منهم، وإن كان هذا من الفضل، بل هم في أنفسهم أفضل، وبذلك يثبت لرسول الله ﷺ أنه أفضل نفساً ونسباً، وإلا لزم الدور) (١) .
* * *
стр. 282
سبب فضل العرب على غيرهم
(وسبب هذا الفضل - والله أعلم - ما اختصوا به في عقولهم وألسنتهم وأخلاقهم وأعمالهم، وذلك أن الفضل إما بالعلم النافع وإما بالعمل الصالح، والعلم له مبدأ، وهو: قوة العقل الذي هو الفهم والحفظ، وتمام، وهو: قوة المنطق الذي هو البيان والعبارة، والعرب هم أفهم من غيرهم وأحفظ وأقدر على البيان والعبارة، ولسانهم أتم الألسنة بياناً وتمييزاً للمعاني جمعاً وفرقاً، يجمع المعاني الكثيرة في اللفظ القليل إذا شاء المتكلم الجمع، ثم يميز بين كل شيئين مشتبهين بلفظ آخر مميز مختصر، كما تجده من لغتهم في جنس الحيوان؛ فهم - مثلاً - يعبرون عن القدر المشترك بين الحيوان بعبارات جامعة، ثم يميزون بين أنواعه في أسماء كل أمر من أموره: من الأصوات، والأولاد، والمساكن، والأطفال، إلى غير ذلك من خصائص اللسان العربي التي لا يستراب فيها.
وأما العمل؛ فإن مبناه على الأخلاق، وهي الغرائز المخلوقة في النفس، وغرائزهم أطوع للخير من غيرهم؛ فهم أقرب للسخاء والحلم والشجاعة والوفاء وغير ذلك من الأخلاق المحمودة، لكن كانوا قبل الإسلام طبيعة قابلة للخير، معطلة عن فعله، ليس عندهم علم منزل من السماء ولا شريعة موروثة عن نبي، ولا هم - أيضاً - مشتغلين ببعض العلوم العقلية المحضة؛ كالطب والحساب ونحوها، إنما علمهم ما سمحت به قرائحهم من الشعر والخطب، أو ما حفظوه من أنسابهم وأيامهم، أو ما احتاجوا إليه في دنياهم من الأنواء والنجوم أو من الحروب.
فلما بعث الله محمداً ﷺ بالهدى الذي ما جعل الله في الأرض ولا يجعل أمراً أجل منه وأعظم قدراً، وتلقوه عنه بعد مجاهدته الشديدة لهم، ومعالجتهم على نقلهم عن تلك العادات الجاهلية والظلمات الكفرية، التي
стр. 283
كانت قد أحالت قلوبهم عن فطرتها، فلما تلقوا عنه ذلك الهدي العظيم زالت تلك الريون (١) عن قلوبهم، واستنارت بهدي الله الذي أنزل على عبده ورسوله، فأخذوا هذا الهدي العظيم بتلك الفطرة الجيدة ... ) (٢) .
* * *
стр. 284
جنس العرب خير من غيرهم
(جمهور العلماء على أن جنس العرب خير من غيرهم، كما أن جنس قريش خير من غيرهم، وجنس بني هاشم خير من غيرهم، وقد ثبت في ((الصحيح)) عنه ﷺ أنه قال: ((الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)) (١) .
لكن تفضيل الجملة على الجملة لا يستلزم أن يكون كل فرد أفضل من كل فرد، فإن في غير العرب خلق كثير خير من أكثر العرب، وفي غير قريش من المهاجرين والأنصار من هو خير من أكثر قريش، وفي غير بني هاشم من قريش وغير قريش من هو خير من أكثر بني هاشم، كما قال رسول الله ﷺ : ((أن خير القرون القرن الذين بُعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) (٢) .
وفي القرون المتأخرة من هو خير من كثير من القرن الثاني والثالث، ومع هذا؛ فلم يخص النبي ﷺ القرن الثاني والثالث بحكم شرعي، كذلك لم يخص العرب بحكم شرعي، بل ولا خص بعض أصحابه بحكم دون سائر أمته، ولكن الصحابة لما كان لهم من الفضل أخبر بفضلهم، وكذلك السابقون الأولون لم يخصهم بحكم، ولكن أخبر بما لهم من الفضل لما
стр. 285
اختصوا به من العمل، وذلك لا يتعلق بالنسب.
والمقصود هنا أنه أرسل إلى جميع الثقلين: الإنس والجن، فلم يخص العرب دون غيرهم من الأمم بأحكام شرعية، ولكن خص قريشاً بأن الإمامة فيهم، وخص بني هاشم بتحريم الزكاة عليهم، وذلك لأن جنس قريش لما كانوا أفضل وجب أن تكون الإمامة في أفضل الأجناس مع الإمكان، وليست الإمامة أمراً شاملاً لكل أحد منهم، وإنما يتولاها واحد من الناس.
وأما تحريم الصدقة؛ فحرمها عليه وعلى أهل بيته تكميلاً لتطهيرهم ودفعاً للتهمة عنه) (١) .
* * *
стр. 286
تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز
(تقسيم الألفاظ الدالة على معانيها إلى ((حقيقة، ومجاز)) ، وتقسيم دلالتها أو المعاني المدلول عليها إن استعمل لفظ الحقيقة والمجاز في المدلول أو في الدلالة؛ فإن هذا كله قد يقع في كلام المتأخرين، ولكن المشهور أن الحقيقة والمجاز من عوارض الألفاظ، وبكل حال؛ فهذا التقسيم هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة، لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم؛ كمالك والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي، بل ولا تكلم به أئمة اللغة والنحو؛ كالخليل وسيبويه وأبي عمرو بن العلاء ونحوهم.
وأول من عُرف أنه تكلم بلفظ ((المجاز)) أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه، ولكن لم يعن بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة، وإنما عنى بمجاز الآية ما يعبر به عن الآية، ولهذا قال من قال من الأصوليين - كأبي الحسين البصري وأمثاله - أنها تُعرف الحقيقةً من المجاز بطرق، منها نص أهل اللغة على ذلك بأن يقولوا: هذا حقيقة وهذا مجاز؛ فقد تكلم بلا علم، فإنه ظن أن أهل اللغة قالوا هذا، ولم يقل ذلك أحد من أهل اللغة ولا من سلف الأمة وعلمائها، وإنما هذا اصطلاح حادث، والغالب أنه كان من جهة المعتزلة ونحوهم من المتكلمين، فإنه لم يوجد هذا في كلام أحد من أهل الفقه والأصول والتفسير والحديث ونحوهم من السلف.
وهذا الشافعي هو أول من جرد الكلام في ((أصول الفقه)) ، لم يقسم هذا التقسيم ولا تكلم بلفظ ((الحقيقة والمجاز)) ، وكذلك محمد بن الحسن له في المسائل المبنية على العربية كلام معروف في ((الجامع الكبير)) وغيره ولم يتكلم بلفظ الحقيقة والمجاز، وكذلك سائر الأئمة لم يوجد لفظ المجاز في كلام أحد منهم إلا في كلام أحمد بن حنبل؛ فإنه قال في كتاب
стр. 287
((الرد على الجهمية)) في قوله: (إنا، ونحن) ونحو ذلك في القرآن: هذا من مجاز اللغة، يقول الرجل: إنا سنعطيك، إنا سنفعل؛ فذكر أن هذا مجاز اللغة.
وبهذا احتج على مذهبه من أصحابه من قال: إن في ((القرآن)) مجازاً؛ كالقاضي أبي يعلى، وابن عقيل، وأبي الخطاب، وغيرهم، وآخرون من أصحابه منعوا أن يكون في القرآن مجاز؛ كأبي الحسن الخرزي، وأبي عبد الله بن حامد، وأبي الفضل التميمي بن أبي الحسن التميمي، وكذلك منع أن يكون في القرآن مجاز محمد بن خويز منداد وغيره من المالكية، ومنع منه داود بن علي، وابنه أبو بكر، ومنذر بن سعيد البلوطي وصنف فيه مصنفاً.
وحكى بعض الناس عن أحمد في ذلك روايتين، وأما سائر الأئمة؛ فلم يقل أحد منهم ولا من قدماء أصحاب أحمد: إن في القرآن مجازاً، لا مالك ولا الشافعي ولا أبو حنيفة؛ فإن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز إنما أشتهر في المئة الرابعة، وظهرت أوائله في المئة الثالثة، وما علمته موجوداً في المئة الثانية اللهم إلا أن يكون في أواخرها، والذين أنكروا أن يكون أحمد وغيره نطقوا بهذا التقسيم قالوا: إن معنى قول أحمد: من مجاز اللغة؛ أي: مما يجوز في اللغة أن يقول الواحد العظيم الذي له أعوان: نحن فعلنا كذا، ونفعل كذا، ونحو ذلك. قالوا: ولم يرد أحمد بذلك أن اللفظ استعمل في غير ما وضع له.
وقد أنكر طائفة أن يكون في اللغة مجاز، لا في القرآن ولا غيره؛ كأبي إسحاق الإسفراييني، وقال المنازعون له: النزاع معه لفظي، فإنه إذا سلم أن في اللغة لفظاً مستعملاً في غير ما ُوضع له لا يدل على معناه إلا بقرينة؛ فهذا هو المجاز وإن لم يسمه مجازاً، فيقول من ينصره: إن الذين
стр. 288
قسموا اللفظ حقيقة ومجازاً قالوا: ((الحقيقة)) هو اللفظ المستعمل فيما وُضع له، ((والمجاز)) هو اللفظ المستعمل في غير ما وُضع له؛ كلفظ الأسد والحمار إذا أريد بهما البهيمة أو أريد بهما الشجاع والبليد، وهذا التقسيم والتحديد يستلزم أن يكون اللفظ قد وُضع أولاً لمعنى، ثم بعد ذلك قد يستعمل في موضوعه وقد يستعمل في غير موضوعه، ولهذا كان المشهور عند أهل التقسيم أن كل مجاز؛ فلا بد له من حقيقة، وليس لكل حقيقة مجاز، فاعترض عليهم بعض متأخريهم وقال: اللفظ الموضوع قبل الاستعمال لا حقيقة ولا مجاز، فإذا استعمل في غير موضوعه؛ فهو مجاز لا حقيقة له.
وهذا كله إنما يصح لو عُلم ان الألفاظ العربية وُضعت أولاً لمعانٍ، ثم بعد ذلك استعملت فيها؛ فيكون لها وضع متقدم على الاستعمال، وهذا إنما صح على قول من يجعل اللغات اصطلاحية، فيدعي أن قوماً من العقلاء اجتمعوا واصطلحوا على أن يسموا هذا بكذا وهذا بكذا، ويجعل هذا عاماً في جميع اللغات، وهذا القول لا نعرف أحداً من المسلمين قاله قبل أبي هاشم بن الجبائي ...
والمقصود هنا أنه لا يمكن أحداً أن ينقل عن العرب بل ولا عن أمة من الأمم أنه أجتمع جماعة فوضعوا جميع هذه الأسماء الموجودة في اللغة ثم استعملوها بعد الوضع، وإنما المعروف المنقول بالتواتر استعمال هذه الألفاظ فيما عنوه بها من المعاني، فإن ادعى مدعٍ أنه يعلم وضعاً يتقدم ذلك؛ فهو مبطل، فإن هذا لم ينقله أحد من الناس، ولا يقال: نحن نعلم ذلك بالدليل؛ فإنه إن لم يكن اصطلاح متقدم لم يمكن الاستعمال) (١) .
стр. 289
البدعة في الحنابلة أقل منها في غيرهم
(أهل البدع في غير الحنبلية أكثر منهم في الحنبلية بوجوه كثيرة؛ لأن نصوص أحمد في تفاصيل السنة ونفي البدع أكثر من غيره بكثير ...
وفي الحنبلية أيضاً مبتدعة؛ وإن كانت البدعة في غيرهم أكثر، وبدعتهم غالباً في زيادة الإثبات في حق الله، وفي زيادة الإنكار على مخالفهم بالتكفير وغيره؛ لأن أحمد كان مثبتاً لما جاءت به السنة، منكراً على من خالفها، مصيباً في غالب الأمور، مختلفاً عنه في البعض ومخالفاً في البعض.
وأما بدعة غيرهم؛ فقد تكون أشد من بدعة مبتدعهم في زيادة الإثبات والإنكار، وقد تكون في النفي، وهو الأغلب؛ كالجهمية، والقدرية، والمرجئة، والرافضة، وأما زيادة الإنكار من غيرهم على المخالف من تكفير وتفسيق؛ فكثير) (١) .
* * *
стр. 290
حدود الشَّام والحجاز
(مدينة النبي ﷺ من الحجاز باتفاق أهل العلم، ولم يقل أحد من المسلمين ولا غيرهم: إن المدينة النبوية من الشام، وإنما يقول هذا جاهل بحد الشام والحجاز، جاهل بما قاله الفقهاء وأهل اللغة وغيرهم، ولكن يقال: المدينة شامية، ومكة يمانية؛ أي: المدينة أقرب إلى الشام، ومكة أقرب إلى اليمن، وليست مكة من اليمن ولا المدينة من الشام.
وقد أمر النبي ﷺ في مرض موته: أن تخرج اليهود والنصارى من جزيرة العرب - وهي الحجاز -؛ فأخرجهم عمر بن الخطاب ﵁ من المدينة وخيبر وينبع واليمامة ومخاليف هذه البلاد، ولم يخرجهم من الشام؛ بل لما فتح الشام أقر اليهود والنصارى بالأردن وفلسطين وغيرهما، كما أقرهم بدمشق وغيرها.
وتربة الشام تخالف تربة الحجاز، كما يوجد الفرق بينهما عند المنحنى الذي يسمى عقبة الصوان؛ فإن الإنسان يجد تلك التربة مخالفة لهذه التربة، كما تختلف تربة الشام ومصر، فما كان دون وادي المنحنى فهو من الشام، مثل معان، وأما العلى وتبوك ونحوهما؛ فهو من أرض الحجاز، والله أعلم) (١) .
* * *
стр. 291
دفاع عن أبي حنيفة
(قال أبو يوسف ﵀ وهو أجل أصحاب أبي حنيفة، وأول من لُقِّب قاضي القضاة لما اجتمع بمالك وسأله عن هذه المسائل، وأجابه مالك بنقل أهل المدينة المتواتر، رجع أبو يوسف إلى قوله، وقال: لو رأى صاحبي مثل ما رأيت لرجع مثل ما رجعت. فقد نقل أبو يوسف أن مثل هذا النقل حجة عند صاحبه أبي حنيفة كما هو حجة عند غيره، لكن أبو حنيفة لم يبلغه هذا النقل، كما لم يبلغه ولم يبلغ غيره من الأئمة كثير من الحديث؛ فلا لوم عليهم في ترك ما لم يبلغهم علمه، وكان رجوع أبي يوسف إلى هذا النقل كرجوعه إلى أحاديث كثيرة اتبعها هو وصاحبه محمد، وتركا قول شيخهما لعلمهما بأن شيخهما كان يقول: إن هذه الأحاديث أيضاً حجة إن صحت، لكن لم تبلغه.
ومن ظن بأبي حنيفة أو غيره من أئمة المسلمين أنهم يتعمدون مخالفة الحديث الصحيح لقياس أو غيره؛ فقد أخطأ عليهم، وتكلم إما بظن وإما بهوى) (١) .
* * *
стр. 292
الورع المشروع والورع الواجب والورع الفاسد
(الورع المشروع المستحب الذي بعث الله به محمداً ﷺ ؛ هو اتقاء من يخاف أن يكون سبباً للذم والعذاب عند عدم المعارض الراجح، ويدخل في ذلك أداء الواجبات والمشتبهات التي تشبه الواجب وترك المحرمات والمشتبهات التي تشبه الحرام، وإن أدخلت فيها المكروهات قلت: نخاف أن تكون سبباً للنقص والعذاب.
وأما الورع الواجب؛ فهو اتقاء ما يكون سبباً للذم والعذاب، وهو فعل الواجب وترك المحرم، والفرق بينهما فيما اشتبه: أمِنَ الواجب هو أم ليس منه، وما اشتبه تحريمه: أمن المحرم أم ليس منه؟
فأما ما لا ريب في حله؛ فليس تركه من الورع، وما لا ريب في سقوطه؛ فليس فعله من الورع، وقولي عند عدم المعارض الراجح؛ فإنه قد لا يترك الحرام البين أو المشتبه إلا عند ترك ما هو حسنة موقعها في الشريعة أعظم من ترك تلك السيئة، مثل من يترك الائتمام بالإمام الفاسق فيترك الجمعة والجماعة والحج والغزو، وكذلك قد لا يؤدي الواجب البين أو المشتبه إلا بفعل سيئة أعظم إثماً من تركه، مثل من لا يمكنه أداء الواجبات من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لذوي السلطان إلا بقتال فيه من الفساد أعظم من فساد ظلمه.
والأصل في الورع المشتبه قول النبي ﷺ : ((الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن ترك الشبهات استبرأ عرضه ودينه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام؛ كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه)) (١) ، وهذا في ((الصحيحين)) ، وفي ((السنن))
стр. 293
قوله: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) (١) ، وقوله: ((البر ما اطمأنت إليه النفس وسكن إليه القلب)) (٢) ، وقوله في ((صحيح مسلم)) في رواية: ((البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وإن أفتاك الناس)) (٣) ، وأنه رأى على فراشه تمرة فقال: ((لولا أني أخاف أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها)) (٤) .
... لكن يقع الغلط في الورع من ثلاث جهات:
أحدها: اعتقاد كثير من الناس أنه من باب الترك؛ فلا يرون الورع إلا في ترك الحرام لا في أداء الواجب، وهذا يُبتلى به كثير من المتدينة المتورعة، ترى أحدهم يتورع عن الكلمة الكاذبة وعن الدرهم فيه شبهة لكونه من مال ظالم أو معاملة فاسدة، ويتورع عن الركون إلى الظلمة من أجل البدع في الدين وذوي الفجور في الدنيا، ومع هذا يترك أموراً واجبةً عليه إما عيناً وإما كفايةً وقد تعينت عليه؛ من صلة رحم، وحق جار ومسكين وصاحب ويتيم وابن سبيل، وحق مسلم وذي سلطان وذي علم، وعن أمر بمعروف ونهي عن منكر، وعن الجهاد في سبيل الله إلى غير ذلك مما فيه نفع للخلق في دينهم ودنياهم مما وجب عليه، أو يفعل ذلك لا على وجه العبادة لله تعالى، بل من جهة التكليف ونحو ذلك.
стр. 294
وهذا الورع قد يوقع صاحبه في البدع الكبار؛ فإن ورع الخوارج والروافض والمعتزلة ونحوهم من هذا الجنس، تورعوا عن الظلم وعن ما اعتقدوه ظلماً من مخالطة الظلمة في زعمهم، حتى تركوا الواجبات الكبار من الجمعة والجماعة والحج والجهاد ونصيحة المسلمين والرحمة لهم، وأهل هذا الورع ممن أنكر عليهم الأئمة، كالأئمة الأربعة، وصار حالهم يذكر في اعتقاد أهل السنة والجماعة.
الجهة الثانية من الاعتقاد الفاسد أنه إذا فعل الواجب والمشتبه وترك المحرم والمشتبه؛ فينبغي أن يكون اعتقاد الوجوب والتحريم بأدلة الكتاب والسنة وبالعلم لا بالهوى، وإلا؛ فكثير من الناس تنفر نفسه عن أشياء لعادة ونحوها، فيكون ذلك مما يقوي تحريمها واشتباهها عنده، ويكون بعضهم في أوهام وظنون كاذبة، فتكون تلك الظنون مبناها على الورع الفاسد، فيكون صاحبه ممن قال الله تعالى فيه: ﴿إنْ يَتَّبِعونَ إلاَّ الظَّنَّ وما تَهْوَى الأنْفُسُ﴾ (١) ، وهذه حال أهل الوسوسة في النجاسات؛ فإنهم من أهل الورع الفاسد المركب من نوع دين وضعف عقل وعلم) (٢) .
* * *
стр. 295
أصحاب السُّنن والمسانيد
هل كانوا مجتهدين أم مقلِّدين ؟
(سئل: هل البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأبو داود الطيالسي، والدارمي، والبزار، والدارقطني، والبيهقي، وابن خزيمة، وأبو يعلى الموصلي؛ هل كان هؤلاء مجتهدين لم يقلدوا أحداً من الأئمة، أم كانوا مقلدين؟ وهل كان من هؤلاء أحد ينتسب إلى مذهب أبي حنيفة؟
فأجاب: الحمد لله رب العالمين.
أما البخاري، وأبو داود؛ فإمامان في الفقه من أهل الاجتهاد.
وأما مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة، وأبو يعلى، والبزار، ونحوهم؛ فهم على مذهب أهل الحديث، ليسوا مقلدين لواحد بعينه من العلماء، ولا هم من الأئمة المجتهدين على الإطلاق، بل هم يميلون إلى قول أئمة الحديث؛ كالشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأمثالهم، ومنهم من له اختصاص ببعض الأئمة؛ كاختصاص أبي داود ونحوه بأحمد بن حنبل، وهم إلى مذاهب أهل الحجاز - كمالك وأمثاله - أميل منهم إلى مذاهب أهل العراق - كأبي حنيفة والثوري -.
وأما أبو داود الطيالسي؛ فأقدم من هؤلاء كلهم، من طبقة يحيى بن سعيد القطان، ويزيد بن هارون الواسطي، وعبد الله بن داود؛ ووكيع بن الجراح، وعبد الله بن إدريس، ومعاذ بن معاذ، وحفص بن غياث، وعبد الرحمن بن مهدي، وأمثال هؤلاء من طبقة شيوخ الإمام أحمد.
وهؤلاء كلهم يعظمون السنة والحديث، ومنهم من يميل إلى مذهب
стр. 296
العراقيين؛ كأبي حنيفة والثوري ونحوهما؛ كوكيع، ويحيى بن سعيد، ومنهم من يميل إلى مذهب المدنيين: مالك ونحوه كعبد الرحمن بن مهدي.
وأما البيهقي؛ فكان على مذهب الشافعي منتصراً له في عامة أقواله.
والدراقطني هو أيضاً يميل إلى مذهب الشافعي وأئمة السنة والحديث، لكن ليس هو في تقليد الشافعي كالبيهقي، مع أن البيهقي له اجتهاد في كثير من المسائل، واجتهاد الدارقطني أقوى منه؛ فإنه كان أعلم وأفقه منه) (١) .
* * *
стр. 297
تشكيل المصاحف وتنقيطها
(إن الصحابة لما كتبوا المصاحف كتبوها غير مشكولة ولا منقوطة؛ لأنهم إنما كانوا يعتمدون في القرآن على حفظه في صدورهم لا على المصاحف، وهو منقول بالتواتر محفوظ في الصدور، ولو عُدمت المصاحف لم يكن للمسلمين بها حاجة، فإن المسلمين ليسوا كأهل الكتاب الذين يعتمدون على الكتب التي تقبل التغير، والله أنزل القرآن على محمد فتلقاه تلقياً وحفظه في قلبه، لم ينزله مكتوباً كالتوراة، وأنزله منجماً مفرقاً ليحفظ فلا يحتاج إلى كتاب ... فكان النبي ﷺ إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي ﷺ كما أُقْرِأه؛ فلهذا لم تكن الصحابة ينقطون المصاحف ويشكلونها، وأيضاً كانوا عرباً لا يلحنون؛ فلم يحتاجوا إلى تقييدها بالنقط، وكان في اللفظ الواحد قراءتان يقرأ بالياء والتاء مثل: يعلمون وتعلمون؛ فلم يقيدوه بأحدهما ليمنعوه من الأخرى.
ثم إنه في زمن التابعين لما حدث اللحن صار بعض التابعين يشكل المصاحف وينقطها، وكانوا يعملون ذلك بالحمرة، ويعملون الفتح بنقطة حمراء فوق الحرف، والكسرة بنقطة حمراء تحته، والضمة بنقطة حمراء أمامه، ثم مدوا النقطة وصاروا يعملون الشدة بقولك: ((شد)) ، ويعملون المدة بقولك ((مد)) ، وجعلوا علامة الهمزة تشبه العين؛ لأن الهمزة أخت العين، ثم خففوا ذلك حتى صارت علامة الشدة مثل رأس السين، وعلامة المدة مختصرة كما يختصر أهل الديوان ألفاظ العدد وغير ذلك، وكما يختصر المحدثون أخبرنا وحدثنا، فيكتبون أول اللفظ وآخره على شكل ((أنا)) وعلى شكل ((ثنا)) ) (١) .
* * *
стр. 298
لا يُقَبَّل ما على وجه الأرض إلاَّ الحجر الأسود
(ولما حج النبي ﷺ استلم الركنين اليمانيين ولم يستلم الشاميين؛ لأنهما لم يبنيا على قواعد إبراهيم، فإن أكثر الحجر من البيت، والحجر الأسود استلمه وقبله، واليماني استمله ولم يقبله، وصلى بمقام إبراهيم ولم يستلمه ولم يقبله؛ فدل ذلك على أن التمسح بحيطان الكعبة غير الركنين اليمانيين وتقبيل شيء منها غير الحجر الأسود ليس بسنة، ودل على أن استلام مقام إبراهيم وتقبيله ليس بسنة، وإذا كان هذا نفس الكعبة ونفس مقام إبراهيم بها؛ فمعلوم أن جميع المساجد حرمتها دون الكعبة، وأن مقام إبراهيم بالشام وغيرها وسائر مقامات الأنبياء دون المقام الذي قال الله فيه: ﴿واتَّخِذوا مِنْ مَقامِ إبْراهيمَ مُصَلَّى﴾ (١) .
فعلم أن سائر المقامات لا تُقصد للصلاة فيها، كما لا يُحج إلى سائر المشاهد ولا يُتمسح بها، ولا يقبل شيء من مقامات الأنبياء ولا المساجد ولا الصخرة ولا غيرها، ولا يقبل ما على وجه الأرض؛ إلا الحجر الأسود) (٢) .
* * *
стр. 299
قاعدة عظيمة في الجمع بين العبادات المتنوِّعة
(إن جميع صفات العبادات من الأقوال والأفعال إذا كانت مأثورة أثراً يصح التمسك به لم يُكره شيء من ذلك، بل يشرع ذلك كله كما قلنا في أنواع صلاة الخوف، وفي نوعي الأذان الترجيع وتركه، ونوعي الإقامة شفعها وإفرادها، وكما قلنا في أنواع التشهدات، وأنواع الاستفتاحات، وأنواع الاستعاذات، وأنواع القراءات، وأنواع تكبيرات العيد الزوائد، وأنواع صلاة الجنازة وسجود السهو، والقنوت قبل الركوع وبعده، والتحميد بإثبات الواو وحذفها، وغير ذلك، لكن قد يستحب بعض هذه المأثورات ويفضل على بعض إذا قام دليل يوجب التفضيل ولا يكره الآخر.
ومعلوم أنه لا يمكن المكلف أن يجمع في العبادة المتنوعة بين النوعين في الوقت الواحد، لا يمكنه أن يأتي بتشهدين معاً ولا بقراءتين معاً ولا بصلاتي خوف معاً، وإن فعل ذلك مرتين كان ذلك منهياً عنه؛ فالجمع بين هذه الأنواع محرم تارة ومكروه أخرى، ولا تنظر إلى من قد يستحب الجمع في بعض ذلك، مثل ما رأيت بعضهم قد لفق ألفاظ الصلوات على النبي المأثورة عن النبي ﷺ واستحب فعل ذلك الدعاء الملفق، وقال في حديث أبي بكر الصديق المتفق عليه لما قال للنبي ﷺ : علمني دعاء أدعو به في صلاتي. فقال: ((قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كبيراً)) ، وفي رواية: ((كثيراً، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت؛ فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم)) (١) . فقال: يستحب أن يقول: كثيراً، كبيراً، وكذلك يقول في أشباه هذا: فإن هذا ضعيف، فإن هذا أولاً ليس سنة، بل خلاف المسنون؛ فإن النبي ﷺ لم يقل ذلك جميعه جميعاً، وإنما كان يقول
стр. 300
هذا تارة وهذا تارة، إن كان الأمران ثابتين عنه؛ فالجمع بينهما ليس سنة، بل بدعة وإن كان جائزاً) (١) .
وقال أيضاً: (من المتأخرين من سلك في بعض هذه الأدعية والأذكار التي كان النبي ﷺ يقولها ويعلمها بألفاظ متنوعة - ورويت بألفاظ متنوعة - طريقة محدثة بأن جمع بين تلك الألفاظ واستحب ذلك، ورأى ذلك أفضل ما يقال فيها.
مثاله الحديث الذي في ((الصحيحين)) عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: يا رسول الله! علمني دعاء ادعو به في صلاتي. قال: ((قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت؛ فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني؛ إنك أنت الغفور الرحيم)) (٢) ، قد روي ((كثيراً)) وروي ((كبيراً)) ؛ فيقول هذا القائل: يستحب أن يقول: كثيراً، كبيراً. وكذلك إذا روي: ((اللهم صل على محمد وعلى آل محمد)) وروي: ((اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته)) وأمثال ذلك، وهذه طريقة مُحدَثة لم يسبق إليها أحد من الأئمة المعروفين.
وطرد هذه الطريقة أن يذكر التشهد بجميع هذه الألفاظ المأثورة وأن يقال: الاستفتاح بجميع الألفاظ المأثورة، وهذا مع أنه خلاف عمل المسلمين لم يستحبه أحد من أئمتهم، بل عملوا بخلافه؛ فهو بدعة في الشرع، فاسد في العقل) (٣) .
стр. 301
طريقة الإسلام في حساب السَّنة والشَّهر والأسبوع واليوم أقْوَم طريقة
( ... وأما الحول؛ فلم يكن له حد ظاهر في السماء، فكان لا بد فيه من الحساب والعدد، فكان عدد الشهور الهلالية أظهر وأعم من أن يحسب بسير الشمس وتكون السنة مطابقة للشهور؛ ولأن السنين إذا اجتمعت فلا بد من عددها في عادة جميع الأمم؛ إذ ليس للسنين إذا تعددت حد سماوي يُعرف به عددها، فكان عدد الشهور موافقاً لعدد البروج، جُعلت السنة اثني عشر شهراً بعدد البروج التي تكمل بدور الشمس فيها سنة شمسية، فإذا دار القمر فيها كمل دورته السنوية، وبهذا كله يتبين معنى قوله: ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَموا عَدَدَ السِّنينَ والحِسابِ﴾ (١) ؛ فإن عدد شهور السنة وعدد السنة بعد السنة إنما أصله بتقدير القمر منازل، وكذلك معرفة الحساب؛ فإن حساب بعض الشهور لما يقع فيه من الآجال ونحوها إنما يكون بالهلال، وكذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ هِيَ مَواقيتُ للنَّاسِ وَالحَجِّ﴾ (٢) .
فظهر بما ذكرناه أنه بالهلال يكون توقيت الشهر والسنة، وأنه ليس شيء يقوم مقام الهلال ألبتة لظهوره وظهور العدد المبني عليه وتيسر ذلك وعمومه، وغير ذلك من المصالح الخالية عن المفاسد.
ومن عرف ما دخل على أهل الكتابين والصابئين والمجوس وغيرهم في أعيادهم وعباداتهم وتواريخهم وغير ذلك من أمورهم من الاضطراب والحرج وغير ذلك من المفاسد ازداد شكره على نعمة الإسلام، مع اتفاقهم أن الأنبياء لم يشرعوا شيئاً من ذلك، وإنما دخل عليهم ذلك من جهة
стр. 302
المتفلسفة الصابئة الذين أدخلوا في ملتهم وشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله.
فلهذا ذكرنا ما ذكرناه؛ حفظاً لهذا الدين عن إدخال المفسدين، فإن هذا مما يُخاف تغييره، فإنه قد كانت العرب في جاهليتها قد غيرت ملة إبراهيم بالنسيء الذي ابتدعته، فزادت به في السنة شهراً جعلتها كبيساً لأغراض لهم، وغيروا به ميقات الحج والأشهر الحرم حتى كانوا يحجون تارة في المحرم وتارة في صفر، حتى يعود الحج إلى ذي الحجة؛ حتى بعث الله المقيم لملة إبراهيم، فوافى حجه ﷺ حجة الوداع، وقد استدار الزمان كما كان، ووقعت حجته في ذي الحجة، فقال في خطبته المشهورة في ((الصحيحين)) وغيرهما: ((إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض: السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم: ثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب مضر بين جمادى وشعبان)) (١) ، وكان قبل ذلك الحج لا يقع في ذي الحجة، حتى حجة أبي بكر سنة تسع كان في ذي القعدة، وهذا من أسباب تأخير النبي ﷺ الحج، وأنزل الله تعالى: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهورِ عِنْدَ اللهِ اثنا عَشَرَ شَهْراً في كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ مِنْها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ (٢) .
فأخبر الله أن هذا هو الدين القيم؛ ليبين أن ما سواه من أمر النسيء وغيره من عادات الأمم ليس قيماً لما يدخله من الانحراف والاضطراب.
ونظير الشهر والسنة اليوم والإسبوع؛ فإن اليوم طبيعي من طلوع
стр. 303
الشمس إلى غروبها، وأما الأسبوع؛ فهو عددي من أجل الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض ثم استوى على العرش، فوقع التعديل بين الشمس والقمر باليوم، والأسبوع بسير الشمس، والشهر والسنة بسير القمر، وبهما يتم الحساب، وبهذا قد يتوجه قوله: ﴿لتعلموا﴾ إلى ﴿جعل﴾ ؛ فيكون جعل الشمس والقمر لهذا كله.
فأما قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً والشَّمْسَ والقَمَرَ حسباناً﴾ (١) ، وقوله: ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ (٢) ؛ فقد قيل: هو من الحساب، وقيل: بحسبان كحسبان الرحا، وهو دوران الفلك، فإن هذا مما لا خلاف فيه، بل قد دل الكتاب والسنة وأجمع علماء الأمة على مثل ما عليه أهل المعرفة من أهل الحساب من أن الأفلاك مستديرة لا مسطحة) (٣) .
* * *
стр. 304
الأدلَّة من الكتاب والسُّنَّة والإجماع على استدارة وكرويَّة الأفلاك
(ثبت بالكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة أن الأفلاك مستديرة، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ والشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ (١) ، وقال: ﴿وَهُوَ الذي خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحونَ﴾ (٢) ، وقال تعالى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغي لَهَا أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحونَ﴾ (٣) .
قال ابن عباس: في فلكة مثل فلكة المغزل. وهكذا هو في ((لسان العرب)) : الفلك الشيء المستدير، ومنه يقال: تفلك ثدي الجارية إذا استدار، قال تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ ويُكّوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ (٤) ، والتكوير: هو التدوير، ومنه قيل: كار العمامة، وكورها إذا أدارها، ومنه قيل للكرة كرة، وهي الجسم المستدير، ولهذا يقال للأفلاك: كروية الشكل؛ لأن أصل الكرة كورة، تحركت الواو وانفتح ما قلبها فقلبت ألفاً، وكورت الكارة إذا دورتها، ومنه الحديث: ((إن الشمس والقمر يكوران يوم القيامة كأنهما ثوران في نار جهنم)) (٥) ، وقال تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ (٦) مثل حسبان الرحا، وقال: ﴿مَّا تَرَى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مَنْ
стр. 305
تَفَاوتٍ﴾ (١) ، وهذا إنما يكون فيما يستدير من أشكال الأجسام دون المضلعات من المثلث أو المربع أو غيرهما؛ فإنه يتفاوت لأن زواياه مخالفة لقوائمه، والجسم المستدير متشابه الجوانب والنواحي، ليس بعضه مخالفاً لبعض.
وقال النبي ﷺ للأعرابي الذي قال: إنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك. فقال: ((ويحك! إن الله لا يُستشفع به على أحد من خلقه، إن شأنه أعظم من ذلك، إن عرشه على سماواته هكذا)) وقال بيده مثل القبة: ((وإنه ليئط به أطيط الرحل الجديد براكبه)) (٢) . رواه أبو داود وغيره من حديث جبير بن مطعم عن النبي ﷺ ، وفي ((الصحيحين)) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا سألتم الله الجنة؛ فاسألوه الفردوس؛ فإنها أعلى الجنة، وأوسط الجنة، وسقفها عرش الرحمن)) (٣) ؛ فقد أخبر أن الفردوس هي الأعلى والأوسط، وهذا لا يكون إلا في الصورة المستديرة، فأما المربع ونحوه؛ فليس أوسطه أعلاه، بل هو متساوٍ.
وأما إجماع العلماء؛ فقال إياس بن معاوية - الإمام المشهور قاضي البصرة من التابعين -: السماء على الأرض مثل القبة.
وقال الإمام أبو الحسين أحمد بن جعفر بن المنادي من أعيان العلماء المشهورين بمعرفة الآثار والتصانيف الكبار في فنون العلوم الدينية من الطبقة الثانية من أصحاب أحمد: لا خلاف بين العلماء أن السماء على مثال الكرة، وأنها تدور بجميع ما فيها من الكواكب كدورة الكرة على قطبين ثابتين غير
стр. 306
متحركين: أحدهما في ناحية الشمال، والآخر في ناحية الجنوب.
قال: ويدل على ذلك أن الكواكب جميعها تدور من المشرق تقع قليلاً على ترتيب واحد في حركاتها ومقادير أجزائها إلى أن تتوسط السماء، ثم تنحدر على ذلك الترتيب كأنها ثابتة في كرة تديرها جميعها دوراً واحداً.
قال: وكذلك أجمعوا على أن الأرض بجميع حركاتها من البر والبحر مثل الكرة.
قال: ويدل عليه أن الشمس والقمر والكواكب لا يوجد طلوعها وغروبها على جميع من في نواحي الأرض في وقت واحد، بل على المشرق قبل المغرب.
قال: فكرة الأرض مثبتة في وسط كرة السماء كالنقطة في الدائرة، يدل على ذلك أن جرم كل كوكب يُرى في جميع نواحي السماء على قدر واحد، فيدل ذلك على بُعْد ما بين السماء والأرض من جميع الجهات بقدر واحد، فاضطرار أن تكون الأرض وسط السماء.
وقد يظن بعض الناس أن ما جاءت به الآثار النبوية من أن العرش سقف الجنة وأن الله على عرشه مع ما دلت عليه من أن الأفلاك مستديرة متناقض أو مقتض أن يكون الله تحت بعض خلقه، كما احتج بعض الجهمية على إنكار أن يكون الله فوق العرش باستدارة الأفلاك، وأن ذلك مستلزم كون الرب أسفل، وهذا من غلطهم في تصور الأمر، ومن علم أن الأفلاك مستديرة وأن المحيط الذي هو السقف هو أعلى عليين، وإن المركز الذي هو باطن ذلك وجوفه - وهو قعر الأرض - هو ((سجين)) ((وأسفل سافلين)) ؛ عُلم من مقابلة الله بين أعلى عليين وبين سجين، مع أن المقابلة إنما تكون في الظاهر بين العلو والسفل أو بين السعة والضيق، وذلك لأن العلو مستلزم
стр. 307
للسعة والضيق مستلزم للسفول، وعُلم أن السماء فوق الأرض مطلقاً، لا يُتصور أن تكون تحتها قط وإن كانت مستديرة محيطة، وكذلك كلما علا كان أرفع وأشمل.
وعُلم أن الجهة قسمان: قسم ذاتي: وهو العلو والسفول فقط، وقسم إضافي: وهو ما يُنسب إلى الحيوان بحسب حركته؛ فما أمامه يقال له أمام، وما خلفه يقال له خلف، وما عن يمينه يقال له اليمين، وما عن يسرته يقال له اليسار، وما فوق رأسه يقال له فوق، وما تحت قدميه يقال له تحت، وذلك أمر أضافي، أرأيت لو أن رجلاً علق رجليه إلى السماء ورأسه إلى الأرض؛ أليست السماء فوقه وإن قابلها برجليه؟! وكذلك النملة أو غيرها لو مشى تحت السقف مقابلاً له برجليه وظهره إلى الأرض؛ لكان العلو محاذياً لرجليه وإن كان فوقه، وأسفل سافلين ينتهي إلى جوف الأرض.
والكواكب التي في السماء وإن كان بعضها محاذياً لرؤسنا وبعضها في النصف الآخر من الفلك؛ فليس شيء منها تحت شيء، بل كلها فوقنا في السماء، ولما كان الإنسان إذا تصور هذا يسبق إلى وهمه السفل الإضافي، كما احتج به الجهمي الذي أنكر علو الله على عرشه، وخيل على من لا يدري أن من قال: إن الله فوق العرش؛ فقد جعله تحت نصف المخلوقات، أو جعله فلكاً آخر، تعالى الله عما يقول الجاهل.
إذا تبين أنا نعرف ما قد عُرف من استدارة الأفلاك؛ عُلم أن المنكِر له مخالف لجميع الأدلة، لكن المتوقف في ذلك قبل البيان فعل الواجب، وكذلك من لم يزل يستفيد ذلك من جهة لا يثق بها؛ فإن النبي ﷺ قال: ((إذا حدثكم أهل الكتاب؛ فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم)) (١) ، وإن كون بعض
стр. 308
الحركات العالية سبب لبعض الحوادث مما لا يُنكَر، بل إما أن يُقبَل أو لا يُردَّ) (١) .
* * *
стр. 309
أقسام الدَّعاوى وأنَّ اليمين تارة تكون على المدَّعي وتارة تكون على المدَّعى عليه
(الدعاوى التي يحكم فيها ولاة الأمور سواء سموا قضاة أو ولاة، أو تسمى بعضهم في بعض الأوقات ولاة الأحداث أو ولاة المظالم، أو غير ذلك من الأسماء العرفية الاصطلاحية؛ فإن حكم الله ﵎ شامل لجميع الخلائق، وعلى كل من ولي أمر الأمة أو حكم بين اثنين أن يحكم بالعدل والقسط، وأن يحكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهذا هو الشرع المنزل من عند الله، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنَا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والميزانَ لِيَقومَ النَّاسُ بالقِسْطِ وأنْزَلْنا الحَديدَ فيهِ بَأْسٌ شَديدٌ وَمَنافِعُ للنَّاسِ﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿إنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾ (٢) ، وقال تعالى: ﴿إنَّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أراكَ اللهُ﴾ (٣) ، وقال تعالى: ﴿وأنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أنْزَلَ اللهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ﴾ (٤) .
فالدعاوى ((قسمان)) : دعوى تهمة، وغير تهمة:
فدعوى التهمة: أن يدعى فعلاً يحرم على المطلوب يوجب عقوبته؛ مثل قتل، أو قطع طريق، أو سرقة، أو غير ذلك من أنواع العدوان المحرم كالذي يستخفى به بما يتعذر إقامة البينة عليه في غالب الأوقات في العادة.
وغير التهمة: أن يدعي دعوى عقد من بيع أو قرض أو رهن أو ضمان
стр. 310
أو دعوى لا يكون فيها سبب فعل محرم؛ مثل دين ثابت في الذمة من ثمن بيع، أو قرض، أو صداق، أو دية خطأ، أو غير ذلك.
فكل من القسمين قد يكون دعوى حد لله محض؛ كالشرب والزنى، وقد يكون حقاً محضاً لآدمي؛ كالأموال، وقد يكون فيه الأمران؛ كالسرقة، وقطع الطريق.
فهذان ((القسمان)) إذا أقام المدعي فيه حجة شرعية، وإلا؛ فالقول قول المدعى عليه مع يمينه لما روى مسلم في ((صحيحه)) عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو يُعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه)) ، وفي رواية في ((الصحيحين)) عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قضى باليمين على المدعى عليه. فهذا الحديث نص أن أحداً لا يُعطى بمجرد دعواه، ونص في أن الدعوى المتضمنة للإعطاء تجب فيها اليمين ابتداءً على المدعى عليه، وليس فيه أن الدعاوى الموجبة للعقوبات لا توجب إلا اليمين على المدعى عليه؛ بل ثبت عنه ﷺ أنه قال للأنصار لما اشتكوا إليه لأجل قتيلهم الذي قُتل بخيبر، وهو عبد الله ابن سهل، فجاء إلى النبي ﷺ أخوه عبد الله وأبناء عمه حويصة ومحيصة وكان محيصة معه بخيبر، وقال: ((أتحلفون خمسين يميناً وتستحقون قاتلكم؟)) . قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد ولم نر؟! قال: ((فتبريكم يهود بخمسين يميناً؟)) . قالوا: وكيف نأخذ بأيمان قوم كفار (١) ؟ أخرجه أصحاب الصحاح والسنن جميعهم؛ مثل البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي. وفي رواية في ((الصحيحين)) قال: ((يقسم خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع برمته)) .
стр. 311
وقد ثبت في ((صحيح مسلم)) عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قضى بشاهدٍ ويمين (١) . رواه الترمذي وابن ماجه من حديث جابر، ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة، وروي ذلك عن النبي ﷺ من وجوه كثيرة، وهذه الأحاديث أصح وأشهر ما روي عن النبي ﷺ في هذا الباب، وابن عباس الذي يروي عن النبي ﷺ : أنه قضى باليمين مع الشاهد، وأن هذا قضى به في دعاوى وقضى بهذا في دعاوى.
وأما الحديث المشهور في ألْسِنة الفقهاء ((البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر)) (٢) ؛ فهذا قد روي أيضاً؛ لكن ليس إسناده في الصحة والشهرة مثل غيره، ولا رواه عامة أهل السنن المشهورة، ولا قال بعمومه أحد من علماء الملة؛ إلا طائفة من فقهاء الكوفة مثل أبي حنيفة وغيره؛ فإنهم يرون اليمين دائماً في جانب المنكر، حتى في القسامة يحلفون المدعى عليه ولا يقضون بالشاهد واليمين، ولا يرون اليمين على المدعي عند النكول، واستدلوا بعموم هذا الحديث.
وأما سائر علماء الملة من أهل المدينة ومكة والشام وفقهاء الحديث وغيرهم؛ مثل ابن جريج، ومالك، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد ابن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم؛ فتارة يحلفون المدعي، وتارة يحلفون المدعى عليه، كما جاءت بذلك سنن رسول الله ﷺ .
والأصل عند جمهورهم أن اليمين مشروعة في أقوى الجانبين، والبينة عندهم اسم لما يبين الحق، وبينهم نزاع في تفاريع ذلك؛ فتارة يكون لوثاً مع أيمان القسامة، وتارة يكون شاهداً ويميناً، وتارة يكون دلائل غير الشهود
стр. 312
كالصفة لِلُّقَطَة.
وأجابوا عن ذلك الحديث تارة بالتضعيف، وتارة بأنه عام وأحاديثهم خاصة، وتارة بأن أحاديثهم أصح وأكثر وأشهر؛ فالعمل بها عند التعارض أولى.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه طلب البينة من المدعي واليمين من المنكر في حكومات معينة ليست من جنس دعاوى التهم) (١) .
* * *
стр. 313
رسالة شيخ الإسلام إلى والدته يعتذر فيها عن بعده
عنها لأمور دينيَّة
(بسم الله الرحمن الرحيم
من أحمد ابن تيمية إلى الوالدة السعيدة: أقر الله عينيها بنعمه، وأسبغ عليها جزيل كرمه، وجعلها من خيار إمائه وخدمه.
سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته.
فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير، ونسأله أن يصلي على خاتم النبيين وإمام المتقين محمد، عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً.
كتابي إليكم عن نعم من الله عظيمة ومنن كريمة وآلاء جسيمة نشكر الله عليها، ونسأله المزيد من فضله، ونعم الله كلما جاءت في نمو وازدياد، وأياديه جلت عن التعداد.
وتعلمون أن مقامنا الساعة في هذه البلاد إنما هو لأمور ضرورية، متى أهملناها فسد علينا أمر الدين والدنيا، ولسنا - والله - مختارين للبعد عنكم، ولو حملتنا الطيور لسرنا إليكم، ولكن الغائب عذره معه، وأنتم لو اطلعتم على باطن الأمور؛ فإنكم - ولله الحمد - ما تختارون الساعة إلا ذلك، ولم نعزم على المقام والاستيطان شهراً واحداً، بل كل يوم نستخير الله لنا ولكم، وادعوا لنا بالخيرة؛ فنسأل الله العظيم أن يخير لنا ولكم وللمسلمين ما فيه الخيرة في خير وعافية.
ومع هذا؛ فقد فتح الله من أبواب الخير والرحمة والهداية والبركة ما لم يكن يخطر بالبال ولا يدور في الخيال، ونحن في كل وقت مهمومون
стр. 314
بالسفر، مستخيرون الله ؛ فلا يظن الظانُّ أنا نؤثر على قربكم شيئاً من أمور الدنيا قط، بل ولا نؤثر من أمور الدين ما يكون قربكم أرجح منه، ولكن ثم أمور كبار، نخاف الضرر الخاص والعام من إهمالها، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب.
والمطلوب كثرة الدعاء بالخيرة؛ فإن الله يعلم ولا نعلم، ويقدر ولا نقدر، وهو علام الغيوب، وقد قال النبي ﷺ : ((من سعادة ابن آدم: استخارته الله، ورضاه بما يقسم الله له، ومن شقاوة ابن آدم: ترك استخارته الله، وسخطه بما يقسم الله له)) (١) ، والتاجر يكون مسافراً فيخاف ضياع بعض ماله، فيحتاج أن يقيم حتى يستوفيه، وما نحن فيه أمر يجل عن الوصف، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته كثيراً كثيراً، وعلى سائر من في البيت من الكبار والصغار، وسائر الجيران والأهل والأصحاب واحداً واحداً، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً) (٢) .
* * *
стр. 315
مشروعيَّة التَّعزير بالعقوبات الماليَّة
(التعزير بالعقوبات المالية مشروع في مواضع مخصوصة في مذهب مالك في المشهور عنه، ومذهب أحمد في مواضع بلا نزاع عنه، وفي مواضع فيها نزاع عنه، والشافعي في قول؛ وإن تنازعوا في تفصيل ذلك، كما دلت عليه سنة رسول الله ﷺ في مثل إباحته سلب الذي يصطاد في حرم المدينة لمن وجده، ومثل أمره بكسر دنان الخمر وشق ظروفه، ومثل أمره عبد الله بن عمرو بحرق الثوبين المعصفرين؛ وقال له: أغسلهما؟ قال: ((لا، بل أحرقهما)) (١) ، وأمره لهم يوم خيبر بكسر الأوعية التي فيها لحوم الحمر، ثم لما استأذنوه في الإراقة أذن؛ فإنه لما رأى القدور تفور بلحم الحمر أمر بكسرها وإراقة ما فيها؛ فقالوا: أفلا نريقها ونغسلها؟ فقال: ((افعلوا)) (٢) ؛ فدل ذلك على جواز الأمرين لأن العقوبة بذلك لم تكن واجبة.
ومثل هدمه لمسجد الضرار ومثل تحريق موسى للعجل المتخذ إلهاً، ومثل تضعيفه ﷺ الغرم على من سرق من غير حرز، ومثل ما روى من إحراق متاع الغال، ومن حرمان القاتل سلبه لما اعتدى على الأمير.
ومثل أمر عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب بتحريق المكان الذي يباع فيه الخمر، ومثل أخذ شطر مال مانع الزكاة، ومثل تحريق عثمان بن عفان المصاحف المخالفة للإمام، وتحريق عمر بن الخطاب لكتب الأوائل، وأمره بتحريق قصر سعد بن أبي وقاص الذي بناه لما أراد أن يحتجب عن
стр. 316
الناس؛ فأرسل محمد بن مسلمة وأمره أن يحرقه عليه؛ فذهب فحرقه عليه.
وهذه القضايا كلها صحيحة معروفة عند أهل العلم بذلك، ونظائرها متعددة.
ومن قال: إن العقوبات المالية منسوخة، وأطلق ذلك عن أصحاب مالك وأحمد؛ فقد غلط على مذهبهما، ومن قاله مطلقاً من أي مذهب كان؛ فقد قال قولاً بلا دليل، ولم يجىء عن النبي ﷺ قط ما يقتضي أنه حرم جميع العقوبات المالية؛ بل أخذ الخلفاء الراشدين وأكابر أصحابه بذلك بعد موته دليل على أن ذلك محكم غير منسوخ.
وعامة هذه الصور منصوصة عن أحمد ومالك وأصحابه، وبعضها قول عند الشافعي باعتبار ما بلغه من الحديث.
ومذهب مالك وأحمد وغيرهما أن العقوبات المالية كالبدنية تنقسم إلى ما يوافق الشرع وإلى ما يخالفه، وليست العقوبة المالية منسوخة عندهما، والمدعون للنسخ ليس معهم حجة بالنسخ؛ لا من كتاب ولا سنة) (١) .
* * *
стр. 317
كلُّ بشر على وجه الأرض لا بدَّ له من أمر ونهي
(كل بشر على وجه الأرض؛ فلا بد له من أمر ونهي، ولا بد أن يأمر وينهى، حتى لو أنه وحده لكان يأمر نفسه وينهاها؛ إما بمعروف، وإما بمنكر؛ كما قال تعالى: ﴿إنَّ النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بالسُّوءِ﴾ (١) ؛ فإن الأمر هو طلب الفعل وإرادته، والنهي طلب الترك وإرادته، ولا بد لكل حي من إرادة وطلب في نفسه يقتضي بهما فعل نفسه ويقتضي بهما فعل غيره إذا أمكن ذلك؛ فإن الإنسان حي يتحرك بإرادته، وبنوا آدم لا يعيشون إلا باجتماع بعضهم مع بعض، وإذا اجتمع اثنان فصاعداً؛ فلا بد أن يكون بينهما ائتمار بأمر وتناهٍ عن أمر، ولهذا كان أقل الجماعة في الصلاة اثنين، كما قيل: الاثنان فما فوقهما جماعة) (٢) .
* * *
стр. 318
ينبغي للمرأة أن تقول: إنِّي أمتك بنت عبدك أو بنت أمتك مكان: إنِّي عبدك ابن عبدك
سئل: (عن امرأة سمعت في الحديث: ((اللهم إني عبدك، وابن عبدك، ناصيتي بيدك ... )) (١) إلى آخره، فداومت على هذا اللفظ، فقيل لها: قولي: اللهم إني أمتك، بنت أمتك ... إلى آخره؛ فأبت إلا المداومة على اللفظ؛ فهل هي مصيبة أم لا؟
فأجاب: بل ينبغي لها أن تقول: اللهم إني أمتك، بنت عبدك، ابن أمتك؛ فهو أولى وأحسن، وإن كان قولها: عبدك ابن عبدك له مخرج في العربية كلفظ الزوج، والله أعلم) (٢) .
* * *
стр. 319
من توهم أنَّ الفرض أن يقصد المصلِّي الصَّلاة في مكان لو سار على خطٍّ مستقيم وصل إلى عين الكعبة فقد أخطأ
(من توهم أن الفرض أن يقصد المصلي الصلاة في مكان لو سار على خط مستقيم وصل إلى عين الكعبة؛ فقد أخطأ، ومن فسر وجوب الصلاة إلى العين بهذا وأوجب هذا؛ فقد أخطأ، وإن كان هذا قد قاله قائل من المجتهدين؛ فهذا القول خطأ خالف نص الكتاب والسنة وإجماع السلف؛ بل وإجماع الأمة؛ فإن الأمة متفقة على صحة صلاة الصف المستطيل الذي يزيد طوله على سمت الكعبة بأضعاف مضاعفة وإن كان الصف مستقيماً لا انحناء فيه ولا تقوس.
فإن قيل: مع البعد لا يحتاج إلى الانحناء والتقوس كما يحتاج إليه في القرب، كما أن الناس إذا استقبلوا الهلال أو الشمس أو جبلاً من الجبال؛ فإنهم يستقبلونه مع كثرتهم وتفرقهم، ولو كان قريباً لم يستقبلوه إلا مع القلة والاجتماع.
قيل: لا ريب أنه ليس الانحناء والتقوس في البعد بقدر الانحناء والتقوس في القرب؛ بل كلما زاد البعد قل الانحناء، وكلما قرب كثر الانحناء، حتى يكون أعظم الناس انحناءً وتقوساً الصف الذي يلي الكعبة، ولكن مع هذا؛ فلا بد من التقوس والانحناء في البعد إذا كان المقصود أن يكون بينه وبينها خط مستقيم بحيث لو مشى إليه لوصل إليها، لكن يكون التقوس شيئاً يسيراً جداً، كما قيل: إنه إذا قدر الصف ميلاً وهو مثلاً في الشام كان الانحناء من كل واحد بقدر شعيرة؛ فإن هذا ذكره بعض من نص وجوب استقبال العين، وقال: إن مثل هذا التقوس اليسير يُعفى عنه.
стр. 320
فيقال له: فهذا معنى قولنا: إن الواجب استقبال الجهة، وهو العفو عن وجوب تحري مثل هذا التقوس والانحناء، فصار النزاع لفظياً لا حقيقة له؛ فالمقصود أن من صلى إلى جهتها فهو مصلٍّ إلى عينها وإن كان ليس عليه أن يتحرى مثل هذا، ولا يقال لمن صلى كذلك أنه مخطىء في الباطن معفوٌّ عنه؛ بل هذا مستقبل القبلة باطناً وظاهراً، وهذا هو الذي أمر به، ولهذا لما بنى أصحاب رسول الله ﷺ مساجد الأمصار كان في بعضها ما لو خرج منه خط مستقيم إلى الكعبة لكان منحرفاً وكانت صلاة المسلمين فيه جائزة باتفاق المسلمين.
وبهذا يظهر حقيقة قول من قال: إن من قرب منها أو من مسجد النبي ﷺ لا تكون إلا على خط مستقيم؛ لأنه لا يقر على خطأ.
فيقال: هؤلاء اعتقدوا أن مثل هذه القبلة تكون خطأ، وإنما تكون خطأ لو كان الفرض أن يتحرى استقبال خط مستقيم بين وسط أنفه وبينها، وليس الأمر كذلك، بل قد تقدم نصوص الكتاب والسنة بخلاف ذلك.
ونظير هذا قول بعضهم إذا وقف الناس يوم العاشر خطأً أجزأهم؛ فالصواب أن ذلك هو يوم عرفة باطناً وظاهراً، ولا خطأ في ذلك؛ بل يوم عرفة هو اليوم الذي يعرف فيه الناس، والهلال إنما يكون هلالاً إذا استهله الناس، وإذا طلع ولم يستهلوه؛ فليس بهلال، مع أن النزاع في الهلال مشهور هل هو اسم لما يطلع وإن لم يستهل به، أو لما يستهل به؟ وفيه قولان معروفان في مذهب أحمد وغيره، بخلاف النزاع في استقبال الكعبة.
ويدل على ذلك أنه لو قيل بأن على الإنسان أن يتحرى أن يكون بين وسط أنفه وجبهته وبينها خط مستقيم؛ قيل: فلا بد من طريق يعلم بها ذلك؛ فإن الله لم يوجب شيئاً إلا وقد نصب على العلم به دليلاً، ومعلوم أن طريق العلم بذلك لا يعرفه إلا خاصة الناس مع اختلافهم فيه، ومع كثرة الخطأ في