أهل السُّنة والجماعة يتَّبعون الحقَّ ويرحمون الخلق
(الخوارج هم أول من كفر المسلمين: يكفرون بالذنوب، ويكفرون من خالفهم في بدعتهم، ويستحلون دمه وماله، وهذه حال أهل البدع، يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم فيها، وأهل السنة والجماعة يتبعون الكتاب والسنة ويطيعون الله ورسوله؛ فيتبعون الحق، ويرحمون الخلق) (١) .
* * *
стр. 177
من عُلم منه الاجتهاد السائغ فلا يجوز أن يُذكَر
على وجه الذَّمِّ
(من عُلم منه الاجتهاد السائغ؛ فلا يجوز أن يُذكر على وجه الذم والتأثيم له؛ فإن الله غفر له خطأه، بل يجب لما فيه من الإيمان والتقوى موالاته ومحبته والقيام بما أوجب الله من حقوقه: من ثناء ودعاء وغير ذلك؛ وإن عُلم منه النفاق، كما عُرف نفاق جماعة على عهد رسول الله ﷺ مثل عبد الله بن أُبي وذويه، وكما علم المسلمون نفاق سائر الرافضة: عبد الله بن سبأ وأمثاله، مثل عبد القدوس بن الحجاج، ومحمد بن سعيد المصلوب؛ فهذا يذكر بالنفاق، وإن أعلن بالبدعة ولم يعلم هل كان منافقاً أو مؤمناً مخطئاً ذُكر بما يُعلم منه؛ فلا يحل للرجل أن يقفو ما ليس له به علم، ولا يحل له أن يتكلم في هذا الباب إلا قاصداً بذلك وجه الله تعالى، وأن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله؛ فمن تكلم في ذلك بغير علم أو بما يعلم خلافه كان آثماً) (١) .
وقال: (وأهل السنة والجماعة يقولون: ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع وهو أن المؤمن يستحق وعد الله وفضله الثواب على حسناته، ويستحق العقاب على سيئاته، وأن الشخص الواحد يجتمع فيه ما يُثاب عليه وما يُعاقب عليه، وما يُحمد عليه وما يُذم عليه، وما يُحب منه وما يُبغض منه؛ فهذا هذا) (٢) .
* * *
стр. 178
لا يجوز التَّفريق بين الأمَّة بأسماء مُبتَدَعة لا أصل لها في الكتاب والسُّنَّة
(وكذلك ـ أي من البدع ـ التفريق بين الأمة وامتحانها بما لم يأمر الله به ولا رسوله: مثل أن يقال للرجل: أنت شكيلي أو قرفندي. فإن هذه أسماء باطلة ما أنزل الله بها من سلطان، وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ ، ولا في الآثار المعروفة عن سلف الأئمة لا شكيلي ولا قرفندي، والواجب على المسلم إذا سئل عن ذلك أن يقول: لا أنا شكيلي ولا قرفندي؛ بل أنا مسلم متبع لكتاب الله وسنة رسوله.
بل الأسماء التي قد يسوغ التسمي بها مثل انتساب الناس إلى إمام كالحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، أو إلى شيخ كالقادري والعدوي ونحوهم، أو مثل الانتساب إلى القبائل: كالقيسي واليماني، وإلى الأمصار كالشامي والعراقي والمصري.
فلا يجوز لأحد أن يمتحن الناس بها، ولا يوالي بهذه الأسماء ولا يعادي عليها، بل أكرم الخلق عند الله أتقاهم من أي طائفة كان.
فكيف يجوز مع هذا لأمة محمد ﷺ أن تفترق وتختلف، حتى يوالي الرجل طائفة ويعادي طائفة أخرى بالظن والهوى بلا برهان من الله تعالى، وقد برأ الله نبيه ﷺ ممن كان هكذا.
فهذا فعل أهل البدع؛ كالخوارج الذين فارقوا جماعة المسلمين واستحلوا دماء من خالفهم.
وأما أهل السنة والجماعة؛ فهم معتصمون بحبل الله، وأقل ما في ذلك أن يفضل الرجل من يوافقه على هواه وإن كان غيره أتقى لله منه، وإنما الواجب أن يقدم من قدمه الله ورسوله، ويؤخر من أخره الله ورسوله،
стр. 179
ويحب ما أحبه الله ورسوله، ويبغض ما أبغضه الله ورسوله، وينهى عما نهى الله عنه ورسوله، وأن يرضى بما رضي الله به ورسوله، وإن يكون المسلمون يداً واحدة؛ فكيف إذا بلغ الأمر ببعض الناس إلى أن يضلل غيره ويكفره، وقد يكون الصواب معه وهو الموافق للكتاب والسنة، ولو كان أخوه المسلم قد أخطأ في شيء من أمور الدين؛ فليس كل من أخطأ يكون كافراً ولا فاسقاً، بل قد عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، وقد قال تعالى في كتابه في دعاء الرسول ﷺ والمؤمنين: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسينا أوْ أخْطَأنا﴾ (١) ، وثبت في ((الصحيح)) أن الله قال: قد فعلت (٢) ...
وكيف يجوز التفريق بين الأمة بأسماء مبتدعة لا أصل لها في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ ؟!
وهذا التفريق الذي حصل من الأمة؛ علمائها ومشائخها، وأمرائها وكبرائها؛ هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها، وذلك بتركهم العمل بطاعة الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ الذينَ قالوا إنَّا نَصَارى أخَذْنا ميثاقَهُمْ فَنَسَوْا حَظّاً مِمَّا ذُكِّروا بِهِ فأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العداوَةَ والبَغْضاءَ﴾ (٣) .
فمتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به وقعت بينهم العداوة والبغضاء، وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا؛ فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب) (٤) .
* * *
стр. 180
الفرق بين الباغي أو الظَّالم المتأوِّل وغير المتأوِّل
(وكل من كان باغياً، أو ظالماً، أو معتدياً، أو مرتكباً ما هو ذنب؛ فهو ((قسمان)) : متأول، وغير متأول؛ فالمتأول المجتهد: كأهل العلم والدين، والذين اجتهدوا، واعتقد بعضهم حل أمور واعتقد الآخر تحريمها، كما استحل بعضهم بعض أنواع الأشربة وبعضهم بعض المعاملات الربوية، وبعضهم بعض عقود التحليل والمتعة، وأمثال ذلك؛ فقد جرى ذلك وأمثاله من خيار السلف؛ فهؤلاء المتأولون المجتهدون غايتهم أنهم مخطئون، وقد قال الله تعالى: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسينا أوْ أخْطَأْنا﴾ ، وقد ثبت في ((الصحيح)) أن الله استجاب هذا الدعاء (١) .
وقد أخبر سبحانه عن داود وسليمان ﵉ أنهما حكما في الحرث وخص أحدهما بالعلم والحكم مع ثنائه على كل منهما بالعلم والحكم، والعلماء ورثة الأنبياء، فإذا فهم أحدهم من المسألة ما لم يفهمه الآخر لم يكن بذلك ملوماً ولا مانعاً لما عرف من علمه ودينه، وإن كان ذلك مع العلم بالحكم يكون إثماً وظلماً، والإصرار عليه فسقاً، بل متى عُلم تحريمه ضرورة كان تحليله كفراً؛ فالبغي هو من هذا الباب) (٢) .
* * *
стр. 181
كثير من نزاع النَّاس سببه ألفاظ مجملة مبتدَعة
ومعان مشتبهة
(الألفاظ التي ليست في الكتاب والسنة ولا اتفق السلف على نفيها أو إثباتها؛ فهذه ليس على أحد أن يوافق من نفاها أو أثبتها حتى يستفسر عن مراده؛ فإن أراد بها معنى يوافق خبر الرسول أقر به، وإن أراد بها معنى يخالف خبر الرسول أنكره.
ثم التعبير عن تلك المعاني إن كان في ألفاظه اشتباه أو إجمال عبر بغيرها أو بين مراده بها، بحيث يحصل تعريف الحق بالوجه الشرعي؛ فإن كثيراً من نزاع الناس سببه ألفاظ مجملة مبتدعة ومعان مشتبهة، حتى تجد الرجلين يتخاصمان ويتعاديان على إطلاق ألفاظ ونفيها، ولو سئل كل منهما عن معنى ما قاله لم يتصوره فضلاً عن أن يعرف دليله، ولو عرف دليله لم يلزِم أن من خالفه يكون مخطئاً، بل يكون في قوله نوع من الصواب، وقد يكون هذا مصيباً من وجه وهذا مصيباً من وجه، وقد يكون الصواب في قول ثالث) (١) .
* * *
стр. 182
أنواع الاختلاف
( ... أما أنواعه: فهو في الأصل قسمان:
اختلاف تنوع، واختلاف تضاد.
واختلاف التنوع على وجوه:
منه: ما يكون كل واحد من القولين أو الفعلين حقاً مشروعاً، كما في القراءات التي اختلف فيها الصحابة حتى زجرهم عن الاختلاف رسول الله ﷺ ، وقال: ((كلاكما محسن)) (١) ، ومثله اختلاف الأنواع في صفة الأذان، والإقامة، والاستفتاح، والتشهدات، وصلاة الخوف، وتكبيرات العيد، وتكبيرات الجنازة ... إلى غير ذلك مما قد شرع جميعه، وإن كان قد يقال: إن بعض أنواعه أفضل.
ثم نجد لكثير من الأمة في ذلك من الاختلاف ما أوجب اقتتال طوائف منهم على شفع الإقامة وإيتارها ونحو ذلك، وهذا عين المحرم، ومن لم يبلغ هذا المبلغ؛ فتجد كثيراً منهم في قلبه من الهوى لأحد هذه الأنواع والإعراض عن الآخر أو النهي عنه - ما دخل به فيما نهى عنه النبي ﷺ .
ومنه: ما يكون كل من القولين هو في معنى القول الآخر؛ لكن العبارتان مختلفتان، كما قد يختلف كثير من الناس في ألفاظ الحدود وصيغ الأدلة والتعبير عن المسميات وتقسيم الأحكام وغير ذلك، ثم الجهل أو الظلم يحمل على حمد إحدى المقالتين وذم الأخرى.
стр. 183
ومنه: ما يكون المعنيان غيرين (١) ، لكن لا يتنافيان؛ فهذا قول صحيح وهذا قول صحيح؛ وإن لم يكن معنى أحدهما هو معنى الآخر، وهذا كثير في المنازعات جداً.
ومنه: ما يكون طريقتان مشروعتان، ورجل أو قوم قد سلكوا هذه الطريق وآخرون قد سلكوا الأخرى، وكلاهما حسن في الدين.
ثم الجهل أو الظلم يحمل على ذم إحداهما أو تفضيلها بلا قصد صالح، أو بلا علم، أو بلا نية وبلا علم.
وأما اختلاف التضاد؛ فهو: القولان المتنافيان: إما في الأصول، وإما في الفروع عند الجمهور الذين يقولون: ((المصيب واحد)) ، وإلا؛ فمن قال: ((كل مجتهد مصيب)) ؛ فعنده هو من باب اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد، فهذا الخطب فيه أشد؛ لأن القولين يتنافيان، لكن نجد كثيراً من هؤلاء قد يكون القول الباطل الذي مع منازعه فيه حق ما أو معه دليل يقتضي حقاً ما، فيرد الحق في هذا الأصل كله حتى يبقى هذا مبطلاً في البعض كما كان الأول مبطلاً في الأصل، كما رأيته لكثير من أهل السنة في مسائل القدر والصفات والصحابة، وغيرهم.
وأما أهل البدعة؛ فالأمر فيهم ظاهر، وكما رأيته لكثير من الفقهاء أو لأكثر المتأخرين في مسائل الفقه، وكذلك رأيت الاختلاف كثيراً بين بعض المتفقهة وبعض المتصوفة وبين فرق المتصوفة، ونظائره كثيرة.
ومن جعل الله له هداية ونوراً؛ رأى من هذا ما يتبين له به منفعة ما جاء في الكتاب والسنة من النهي عن هذا وأشباهه؛ وإن كانت القلوب الصحيحة تنكر هذا ابتداء، لكن نور على نور.
стр. 184
وهذا القسم - الذي سميناه اختلاف التنوع - كل واحد من المختلفين مصيب فيه بلا تردد، لكن الذم واقع على من بغى على الآخر فيه ... ) (١) .
* * *
стр. 185
الفعل إذا كان يفضي إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة يُنهى عنه
(الفعل إذا كان يفضي إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة يُنهى عنه كما نُهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة لما في ذلك من المفسدة الراجحة، وهو التشبه بالمشركين الذي يفضي إلى الشرك، وليس في قصد الصلاة في تلك الأوقات مصلحة راجحة لإمكان التطوع في غير ذلك من الأوقات.
ولهذا تنازع العلماء في ذوات الأسباب؛ فسوغها كثير منهم في هذه الأوقات، وهو أظهر قولي العلماء؛ لأن النهي إذا كان لسد الذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، وفعل ذوات الأسباب يحتاج إليه في هذه الأوقات ويفوت إذا لم يفعل فيها فتفوت مصلحتها؛ فأبيحت لما فيها من المصلحة الراجحة، بخلاف ما لا سبب له؛ فإنه يمكن فعله في غير هذا الوقت؛ فلا تفوت بالنهي عنه مصلحة راجحة وفيه مفسدة توجب النهي عنه.
فإذا كان نهيه عن الصلاة في هذه الأوقات لسد ذريعة الشرك لئلا يفضي ذلك إلى السجود للشمس ودعائها وسؤالها - كما يفعله أهل دعوة الشمس والقمر والكواكب الذين يدعونها ويسألونها -؛ كان معلوماً أن دعوة الشمس والسجود لها هو محرم في نفسه أعظم تحريماً من الصلاة التي نهى عنها لئلا يفضي إلى دعاء الكواكب.
كذلك لما نهى عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد - فنهى عن قصدها للصلاة عندها لئلا يفضي ذلك إلى دعائهم والسجود لهم -؛ كان دعاؤهم والسجود لهم أعظم تحريماً من اتخاذ قبورهم مساجد) (١) .
стр. 186
ما نهي سدّاً للذَّريعة يُباح لمصلحة راجحة
(إن ما نُهي عنه لسد الذريعة يباح للمصلحة الراجحة، كما يباح النظر إلى المخطوبة والسفر بها إذا خيف ضياعها كسفرها من دار الحرب، مثل سفر أم كلثوم، وكسفر عائشة لما تخلفت مع صفوان بن المعطل؛ فإنه لم يُنه عنه إلا لأنه يفضي إلى المفسدة، فإذا كان مقتضياً للمصلحة الراجحة لم يكن مفضياً إلى مفسدة.
وهذا موجود في التطوع المطلق؛ فإنه قد يفضي إلى المفسدة، وليس الناس محتاجين إليه في أوقات النهي لسعة الأوقات التي تباح فيها الصلاة، بل في النهي عنه بعض الأوقات مصالح أُخر من إجمام النفوس بعض الأوقات من ثقل العبادة كما يجم بالنوم وغيره، ولهذا قال معاذ: إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي (١) ، ومن تشويقها وتحبيب الصلاة إليها إذا منعت منها وقتاً؛ فإنه يكون أنشط وأرغب فيها؛ فإن العبادة إذا خصت ببعض الأوقات نشطت النفوس لها أعظم مما تنشط للشيء الدائم، ومنها أن الشيء الدائم تسأم منه وتمل وتضجر، فإذا نهي عنه بعض الأوقات زال ذلك الملل، إلى أنواع أُخر من المصالح في النهي عن التطوع المطلق؛ ففي النهي دفع لمفاسد وجلب لمصالح من غير تفويت مصلحة.
وأما ما كان له سبب؛ فمنها ما إذا نهى عنه فاتت المصلحة، وتعطل على الناس من العبادة والطاعة وتحصيل الأجر والثواب والمصلحة العظيمة في دينهم ما لا يمكن استدراكه؛ كالمعادة مع إمام الحي، وكتحية المسجد، وسجود التلاوة، وصلاة الكسوف، ونحو ذلك، ومنها ما تنقص به
стр. 187
المصلحة؛ كركعتي الطواف، لا سيما للقادمين، وهم يريدون أن يغتنموا الطواف في تلك الأيام والطواف لهم ولأهل البلد طرفي النهار) (١) .
* * *
стр. 188
من لا يمكنه أن يأتي بحسنة راجحة إلاَّ ومعها
سيِّئة دونها في العقاب ماذا يفعل ؟
(إذا كان القائم بالملك والإمارة يفعل من الحسنات المأمور بها ويترك من السيئات المنهي عنها ما يزيد به ثوابه على عقوبة ما يتركه من واجب أو يفعله من محظور؛ فهذا قد ترجحت حسناته على سيئاته، فإذا كان غيره مقصراً في هذه الطاعة التي فعلها مع سلامته عن سيئاته؛ فله ((ثلاثة أحوال)) : إما أن يكون الفاضل من حسنات الأمير أكثر من مجموع حسنات هذا أو أقل؛ فإن كانت فاضلة أكثر كان أفضل، وإن كان أقل كان مفضولاً، وإن تساويا تكافآ، هذا موجب العدل ومقتضى نصوص الكتاب والسنة في الثواب والعقاب.
وهو مبني على قول من يعتبر الموازنة، والمقابلة في الجزاء، وفي العدالة أيضاً، وأما من يقول: إنه بالكبيرة الواحدة يستحق الوعيد، ولو كان له حسنات كثيرة عظيمة؛ فلا يجيء هذا، وهو قول طائفة من العلماء في العدالة، والأول أصح على ما تدل عليه النصوص.
ويتفرع من هنا ((مسألة)) ، وهو ما إذا كان لا يتأتى له فعل الحسنة الراجحة إلا بسيئة دونها في العقاب؛ فلها صورتان:
إحداهما: إذا لم يمكن إلا ذلك؛ فهنا لا يبقى سيئة، فإن ما لا يتم الواجب أو المستحب إلا به؛ فهو واجب أو مستحب، ثم إن كانت مفسدته دون تلك المصلحة لم يكن محظوراً؛ كأكل الميتة للمضطر ونحو
стр. 189
ذلك من الأمور المحظورة التي تبيحها الحاجات؛ كلبس الحرير في البرد، ونحو ذلك، وهذا باب عظيم.
فإن كثيراً من الناس يستشعر سوء الفعل ولا ينظر إلى الحاجة المعارضة له التي يحصل بها من ثواب الحسنة ما يربى على ذلك؛ بحيث يصير المحظور مندرجاً في المحبوب أو يصير مباحاً إذا لم يعارضه إلا مجرد الحاجة، كما أن من الأمور المباحة؛ بل والمأمور بها إيجاباً أو استحباباً: ما يعارضها مفسدة راجحة تجعلها محرمة أو مرجوحة؛ كالصيام للمريض، وكالطهارة بالماء لمن يخاف عليه الموت، كما قال ﷺ : ((قتلوه قتلهم الله! هلا سألوا إذا لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال)) (١) .
وعلى هذا الأصل يبنى جواز العدول أحياناً عن بعض سنة الخلفاء، كما يجوز ترك بعض واجبات الشريعة وارتكاب بعض محظوراتها للضرورة، وذلك فيما إذا وقع العجز عن بعض سنتهم، أو وقعت الضرورة إلى بعض ما نهوا عنه؛ بأن تكون الواجبات المقصودة بالإمارة لا تقوم إلا بما مضرته أقل.
وهكذا ((مسألة الترك)) كما قلناه أولاً وبيَّنَّا أنه لا يخالفه إلا أهل البدع ونحوهم من أهل الجهل والظلم.
((والصورة الثانية)) : إذا كان يمكن فعل الحسنات بلا سيئة، لكن بمشقة لا تطيعه نفسه عليها أو بكراهة من طبعه بحيث لا تطيعه نفسه إلى فعل تلك الحسنات الكبار المأمور بها إيجاباً أو استحباباً إن لم يبذل لنفسه
стр. 190
ما تحبه من بعض الأمور المنهي عنها التي إثمها دون منفعة الحسنة؛ فهذا القسم واقع كثيراً في أهل الإمارة والسياسة والجهاد، وأهل العلم والقضاء والكلام، وأهل العبادة والتصوف، وفي العامة مثل من لا تطيعه نفسه إلى القيام بمصالح الإمارة - من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، وأمن السبل، وجهاد العدو، وقسمة المال - إلا بحظوظ منهي عنها؛ من الاستئثار ببعض المال، والرياسة على الناس، والمحاباة في القسم، وغير ذلك من الشهوات، وكذلك في الجهاد: لا تطيعه نفسه على الجهاد إلا بنوع من التهور، وفي العلم: لا تطيعه نفسه على تحقيق علم الفقه وأصول الدين إلا بنوع من المنهي عنه من الرأي والكلام، ولا تطيعه نفسه على تحقيق علم العبادة المشروعة والمعرفة المأمور بها إلا بنوع من الرهبانية.
فهذا القسم كثر في دول الملوك؛ إذ هو واقع فيهم، وفي كثير من أمرائهم وقضاتهم وعلمائهم وعبادهم - أعني أهل زمانهم -، وبسببه نشأت الفتن بين الأمة؛ فأقوام نظروا إلى ما ارتكبوه من الأمور المنهي عنها فذموهم وأبغضوهم، وأقوام نظروا إلى ما فعلوه من الأمور المأمور بها فأحبوهم، ثم الأولون ربما عدوا حسناتهم سيئات، والآخرون ربما جعلوا سيئاتهم حسنات، وقد تقدم أصل هذه المسألة، وهو أنه إذا تعسر فعل الواجب في الإمارة إلا بنوع من الملك؛ فهل يكون الملك مباحاً كما يباح عند التعذر؟
ذكرنا فيه القولين؛ فإن أقيم التعسر مقام التعذر لم يكن ذلك إثماً، وإن لم يقم كان إثماً، وأما ما لا تعذر فيه ولا تعسر؛ فإن الخروج عن سنة الخلفاء اتباع للهوى.
((فالتحقيق)) أن الحسنات حسنات، والسيئات سيئات، وهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وحكم الشريعة أنهم لا يؤذن لهم فيما فعلوه من
стр. 191
السيئات ولا يؤمرون به، ولا يجعل حظ أنفسهم عذراً لهم في فعلهم إذا لم تكن الشريعة عذرتهم؛ لكن يؤمرون بما فعلوه من الحسنات، ويحضون على ذلك ويرغبون فيه؛ وإن عُلم أنهم لا يفعلونه إلا بالسيئات المرجوحة كما يؤمر الأمراء بالجهاد، وإن عُلم أنهم لا يجاهدون إلا بنوع من الظلم الذي تقل مفسدته بالنسبة إلى مصلحة الجهاد.
ثم إذا علم أنهم إذا نهوا عن تلك السيئات تركوا الحسنات الراجحة الواجبة لم ينهوا عنها؛ لما في النهي عنها من مفسدة ترك الحسنات الواجبة إلا أن يمكن الجمع بين الأمرين، فيفعل حينئذ تمام الواجب، كما كان عمر ابن الخطاب يستعمل من فيه فجور لرجحان المصلحة في عمله، ثم يزيل فجوره بقوته وعدله.
ويكون ترك النهي عنها حينئذ؛ مثل ترك الإنكار باليد أو بالسلاح إذا كان فيه مفسدة راجحة على مفسدة المنكر، فإذا كان النهي مستلزماً في القضية المعينة لترك المعروف الراجح؛ كان بمنزلة أن يكون مستلزماً لفعل المنكر الراجح، كمن أسلم على أن لا يصلي إلا صلاتين كما هو مأثور عن بعض من أسلم على عهد النبي ﷺ ، أو أسلم بعض الملوك المسلطين وهو يشرب الخمر أو يفعل بعض المحرمات، ولو نهي عن ذلك ارتد عن الإسلام.
ففرق بين ترك العالم أو الأمير لنهي بعض الناس عن الشيء إذا كان في النهي مفسدة راجحة وبين إذنه في فعله، وهذا يختلف باختلاف الأحوال؛ ففي حال أخرى يجب إظهار النهي: إما لبيان التحريم واعتقاده والخوف من فعله، أو لرجاء الترك، أو لإقامة الحجة بحسب الأحوال؛ ولهذا
стр. 192
تنوع حال النبي ﷺ
في أمره، ونهيه، وجهاده، وعفوه، وإقامته الحدود، وغلظته، ورحمته) (١) .
* * *
стр. 193
فصل جامع في تعارض الحسنات والسَّيِّئات
(إن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، وأنها ترجح خير الخيرين وشر الشرين وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما؛ فنقول:
قد أمر الله ورسوله بأفعال واجبة ومستحبة؛ وإن كان الواجب مستحباً وزيادة، ونهى عن أفعال محرمة أو مكروهة، والدين هو طاعته وطاعة رسوله، وهو الدين والتقوى والبر والعمل الصالح والشرعة والمنهاج؛ وإن كان بين هذه الأسماء فروق، وكذلك حَمَدَ أفعالاً هي الحسنات ووعد عليها، وذم أفعالاً هي السيئات وأوعد عليها ...
وقال في المتعارض: ﴿يَسْألونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فيهما إثْمٌ كبيرٌ وَمَنافِعُ للنَّاسِ وإثْمُهُما أكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما﴾ (١) ، وقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أنْ تَكْرَهوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ واللهُ يَعْلَمُ وَأنْتُمْ لا تَعْلَمونَ﴾ (٢) ...
ونقول: إذا ثبت أن الحسنات لها منافع وإن كانت واجبة؛ كان في تركها مضار، والسيئات فيها مضار، وفي المكروه بعض حسنات؛ فالتعارض إما بين حسنتين لا يمكن الجمع بينهما فتقدم أحسنهما بتفويت المرجوح، وإما بين سيئتين لا يمكن الخلو منهما فيدفع أسوأهما باحتمال أدناهما، وإما بين حسنة وسيئة لا يمكن التفريق بينهما؛ بل فعل الحسنة مستلزم لوقوع السيئة، وترك السيئة مستلزم لترك الحسنة؛ فيرجح الأرجح من منفعة الحسنة ومضرة السيئة.
стр. 194
فالأول؛ كالواجب والمستحب، وكفرض العين وفرض الكفاية، مثل تقديم قضاء الدين المطالب به على صدقة التطوع.
والثاني؛ كتقديم نفقة الأهل على نفقة الجهاد الذي لم يتعين وتقديم نفقة الوالدين عليه، كما في الحديث الصحيح: أي العمل أفضل؟ قال: ((الصلاة على مواقيتها)) . قلت: ثم أي؟ قال: ((ثم بر الوالدين)) . قلت: ثم أي؟ قال: ((ثم الجهاد في سبيل الله)) (١) .
وتقديم الجهاد على الحج كما في الكتاب والسنة متعين على متعين ومستحب على مستحب، وتقديم قراءة القرآن على الذكر إذا استويا في عمل القلب واللسان وتقديم الصلاة عليهما إذا شاركتهما في عمل القلب، وإلا؛ فقد يترجح الذكر بالفهم والوجل على القراءة التي لا تجاوز الحناجر، وهذا باب واسع.
والثالث؛ كتقديم المرأة المهاجرة لسفر الهجرة بلا محرم على بقائها بدار الحرب، كما فعلت أم كلثوم التي أنزل الله فيها آية الامتحان: ﴿يا أيُّها الذينَ آمَنوا إذا جاءَكُمْ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ (٢) ، وكتقديم قتل النفس على الكفر؛ كما قال تعالى: ﴿والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ﴾ (٣) ؛ فتقتل النفوس التي تحصل بها الفتنة عن الأيمان لأن ضرر الكفر أعظم من ضرر قتل النفس، وكتقديم قطع السارق ورجم الزاني وجلد الشارب على مضرة السرقة والزنا والشرب، وكذلك سائر العقوبات المأمور بها، فإنما أمر بها مع أنها في
стр. 195
الأصل سيئة وفيها ضرر لدفع ما هو أعظم ضرراً منها، وهي جرائمها؛ إذ لا يمكن دفع ذلك الفساد الكبير إلا بهذا الفساد الصغير.
وكذلك في ((باب الجهاد)) وإن كان قتل من لم يقاتل من النساء والصبيان وغيرهم حراماً؛ فمتى احتيج إلى قتال قد يعمهم مثل الرمي بالمنجنيق والتبييت بالليل جاز ذلك، كما جاءت فيها السنة في حصار الطائف ورميهم بالمنجنيق، وفي أهل الدار من المشركين يبيتون، وهو دفع لفساد الفتنة أيضاً بقتل من لا يجوز قصد قتله.
وكذلك ((مسألة التترس)) التي ذكرها الفقهاء؛ فإن الجهاد هو دفع فتنة الكفر، فيحصل فيها من المضرة ما هو دونها، ولهذا اتفق الفقهاء على أنه متى لم يمكن دفع الضرر عن المسلمين إلا بما يفضي إلى قتل أولئك المتترس بهم جاز ذلك؛ وإن لم يخف الضرر، لكن لم يمكن الجهاد إلا بما يفضي إلى قتلهم؛ ففيه قولان ...
وأما الرابع؛ فمثل أكل الميتة عند المخمصة؛ فإن الأكل حسنة واجبة لا يمكن إلا بهذه السيئة ومصلحتها راجحة، وعكسه الدواء الخبيث؛ فإن مضرته راجحة على مصلحته من منفعة العلاج لقيام غيره مقامه، ولأن البرأ لا يتيقن به، وكذلك شرب الخمر للدواء.
فتبين أن السيئة تحتمل في موضعين: دفع ما هو أسوأ منها إذا لم تدفع إلا بها، وتحصل بما هو أنفع من تركها إذا لم تحصل إلا بها، والحسنة تترك في موضعين: إذا كانت مفوتة لما هو أحسن منها، أو مستلزمة لسيئة تزيد مضرتها على منفعة الحسنة، هذا فيما يتعلق بالموازنات الدينية.
وأما سقوط الواجب لمضرة في الدنيا وإباحة المحرم لحاجة في الدنيا؛ كسقوط الصيام لأجل السفر، وسقوط محظورات الإحرام وأركان الصلاة لأجل المرض؛ فهذا باب آخر يدخل في سعة الدين ورفع الحرج
стр. 196
الذي قد تختلف فيه الشرائع، بخلاف الباب الأول؛ فإن جنسه مما لا يمكن اختلاف الشرائع فيه وإن اختلفت في أعيانه، بل ذلك ثابت في العقل، كما يقال: ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر، وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين، وينشد:
إن اللبيب إذا بدى من جسمه مرضان مختلفان داوى الأخطرا
...
ويرجحون وجود السلطان مع ظلمه على عدم السلطان، كما قال بعض العقلاء: ستون سنة من سلطان ظالم خير من ليلة واحدة بلا سلطان ...
... ثم الولاية وإن كانت جائزة أو مستحبة أو واجبة؛ فقد يكون في حق الرجل المعين غيرها أوجب أو أحب، فيقدم حينئذ خير الخيرين وجوباً تارة واستحباباً أخرى.
ومن هذا الباب تولي يوسف الصديق على خزائن الأرض لملك مصر، بل ومسألته أن يجعله على خزائن الأرض، وكان هو وقومه كفاراً؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ يوسُفُ مِنْ قَبْلُ بالبَيِّناتِ فَمَا زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ ... ﴾ (١) الآية، وقال تعالى عنه: ﴿يا صاحِبَيَّ السِّجْنِ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقونَ خَيْرٌ أمِ اللهُ الواحِدُ القَهَّارُ. ما تَعْبُدونَ مَنْ دونِهِ إلاَّ أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤكُمْ ... ﴾ (٢) الآية، ومعلوم أنه مع كفرهم لا بد أن يكون لهم عادة وسنة في قبض الأموال وصرفها على حاشية الملك وأهل بيته وجنده ورعيته، ولا تكون تلك جارية على سنة الأنبياء وعدلهم، ولم يكن يوسف يمكنه أن يفعل كل ما يريد وهو ما يراه من دين الله؛ فإن القوم لم يستجيبوا له، لكن فعل الممكن من العدل والإحسان، ونال بالسلطان من
стр. 197
إكرام المؤمنين من أهل بيته ما لم يكن يمكن أن يناله بدون ذلك، وهذا كله داخل في قوله: ﴿فاتَّقوا اللهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١) .
فإذا ازدحم واجبان لا يمكن جمعهما فقدم أوكدهما؛ لم يكن الآخر في هذه الحال واجباً، ولم يكن تاركه لأجل فعل الأوكد تارك واجب في الحقيقة.
وكذلك إذا اجتمع محرمان لا يمكن ترك أعظمهما إلا بفعل أدناهما؛ لم يكن فعل الأدنى في هذه الحال محرماً في الحقيقة، وإن سمى ذلك ترك واجب وسمى هذا فعل محرم باعتبار الإطلاق لم يضر، ويقال في مثل هذا: ترك الواجب لعذر وفعل المحرم للمصلحة الراجحة أو للضرورة أو لدفع ما هو أحرم، وهذا كما يقال لمن نام عن صلاة أو نسيها: إنه صلاها في غير الوقت المطلق قضاءً ...
وهذا باب التعارض باب واسع جداً، لا سيما في الأزمنة والأمكنة التي نقصت فيها آثار النبوة وخلافة النبوة، فإن هذه المسائل تكثر فيها، وكلما ازداد النقص ازدادت هذه المسائل، ووجود ذلك من أسباب الفتنة بين الأمة، فإنه إذا اختلطت الحسنات بالسيئات وقع الاشتباه والتلازم؛ فأقوام قد ينظرون إلى الحسنات فيرجحون هذا الجانب وإن تضمن سيئات عظيمة، وأقوام قد ينظرون إلى السيئات فيرجحون الجانب الآخر وإن ترك حسنات عظيمة، والمتوسطون الذين ينظرون الأمرين قد لا يتبين لهم أو لأكثرهم مقدار المنفعة والمضرة، أو يتبين لهم؛ فلا يجدون من يعنيهم العمل بالحسنات وترك السيئات لكون الأهواء قارنت الآراء.
... فينبغي للعالم أن يتدبر أنواع هذه المسائل، وقد يكون الواجب في بعضها - كما بينته فيما تقدم -: العفو عند الأمر والنهي في بعض الأشياء؛
стр. 198
لا التحليل والإسقاط، مثل أن يكون في أمره بطاعة فعلاً لمعصية أكبر منها، فيترك الأمر بها دفعاً لوقوع تلك المعصية، مثل أن ترفع مذنباً إلى ذي سلطان ظالم فيعتدى عليه في العقوبة ما يكون أعظم ضرراً من ذنبه، ومثل أن يكون في نهيه عن بعض المنكرات تركاً لمعروف هو أعظم منفعة من ترك المنكرات؛ فيسكت عن النهي خوفاً أن يستلزم ترك ما أمر الله به ورسوله مما هو عنده أعظم من مجرد ترك ذلك المنكر.
فالعالم تارة يأمر، وتارة ينهى، وتارة يبيح، وتارة يسكت عن الأمر أو النهي أو الإباحة؛ كالأمر بالصلاح الخالص أو الراجح، أو النهي عن الفساد الخالص أو الراجح، وعند التعارض يرجح الراجح - كما تقدم - بحسب الإمكان، فأما إذا كان المأمور والمنهي لا يتقيد بالممكن؛ إما لجهله، وإما لظلمه، ولا يمكن إزالة جهله وظلمه؛ فربما كان الأصلح الكف والإمساك عن أمره ونهيه، كما قيل: إن من المسائل مسائل جوابها السكوت، كما سكت الشارع في أول الأمر عن الأمر بأشياء والنهي عن أشياء حتى علا الإسلام وظهر.
فالعالم في البيان والبلاغ كذلك قد يؤخر البيان والبلاغ لأشياء إلى وقت التمكن، كما أخر الله سبحانه إنزال آيات وبيان أحكام إلى وقت تمكن رسول الله ﷺ تسليماً إلى بيانها ...
ومن هنا يتبين سقوط كثير من هذه الأشياء وإن كانت واجبة أو محرمة في الأصل لعدم إمكان البلاغ الذي تقوم به حجة الله في الوجوب أو التحريم؛ فإن العجز مسقط للأمر والنهي وإن كان واجباً في الأصل، والله أعلم.
ومما يدخل في هذه الأمور الاجتهادية علماً وعملاً أن ما قاله العالم أو الأمير أو فعله باجتهاد أو تقليد، فإذا لم ير العالم الآخر والأمير الآخر مثل
стр. 199
رأي الأول؛ فإنه لا يأمر به، أو لا يأمر إلا بما يراه مصلحة ولا ينهى عنه؛ إذ ليس له أن ينهى غيره عن اتباع اجتهاده، ولا أن يوجب عليه اتباعه؛ فهذه الأمور في حقه من الأعمال المعفوة: لا يأمر بها ولا ينهى عنها، بل هي بين الإباحة والعفو.
وهذا باب واسع جداً؛ فتدبره!) (١) .
* * *
стр. 200
قاعدة عامَّة في تعارض وتزاحم المصالح والمفاسد والحسنات والسَّيِّئات
(إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت؛ فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد وتعارضت المصالح والمفاسد، فإن الأمر والنهي وإن كان متضمناً لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة؛ فينظر في المعارض له: فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأموراً به؛ بل يكون محرماً إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته، لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقل أن تعوز النصوص من يكون خبيراً بها وبدلالتها على الأحكام.
وعلى هذا إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرقون بينهما؛ بل إما أن يفعلوهما جميعاً أو يتركوهما جميعاً؛ لم يجز أن يؤمروا بمعروف ولا أن ينهوا عن منكر، بل ينظر: فإن كان المعروف أكثر أمر به وإن استلزم ما هو دونه من المنكر، ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه؛ بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله وزوال فعل الحسنات، وإن كان المنكر أغلب نهي عنه وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف، ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه أمراً بمنكر وسعياً في معصية الله ورسوله، وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم يُنه عنهما.
فتارة يصلح الأمر، وتارة يصلح النهي، وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي، حيث كان المعروف والمنكر متلازمين، وذلك في الأمور المعينة الواقعة.
стр. 201
وأما من جهة النوع؛ فيؤمر بالمعروف مطلقاً ويُنهى عن المنكر مطلقاً، وفي الفاعل الواحد والطائفة الواحدة يؤمر بمعروفها ويُنهى عن منكرها ويُحمد محمودها ويُذم مذمومها، بحيث لا يتضمن الأمر بمعروف فوات أكثر منه أو حصول منكر فوقه، ولا يتضمن النهي عن المنكر حصول أنكر منه أو فوات معروف أرجح منه.
وإذا اشتبه الأمر استبان المؤمن حتى يتبين له الحق؛ فلا يقدم على الطاعة إلا بعلم ونية، وإذا تركها كان عاصياً؛ فترك الأمر الواجب معصية، وفعل ما نُهي عنه من الأمر معصية، وهذا باب واسع، ولا حول ولا قوة إلا بالله) (١) .
* * *
стр. 202
إذا اشتمل العمل على مصلحة ومفسدة
(والعمل إذ اشتمل على مصلحة ومفسدة؛ فإن الشارع حكيم؛ فإن غلبت مصلحته على مفسدته شرعه، وإن غلبت مفسدته على مصلحته لم يشرعه؛ بل نهى عنه كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أنْ تَكْرَهوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أنْ تُحِبُّوا شّيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ واللهُ يَعْلَمُ وَأنْتُمْ لا تَعْلَمونَ﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿يَسْألونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ قُلْ فيهِما إثْمٌ كَبيرٌ وَمَنافِعُ للنَّاسِ وإثْمُهُما أكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما﴾ (٢) ، ولهذا حرمهما الله تعالى بعد ذلك.
وهكذا ما يراه الناس من الأعمال مقرباً إلى الله، ولم يشرعه الله ورسوله؛ فإنه لا بد أن يكون ضرره أعظم من نفعه، وإلا؛ فلو كان نفعه أعظم غالباً على ضرره لم يهمله الشارع، فإنه ﷺ حكيم، لا يهمل مصالح الدين ولا يفوت المؤمنين ما يقربهم إلى رب العالمين) (٣) .
* * *
стр. 203
العمل عند تكافؤ مصلحتين أو مفسدتين
(إن كل أمرين تعارضا؛ فلا بد أن يكون أحدهما راجحاً، أو يكونا متكافئين، فيُحكم بينهما بحسب الرجحان وبحسب التكافؤ، فالعملان والعاملان إذا امتاز كل منهما بصفات؛ فإن ترجح أحدهما فهو الراجح، وإن تكافئا سُوِّي بينهما في الفضل والدرجة، وكذلك أسباب المصالح والمفاسد، وكذلك الأدلة، بأنه يُعطى كل دليل حقه، ولا يجوز أن تتكافأ الأدلة في نفس الأمر عند الجمهور، لكن تتكافأ في نظر الناظر، وأما كون الشيء الواحد من الوجه الواحد ثابتاً منتفياً؛ فهذا لا يقوله عاقل) (١) .
* * *
стр. 204
الشَّريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها
(الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها؛ فهي تحصِّل أعظم المصلحتين بفوات أدناهما، وتدفع أعظم الفسادين باحتمال أدناهما، فإذا وصُف المحتمل بما فيه من الفساد، مثل كونه من عمل الشيطان؛ لم يمنع ذلك أن يكون قد وقع به ما هو أحب إلى الشيطان منه، ويكون إقرارهم على ذلك من المشروع؛ فهذا أصل ينبغي التفطن له.
والشيطان يوسوس لبني آدم في أمور كثيرة من المباحات؛ كالتخلِّي والنكاح وغير ذلك، وهو يجري من ابن آدم مجرى الدم؛ فلا يمكن حفظ جميع بني آدم من كل ما للشيطان فيه نصيب، لكن الشارع يأمر بالتمكن من ذلك، كما شرع التسمية والاستعاذة عند التخلِّي والنكاح وغير ذلك، ولو لم يفعل الرجل ذلك لم نقل: إنه يأثم بالتخلي ونكاح امرأته ونحو ذلك) (١) .
* * *
стр. 205
اجتماع الخير والشَّرِّ في الرَّجل الواحد
(إذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر وفجور، وطاعة ومعصية، وسنة وبدعة؛ استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا؛ كاللص الفقير، تقطع يده لسرقته ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته.
هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة) (١) .
* * *
стр. 206
اشتمال بعض الأعمال على الخير والشر في آن واحد وفيه كلام غريب !
(اعلم أن من الأعمال ما يكون فيه خير لاشتماله على أنواع من المشروع، وفيه أيضاً شر من بدعة وغيرها؛ فيكون ذلك العمل خيراً بالنسبة إلى ما اشتمل عليه من أنواع المشروع وشراً بالنسبة إلى ما اشتمل عليه من الإعراض عن الدين بالكلية، كحال المنافقين والفاسقين، وهذا قد ابتلى به أكثر الأمة في الأزمان المتأخرة؛ فعليك هنا بأدبين:
أحدهما: أن يكون حرصك على التمسك بالسنة باطناً وظاهراً في خاصتك وخاصة من يطيعك، وأعرف المعروف وأنكر المنكر.
الثاني: أن تدعو الناس إلى السنة بحسب الإمكان، فإذا رأيت من يعمل هذا ولا يتركه إلا إلى شر منه؛ فلا تدعو إلى ترك منكر بفعل ما هو أنكر منه، أو بترك واجب أو مندوب تركه أضر من فعل ذلك المكروه، ولكن إذا كان في البدعة من الخير فعوض عنه من الخير المشروع بحسب الإمكان؛ إذْ النفوس لا تترك شيئاً إلا بشيء، ولا ينبغي لأحد أن يترك خيراً إلاّ إلى مثله أو إلى خير منه، فإنه كما أن الفاعلين لهذه البدع معيبون قد أتوا مكروهاً؛ فالتاركون أيضاً للسنن مذمومون، فإن منها ما يكون واجباً على الإطلاق، ومنها ما يكون واجباً على التقييد، كما أن الصلاة النافلة لا تجب، ولكن من أراد أن يصليها يجب عليه أن يأتي بأركانها، وكما يجب على من أتى الذنوب من الكفارات والقضاء والتوبة والحسنات الماحية، وما يجب على من كان إماماً أو قاضياً أو مفتياً أو والياً من الحقوق وما يجب على طالبي العلم، أو نوافل العبادة من الحقوق.
ومنها: ما يُكره المداومة على تركه كراهة شديدة.
стр. 207
ومنها: ما يُكره تركه أو يجب فعله على الأئمة دون غيرهم وعامتها يجب تعليمها والحض عليها والدعاء إليها.
وكثير من المنكرين لبدع العبادات والعادات تجدهم مقصرين في فعل السنن من ذلك أو الأمر به، ولعل حال كثير منهم يكون أسوأ من حال من يأتي بتلك العبادات المشتملة على نوع من الكراهة، بل الدين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا قوام لأحدهما إلا بصاحبه؛ فلا يُنهى عن منكر إلاّ ويؤمر بمعروف يغني عنه كما يؤمر بعبادة الله سبحانه ويُنهى عن عبادة ما سواه؛ إذ رأس الأمر شهادة أن لا إله إلا الله، والنفوس خلقت لتعمل لا لتترك، وإنما الترك مقصود لغيره، فإن لم يشتغل بعمل صالح، وإلا لم يترك العمل السيىء أو الناقص، لكن لما كان من الأعمال السيئة ما يفسد عليها العمل الصالح نُهيت عنه حفظاً للعمل الصالح.
فتعظيم المولد واتخاذه موسماً قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده وتعظيمه لرسول الله ﷺ ، كما قدمته لك أنه يحسن من بعض الناس ما يستقبح من المؤمن المسدد، ولهذا قيل للإمام أحمد عن بعض الأمراء أنه أنفق على مصحف ألف دينار أو نحو ذلك؛ فقال: دعهم؛ فهذا أفضل ما أنفقوا فيه الذهب. أو كما قال، مع أن مذهبه أن زخرفة المصاحف مكروهة، وقد تأول بعض الأصحاب أنه أنفقها في تجويد الورق والخط، وليس مقصود أحمد هذا، إنما قصده أن هذا العمل فيه مصلحة وفيه أيضاً مفسدة كره لأجلها، فهؤلاء إن لم يفعلوا هذا، وإلا؛ اعتاضوا بفساد لا صلاح فيه، مثل أن ينفقها في كتاب من كتب الفجور من كتب الأسمار أو الأشعار أو حكمة فارس والروم.
فتفطن لحقيقة الدين، وانظر ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح الشرعية والمفاسد؛ بحيث تعرف ما مراتب المعروف ومراتب المنكر،
стр. 208
حتى تقدم أهمها عند الازدحام، فإن هذا حقيقة العلم بما جاءت به الرسل، فإن التمييز بين جنس المعروف وجنس المنكر أو جنس الدليل وغير الدليل يتيسر كثيراً.
فأما مراتب المعروف والمنكر ومراتب الدليل؛ بحيث يقدم عند التزاحم أعرف المعروفين، وينكر أنكر المنكرين، ويرجح أقوى الدليلين؛ فإنه هو خاصة العلماء بهذا الدين.
فالمراتب ثلاث:
أحدها: العمل الصالح المشروع الذي لا كراهة فيه.
والثاني: العمل الصالح من بعض وجوهه أو أكثرها: إما لحسن القصد، أو لاشتماله مع ذلك على أنواع من المشروع.
والثالث: ما ليس فيه صلاح أصلاً: إما لكونه تركاً للعمل الصالح مطلقاً، أو لكونه عملاً فاسداً محضاً) (١) .
* * *
стр. 209
أصناف النَّاس في غيبة الآخرين
(من الناس من يغتاب موافقة لجلسائه وأصحابه وعشائره، مع علمه أن المغتاب بريء مما يقولون، أو فيه بعض ما يقولون؛ لكن يرى أنه لو أنكر عليهم قطع المجلس واستثقله أهل المجلس ونفروا عنه، فيرى موافقتهم من حسن المعاشرة وطيب المصاحبة، وقد يغضبون فيغضب لغضبهم فيخوض معهم.
ومنهم من يخرج الغيبة في قوالب شتى: تارة في قالب ديانة وصلاح، فيقول: ليس لي عادة أن أذكر أحداً إلا بخير، ولا أحب الغيبة ولا الكذب، وإنما أخبركم بأحواله، ويقول: والله؛ إنه مسكين، أو: رجل جيد ولكن فيه كيت وكيت، وربما يقول: دعونا منه، الله يغفر لنا وله، وإنما قصده استنقاصه وهضماً لجنابه، ويخرجون الغيبة في قوالب صلاح وديانة، يخادعون الله بذلك كما يخادعون مخلوقاته، وقد رأينا منهم ألواناً كثيرة من هذا وأشباهه.
ومنهم من يرفع غيره رياء؛ فيرفع نفسه، فيقول: لو دعوت البارحة في صلاتي لفلان؛ لما بلغني عنه كيت وكيت: ليرفع نفسه ويضعه عند من يعتقده، أو يقول: فلان بليد الذهن قليل الفهم. وقصده مدح نفسه وإثبات معرفته، وأنه أفضل منه.
ومنهم من يحمله الحسد على الغيبة؛ فيجمع بين أمرين قبيحين: الغيبة، والحسد، وإذا أثنى على شخص أزال ذلك عنه بما استطاع من تنقصه في قالب دين وصلاح، أو في قالب حسد وفجور وقدح؛ ليسقط ذلك عنه.
ومنهم من يخرج الغيبة في قالب تمسخر ولعب ليضحك غيره باستهزائه ومحاكاته واستصغار المستهزأ به.
стр. 210
ومنهم من يخرج الغيبة في قالب التعجب، فيقول: تعجبت من فلان! كيف لا يفعل كيت وكيت؟! ومن فلان كيف وقع منه كيت وكيت وكيف فعل كيت وكيت؟! فيخرج اسمه في معرض تعجبه.
ومنهم من يخرج الاغتمام، فيقول: مسكين فلان، غمني ما جرى له وما تم له. فيظن من يسمعه أنه يغتم له ويتأسف وقلبه منطو على التشفي به، ولو قدر لزاد على ما به، وربما يذكره عند أعدائه ليشتفوا به، وهذا وغيره من أعظم أمراض القلوب والمخادعات لله ولخلقه.
ومنهم من يظهر الغيبة في قالب غضب وإنكار منكر، فيظهر في هذا الباب أشياء من زخارف القول، وقصده غير ما أظهر، والله المستعان) (١) .
* * *
стр. 211
المباح بالنِّيَّة الحسنة يكون خيراً وبالنِّيَّة السَّيِّئة يكون شرّاً
(المباح، بالنية الحسنة يكون خيراً، وبالنية السيئة يكون شراً، ولا يكون فعل اختياري إلا بإرادة، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: ((أحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن، وأصدق الأسماء: حارث وهمام، وأقبحها: حرب ومرة)) (١) .
وقوله: ((أصدق الأسماء: حارث وهمام)) ؛ لأن كل إنسان همام حارث، والحارث: الكاسب العامل، والهمام الكثير الهم - وهو مبدأ الإرادة- وهو حيوان، وكل حيوان حساس متحرك بالإرادة، فإذا فعل شيئاً من المباحات؛ فلا بد له من غاية ينتهي إليها قصده. وكل مقصود إما أن يقصد لنفسه، وإما أن يقصد لغيره؛ فإن كان منتهى مقصوده ومراده عبادة الله وحده لا شريك له، وهو إلهه الذي يعبده لا يعبد شيئاً سواه، وهو أحب إليه من كل ما سواه؛ فإن إرادته تنتهي إلى إرادته وجه الله، فيثاب على مباحاته التي يقصد الاستعانة بها على الطاعة، كما في ((الصحيحين)) عن النبي ﷺ أنه قال: ((نفقة الرجل على أهله يحتسبها صدقة)) (٢) .
وفي ((الصحيحين)) عنه أنه قال لسعد بن أبي وقاص لما مرض بمكة وعاده: ((إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة،
стр. 212
حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك)) (١) ، وقال معاذ بن جبل لأبي موسى: إني أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي (٢) .
وفي الأثر: نوم العالم تسبيح) (٣) .
* * *
стр. 213
فعل المباح على وجه العبادة بدعة منكرة
(من المعلوم أن الدين له ((أصلان)) ؛ فلا دين إلا ما شرع الله، ولا حرام إلا ما حرمه الله، والله تعالى عاب على المشركين أنهم حرموا ما لم يحرمه الله وشرعوا ديناً لم يأذن به الله.
ولو سئل العالم عمن يعدو بين جبلين: هل يباح له ذلك؟ قال: نعم. فإذا قيل: إنه على وجه العبادة كما يسعى بين الصفا والمروة. قال: إن فعله على هذا الوجه حرام منكر، يستتاب فاعله، فإن تاب وإلا؛ قُتل.
ولو سئل عن كشف الرأس، ولبس الإزار، والرداء: أفتى بأن هذا جائز، فإذا قيل: إنه يفعله على وجه الإحرام كما يحرم الحاج. قال: إن هذا حرام منكر.
ولو سئل: عمن يقوم في الشمس. قال: هذا جائز. فإذا قيل: إنه يفعله على وجه العبادة. قال: هذا منكر. كما روى البخاري عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً قائماً في الشمس، فقال: ((من هذا؟)) . قالوا: هذا أبو إسرائيل يريد أن يقوم في الشمس، ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم. فقال النبي ﷺ : ((مروه؛ فليتكلم، وليجلس، وليستظل، وليتم صومه)) (١) ؛ فهذا لو فعله لراحة أو غرض مباح لم ينه عنه، لكن لما فعله على وجه العبادة نهى عنه.
وكذلك لو دخل الرجل إلى بيته من خلف البيت لم يحرم عليه ذلك، ولكن إذا فعل ذلك على أنه عبادة كما كانوا يفعلون في الجاهلية: كان أحدهم إذا أحرم لم يدخل تحت سقف؛ فنهوا عن ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ البِرُّ بِأَنْ تَأتُوا البُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأتُوا
стр. 214
البُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ (١) ؛ فبين سبحانه أن هذا ليس ببر وإن لم يكن حراماً، فمن فعله على وجه البر والتقرب إلى الله كان عاصياً مذموماً مبتدعاً، والبدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن العاصي يعلم أنه عاص فيتوب، والمبتدع يحسب أن الذي يفعله طاعة فلا يتوب.
... فمن فعل ما ليس بواجب ولا مستحب على أنه من جنس الواجب أو المستحب؛ فهو ضال مبتدع، وفعله على هذا الوجه حرام بلا ريب) (٢) .
* * *