← Джавами‘

Джавами‘ · id 22890

المنتخب من كتب شيخ الإسلام

علوي السقاف

Полный текст (364 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

لفظ المجمل والمطلق والعامِّ في اصطلاح الأئمَّة (لفظ المجمل والمطلق والعام كان في اصطلاح الأئمة -كالشافعي، وأحمد، وأبي عبيد، وإسحاق، وغيرهم - سواء لا يريدون بالمجمل ما لا يُفهم منه، كما فسره به بعض المتأخرين وأخطأ في ذلك، بل المجمل ما لا يكفي وحده في العمل به وإن كان ظاهره حقاً؛ كما في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهمْ بِها﴾ (١) ؛ فهذه الآية ظاهرها ومعناها مفهوم، ليست مما لا يُفهم المراد به؛ بل نفس ما دلت عليه لا يكفي وحده في العمل؛ فإن المأمور به صدقة تكون مطهرة مزكية لهم، وهذا إنما يُعرف ببيان الرسول ﷺ ، ولهذا قال أحمد: يحذر المتكلم في الفقه هذين ((الأصلين)) : المجمل والقياس. وقال: أكثر ما يخطىء الناس من جهة التأويل والقياس. يريد بذلك أن لا يحكم بما يدل عليه العام والمطلق قبل النظر فيما يخصه ويقيده، ولا يعمل بالقياس قبل النظر في دلالة النصوص هل تدفعه، فإن أكثر خطأ الناس تمسكهم بما يظنونه من دلالة اللفظ والقياس؛ فالأمور الظنية لا يُعمل بها حتى يُبحث عن المعارض بحثاً يطمئن القلب إليه، وإلا؛ أخطأ من لم يفعل ذلك، وهذا هو الواقع في المتمسكين بالظواهر والأقيسة، ولهذا جعل الاحتجاج بالظواهر مع الإعراض عن تفسير النبي ﷺ وأصحابه طريق أهل البدع، وله في ذلك مصنَّف كبير. وكذلك التمسك بالأقيسة مع الإعراض عن النصوص والآثار طريق أهل البدع، ولهذا كان كل قول ابتدعه هؤلاء قولاً فاسداً، وإنما الصواب من أقوالهم ما وافقوا فيه السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان) (٢) .

стр. 247

التَّسمية بمسائل أصول ومسائل فروع تسمية مُحدثة (إن المسائل الخبرية قد تكون بمنزلة المسائل العملية، وإن سميت تلك ((مسائل أصول)) وهذه ((مسائل فروع)) ؛ فإن هذه تسمية محدثة، قسمها طائفة من الفقهاء والمتكلمين، وهو على المتكلمين والأصوليين أغلب، لا سيما إذا تكلموا في مسائل التصويب والتخطئة. وأما جمهور الفقهاء المحققين والصوفية؛ فعندهم أن الأعمال أهم وآكد من مسائل الأقوال المتنازع فيها؛ فإن الفقهاء كلامهم إنما هو فيها وكثيراً ما يكرهون الكلام في كل مسألة ليس فيها عمل، كما يقوله مالك وغيره من أهل المدينة، بل الحق أن الجليل من كل واحد من الصنفين ((مسائل أصول)) والدقيق ((مسائل فروع)) . فالعلم بوجوب الواجبات كمباني الإسلام الخمس، وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة كالعلم بأن الله على كل شيء قدير وبكل شيء عليم، وأنه سميع بصير، وأن القرآن كلام الله، ونحو ذلك من القضايا الظاهرة المتواترة، ولهذا من جحد تلك الأحكام العملية المجمع عليها كفر، كما أن من جحد هذه كفر. وقد يكون الإقرار بالأحكام العملية أوجب من الإقرار بالقضايا القولية؛ بل هذا هو الغالب، فإن القضايا القولية يكفي فيها الإقرار بالجمل، وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والإيمان بالقدر خيره وشره. وأما الأعمال الواجبة؛ فلا بد من معرفتها على التفصيل لأن العمل بها لا يمكن إلا بعد معرفتها مفصلة، ولهذا تقر الأمة من يفصلها على الإطلاق،

стр. 248

وهم الفقهاء؛ وإن كان قد ينكر على من يتكلم في تفصيل الجمل القولية للحاجة الداعية إلى تفصيل الأعمال الواجبة وعدم الحاجة إلى تفصيل الجمل التي وجب الإيمان بها مجملة) (١) . وقال أيضاً: (والذين فرقوا بين الأصول والفروع لم يذكروا ضابطاً يميز بين النوعين، بل تارة يقولون: هذا قطعيٌّ وهذا ظنيٌّ، وكثير من مسائل الأحكام قطعيٌّ، وكثير من مسائل الأصول ظنيٌّ عند بعض الناس، فإن كون الشَّيء قطعيّاً وظنيّاً أمر إضافيٌّ، وتارة يقولون: الأصول هي العلميَّات الخبريَّات والفروع العمليَّات، وكثير من العمليَّات من جحدها كفر؛ كوجوب الصَّلاة والزَّكاة والصِّيام والحجِّ، وتارة يقولون: هذه عقليَّات وهذه سمعيَّات، وإذا كانت عقليَّات لم يلزم تكفير المخطىء؛ فإنَّ الكفر حكم شرعيٌّ يتعلَّق بالشَّرع، وقد بُسِط هذا في غير هذا الموضع) (٢) . * * *

стр. 249

العموم ثلاثة أقسام والفرق بين مفهوم اللَّفظ المطلق وبين المفهوم المطلق من اللَّفظ (العموم ثلاثة أقسام: ١ - عموم الكل لأجزائه: وهو ما لا يصدق فيه الاسم العام ولا أفراده على جزئه. ٢ - عموم الجميع لأفراده: وهو ما يصدق فيه أفراد الاسم العام على آحاده. ٣ - عموم الجنس لأنواعه وأعيانه: وهو ما يصدق فيه نفس الاسم العام على أفراده. فالأول: عموم الكل لأجزائه في الأعيان والأفعال والصفات؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (١) ، فإن اسم (الوجه) يعم الخد والجبين والجبهة ونحو ذلك، وكل واحد من هذه الأجزاء ليس هو الوجه، فإذا غسل بعض هذه الأجزاء لم يكن غاسلاً للوجه لانتفاء المسمى بانتفاء جزئه. وكذلك في الصفات والأفعال إذا قيل: صل. فصلى ركعة وخرج بغير سلام، أو قيل: صم. فصام بعض يوم لم يكن ممتثلاً؛ لانتفاء معنى الصلاة المطلقة والصوم المطلق، وكذلك إذا قيل: أكرم هذا الرجل. فأطعمه وضربه لم يكن ممتثلاً؛ لأن الإكرام المطلق يقتضي فعل ما يسره وترك ما يسوؤه. فلما قال النبي ﷺ : ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليكرم ضيفه)) (٢) ، فلو أطعمه بعض كفايته وتركه جائعاً لم يكن مكرماً له؛ لانتفاء

стр. 250

أجزاء الإكرام، ولا يقال: الإكرام حقيقة مطلقة، وذلك يحصل بإطعام لقمة، كذلك إذا قال: (خالفوهم) ؛ فالمخالفة المطلقة تنافي الموافقة في بعض الأشياء أو في أكثرها على طريق التساوي؛ لأن المخالفة المطلقة ضد الموافقة المطلقة، فيكون الأمر بأحدهما نهياً عن الآخر، ولا يقال: إذا خالف في شيء ما فقد حصلت المخالفة، كما لا يقال: إذا وافقه في شيء ما فقد حصلت الموافقة. وسر ذلك الفرق بين مفهوم اللفظ المطلق وبين المفهوم المطلق من اللفظ، فإن اللفظ يستعمل مطلقاً ومقيداً. فإذا أخذت المعنى المشترك بين جميع موارده مطلقها ومقيدها كان أعم من المعنى المفهوم منه عند إطلاقه، وذلك المعنى المطلق يحصل بحصول بعض مسميات اللفظ في أي استعمال حصل من استعمالاته المطلقة والمقيدة. وأما معناه في حال إطلاقه؛ فلا يحصل بعض معانيه عند التقييد، بل يقتضي أموراً كثيرةً لا يقتضيها اللفظ المقيد. فكثيراً ما يغلط الغالطون هنا، ألا ترى أن الفقهاء يفرقون بين الماء المطلق وبين المائية المطلقة الثابتة في المني والمتغيرات وسائر المائعات، فأنت تقول عند التقييد: أكرم الضيف بإعطاء هذا الدرهم، فهذا إكرام مقيد، فإذا قلت: أكرم الضيف؛ كنت آمراً بمفهوم اللفظ المطلق، وذلك يقتضي أموراً لا تحصل بحصول إعطاء درهم فقط. وأما القسم الثاني من العموم؛ فهو عموم الجميع لأفراده، كما يعم قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ (١) كل مشرك.

стр. 251

والقسم الثالث من أقسام العموم: عموم الجنس لأعيانه، كما يعم قوله: ((لا يُقتَل مسلم بكافر)) (١) جميع أنواع القتل: المسلم والكافر) (٢) . * * *

стр. 252

أنواع الأعياد الزَّمانية (العيد يكون اسماً لنفس المكان، ولنفس الزمان، ولنفس الاجتماع، وهذه الثلاثة قد أحدث منها أشياء. أما الزمان؛ فثلاثة أنواع، ويدخل فيها بعض بدع أعياد المكان والأفعال: أحدها: يوم لم تعظمه الشريعة أصلاً، ولم يكن له ذكر في السلف، ولا جرى فيه ما يوجب تعظيمه؛ مثل أول خميس من رجب، وليلة تلك الجمعة التي تسمى الرغائب؛ فإن تعظيم هذا اليوم والليلة إنما حدث في الإسلام بعد المئة الرابعة، وروي فيه حديث موضوع باتفاق العلماء، مضمونه: فضيلة صيام ذلك اليوم وفعل هذه الصلاة المسماة عند الجاهلين بصلاة الرغائب، وقد ذكر ذلك بعض المتأخرين من العلماء من الأصحاب وغيرهم، والصواب الذي عليه المحققون من أهل العلم النهي عن إفراد هذا اليوم بالصوم، وعن هذه الصلاة المحدثة، وعن كل ما فيه تعظيم لهذا اليوم من صنعة الأطعمة وإظهار الزينة ونحو ذلك؛ حتى يكون هذا اليوم بمنزلة غيره من الأيام، وحتى لا يكون له مزية أصلاً. وكذلك يوم آخر في وسط رجب يصلى فيه صلاة تسمى صلاة أم داود؛ فإن تعظيم هذا اليوم لا أصل له في الشريعة أصلاً. النوع الثاني: ما جرى فيه حادثة كما كان يجري في غيره، من غير أن يوجب ذلك جعله موسماً، ولا كان السلف يعظمونه؛ كثامن عشر ذي الحجة الذي خطب النبي ﷺ فيه بغدير خم مرجعه من حجة الوداع؛ فإنه ﷺ خطب فيه خطبة وصى فيها باتباع كتاب الله، ووصى فيها بأهل بيته كما

стр. 253

روى ذلك مسلم في ((صحيحه)) (١) عن زيد بن أرقم ﵁، فزاد بعض أهل الأهواء في ذلك حتى زعموا أنه عهد إلى علي ﵁ بالخلافة بالنص الجلي بعد أن فرش له وأقعده على فراش عالية، وذكروا كلاماً وعملاً قد عُلم بالاضطرار أنه لم يكن من ذلك شيء، وزعموا أن الصحابة تمالؤوا على كتمان هذا النص، وغصبوا الوصي حقه، وفسقوا وكفروا إلاّ نفراً قليلاً. والعادة التي جبل الله عليها بني آدم ثم ما كان القوم عليه من الأمانة والديانة وما أوجبته شريعتهم من بيان الحق يوجب العلم اليقيني بأن مثل هذا ممتنع كتمانه ... النوع الثالث: ما هو مُعَظَّم في الشريعة؛ كيوم عاشوراء، ويوم عرفة، ويومي العيدين، والعشر الأواخر من شهر رمضان، والعشر الأول من ذي الحجة، وليلة الجمعة ويومها، والعشر الأول من المحرم، ونحو ذلك من الأوقات الفاضلة؛ فهذا الضرب قد يحدث فيه ما يعتقد أن له فضيلة، وتوابع ذلك ما يصير منكراً يُنهى عنه، مثل ما أحدث بعض أهل الأهواء في يوم عاشوراء من التعطش والتحزن والتجمع وغير ذلك من الأمور المحدثة التي لم يشرعها الله تعالى ولا رسوله ﷺ ، ولا أحد من السلف؛ لا من أهل بيت رسول الله ﷺ ، ولا من غيرهم ... ) (٢) . * * *

стр. 254

الفرق بين الأمكنة التي قصد النبي ﷺ الصَّلاة أو الدُّعاء عندها وبين ما فعل فيها ذلك اتِّفاقاً (الأمكنة التي كان النبي ﷺ يقصد الصلاة أو الدعاء عندها؛ فقصد الصلاة فيها أو الدعاء سنة اقتداءً برسول الله ﷺ واتباعاً له، كما إذا تحرى الصلاة أو الدعاء في وقت من الأوقات، فإن قصد الصلاة أو الدعاء في ذلك الوقت سنة كسائر عباداته وسائر الأفعال التي فعلها على وجه التقرب، ومثل هذا ما خرجاه في ((الصحيحين)) عن يزيد بن أبي عبيد؛ قال: كان سلمة ابن الأكوع يتحرى الصلاة عند الاسطوانة التي عند المصحف، فقلت له: يا أبا مسلم! أراك تتحرى الصلاة عند هذه الاسطوانة! قال: رأيت النبي ﷺ يتحرى الصلاة عندها (١) . وفي رواية لمسلم عن سلمة بن الأكوع: أنه كان يتحرى الصلاة موضع المصحف، يسبح فيه، وذكر أن رسول الله ﷺ كان يتحرى ذلك المكان، وكان بين المنبر والقبلة قدر ممر الشاة (٢) . وقد ظن بعض المصنفين أن هذا مما اختلف فيه، وليس بجيد؛ فإنه هنا أخبر أن النبي ﷺ كان يتحرى البقعة؛ فكيف لا يكون هذا القصد مستحباً؟! نعم، إيطان بقعة في المسجد لا يصلى إلا فيها منهٌّي عنه كما جاءت به السنة، والإيطان ليس هو التحري من غير إيطان، فيجب الفرق بين اتباع النبي ﷺ والاستنان به فيما فعله وبين ابتداع بدعة لم يسنها لأجل تعلقها به. وقد تنازع العلماء فيما إذا فعل فعلاً من المباحات لسبب وفعلناه نحن تشبهاً به مع انتفاء ذلك السبب؛ فمنهم من يستحب ذلك ومنهم من لا يستحبه، وعلى هذا يخرج فعل ابن عمر ﵄ بأن النبي ﷺ كان

стр. 255

يصلي في تلك البقاع التي في طريقه لأنها كانت منزله، لم يتحر الصلاة فيها لمعنى في البقعة؛ فنظير هذا أن يصلي المسافر في منزله، وهذا سنة، فأما قصد الصلاة في تلك البقاع التي صلى فيها اتفاقاً؛ فهذا لم يُنقل عن غير ابن عمر من الصحابة؛ بل كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار يذهبون من المدينة إلى مكة حجاجاً وعماراً ومسافرين، ولم يُنقل عن أحد منهم أنه تحرى الصلاة في مصليات النبي ﷺ ، ومعلوم أن هذا لو كان عندهم مستحباً لكانوا إليه أسبق؛ فإنهم أعلم بسنته وأتبع لها من غيرهم، وقد قال ﷺ : ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)) (١) . وتحري هذا ليس من سنة الخلفاء الراشدين، بل هو مما ابْتُدِع، وقول الصحابي إذا خالفه نظيره ليس بحجة؛ فكيف إذا انفرد به عن جماهير الصحابة؟! أيضاً؛ فإن تحري الصلاة فيها ذريعة إلى اتخاذها مساجد والتشبه بأهل الكتاب مما نهينا عن التشبه بهم فيه، وذلك ذريعة إلى الشرك بالله، والشارع قد حسم هذه العادة بالنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وبالنهي عن اتخاذ القبور مساجد، فإذا كان قد نهى عن الصلاة المشروعة في هذا المكان وهذا الزمان سداً للذريعة؛ فيكف يستحب قصد الصلاة والدعاء في مكان اتفق قيامهم فيه أو صلاتهم فيه من غير أن يكونوا قد قصدوه للصلاة فيه والدعاء فيه؟! ولو ساغ هذا لاستحب قصد جبل حراء

стр. 256

والصلاة فيه، وقصد جبل ثور والصلاة فيه، وقصد الأماكن التي يُقال: إن الأنبياء قاموا فيها، كالمقامين الذين بطريق جبل قاسيون بدمشق اللذين يقال: إنها مقام إبراهيم وعيسى، والمقام الذي يقال: إنه مغارة دم قابيل، وأمثال ذلك من البقاع التي بالحجاز والشام وغيرهما. ثم ذلك يفضي إلى ما أفضت إليه مفاسد القبور؛ فإنه يقال: إن هذا مقام نبي، أو قبر نبي أو ولي، بخبر لا يُعرف قائله، أو بمنام لا تُعرف حقيقته، ثم يترتب على ذلك اتخاذه مسجداً، فيصير وثنا يُعبد من دون الله تعالى، شرك مبني على إفك، والله سبحانه يقرن في كتابه بين الشرك والكذب، كما يقرن بين الصدق والإخلاص ... ) (١) . * * *

стр. 257

تفريق مهمٌّ بين الإجزاء والإثابة (الإجزاء والإثابة يجتمعان ويفترقان؛ فالإجزاء براءة الذمة من عهدة الأمر، وهو السلامة من ذم الرب أو عقابه، والثواب الجزاء على الطاعة وليس الثواب من مقتضيات مجرد الامتثال، بخلاف الإجزاء؛ فإن الأمر يقتضي إجزاء المأمور به لكن هما مجتمعان في الشرع؛ إذ قد استقر فيه أن المطيع مثاب والعاصي معاقب، وقد يفترقان فيكون الفعل مجزئاً لا ثواب فيه إذا قارنه من المعصية ما يقابل الثواب، كما قيل: ((رب صائم حظه من صيامه العطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر)) (١) ؛ فإن قول الزور والعمل به في الصيام أوجب إثماً يقابل ثواب الصوم، وقد اشتمل الصوم على الامتثال المأمور به والعمل المنهي عنه، فبرئت الذمة للامتثال ووقع الحرمان للمعصية، وقد يكون مثاباً عليه غير مجزىء إذا فعله ناقصاً عن الشرائط والأركان، فيثاب على ما فعل، ولا تبرأ الذمة إلا بفعله كاملاً. وهذا تحرير جيد أن فعل المأمور به يوجب البراءة، فإن قارنه معصية بقدره تخل بالمقصود قابل الثواب، وإن نقص المأمور به أثيب ولم تحصل البراءة التامة؛ فإما أن يعاد، وإما أن يجبر، وإما أن يأثم. فتدبر هذا الأصل؛ فإن المأمور به مثل المحبوب المطلوب، إذا لم يحصل تاماً لم يكن المأمور بريئاً من العهدة، فنقصه إما أن يجبر بجنسه أو ببدل، أو بإعادة الفعل كاملاً إذا كان مرتبطاً، وإما أن يبقى في العهدة كركوب المنهي عنه. فالأول: مثل من أخرج الزكاة ناقصاً؛ فإنه يخرج التمام.

стр. 258

والثاني: مثل من ترك واجبات الحج؛ فإنه يجبر بالدم، ومن ترك واجبات الصلاة المجبورة بالسجود. والثالث: مثل من ضحى بمعيبة أو أعتق معيباً أو صلى بلا طهارة. والرابع: مثل من فوت الجمعة والجهاد المتعين. وإذا حصل مقارناً لمحظور يضاد بعض أجزائه لم يكن قد حصل؛ كالوطىء في الإحرام فإنه يفسده، وإن لم يضاد بعض الأجزاء يكون قد اجتمع المأمور والمحظور؛ كفعل محظورات الإحرام فيه أو فعل قول الزور والعمل به في الصيام؛ فهذه ثلاثة أقسام في المحظور كالمأمور؛ إذ المأمور به إذا تركه يستدرك تارة بالجبران والتكميل، وتارة بالإعادة؛ وتارة لا يستدرك بحال. والمحظور كالمأمور: إما أن يوجب فساده فيكون فيه الإعادة أو لا يستدرك، وإما أن يوجب نقصه مع الإجزاء فيجبر أو لا يجبر، وإما أن يوجب إثماً فيه يقابل ثوابه؛ فالأول كإفساد الحج، والثاني كإفساد الجمعة، والثالث كالحج مع محظوراته، والرابع كالصلاة مع مرور المصلي أمامه، والخامس كالصوم مع قول الزور والعمل به. فهذه المسائل مسألة الفعل الواحد والفاعل الواحد والعين الواحدة: هل يجتمع فيه أن يكون محموداً مذموماً، مرضياً مسخوطاً، محبوباً مبغضاً، مثاباً معاقباً، متلذذاً متألماً؛ يشبه بعضها بعضاً؟ والاجتماع ممكن من وجهين، لكن من وجه واحد متعذر، وقد قال تعالى: ﴿يَسْألونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فيهِما إثْمٌ كَبيرٌ وَمَنافِعُ للنَّاسِ وإثْمُهُمَا أكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما﴾ (١) (٢) .

стр. 259

ما أطلقه الله من الأسماء وعلَّق به الأحكام لم يكن لأحد أن يقيِّده إلاَّ بدلالة من الله ورسوله (الاسم إذا بين النبي ﷺ حد مسماه لم يلزم أن يكون قد نقله عن اللغة أو زاد فيه، بل المقصود أنه عرف مراده بتعريفه هو ﷺ كيف ما كان الأمر؛ فإن هذا هو المقصود، وهذا كاسم الخمر؛ فإنه قد بين أن كل مسكر خمر فعرف المراد بالقرآن، وسواء كانت العرب قبل ذلك تطلق لفظ الخمر على كل مسكر أو تخص به عصير العنب لا يحتاج إلى ذلك؛ إذ المطلوب معرفة ما أراد الله ورسوله بهذا الاسم، وهذا قد عُرف ببيان الرسول ﷺ ، وبأن الخمر في لغة المخاطبين بالقرآن كانت تتناول نبيذ التمر وغيره، ولم يكن عندهم بالمدينة خمر غيرها، وإذا كان الأمر كذلك؛ فما أطلقه الله من الأسماء وعلق به الأحكام من الأمر والنهي والتحليل والتحريم لم يكن لأحد أن يقيده إلا بدلالة من الله ورسوله. فمن ذلك اسم الماء مطلق في الكتاب والسنة، ولم يقسمه النبي ﷺ إلى قسمين: طهور وغير طهور؛ فهذا التقسيم مخالف للكتاب والسنة، وإنما قال الله: ﴿فَلَمْ تَجِدوا ماءً﴾ (١) ، وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع، وبينا أن كل ما وقع عليه اسم الماء فهو طاهر طهور، سواء كان مستعملاً في طهر واجب أو مستحب أو غير مستحب، وسواء وقعت فيه نجاسة أو لم تقع إذا عُرف أنها قد استحالت فيه واستهلكت، وأما إن ظهر أثرها فيه؛ فإنه يحرم استعماله لأنه استعمال للمحرم. ومن ذلك اسم الحيض، علق الله به أحكاماً متعددة في الكتاب والسنة، ولم يقدر لا أقله ولا أكثره، ولا الطهر بين الحيضتين مع عموم بلوى

стр. 260

الأمة بذلك واحتياجهم إليه، واللغة لا تفرق بين قدر وقدر، فمن قدر في ذلك حداً؛ فقد خالف الكتاب والسنة، والعلماء منهم من يحد أكثره وأقله ثم يختلفون في التحديد، ومنهم من يحد أكثره دون أقله، والقول الثالث أصح: أنه لا حد لا لأقله ولا لأكثره، بل ما رأته المرأة عادة مستمرة فهو حيض؛ وإن قُدِّر أنه أقل من يوم استمر بها على ذلك فهو حيض، وإن قُدِّر أن أكثره سبعة عشر استمر بها على ذلك فهو حيض، وأما إذا استمر الدم بها دائماً؛ فهذا قد عُلم أنه ليس بحيض، لأنه قد عُلم من الشرع واللغة أن المرأة تارة تكون طاهراً وتارة تكون حائضاً، ولطهرها أحكام ولحيضها أحكام) (١) . * * *

стр. 261

لفظ الأمر إذا أُطلق تناول النَّهي (إن لفظ ((الأمر)) إذا أُطلق تناول النهي، ومنه قوله: ﴿أطيعوا اللهَ وأطيعوا الرَّسولَ وأولي الأمْرِ﴾ (١) ؛ أي: أصحاب الأمر، ومن كان صاحب الأمر كان صاحب النهي ووجبت طاعته في هذا وهذا؛ فالنهي داخل في الأمر، وقال موسى للخضر: ﴿سَتَجِدُني إنْ شاءَ اللهُ صابِراً ولا أعْصي لَكَ أمْراً. قالَ فإنِ اتَّبَعْتَني فَلاَ تَسْألني عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ (٢) ، وهذا نهي له عن السؤال حتى يحدث له منه ذكراً، ولما خرق السفينة قال له موسى: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إمْراً﴾ (٣) فسأله قبل إحداث الذكر، وقال في الغلام ﴿أقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً﴾ (٤) فسأله قبل إحداث الذكر، وقال في الجدار: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْراً﴾ (٥) وهذا سؤال من جهة المعنى؛ فإن السؤال والطلب قد يكون بصيغة الشرط، كما تقول: لو نزلت عندنا لأكرمناك، وإن بت الليلة عندنا أحسنت إلينا، ومنه قول آدم: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنَا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا لَنَكونَنَّ مِنَ الخاسرينَ﴾ (٦) ، وقول نوح: ﴿رَبِّ إني أعوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لي بِهِ عِلْمٌ وإلاَّ تَغْفِرْ لي وَتَرْحَمْني أكُنْ مِنَ الخاسرينَ﴾ (٧) ، ومثله كثير، ولهذا قال موسى: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ

стр. 262

شَيْءٍ بَعْدَها فَلاَ تُصاحِبْني﴾ (١) ؛ فدل على أنه سأله الثلاث قبل أن يحدث له الذكر، وهذا معصية لنهيه، وقد دخل في قوله: ﴿ولا أعْصي لَكَ أمْراً﴾ فدل على أن عاصي النهي عاص الأمر) (٢) . * * *

стр. 263

القسم الخامس [مسائل متفرقة]

стр. 264

المخالطة المطلقة والانفراد المطلق خطأ (لا بد للعبد من أوقات ينفرد بها بنفسه في دعائه وذكره وصلاته وتفكره ومحاسبة نفسه وإصلاح قلبه، وما يختص به من الأمور التي لا يشركه فيها غيره؛ فهذه يحتاج فيها إلى انفراده بنفسه: إما في بيته كما قال طاووس: نعم صومعة الرجل بيته يكف فيها بصره ولسانه، وإما في غير بيته. فاختيار المخالطة مطلقاً خطأ، واختيار الانفراد مطلقاً خطأ، وأما مقدار ما يحتاج إليه كل أنسان من هذا وهذا وما هو الأصلح له في كل حال؛ فهذا يحتاج إلى نظر خاصٍّ) (١) . * * *

стр. 265

ليس كل مركب ولباس وطعام لم يكن موجوداً في عهد النَّبيِّ ﷺ لايحلُّ (إن ما خلقه الله في سائر الأرض من القوت واللباس والمراكب والمساكن لم يكن كل نوع منه كان موجوداً في الحجاز؛ فلم يأكل النبي ﷺ من كل نوع من أنواع الطعام القوت والفاكهة، ولا لبس من كل نوع من أنواع اللباس، ثم إن من كان من المسلمين بأرض أخرى؛ كالشام، ومصر، والعراق، واليمن، وخراسان، وأرمينية، وأذربيجان، والمغرب، وغير ذلك عندهم أطعمة وثياب موجودة عندهم أو مجلوبة من مكان آخر، فليس لهم أن يظنوا ترك الانتفاع بذلك الطعام واللباس سنة لكون النبي ﷺ لم يأكل مثله ولم يلبس مثله ... ؛ فإن الله يقول: ﴿وَقَدَّرَ فيها أقْواتَهَا﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿هُوَ الذي خَلَقَ لَكُمْ ما في الأرْضِ جَميعاً﴾ (٢) ، وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا في السَّمواتِ وَمَا في الأرْضِ جَميعاً مِنْهُ﴾ (٣) ، وقال تعالى: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحميرَ لِتَرْكَبوها وزينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمونَ﴾ (٤) ، ولم تكن البغال موجودة بأرض العرب، ولم يركب النبي ﷺ بغلة إلا البغلة التي أهداها له المقوقس من أرض مصر بعد صلح الحديبية، وهذه الآية نزلت بمكة، ومثلها في القرآن يمتن الله على عباده بنعمه التي لم تكن بأرض الحجاز؛ كقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ أنَّا صَبْبنا الماءَ صَبّاً. ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقّاً. فأنْبَتْنا فيها حَبّاً. وَعِنَباً وَقَضْباً. وَزَيْتوناً وَنَخْلاً. وَحَدائِقَ غُلْباً. وَفَاكِهَةً وأبّاَ﴾ (٥) ، ولم يكن بأرض الحجاز

стр. 266

زيتون، ولا نُقل عن النبي ﷺ أنه أكل زيتوناً، ولكن لعل الزيت كان يُجلب اليهم، وقد قال تعالى: ﴿والتِّينِ والزَّيتونِ﴾ (١) ولم يكن بأرضهم لا هذا ولا هذا، ولا نُقل عن النبي ﷺ أنه أكل منهما، وكذلك قوله: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طورِ سيناءَ تَنْبِتُ بالدِّهْنِ وَصِبْغٍ للآكِلينَ﴾ (٢) ، وقد قال النبي ﷺ : ((كلوا الزيت وادهنوا به؛ فإنه من شجرة مباركة)) (٣) ، وقال تعالى: ﴿الزُّجاجَةُ كأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْيِبَّةٍ يَكادُ زَيْتُهَا يُضيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ (٤) ، وكذلك قوله: ﴿حَدائِقَ غُلْباً﴾ (٥) . وكذلك قوله في البحر: ﴿لِتَأْكُلوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجوا مِنْهُ حِلُيَةً تَلْبَسونَها﴾ (٦) ، وقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبونَ. لِتَسْتَووا عَلَى ظهورِهِ ثُمَّ تَذْكُروا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتقولوا سُبْحانَ الذي سَخَّرَ لنا هذا وما كُنَّا لَهُ مُقْرِنينَ وإنَّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبونَ﴾ (٧) ، ولم يركب النبي ﷺ البحر ولا أبو بكر ولا عمر، وقد أخبر ﷺ بمن يركب البحر من أمته غزاة في سبيل الله كأنهم ملوك على الأسرة - لأم حرام بنت ملحان - وقالت: أدع الله أن يجعلني منهم. فقال: ((أنت منهم)) (٨) .

стр. 267

وكانت سنة رسول الله ﷺ أنه يطعم ما يجده في أرضه، ويلبس ما يجده، ويركب ما يجده؛ مما أباحه الله تعالى، فمن استعمل ما يجده في أرضه فهو المتبع للسنة، كما أنه حج البيت من مدينته، فمن حج البيت من مدينة نفسه فهو المتبع للسنة وإن لم تكن هذه المدينة تلك. وهذا باب واسع قد بسطناه في غير هذا الموضع، وميزنا بين السنة والبدعة، وبينا أن السنة هي ما قام الدليل الشرعي عليه بأنه طاعة لله ورسوله، سواء فعله رسول الله ﷺ أو فُعل على زمانه، أو لم يفعله ولم يُفعل على زمانه لعدم المقتضى حينئذ لفعله أو وجود المانع منه) (١) . * * *

стр. 268

كلُّ من ترك واجباً لم يَعلم وجوبه أو فعل محظوراً لم يَعلم أنَّه محظور لم تلزمه الإعادة إذا عُلم (كل من ترك واجباً لم يَعلم وجوبه، فإذا عَلم وجوبه فعله، ولا تلزمه الإعادة فيما مضى في أصح القولين في مذهب أحمد وغيره. وكذلك من فعل محظوراً في الصلاة لم يَعلم أنه محظور ثم عَلم، كمن كان يصلي في أعطان الإبل، أو لا يتوضأ الوضوء الواجب الذي لم يعلم وجوبه؛ كالوضوء من لحوم الإبل، وهذا بخلاف الناسي؛ فإن العالم بالوجوب إذا نسي صلى متى ذكر، كما قال ﷺ : ((من نام عن صلاة أو نسيها؛ فليصلها إذا ذكرها)) (١) ، وأما من لم يعلم الوجوب؛ فإذا علمه صلى صلاة الوقت وما بعدها ولا إعادة عليه؛ كما ثبت في ((الصحيحين)) أن النبي ﷺ قال للأعرابي المسيء في صلاته: ((ارجع فصل فإنك لم تصل)) (٢) . قال: والذي بعثك بالحق؛ لا أحسن غير هذا؛ فعلمني ما يجزيني في صلاتي. فعلمه ﷺ وقد أمره بإعادة صلاة الوقت ولم يأمره بإعادة ما مضى من الصلاة، مع قوله: ((لا أحسن غير هذا)) . وكذلك لم يأمر عمراً وعماراً بقضاء الصلاة، وعمر لما أجنب لم يصل، وعمار تمرغ كما تتمرغ الدابة، ولم يأمر أبا ذر بما تركه من الصلاة وهو جنب، ولم يأمر المستحاضة أن تقضي ما تركت مع قولها: إني أستحاض حيضة شديدة منعتني الصوم والصلاة.

стр. 269

ولم يأمر الذين أكلوا في رمضان حتى تبين لهم الحبال البيض من السود بالإعادة، والصلاة أول ما فُرضت كانت ركعتين ركعتين، ثم لما هاجر زيد في صلاة الحضر ففُرضت أربعاً، وكان بمكة وأرض الحبشة والبوادي كثير من المسلمين لم يعلموا بذلك الا بعد مدة، وكانوا يصلون ركعتين فلم يأمرهم بأعادة ما صلوا. كما لم يأمر الذين كانوا يصلون إلى القبلة المنسوخة بالإعادة مدة صلاتهم إليها قبل أن يبلغهم الناسخ؛ فعُلم أنه لا فرق بين الخطاب المبتدأ والخطاب الناسخ، والركعتان الزائدتان إيجابهما مبتدأ وإيجاب الكعبة ناسخ، وكذلك التشهد وغيره إنما وجب في أثناء الأمر وكثير من المسلمين لم يبلغهم الوجوب إلا بعد مدة. ومن المنسوخ أن جماعة من أكابر الصحابة كانوا لا يغتسلون من الإقحاط (١) ؛ بل يرون الماء من الماء؛ حتى ثبت عندهم النسخ، ومنهم من لم يثبت عنده النسخ، وكانوا يصلون بدون الطهارة الواجبة شرعاً لعدم علمهم بوجوبها، ويصلي أحدهم وهو جنب) (٢) . * * *

стр. 270

الأجر على قدر منفعة العمل لا على قدر المشَّقة فقط (ومما ينبغي أن يُعرف أن الله ليس رضاه أو محبته في مجرد عذاب النفس وحملها على المشاق، حتى يكون العمل كل ما كان أشق كان أفضل، كما يحسب كثير من الجهال أن الأجر على قدر المشقة في كل شيء، لا! ولكن الأجر على قدر منفعة العمل ومصلحته وفائدته، وعلى قدر طاعة أمر الله ورسوله؛ فأي العملين كان أحسن وصاحبه أطوع وأتبع كان أفضل، فإن الأعمال لا تتفاضل بالكثرة، وإنما تتفاضل بما يحصل في القلوب حال العمل. ولهذا لما نذرت أخت عقبة بن عامر أن تحج ماشية حافية؛ قال النبي ﷺ : ((إن الله لغني عن تعذيب أختك نفسها، مرها فلتركب)) (١) ، وروي: أنه أمرها بالهدي، وروي بالصوم. وكذا حديث جويرية في تسبيحها بالحصى أو النوى، وقد دخل عليها ضحى ثم دخل عليها عشية، فوجدها على تلك الحال، وقوله لها: ((لقد قلت بعدك أربع كلمات، ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لرجحت)) (٢) . وأصل ذلك أن يعلم العبد أن الله لم يأمرنا إلا بما فيه صلاحنا، ولم ينهنا إلا عما فيه فسادنا، ولهذا يثني الله على العمل الصالح، ويأمر بالصلاح

стр. 271

والإصلاح وينهى عن الفساد. فالله سبحانه إنما حرم علينا الخبائث لما فيها من المضرة والفساد، وأمرنا بالأعمال الصالحة لما فيها من المنفعة والصلاح لنا، وقد لا تحصل هذه الأعمال إلا بمشقة؛ كالجهاد، والحج، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وطلب العلم؛ فيحتمل تلك المشقة ويثاب عليها لما يعقبه من المنفعة، كما قال النبي ﷺ لعائشة لما أعتمرت من التنعيم عام حجة الوداع: ((أجرك على قدر نصبك)) (١) ، وأما إذا كانت فائدة العمل منفعة لا تقاوم مشقته؛ فهذا فساد، والله لا يحب الفساد. ومثال ذلك منافع الدنيا، فإن من تحمل مشقة لربح كثير أو دفع عدو عظيم كان هذا محموداً، وأما من تحمل كلفاً عظيمةً ومشاقاً شديدةً لتحصيل يسير من المال أو دفع يسير من الضرر كان بمنزلة من أعطى ألف درهم ليعتاض بمئة درهم، أو مشى مسيرة يوم ليتغدى غدوة يمكنه أن يتغدى خيراً منها في بلده. فالأمر المشروع المسنون جميعه مبناه على العدل والاقتصاد والتوسط الذي هو خير الأمور وأعلاها؛ كالفردوس؛ فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، فمن كان كذلك فمصيره إليه أن شاء الله تعالى. هذا في كل عبادة لا تقصد لذاتها؛ مثل الجوع، والسهر، والمشي. وأما ما يُقصد لنفسه؛ مثل معرفة الله، ومحبته، والإنابة إليه، والتوكل عليه؛ فهذه يشرع فيها الكمال، لكن يقع فيها سرف وعدوان بإدخال ما ليس منها فيها، مثل أن يدخل ترك الأسباب المأمور بها في التوكل، أو

стр. 272

يدخل استحلال المحرمات وترك المشروعات في المحبة؛ فهذا هذا، والله أعلم) (١) . * * *

стр. 273

الكذب والمعاريض (الكذب على الشخص حرام كله، سواء كان الرجل مسلماً أو كافراً، براً أو فاجراً؛ لكن الافتراء على المؤمن اشد؛ بل الكذب كله حرام. ولكن تُباح عند الحاجة الشرعية ((المعاريض)) ، وقد تسمى كذباً؛ لأن الكلام يعني به المتكلم معنى، وذلك المعنى يريد أن يفهمه المخاطب، فإذا لم يكن على ما يعنيه فهو الكذب المحض، وإن كان على ما يعنيه ولكن ليس على ما يفهمه المخاطب؛ فهذه المعاريض، وهي كذب باعتبار الأفهام؛ وإن لم تكن كذباً باعتبار الغاية السائغة، ومنه قول النبي ﷺ : ((لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات كلهن في ذات الله: قوله لسارة: أختي، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبيرُهُمْ هذا﴾ ، وقوله: ﴿إنِّي سَقيمٌ﴾ )) (١) ، وهذه الثلاثة معاريض. وبها أحتج العلماء على جواز التعريض للمظلوم، وهو أن يعني بكلامه ما يحتمله اللفظ وإن لم يفهمه المخاطَب، ولهذا قال من قال من العلماء: إن ما رخص فيه رسول ﷺ إنما هو من هذا، كما في حديث أم كلثوم بنت عقبة عن النبي ﷺ أنه قال: ((ليس الكاذب بالذي يصلح بين الناس فيقول خيراً أو ينمي خيراً)) (٢) ، ولم يرخص فيما يقول الناس أنه كذب؛ إلا في ثلاث: في الإصلاح بين الناس، وفي الحرب، وفي الرجل يحدث أمراته. قال: فهذا كله من المعاريض خاصة. ولهذا نفى عنه النبي ﷺ اسم الكذب باعتبار القصد والغاية، كما ثبت

стр. 274

عنه أنه قال: ((الحرب خدعة)) (١) ، وأنه كان إذا أراد غزوة ورَّى بغيرها، ومن هذا الباب قول الصديق في سفر الهجرة عن النبي ﷺ : هذا الرجل يهديني السبيل. وقول النبي ﷺ للكافر السائل له في غزوة بدر: ((نحن من ماء)) (٢) ، وقوله للرجل الذي حلف على المسلم الذي أراد الكفار أَسْرَه: ((إنه أخي)) وعنى أخوة الدين، وفهموا منه أخوة النسب، فقال النبي ﷺ : ((إن كنت لأبرهم وأصدقهم، المسلم أخو المسلم)) (٣) (٤) . * * *

стр. 275

من هم أهل الحديث (ونحن لا نعني بأهل الحديث المقتصرين على سماعه أو كتابته أو روايته؛ بل نعني بهم: كل من كان أحق بحفظه ومعرفته وفهمه ظاهراً وباطناً، واتباعه باطناً وظاهراً، وكذلك أهل القرآن. وأدنى خصلة في هؤلاء: محبة القرآن والحديث، والبحث عنهما وعن معانيهما، والعمل بما علموه من موجبهما؛ ففقهاء الحديث أخبر بالرسول من فقهاء غيرهم، وصوفيتهم أتبع للرسول من صوفية غيرهم، وأمراؤهم أحق بالسياسة النبوية من غيرهم، وعامتهم أحق بموالاة الرسول من غيرهم ... وإذا تدبر العاقل وجد الطوائف كلها كلما كانت الطائفة إلى الله ورسوله أقرب كانت بالقرآن والحديث أعرف وأعظم عناية، وإذا كانت عن الله وعن رسوله أبعد كانت عنهما أنأى، حتى تجد في أئمة علماء هؤلاء من لا يميز بين القرآن وغيره، بل ربما ذكرت عنده آية، فقال: لا نسلم صحة الحديث، وربما قال لقوله ﵇ كذا، وتكون آية من كتاب الله، وقد بلغنا من ذلك عجائب، وما لم يبلغنا أكثر ... وحدثني ثقة أنه تولى مدرسة مشهد الحسين بمصر بعض أئمة المتكلمين رجلٌ يسمى شمس الدين الأصبهاني شيخ الأيكي، فأعطوه جزءً من الربعة، فقرأ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ. ألمص﴾ ؛ حتى قيل له: ألف لام ميم صاد. فتأمل هذه الحكومة العادلة ليتبين لك أن الذين يعيبون أهل الحديث ويعدلون عن مذهبهم جهلة زنادقة منافقون بلا ريب، ولهذا لما بلغ الإمام أحمد عن ((ابن أبي قتيلة)) أنه ذكر عنده أهل الحديث بمكة، فقال: قوم

стр. 276

سوء. فقام الإمام أحمد وهو ينفض ثوبه، ويقول: زنديق، زنديق، زنديق. ودخل بيته؛ فإنه عرف مغزاه) (١) . * * *

стр. 277

الخروج للنُّزهة في الأماكن التي تُشهد فيها المنكرات (ليس للإنسان أن يحضر الأماكن التي يُشهد فيها المنكرات، ولا يمكنه الأنكار إلا لموجب شرعي، مثل أن يكون هناك أمر يحتاج إليه لمصلحة دينه أو دنياه لا بد فيه من حضوره، أو يكون مكرهاً، فأما حضوره لمجرد الفرجة وإحضار امرأته تشاهد ذلك؛ فهذا مما يقدح في عدالته ومُرؤته إذا أصر عليه، والله أعلم) (١) . * * *

стр. 278

الفرق بين السَّماع والاستماع ولما كان الغناء والضرب بالدف والكف من عمل النساء كان السلف يسمون من يفعل ذلك من الرجال مخنثاً، ويسمون الرجال المغنين مخانيثاً، وهذا مشهور في كلامهم. ومن هذا الباب حديث عائشة ﵂ لما دخل عليها أبوها ﵁ في أيام العيد وعندها جاريتان من الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث، فقال أبو بكر ﵁: أبمزمار الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟! وكان رسول الله ﷺ معرضاً بوجهه عنهما، مقبلاً بوجهه الكريم إلى الحائط؛ فقال: ((دعهما يا أبا بكر؛ فإن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا أهل الإسلام)) (١) . ففي هذا الحديث بيان أن هذا لم يكن من عادة النبي ﷺ وأصحابه الاجتماع عليه، ولهذا سماه الصديق مزمار الشيطان، والنبي ﷺ أقر الجواري عليه معللاً ذلك بأنه يوم عيد، والصغار يرخص لهم في اللعب في الأعياد، كما جاء في الحديث: ((ليعلم المشركون أن في ديننا فسحة)) (٢) ، وكان لعائشة لعب تلعب بهن ويجئن صواحباتها من صغار النسوة يلعبن معها، وليس في حديث الجاريتين أن النبي ﷺ استمع إلى ذلك، والأمر والنهي إنما يتعلق بالاستماع لا بمجرد السماع، كما في الرؤية؛ فإنه إنما يتعلق بقصد الرؤية لا بما يحصل منها بغير الاختيار.

стр. 279

وكذلك في اشتمام الطيب إنما يُنهى المحرم عن قصد الشم، فأما إذا شم ما لم يقصده؛ فإنه لا شيء عليه، وكذلك في مباشرة المحرمات كالحواس الخمس؛ من السمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس، إنما يتعلق الأمر والنهي من ذلك بما للعبد فيه قصد وعمل، وأما ما يحصل بغير إختياره؛ فلا أمر فيه ولا نهي. وهذا مما وجه به الحديث الذي في ((السنن)) عن ابن عمر: أنه كان مع النبي ﷺ وسلم فسمع صوت زمارة راعٍ، فعدل عن الطريق، وقال: هل تسمع؟ هل تسمع؟ حتى أنقطع الصوت (١) . فإن من الناس من يقول بتقدير صحة هذا الحديث: لم يأمر ابن عمر بسد أذنيه؛ فيجاب بأنه كان صغيراً، أو يجاب بأنه لم يكن يستمع، وإنما كان يسمع، وهذا لا إثم فيه، وإنما النبي ﷺ فعل ذلك طلباً للأفضل والأكمل، كمن اجتاز بطريق فسمع قوماً يتكلمون بكلام محرم فسد أذنيه كيلا يسمعه؛ فهذا حسن، ولو لم يسد أذنيه لم يأثم بذلك، اللهم إلا أن يكون في سماعه ضرر ديني لا يندفع إلا بالسد) (٢) . * * *

стр. 280

جنس الحاضرة أفضل من جنس البادية كما أنَّ جنس العرب أفضل من جنس العجم لفظ (الأعراب) هو في الأصل: اسم لبادية العرب، فإن كل أمة لها حاضرة وبادية، فبادية العرب الأعراب، ويقال: إن بادية الروم الأرمن ونحوهم، وبادية الفرس الأكراد ونحوهم، وبادية الترك التتار. وهذا - والله أعلم - هو الأصل؛ وإن كان قد يقع فيه زيادة ونقصان. والتحقيق أن سائر سكان البوادي لهم حكم الأعراب، سواء دخلوا في لفظ الأعراب أو لم يدخلوا؛ فهذا الأصل يوجب أن يكون جنس الحاضرة أفضل من جنس البادية؛ وإن كان بعض أعيان البادية أفضل من أكثر الحاضرة مثلاً. ويقتضي أن ما انفرد به البادية عن جميع جنس الحاضرة ـ أعني في زمن السلف من الصحابة والتابعين ـ؛ فهو ناقص عن فضل الحاضرة، أو مكروه. فإذا وقع التشبه بهم فيما ليس من فعل الحاضرة المهاجرين كان ذلك إما مكروهاً، أو مفضياً إلى مكروه، وهكذا العرب والعجم. فإن الذي عليه أهل السنة والجماعة اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم، عبرانيهم وسريانيهم، روميهم وفرسيهم، وغيرهم. وأن قريشاً أفضل العرب، وأن بني هاشم أفضل قريش، وأن رسول الله ﷺ أفضل بني هاشم؛ فهو أفضل الخلق نفساً، وأفضلهم نسباً. وليس فضل العرب ثم قريش ثم بني هاشم لمجرد كون النبي ﷺ -

стр. 281

منهم، وإن كان هذا من الفضل، بل هم في أنفسهم أفضل، وبذلك يثبت لرسول الله ﷺ أنه أفضل نفساً ونسباً، وإلا لزم الدور) (١) . * * *

стр. 282

سبب فضل العرب على غيرهم (وسبب هذا الفضل - والله أعلم - ما اختصوا به في عقولهم وألسنتهم وأخلاقهم وأعمالهم، وذلك أن الفضل إما بالعلم النافع وإما بالعمل الصالح، والعلم له مبدأ، وهو: قوة العقل الذي هو الفهم والحفظ، وتمام، وهو: قوة المنطق الذي هو البيان والعبارة، والعرب هم أفهم من غيرهم وأحفظ وأقدر على البيان والعبارة، ولسانهم أتم الألسنة بياناً وتمييزاً للمعاني جمعاً وفرقاً، يجمع المعاني الكثيرة في اللفظ القليل إذا شاء المتكلم الجمع، ثم يميز بين كل شيئين مشتبهين بلفظ آخر مميز مختصر، كما تجده من لغتهم في جنس الحيوان؛ فهم - مثلاً - يعبرون عن القدر المشترك بين الحيوان بعبارات جامعة، ثم يميزون بين أنواعه في أسماء كل أمر من أموره: من الأصوات، والأولاد، والمساكن، والأطفال، إلى غير ذلك من خصائص اللسان العربي التي لا يستراب فيها. وأما العمل؛ فإن مبناه على الأخلاق، وهي الغرائز المخلوقة في النفس، وغرائزهم أطوع للخير من غيرهم؛ فهم أقرب للسخاء والحلم والشجاعة والوفاء وغير ذلك من الأخلاق المحمودة، لكن كانوا قبل الإسلام طبيعة قابلة للخير، معطلة عن فعله، ليس عندهم علم منزل من السماء ولا شريعة موروثة عن نبي، ولا هم - أيضاً - مشتغلين ببعض العلوم العقلية المحضة؛ كالطب والحساب ونحوها، إنما علمهم ما سمحت به قرائحهم من الشعر والخطب، أو ما حفظوه من أنسابهم وأيامهم، أو ما احتاجوا إليه في دنياهم من الأنواء والنجوم أو من الحروب. فلما بعث الله محمداً ﷺ بالهدى الذي ما جعل الله في الأرض ولا يجعل أمراً أجل منه وأعظم قدراً، وتلقوه عنه بعد مجاهدته الشديدة لهم، ومعالجتهم على نقلهم عن تلك العادات الجاهلية والظلمات الكفرية، التي

стр. 283

كانت قد أحالت قلوبهم عن فطرتها، فلما تلقوا عنه ذلك الهدي العظيم زالت تلك الريون (١) عن قلوبهم، واستنارت بهدي الله الذي أنزل على عبده ورسوله، فأخذوا هذا الهدي العظيم بتلك الفطرة الجيدة ... ) (٢) . * * *

стр. 284

جنس العرب خير من غيرهم (جمهور العلماء على أن جنس العرب خير من غيرهم، كما أن جنس قريش خير من غيرهم، وجنس بني هاشم خير من غيرهم، وقد ثبت في ((الصحيح)) عنه ﷺ أنه قال: ((الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)) (١) . لكن تفضيل الجملة على الجملة لا يستلزم أن يكون كل فرد أفضل من كل فرد، فإن في غير العرب خلق كثير خير من أكثر العرب، وفي غير قريش من المهاجرين والأنصار من هو خير من أكثر قريش، وفي غير بني هاشم من قريش وغير قريش من هو خير من أكثر بني هاشم، كما قال رسول الله ﷺ : ((أن خير القرون القرن الذين بُعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) (٢) . وفي القرون المتأخرة من هو خير من كثير من القرن الثاني والثالث، ومع هذا؛ فلم يخص النبي ﷺ القرن الثاني والثالث بحكم شرعي، كذلك لم يخص العرب بحكم شرعي، بل ولا خص بعض أصحابه بحكم دون سائر أمته، ولكن الصحابة لما كان لهم من الفضل أخبر بفضلهم، وكذلك السابقون الأولون لم يخصهم بحكم، ولكن أخبر بما لهم من الفضل لما

стр. 285

اختصوا به من العمل، وذلك لا يتعلق بالنسب. والمقصود هنا أنه أرسل إلى جميع الثقلين: الإنس والجن، فلم يخص العرب دون غيرهم من الأمم بأحكام شرعية، ولكن خص قريشاً بأن الإمامة فيهم، وخص بني هاشم بتحريم الزكاة عليهم، وذلك لأن جنس قريش لما كانوا أفضل وجب أن تكون الإمامة في أفضل الأجناس مع الإمكان، وليست الإمامة أمراً شاملاً لكل أحد منهم، وإنما يتولاها واحد من الناس. وأما تحريم الصدقة؛ فحرمها عليه وعلى أهل بيته تكميلاً لتطهيرهم ودفعاً للتهمة عنه) (١) . * * *
следующие страницы →