام أهل العدل، وكذلك لو شاركوا الإمارة وصاروا أحزاباً لوجب على
следующие страницы →