Полный текст (2 189 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
قوله تعالى (إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون)
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون) . بين تعالى في هذه الآية الكريمة، أن الكفار اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله، ومن تلك الموالاة طاعتهم لهم فيما يخالف ما شرعه الله تعالى، ومع ذلك يظنون أنفسهم علي هدى. وبين في موضع آخر: أن من كان كذلك فهو أخسر الناس عملاً، والعياذ بالله تعالى، وهو قوله تعالى جل وعلا (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً)
قوله تعالى (يا بنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد)
قال مسلم: حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار وإبراهيم بن دينار، جميعاً عن يحيى بن حماد. قال ابن المثنى: حدثى يحيى بن حماد، أخبرنا شعبة، عن أبان ابن تغلب، عن فُضيل الفقيمي، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن عبد الله ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبرٍ". قال رجل: "إن الرجل يُحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة. قال: "إن الله جميل يحب الجمال. الكِبر بطر الحق وغَمْط الناس".
(الصحيح ١/٩٣ ح ١٤٧ - ك الإيمان، ب تحريم الكبر وبيانه) .
قال مسلم: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، ح وحدثني أبو بكر بن نافع (واللفظ له) حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يُعيرنى تطوافاً؟ تجعله على فرجها. وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله ... فما بدا منه فلا أحله
فنزلت هذه الآية: (خذوا زينتكم عند كل مسجد)
(الصحيح ٤/٢٣٢٠ ح ٣٠ ٢٨ - ك التفسير، في قوله تعالى الآية) .
стр. 807
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (يابنى آدم خذوا زينتكم عن كل مسجد) قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة، فأمرهم الله أن يلبسوا ثيابهم ولا يتعروا.
قوله تعالى ( ... وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين)
قال الترمذي: حدثنا سويد بن نصر، أخبرنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا إسماعيل بن عيّاش، حدثني أبو سلمة الحِمصي وحبيب بن صالح، عن يحيى بن جابر الطائي، عن مقدام بن معدي كرب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما ملأ آدمي وِعاء شراً من بطنٍ، بحسب ابن آدم أكلات يُقِمْنَ صُلبه، فإن كان لا محالة فثلثْ لطعامه وثلث لشرابه وثلُث لنفسه".
حدثنا الحسن بن عرفة. حدثنا إسماعيل بن عياش نحوه. وقال المقدام بن معدي كرب عن النبي ﷺ ، ولم يذكر فيه سمعت النبي ﷺ .
(السنن ٤/٥٩٠ ح ٢٣٨٠ - ك الزهد، ب ما جاء في كراهية كثرة الأكل) ، وأخرجه ابن ماجة (السنن ١٢/١١١١ ح ٣٣٤٩ - ك الأطعمة، ب الإقتصاد في الأكل وكراهة الشبع) من طريق جدة محمد بن حرب لأمه عن المقدام به. وأحمد (المسند ٤/١٣٢) من طريق سليمان بن سليم. وابن حبان في صحيحه (الإحسان ٢/٤٤٩) من طريق معاوية بن صالح. والحاكم في (المستدرك ٤/٣ ٣١) من طريق سليمان بن سليم كذلك كلهم عن يحيى بن جابر عن المقدام به. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال الألباني: صحيح (صحيح الترمذي ح ١٩٣٩) .
وانظر سورة الأنعام آية (١٤١) ، وانظر سورة الإسراء آية (٢٦) .
قوله تعالى (قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق)
قال البخاري: حدثنا إسماعيل، قال: حدثني مالك، عن نافع وعبد الله بن دينار وزيد بن أسلم يُخبرونه، عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله قال: "لا ينظر الله إلى من جرَّ ثوبه خيلاء".
(الصحيح ١٠/٢٦٤ ح ٥٧٨٣ - ك اللباس، ب قول الله تعالى (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده)) ، أخرجه مسلم في (صحيحه - ك اللباس ح ٢٠٨٥، ب تحريم جر الثوب) .
стр. 808
أخرج الطبري: بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) قال: إن الجاهلية كانوا يحرمون أشياء أحلها الله من الثياب وغيرها، وهو قول الله (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً) (سورة يونس: ٥٩) وهو هذا، فأنزل الله: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق) هو ما حرم أهل الجاهلية عليهم من أموالهم: البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام.
وانظر سورة المائدة آية (١٠٣) ففيها بيان هذه التي حرمها أهل الجاهلية.
قوله تعالى (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة) يقول: شارك المسلمون الكفار في الطيبات، فأكلوا من طيبات طعامها، ولبسوا من خيار ثيابها، ونكحوا من صالح نسائها، وخلصوا بها يوم القيامة.
قوله تعالى (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق)
قال البخاري: حدثنا عمر بن حفص، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: ما من أحد أغير من الله، من أجل ذلك حَرَّمَ الفواحش، وما أحد أحب إليه المدح من الله".
(الصحيح ٩/٢٣٠ ح ٥٢٢٠ - ك النكاح، ب الغيرة) ، وأخرجه مسلم (ك التوبة ح ٢٧٦٠، ب غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش) .
стр. 809
وانظر حديث المغيرة بن شعبه المتقدم عند الآية رقم (١٦٥) من سورة النساء "أتعجبون من غيرة سعد ... ".
انظر حديث مسلم عن النواس بن سمعان المتقدم عند الآية (٢) من سورة المائدة، وهو حديث: "البر حسن الخلق".
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي: (والإثم والبغي) أما (الإثم) فالمعصية و (البغي) أن يبغي على الناس بغير الحق.
قوله تعالى (وأن تقولوا على الله مالا تعلمون)
انظر سورة الإسراء آية (٣٦)
قوله تعالى (ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)
انظر قول الشيخ الشنقيطي في سورة يونس آية (٤٩) .
قوله تعالى (يا بني آدم إما يآتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتى فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)
انظر سورة يس آية (٦٠-٦١) .
قوله تعالى (فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) قال: ما كتب لهم من العذاب.
أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة في قوله تعالى (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) قال: ينالهم نصيبهم في الآخرة بأعمالهم التي عملوا وسلفوا في الدنيا.
стр. 810
قوله تعالى (حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين)
انظر سورة النساء آية (٩٧) وسورة الأنفال آية (٥٠) .
قوله تعالى (قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والأنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي (كلما دخلت أمة لعنت أختها) يقول: كلما دخل أهل ملة لعنوا أصحابهم على ذلك الذين، يلعن المشركون المشركين، واليهود اليهود، والنصارى النصارى، والصائبون الصائبين، والمجوس المجوس، تلعن الآخرة الأولى.
قوله تعالى (حتى إذا إذا اداركوا فيها جميعاً قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذاباً ضعفاً من النار قال لكلٍ ضعف ولكن لا تعلمون)
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (حتى إذا اداركوا فيها جميعاً قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذاباً ضعفاً من النار) . لم يبين هنا السبب الذي مكنهم من إضلالهم، ولكنه بين في موضع آخر: أن السبب الذي مكنهم من ذلك هو كونهم سادتهم وكبرائهم، ومعلوم أن الأتباع يطيعون السادة الكبراء فيما يأمرونهم به، وهو قوله تعالى (وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب) الآية. وبسط ذلك في "سورة سبأ" بقوله (ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أنداداً) .
стр. 811
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي: (قالت أخراهم) الذين كانوا في أخر الزمان (لأولاهم) الذين شرعوا لهم ذلك الدين (ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذاباً ضعفاً من النار) .
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (فآتهم عذاباً ضعفاً من النار) . بين تعالى في هذه الآية الكريمة وأمثالها من الآيات: أن الأتباع يسألون الله يوم القيامة أن يضاعف العذاب للمتبوعين، وبين في مواضع أخر: أن مضاعفة العذاب للمتبوعين لا تنفع الأتباع، ولا تخفف عنهم من العذاب، كقوله (ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون) ، وقوله هنا (قال لكل ضعف) الآية، وقوله (وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون) ، وقوله (قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد) .
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله: (عذاباً ضعفاً من النار قال لكل ضعف) مضعّف.
قوله تعالى (وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل)
أخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد: (فما كان لكم علينا من فضل) قال: من التخفيف من العذاب.
قوله تعالى (إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء)
قال الطبري: حدثنا أبو كريب، قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن المنهال عن زاذان عن البراء أن رسول الله ﷺ ذكر قبض روح الفاجر وأنه يصعد بها إلى السماء، قال: فيصعدون بها، فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان، بأقبح أسمائه التى كان يدعى بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء، فيستفتحون له، فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله ﷺ (لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) .
стр. 812
(التفسير ١٢/٤٢٤ ح ١٤٦١٤) ، وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده (٤/٢٨٧-٢٨٨) عن أبي معاوية عن الأعمش يإسناده ضمن حديث مطول. وأصل الحديث عند النسائي في (المجتبى ٤/٧٨) ، وابن ماجه في (سننه ح ١٥٤٩) ، والحاكم في (المستدرك ١/٣٧- ٤٠) من طرق عن الأعمش بإسناده بدون موضع الشاهد. وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وقال البيهقي: هذا حديث صحيح الإسناد (شعب الإيمان ٢/٣١٦) ، وصححه أيضاً القرطبي وابن القيم والألباني وغيرهم، وحسنه ابن تيمية (انظر رسالة صحة حديث البراء بن عازب ... للدكتور عاصم القريوتي) .
قال ابن ماجة: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا شبابة، عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل صالحاً، قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة! كانت في الجسد الطيب. اخرجي حميدة، وأبشري برَوح وريحان ورب غير غضبان. فلا يزال يقال لها، حتى تخرج. ثم يُعرج بها إلى السماء. فيُفتح لها. فيقال: من هذا؟ فيقولون فلان. فيُقال: مرحباً بالنفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة. وأبشرى برَوح وريحان ورب غير غضبان. فلا يزال يقال لها ذلك حتى يُنتهى بها إلى السماء التي فيها الله . وإذا كان الرجل السوء قال: اخرُجي أيتها النفس الخبيثة!
كانت في الجسد الخبيث. اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغسّاق. وآخر من شكله أزواج. فلا يزال يُقال لها ذلك حتى تخرج. ثم يُعرج بها إلى السماء. فلا يُفتح لها. فيُقال: من هذا؟ فيُقال: فلان. فيقال: لا مرحباً بالنفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث. ارجعي ذميمة. فإنها لا تُفتح لك أبواب السماء. فيُرسل بها من السماء، ثم تصير إلى القبر".
(السنن ح ٤٢٦٢ - الزهد، ب ذكر الموت والإستعداد له) ، قال البويصيري: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، رواه النسائي في (التفسير ح ٤٦٢) عن عمرو بن سواد وفى الملائكة عن سليمان بن داود كلاهما عن ابن وهب عن ابن أبى ذئب به (مصباح الزجاجة ٢/٣٤٩) ، قال الألباني: صحيح.
(صحيح ابن ماجة ٢/٤٢٠) ، وأخرجه أحمد (٢/٣٦٤-٣٦٥ و٦/١٤٠) والطبري (١٢/٤٢٤-٤٢٥ و٤٢٥ ح ١٤٦١٥ و ١٤٦١٦) من طريق: عثمان بن عبد الرحمن الثقفي عن ابن أبي ذئب به.
قال الشيخ أحمد شاكر: وهذا خبر صحيح. وأخرجه الحاكم مختصراً من طريق البراء وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/٣٧-٤٠، وصححه الألباني في (صحيح ابن ماجه ح ١٢٥٩) .
стр. 813
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء) يعنى: لا يصعد إلى الله من عملهم شيء.
قوله تعالى (ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (حتى يلج الجمل في سم الخياط) والجمل ذو القوائم.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (في سم الخياط) يقول: جحر الإبرة.
قوله تعالى (لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي (لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش) أما (المهاد) كهيئة الفراش و (الغواشي) ، تتغشاهم من فوقهم.
قوله تعالى (لا نكلف نفساً إلا وسعها)
انظر آخر سورة البقرة.
قوله تعالى (ونزعنا ما في صدوره من غل ... )
قال الشيخ الشنقيطي: ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أنه جل وعلا، ينزع ما في صدور أهل الجنة من الحقد والحسد الذي كان في الدنيا، وأنهم تجري من تحتهم الأنهار في الجنة. وذكر في موضع آخر أن نزع الغل من صدورهم يقع في حال كونهم إخواناً على سرر متقابلين آمنين من النصب، والخروج من الجنة.
وهو قوله تعالى في "الحجر" (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين) .
انظر حديث البخاري عن أبي سعيد الآتي عند الآية (٤٧) من سورة الحجر.
стр. 814
قوله تعالى (وقالوا الحمد له الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله)
قال الطبري: حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، قال: حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : "كل أهل النار يرى منزله من الجنة، فيقولون: لو هدانا الله، فتكون عليهم حسرة. وكل أهل الجنة يرى منزله من النار، فيقولون: لولا أن هدانا الله. فهذا شكرهم".
(التفسير ١٢/٤٤٠ ح ١٤٦٦٥) ، وعزاه السيوطي في (الدر ٣/٨٥) لابن مردويه وابن أبى الدنيا وغيرهما. وعزاه الهيثمي لأحمد من طريقين وقال: ورجال الرواية الأولى رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١٠/٣٩٩) ، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٣ ٥-٤٣٦) ، وحسنه الألباني في (صحيح الجامع ح ٤٥١٤) .
قوله تعالى (ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون)
قال الطبري: حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا شريك ابن عبد الله، عن أبى إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي بن أبي طالب ﵁ قوله (وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً) حتى إذا انتهوا إلى بابها، إذا هم بشجرة يخرج من أصلها عينان، فعمدوا إلى إحداهما، فشربوا منها كأنما أمروا بها، فخرج ما في بطونهم من قذر أو أذى أو قذى، ثم عمدوا إلى الأخرى، فتوضئوا منها كأنما أمروا به، فجرت عليهم نضرة النعيم، فلن تشعث رءوسهم بعدها أبداً ولن تبلى ثيابهم بعدها، ثم دخلوا الجنة، فتلقتهم الولدان كأنهم اللؤلؤ المكنون، فيقولون: أبشر، أعد الله لك كذا، وأعد لك كذا وكذا، ثم ينظر إلى تأسيس بنيانه جندل اللؤلؤ الأحمر والأصفر والأخضر، يتلألأ كأنه البرق، فلولا أن الله قضى أن لا يذهب بصره لذهب، ثم يأتي بعضهم إلى بعض أزواجه، فيقول: أبشري قد قدم فلان بن فلان، فيسميه باسمه واسم أبيه، فتقول: أنت رأيته، أنت رأيته! فيستخفها الفرح حتى تقوم، فتجلس على أسكفة بابها، فيدخل فيتكئ على سريره، ويقرأ هذه الآية: (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) ... الآية.
стр. 815
(التفسير ٢٤/٣٥) ، وأخرجه ابن المبارك في (الزهد ص ٥٠٨-٥٠٩ ح ١٤٥٠) وعبد الرزاق في (التفسير - سورة الزمر) والضياء المقدسي (المختارة ٢/١٦٠ ح ٥٤١) من طريق حمزة الزيات عن أبي إسحاق به. وقال محقق المختارة: إسناده صحيح. وأورده الحافظ ابن حجر في المطالب العالية المسندة (ل ١٩٨ أ-ب، رواية إسحاق في مسنده من طرق عن أبي إسحاق به، ثم قال: هذا حديث صحيح وحكمه حكم الرفع إذ لا مجال للرأي في هذه الأمور) .
قال مسلم: حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد (واللفظ لإسحاق) .
قالا: أخبرنا عبد الرزاق. قال: قال الثوري: فحدثني أبو إسحاق؛ أن الأغر حدثه عن أبي سعيد الخدري وأبى هريرة عن النبي ﷺ قال: "يُنادي مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تشبّوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تبْأسوا أبداً" فذلك قوله : (ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون) .
(الصحيح ٤/٢١٨٢ ح ٢٨٣٧ - ك الجنة وصفة نعيمها وأهلها، ب في دوام نعيم أهل الجنة ... ) .
قوله تعالى (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا قالوا نعم) قال: وجد أهل الجنة ما وعدوا من الثواب، وأهل النار ما وعدوا من عقاب.
قوله تعالى (فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين)
انظر سورة البقرة آية (١٥٨) .
قوله تعالى (الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً وهم بالآخرة كافرون)
انظر آية (٨٦) من السورة نفسها.
стр. 816
قوله تعالى (وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلاً بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يَطمعون)
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (وبينهما حجاب) ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أن بين أهل الجنة، وأهل النار حجاباً يوم القيامة، ولم يبين هذا الحجاب هنا، ولكنه بينه في سورة الحديد بقوله (فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب) الآية.
وانظر حديث ابن عمر في سورة الروم آية (٥٢) وفيه: وقف النبي ﷺ على قليب بدر فقال: "هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً".
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي (وبينهما حجاب) وهو "السور" وهو "الأعراف".
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: (الأعراف) سور بين الجنة والنار.
قال الطبري بعد أن ساق أقوالا: والصواب من القول في أصحاب الأعراف أن يقال كما قال الله جل ثناؤه فيهم: هم رجال يعرفون كلا من أهل الجنة وأهل النار بسيماهم.
قال الشيخ الشنقيطي: ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن أصحاب الأعراف، يعرفون كلا من أهل الجنة، وأهل النار بسيماهم، ولم يبين هنا سيما أهل الجنة، ولا أهل النار، ولكنه أشار لذلك في مواضع أخر، كقوله (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) الآية. فبياض الوجوه وحسنها؛ سيما أهل الحسنة وسوادها وقبحها، وزرقة العيون، سيما أهل النار، كما قال أيضاً في سيما أهل الجنة (تعرف في وجوههم نضرة النعيم) وقال (وجوه يومئذ ناضرة) الآية، وقال في سيما أهل النار (كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلماً) الآية، قال (ووجوه يومئذ عليها غبرة) الآية، وقال (ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً) .
стр. 817
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم) قال يعرفون أهل النار بسواد الوجوه، وأهل الجنة ببياض الوجوه.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي قال: أهل الأعراف يعرفون الناس فإذا مروا عليهم بزمرة يذهب بها إلى الجنة قالوا (سلام عليكم) يقول الله لأهل الأعراف: (لم يدخلوها وهم يطمعون) أن يدخلوها.
قوله تعالى (وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي قال: وإذا مروا بهم يعني بأصحاب الأعراف بزمرة يذهب بها إلى النار، قالوا (ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين) .
قوله تعالى (ونادى أصحاب الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: (أصحاب الأعراف) رجال كانت لهم ذنوب عظام وكان حسم أمرهم لله، يقومون على الأعراف، فإذا نظروا إلى أهل الجنة طمعوا أن يدخلوها، وإذا نظروا إلى أهل النار تعوذوا بالله منها، فأدخلوا الجنة. فذلك قوله تعالى (أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة) يعني أصحاب الأعراف (ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون) .
قال الشيخ الشنقيطي: ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن أصحاب الأعراف قالوا لرجال من أهل النار: يعرفونهم بسيماهم لم ينفعكم ما كنتم تجمعونه في الدنيا من المال، ولا كثرة جماعتكم وأنصاركم، ولا استكباركم في الدنيا.
стр. 818
وبين في مواضع أخر وجه ذلك: وهو أن الإنسان يوم القيامة، يحشر فرداً، لا مال معه، ولا ناصر، ولا خادم، ولا خول. وأن استكباره في الدنيا يجزي به عذاب الهون في الآخرة، كقوله (ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم) .
قوله تعالى (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي (أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله) قال: من الطعام.
قوله تعالى ( ... إن الله حرمهما على الكافرين)
انظر حديث أبي هريرة في تفسير سورة الشعراء آية (٨٧) وفيه: "فيقول الله إني حرمت الجنة على الكافرين".
قوله تعالى (الذين اتخذوا دينهم لهو ولعبا)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: (الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا) الآية قال: وذلك أنهم كانوا إذا دعوا إلى الإيمان سخروا ممن دعاهم إليه وهزأوا به اغترارا بالله.
وفي هذه الآية بيان لفريق المنافقين.
قوله تعالى (فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون)
قال مسلم: حدثنا محمد بن أبي عمر حدثنا سفيان عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فذكر حديث الرؤية إلى أن قال: قال: فيلقى العبد فيقول: أي فل، ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى، قال فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول فإني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثاني فيقول: أي فل ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى. أي رب! فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني ... الحديث.
(الصحيح ٤/٢٢٧٩-٢٢٨٠ ح ٢٩٦٨ - ك الزهد والرقائق) . ومعني أي فل: أي فلان.
стр. 819
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا) قال: نتركهم من الرحمة كما تركوا أن يعملوا للقاء يومهم هذا.
قوله تعالى (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون)
قال ابن كثير: يقول تعالى مخبراً عن إعذاره إلى المشركين بإرسال الرسول إليهم بالكتاب الذي جاء به الرسول، وأنه كتاب مفصل مبين، كما قال تعالى (كتاب أحكمت آياته ثم فصلت) الآية. وقوله (فصلناه على علم) أي: على علم منا بما فصلناه به، كما قال تعالى (أنزله بعلمه) .
قوله تعالى (هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله) قال: (تأويله) عاقبته.
قوله تعالى (يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون)
أخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد: (يقول الذين نسوه) قال: أعرضوا عنه.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي قول (قد خسروا أنفسهم) يقول: شروها بخسران.
стр. 820
قوله تعالى (إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش)
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام) لم يفصل هنا ذلك، ولكنه فصله في سورة "فصلت" بقوله: (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا آتينا طائعين فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها) .
وانظر حديث خلق السموات والأرض في تفسير سورة البقرة آية (٢٩) .
قوله تعالى (يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا) يقول: سريعاً.
قوله تعالى (ادعوا ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين)
انظر حديث ابن ماجة عن النعمان بن بشير الآتي عند الآية (٦٠) من سورة غافر.
وانظر حديث أبي موسى الأشعري في تفسير سورة البقرة آية (١٨٦) . ولفظه: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة فجعلنا لا نصعد شرفاً ولا نعلو شرفاً ولا نهبط وادياً إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير فقال: "يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً ... ".
قوله تعالى (إن رحمت الله قريب من المحسنين)
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (إن رحمت الله قريب من المحسنين) ذكر في هذه الآية الكريمة: أن رحمته جل وعلا قريب من عباده المحسنين، وأوضح في موضع آخر صفات عبيده الذين سيكتبها لهم في قوله (ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة) الآية.
стр. 821
قوله تعالى (وهو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحاباً ثقالاً سقناه لبلدٍ ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات)
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (وهو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته) على قراءة عاصم بشراً بضم الباء الموحدة، وإسكان الشين: بشير.
لأنها تنتشر أمام المطر مبشرة به، وهذا المعنى يوضحه قوله تعالى (ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات) الآية، وقوله (بين يدي رحمته) ، يعني برحمته المطر كما جاء مبيناً في غير هذا الموضع كقوله (وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته) الآية، وقوله (فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي: (وهو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته) إلى قوله (لعلكم تذكرون) قال: إن الله يرسل الريح فتأتي بالسحاب من بين الخافقين طرف السماء والأرض من حيث يلتقيان فيخرجه من ثمّ، ثم ينشره فيبسطه في السماء كيف يشاء، ثم يفتح أبواب السماء، فيسيل الماء على السحاب، ثم يمطر السحاب بعد ذلك. وأما (رحمته) فهو المطر.
قوله تعالى (كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي قوله: (كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون) وكذلك تخرجون، وكذلك النشور، كما نخرج الزرع بالماء.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد قول الله: (كذلك نخرج الموتى) قال: إذا أراد الله أن يخرج الموتى، أمطر السماء حتى تشقق عنهم الأرض، ثم يرسل الأرواح، فتعود كل روح إلى جسدها، كذلك يحيي الله الموتى بالمطر كإحيائه الأرض.
стр. 822
قوله تعالى (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبيث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لايخرج إلا نكدا) فهذا مثل ضربه الله للمؤمنين. يقول: هو طيب وعمله طيب، كما البلد الطيب ثمره طيب. ثم ضرب مثل الكافر كالبلدة السبخة المالحة التي يخرج منها النَّزُّ، فالكافر هو الخبيث، وعمله خبيث.
قوله تعالى (لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون)
انظر تفاصل قصة نوح وقومه وابنه في سورة هود آية (٢٥-٤١) ، وسورة المؤمنون آية (٢٣-٣٠) ، وسورة الشعراء آية (١٠٥-١٢٢) ، وسورة نوح آية (١-٢٨) .
قال مسلم: حدثنا أبو كامل فضيل بن حسين الجحدري، ومحمد بن عبيد الغُبري -واللفظ لأبي كامل- قالا: حدثنا أبو عوانة عن قتادة، عن أنس بن مالك؛ قال: قال رسول الله ﷺ : ... فذكر حديث الشفاعة الطويل وفيه: "ولكن أئتوا نوحاً. أول رسول بعثه الله ... ".
(الصحيح ١/١٨٠ ح ٣٢٢ - ك الأيمان، ب أدنى أهل الجنة منزلة) ، وأخرجه البخاري في (صحيحه ح ٦٥٦٤ - ك الرقاق، ب صفة الجنة والنار) .
قوله تعالى (أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتفوا ولعلكم ترحمون)
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم) الآية. أنكر تعالى في هذه السورة الكريمة على قوم
стр. 823
نوح، وقوم هود عجبهم من إرسال رجل؛ وبين في مواضع أخر أن جميع الأمم عجبوا من ذلك. قال في عجب قوم نبينا ﷺ من ذلك (أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس) ، وقال (بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم) الآية، وقال عن الأمم السابقة (ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد) ، وقال (كذبت ثمود بالنذر فقالوا أبشراً منا واحداً نتبعه) الآية، وقال (ولئن اتبعتم بشراً مثلكم إنكم إذاً لخاسرون) .
قوله تعالى (فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوماً عمين)
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا) . لم يبين هنا كيفية إغراقهم، ولكنه بينها في مواضع أخر كقوله (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر) الآية، وقوله (فأخذهم الطوفان وهم ظالمون) .
أخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله (عمين) قال: عن الحق.
قوله تعالى (وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي (وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) أن عاداً أتاهم هود، فوعظهم وذكرهم بما قص الله في القرآن، فكذبوه وكفروا، وسألوه أن يأتيهم العذاب، فقال لهم (إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به) سورة الأحقاف: ٢٣، وإن عاداً أصابهم حين كفروا قحوط المطر، حتى جهدوا لذلك جهدا شديدا، وذلك أن
стр. 824
هودا دعا عليهم فبعت الله عليهم الريح العقيم، وهي الريح التي لا تلقح الشجر.
فلما نظروا إليهم قالوا (هذا عارض ممطرنا) سورة الأحقاف: ٢٤، فلما دنت منهم، نظروا إلى الإبل والرجال تطير بهم الريح بين السماء والأرض. فلما رأوها تبادروا إلى البيوت، فلما دخلوا البيوت، دخلت عليهم فأهلكتهم فيها، ثم أخرجتهم من البيوت، فأصابتهم "في يوم نحس" والنحس، هو الشؤم و"مستمر" استمر عليهم بالعذاب "سبع ليال وثمانية أيام حسوماً حسمت كل شيء مرت به، فلما أخرجتهم من البيوت قال الله (تنزع الناس) من البيوت (كأنهم أعجاز نخل منقعر) سورة القمر: ٢٠، انقعر من أصوله "خاوية" خوت فسقطت. فلما أهلكهم الله، أرسل عليهم طيرا سودا، فنقلتهم إلى البحر فألقتهم فيه، فذلك قوله (فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم)
سورة الأحقاف: ٢٥، ولم تخرج ريح قط إلا بمكيال، إلا يومئذ، فإنه عتت على الخزنة فغلبتهم، فلم يعلموا كم كان مكيالها، وذلك قوله (فأهلكوا بريح صرصر عاتية) سورة الحاقة: ٦، و"الصرصر" ذات صوت شديد.
قوله تعالى (أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون)
انظر آية (٦٣) من السورة نفسها.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي (وزادكم في الخلق بسطة) قال: ما لقوه قوم عاد.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (فاذكروا آلاء الله) أى: نعم الله.
قوله تعالى (قد وقع عليكم من ربكم رجس)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (قد وقع عليكم من ربكم رجس) يقول: سخط.
وانظر سورة هود آية (٥٠-٦٠) وسورة المؤمنون آية (٣١-٤١) .
стр. 825
قوله تعالى (فأنجيناه والذين معه برحمة هنا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين)
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا) الآية.
لم يبين هنا كيفية قطعه دابر عاد، ولكنه بينه في مواضع أخر كقوله (وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية) الآية، وقوله (وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم) الآية، ونحو ذلك من الآيات.
قوله تعالى (وإلى ثمود أخاهم صالحاً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم بعذاب أليم)
قال أحمد: ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر قال: لما مرَّ رسول الله ﷺ بالحجر قال: "لا تسألوا الآيات، وقد سألها قوم صالح فكانت ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، فكانت تشرب ماءهم يوماً ويشربون لبنها يوماً، فعقروها فأخذتهم صيحة، أهمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلاً واحداً، كان في حرم الله "قيل: من هو يا رسول الله؟ قال: "هو أبو رغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه".
(المسند ٣/٢٩٦) ، وأخرجه الطبري (التفسير ١٢/٥٣٧ ح ١٤٨١٧) عند الآية (٧٣) من الأعراف، والحاكم (المستدرك ٢/٣٢٠) كلاهما من طريق إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق به.
قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه الذهبي على شرطهما. وقال ابن كثير: على شرط مسلم (التفسير ٢/٣٦٤) . وأخرجه ابن حبان في صحيحه (الإحسان ١٤/٧٧ ح ٦١٩٧) ، وأخرجه الحاكم (المستدرك ٢/٣٤٠-٣٤١) من طريق: مسلم بن خالد، عن ابن خثيم به، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وحسن ابن حجر إسناده (فتح الباري ٦/٢٧٠) . وعزاه الهيثمي لأحمد والبزار والطبراني في الأوسط وقال ورجال أحمد رجال الصحيح (المجمع ٦/١٩٤ و٧/٣٨) .
стр. 826
قوله تعالى (وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي (وتنحتون الجبال بيوتا) كانوا ينقبون في الجبال البيوت.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) يقول: لا تسيروا في الأرض مفسدين.
قوله تعالى (فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين فأخذتهم الرجفة فأصبحوا دارهم جاثمين)
قال الشيخ الشنقيطي: ظاهر هذه الآية الكريمة أن عقرها باشرته جماعة، ولكنه تعالى بين في سورة القمر: أن المراد أنهم نادوا واحداً منهم. فباشر عقرها، وذلك في قوله تعالى (فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر) .
أخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله (وعتوا عن أمر ربهم) قال: علوا في الباطل.
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا) الآية.
لم يبين هنا هذا الذي يعبدهم به، ولكنه بين في مواضع أخر أنه العذاب كقوله (ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب) وقوله هنا (فيأخذكم عذاب أليم) وقوله (تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب) ، ونحو ذلك من الآيات.
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين) . لم يبين هنا سبب رجفة الأرض بهم، ولكنه بين في موضع آخر أن سبب ذلك صيحة الملك بهم، وهو قوله (وأخذ الذين ظلموا الصيحة) الآية.
والظاهر أن الملك لما صاح بهم رجفت بهم الأرض من شدة الصيحة، وفارقت أرواحهم أبدانهم -والله جل وعلا أعلم-.
стр. 827
قال البخاري: حدثنا إسماعيل بن عبد الله قال: حدثني مالك، عن عبد الله ابن دينار، عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، لا يُصيبكم ما أصابهم".
(الصحيح ١/٦٣١ ح ٤٣٣ - ك الصلاة، ب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب) ، وأخرجه مسلم (الصحيح ٤/٢٢٨٥ ح ٢٩٨٠ - ك الزهد، ب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين) .
وانظر حديث البخاري عن عبد الله بن زمعة تحت الآية (١٢) من سورة الشمس.
وانظر حديث أحمد عن جابر المتقدم عند الآية رقم ٧٣ من السورة نفسها.
أخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله (الرجفة) قال: الصيحة.
قوله تعالى (فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي)
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي) الآية. بين تعالى هذه الرسالة التي أبلغها نبيه صالح إلى قومه في آيات كثيرة كقوله (وإلى ثمود أخاهم صالحاً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم) .
قوله تعالى (ولوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين..) .
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين) . بين تعالى أن المراد بهذه الفاحشة اللواط بقوله بعده (إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء) الآية، وبين ذلك أيضاً بقوله (أتأتون الذكران من العالمين) وقوله (وتأتون في ناديكم المنكر) .
стр. 828
قال الترمذي: حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا همام، عن القاسم بن عبد الواحد المكي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابراً يقول: قال رسول الله ﷺ : "إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط".
(السنن ٤/٥٨ ح ١٤٥٧ - ك الحدود، ب ما جاء في حد اللوطي) ، وأخرجه ابن ماجة (السنن ٢/٨٥٦ ح ٢٥٦٣ - ك الحدود، ب من عَمِلَ عَمَلَ قوم لوط) من طريق عبد الوارث بن سعيد. وأحمد (المسند ٣/٣٨٢) ، والحاكم (المستدرك ٤/٣٥٧) كلاهما من طريق همام، كلهم عن القاسم به. قال الترمذي: حديث حسن غريب. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. وقال الألباني: حسن (صحيح الترمذي ح ١١٧٨) .
قال أحمد: حدثنا عبد الرحمن، عن زهير عن عمرو -يعني ابن أبي عمرو- عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من غَيَّر تخوم الأرض، ولعن الله من كمه الأعمى عن السبيل ولعن الله من سب والده -وفي في رواية: والديه- ولعن الله من تولى غير مواليه، ولعن الله من عمل عمل قوم لوط، ولعن الله من عمل عمل قوم لوط، ولعن الله من عمل عمل قوم لوط".
(المسند ١/٣٠٩) ، وأخرجه ابن حبان في صححه (الإحسان ١٠/٢٦٥ ح ٤٤١٧) من طريق عبد الملك ابن عمرو. والحاكم (المستدرك ٤/٣٥٦) من طريق عبد الله بن مسلمة، كلاهما عن زهير بن محمد به.
وأخرجه الحاكم بعده من طريق الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو به، وزاد فيه: "لعن الله من وقع على بهيمة". قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال الشيخ الأرناؤوط في حاشية الإحسان: إسناده على شرط الشيخين.
وانظر قصة قوم لوط ومصيرهم في سورة هود آية (٧٧-٨٣) وجاءت مفصلة مفسرة في سورة الحجر آية (٥١-٧٥) .
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد بن علي النفيلي، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به".
(السنن ٤/١٥٨ ح ٤٤٦٢ - ك الحدود، ب فيمن عمل عمل قوم لوط) ، وأخرجه الترمذي (السنن ٤/٥٧ ح ١٤٥٦ - ك الحدود، ب ما جاء في حد اللوطي) عن محمد بن عمرو السواق.
وابن ماجة (السنن ٢/٨٥٦ ح ٢٥٦١ - ك الحدود، ب من عمل عمل قوم لوط) عن محمد بن الصباح وأبي بكر بن خلاد كلهم عن عبد العزيز بن محمد به. والحاكم (المستدرك ٤/٣٥٥) من طريق سليمان بن بلال عن عمرو بن أبي عمرو به. وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال الألباني: صحيح (صحيح سنن الترمذي ح ١١٧٧) .
стр. 829
قوله تعالى (إنهم أناس يتطهرون)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي (إنهم أناس يتطهرون) قال: يتحرجون.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (إنهم أناس يتطهرون) يقول: عابوهم بغير عيب، وذموهم بغير ذم.
قوله تعالى (فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين)
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (فأنجياه وأهله) ظاهر هذه الآية الكريمة أنه لم ينج مع لوط إلا خصوص أهله، وقد بين تعالى ذلك في "الذاريات": بقوله (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين) وقوله هنا (إلا امرأته كانت من الغابرين) أوضحه في مواضع أخر فبين أنها خائنة، وأنها من أهل النار وأنها واقعة فيما أصاب قومها من الهلاك، قال فيها: هي وامرأة نوح (وضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً وقيل ادخلا النار مع الداخلين) وقال فيها وحدها: أعني امرأة لوط (إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم) الآية، وقوله هنا في قوم لوط (وأمطرنا عليهم مطراً فانظر كيف كان عاقبة المجرمين) .
أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة (إلا عجوزا من الغابرين) (سورة الشعراء: ١٧١، سورة الصافات: ١٣٥) في الباقين في عذاب الله.
والآية الواردة في سورة الشعراء مبينة للآية المذكورة أعلاه.
قوله تعالى (وأمطرنا عليهم مطراً فانظر كيف كان عاقبة المجرمين)
قال الشيخ الشنقيطي: لم يبين هنا هذا المطر ما هو، ولكنه بين في مواضع أُخر أنه مطر حجارة أهلكهم الله بها كقوله (وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل) وأشار إلى أن السجيل الطين بقوله في "الذاريات" (لنرسل عليهم حجارة من طين) ، وبين أن هذا المطر سوء لا رحمة بقوله (ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء) وقوله تعالى في "الشعراء" (وأمطرنا عليهم مطراً فساء مطر المنذرين) .
стр. 830
قوله تعالى (وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيرة قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجاً)
انظر سورة هود آية (٨٤-٩٤) .
أحرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (ولا تبخسوا الناس أشياءهم) قال: لا تظلموا الناس أشياءهم.
أحرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به) قال: كانوا يجلسون في الطريق فيخبرون من أتي عليهم: أن شعيباً ﵇ كذاب، فلا يفتنكم عن دينكم.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد (وتصدون عن سبيل الله) قال: أهلها (وتبغونها عوجاً) تلتمسون لها الزيغ.
قوله تعالى (وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آَمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ علماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩) وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ)
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آَمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) . بين تعالى حكمه الذي حكم به بينهم بقوله (ولما جاء أمرنا نجينا شعيباً والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة) وقوله (فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين) وقوله (الذين كذبوا شعيباً كان لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيباً كانوا هم الخاسرين) .
стр. 831
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي (قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علماً على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق)
يقول: ما ينبغي لنا أن نعود في شرككم بعد إذ نجانا الله منها، إلا أن يشاء الله ربنا، فالله لا يشاء الشرك، ولكن نقول: إلا أن يكون الله قد علم شيئا فإنه وسع كل شيء علماً.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق) يقول: اقض بيننا وبين قومنا.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (كأن لم يغنوا فيها) يقول: كأن لم يعيشوا فيها.
قوله تعالى (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (٩٣) وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آَبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ)
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين) . بين جل وعلا الرسالات التي أبلغها رسوله شعيب إلى قومه في آيات كثيرة كقوله (وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان) الآية ونحوها من الآيات، وبين نصحه لهم في آيات كثيرة كقوله (ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هوم أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد)
الآية وقوله تعالى (فكيف آسى على قوم كافرين) أنكر نبي الله شعيب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام الأسى أي الحزن على الكفار إذا أهلكهم الله بعد إبلاغهم، وإقامة الحجة عليهم مع تماديهم في الكفر والطغيان لجاجاً وعناداً.
стр. 832
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (فكيف آسى) يعني: فكيف أحزن.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي (أخذنا أهلها بالبأساء والضراء) يقول: بالفقر والجوع.
انظر سورة البقرة آية (١٧٧) وسورة الأنعام آية (٤٢) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة) يقول: مكان الشدة الرخاء.
أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة (حتى عفوا) قال: حتى سّروا بذلك.
أخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد (حتى عفوا) قال: كثرت أموالهم وأولادهم.
قوله تعالى (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون)
قال ابن كثير: يقول تعالى مخبراً عن قلة إيمان أهل القرى الذين أرسل فيهم الرسل، كقوله تعالى (فلولا كانت قرية أمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين) .
قوله تعالى (أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (أولم يهد) أولم نبين لهم أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم. ا.هـ.
وتفسير ابن عباس في الطبري بلفظ (أولم يبين) وقد أكملناه من تفسير ابن كثير لأنه اعتمد على نسخة أكمل من النسخه التى بين أيدينا.
انظر سورة البقرة آية (٧) لبيان (ونطبع على قلوبهم)
وانظر سورة طه آية (١٢٨) ، وسورة السجدة آية (٢٦) .
стр. 833
قوله تعالى (تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين)
قال ابن كثير: لما قص تعالى على نبيه ﷺ خبر قوم نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وما كان من إهلاكه الكافرين وإنجائه المؤمنين، وأنه تعالى أعذر إليهم بأن بين لهم الحق بالحجج على ألسنة الرسل صلوات الله عليهم أجمعين، قال تعالى (تلك القرى نقص عليك) أي: يا محمد (من أنبائها) أي: من أخبارها، (ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات) أي: بالحجج على صدقهم فيما أخبروهم به، كما قال تعالى (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) وقال تعالى (ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد وما ظلمناهم ولكن ظلموا انفسهم) .
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (تلك القرى نقص عليك من أنبائها) الآية. ذكر أنباءهم مفصلة في مواضع كثيرة. كالآيات التى ذكر فيها خبر نوح وهود، وصالح ولوط، وشعيب وغيرهم، مع أممهم صلوات الله وسلامه عليهم.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي: (فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل) قال: ذلك يوم أخذ منهم الميثاق فآمنوا كرها.
أخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله (بما كذبوا من قبل) قال: كقوله (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) .
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الجيد عن أبي بن كعب (فما كانو ليؤمنوا بما كذبوا من قبل) قال: كان في علمه يوم أقروا له بالميثاق.
انظر الآية السابقة لبيان (كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين) .
قوله تعالى (وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين)
اُخرج ابن أبي حاتم بسنده الجيد عن أُبي بن كعب (وما وجدنا لأكثرهم من عهد) قال: في الميثاق الذي أخذه في ظهر آدم ﵇.
стр. 834
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله ﵎ (وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين) قال: القرون السابقة.
قوله تعالى (ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فظلموا بها)
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فظلموا بها) الآية. بين تعالى هنا أن فرعون وملأه ظلموا بالآيات التي جاءهم بها موسى، وصرح في النمل بأنهم فعلوا ذلك جاحدين لها، مع أنهم مستيقنون أنها حق لأجل ظلمهم وعلوهم؛ وذلك في قوله (فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً) .
قوله تعالى (فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين)
أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة (فإذا هي ثعبان مبين) قال: تحولت حية عظيمة.
قوله تعالى (ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين)
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (ونزع يده فإذا هى بيضاء للناظرين) .
ذكر تعالى هنا أن موسى نزع يده فإذا هي بيضاء، ولم يبين أن ذلك البياض خال من البرص، ولكنه بين ذلك في سورة: "النمل" و"القصص" في قوله فيهما (تخرج بيضاء من غير سوء) أي من غير برص.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (بيضاء للناظرين) يقول: من غير برص.
قوله تعالى (أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم لمن المقربين)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله (أرجه وأخاه) أي: أحبسه وأخاه.
стр. 835
أخرج الطبري بسنده ثابت عن ابن عباس: (وأرسل في المدائن) قال: الشرط.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي (وأرسل في المدائن حاشرين) فحشروا عليه السحرة (وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين) يقول: عطية تعطينا (إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم لمن المقربين) .
قوله تعالى (قالوا يا موسى إما أن تلقى وإما أن نكون نحن الملقين قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم)
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم) . لم يبين هنا هذا السحر العظيم ما هو؟ ولم يبين هل أوجس موسى في نفسه الخوف منه؟ ولكنه بين كل ذلك في "طه" بقوله (فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى) . ولم يبين هنا أنهم تواعدوا مع موسى موعداً لوقت مغالبته مع السحرة، وأوضح ذلك في سورة "طه" في قوله عنهم (فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعداً لا نخلفه نحن ولا أنت مكاناً سوى قال موعدكم يوم الزينة) الآية.
قوله تعالى (وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فماذا هي تلقف ما يأفكون)
أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة (وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك) فالقى موسى عصاه فتحولت حية فأكلت سحرهم كله.
أخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد فيقول الله (يأفكون) قال: يكذبون.
قوله تعالى (فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون)
أخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد (فوقع الحق) قال: ظهر الحق.
стр. 836
قوله تعالى (وألقى السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين قالوا إنا إلى ربنا منقلبون وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لَما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين)
أخرج الطبري بسند ثابت عن ابن عباس قال: لما رأت السحرة ما رأت، عرفت أن ذلك أمر من السماء وليس بسحر، فخروا سجدا، وقالوا: (آمنا برب العالمين رب موسى وهارون) .
انظر قصة إيمان السحرة في سورة طه آية (٧٠-٧٥) .
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (ثم لأصلبنكم أجمعين) لم يبين هنا الشىء الذي توعدهم بأنهم يصلبهم فيه، ولكنه بينه في موضع آخر، كقوله في "طه" (ولأصلبنكم في جذوع النخل) الآية.
قوله تعالى (وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (ويذرك وآلهتك) قال: يترك عبادتك.
قوله تعالى (قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله (من قبل أن تأتينا) من قبل إرسال الله إياك وبعده.
قوله تعالى (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله (بالسنين) ، الجائحة (ونقص من الثمرات) دون ذلك.
стр. 837
قوله تعالى (فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون)
قال البخاري: حدثني عبد الله بن محمد حدثنا عثمان بن عمر حدثنا يونس عن الزهري عن سالم عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى ولا طيرة، والشؤم في ثلاث: في المرأة، والدار، والدابة".
(الصحيح ١٠/٢٢٣ ح ٥٧٥٣ - ك الطب، ب الطيرة) ، وأخرجه مسلم (الصحيح ٤/١٧٤٦ ح ٢٢٢٣ - ك السلام، ب الطيرة والفأل ... ) .
أخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله (فإذا جاءتهم الحسنة) العافية والرخاء (قالوا لنا هذه) نحن أحق بها (وإن تصبهم سيئة) بلاء وعقوبة (يطيروا) يتشاءموا بموسى.
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه) ذكر تعالى في هذ الآية الكريمة: أن فرعون وقومه إن أصابتهم سيئة أي قحط وجدب ونحو ذلك، تطيروا بموسى وقومه فقالوا: ما جاءنا هذا الجدب والقحط إلا من شؤمكم، وذكر مثل هذا عن بعض الكفار مع نبينا ﷺ في قوله (وإن تصيبهم سيئة يقولوا هذه من عندك) الآية. وذكر نحوه أيضاً عن قوم صالح مع صالح في قوله (قالوا اطيرنا بك وبمن معك) الآية. وذكر نحو ذلك أيضاً عن القرية التي جاءها المرسلون في قوله (قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم) الآية. وبين تعالى أن شؤمهم من قبل كفرهم، ومعاصيهم.
لا من قبل الرسل قال في "الأعراف" (ألا إنما طائرهم عند الله) وقال في سورة "النمل" في قوم صالح (قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون) وقال في "يس" (قالوا طائركم معكم) الآية.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (ألا إنما طائرهم عند الله) قال: مصائبهم عند الله، قال الله: (ولكن أكثرهم لا يعلمون)
стр. 838
قوله تعالى (فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد قال: (الطوفان) الماء والطاعون علي كل حال.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (القمل) الدّبي.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: فكانت آيات مفصلات بعضها في إثر بعض، ليكون الله الحجة عليهم، فأخذهم الله بذنوبهم، فأغرقهم في اليمّ.
قوله تعالى (ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز)
قال مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن محمد بن المنكدر وأبى النضر، مولى عمر بن عبيد الله، عن عامر بن سعد ابن أبي وقاص، عن أبيه، أنه سمعه يسأل أسامة بن زيد: ماذا سمعت من رسول الله ﷺ في الطاعون؟ فقال أسامة: قال رسول الله ﷺ : "الطاعون رِجز أو عذاب أرسل على بني إسرائيل -أو على من كان قبلكم- فإذا سمعتم به بأرض، فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا فراراً منه".
وقال أبو النضر "لا يخرجكم إلا فرار منه".
(الصحيح ٤/١٧٣٧ ح ٢٢١٨ - ك السلام، ب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها) وأخرجه البخاري في (الصحيح ح ٦٩٧٤ - ك الحيل، ب ما يكره من الاحتيال في الفرار من الطاعون) .
قوله تعالى (فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون)
أخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد: (الرجز) العذاب.
أخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله: (إلى أجل هم بالغوه) قال: عدد مسمى من أيامهم.
стр. 839
قوله تعالى (فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليمّ بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين)
انظر سبب غرقهم مفصلاً في سورة طه آية (٧٧-٧٨) .
قوله تعالى (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التى باركنا فيها)
أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة قوله: (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التى باركنا فيها) قال: التي بارك فيها الشام.
قال ابن كثير: وأخبر تعالى أنه أورث القوم الذين يستضعفون -وهم بنو إسرائيل- (مشارق الأرض ومغاربها) كما قال تعالى (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين. ونمكن لهم في الأرض ونُريَ فرعون وهامان وجنودهما منهم ماكانوا يحذرون) ، وقال تعالى (كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك واورثناها قوماً آخرين) .
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها) الآية. لم يبين هنا من هؤلاء القوم، ولكنه صرح في سورة "الشعراء" بأن المراد بهم بنو إسرائيل لقوله في القصة بعينها (كذلك وأورثناها بني إسرائيل) الآية، وأشار إلى ذلك هنا بقوله بعده (وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل) .
قوله تعالى (وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون)
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل) الآية. لم يبين هنا هذه الكلمة الحسنى التي تمت عليهم، ولكنه بينها في
стр. 840
القصص بقوله (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) .
أخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله: (وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل) قال: ظهور قوم موسى على فرعون، وتمكين الله في الأرض ماورثهم منها.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (وماكانوا يعرشون) يقول: يبنون.
قوله تعالى (قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة)
قال الترمذي: حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن سنان بن أبي سنان، عن أبي واقد الليثي أن رسول الله ﷺ لمّا خرج إلى خيبر مرَّ بشجرة للمشركين يُقال لها ذات أنواطٍ يعلقون عليها أسلحتهم، فقالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذاتُ أنواط فقال النبي ﷺ : سبحان الله هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة والذي نفسي بيده لتركبن سُنّة من كان قبلكم.
(السنن ٤/٤٧٥ ح ٢١٨٠ - ك الفتن، ب ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم) ، وأخرجه النسائي (التفسير ١/٤٩٩ ح ٢٠٥) ، وأحمد (المسند ٥/٢١٨) كلاهما: من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري به. وأخرجه ابن حبان في صحيحه (الأحسان ١٥/٩٤ ح ٦٧٠٢) من طريق يونس عن الزهري به. وعند أكثر هؤلاء: لحنين "بدل لخبير" وهو الصواب كما في نسخة معتمدة من سنن الترمذي. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال الألباني. صحيح (صحيح الترمذي ح ١٧٧١) وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.. (حاشية الإحسان) .
قوله تعالى (إن هؤلاء متبّر ماهم فيه)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (اِن هؤلاء متبر ماهم فيه) يقول: خسران.
قوله تعالى (قال أغير الله أبغيكم إلهاً وهو فضلكم على العالمين)
انظر سورة البقرة آية (٤٧) .
стр. 841
قوله تعالى (وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم)
انظر سورة البقرة آية (٤٩-٥٠) .
قوله تعالى (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين)
انظر سورة البقرة آية (٥١) .
قال ابن كثير: فلما تم الميقات عزم موسى على الذهاب إلى الطور، كما قال تعالى (يابني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن) الآية، فحينئذ استخلف موسى على بني إسرائيل أخاه هارون، وأوصاه بالإصلاح وعدم الإفساد وهذا تنبيه وتذكير، وإلا فهارون ﵇ نبي شريف كريم على الله، وله وجاهة وجلالة صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء.
قوله تعالى (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني)
قال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن عمرو بن يحيى المازنى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جاء رجل من اليهود إلى النبي ﷺ قد لُطم وجهه وقال: يا محمد إن رجلاً من أصحابك من الأنصار لطم وجهي. قال: "ادعوه"، فدعوه، قال: "لِمَ لطمتَ وجهه؟ " قال: يا رسول الله، إني مررت باليهود، فسمعته يقول: والذي اصطفى موسى على البشر. فقلت: وعلى محمد؟ وأخذتني غضبة فلطمته. قال: "لا تخيّروني من بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يُفيق،
стр. 842
فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جُزي بصعقة الطور".
(الصحيح ٨/١٥٢-١٥٣ ح ٤٦٣٨ -ك التفسير- سورة الأعراف، ب الآية) ، وأخرجه مسلم (الصحيح٤/١٨٤٣ - ك الفضائل، ب من فضائل موسى ﷺ ) .
قوله تعالى (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً)
قال الترمذي: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، أخبرنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت، عن أنس أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية: (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً) قال حماد: هكذا وأمسك سليمان بطرف إبهامه على أنملة إصبعه اليمنى قال: فساخ الجبل (وخر موسى صعقاً) .
(السنن ٥/٢٦٥ ح ٣٠٧٤ - ك تفسير القرآن، ب ومن سورة الأعراف) وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح. لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة. وأخرجه أحمد في المسند (٣/١٢٥) ، وابن خزيمة في التوحيد (١/٢٥٨-٢٦٣ ح ١٦٢-١٦٦) ، والحاكم في المستدرك (٢/٣٢٠-٣٢١ -ك التفسير) ، والضياء المقدسي في (المختارة ٥/٥٤-٥٧ ح ١٦٧٢-١٦٧٥) من طرق عن حماد بن سلمة به. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وابن الملقن. وقال ابن كثير: إسناد صحيح لا علة فيه) .
أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة في قوله: (دكا) قال: دك بعضه بعضاً.
قوله تعالى (فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين)
أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين) يقول: أنا أول من يؤمن أنه لايراك شيء من خلقك.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله (وأنا أول المؤمنين) ، أنا أول قومي إيماناً.
стр. 843
قوله تعالى (وكتبنا له في الألواح من كل شيء)
قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان قال: حفِظناه من عمرو، عن طاوُس: سمعت أبا هريرة عن النبي ﷺ قال: "احتجّ آدم وموسى، فقال له موسى: يا آدم أنت أبونا، خيبتنا وأخرجتنا من الجنة. قال له آدم: يا موسى اصفاك الله بكلامه وخطّ لك بيده، أتلومني على أمر قدّره الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فحجّ آدم موسى، فحجّ آدم موسى "ثلاثا".
(الصحيح ١١/ ٥١٣ ح ٦٦١٤ - ك القدر، ب تحاج آدم وموسى عند الله) .
قوله تعالى (موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأُريكم دار الفاسقين)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أو: سعيد بن جبير، وهو في أصل كتابي: عن سعيد بن جبير في قول الله: (وتفصيلا لكل شيء) قال: ما أمروا به ونهوا عنه.
أخرج الطبري بسند صحيح عن عكرمة، عن ابن عباس: (فخذها بقوة) قال بجد.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي: (وأمر قومك يأخذوا بأحسنها) بأحسن ما يجدون فيها.
أخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله (سأريكم دار الفاسقين) قال: مصيرهم في الآخرة.
أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة في قوله تعالى (سأريكم دار الفاسقين) قال: منازلهم.
стр. 844
قوله تعالى (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها)
قال ابن كثير: يقول تعالى (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق) أي: سأمنع فهم الحجج والأدلة الدالة على عظمتي وشريعتي وأحكامي قلوب المتكبرين عن طاعتي، ويتكبرون على الناس بغير حق، أي: كما استكبروا بغير حق أذلهم الله بالجهل، كما قال تعالى (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة) ، وقال تعالى (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) . وقوله (وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها) ، كما قال تعالى (إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم) .
قوله تعالى (واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلاً جسداً له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً اتخذوه وكانوا ظالمين)
قال ابن كثير: يخبر تعالى عن ضلال من ضل من بني إسرائيل في عبادتهم العجل، الذي اتخذه لهم السامري من حُلي القبط، الذي كانوا استعاروه منهم، فشكل منه عجلاً، ثم ألقى فيه القبضة من التراب التي أخذها من أثر فرس جبريل ﵇، فصار عجلاً جسداً له خوار (والخوار) صوت البقر.
وكان هذا منهم بعد ذهاب موسى لميقات ربه تعالى، وأعلمه الله تعالى بذلك وهو على الطور، حيث يقول تعالى إخباراً عن نفسه الكريمة (قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري) .
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً اتخذوه وكانوا ظالمين) . بين في هذه الآية الكريمة سخافة عقول عبدة العجل، ووبخهم على أنهم يعبدون مالا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا، وأوضح هذا في سورة طه، بقوله (أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً) الآية.
стр. 845
قوله تعالى (ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين)
قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين) . بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن عبدة العجل اعترفوا بذنوبهم وندموا على ما فعلوا. وصرح في سورة البقرة بتوبتهم ورضاهم بالقتل وتوبة الله جل وعلا عليهم بقوله (وإذا قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم) .
أوضح الله ما ذكره هنا بقوله في "طه" (قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعداً حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا) الآية.
قوله تعالى (ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح..)
قال أحمد: حدثنا سريج بن النعمان حدثنا هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس الخبر كالمعاينة، إن الله أخبر موسى بما صنع قومه في العجل فلم يلق الألواح، فلما عاين ماصنعوا ألقى الألواح فانكسرت".
(المسند ١/٢٧١) ، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (الإحسان ١٤/٩٦ ح ٦٢١٣) من طريق الحسن بن سفيان. والحاكم (المستدرك ٢/٣٢١) من طريق العباس بن محمد الدوري، كلاهما عن سريج بن النعمان به، وليس عندهما قوله: "فانكسرت". قال الحاكم. صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وعزاه الهيثمي لأحمد والبزار والطبراني في (الأوسط) ، ثم قال: رجاله رجال الصحيح (المجمع ١/١٥٣) ، وصححه ابن حبان. وأخرجه ابن أبي حاتم (التفسير - الأعراف /١٥٠ - ح ١٠٠٤) ، وابن حبان (الإحسان ح ٦٢١٤) ، والحاكم (المستدرك ٢/٣٨٠) من طرق، عن أبي عوانة، عن سعيد بن جبير بنحوه. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
وصححه الألباني في (تخريج أحاديث المشكاة ح ٥٧٣٨) .
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي: (أسفاً) قال: حزيناً.
следующие страницы →