← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

أيضا على أنه لا يجوز للولي إمساك مال اليتيم بعد ما يصير في حد الكبر، ولولا ذلك لما كان لذكر الكبر هاهنا معنى، إذ كان الوالي عليه هو المستحق لماله قبل الكبر وبعده، فهذا يدل على أنه إذا صار في حد الكبر استحق دفع المال إليه. وجعل أبو حنيفة حد الكبر في ذلك خمسا وعشرين سنة؛ لأن مثله يكون جدّا، ومحال أن يكون جدا، ولا يكون في حد الكبار. وقال الشافعية: إن المراد من قوله: ﴿أَنْ يَكْبَرُوا﴾ أن يبلغوا راشدين عملا بقوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ، فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً، فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ﴾ وعبر عن ذلك بالكبر؛ لأن الغالب أن من بلغ حد الرجال، كان رشيدا. وتساءل العلماء، هل ما يأكله الولي من مال اليتيم يعد أجرة أو لا؟ يرى الحنفية أنه ليس بأجرة. وقال آخرون: إنه أجرة ولم يفرق بين الغني والفقير، كما هو القياس في كل عمل يقابل بأجر، وحينئذ يكون الأمر في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ محمولا على الندب، كما هو اللائق بمحاسن العادات. والقاعدة الفقهية تقتضي أن تكون هذه الأجرة مقدرة بأجر المثل، سواء أكفت الولي أم لا (١). ثم بين الله تعالى طريقة الدفع وهي: فإذا دفعتم أيها الأولياء والأوصياء الأموال إلى اليتامى، فأشهدوا عليهم بقبضها، وبراءة ذمتكم منها؛ لأن هذا الإشهاد-بعد رعاية الشرطين السابقين: البلوغ ثم الرشد-أبعد عن التهمة، وأنفى للخصومة، وأدخل في الأمانة. وهذا الإشهاد عملا بظاهر الآية واجب عند المالكية والشافعية؛ إذ أن تركه يؤدي إلى التخاصم والتقاضي، والأمر يقتضي الوجوب، وجعله الحنفية مندوبا،

стр. 1297

وصرفه عن الوجوب أن الوصي أمين، والأمين إذا ادعى الرد على من ائتمنه صدّق بيمينه. وقوله تعالى: ﴿وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً﴾ يشهد لهم في عدم لزوم البينة، فإن معناه: أنه لا شاهد أفضل من الله تعالى فيما بينكم وبينهم، وهذا مروي عن سعيد بن جبير. وهل يصدّق الوصي إذا ادعى أنه دفع المال إلى اليتيم بعد البلوغ، وهل يصدق فيما ينفقه حال الصغر؟ قال الإمامان مالك والشافعي: لا يصدق؛ لأن الوصي غير مالك. وقال الإمام أبو حنيفة وأصحابه: يصدق؛ لأن الوصي أمين، والأمين يصدق بيمينه ما دام أمينا. ثم ختم تعالى الآية بتقرير رقابته على كل الأمور صغيرها وكبيرها، فذكر أنه كفى الله حسيبا أي رقيبا عليكم، يحاسبكم على ما تسرون وما تعلنون. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ﴾ على ما يأتي: ١ - النهي عن تضييع المال ووجوب حفظه وتدبيره، وحسن القيام عليه، حيث قد جعله الله تعالى سببا في إصلاح المعاش وانتظام الأمور. ٢ - وجوب الحجر على السفهاء المبذرين من وجهين: أحدهما-منعهم من أموالهم، وعدم جواز دفع أموالهم إليهم. والثاني-إجازة تصرفنا عليهم في الإنفاق عليهم من أموالهم وشراء أقواتهم وكسوتهم، ويؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً﴾ [البقرة ٢٨٢/ ٢] فأثبت الولاية على السفيه كما أثبتها على الضعيف.

стр. 1298

٣ - السفهاء إما اليتامى أو المبذرون بالفعل، وإما النساء والصبيان، والمعنى الجامع المروي عن أبي موسى الأشعري: كل من يستحق الحجر، وهو كل من ليس له عقل يفي بحفظ المال وحسن التصرف فيه، ويدخل فيه الصبي والمجنون والمحجور عليه للتبذير. واختلف العلماء في أفعال السفيه قبل الحجر عليه، فقال مالك وجميع أصحابه غير ابن القاسم: إن فعل السفيه وأمره كله جائز حتى يضرب الإمام على يده، وهو قول الشافعي وأبي يوسف. وقال ابن القاسم: أفعاله غير جائزة وإن لم يضرب الإمام على يده. واختلفوا في الحجر على الكبير، فقال جمهور الفقهاء: يحجر عليه. وقال أبو حنيفة: لا يحجر على من بلغ عاقلا إلا أن يكون مفسدا لماله، فإذا كان كذلك منع من تسليم المال إليه حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة، فإذا بلغها سلّم إليه بكل حال، سواء كان مفسدا أو غير مفسد؛ لأنه يمكن أن يتزوج لاثنتي عشرة سنة، وتحمل زوجته، ثم يولد له لستة أشهر، فيصير جدّا وأبا، وأنا أستحي أن أحجر على من يصلح أن يكون جدّا. ويرده ما رواه الدارقطني عن عثمان أنه أجاز الحجر على الكبير وهو عبد الله بن جعفر الذي ولدته أمه بأرض الحبشة، وهو أول مولود ولد في الإسلام بها، وقدم مع أبيه على النبي ﷺ عام خيبر، فسمع منه وحفظ عنه، وكانت خيبر سنة سبع من الهجرة. ٤ - دل قول الله تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ﴾ على وجوب نفقة الولد على الوالد، والزوجة على زوجها. وفي البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «أفضل الصدقة ما ترك غنى، واليد العليا خير من

стр. 1299

اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، تقول المرأة: إما أن تطعمني، وإما أن تطلّقني، ويقول العبد: أطعمني واستعملني، ويقول الابن: أطعمني إلى من تدعني» قال المهلّب: النفقة على الأهل والعيال واجبة بإجماع. قال ابن المنذر: واختلفوا في نفقة من بلغ من الأبناء ولا مال له ولا كسب، فقالت طائفة: على الأب أن ينفق على ولده الذكور حتى يحتلموا، وعلى النساء حتى يتزوّجن ويدخل بهن. فإن طلقها بعد البناء أو مات عنها فلا نفقة لها على أبيها، وإن طلقها قبل البناء فهي على نفقتها. وقال مالك: ولا نفقة لولد الولد على الجدّ. وقالت طائفة: ينفق على ولد ولده حتى يبلغوا الحلم والمحيض، ثم لا نفقة عليه إلا أن يكونوا زمنى، وسواء في ذلك الذكور والإناث ما لم يكن لهم أموال. وهذا قول الشافعي. وأوجبت طائفة النفقة لجميع الأطفال والبالغين من الرجال والنساء إذا لم يكن لهم أموال يستغنون بها عن نفقة الوالد، لظاهر قوله ﵊ لهند فيما رواه الأئمة عن عائشة: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف». ٥ - القول المعروف للمولى عليهم: وهو تليين الخطاب والوعد الجميل أو الحسن بأن ينصحهم الولي ويعظهم، ويقول لهم: إن رشدتم دفعنا إليكم أموالكم. وأرشدت الآية: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتامى﴾ إلى ما يأتي: ١ - اختبار الأيتام وتدريبهم على حسن التصرف بالأموال قبل دفع أموالهم إليهم. والاختبار يكون قبل البلوغ في رأي أبي حنيفة والشافعي. وبعد البلوغ في رأي مالك. ومعنى الاختبار قيل فيه: هو أن يتأمل الوصي أخلاق يتيمه، ويستمع إلى أغراضه، فيحصل له العلم بنجابته، والمعرفة بالسعي في مصالحه وضبط ماله،

стр. 1300

والإهمال لذلك. فإذا توسم الخير فلا بأس أن يدفع إليه شيئا من ماله يبيح له التصرف فيه، فإن نمّاه وحسّن النظر فيه فقد وقع الاختبار، ووجب على الوصي تسليم جميع ماله إليه. وإن أساء النظر فيه وجب عليه إمساك ماله عنده. وقال الحسن ومجاهد وغيرهم: اختبروهم في عقولهم وأديانهم وتنمية أموالهم. ٢ - إيناس الرشد بعد البلوغ، والبلوغ يكون بخمسة أشياء: ثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء وهي الاحتلام والسن والإنبات، واثنان يختصان بالنساء، وهما الحيض والحبل، فأما الحيض والحبل فلم يختلف العلماء في أنهما بلوغ، وأن الفرائض والأحكام تجب بهما. واختلفوا في الثلاث: فأما الإنبات والسن فقال الأوزاعي والشافعي وابن حنبل: خمس عشرة سنة بلوغ لمن لم يحتلم، بدليل أن النبي ﷺ -فيما أخرجه مسلم- أجاز ابن عمر في الجهاد يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة، ولم يجزه يوم أحد؛ لأنه كان ابن أربع عشرة سنة. وقال مالك وأبو حنيفة وغيرهما: لا يحكم لمن لم يحتلم حتى يبلغ ما لم يبلغه أحد إلا احتلم، وذلك سبع عشرة سنة؛ فيكون عليه حينئذ الحد إذا أتى ما يوجب عليه الحد. وفي رواية أخرى عن أبي حنيفة وهي الأشهر: تسع عشرة سنة. وأما الإنبات فمنهم من قال: يستدل به على البلوغ، وهو قول أحمد، وأحد قولي الشافعي ومالك. والقول الآخر: لا بد من اجتماع الإنبات والبلوغ، قال أبو حنيفة: لا يثبت بالإنبات حكم، وليس هو ببلوغ ولا دلالة على البلوغ. ٣ - الرشد: هو في رأي الحسن البصري وقتادة وغيرهما: صلاح في العقل والدين. وفي رأي ابن عباس والسّدّي والثوري: صلاح في العقل وحفظ المال. وأكثر العلماء على أن الرشد لا يكون إلا بعد البلوغ، وعلى أنه إن لم يرشد بعد بلوغ الحلم، وإن شاخ لا يزول الحجر عنه، وهو مذهب الجمهور.

стр. 1301

وقال أبو حنيفة وزفر والنخعي: لا يحجر على الحر البالغ إذا بلغ مبلغ الرجال، ولو كان أفسق الناس وأشدهم تبذيرا إذا كان عاقلا، واحتجوا بحديث أنس أن حبّان بن منقذ كان يبتاع وفي عقدته (١) ضعف، فقيل: يا رسول الله، احجر عليه: فإنه يبتاع وفي عقدته ضعف، فاستدعاه النبي ﷺ فقال: لا تبع، فقال: لا أصبر، فقال له: «فإذا بايعت فقل: لا خلابة (٢)، ولك الخيار ثلاثا» فلم يحجر عليه مع أنه كان يغبن، فثبت أن الحجر لا يجوز. ورد القرطبي بقوله: وهذا لا حجة لهم فيه؛ لأنه مخصوص بذلك، فغيره بخلافه. وقال الشافعي: إن كان مفسدا لماله ودينه، أو كان مفسدا لماله دون دينه حجر عليه، والأظهر أنه إن كان مفسدا لدينه، مصلحا لماله، حجر عليه أيضا. ٤ - إن دفع المال للمحجور عليهم يكون بشرطين: إيناس الرشد والبلوغ، فإن وجد أحدهما دون الآخر لم يجز تسليم المال إليهم، بنص الآية، وهو قول جماعة الفقهاء إلا أبا حنيفة وزفر والنخعي، فإنهم أسقطوا إيناس الرشد ببلوغ خمس وعشرين سنة، قال أبو حنيفة: لكونه جدا. ورد ابن العربي (٣) بقوله: هذا ضعيف؛ لأنه إذا كان جدا، ولم يكن ذا جدّ (٤)، فماذا ينفعه جدّ النسب، وجدّ البخت فائت؟! واختلف العلماء في دفع المال إلى المحجور عليه، هل يحتاج إلى السلطان أم لا؟ فقالت فرقة: لا بد من رفعه إلى السلطان، ويثبت عنده رشده ثم يدفع

стр. 1302

إليه ماله. وقالت فرقة: ذلك موكول إلى اجتهاد الوصي دون أن يحتاج إلى رفعه إلى السلطان. وإذا سلّم المال إليه بوجود الرشد، ثم عاد إلى السفه بظهور تبذير وقلة تدبير عاد إليه الحجر عند المالكية، وعند الشافعية في قول. وقال أبو حنيفة: لا يعود؛ لأنه بالغ عاقل، بدليل جواز إقراره في الحدود والقصاص. ودليل الرأي الأول قوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ﴾ وقوله : ﴿فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً﴾ [البقرة ٢٨٢/ ٢]. ويجوز للوصي أن يصنع في مال اليتيم ما كان للأب أن يصنعه من تجارة وشراء وبيع، وعليه أن يؤدي الزكاة من سائر أمواله، ويؤدي عنه أروش (تعويضات) الجنايات وقيم المتلفات، ونفقة الوالدين وسائر الحقوق اللازمة، ويجوز أن يزوجه ويؤدي عنه الصداق. ٥ - نهى الله تعالى الأوصياء عن أكل أموال اليتامى بغير الواجب المباح لهم، فلا يجوز لهم الإسراف والتبذير: وهو الإفراط ومجاوزة الحد. ٦ - أمر الله تعالى الغني بالإمساك عن أخذ شيء من مال اليتيم، وأباح للوصي أن يأكل من مال موليه بالمعروف. والأكل بالمعروف كما قال الحسن البصري: أن يأكل ما يسدّ جوعته، ويكتسي ما يستر عورته، ولا يلبس الرفيع من الكتان ولا الحلل. بدليل إجماع الأمة على أن الإمام الناظر للمسلمين لا يجب عليه غرم ما أكل بالمعروف؛ لأن الله تعالى قد فرض سهمه في مال الله. ٧ - أمر الله تعالى بالإشهاد عند دفع المال تنبيها على التحصين وزوالا للتّهم. وهذا الإشهاد مستحب عند طائفة من العلماء؛ فإن القول قول الوصي؛ لأنه أمين. وقالت طائفة: هو فرض عملا بظاهر الآية، وليس بأمين فيقبل قوله.

стр. 1303

٨ - كما أن على الوصي والكفيل حفظ مال يتيمه وتثميره، كذلك عليه حفظ الصبي في بدنه، فالمال يحفظه بضبطه، والبدن يحفظه بأدبه. روي أن رجلا قال للنبي ﷺ : إن في حجري يتيما أأكل من ماله؟ قال: «نعم غير متأثل (١) مالا، ولا واق مالك بماله» قال: يا رسول الله، أفأضربه؟ قال: «ما كنت ضاربا منه ولدك» (٢). ٩ - كفى الله حاسبا لأعمال الناس ومجازيا بها، وفي هذا وعيد لكل جاحد حق. حقوق الورثة في التّركة وحقوق المحتاجين والأيتام والقرابة غير الوارثين ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (٧) وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٨) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٩) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (١٠)﴾

стр. 1304

الإعراب: ﴿نَصِيباً مَفْرُوضاً﴾ منصوب بفعل مقدر دلّ عليه الكلام؛ لأن قوله تعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾ ﴿وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ﴾ معناه: جعل الله لهم نصيبا مفروضا. ويصح كونه حالا، وهو أولى من التقدير. ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ الهاء في ﴿مِنْهُ﴾ تعود إلى القسمة، وإن كانت القسمة مؤنثة؛ لأنها بمعنى المقسوم، فلهذا عاد إليها الضمير بالتذكير، حملا على المعنى، وهذا كثير في كلام العرب. البلاغة: يوجد طباق بين قوله: ﴿قَلَّ﴾ و ﴿كَثُرَ﴾. ويوجد إطناب في قوله: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ.﴾. ﴿وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾. المفردات اللغوية: ﴿لِلرِّجالِ﴾ الأولاد والأقرباء. ﴿نَصِيبٌ﴾ حظ. ﴿مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ المتوفون. ﴿مِمّا قَلَّ مِنْهُ﴾ أي من المال. ﴿نَصِيباً مَفْرُوضاً﴾ أي جعله الله نصيبا مقطوعا بتسليمه إليهم. ﴿وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ للميراث. ﴿أُولُوا الْقُرْبى﴾ ذوو القرابة غير الوارثين. ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ شيئا قبل القسمة. ﴿وَقُولُوا لَهُمْ﴾ أيها الأولياء للورثة الصغار. ﴿قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ جميلا بأن تعتذروا إليهم أنكم لا تملكونه، وأنه للصغار. وهذا الإعطاء ندب، وعن ابن عبّاس: واجب. ﴿وَلْيَخْشَ﴾ ليخف على اليتامى، الخشية: الخوف مع تعظيم المخوف حال الأمن. ﴿لَوْ تَرَكُوا﴾ أي قاربوا أن يتركوا. ﴿مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ أي بعد موتهم. ﴿ذُرِّيَّةً ضِعافاً﴾ أولادا صغارا. ﴿خافُوا عَلَيْهِمْ﴾ الضياع. ﴿فَلْيَتَّقُوا اللهَ﴾ في أمر اليتامى وليأتوا إليهم ما يحبون أن يفعل بذريتهم من بعدهم. ﴿وَلْيَقُولُوا﴾ لمن حضرته الوفاة. ﴿سَدِيداً﴾ صوابا محكما، والمراد موافقا للدين (١). ﴿ظُلْماً﴾ بغير حق. ﴿وَسَيَصْلَوْنَ﴾ سيحرقون، من أصلاه: أراد إحراقه، ومنه صلى اللحم: شواه، وصلى يده: أدفأها، واصطلى: استدفأ. ﴿سَعِيراً﴾ نارا مستعرة مشتعلة.

стр. 1305

سبب النزول: نزول الآية (٧): ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾: أخرج أبو الشيخ (أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأصفهاني المولود سنة ٢٧٤ هـ) وابن حبّان في كتاب الفرائض عن ابن عبّاس قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون البنات ولا الصغار الذكور حتى يدركوا فمات رجل من الأنصار يقال له أوس بن الثابت، وترك ابنتين وابنا صغيرا، فجاء ابنا عمه: خالد وعرفطة (١)، وهما عصبة، فأخذا ميراثه كله، فأتت امرأته أم كحلة (٢) رسول الله ﷺ ، فذكرت له ذلك، فقال: ما أدري ما أقول، فنزلت: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عبّاس سببا آخر لنزول الآية مفاده أن الآية أمر لمن حضر المريض من العواد عند الإيصاء أن يذكره بالوصية لذوي قرابته الذين لا يرثون، يوصي لهم بالخمس أو الربع، ولا يأمره بالتصدق من ماله، أو بالإعطاء منه في سبيل الله. نزول الآية (١٠): ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ﴾: قال مقاتل بن حيان: نزلت في رجل من غطفان يقال له: مرثد بن زيد، ولي مال ابن أخيه، وهو يتيم صغير، فأكله، فأنزل الله فيه هذه الآية. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى حرمة أكل أموال اليتامى وأمر بإعطائهم أموالهم إذا رشدوا،

стр. 1306

أكّد تحريم أكلها، وأوضح أن المال الموروث الذي يحفظه الأولياء لليتامى يشترك فيه الرجال والنساء، وقد كانوا في الجاهلية لا يورّثون النساء والأولاد الصغار، ويقولون: لا يرث إلا من طاعن بالرماح وحاز الغنيمة. قال سعيد بن جبير وقتادة: كان المشركون يجعلون المال للرجال الكبار، ولا يورثون النساء ولا الأطفال شيئا، فأنزل الله: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ.﴾ .. التفسير والبيان: إذا كان لليتامى مال مما تركه الوالدان والأقربون، فهم فيه سواء، لا فرق بين الذكور والإناث، ولا فرق بين كونه كثيرا أو قليلا، فالجميع فيه سواء في حكم الله تعالى مهما قلّ المال، يستوون في أصل الوراثة، وإن تفاوتوا بحسب ما فرض الله لكل منهم، بما يدلي به إلى الميت من قرابة أو زوجية. ثم أكد تعالى هذا الحق للجميع بقوله: ﴿نَصِيباً مَفْرُوضاً﴾ للدلالة على أنه حق معين محتوم مقطوع به، ليس لأحد إنقاصه. ثم عالج القرآن الكريم ناحية نفسية وهي كراهية حضور الأقارب مجلس قسمة التركة، فقرر أنه إذا حضر قسمة التركة أحد من ذوي القربى للوارثين واليتامى والمساكين، فأعطوهم شيئا من المال ولو قليلا، وقولوا لهم قولا حسنا واعتذارا جميلا يهدئ النفوس، وينتزع الحقد والسخيمة، ويستأصل الحسد من النفس. والمراد بالقسمة: قسمة التركة بين الورثة، وأولو القربى: من لا يرثون لكونهم محجوبين أو لكونهم من ذوي الأرحام، والمأمور بهذا هو الولي أو اليتيم عند البلوغ وتسلم المال. والضمير في قوله: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ يرجع إلى ما ترك الوالدان والأقربون، أو إلى القسمة بمعنى المقسوم باعتبار معناها، لا باعتبار

стр. 1307

لفظها مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ﴾ [يوسف ٧٦/ ١٢] أي السقاية. وذهب جمهور المفسرين منهم ابن عباس وسعيد بن جبير إلى أن الآية محكمة غير منسوخة، وأن الأمر بالإعطاء للوجوب، عملا بظاهر الأمر، وقد هجره الناس، كما هجروا الاستئذان عند دخول البيوت، والمخاطب بهذا الوارث الكبير وولي الصغير. وقال الحسن البصري والنّخعي: الأمر منصب على الأعيان المنقولة، وأما الأرضون فلا يعطون منها شيئا، وإنما يكتفى بالقول المعروف. وذهب فقهاء الأمصار إلى أن هذا الإعطاء مندوب طولب به الكبار من الورثة؛ لأنه لو كان لهؤلاء حقّ معين لبيّنه الله تعالى كما بيّن سائر الحقوق، وحيث لم يبيّن علمنا أنه غير واجب. وأيضا لو كان واجبا لتوافرت الدواعي على نقله لشدة حرص الفقراء والمساكين، ولو كان ذلك لنقل إلينا على سبيل التواتر، ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا، أنه ليس بواجب. وقال سعيد بن المسيب والضّحاك وابن عباس في رواية عطاء عنه: الآية منسوخة بآية المواريث: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ.﴾. إلخ. وعلاجا لمرض نفسي آخر وهو تحامل النفس كثيرا على اليتيم والقسوة عليه، أمر الله الأولياء والأوصياء القائمين على اليتامى بالقول السديد لهم بأن يكلموهم كأولادهم بالأدب الحسن، والمناداة لهم بكلمة: يا ابني أو يا ولدي ونحو ذلك، وليتذكروا أنهم مقاربون أن يتركوا أولادهم من بعد موتهم، ويخافوا عليهم الإهمال والضياع، وليتقوا الله في اليتامى الذين يلونهم، فيعاملونهم بمثل ما يحبون أن تعامل به ذريتهم الضعاف بعد وفاتهم.

стр. 1308

ويكون المقصود بالآية حث الأولياء على حفظ أموال اليتامى وإحسان القول إليهم، بتذكيرهم حال أنفسهم وذرياتهم من بعدهم ليتصوروها ويعتبروا بها، وذلك من أقوى البواعث على العظة والاعتبار، فالإنسان كما يدين يدان، وهو مطالب بأن يعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به. وتكون الآية مرتبطة بما قبلها؛ لأن قوله تعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾ في معنى الأمر للورثة، أي أعطوهم حقهم، وليحفظ الأوصياء ما أعطوه، ويخافوا عليهم كما يخافون على أولادهم. ثمّ أكّد الله تعالى الأوامر والنواهي السابقة وقررها وذكّر بالعقاب الشديد لمن يأخذ مال اليتيم ظلما بغير حق، وهو دخول النار وإحراقهم بها، وهي نار مستعرة شديدة الإحراق، وقودها الناس والحجارة، وقانا الله منها. وذكر البطون مع أن الأكل لا يكون إلا فيها يقصد به إما ملء بطونهم نارا للنهاية، وإما للتأكيد والمبالغة، كما في قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران ١٦٧/ ٣]، والقول لا يكون إلا بالفم، وقوله: ﴿وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦/ ٢٢]، والقلوب لا تكون إلا في الصدور، وقوله: ﴿وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام ٣٨/ ٦]، والطير لا يطير إلا بجناحين، الغرض من ذلك كله التأكيد والمبالغة، كما أن فيه تبشيعا لأكل مال اليتيم في حالة الظلم. وفي تقييد الأكل بحالة الظلم دلالة على مشروعية أخذ مال اليتيم بحق، كأجرة العمل، والقرض مثلا، وذلك لا يعدّ ظلما ولا الآكل الآخذ ظالما. والتعبير بالأكل يقصد به جميع وجوه الانتفاع والإتلاف والاستهلاك، ولكن عبّر به لأنه أهم حالات الانتفاع.

стр. 1309

والتعبير بكلمة ﴿ناراً﴾ عند جمهور المفسرين على طريق المجاز المرسل، من قبيل ذكر المسبب وإرادة السبب؛ لأن الإشارة في الآية إلى أكل واحد. وظاهر الآية أن الحكم عام لكل من يأكل ما اليتيم، سواء أكان مؤمنا أم كافرا. وإذا قيل بأن الآية نزلت في أهل الشرك فخصوص السبب لا يخصص، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وورد في بعض الأخبار أنه لما نزلت هذه الآية، تحرّز الناس من مخالطة اليتامى، حتى شق ذلك على اليتامى أنفسهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ﴾ [البقرة ٢٢٠/ ٢]. فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآية: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾ على ما يأتي: ١ - قال المالكية: في هذه الآية فوائد ثلاث: إحداها-بيان علّة الميراث وهي القرابة. الثانية-عموم القرابة كيفما تصرّفت من قريب أو بعيد. الثالثة-إجمال النصيب المفروض، وذلك مبين في آية المواريث؛ فكان في هذه الآية توطئة للحكم، وإبطال لذلك الرأي الفاسد حتى وقع البيان الشافي (١). ٢ - إثبات الحق المقرر في الميراث لكلّ من الرّجال والنّساء، إبطالا لعادة أهل الجاهلية الذين كانوا يورثون الرّجال، ويحرمون النساء والصغار، فالمراد من الرّجال في الآية: الذكور البالغون، والمقصود من الوالدين: الأب والأم بلا واسطة، ومن النساء: الإناث البالغات. ويكون معنى الآية: للذكور

стр. 1310

البالغين نصيب مما ترك آباؤهم وأمهاتهم وأقاربهم كإخوتهم وأخواتهم وأعمامهم وعماتهم، وللإناث البالغات كذلك نصيب مما ترك آباؤهن. فالإرث مشترك بين الرّجال والنّساء. وهذا القول فيه إبقاء للآية على ظاهرها، ويكون القصد من الآية إلغاء عادة الجاهلية. والتّنصيص على النساء اعتناء بشأنهن، وتقرير لأصالتهن في استحقاق الإرث، ومبالغة في إبطال حكم الجاهلية بتخصيص الإرث في الرّجال لأنهم المحاربون الغازون. وعمم بعض العلماء الحكم في الرّجال والنّساء، فجعل المراد من الرّجال: الذّكور مطلقا، سواء أكانوا كبارا أم صغارا، والمراد من النساء: الإناث مطلقا، ويكون المراد التّسوية بين الذّكور والإناث في أن لكلّ منهما حقّا فيما ترك الوالدان والأقربون. وهذا ما أميل إليه. ٣ - تدلّ الآية للحنفيّة القائلين بتوريث ذوي الأرحام؛ لأن العمات والخالات وأولاد البنات من الأقربين، فوجب إثبات حق الإرث لهم المقرر بقوله تعالى: ﴿مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾. ٤ - حق الإرث ثابت في قليل التركة وكثيرها، وهو حق مشاع لجميع الورثة، لا يختص بعضهم بشيء من الأموال كالسيف والخاتم والمصحف واللباس البدني. ودلّ قوله تعالى أيضا: ﴿مِمّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾ على إثبات حق الإرث للبنات، وأما مقدار الحق، فأبانته آيات المواريث الأخرى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء ١١/ ٤]. و لما نزلت آية: ﴿مِمّا قَلَّ مِنْهُ﴾ أرسل النّبي ﷺ إلى سويد وعرفجة ألا يفرّقا من مال أوس شيئا؛ فإن الله جعل لبناته نصيبا، ولم يبيّن كم هو، حتى أنظر ما ينزل ربّنا. فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ.﴾.

стр. 1311

إلى قوله تعالى: ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، فأرسل إليهما: «أن أعطيا أم كجّة الثّمن مما ترك أوس، ولبناته الثلثين، ولكما بقية المال». واستدلّ بعض المالكية والشافعية والحنفية بهذه الآية: ﴿مِمّا قَلَّ مِنْهُ﴾ على وجوب قسمة الشيء الصغير للقسمة كالحمام والبيت. ورأى ابن أبي ليلى وأبو ثور وابن القاسم: أن كل ما لا ينقسم من الدور والمنازل والحمامات، وفي قسمته الضرر ولا ينتفع به إذا قسم: أن يباع ولا شفعة فيه؛ لقوله ﵊ فيما رواه أحمد والبخاري عن جابر: «الشّفعة في كلّ ما لا يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة» فجعل ﵊ الشفعة في كل ما يتأتى فيه إيقاع الحدود، وعلّق الشفعة فيما لم يقسم مما يمكن إيقاع الحدود فيه. وهذا الرأي هو المعقول دفعا للضرر، قال ابن المنذر: وهو أصح القولين. وأرشدت آية: ﴿وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ إلى الآتي: ١ - كلّ من لم يستحق شيئا إرثا وحضر القسمة، وكان من الأقارب أو اليتامى والفقراء الذين لا يرثون: يكرم ولا يحرم، إن كان المال كثيرا، والاعتذار إليهم إن كان عقارا أو قليلا لا يقبل الرضخ (١). وإن كان عطاء من القليل ففيه أجر عظيم؛ درهم يسبق مائة ألف. فالآية على هذا القول محكمة، كما قال ابن عبّاس. وروي عن ابن عبّاس: أنها منسوخة، نسخها قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ.﴾. [النساء ١١/ ٤]. وقال سعيد بن المسيب: نسختها آية الميراث والوصية. قال القرطبي: والرأي الأول أصح؛ فإنها مبيّنة استحقاق الورثة لنصيبهم، واستحباب المشاركة لمن لا نصيب له ممن حضرهم.

стр. 1312

٢ - إذا كان الوارث صغيرا لا يتصرف في ماله، فقالت طائفة: يعطي ولي الوارث الصغير من مال محجوره بقدر ما يرى. وقيل: لا يعطي، بل يقول لمن حضر القسمة: ليس لي شيء من هذا المال، إنما هو لليتيم، فإذا بلغ عرّفته حقّكم، فهذا هو القول المعروف. وهذا إذا لم يوص الميت له بشيء، فإن أوصى يصرف له ما أوصى. ٣ - القول المعروف مطلوب مع جميع الناس، ويتأكد طلبه مع الأقارب. وهو القول الجميل والاعتذار اللطيف. وأومأت آية: ﴿وَلْيَخْشَ﴾ إلى ما يأتي: ١ - الآية تذكير بالمعاملة بالمثل مع أولاد الأوصياء، فهذا كما قال ابن عبّاس وعظ للأوصياء، أي افعلوا باليتامى ما تحبون أن يفعل بأولادكم من بعدكم، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً﴾. ٢ - القول السديد: وهو العدل والصواب من القول وهو مرغوب فيه في تربية اليتامى، فلا ينهرهم الولي ولا يستخف بهم. ودلّت آية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ﴾ على ما يأتي: ١ - تحريم أكل مال اليتامى ظلما، فقد دلّ الكتاب والسّنة على أن أكل مال اليتيم من الكبائر، قال ﷺ فيما رواه الشيخان وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة: «اجتنبوا السبع الموبقات» وذكر منها: «وأكل مال اليتيم». ويفهم منه جواز الأكل بحق إن كان فقيرا، فيأكل بالمعروف، وله أخذ الأجرة على عمله. ٢ - عقاب آكل مال اليتيم ظلما هو دخول نار جهنم. ٣ - هذه آية من آيات الوعيد، ولا حجة فيها لمن يكفّر بالذنوب. والذي

стр. 1313

يعتقده أهل السنة أن بعض العصاة يحترق في نار جهنم ويموت، بخلاف أهل النار لا يموتون ولا يحيون. والكلمة الأخيرة: إن اليتامى عاجزون ضعاف يستحقون كل عناية ورعاية لمصالحهم، وتربية لهم تعوضهم عن فقد أبيهم، لذا عني القرآن بشأنهم فأنزل الله فيهم تسع آيات متتابعات من أول سورة النساء إلى آخر الآية السابقة، قرر فيها جميعا الأمر بحفظ مال اليتيم ورعايته، وأكّد فيها النّهي عن أكل ماله وتضييع حقّه. كما أنه أنزل فيهم آيات أخرى متفرقة منها: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء ٣٤/ ١٧]، ومنها: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ﴾ [النساء ١٢٧/ ٤]، ومنها: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى ٩/ ٩٣]، ومنها: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى، قُلْ: إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ، وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ، وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة ٢٢٠/ ٢]، و قال ﷺ فيما رواه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي عن سهل بن سعد: «أنا وكافل اليتيم كهاتين، وأشار بأصبعيه: السبابة والوسطى». آيات المواريث ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اِثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١١) وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ اِمْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾

стр. 1314

الإعراب: ﴿كُنَّ نِساءً﴾ كان واسمها وخبرها، وتقديره: إن كانت المتروكات نساء فوق اثنتين. وإنما ثبت للبنتين الثلثان بالسّنة، ودلالة النّص على أن الأختين لهما الثلثان في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ﴾ إذ ليس هاهنا في الآية نصّ يدلّ على ذلك. ﴿وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً﴾ خبر كان الناقصة، وتقديره: فإن كان المتروك واحدة، وقرئ بالرفع على أنه فاعل كان التامة، وهي بمعنى: حدث ووقع. ﴿فَلِأُمِّهِ﴾ من ضمها فعلى الأصل، ومن كسرها فعلى الاتباع، كقولهم: المغيرة في المغيرة. ﴿آباؤُكُمْ﴾ مبتدأ، خبره: ﴿لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ﴾. ﴿نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللهِ﴾ ﴿نَفْعاً﴾: تمييز، و ﴿فَرِيضَةً﴾: منصوب على المصدر، وتقديره: فرض الله ذلك فريضة.

стр. 1315

﴿وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً﴾ ﴿كانَ﴾ هنا تامة، و ﴿رَجُلٌ﴾: فاعل، و ﴿يُورَثُ﴾: جملة فعلية صفة رجل، و ﴿كَلالَةً﴾: منصوب من أربعة أوجه: إما حال من ضمير ﴿يُورَثُ﴾، وإما تمييز، والمراد بالكلالة في هذين الوجهين: الميت، وإما صفة مصدر محذوف تقديره: يورث وراثة كلالة، والمراد بالكلالة في هذا الوجه: المال، وإما خبر كان، والمراد بالكلالة في هذا الوجه اسم الورثة. وتقديره: ذا كلالة. ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ حال من ضمير يوصى. ﴿وَصِيَّةٍ﴾ منصوب على المصدر. وقوله: ﴿وَلَهُ أَخٌ﴾ يعود على الرجل، وهذا في العطف بأو جائز. البلاغة: يوجد طباق في لفظ (الذكر) و ﴿الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وفي ﴿آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ﴾. ويوجد جناس اشتقاق في ﴿وَصِيَّةٍ يُوصِي﴾، وهناك إطناب في ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ﴾ و ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ﴾ للتأكيد. وقوله: ﴿عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ للمبالغة. المفردات اللغوية: ﴿يُوصِيكُمُ﴾ أي يأمركم الله ويفرض عليكم. والوصية: ما تعهد به إلى غيرك من العمل في المستقبل، أي أمر له ﴿حَظِّ﴾ نصيب. ﴿عَلِيماً﴾ بخلقه. ﴿حَكِيماً﴾ فيما دبّره لهم. ﴿كَلالَةً﴾ مصدر وهو الإعياء، ثم استعمل في القرابة البعيدة غير قرابة الأصول والفروع، وهو من لا والد له ولا ولد أي له قرابة فقط من الحواشي. ﴿عَلِيمٌ﴾ بما دبّره لخلقه من الفرائض. ﴿حَلِيمٌ﴾ بتأخير العقوبة عمن خالفه. سبب النزول: نزول الآية (١١): ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ﴾: أخرج الأئمة الستة عن جابر بن عبد الله قال: عادني رسول الله ﷺ وأبو بكر في بني سلمة ماشيين، فوجدني النّبي ﷺ لا أعقل شيئا، فدعا بماء فتوضأ، ثم رش علي، فأفقت، فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي، فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾. وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم عن جابر قال: جاءت امرأة

стр. 1316

سعد بن الربيع إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك في أحد شهيدا، وإنّ عمهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما مالا، ولا تنكحان إلا ولهما مال، فقال: يقضي الله في ذلك، فنزلت آية الميراث: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ فأرسل رسول الله ﷺ إلى عمهما فقال: «أعط بنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقي فهو لك». قالوا: وهذه أول تركة قسمت في الإسلام. قال الحافظ ابن حجر: تمسك بهذا من قال: إن الآية نزلت في قصة ابنتي سعد، ولم تنزل في قصة جابر، خصوصا أن جابرا لم يكن له يومئذ ولد، قال: والجواب أنها نزلت في الأمرين معا، ويحتمل أن يكون نزول أولها في قصة البنتين، وآخرها وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً﴾ في قصة جابر، ويكون مراد جابر بقوله: فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ أي ذكر الكلالة المتصل بهذه الآية. المناسبة: ذكر في الآية السابقة حكم ميراث القرابة إجمالا في قوله: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ثم فصّل في آيات المواريث أنصباء الورثة، فبيّن حقوق الأولاد (الفروع) وحقوق الآباء والأمهات (الأصول)، وحقوق الزوجين، وحقوق الإخوة لأم، أما الإخوة لأب فحكمهم في آخر السورة. وكانت أسباب الإرث في الجاهلية ثلاثا: ١ - النسب: للرجال المقاتلين، وليس للنساء والصغار شيء. ٢ - التّبني: يعطى الولد المتبنى مثل الولد الأصلي في الميراث.

стр. 1317

٣ - الحلف والعهد: بأن يقول الرجل لآخر: «دمي دمك وهدمي هدمك (١)، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك». فأقرّ الإسلام ما عدا التّبني الذي أبطله بقوله تعالى: ﴿وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ﴾ [الأحزاب ٤/ ٣٣]. وأما التوارث بالنّسب فأقره بقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء ٣٣/ ٤]، وأما التوارث بالعهد فأجازه بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء ٣٣/ ٤]. وزاد الإسلام في مبدأ الأمر سببين آخرين هما الهجرة والمؤاخاة، ثم نسخ العمل بهما بقوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ﴾ [الأنفال ٧٥/ ٨]. واستقر العمل على أن أسباب الإرث ثلاثة: النسب، الزواج، الولاء، أي الإرث بسبب عتق السيد عبده أو أمته. التفسير والبيان والأحكام: حقوق الأولاد في الميراث: بدأ الله تعالى بالأولاد، لأنهم أحق بالعطف والعون لضعفهم، أما الأصول فقد يكون لهم حق واجب على غير المتوفى، أو لهم قدرة على الكسب. فقال: يعهد إليكم في ميراث أولادكم، بمعنى يأمركم ويفرض عليكم في شأن أولادكم من بعدكم أو في ميراثهم ما يستحقون من أموالكم، على أساس قاعدة: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ أي إذا مات الميت، وترك ذكورا وإناثا، فللذكر ضعف الأنثى؛ لأن الرجل مطالب بالنفقة وبالعمل والتكسب وتحمل المشاق ودفع مهر زوجته، ولا تطالب المرأة بالإنفاق على أحد، سواء أكانت بنتا أم أختا أم أمّا أم زوجة أم عمة أم خالة، وإنما بعد الكبر أو البلوغ تنفق على نفسها إن لم تكن زوجة.

стр. 1318

فإن كانت المتروكات نساء: بنات أو أخوات فوق اثنتين فلهما الثلثان مما ترك المتوفى، وإن كانت المتروكة واحدة ليس معها ذكر يعصبها فلها النصف. وقد وقع خلاف في ميراث البنتين إذا انفردتا عن أخ ذكر، فقال ابن عباس: حكمهما كالبنت الواحدة، لهما النصف، لظاهر الآية: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ، فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ﴾. وقال الجمهور: البنتان كالأختين لهما الثلثان، قياسا لهما على الأختين اللتين قال الله فيهما: ﴿فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ﴾، ولأن البنت تأخذ مع أخيها الثلث، فأولى أن تأخذه مع أختها، ولأن ابن مسعود قضى في بنت وبنت ابن وأخت: بالسّدس لبنت الابن والنّصف للبنت تكملة الثلثين، فجعل لبنت الابن مع البنت الثلثين، فبالأحرى يكون للبنتين الثلثان. ويجوز أن يكون معنى قوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾: فإن كنّ نساء اثنتين فما فوق، مثل قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ﴾ [الأنفال ١٢/ ٨] أي اضربوا الأعناق فما فوقها. والخلاصة: إذا كان الأولاد ذكورا وإناثا فللذكر ضعف الأنثى. وإذا كان المولود أنثى واحدة كان لها النصف، وإذا كان هناك أنثيان فأكثر، كان لهن الثلثان في رأي الجمهور، وإذا انفرد الولد الذكر يأخذ التركة، وإذا كان معه أخ فأكثر اقتسموا التركة بالمساواة. وأولاد الابن وأولادهم مثل الأبناء، الأعلى يحجب الأدنى، فإن كان الأعلى أنثى كبنت وابن ابن، أخذت البنت النصف، والباقي لابن الابن. وإن كان ولد الولي أنثى كان للعليا النصف، وللسفلى السدس تكملة الثلثين. وإن كان الولد الأعلى بنتين أخذتا الثلثين، ولم يبق للبنت السفلى شيء إلا إذا عصبها ذكر في درجتها أو أسفل منها.

стр. 1319

ميراث الوالدين: لكل واحد من أبوي الميت السدس من التركة إن كان للولد الميت ولد ذكر أو أنثى، واحد أو جماعة، والباقي للأولاد على النحو السابق، فإن لم يكن له ولد أصلا وورثه أبواه فلأمه الثلث. والسبب في تساوي الوالدين في الميراث مع وجود الأولاد: هو توفير احترامهما على السواء. وأما سبب كون نصيب الوالدين أقل من نصيب الأولاد فهو إما كبرهما وإما استغناؤهما، وإما لوجود من تجب عليهما نفقتهما من أولاد أحياء. وأما الأولاد فبحاجة إلى نفقات كثيرة إما بسبب الصغر، وإما بسبب الحاجة إلى الزواج وتحمل أعباء الحياة حال الكبر. فإن كان للميت مع وجود أبويه إخوة جماعة ذكورا أم إناثا، كان للأم السدس بدلا من الثلث، سواء أكانت الإخوة أشقاء أم لأب أم لأم. والاثنان من الإخوة كالثلاثة فأكثر؛ لأن النّبي ﷺ والخلفاء الراشدين قضوا بأن الأخوين والأختين يردان الأم من الثلث إلى السدس. أخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه دخل على عثمان ﵄، فقال: لم صار الأخوان يردان الأم من الثلث إلى السدس، وإنما قال الله: ﴿فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ والأخوان في لسان قومك وكلام قومك ليسا بإخوة؟ فقال عثمان ﵁: هل أستطيع نقض أمر كان قبلي، وتوارثه الناس، ومضى في الأمصار؟ أي أن هناك إجماعا في الشرع على ذلك، ويؤيده أنه ورد في اللغة إطلاق الجمع على الاثنين، قال تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم ٤/ ٦٦]، وقال: ﴿وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ﴾ [ص ٢١/ ٣٨]، ثم قال: ﴿خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ [ص ٢٢/ ٣٨]. والخلاصة: إن للأم الثلث إذا لم يكن معها فرع وارث أو اثنان فصاعدا من الإخوة أو الأخوات، ولها السدس مع الفرع الوارث أو العدد من الإخوة أو

стр. 1320

الأخوات. وللأب السدس مع الفرع الوارث، فإن كان الفرع بنتا أخذت النصف، وأخذ الأب بالفرض والتعصيب، وللأم ثلث الباقي إذا كان مع الأبوين أحد الزوجين، وهي المسألة العمرية أو الغراء، كما في زوج وأب وأم، أو زوجة وأب وأم، ففي الأولى: للزوج النصف، وللأب الباقي تعصيبا، وللأم ثلث الباقي بعد فرض الزوج وهو سهم من ستة، وفي الثانية: للزوجة الربع من ١٢ لعدم الفرع الوارث وللأب الباقي تعصيبا، وهو ستة، وللأم ثلث الباقي وهو ثلاثة أسهم. تقديم الديون ثم الوصايا: إن قسمة المواريث كلها بين الورثة مقدم عليه أولا إيفاء الديون المتعلقة بالتركة، وتنفيذ الوصايا، فالله تعالى يوصي ويأمر بقسمة المواريث على النحو الذي شرع من بعد وصية يوصى بها من الميت، ومن بعد دين تعلق بذمة الميت قبل موته. وقدمت الوصية على الدّين مع أن الواجب تقديم الدّين أولا في الوفاء، حثّا على تنفيذها واهتماما بشأنها ومنعا من جحودها، أما الدّين فمعلوم قوّته، قدم أو لم يقدم. ثم إن ﴿أَوْ﴾ هاهنا للإباحة، ولا تقتضي الترتيب. ودليل تقديم وفاء الدّين: ما رواه علي كرّم الله وجهه وأخرجه عنه جماعة كابن جرير الطبري: إنكم تقرؤون هذه الآية: من بعد وصية يوصى بها أو دين، إن رسول الله ﷺ قضى بالدّين قبل الوصية، فليس لأحد من الورثة ولا من الموصى لهم حق في التركة إلا بعد قضاء الدّين. ولو استغرق الدّين التركة، فليس لأحد شيء. ويقدم على الدّين والوصية والميراث نفقات تكفين الميت وتجهيزه ودفنه، تكريما لإنسانيته واحتراما لآدميته.

стр. 1321

وإنما يقدم الدّين على الوصية والميراث؛ لأن ذمة الميت مرتهنة به، وأداء الدين أولى من فعل الخير الذي يتقرب به. وتقديم الوصية على الميراث في حدود ثلث التركة؛ لأنه القدر المأذون بالإيصاء به في السّنة النّبوية فيما رواه الجماعة عن سعد: «الثلث والثلث كثير». ثم أتى النّص القرآني بجملة معترضة للتنبيه على جهل المرء بعواقب الأمور، فبيّن تعالى أن هؤلاء الذين أوصاكم الله بهم وقدر أنصباءهم، هم آباؤكم وأبناؤكم، فلا تجوروا في القسمة ولا تحرموا البعض كما كان يفعل العرب في الجاهلية؛ إذ لا تدرون بمن هو أقرب لكم نفعا. فرض الله ذلك فريضة محتمة، وإن الله يعلم بما يصلح خلقه، حكيم في تدبيره، يضع الأمور في موضعها الصحيح المناسب، ولا يشرع لكم إلاّ ما فيه المنفعة لكم، وقسم الميراث بينكم على أساس من الحق والعدل والمصلحة، فالزموا قسمته ومنهجه، واحذروا حرمان أحد من الورثة كالنساء والضعفاء كما كان أهل الجاهلية يفعلون. ميراث الزوجين: للزوج نصف تركة الزوجة إن لم يكن لها ولد، سواء أكان منه أم من غيره، وسواء أكان ذكرا أم أنثى، واحدا أم أكثر، منها مباشرة أم من بنيها أم من بني بنيها، والباقي لأولادها، ولا يشترط الدخول بالزوجة وإنما يكفي مجرد العقد. فإن كان لها ولد فللزوج الربع، والباقي لأقاربها ذوي الفروض والعصبات، أو ذوي الأرحام-في رأي الحنفية-أو لبيت المال إن لم يكن وارث آخر. لكم ذلك في تركتهن من بعد وفاء الديون وتنفيذ الوصايا. وللزوجة ربع تركة الزوج إن لم يكن له ولد، ولها الثمن إن كان له ولد.

стр. 1322

فإن تعددت الزوجات اشتركن في الربع أو في الثمن من بعد الدين والوصية، كما سبق. ميراث الكلالة: جعل الله الورثة في هذه الآيات أقساما ثلاثة: قسم يتصل بالميت بغير واسطة وإنما برابطة الدم وهم الأولاد والوالدان، وقسم يتصل بالميت بغير واسطة وإنما بعقد الزوجية وهما الزوجان، وقسم يتصل بالميت بواسطة وهم الكلالة: وهي ما عدا الوالد والولد. ونظرا لقوة القسم الأول قدمه تعالى في البيان، ثم أتبعه بالقسم الثاني، ثم ذكر القسم الثالث، ولأن القسمين الأوليين لا يعرض لهما السقوط بحال، بخلاف القسم الثالث، فإنه قد يعرض له السقوط بالكلية. والراجح أن الكلالة: من عدا الوالد والولد، وهو تفسير أبي بكر الصديق ﵁، أخرج ابن جرير عن الشعبي قال: قال أبو بكر ﵁: إني رأيت في الكلالة رأيا، فإن كان صوابا، فمن الله وحده لا شريك له، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله منه بريء، إن الكلالة: ما خلا الوالد والولد. ويؤكد تفسيره: اشتقاق الكلمة، فهي مأخوذة من الضعف، والقرابة لا من جهة الولادة قرابة ضعيفة، وأما قرابة الولادة فهي قوية، فلا يطلق عليها كلالة. ثم إن الله تعالى حكم بتوريث الإخوة والأخوات عند عدم وجود الأب، فوجب ألا يكون الوالد من الكلالة. وحكم إرث الكلالة بحسب النص: أنه إذا وجد أخ أو أخت لأم فلكل واحد منهما السدس، فإن تعددوا فهم شركاء في الثلث، وهم فيه سواء لا تفاضل بين ذكورهم وإناثهم. والدليل على أن المراد بالأخ والأخت في آية الكلالة الإخوة لأم: قراءة

стр. 1323

سعد بن أبي وقاص: «وله أخ أو أخت من أم» ولأن الأخوين من العصبة سيأتي حكمهما في آخر سورة النساء: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ، قُلِ: اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ [١٧٦/ ٤] فالمراد منهما هنا الإخوة الأشقاء أو لأب، لهم المال كله إن انفردوا، ويأخذون الباقي بعد ذوي الفروض. ولأن الفرض هنا الثلث أو السدس وهو فرض الأم، فناسب أن يكون فرض الإخوة الذين يدلون بها هم الإخوة لأم. والخلاصة: للإخوة لأم حالتان: ١ - إذا انفرد الأخ أو الأخت لأم فلكل واحد منهما السدس. ٢ - إذا تعدد الإخوة لأم اشتركوا في قسمة الثلث بالتساوي، ذكرهم مثل أنثاهم؛ لأن مطلق التشريك يدلّ عليه. وهذه القسمة للإخوة لأم من بعد إيفاء الدّين وتنفيذ الوصية اللذين لا إضرار فيهما بالورثة والدائنين، والضرار في الدين والوصية له أحوال: أولا-أن يقرّ الشخص بدين لأجنبي يستغرق المال كله أو بعضه، بقصد إضرار الورثة، ويظهر قصد الضرر كثيرا في الكلالة (الحواشي)، أما في الوالدين والأولاد والأزواج فهو نادر. ثانيا-أن يقرّ بأن الدين الذي كان له عند فلان قد استوفاه. ثالثا-أن يوصي بأكثر من الثلث، قال ابن عبّاس: الضرار في الوصية من الكبائر. رابعا-أن يوصي بالثلث لا بقصد القربة إلى الله، بل لإنقاص أنصباء الورثة.

стр. 1324

يوصيكم الله ويأمركم بذلك ويعهد إليكم به عهدا للعمل به وتنفيذه، والله عليم حليم، عليم بمصالح عباده وبمضارهم وبمن يستحق الميراث ومن لا يستحق، وبمقدار المستحق، حليم لا يعجل بالعقوبة على من عصاه، فأضرّ في الوصية بالورثة أو بالدّائنين، أو حرم أحدا من النساء والأطفال حقه في الإرث. وفي هذه الخاتمة المؤثرة بمن أصغى إليها وفهمها: إشارة إلى أنه تعالى شرع المواريث على هذا النحو، وهو يعلم ما فيها من الخير والمصلحة، فمن الواجب الإذعان لوصايا الله وفرائضه، والتزام منهجه وحدوده، فلا ينبغي الاعتداء وهضم الحقوق، أو التعديل في أنظمة الإرث كإعطاء المرأة مثل الرجل، كما في بعض الدّول الإسلامية أخذا بأعراف فاسدة لمصادمتها للنصوص القرآنية القطعية، أو محاكاة لأنظمة الغرب وقوانين البشر، زعما بأن ذلك عدل يقتضي المساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة، لكن لا عدل بعد عدل الله، ولا رحمة فوق رحمة الله، فإن افتتاح الآيات بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ دليل على أنه تعالى أرحم بالناس من الوالدة بولدها، حيث أوصى الوالدين بأولادهم، ويؤيده الحديث الصحيح: «لله أرحم بعباده من هذه بولدها». أحكام أخرى من آيات المواريث: ١ - قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ بيان لما أجمل في قوله: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾ و ﴿لِلنِّساءِ نَصِيبٌ﴾ فدل على جواز تأخير البيان عن وقت السؤال. وهذه الآية ركن من أركان الدين، وعمدة من عمد الأحكام، وأم من أمّهات الآيات، فإن الفرائض عظيمة القدر، حتى إنها ثلث العلم، وروي نصف العلم، وهو أول علم ينزع من الناس وينسى. أخرج الدارقطني عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «تعلموا الفرائض وعلّموه الناس، فإنه نصف العلم، وهو أول شيء ينسى، وهو أول شيء ينتزع من أمتي».

стр. 1325

٢ - قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ قال الشافعية: قول الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ حقيقة في أولاد الصّلب، فأما ولد الابن فإنما يدخل فيه بطريق المجاز؛ فإذا حلف أن لا ولد له، وله ولد ابن لم يحنث؛ وإذا أوصى لولد فلان، لم يدخل فيه ولد ولده. وأبو حنيفة يقول: إنه يدخل فيه إن لم يكن له ولد صلب. ٣ - ظاهر الآية أن يكون الميراث لجميع الأولاد، المؤمن منهم والكافر، فلما ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا يرث المسلم الكافر» (١) علم أن الله أراد بعض الأولاد دون بعض، فلا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم، على ظاهر الحديث. ودلت الأحاديث على أن موانع الإرث هي ثلاث: قتل، واختلاف دين، ورقّ، لكن القتل الخطأ لا يمنع من الميراث عند الإمام مالك، ويمنع كالقتل العمد عند باقي الأئمة. ولم يدخل في عموم الآية ميراث النبي ﷺ لقوله فيما رواه أحمد: «إنا لا نورث ما تركناه صدقة». وقال النخعي: لا يرث الأسير، وقال أغلب أهل العلم: إنه يرث ما دام تعلم حياته على الإسلام؛ لأن قوله تعالى: ﴿فِي أَوْلادِكُمْ﴾ دخل فيه الأسير في أيدي الكفار. ٤ - أصحاب الفرائض في الآيات يأخذون حقوقهم، والباقي للعصبات، لقوله ﷺ فيما رواه الأئمة: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقته الفرائض فلأولى رجل ذكر» يعني الفرائض الواقعة في كتاب الله تعالى وهي ستة: النصف والربع والثمن، والثلثان والثلث والسدس. وقوله: لأولى: أي لأقرب.

стр. 1326

فالنصف فرض خمسة: ابنة الصلب، وابنة الابن والأخت الشقيقة، والأخت لأب، والزوج، إذا انفردوا عمن يحجبهم عنه. والربع: فرض الزوج مع الحاجب وهو الولد: وفرض الزوجة والزوجات مع عدم الحاجب. والثمن: فرض الزوجة والزوجات مع الحاجب. والثلثان: فرض أربع: البنتان فصاعدا، وبنات الابن، والأخوات الشقيقات، أو لأب، إذا انفردن عمن يحجبهن عنه. والثلث فرض صنفين؛ الأم مع عدم الولد وولد الابن، وعدم الاثنين فصاعدا من الإخوة والأخوات، وفرض الاثنين فصاعدا من ولد الأم، وهذا هو ثلث كل المال. فأما ثلث ما يبقى فذلك للأم في مسألة: زوج أو زوجة وأبوان، فللأم فيها ثلث ما يبقى. وفي مسائل الجد مع الإخوة إذا كان معهم ذو سهم، وكان ثلث ما يبقى أحظى له. والسدس فرض سبعة: الأبوان والجد مع الولد وولد الابن، والجدة والجدات إذا اجتمعن، وبنات الابن مع بنت الصلب، والأخوات للأب مع الأخت الشقيقة، والواحد من ولد الأم ذكرا كان أو أنثى. ويسقط ولد الأم مع الفرع الوارث والأصل الوارث المذكر. وهذه الفرائض كلها مأخوذة من كتاب الله تعالى إلا فرض الجد والجدات، فإنه مأخوذ من السنة، ثبت أن النبي ﷺ قضى للجدة بالسدس. ٥ - لا ميراث إلا بعد أداء الدين والوصية، كما بينت. ٦ - لما قال تعالى: ﴿فِي أَوْلادِكُمْ﴾ يتناول كل ولد كان موجودا أو جنينا في بطن أمه، من الطبقة الأولى أو بعدها، من الذكور أو الإناث ما عدا الكافر كما تقدم.

стр. 1327

٧ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ﴾ فرض الله تعالى للواحدة النصف بقوله: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ﴾ ولما كان للواحدة مع أخيها الثلث إذا انفردت، علمنا أن للاثنتين الثلثين. وقيل: ﴿فَوْقَ﴾ زائدة أي كن نساء اثنتين، كقوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ﴾ [الأنفال ١٢/ ٨] أي الأعناق فما فوقها. وأقوى حجة في أن للبنتين الثلثين الحديث الصحيح المروي في سبب النزول. ٨ - إذا كان مع البنت بنت ابن فللبنت النصف ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين. سئل ابن مسعود عن ذلك فقال: لقد ضللت إذن وما أنا من المهتدين! أقضي فيها بما قضى النبي ﷺ : للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت. ٩ - إذا مات الرجل وترك زوجته حبلى، فإن المال يوقف حتى يتبين ما تضع. فإن خرج ميتا لم يرث، وإن خرج حيا يرث ويورث. أما الخنثى وهو الذي له فرجان فأجمع العلماء على أنه يورّث من حيث يبول. ١٠ - قوله تعالى ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ الأبوان: تثنية الأب والأبه، أو من قبيل التغليب عند العرب، كقولهم للأب والأم: أبوان، وللشمس والقمر: القمران، ولليل والنهار: الملوان، وكذلك العمران لأبي بكر وعمر ﵄. ١١ - للجدة السدس إذا لم يكن للميت أم بإجماع العلماء، وأجمعوا على أن الأم تحجب أمها وأمّ الأب، وأجمعوا على أن الأب لا يحجب أم الأم. ولا يرث في رأي مالك إلا جدّتان: أم الأم وأم الأب وأمهاتهما. ولا ترث الجدة أم أب الأم على حال. ١٢ - قوله تعالى ﴿لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ فرض تعالى لكل واحد من الأبوين مع الولد السدس، وأبهم الولد، فكان الذكر والأنثى فيه سواء.

стр. 1328

١٣ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ الإخوة يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس، وهذا هو حجب النقصان، سواء كان الإخوة أشقاء أو للأب أو للأم، ولا سهم لهم. ١٤ - الدين مقدم على الوصية، بدليل ما روى الترمذي عن علي أن النبي ﷺ قضى بالدين قبل الوصية. وهذا مجمع عليه. وتمسك الشافعي بالآية في تقديم دين الزكاة والحج على الميراث، فقال: إن الرجل إذا فرّط في زكاته، وجب أخذ ذلك من رأس ماله؛ لأنه حق من الحقوق، فيلزم أداؤه عنه بعد الموت لحقوق الآدميين، لا سيما والزكاة مصرفها إلى الآدمي. وقال أبو حنيفة ومالك: إن أوصى بها أديت من ثلثه، وإن سكت عنها لم يخرج عنه شيء، حتى لا يترك الورثة فقراء. ١٥ - قوله تعالى: ﴿لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً﴾ قيل: في الدنيا بالدعاء والصدقة، كما جاء في الأثر: «إن الرجل ليرفع بدعاء ولده من بعده» وفي الحديث الصحيح عند مسلم وغيره: «إذا مات الرجل انقطع عمله إلا من ثلاث-فذكر-أو ولد صالح يدعو له». وقيل: في الآخرة، فقد يكون الابن أفضل فيشفع في أبيه. وفي الجملة: إن الآباء والأبناء ينفع بعضهم بعضا في الدنيا بالتناصر والمواساة، وفي الآخرة بالشفاعة. وإذا تقرر ذلك في الآباء والأبناء تقرر ذلك في جميع الأقارب. ١٦ - ليس في الفرائض موضع يكون فيه الذكر والأنثى سواء إلا في ميراث الإخوة للأم، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ هذا التشريك يقتضي التسوية بين الذكر والأنثى وإن كثروا.

стр. 1329

١٧ - الضرر والإضرار حرام وهو في الوصية من الكبائر، وكذا في الدين، قال تعالى: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ والإضرار راجع إلى الوصية والدين، أما رجوعه إلى الوصية فبأن يزيد على الثلث أو يوصي لوارث، فإن زاد فإنه يرد إلا أن يجيزه الورثة؛ لأن المنع لحقوقهم لا لحق الله تعالى. وإن أوصى لوارث فإنه يرجع ميراثا. وأجمع العلماء على أن الوصية للوارث لا تجوز. وأما رجوعه إلى الدين فبالإقرار في حالة لا يجوز له فيها، كما لو أقر في مرضه لوارثه أو لصديق ملاطف، فذلك لا يجوز. وأجمع العلماء على أن إقراره بدين لغير وارث حال المرض جائز إذا لم يكن عليه دين في الصحة. فإن كان عليه دين في الصحة ببينة وأقر لأجنبي بدين، فقالت طائفة منهم الحنفية: يبدأ بدين الصحة. وقالت طائفة منهم الشافعي: هما سواء إذا كان لغير وارث. قال ابن عباس: الإضرار في الوصية من الكبائر، ورواه عن النبي ﷺ . وروى أبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إن الرجل أو المرأة ليعمل بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضرهما الموت، فيضارّان في الوصية فتجب لهما النار». ومشهور مذهب مالك: أن الموصي لا يعد فعله مضارّة في ثلثه؛ لأن ذلك حقه، فله التصرف فيه كيف شاء. ١٨ - قوله تعالى: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ يعني عليم بأهل الميراث، حليم على أهل الجهل منكم.

стр. 1330

حدود الله تعالى ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ الإعراب: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حال من هاء ﴿يُدْخِلْهُ﴾، والهاء تعود على ﴿مَنْ﴾ و ﴿مَنْ﴾: تصلح للواحد والجماعة، وإنما جمع حملا على المعنى. ﴿خالِداً فِيها﴾ حال من هاء ﴿يُدْخِلْهُ﴾، والهاء تعود على ﴿مَنْ﴾. ووحّد ﴿خالِداً﴾ حملا على لفظ ﴿مَنْ﴾ وهم تارة يحملون على اللفظ وتارة على المعنى. البلاغة: يوجد طباق في ﴿وَمَنْ يُطِعِ.﴾. ﴿وَمَنْ يَعْصِ﴾. المفردات اللغوية: ﴿حُدُودُ اللهِ﴾ جمع حد، وهي هنا شرائع الله وأحكامه التي حدها لعباده ليعملوا بها ولا يتعدوها. وقد تطلق الحدود على المحارم التي منعها الله، ومنه سميت العقوبات المقدرة «حدودا». ﴿مُهِينٌ﴾ ذو إهانة وذل. التفسير والبيان: أكد مضمون الإنذار السابق في قوله: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾

стр. 1331

بهذه الآيات، منبها إلى أن تلك الأحكام المتقدمة من بيان أموال اليتامى وأحكام الأزواج وأحوال المواريث هي حدود الله أي فرائضه ومقاديره وأحكامه التي جعلها الله قانون الأسرة في شأن اليتامى والرابطة الزوجية وقسمة المواريث بين الورثة بحسب قربهم من الميت واحتياجهم إليه وفقدهم له عند عدمه. هي حدود الله وأحكامه فلا تعتدوها ولا تجاوزوها، ولا يصح لمسلم أن يتخطاها ومن يطع الله باتباع ما شرعه من الدين وأنزله على رسوله الكريم، ويطع الرسول باتباع ما بلّغ به عن ربه من أحكام وآيات، فطاعة الرسول طاعة لله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾ [النساء ٨٠/ ٤]، من يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار، ونحن نؤمن بها ونعتقد أنها أرفع من كل نعيم في الدنيا، وأن الطائعين خالدون فيها، وذلك هو الفوز العظيم: وهو الظفر والفلاح الذي لا يماثله فوز في الدنيا. ومن يتعدّ حدود الله ويعص الله ورسوله ويتجاوز حرمات الله يدخله نارا وقودها الناس والحجارة، وهم خالدون فيها، ولهم عذاب مقترن بالإهانة والإذلال؛ لأنه ضادّ الله في حكمه ولم يرض بما قسم الله وحكم. وفرق عظيم بين خلود أهل الجنة حيث يتمتعون بالنعيم الدائم والأنس مع بعضهم، وبين خلود أهل النار حيث يذوقون أشد العذاب مع إيحاش النفوس ونفرتها كما قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩/ ٤٣]. وأما عصاة المؤمنين فيعذبون في النار بقدر ذنوبهم، ثم يخرجون إلى الجنة، والعصيان الموجب للعذاب هو المقترن بتعمد المعصية والإصرار عليها، كما قال تعالى: ﴿بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة ٨١/ ٢]. أما المذنب الذي تورط في المعصية، ثم لام نفسه

стр. 1332

وتاب، فهو من الناجين كما قال تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران ١٣٥/ ٣]. فقه الحياة أو الأحكام: من رحمة الله العظمى بعباده أن بيّن لهم الحلال والحرام وأوضح الشرائع والأحكام، ورغّب وأرهب، وحذّر وأنذر، فمن أطاع أوامر الله والرسول واجتنب المعاصي والمنكرات فجزاؤه الجنة خالدا فيها أبدا. ومن عصى الله والرسول فإن أدى عصيانه إلى الكفر فهو خالد في النار أبدا، وأما إن ظل مؤمنا وارتكب الكبائر وتجاوز أوامر الله فيستحق عذاب النار لمدة ما، دون خلود ولا مكث. جزاء الفاحشة في مبدأ التشريع ﴿وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (١٥) وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللهَ كانَ تَوّاباً رَحِيماً (١٦)﴾ الإعراب: ﴿وَالَّذانِ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿فَآذُوهُما﴾.

стр. 1333

البلاغة: ﴿يَتَوَفّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ مجاز عقلي، والمراد يتوفاهن الله أو ملائكته. ويوجد جناس مغاير في: «فَإِنْ تابا.﴾. ﴿تَوّاباً». المفردات اللغوية: ﴿يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ﴾ يفعلن الزنا. ﴿أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ من رجالكم المسلمين. ﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾ عليهن بها ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ احبسوهن ﴿فِي الْبُيُوتِ﴾ امنعوهن من مخالطة الناس ﴿حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ أي يقبض أرواحهن ملك الموت ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ طريقا إلى الخروج منها. المناسبة: أبان سابقا حكم الرجال والنساء في الزواج والميراث، وحذر من تخطي حدود الله، ثم بيّن هنا حكم الحدود فيهن إذا ارتكبوا الفاحشة، أو الحرام أو الزنا؛ لأن ذلك من أقبح المعاصي التي يتخطى بها حدود الله، ولئلا تتوهم المرأة أنه يسوغ لها ترك التعفف. التفسير والبيان: كان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا زنت وثبت زناها بالبينة العادلة وهي أربعة شهود، حبست في بيت، فلا تمكّن من الخروج منه حتى تموت. وكانت عقوبة الرجال الشتم والتعيير باللسان والضرب بالنعال، وظل الحكم كذلك حتى نسخه الله بالجلد للأبكار، والرجم للمحصنين والمحصنات. عقوبة الزانيات: معنى الآية: النساء اللاتي يأتين أي يفعلن الفاحشة: وهي الفعلة القبيحة، والمراد بها هنا الزنا، فأشهدوا على زناهن أربعة من الرجال، فإن شهدوا فاحبسوهن في البيوت حتى يتوفاهن ملك الموت، أو يجعل الله لهن مخرجا مما أتين به.

стр. 1334

وكان ذلك في مبدأ الأمر، ثم جعل الله لهن سبيلا: الجلد والرجم. أخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ فكانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت، ثم أنزل الله ﵎ بعد ذلك: ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور ٢/ ٢٤] فإن كانا محصنين رجما، فهذا سبيلهما الذي جعل الله لهما. وأخرج مسلم وأصحاب السنن عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ ولفظه: «خذوا عني، خذوا عني؛ قد جعل الله لهن سبيلا؛ البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة؛ والثيب بالثيب جلد مائة والرجم». واستقر رأي العلماء على أن الشطر الأخير من حديث عبادة منسوخ، وأن السبيل الذي جعل للثيب هو الرجم دون الجلد، لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه رجم ولم يجلد، فاستدلوا بما صح من فعل النبي ﷺ على قوله في حديث عبادة. عقوبة الزناة: معنى الآية: الرجلان الزانيان اللذان يأتيان الفاحشة، وهذا قول مجاهد، أو الرجل والمرأة البكران اللذان يأتيان الفاحشة، وهذا قول السدي وابن زيد، فآذوهما بالقول وعيروهما ووبخوهما على فعلهما إذا لم يتوبا، فإن تابا وأصلحا عملهما وغيّرا أحوالهما، ورجعا عن فعل الفاحشة وندما، فاتركوا إيذاءهما، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. ثم علل الأمر بالإعراض عنهما بقوله: إن الله كان توابا على عباده، رحيما بهم. وليس المراد بالإعراض: الهجر، ولكن المتاركة احتقارا لهم بسبب المعصية المتقدمة. والخطاب هنا لأولي الأمر الحكام، والآية اشتملت على حكم الزانيات

стр. 1335

الثيبات، وحكم الزاني والزانية البكرين، ولم يذكر حكم الزاني الثيب، ولعله مقيس على المرأة الثيب. وهذا العقاب كان في مبدأ التشريع من قبيل التعزير المفوض أمره إلى الأمة في كيفيته ومقداره، ثم نسخ ذلك بآية النور: ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [٢/ ٢٤] وبالأحاديث السابقة. ويرى أبو مسلم الأصفهاني الذي أنكر النسخ في القرآن: أن المراد بالآية الأولى المساحقات التي تحصل بين النساء، وبالثانية: اللوطيان، وعلى هذا فلا نسخ. الأحكام: هذه أولى عقوبات الزناة في الإسلام، وكان هذا في ابتداء الإسلام، كما قال عبادة بن الصامت والحسن البصري ومجاهد حتى نسخ بآية النور وبالرجم للثيب في الحديث. وهل كان السجن في البيت حدا أو توعدا بالحد؟ على قولين: أحدهما-أنه توعد بالحد. والثاني-أنه حد، قال ابن عباس والحسن البصري. وقال بعض العلماء: إن الأذى والتعيير باق مع الجلد؛ لأنهما لا يتعارضان بل يحملان على شخص واحد. وأما الحبس فمنسوخ بالإجماع. أما الاستشهاد على الزنا بأربعة رجال مسلمين عدول فحكمه باق لم ينسخ. أما كونهم من المسلمين الذكور فلقوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ﴾ وجعل الله الشهادة على الزنا خاصة أربعة تغليظا على المدّعي وسترا على العباد، وتحديد الشهود بالأربعة في الزنا حكم ثابت في التوراة والإنجيل والقرآن، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ، فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور ٤/ ٢٤].
следующие страницы →