← Джавами‘

Джавами‘ · id 22890

المنتخب من كتب شيخ الإسلام

علوي السقاف

Полный текст (364 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

المباح بالنِّيَّة الحسنة يكون خيراً وبالنِّيَّة السَّيِّئة يكون شرّاً (المباح، بالنية الحسنة يكون خيراً، وبالنية السيئة يكون شراً، ولا يكون فعل اختياري إلا بإرادة، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: ((أحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن، وأصدق الأسماء: حارث وهمام، وأقبحها: حرب ومرة)) (١) . وقوله: ((أصدق الأسماء: حارث وهمام)) ؛ لأن كل إنسان همام حارث، والحارث: الكاسب العامل، والهمام الكثير الهم - وهو مبدأ الإرادة- وهو حيوان، وكل حيوان حساس متحرك بالإرادة، فإذا فعل شيئاً من المباحات؛ فلا بد له من غاية ينتهي إليها قصده. وكل مقصود إما أن يقصد لنفسه، وإما أن يقصد لغيره؛ فإن كان منتهى مقصوده ومراده عبادة الله وحده لا شريك له، وهو إلهه الذي يعبده لا يعبد شيئاً سواه، وهو أحب إليه من كل ما سواه؛ فإن إرادته تنتهي إلى إرادته وجه الله، فيثاب على مباحاته التي يقصد الاستعانة بها على الطاعة، كما في ((الصحيحين)) عن النبي ﷺ أنه قال: ((نفقة الرجل على أهله يحتسبها صدقة)) (٢) . وفي ((الصحيحين)) عنه أنه قال لسعد بن أبي وقاص لما مرض بمكة وعاده: ((إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة،

стр. 212

حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك)) (١) ، وقال معاذ بن جبل لأبي موسى: إني أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي (٢) . وفي الأثر: نوم العالم تسبيح) (٣) . * * *

стр. 213

فعل المباح على وجه العبادة بدعة منكرة (من المعلوم أن الدين له ((أصلان)) ؛ فلا دين إلا ما شرع الله، ولا حرام إلا ما حرمه الله، والله تعالى عاب على المشركين أنهم حرموا ما لم يحرمه الله وشرعوا ديناً لم يأذن به الله. ولو سئل العالم عمن يعدو بين جبلين: هل يباح له ذلك؟ قال: نعم. فإذا قيل: إنه على وجه العبادة كما يسعى بين الصفا والمروة. قال: إن فعله على هذا الوجه حرام منكر، يستتاب فاعله، فإن تاب وإلا؛ قُتل. ولو سئل عن كشف الرأس، ولبس الإزار، والرداء: أفتى بأن هذا جائز، فإذا قيل: إنه يفعله على وجه الإحرام كما يحرم الحاج. قال: إن هذا حرام منكر. ولو سئل: عمن يقوم في الشمس. قال: هذا جائز. فإذا قيل: إنه يفعله على وجه العبادة. قال: هذا منكر. كما روى البخاري عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً قائماً في الشمس، فقال: ((من هذا؟)) . قالوا: هذا أبو إسرائيل يريد أن يقوم في الشمس، ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم. فقال النبي ﷺ : ((مروه؛ فليتكلم، وليجلس، وليستظل، وليتم صومه)) (١) ؛ فهذا لو فعله لراحة أو غرض مباح لم ينه عنه، لكن لما فعله على وجه العبادة نهى عنه. وكذلك لو دخل الرجل إلى بيته من خلف البيت لم يحرم عليه ذلك، ولكن إذا فعل ذلك على أنه عبادة كما كانوا يفعلون في الجاهلية: كان أحدهم إذا أحرم لم يدخل تحت سقف؛ فنهوا عن ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ البِرُّ بِأَنْ تَأتُوا البُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأتُوا

стр. 214

البُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ (١) ؛ فبين سبحانه أن هذا ليس ببر وإن لم يكن حراماً، فمن فعله على وجه البر والتقرب إلى الله كان عاصياً مذموماً مبتدعاً، والبدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن العاصي يعلم أنه عاص فيتوب، والمبتدع يحسب أن الذي يفعله طاعة فلا يتوب. ... فمن فعل ما ليس بواجب ولا مستحب على أنه من جنس الواجب أو المستحب؛ فهو ضال مبتدع، وفعله على هذا الوجه حرام بلا ريب) (٢) . * * *

стр. 215

القسم الرابع مسائل أصوليَّة في: الاعتصام بالسُّنَّة وترك الابتداع، والإجماع، والتَّقليد والتَّمذهب ، والأمر والنَّهي، والأعياد والتَّشبُّه بالكفَّار، والمجمل والمطلق والعام ...

стр. 216

ترك السُّنة يُفضي إلى فعل البدعة وترك المأمور يفضي إلى فعل المحظور (لا تجد أحداً ترك بعض السنة التي يجب التصديق بها والعمل إلا وقع في بدعة، ولا تجد صاحب بدعة إلا ترك شيئاً من السنة؛ كما جاء في الحديث: ((ما ابتدع قوم بدعة؛ إلا تركوا من السنة مثلها)) (١) . رواه الإمام أحمد، وقد قال تعالى: ﴿فَنَسُوْا حَظّاً مِمَّا ذُكِّروا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ﴾ (٢) ، فلما تركوا حظاً مما ذُكِّروا به اعتاضوا بغيره فوقعت بينهم العداوة والبغضاء، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرينٌ﴾ (٣) ؛ أي: عن الذكر الذي أنزله الرحمن، وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى وَمَنْ أعْرَضَ عَنْ ذِكْري فَإنَّ لَهُ مَعيشَةً ضّنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمَى﴾ (٤) ، وقال: ﴿اتَّبِعوا ما أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعوا مِنْ دونِهِ أوْلِيَاءَ قَليلاً ما تَذَكَّرونَ﴾ (٥) ؛ فأمر باتباع ما أُنزل ونهى عما يضاد ذلك وهو اتباع أولياء من دونه، فمن لم يتبع أحدهما اتبع الآخر، ولهذا قال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبيلِ المُؤْمِنينَ﴾ (٦) ، قال

стр. 217

العلماء: من لم يكن متبعاً سبيلهم كان متبعاً غير سبيلهم، فاستدلوا بذلك على أن اتباع سبيلهم واجب؛ فليس لأحد أن يخرج عما أجمعوا عليه. وكذلك من لم يفعل المأمور فعل بعض المحظور، ومن فعل المحظور لم يفعل جميع المأمور؛ فلا يمكن الإنسان أن يفعل جميع ما أُمر به مع فعله لبعض ما حظر، ولا يمكنه ترك كل ما حظر مع تركه لبعض ما أُمر، فإن ترك ما حظر من جملة ما أُمر به فهو مأمور، ومن المحظور ترك المأمور؛ فكل ما شغله عن الواجب فهو محرم، وكل ما لا يمكن فعل الواجب إلا به فعليه فعله، ولهذا كان لفظ ((الأمر)) إذا أطلق يتناول النهي، وإذا قيد بالنهي كان النهي نظير ما تقدم) (١) . * * *

стр. 218

قاعدة فيما يجب من المعاوضات ونحو ذلك (بذل المنافع والأموال سواء كان بطريق التعوض أو بطريق التبرع ينقسم إلى واجب ومستحب: وواجبها ينقسم إلى فرض على العين، وفرض على الكفاية: فأما ما يجب من التبرعات ـ مالاً ومنفعة ـ؛ فله موضع غير هذا، وجماع الواجبات المالية بلا عوض أربعة أقسام مذكورة في الحديث المأثور: ((أربع من فعلهن فقد برىء من البخل: من آتى الزكاة، وقرى الضيف، ووصل الرحم، وأعطى في النائبة)) (١) . ولهذا كان حد البخيل من ترك أحد هذه الأربعة في أصح القولين لأصحابنا، اختاره أبو بكر وغيره. فالزكاة هي الواجب الراتب التي تجب بسبب المال بمنزلة الصلاة المفروضة، وأما الثلاثة؛ فوجوبها عارض، فقرى الضيف واجب عندنا ونص عليه الشافعي، وصلة الأرحام واجبة بالإجماع؛ كنفقة الأقارب، وحمل العاقلة، وعتق ذي الرحم المحرم، وإنما الاختلاف فيمن تجب صلته، وما مقدار الصلة الواجبة، وكذلك الإعطاء في النائبة؛ مثل الجهاد في سبيل الله، وإشباع الجائع، وكسوة العاري، وقد نص أحمد على أنه لو صدق السائل لما أفلح من رده. وأما الواجبات المنفعية بلا عوض؛ فمثل تعليم العلم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونصر المظلوم، وهي كثيرة جداً، وعامة الواجب في منافع البدن، ويدخل فيها الأحاديث الصحيحة من حديث أبي

стр. 219

ذر وأبي موسى وغيرهما: ((على كل سلامى من ابن آدم صدقة)) (١) ، وتدخل أيضاً في مطلق الزكاة والنفقة في مثل قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٢) ، كما نقل مثل ذلك عن السلف: الحسن البصري وغيره، وقال النبي ﷺ : ((كل معروف صدقة)) (٣) ، ويُروى: ما تصدق عبد بصدقة أعظم من موعظة يعظ بها أصحاباً له، فيتفرقون وقد نفعهم الله بها. ودلائل هذا كثيرة ليس هذا موضعه. وأما المنافع المالية وهو كمن اضطر إلى منفعة مال الغير؛ كحبل ودلو يستقي به ماء يحتاج إليه، وثوب يستدفىء به من البرد، ونحو ذلك؛ فيجب بذله، لكن هل يجب بذله مجاناً، أو بطريق التعوض كالأعيان؟ فيه وجهان. وحجة التبرع متعددة؛ كقوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعونَ الماعونَ﴾ ؛ ففي ((سنن أبي داود)) عن ابن مسعود؛ قال: كنا نعده عارية القدر والدلو والفأس (٤) . وكذلك إيجاب بذل منفعة الحائط للجار إذا احتاج إليه على أصلنا المتبع لسنة رسول الله ﷺ ، وغير ذلك من المواضع. ففي الجملة ما يجب إيتاؤه من المال أو منفعته أو منفعة البدن بلا

стр. 220

عوض له تفصيل في موضع آخر، ولو كان كثير من المتفقهة مقصرين في علمه، بحيث قد ينفون وجوب ما صرحت الشريعة بوجوبه) (١) . * * *

стр. 221

مسألة إجماع أهل المدينة (التحقيق في ((مسألة إجماع أهل المدينة)) أن منه ما هو متفق عليه بين المسلمين، ومنه ما هو قول جمهور أئمة المسلمين، ومنه ما لا يقول به إلا بعضهم. وذلك أن إجماع أهل المدينة على أربع مراتب: الأولى: ما يجري مجرى النقل عن النبي ﷺ ، مثل نقلهم لمقدار الصاع والمد، وكترك صدقة الخضروات والأحباس؛ فهذا مما هو حجة باتفاق العلماء ... المرتبة الثانية: العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان بن عفان؛ فهذا حجة في مذهب مالك، وهو المنصوص عن الشافعي ... والمرتبة الثالثة: إذا تعارض في المسألة دليلان كحديثين وقياسين جهل أيهما أرجح، وأحدهما يعمل به أهل المدينة؛ ففيه نزاع؛ فمذهب مالك والشافعي أنه يرجح بعمل أهل المدينة، ومذهب أبي حنيفة أنه لا يرجح بعمل أهل المدينة ... وأما المرتبة الرابعة: فهي العمل المتأخر بالمدينة؛ فهذا هل هو حجة شرعية يجب اتباعه أم لا؟ فالذي عليه أئمة الناس أنه ليس بحجة شرعية، هذا مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم، وهو قول المحققين من أصحاب مالك ... ولو كان مالك يعتقد أن العمل المتأخر حجة يجب على جميع الأمة اتباعها وإن خالفت النصوص؛ لوجب عليه أن يلزم الناس بذلك حد الإمكان، كما يجب عليه أن يلزمهم اتباع الحديث والسنة الثابتة التي لا تعارض فيها وبالإجماع، وقد عرض عليه الرشيد أو غيره أن يحمل الناس

стр. 222

على ((موطئه)) ؛ فامتنع من ذلك، وقال: إن أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تفرقوا في الأمصار، وإنما جمعت علم أهل بلدي. أو كما قال. وإذا تبين أن إجماع أهل المدينة تفاوت فيه مذاهب جمهور الأئمة؛ عُلم بذلك أن قولهم أصح أقوال أهل الأمصار روايةً ورأيا، وأنه تارة يكون حجة قاطعة وتارة حجة قوية وتارة مرجحاً للدليل؛ إذ ليست هذه الخاصية لشيء من أمصار المسلمين. ومعلوم أن من كان بالمدينة من الصحابة هم خيار الصحابة؛ إذ لم يخرج منها أحد قبل الفتنة إلا وأقام بها من هو أفضل منه ... ) (١) . * * *

стр. 223

هل لازم المذهب مذهب أم لا ؟ (أما قول السائل: هل لازم المذهب مذهب أم ليس بمذهب؟ فالصواب: إن مذهب الإنسان ليس بمذهب له إذا لم يلتزمه؛ فإنه إذا كان قد أنكره ونفاه كانت إضافته إليه كذباً عليه، بل ذلك يدل على فساد قوله وتناقضه في المقال، غير التزامه اللوازم التي يظهر أنها من قبل الكفر والمحال مما هو أكثر، فالذين قالوا بأقوال يلزمها أقوال يعلم أنه لا يلتزمها، لكن لم يعلم أنها تلزمه، ولو كان لازم المذهب مذهباً للزم تكفير كل من قال عن الاستواء أو غيره من الصفات أنه مجاز ليس بحقيقة؛ فإن لازم هذا القول يقتضي أن لا يكون شيء من أسمائه أو صفاته حقيقة، وكل من لم يثبت بين الاسمين قدراً مشتركاً لزم أن لا يكون شيء من الإيمان بالله ومعرفته والإقرار به إيماناً؛ فإنه ما من شيء يثبته القلب إلا ويقال فيه نظير ما يقال في الآخر، ولازم قول هؤلاء يستلزم قول غلاة الملاحدة المعطلين، الذين هم أكفر من اليهود والنصارى) (١) . * * *

стр. 224

لا يجب على أحد من المسلمين تقليد شخص معيَّن غير رسول الله ﷺ - (ولا يجب على أحد من المسلمين تقليد شخص بعينه من العلماء في كل ما يقول، ولا يجب على أحد من المسلمين التزام مذهب شخص معين غير الرسول ﷺ في كل ما يوجبه ويخبر به، بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويُترك؛ إلا رسول الله ﷺ . واتباع شخص لمذهب شخص بعينه لعجزه عن معرفة الشرع من غير جهته إنما هو مما يسوغ له، ليس هو مما يجب على كل أحد إذا أمكنه معرفة الشرع بغير ذلك الطريق، بل كل أحد عليه أن يتقي الله ما استطاع، ويطلب علم ما أمر الله به ورسوله؛ فيفعل المأمور، ويترك المحظور، والله أعلم) (١) . * * *

стр. 225

المنحرفون من أتباع الأئمَّة انحرافهم أنواع (المنحرفون من أتباع الأئمة في الأصول والفروع ... انحرافهم أنواع: أحدها: قول لم يقله الإمام ولا أحد من المعروفين من أصحابه بالعلم ... الثاني: قول قاله بعض علماء أصحابه وغلط فيه ... الثالث: قول قاله الإمام فزيد عليه قدراً أو نوعاً ... الرابع: أن يُفهم من كلامه ما لم يرده، أو يُنقل عنه ما لم يقله. الخامس: أن يجعل كلامه عامّاً أو مطلقاً، وليس كذلك، ثم قد يكون في اللفظ إطلاق أو عموم فيكون لهم فيه بعض العذر، وقد لا يكون ... السادس: أن يكون عنه في المسألة اختلاف فيتمسكون بالقول المرجوح. السابع: أن لا يكون قد قال أو نقل عنه ما يزيل شبهتهم مع كون لفظه محتملاً لها. الثامن: أن يكون قوله مشتملاً على خطأ. فالوجوه الستة تبين من مذهبه نفسه أنهم خالفوه، وهو الحق، والسابع خالفوا الحق وإن لم يعرف مذهبه نفياً وإثباتاً، والثامن خالفوا الحق وإن وافقوا مذهبه؛ فالقسمة ثلاثية لأنهم إذا خالفوا الحق فإما أن يكونوا قد خالفوه أيضاً أو وافقوه، أو لم يوافقوه ولم يخالفوه لانتفاء قوله في ذلك، وكذلك إذا وافقوا الحق؛ فإما أن يوافقوه هو، أو يخالفوه، أو ينتفي الأمران) (١) .

стр. 226

الأمر بالشيء هل يكون أمراً بلوازمه (تنازع الناس في الأمر بالشيء: هل يكون أمراً بلوازمه، وهل يكون نهياً عن ضده مع اتفاقهم على أن فعل المأمور لا يكون إلا مع فعل لوازمه وترك ضده؟ ومنشأ النزاع أن الآمر بالفعل قد لا يكون مقصوده اللوازم ولا ترك الضد، ولهذا إذا عاقب المكلف لا يعاقبه إلا على ترك المأمور فقط، لا يعاقبه على ترك لوازمه وفعل ضده. وهذه المسألة هي الملقبة بأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وقد غلط فيها بعض الناس؛ فقسموا ذلك إلى ما لا يقدر المكلف عليه؛ كالصحة في الأعضاء، والعدد في الجمعة، ونحو ذلك مما لا يكون قادراً على تحصيله، وإلى ما يقدر عليه؛ كقطع المسافة في الحج، وغسل جزء من الرأس في الوضوء، وإمساك جزء من الليل في الصيام، ونحو ذلك؛ فقالوا: ما لا يتم الواجب المطلق إلا به وكان مقدوراً للمكلف؛ فهو واجب. وهذا التقسيم خطأ؛ فإن هذه الأمور التي ذكروها هي شرط في الوجوب؛ فلا يتم الواجب إلا بها، وما لا يتم الواجب إلا به يجب على العبد فعله باتفاق المسلمين، سواء كان مقدوراً عليه أو لا؛ كالاستطاعة في الحج واكتساب نصاب الزكاة، فإن العبد إذا كان مستطيعاً للحج وجب عليه الحج، وإذا كان مالكاً لنصاب الزكاة وجبت عليه الزكاة؛ فالوجوب لا يتم إلا بذلك، فلا يجب عليه تحصيل استطاعة الحج ولا ملك النصاب، ولهذا من يقول: إن الاستطاعة في الحج ملك المال - كما هو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد -؛ فلا يوجبون عليه الاكتساب، ولم يتنازعوا إلا فيما إذا بذلت له الاستطاعة: إما بذل الحج، وإما بذل المال له من ولده ...

стр. 227

والمقصود هنا الفرق بين ما لا يتم الواجب إلا به وما لا يتم الوجوب إلا به، وأن الكلام في القسم الثاني إنما هو فيما لا يتم الواجب إلا به؛ كقطع المسافة في الجمعة والحج ونحو ذلك؛ فعلى المكلف فعله باتفاق المسلمين، لكن من ترك الحج وهو بعيد الدار عن مكة، أو ترك الجمعة وهو بعيد الدار عن الجامع؛ فقد ترك أكثر مما ترك قريب الدار، ومع هذا؛ فلا يقال: إن عقوبة هذا أعظم من عقوبة قريب الدار. والواجب ما يكون تركه سبباً للذم والعقاب، فلو كان هذا الذي لزمه فعله بطريق التبع مقصوداً بالوجوب؛ لكان الذم والعقاب لتاركه أعظم، فيكون من ترك الحج من أهل الهند والأندلس أعظم عقاباً ممن تركه من أهل مكة والطائف، ومن ترك الجمعة من أقصى المدينة أعظم عقاباً ممن تركها من جيران المسجد الجامع، فلما كان من المعلوم أن ثواب البعيد أعظم وعقابه إذا ترك ليس أعظم من عقاب القريب؛ نشأت من ها هنا الشبهة: هل هو واجب أو ليس بواجب؟ والتحقيق أن وجوبه بطريق اللزوم العقلي لا بطريق قصد الأمر؛ بل الأمر بالفعل قد لا يقصد طلب لوازمه وإن كان عالماً بأنه لا بد من وجودها، وإن كان ممن تجوز عليه الغفلة؛ فقد لا تخطر بقلبه اللوازم) (١) . * * *

стр. 228

جنس فعل المأمور به أعظم من جنس ترك المنهيِّ عنه (إن جنس فعل المأمور به أعظم من جنس ترك المنهي عنه، وإن جنس ترك المأمور به أعظم من جنس فعل المنهي عنه، وإن مثوبة بني آدم على أداء الواجبات أعظم من مثوبتهم على ترك المحرمات، وإن عقوبتهم على ترك الواجبات أعظم من عقوبتهم على فعل المحرمات ... إن أعظم الحسنات هو الإيمان بالله ورسوله، وأعظم السيئات الكفر، والإيمان أمر وجودي؛ فلا يكون الرجل مؤمناً ظاهراً حتى يُظهر أصل الإيمان، وهو شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمداً رسول الله، ولا يكون مؤمناً باطناً حتى يقر بقلبه بذلك؛ فينتفي عنه الشك ظاهراً وباطناً مع وجود العمل الصالح، وإلا؛ كان كمن قال الله فيه: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنوا ولكِنْ قولوا أسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ (١) . ... والكفر: عدم الإيمان باتفاق المسلمين، سواء اعتقد نقيضه وتكلم به أو لم يعتقد شيئاً ولم يتكلم، ولا فرق في ذلك بين مذهب أهل السنة والجماعة الذين يجعلون الإيمان قولاً وعملاً بالباطن والظاهر وقول من يجعله نفس اعتقاد القلب؛ كقول الجهمية وأكثر الأشعرية، أو إقرار اللسان؛ كقول الكرامية؛ أو جميعها؛ كقول فقهاء المرجئة وبعض الأشعرية؛ فإن هؤلاء مع أهل الحديث، وجمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنبلية، وعامة الصوفية، وطوائف من أهل الكلام من متكلمي السنة وغير متكلمي السنة من المعتزلة والخوارج وغيرهم: متفقون على أن من لم يؤمن بعد قيام الحجة عليه بالرسالة فهو كافر، سواء كان مكذباً أو مرتاباً أو معرضاً

стр. 229

أو مستكبراً أو متردداً أو غير ذلك وإذا كان أصل الإيمان الذي هو أعظم القرب والحسنات والطاعات؛ فهو مأمور به، والكفر الذي هو أعظم الذنوب والسيئات والمعاصي ترك هذا المأمور به، سواء اقترن به فعل منهي عنه من التكذيب أو لم يقترن به شيء، بل كان تركاً للإيمان فقط؛ عُلم أن جنس فعل المأمور به أعظم من جنس ترك المنهي عنه. واعلم أن الكفر بعضه أغلظ من بعض؛ فالكافر المكذب أعظم جرماً من الكافر غير المكذب؛ فإنه جمع بين ترك الإيمان المأمور به وبين التكذيب المنهي عنه، ومن كفر وكذب وحارب الله ورسوله والمؤمنين بيده أو لسانه أعظم جرماً ممن اقتصر على مجرد الكفر والتكذيب، ومن كفر وقتل وزنا وسرق وصد وحارب كان أعظم جرماً. كما أن الإيمان بعضه أفضل من بعض، والمؤمنون فيه متفاضلون تفاضلاً عظيماً، وهم عند الله درجات، كما أن أولئك دركات؛ فالمقتصدون في الإيمان أفضل من ظالمي أنفسهم، والسابقون بالخيرات أفضل من المقتصدين، ﴿لا يَسْتَوي القاعِدونَ مِنَ المُؤْمِنينَ غَيْرَ أولي الضَّرَرِ والمُجاهِدونَ في سَبيلِ اللهِ بأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ ... ﴾ (١) الآيات، ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وَعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَنْ آمَنَ باللهِ واليومِ الآخِرِ وَجاهَدَ في سبيلِ اللهِ لا يَسْتَوونَ عِنْدَ اللهِ﴾ (٢) . وإنما ذكرنا أن أصل الإيمان مأمور به وأصل الكفر نقيضه، وهو ترك هذا الإيمان المأمور به، وهذا الوجه قاطع بين) (٣) .

стр. 230

كلام عجيب في أن القلب المعمور بالتَّقوى إذا رجَّح بمجرَّد رأيه فهو ترجيح شرعيٌّ ! (القلب المعمور بالتقوى إذا رجح بمجرد رأيه؛ فهو ترجيح شرعي، فمتى ما وقع عنده وحصل في قلبه ما بطن معه أن هذا الأمر أو هذا الكلام أرضى لله ورسوله؛ كان هذا ترجيحاً بدليل شرعي، والذين أنكروا كون الإلهام ليس طريقاً إلى الحقائق مطلقاً أخطأوا، فإذا اجتهد العبد في طاعة الله وتقواه كان ترجيحه لما رجح أقوى من أدلة كثيرة ضعيفة؛ فإلهام مثل هذا دليل في حقه، وهو أقوى من كثير من الأقيسة الضعيفة والموهومة والظواهر والاستصحابات الكثيرة التي يحتج بها كثير من الخائضين في المذاهب والخلاف وأصول الفقه ... وقد قال النبي ﷺ : ((الصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء)) (١) ، ومن معه نور وبرهان وضياء كيف لا يعرف حقائق الأشياء من فحوى كلام أصحابها ولا سيما الأحاديث النبوية؟ فإنه يعرف ذلك معرفة تامة؛ لأنه قاصد العمل بها؛ فتتساعد في حقه هذه الأشياء مع الامتثال ومحبة الله ورسوله، حتى إن المحب يعرف من فحوى كلام محبوبه مراده منه تلويحاً لا تصريحاً. والعين تعرف من عَيْنَيْ محدِّثها إن كان من حزبها أو من أعاديها إنارة العقل مكشوف بطوع هوىً وعقل عاصي الهوى يزداد تنويرا وفي الحديث الصحيح: ((لا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتَّى أحبه، فإذا أحببته؛ كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده

стр. 231

التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها)) (١) ، ومن كان توفيق الله له كذلك؛ فكيف لا يكون ذا بصيرة نافذة ونفس فعالة؟! وإذا كان الإثم والبر في صدور الخلق له تردد وجولان؛ فكيف حال من الله سمعه وبصره وهو في قلبه؟! ... وأيضاً؛ فإن الله فطر عباده على الحق، فإذا لم تستحل الفطرة شاهدت الأشياء على ما هي عليه، فأنكرت منكرها وعرفت معروفها، قال عمر: الحق أبلج لا يخفى على فَطِن. فإذا كانت الفطرة مستقيمة على الحقيقة منورة بنور القرآن؛ تجلت لها الأشياء على ما هي عليه في تلك المزايا، وانتفت عنها ظلمات الجهالات، فرأت الأمور عياناً مع غيبها عن غيرها. وفي ((السنن)) و ((المسند)) وغيره عن النواس بن سمعان، عن النبي ﷺ قال: ((ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً، وعلى جنبتي الصراط سوران، وفي السورين أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وداع يدعو على رأس الصراط، وداع يدعو من فوق الصراط، والصراط المستقيم هو الإسلام، والستور المرخاة حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، فإذا أراد العبد أن يفتح باباً من تلك الأبواب ناداه المنادي: يا عبد الله! ّ لا تفتحه؛ فإنك إن فتحته تلجه، والداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مؤمن)) (٢) ؛ فقد بين في هذا الحديث العظيم - الذي من عرفه انتفع به انتفاعاً بالغاً إن ساعده التوفيق واستغنى به عن علوم كثيرة-

стр. 232

أن في قلب كل مؤمن واعظ، والوعظ هو الأمر والنهي والترغيب والترهيب. وإذا كان القلب معموراً بالتقوى انجلت له الأمور وانكشفت، بخلاف القلب الخراب المظلم، قال حذيفة بن اليمان: إن في قلب المؤمن سراجاً يزهر. وفي الحديث الصحيح: ((إن الدجال مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن قارىء وغير قارىء)) (١) ؛ فدل على أن المؤمن يتبين له ما لا يتبين لغيره، ولا سيما في الفتن، وينكشف له حال الكذاب الوضاع على الله ورسوله؛ فإن الدجال أكذب خلق الله، مع أن الله يجري على يديه أموراً هائلة ومخاريق مزلزلة، حتى إن من رآه افتتن به، فيكشفها الله للمؤمن حتى يعتقد كذبها وبطلانها. وكلما قوي الإيمان في القلب قوي انكشاف الأمور له وعرف حقائقها من بواطلها، وكلما ضعف الإيمان ضعف الكشف، وذلك مثل السراج القوي والسراج الضعيف في البيت المظلم، ولهذا قال بعض السلف في قوله: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ ؛ قال: هو المؤمن ينطق بالحكمة المطابقة للحق وإن لم يسمع فيها بالأثر، فإذا سمع فيها بالأثر كان نوراً على نور؛ فالإيمان الذي في قلب المؤمن يطابق نور القرآن؛ فالإلهام القلبي تارة يكون من جنس القول والعلم، والظن أن هذا القول كذب، وأن هذا العمل باطل، وهذا أرجح من هذا أو هذا أصوب. وفي ((الصحيح)) عن النبي ﷺ ؛ قال: ((قد كان في الأمم قبلكم

стр. 233

محدثون، فإن يكن في أمتي منهم أحد فعمر)) (١) ، والمحدث: هو الملهم المخاطب في سره، وما قال عمر لشيء: إني لأظنه كذا وكذا؛ إلا كان كما ظن، وكانوا يرون أن السكينة تنطق على قلبه ولسانه. وأيضاً؛ فإذا كانت الأمور الكونية قد تنكشف للعبد المؤمن لقوة إيمانه يقيناً وظناً؛ فالأمور الدينية كشفها له أيسر بطريق الأولى؛ فإنه إلى كشفها أحوج، فالمؤمن تقع في قلبه أدلة على الأشياء لا يمكنه التعبير عنها في الغالب، فإن كل أحد لا يمكنه إبانة المعاني القائمة بقلبه، فإذا تكلم الكاذب بين يدي الصادق عرف كذبه من فحوى كلامه، فتدخل عليه نخوة الحياء الإيماني فتمنعه البيان، ولكن هو في نفسه قد أخذ حذره منه، وربما لوح أو صرح به خوفاً من الله وشفقةً على خلق الله ليحذروا من روايته أو العمل به. وكثير من أهل الإيمان والكشف يلقي الله في قلبه أن هذا الطعام حرام، وأن هذا الرجل كافر أو فاسق أو ديوث أو لوطي أو خمار أو مغن أو كاذب من غير دليل ظاهر، بل بما يلقي الله في قلبه. وكذلك بالعكس، يلقي في قلبه محبة لشخص، وأنه من أولياء الله، وأن هذا الرجل صالح، وهذا الطعام حلال، وهذا القول صدق؛ فهذا وأمثاله لا يجوز أن يُستبعد في حقِّ أولياء الله المؤمنين المتقين. وقصة الخضر مع موسى هي من هذا الباب، وأن الخضر علم هذه

стр. 234

الأحوال المعينة بما أطلعه الله عليه، وهذا باب واسع يطول بسطه قد نبهنا فيه على نكت شريفة تطلعك على ما وراءها) (١) . * * *

стр. 235

النزاع في الأحكام وخفاء العلم بما يوجب الشِّدَّة قد يكون رحمة (النزاع في الأحكام قد يكون رحمةً إذا لم يفض إلى شرٍّ عظيم من خفاء الحكم، ولهذا صنف رجل كتاباً سماه ((كتاب الاختلاف)) ؛ فقال أحمد: سمه ((كتاب السعة)) ، وإن الحق في نفس الأمر واحد، وقد يكون من رحمة الله ببعض الناس خفاؤه لما في ظهوره من الشدة عليه، ويكون من باب قوله تعالى: ﴿لا تَسْألوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (١) . وهكذا ما يوجد في الأسواق من الطعام والثياب قد يكون في نفس الأمر مغصوباً، فإذا لم يعلم الإنسان بذلك كان كله له حلالاً لا إثم عليه فيه بحال؛ بخلاف ما إذا علم، فخفاء العلم بما يوجب الشدة قد يكون رحمة، كما أن خفاء العلم بما يوجب الرخصة قد يكون عقوبة، كما أن رفع الشك قد يكون رحمة وقد يكون عقوبة، والرخصة رحمة) (٢) . * * *

стр. 236

إذا كان الشَّيء شعاراً للكفَّار ثمَّ اعتاده المسلمون وكَثُر فيهم هل تزول حرمته ؟ (كان الصحابة يرمون بالقوس العربية الطويلة التي تشبه قوس الندف، وفتح الله لهم بها البلاد، وقد رويت آثار في كراهة الرمي بالقوس الفارسية عن بعض السلف لكونها كانت شعار الكفار، فأما بعد أن اعتادها المسلمون وكثرت فيهم وهي في أنفسها أنفع في الجهاد من تلك القوس؛ فلا تكره في أظهر قولي العلماء أو قول أكثرهم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ ما اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الخَيْلِ﴾ (١) . والقوة في هذا أبلغ بلا ريب، والصحابة لم تكن هذه عندهم فعدلوا عنها إلى تلك؛ بل لم يكن لهم غيرها، فيُنظر في قصدهم بالرمي: أكان لحاجة إليها إذ ليس لهم غيرها، أم كان لمعنى فيها؟ ومن كره الرمي بها كرهه لمعنى لازم كما يكره الكفر وما يستلزم الكفر، أم كرهها لكونها كانت من شعائر الكفار فكره التشبه بهم؟ وهذا كما أن الكفار من اليهود والنصارى إذا لبسوا ثوب الغيار من أصفر وأزرق نُهي عن لباسه لما فيه من التشبه بهم، وإن كان لو خلا عن ذلك لم يُكره، وفي بلاد لا يلبس هذه الملابس عندهم إلا الكفار فنهي عن لبسها، والذين اعتادوا ذلك من المسلمين لا مفسدة عندهم في لبسها. ولهذا كره أحمد وغيره لباس السواد لما كان في لباسه تشبه بمن يظلم أو يعين على الظلم، وكره بيعه لمن يستعين بلبسه على الظلم، فأما إذا لم يكن فيه مفسدة؛ لم ينه عنه) (٢) .

стр. 237

كل ما قاله ﷺ بعد النُّبوَّة وأُقرَّ عليه ولم ينسخ فهو تشريع (فكل ما قاله بعد النبوة وأُقر عليه ولم ينسخ؛ فهو تشريع، لكن التشريع يتضمن الإيجاب والتحريم والإباحة، ويدخل في ذلك ما دل عليه من المنافع في الطلب؛ فإنه يتضمن إباحة ذلك الدواء والانتفاع به، فهو شرع لإباحته، وقد يكون شرعاً لاستحبابه؛ فإن الناس قد تنازعوا في التداوي: هل هو مباح أو مستحب أو واجب؟ والتحقيق أن منه ما هو محرم، ومنه ما هو مكروه، ومنه ما هو مباح، ومنه ما هو مستحب، وقد يكون منه ما هو واجب، وهو ما يُعلم أنه يحصل به بقاء النفس لا بغيره، كما يجب أكل الميتة عند الضرورة؛ فإنه واجب عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء، وقد قال مسروق: من اضطر إلى أكل الميتة فلم يأكل حتى مات دخل النار. فقد يحصل أحياناً للإنسان إذا استحر المرض ما إن لم يتعالج معه مات، والعلاج المعتاد تحصل معه الحياة؛ كالتغذية للضعيف، وكاستخراج الدم أحياناً. والمقصود أن جميع أقواله يُستفاد منها شرع، وهو ﷺ لما رآهم يلقحون النخل قال لهم: ((ما أرى هذا ـ يعني شيئاً ـ)) ، ثم قال لهم: ((إنما ظننت ظناً؛ فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله؛ فلن أكذب على الله)) (١) ، وقال: ((أنتم أعلم بأمور دنياكم؛ فما كان من أمر دينكم فإلي)) (٢) ، وهو لم ينههم عن التلقيح، لكن هم غلطوا في ظنهم أنه نهاهم،

стр. 238

كما غلط من غلط في ظنه أن (الخيط الأبيض) و (الخيط الأسود) هو الحبل الأبيض والأسود) (١) . * * *

стр. 239

الحديث الضعيف يُروى ويُعمل به في التَّرغيب والتَّرهيب لا في الاستحباب (قول أحمد بن حنبل: إذا جاء الحلال والحرام شددنا في الأسانيد، وإذا جاء الترغيب والترهيب تساهلنا في الأسانيد، وكذلك ما عليه العلماء من العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال: ليس معناه إثبات الاستحباب بالحديث الذي لا يحتج به؛ فإن الاستحباب حكم شرعي؛ فلا يثبت إلا بدليل شرعي، ومن أخبر عن الله أنه يحب عملاً من الأعمال من غير دليل شرعي؛ فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، كما لو أثبت الإيجاب أو التحريم، ولهذا يختلف العلماء في الاستحباب كما يختلفون في غيره، بل هو أصل الدين المشروع. وإنما مرادهم بذلك أن يكون العمل مما قد ثبت أنه مما يحبه الله أو مما يكرهه الله بنص أو إجماع؛ كتلاوة القرآن، والتسبيح، والدعاء، والصدقة، والعتق، والإحسان إلى الناس، وكراهة الكذب والخيانة، ونحو ذلك، فإذا روى حديث في فضل بعض الأعمال المستحبة وثوابها وكراهة بعض الأعمال وعقابها؛ فمقادير الثواب والعقاب وأنواعه إذا روى فيها حديث لا نعلم أنه موضوع جازت روايته والعمل به، بمعنى أن النفس ترجو ذلك الثواب أو تخاف ذلك العقاب، كرجل يعلم أن التجارة تربح، لكن بلغه أنها تربح ربحاً كثيراً؛ فهذا إن صدق نفعه وإن كذب لم يضره، ومثال ذلك الترغيب والترهيب بالإسرائيليات والمنامات وكلمات السلف والعلماء ووقائع العلماء ونحو ذلك مما لا يجوز بمجرده إثبات حكم شرعي؛ لا استحباب ولا غيره، ولكن يجوز أن يذكر في الترغيب والترهيب والترجية والتخويف.

стр. 240

فما عُلم حسنه أو قبحه بأدلة الشرع؛ فإن ذلك ينفع ولا يضر، وسواء كان في نفس الأمر حقاً أو باطلاً، فما عُلم أنه باطل موضوع لم يجز الالتفات إليه؛ فإن الكذب لا يفيد شيئاً، وإذا ثبت أنه صحيح أُثبتت به الأحكام، وإذا احتمل الأمرين روي لإمكان صدقه ولعدم المضرة في كذبه، وأحمد إنما قال: إذا جاء الترغيب والترهيب تساهلنا في الأسانيد، ومعناه أنا نروي في ذلك بالأسانيد وإن لم يكن محدثوها من الثقات الذين يحتج بهم، وكذلك قول من قال: يعمل بها في فضائل الأعمال، إنما العمل بها العمل بما فيها من الأعمال الصالحة مثل التلاوة والذكر والاجتناب لما كُره فيها من الأعمال السيئة. ونظير هذا قول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري عن عبد الله ابن عمرو: ((بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمداً؛ فليتبوأ مقعده من النار)) (١) مع قوله ﷺ في الحديث الصحيح: ((إذا حدثكم أهل الكتاب؛ فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم)) (٢) ؛ فإنه رخص في الحديث عنهم، ومع هذا نهى عن تصديقهم وتكذيبهم، فلو لم يكن في التحديث المطلق عنهم فائدة لما رخص فيه وأمر به، ولو جاز تصديقهم بمجرد الإخبار لما نهى عن تصديقهم؛ فالنفوس تنتفع بما تظن صدقه في مواضع. فإذا تضمنت أحاديث الفضائل الضعيفة تقديراً وتحديداً مثل صلاة في وقت معين بقراءة معينة أو على صفة معينة؛ لم يجز ذلك لأن استحباب هذا الوصف المعين لم يثبت بدليل شرعي، بخلاف ما لو روي فيه من دخل

стр. 241

السوق فقال: لا إله إلا الله كان له كذا وكذا؛ فإن ذكر الله في السوق مستحب لما فيه من ذكر الله بين الغافلين ... فأما تقدير الثواب المروي فيه؛ فلا يضر ثبوته ولا عدم ثبوته ... فالحاصل أن هذا الباب يُروى ويُعمل به في الترغيب والترهيب لا في الاستحباب، ثم اعتقاد موجبه - وهو مقادير الثواب والعقاب - يتوقف على الدليل الشرعي) (١) . * * *

стр. 242

لا يُعرف إجماع على ترك نصٍّ إلاَّ وقد عُرف النَّصُّ النَّاسخ له (كثير ممن يخالف النصوص الصحيحة والسنة الثابتة بلا حجة، إلا مجرد دعوى النسخ، وإذا طولب بالناسخ لم يكن معه حجة لبعض النصوص توهمه ترك العمل، إلا أن مذهب طائفته ترك العمل بها إجماع، والإجماع دليل على النسخ، ولا ريب أنه إذا ثبت الإجماع كان ذلك دليلاً على أنه منسوخ؛ فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولكن لا يُعرف إجماع على ترك نص إلا وقد عُرف النص الناسخ له، ولهذا كان أكثر من يدعي نسخ النصوص بما يدعيه من الإجماع إذا حقق الأمر عليه لم يكن الإجماع الذي ادعاه صحيحاً؛ بل غايته أنه لم يعرف فيه نزاعاً، ثم من ذلك ما يكون أكثر أهل العلم على خلاف قول أصحابه، ولكن هو نفسه لم يعرف أقوال العلماء) (١) . * * *

стр. 243

لفظ الكلام والكلمة لا يُستعمل في اللُّغة إلاَّ مقيَّداً بمعنى الجملة التَّامَّة (لفظ ((الكلام)) و ((الكلمة)) في لغة العرب، بل وفي لغة غيرهم لا تستعمل إلا في المقيد، وهو الجملة التامة، إسمية كانت أو فعلية أو ندائية، إن قيل إنها قسم ثالث. فأما مجرد الاسم أو الفعل أو الحرف الذي جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل؛ فهذا لا يسمى في كلام العرب قط كلمة، وإنما تسمية هذا كلمة اصطلاح نحوي، كما سموا بعض الألفاظ فعلاً، وقسموه إلى فعل ماض ومضارع وأمر. والعرب لم تسم قط اللفظ فعلاً؛ بل النحاة اصطلحوا على هذا، فسموا اللفظ باسم مدلوله؛ فاللفظ الدال على حدوث فعل في زمن ماض سموه فعلاً ماضياً، وكذلك سائرها. وكذلك حيث وُجد في الكتاب والسنة، بل وفي كلام العرب نظمه ونثره لفظ كلمة؛ فإنما يُراد به المفيد التي تسميها النحاة جملة تامة؛ كقوله تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الذينَ قالوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أفْواهِهِمْ إنْ يَقولونَ إلاَّ كَذِباً﴾ (١) ، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذينَ كَفَروا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا﴾ (٢) ، وقوله تعالى: ﴿تَعَالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ (٣) ، وقوله: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً

стр. 244

باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾ (١) ، وقوله: ﴿وَألْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وكانوا أحَقَّ بِها وأهلَها﴾ (٢) ، وقول النبي ﷺ : ((أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل)) (٣) . وقوله: ((كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)) (٤) ، وقوله: ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ به ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ به ما بلغت يكتب الله بها سخطه إلى يوم القيامة)) (٥) ، وقوله: ((لقد قلت بعدك أربع كلمات، لو وزنت بما قلته منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله مداد كلماته)) (٦) (٧) .

стр. 245

الأسماء ثلاثة أنواع شرعيٌّ، ولغويٌّ، وعرفيٌّ (ومما ينبغي أن يُعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عرف تفسيرها وما أريد بها من جهة النبي ﷺ لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم، ولهذا قال الفقهاء: ((الأسماء ثلاثة أنواع)) : نوع يُعرف حده بالشرع؛ كالصلاة والزكاة، ونوع يُعرف حده باللغة؛ كالشمس والقمر، ونوع يُعرف حده بالعرف؛ كلفظ القبض، ولفظ المعروف في قوله: ﴿وَعاشِروهُنَّ بالمَعْروفِ﴾ ونحو ذلك، وروي عن ابن عباس أنه قال: ((تفسير القرآن على أربعة أوجه: تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله، من ادعى علمه فهو كاذب)) ، فاسم الصلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك قد بين الرسول ﷺ ما يُراد بها في كلام الله ورسوله، وكذلك لفظ الخمر وغيرها، ومن هناك يُعرف معناها، فلو أراد أحد أن يفسرها بغير ما بينه النبي ﷺ لم يُقبل منه، وأما الكلام في اشتقاقها ووجه دلالتها؛ فذاك من جنس علم البيان، وتعليل الأحكام هو زيادة في العلم، وبيان حكمة ألفاظ القرآن؛ لكن معرفة المراد بها لا يتوقف على هذا) (١) . * * *

стр. 246

لفظ المجمل والمطلق والعامِّ في اصطلاح الأئمَّة (لفظ المجمل والمطلق والعام كان في اصطلاح الأئمة -كالشافعي، وأحمد، وأبي عبيد، وإسحاق، وغيرهم - سواء لا يريدون بالمجمل ما لا يُفهم منه، كما فسره به بعض المتأخرين وأخطأ في ذلك، بل المجمل ما لا يكفي وحده في العمل به وإن كان ظاهره حقاً؛ كما في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهمْ بِها﴾ (١) ؛ فهذه الآية ظاهرها ومعناها مفهوم، ليست مما لا يُفهم المراد به؛ بل نفس ما دلت عليه لا يكفي وحده في العمل؛ فإن المأمور به صدقة تكون مطهرة مزكية لهم، وهذا إنما يُعرف ببيان الرسول ﷺ ، ولهذا قال أحمد: يحذر المتكلم في الفقه هذين ((الأصلين)) : المجمل والقياس. وقال: أكثر ما يخطىء الناس من جهة التأويل والقياس. يريد بذلك أن لا يحكم بما يدل عليه العام والمطلق قبل النظر فيما يخصه ويقيده، ولا يعمل بالقياس قبل النظر في دلالة النصوص هل تدفعه، فإن أكثر خطأ الناس تمسكهم بما يظنونه من دلالة اللفظ والقياس؛ فالأمور الظنية لا يُعمل بها حتى يُبحث عن المعارض بحثاً يطمئن القلب إليه، وإلا؛ أخطأ من لم يفعل ذلك، وهذا هو الواقع في المتمسكين بالظواهر والأقيسة، ولهذا جعل الاحتجاج بالظواهر مع الإعراض عن تفسير النبي ﷺ وأصحابه طريق أهل البدع، وله في ذلك مصنَّف كبير. وكذلك التمسك بالأقيسة مع الإعراض عن النصوص والآثار طريق أهل البدع، ولهذا كان كل قول ابتدعه هؤلاء قولاً فاسداً، وإنما الصواب من أقوالهم ما وافقوا فيه السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان) (٢) .

стр. 247

التَّسمية بمسائل أصول ومسائل فروع تسمية مُحدثة (إن المسائل الخبرية قد تكون بمنزلة المسائل العملية، وإن سميت تلك ((مسائل أصول)) وهذه ((مسائل فروع)) ؛ فإن هذه تسمية محدثة، قسمها طائفة من الفقهاء والمتكلمين، وهو على المتكلمين والأصوليين أغلب، لا سيما إذا تكلموا في مسائل التصويب والتخطئة. وأما جمهور الفقهاء المحققين والصوفية؛ فعندهم أن الأعمال أهم وآكد من مسائل الأقوال المتنازع فيها؛ فإن الفقهاء كلامهم إنما هو فيها وكثيراً ما يكرهون الكلام في كل مسألة ليس فيها عمل، كما يقوله مالك وغيره من أهل المدينة، بل الحق أن الجليل من كل واحد من الصنفين ((مسائل أصول)) والدقيق ((مسائل فروع)) . فالعلم بوجوب الواجبات كمباني الإسلام الخمس، وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة كالعلم بأن الله على كل شيء قدير وبكل شيء عليم، وأنه سميع بصير، وأن القرآن كلام الله، ونحو ذلك من القضايا الظاهرة المتواترة، ولهذا من جحد تلك الأحكام العملية المجمع عليها كفر، كما أن من جحد هذه كفر. وقد يكون الإقرار بالأحكام العملية أوجب من الإقرار بالقضايا القولية؛ بل هذا هو الغالب، فإن القضايا القولية يكفي فيها الإقرار بالجمل، وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والإيمان بالقدر خيره وشره. وأما الأعمال الواجبة؛ فلا بد من معرفتها على التفصيل لأن العمل بها لا يمكن إلا بعد معرفتها مفصلة، ولهذا تقر الأمة من يفصلها على الإطلاق،

стр. 248

وهم الفقهاء؛ وإن كان قد ينكر على من يتكلم في تفصيل الجمل القولية للحاجة الداعية إلى تفصيل الأعمال الواجبة وعدم الحاجة إلى تفصيل الجمل التي وجب الإيمان بها مجملة) (١) . وقال أيضاً: (والذين فرقوا بين الأصول والفروع لم يذكروا ضابطاً يميز بين النوعين، بل تارة يقولون: هذا قطعيٌّ وهذا ظنيٌّ، وكثير من مسائل الأحكام قطعيٌّ، وكثير من مسائل الأصول ظنيٌّ عند بعض الناس، فإن كون الشَّيء قطعيّاً وظنيّاً أمر إضافيٌّ، وتارة يقولون: الأصول هي العلميَّات الخبريَّات والفروع العمليَّات، وكثير من العمليَّات من جحدها كفر؛ كوجوب الصَّلاة والزَّكاة والصِّيام والحجِّ، وتارة يقولون: هذه عقليَّات وهذه سمعيَّات، وإذا كانت عقليَّات لم يلزم تكفير المخطىء؛ فإنَّ الكفر حكم شرعيٌّ يتعلَّق بالشَّرع، وقد بُسِط هذا في غير هذا الموضع) (٢) . * * *

стр. 249

العموم ثلاثة أقسام والفرق بين مفهوم اللَّفظ المطلق وبين المفهوم المطلق من اللَّفظ (العموم ثلاثة أقسام: ١ - عموم الكل لأجزائه: وهو ما لا يصدق فيه الاسم العام ولا أفراده على جزئه. ٢ - عموم الجميع لأفراده: وهو ما يصدق فيه أفراد الاسم العام على آحاده. ٣ - عموم الجنس لأنواعه وأعيانه: وهو ما يصدق فيه نفس الاسم العام على أفراده. فالأول: عموم الكل لأجزائه في الأعيان والأفعال والصفات؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (١) ، فإن اسم (الوجه) يعم الخد والجبين والجبهة ونحو ذلك، وكل واحد من هذه الأجزاء ليس هو الوجه، فإذا غسل بعض هذه الأجزاء لم يكن غاسلاً للوجه لانتفاء المسمى بانتفاء جزئه. وكذلك في الصفات والأفعال إذا قيل: صل. فصلى ركعة وخرج بغير سلام، أو قيل: صم. فصام بعض يوم لم يكن ممتثلاً؛ لانتفاء معنى الصلاة المطلقة والصوم المطلق، وكذلك إذا قيل: أكرم هذا الرجل. فأطعمه وضربه لم يكن ممتثلاً؛ لأن الإكرام المطلق يقتضي فعل ما يسره وترك ما يسوؤه. فلما قال النبي ﷺ : ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليكرم ضيفه)) (٢) ، فلو أطعمه بعض كفايته وتركه جائعاً لم يكن مكرماً له؛ لانتفاء

стр. 250

أجزاء الإكرام، ولا يقال: الإكرام حقيقة مطلقة، وذلك يحصل بإطعام لقمة، كذلك إذا قال: (خالفوهم) ؛ فالمخالفة المطلقة تنافي الموافقة في بعض الأشياء أو في أكثرها على طريق التساوي؛ لأن المخالفة المطلقة ضد الموافقة المطلقة، فيكون الأمر بأحدهما نهياً عن الآخر، ولا يقال: إذا خالف في شيء ما فقد حصلت المخالفة، كما لا يقال: إذا وافقه في شيء ما فقد حصلت الموافقة. وسر ذلك الفرق بين مفهوم اللفظ المطلق وبين المفهوم المطلق من اللفظ، فإن اللفظ يستعمل مطلقاً ومقيداً. فإذا أخذت المعنى المشترك بين جميع موارده مطلقها ومقيدها كان أعم من المعنى المفهوم منه عند إطلاقه، وذلك المعنى المطلق يحصل بحصول بعض مسميات اللفظ في أي استعمال حصل من استعمالاته المطلقة والمقيدة. وأما معناه في حال إطلاقه؛ فلا يحصل بعض معانيه عند التقييد، بل يقتضي أموراً كثيرةً لا يقتضيها اللفظ المقيد. فكثيراً ما يغلط الغالطون هنا، ألا ترى أن الفقهاء يفرقون بين الماء المطلق وبين المائية المطلقة الثابتة في المني والمتغيرات وسائر المائعات، فأنت تقول عند التقييد: أكرم الضيف بإعطاء هذا الدرهم، فهذا إكرام مقيد، فإذا قلت: أكرم الضيف؛ كنت آمراً بمفهوم اللفظ المطلق، وذلك يقتضي أموراً لا تحصل بحصول إعطاء درهم فقط. وأما القسم الثاني من العموم؛ فهو عموم الجميع لأفراده، كما يعم قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ (١) كل مشرك.
следующие страницы →