← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

بهذه الآيات، منبها إلى أن تلك الأحكام المتقدمة من بيان أموال اليتامى وأحكام الأزواج وأحوال المواريث هي حدود الله أي فرائضه ومقاديره وأحكامه التي جعلها الله قانون الأسرة في شأن اليتامى والرابطة الزوجية وقسمة المواريث بين الورثة بحسب قربهم من الميت واحتياجهم إليه وفقدهم له عند عدمه. هي حدود الله وأحكامه فلا تعتدوها ولا تجاوزوها، ولا يصح لمسلم أن يتخطاها ومن يطع الله باتباع ما شرعه من الدين وأنزله على رسوله الكريم، ويطع الرسول باتباع ما بلّغ به عن ربه من أحكام وآيات، فطاعة الرسول طاعة لله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾ [النساء ٨٠/ ٤]، من يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار، ونحن نؤمن بها ونعتقد أنها أرفع من كل نعيم في الدنيا، وأن الطائعين خالدون فيها، وذلك هو الفوز العظيم: وهو الظفر والفلاح الذي لا يماثله فوز في الدنيا. ومن يتعدّ حدود الله ويعص الله ورسوله ويتجاوز حرمات الله يدخله نارا وقودها الناس والحجارة، وهم خالدون فيها، ولهم عذاب مقترن بالإهانة والإذلال؛ لأنه ضادّ الله في حكمه ولم يرض بما قسم الله وحكم. وفرق عظيم بين خلود أهل الجنة حيث يتمتعون بالنعيم الدائم والأنس مع بعضهم، وبين خلود أهل النار حيث يذوقون أشد العذاب مع إيحاش النفوس ونفرتها كما قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩/ ٤٣]. وأما عصاة المؤمنين فيعذبون في النار بقدر ذنوبهم، ثم يخرجون إلى الجنة، والعصيان الموجب للعذاب هو المقترن بتعمد المعصية والإصرار عليها، كما قال تعالى: ﴿بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة ٨١/ ٢]. أما المذنب الذي تورط في المعصية، ثم لام نفسه

стр. 1332

وتاب، فهو من الناجين كما قال تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران ١٣٥/ ٣]. فقه الحياة أو الأحكام: من رحمة الله العظمى بعباده أن بيّن لهم الحلال والحرام وأوضح الشرائع والأحكام، ورغّب وأرهب، وحذّر وأنذر، فمن أطاع أوامر الله والرسول واجتنب المعاصي والمنكرات فجزاؤه الجنة خالدا فيها أبدا. ومن عصى الله والرسول فإن أدى عصيانه إلى الكفر فهو خالد في النار أبدا، وأما إن ظل مؤمنا وارتكب الكبائر وتجاوز أوامر الله فيستحق عذاب النار لمدة ما، دون خلود ولا مكث. جزاء الفاحشة في مبدأ التشريع ﴿وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (١٥) وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللهَ كانَ تَوّاباً رَحِيماً (١٦)﴾ الإعراب: ﴿وَالَّذانِ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿فَآذُوهُما﴾.

стр. 1333

البلاغة: ﴿يَتَوَفّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ مجاز عقلي، والمراد يتوفاهن الله أو ملائكته. ويوجد جناس مغاير في: «فَإِنْ تابا.﴾. ﴿تَوّاباً». المفردات اللغوية: ﴿يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ﴾ يفعلن الزنا. ﴿أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ من رجالكم المسلمين. ﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾ عليهن بها ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ احبسوهن ﴿فِي الْبُيُوتِ﴾ امنعوهن من مخالطة الناس ﴿حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ أي يقبض أرواحهن ملك الموت ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ طريقا إلى الخروج منها. المناسبة: أبان سابقا حكم الرجال والنساء في الزواج والميراث، وحذر من تخطي حدود الله، ثم بيّن هنا حكم الحدود فيهن إذا ارتكبوا الفاحشة، أو الحرام أو الزنا؛ لأن ذلك من أقبح المعاصي التي يتخطى بها حدود الله، ولئلا تتوهم المرأة أنه يسوغ لها ترك التعفف. التفسير والبيان: كان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا زنت وثبت زناها بالبينة العادلة وهي أربعة شهود، حبست في بيت، فلا تمكّن من الخروج منه حتى تموت. وكانت عقوبة الرجال الشتم والتعيير باللسان والضرب بالنعال، وظل الحكم كذلك حتى نسخه الله بالجلد للأبكار، والرجم للمحصنين والمحصنات. عقوبة الزانيات: معنى الآية: النساء اللاتي يأتين أي يفعلن الفاحشة: وهي الفعلة القبيحة، والمراد بها هنا الزنا، فأشهدوا على زناهن أربعة من الرجال، فإن شهدوا فاحبسوهن في البيوت حتى يتوفاهن ملك الموت، أو يجعل الله لهن مخرجا مما أتين به.

стр. 1334

وكان ذلك في مبدأ الأمر، ثم جعل الله لهن سبيلا: الجلد والرجم. أخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ فكانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت، ثم أنزل الله ﵎ بعد ذلك: ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور ٢/ ٢٤] فإن كانا محصنين رجما، فهذا سبيلهما الذي جعل الله لهما. وأخرج مسلم وأصحاب السنن عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ ولفظه: «خذوا عني، خذوا عني؛ قد جعل الله لهن سبيلا؛ البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة؛ والثيب بالثيب جلد مائة والرجم». واستقر رأي العلماء على أن الشطر الأخير من حديث عبادة منسوخ، وأن السبيل الذي جعل للثيب هو الرجم دون الجلد، لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه رجم ولم يجلد، فاستدلوا بما صح من فعل النبي ﷺ على قوله في حديث عبادة. عقوبة الزناة: معنى الآية: الرجلان الزانيان اللذان يأتيان الفاحشة، وهذا قول مجاهد، أو الرجل والمرأة البكران اللذان يأتيان الفاحشة، وهذا قول السدي وابن زيد، فآذوهما بالقول وعيروهما ووبخوهما على فعلهما إذا لم يتوبا، فإن تابا وأصلحا عملهما وغيّرا أحوالهما، ورجعا عن فعل الفاحشة وندما، فاتركوا إيذاءهما، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. ثم علل الأمر بالإعراض عنهما بقوله: إن الله كان توابا على عباده، رحيما بهم. وليس المراد بالإعراض: الهجر، ولكن المتاركة احتقارا لهم بسبب المعصية المتقدمة. والخطاب هنا لأولي الأمر الحكام، والآية اشتملت على حكم الزانيات

стр. 1335

الثيبات، وحكم الزاني والزانية البكرين، ولم يذكر حكم الزاني الثيب، ولعله مقيس على المرأة الثيب. وهذا العقاب كان في مبدأ التشريع من قبيل التعزير المفوض أمره إلى الأمة في كيفيته ومقداره، ثم نسخ ذلك بآية النور: ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [٢/ ٢٤] وبالأحاديث السابقة. ويرى أبو مسلم الأصفهاني الذي أنكر النسخ في القرآن: أن المراد بالآية الأولى المساحقات التي تحصل بين النساء، وبالثانية: اللوطيان، وعلى هذا فلا نسخ. الأحكام: هذه أولى عقوبات الزناة في الإسلام، وكان هذا في ابتداء الإسلام، كما قال عبادة بن الصامت والحسن البصري ومجاهد حتى نسخ بآية النور وبالرجم للثيب في الحديث. وهل كان السجن في البيت حدا أو توعدا بالحد؟ على قولين: أحدهما-أنه توعد بالحد. والثاني-أنه حد، قال ابن عباس والحسن البصري. وقال بعض العلماء: إن الأذى والتعيير باق مع الجلد؛ لأنهما لا يتعارضان بل يحملان على شخص واحد. وأما الحبس فمنسوخ بالإجماع. أما الاستشهاد على الزنا بأربعة رجال مسلمين عدول فحكمه باق لم ينسخ. أما كونهم من المسلمين الذكور فلقوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ﴾ وجعل الله الشهادة على الزنا خاصة أربعة تغليظا على المدّعي وسترا على العباد، وتحديد الشهود بالأربعة في الزنا حكم ثابت في التوراة والإنجيل والقرآن، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ، فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور ٤/ ٢٤].

стр. 1336

وأما اشتراط العدالة في الشهود، فلأن الله تعالى شرط العدالة في البيوع والرجعة، والزنا أعظم، وهو بذلك أولى. وهذا من حمل المطلق على المقيد بالدليل. ولا يصح كونهم من أهل الذمة، وإن كان الحكم على ذمية. وهل يجتمع النفي مع الجلد ؟ الذي عليه الجمهور أنه ينفى الزاني مع الجلد، لحديث عبادة المتقدم، وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد، وحديث العسيف وفيه: فقال النبي ﷺ : «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فرد عليك، وجلد ابنه مائة وغرّبه عاما» (١). وقال الحنفية: لا تغريب مع الجلد؛ لأن النص الذي في القرآن إنما هو الجلد، والزيادة على النص نسخ، فيلزم عليه نسخ النص القاطع بخبر الواحد. وقد غرب عمر ربيعة بن أمية بن خلف في الخمر إلى خيبر، فلحق بهرقل فتنصر، فقال عمر: لا أغرّب مسلما بعد هذا. قالوا: ولو كان التغريب حدا لله تعالى ما تركه عمر بعد. والجواب: قولهم: الزيادة على النص نسخ، ليس بمسلّم، بل زيادة حكم آخر مع الأصل، ثم إنهم زادوا الوضوء بالنبيذ بخبر لم يصح، على الماء. واشترطوا الفقر في ذوي القربى (وهم بنو هاشم وبنو المطلب) في إعطائهم من خمس الغنيمة في آية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال ٤١/ ٨]. وأما حديث عمر وقوله: «لا أغرب بعده مسلما» فيعني في الخمر، لما أخرجه الترمذي والنسائي عن ابن عمر: «أن النبي ﷺ ضرب وغرّب، وأن أبا بكر ضرب وغرّب، وأن عمر ضرب وغرّب».

стр. 1337

والتغريب للذكر الحر، ولا تغرب المرأة في رأي المالكية؛ لأنها إذا غرّبت ربما يكون ذلك سببا لوقوعها فيما أخرجت بسببه وهو الفاحشة، وفي التغريب سبب لكشف عورتها وتضييع لحالها، ولأن الأصل منعها من الخروج من بيتها وأن صلاتها فيه أفضل. فحصل من هذا تخصيص عموم حديث التغريب بالمصلحة المشهود لها بالاعتبار. حالة قبول التوبة ووقتها ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٨)﴾ الإعراب: ﴿بِجَهالَةٍ﴾ حال. ﴿وَلا الَّذِينَ﴾ مجرور بالعطف على قوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ﴾ وتقديره: وليست التوبة للذين يعملون السيئات ولا الذين يموتون وهم كفار. المفردات اللغوية: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ﴾ أي التوبة التي كتب على نفسه قبولها بفضله ﴿السُّوءَ﴾ العمل القبيح أو المعصية. ﴿بِجَهالَةٍ﴾ جاهلين إذا عصوا ربهم. والمراد بالجهالة: الجهل والسفه بارتكاب ما لا يليق بالعاقل، لا عدم العلم، وذلك يكون عند ثورة الشهوة أو الغضب، وكل من عصى الله فهو جاهل. ﴿أَعْتَدْنا﴾ هيأنا وأعددنا.

стр. 1338

المناسبة: أشار الله تعالى في الآية السابقة إلى أن توبة اللذين أتيا الفاحشة توجب ترك العقوبة والتعنيف وإزالة الإيذاء، فناسب أن يبين شروط قبول التوبة ووقتها. التفسير والبيان: إنما قبول التوبة والمغفرة متحقق على الله تفضلا وإحسانا للذين يتورّطون في ارتكاب المعصية، ويقعون فيها جاهلين لا يقدرون الآثار والنتائج والمخاطر، ولم يصرّوا على المعصية؛ لأنهم فعلوها بدافع الهوى والشيطان، ثم تابوا قبل الغرغرة ولو بعد معاينة الملك يقبض الروح. وليس المقصود بالجهالة عدم العلم بالتحريم؛ لأن كل مسلم مطالب بتعلم ما هو حرام شرعا، وإنما المراد تغلب الطيش والسفه على النفس عند ثورة الشهوة أو سورة الغضب. قال مجاهد وغيره: كل من عصى الله خطأ أو عمدا فهو جاهل حتى ينزع عن الذنب. وذكر قتادة عن أبي العالية: أنه كان يحدث أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يقولون: كل ذنب أصابه عبد فهو جهالة (١). وقال عبد الرّزاق: أخبر معمر عن قتادة قال: اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ ، فرأوا أن كل شيء عصي الله به فهو جهالة، عمدا كان أو غيره. بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾ [الزمر ٥٣/ ٣٩] فليس المراد بالجهالة: أن يعمل السوء عالما به. ويؤكد ذلك ما قال تعالى إخبارا عن يوسف ﵇: ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ [يوسف ٣٣/ ١٢]، وقال تعالى لنوح: ﴿فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ [هود ٤٦/ ١١].

стр. 1339

والسّبب في تسمية العاصي جاهلا وإن عصى عن علم: أنّ العاصي لربّه لو قدر ما معه من العلم بالثواب والعقاب، لما أقدم على المعصية، إذ هو لا يرتكبها إلا جاهلا بحقيقة الوعيد. هذا هو الشرط الأول: إيقاع المعصية عن جهالة، والشرط الثاني: أن يتوب الإنسان بعد الذنب بزمن قريب، والزمن القريب كما قال ابن عباس: ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت. وقال الضّحاك: ما كان دون الموت فهو قريب. ومن: للتبعيض، والمعنى: ثم يتوبون بعد وقت قريب. وسمي ما بين وقوع المعصية وبين حدوث الموت زمنا قريب، ففي أي جزء من هذا تاب فهو تائب من قريب، وإلا فهو تائب من بعيد. ثم أكّد تعالى مبدأ قبول التوبة بالشرطين المذكورين فقال: أولئك الذين فعلوا الذنب بجهالة، وتابوا بعد زمن قريب، يتوب الله عليهم؛ لأنهم لم يصرّوا على ما فعلوا. وكان الله عليما بضعف الإنسان أمام الشهوة والغضب، حكيما في قبول توبة ذلك الضعيف. وبعد بيان حال من تقبل توبتهم، ذكر تعالى حال أضدادهم الذين لا تقبل توبتهم فقال: أوّلا-لا توبة للذين يعملون السيئات، حتى إذا حضر أحدهم الموت قال: إني تبت الآن، فلا أمل في الإصلاح حينئذ، ولا فائدة من التوبة. ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ [غافر ٨٥/ ٤٠]، وقوله حكاية عن فرعون لما أدركه الغرق: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ، وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ، وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾

стр. 1340

[يونس ٩٠/ ١٠ - ٩١]، وقوله: ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ:﴾ ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ، كَلاّ! إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها﴾ [المؤمنون ٩٩/ ٢٣ - ١٠٠]. ثانيا-لا توبة أيضا للذين يموتون وهم كفار. وهذا يحتمل وجهين: الأول-أن المراد بهم الذين قرب موتهم، بمعنى أن الإيمان لا يقبل من الكافر عند حضور الموت. الثاني-أن يكون المراد أن الكفار إذا ماتوا على الكفر لا تقبل توبتهم. أولئك أي الفريقان السابقان أعتدنا أي هيأنا وأعددنا لهم عذابا مؤلما موجعا، جزاء لما كسبت أيديهم من السيئات، مع إصرارهم عليها حتى الممات. فقه الحياة أو الأحكام: اتفقت الأمة على أن التوبة فرض على المؤمنين، لقوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور ٣١/ ٢٤]. وقوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ﴾ قيل: هذه الآية عامّة لكلّ من عمل ذنبا. وقيل: لمن جهل فقط، والتوبة لكل من عمل ذنبا في موضع آخر. وتصح التوبة من ذنب مع الإقامة على غيره من غير نوعه، خلافا للمعتزلة في قولهم: لا يكون تائبا من أقام على ذنب، ولا فرق بين معصية ومعصية. هذا مذهب أهل السنة. وإذا تاب العبد فالله سبحانه بالخيار إن شاء قبلها، وإن شاء لم يقبلها. وليس قبول التوبة واجبا على الله من طريق العقل كما قال المعتزلة، لأن من شرط الموجب أن يكون أعلى رتبة من الموجب عليه، والحق سبحانه خالق الخلق

стр. 1341

ومالكهم، والمكلّف لهم، فلا يصح أن يوصف بوجوب شيء عليه، تعالى الله عن ذلك. لكن الله سبحانه قد أخبر في قرآنه أنه يقبل التوبة عن العاصين من عباده -وهو الصادق في وعده-بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ [الشورى ٢٥/ ٤٢] وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ [التوبة ١٠٤/ ٩] وقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ﴾ [طه ٨٢/ ٢٠] فإخباره عن أشياء أوجبها على نفسه يقتضي وجوب تلك الأشياء. والخلاصة: العقيدة أنه لا يجب على الله شيء عقلا، فأما النقل السمعي في القرآن فظاهره قبول توبة التائب. ٢ - التوبة تشمل كل أنواع السوء والمعاصي من كفر وغيره، فكل من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته، كما تقدم، وأمور الدنيا كلها جهالة، سواء وقعت عمدا أو جهلا. ٣ - التوبة في أثناء زمن قريب قبل المرض والموت، وكل ما كان قبل الموت فهو قريب. قال المالكية: إنما صحت من العبد في هذا الوقت، لأن الرجاء باق، ويصح منه الندم والعزم على ترك الفعل. روى الترمذي عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» قال: هذا حديث حسن غريب. ومعنى: «ما لم يغرغر»: ما لم تبلغ روحه حلقومه، فيكون بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به. ٤ - نفى سبحانه أن يدخل في حكم التائبين صنفان: الأول-من حضره الموت وصار في حين اليأس، كما كان فرعون حين صار في غمرة الماء والغرق، فلم ينفعه ما أظهر من الإيمان، لأن التوبة في ذلك الوقت لا تنفع، لأنها حال زوال التكليف.

стр. 1342

والثاني-الكفار الذين يموتون على كفرهم، فلا توبة لهم في الآخرة، وإليهم الإشارة بقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ وهو الخلود. وإن كانت الإشارة بقوله إلى الجميع، فهو في جهة العصاة عذاب لا خلود معه، وهذا على تفسير السيئات بما دون الكفر، أي ليست التوبة لمن عمل دون الكفر من السيئات، ثم تاب عند الموت، ولا لمن مات كافرا فتاب يوم القيامة. معاملة النساء في الإسلام تحريم إرث النساء كرها والعضل عن الزواج وأخذ شيء من المهور كرها والمعاشرة بالمعروف ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (١٩) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اِسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٢١)﴾

стр. 1343

الإعراب: ﴿أَنْ تَرِثُوا﴾ فاعل مرفوع لفعل (يحل). ﴿كَرْهاً﴾ منصوب على المصدر في موضع الحال. ﴿لا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ لا: إما نافية، والفعل منصوب بالعطف على ﴿أَنْ تَرِثُوا﴾ وتقديره: لا يحل لكم أن ترثوا وأن تعضلوا، وتكون ﴿لا﴾ تأكيدا للنفي غير عاملة. وإما ناهية، فيكون ﴿تَعْضُلُوهُنَّ﴾ مجزوما بلا. ﴿إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ﴾ في موضع نصب، لأنه استثناء منقطع. ﴿أَنْ تَكْرَهُوا﴾ أن وصلتها في موضع رفع بعسى، لأن معناه: قربت كراهتكم لشيء. ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً﴾ منصوب على المصدر في موضع الحال من واو. ﴿تَأْخُذُونَهُ﴾ وتقديره: تأخذونه مباهتين. ﴿إِثْماً مُبِيناً﴾ حال أيضا. البلاغة: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً﴾ استعارة تصريحية، استعار لفظ الميثاق للعقد الشرعي. ويوجد جناس ناقص في: ﴿فَإِنْ تابا..﴾. ﴿تَوّاباً﴾ وفي ﴿كَرِهْتُمُوهُنَّ..﴾. ﴿أَنْ تَكْرَهُوا﴾. ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً﴾ للمبالغة وتعظيم الشيء المعطى مهرا وأنه حق خالص للمرأة. ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾ استفهام للتوبيخ والإنكار. المفردات اللغوية: ﴿النِّساءَ﴾ أي ذاتهن. ﴿كَرْهاً﴾ أي مكرهين على ذلك، وهو فعل أهل الجاهلية، كانوا يرثون نساء أقربائهم، فإن شاؤوا تزوجوهن بلا صداق، وإن شاؤوا زوجوهن وأخذوا صداقهن أو عضلوهن حتى يفتدين بما ورثنه، أو يمتن، فيرثوهن، فنهوا عن ذلك. ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ أي تمنعوا أزواجكم عن نكاح غيركم، بإمساكهن ولا رغبة لكم فيهن ضررا. مأخوذ من العضل: وهو التضييق والمنع والحبس ومنه الداء العضال: الشديد الذي لا نجاة منه. ﴿بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ الفاحشة: الفعلة الشنيعة القبيحة أي الزنى أو النشوز، والمبينة: بكسر الياء: أي هي بينة ظاهرة واضحة، أو بفتح الياء أي بينت، فحينئذ لكم أن تضاروهن حتى يفتدين منكم ويختلعن ﴿وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي بالإجمال في القول والنفقة والمبيت. والمعروف: ما تألفه الطباع السليمة ولا يستنكره الشرع ولا العرف ولا المروءة. ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ فاصبروا.

стр. 1344

﴿خَيْراً كَثِيراً﴾ لعله أن يجعل فيهن ذلك بأن يرزقكم منهن ولدا صالحا. ﴿اِسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ﴾ بأن طلقتموها وأردتم أخذ بدلها. ﴿قِنْطاراً﴾ مالا كثيرا صداقا ﴿بُهْتاناً﴾ ظلما وكذبا يبهت المكذوب عليه. ﴿وَإِثْماً مُبِيناً﴾ حراما بينا. ﴿أَفْضى﴾ وصل. ﴿بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ﴾ أي وصل كل منهما بالآخر بالجماع المقرر للمهر، كنى الله تعالى عن الجماع بلفظ الإفضاء لتعليم المؤمنين الأدب الرفيع، قال ابن عباس: الإفضاء في هذه الآية الجماع، ولكن الله كريم يكني. ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً﴾ عهدا. ﴿غَلِيظاً﴾ شديدا. فالميثاق الغليظ: العهد المؤكد الذي يربط الرجل بالمرأة بأقوى رباط وأحكمه، وهو ما أمر الله به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. سبب النزول: نزول الآية (١٩): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ﴾: روى البخاري وأبو داود والنسائي عن ابن عباس قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاؤوا زوجوها، فهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية. وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير الطبري بسند حسن عن أبي أمامة سهل بن حنيف قال: لما توفي أبو قيس بن الأسلت، أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وكان لهم ذلك في الجاهلية، فأنزل الله: ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً﴾. قال المفسرون: كان أهل المدينة في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا مات الرجل وله امرأة، جاء ابنه من غيرها أو قرابته من عصبته، فألقى ثوبه على تلك المرأة، فصار أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء أن يتزوجها تزوجها بغير صداق إلا الصداق الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوّجها غيره وأخذ صداقها، ولم يعطها شيئا، وإن شاء عضلها وضارها لتفتدي منه بما ورثت من الميت، أو تموت هي فيرثها. فلما توفي أبو قيس بن الأسلت الأنصاري، وترك

стр. 1345

امرأة: كبيشة بنت معن الأنصارية، فطرح ابن له من غيرها يقال له: حصن ثوبه عليها، فورث نكاحها ثم تركها، فلم يقربها ولم ينفق عليها يضارّها لتفتدي منه بمالها، فاشتكت إلى رسول الله ﷺ ، فقال لها: اقعدي في بيتك حتى يأتي فيك أمر الله، فأنزل الله تعالى هذه الآية. التفسير والبيان: كانت المرأة قبل الإسلام مهضومة الحق، فقرر لها الله تعالى حقوقا في شؤون الزواج، ونهى عن الاعتداء عليها. الحق الأول-تحريم إرث ذات النساء: ليست المرأة متاعا يورث، فلا تورث زوجة المتوفى، ولا يحل لكم أيها المؤمنون تقليد أهل الجاهلية، فترثون المرأة كما ترثون الأموال والأمتعة، وتتصرفون فيها كما تشاؤون، وهن كارهات لذلك، فإن شاء أحدكم تزوجها، وإن شاء زوجها غيره، وإن شاء منعها الزواج. الحق الثاني-عضل المرأة: أي منعها من الزواج والتضييق عليها: ولا يحل لكم إرث النساء ولا التضييق عليهن حتى تفتدي المرأة نفسها منكم بالمال من ميراث أو صداق ونحو ذلك. أخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: كانت قريش بمكة ينكح الرجل منهم المرأة الشريفة فلعلها ما توافقه فيفارقها على ألا تتزوج إلا بإذنه، فيأتي الشهود فيكتب ذلك عليها، فإذا خطبها خاطب، فإن أعطته وأرضته أذن لها، وإلا عضلها، وكثيرا ما كانوا يضيقون عليهن ليفتدين منهم بالمال. والخطاب إلى الذين نهوا عن العضل إما الأزواج، وإما أولياء الميت الذين يرثون زوجته ويمنعونها من الزواج حتى تموت فيرثوها، وإما أولياء المرأة،

стр. 1346

وهذا غير مقبول؛ لأن أولياءها لم يؤتوها شيئا ثم يذهبوا ببعض ما آتوه لها. والمراد بقوله: ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ ألا تضاروهن في العشرة لتترك لكم ما أصدقتموها أو بعضه أو حقا من حقوقها عليكم، أو شيئا من ذلك على وجه القهر لها والإضرار. ثم استثنى الله تعالى حالا واحدة يجوز فيها العضل أي الحبس والتضييق وهي حالة إتيان الفاحشة المبينة كالزنى والسرقة والنشوز عن الطاعة، ونحو ذلك من الأمور الممقوتة شرعا وعرفا، ففي هذه الحال يجوز العضل لاسترداد ما أعطوه من صداق وغيره من المال؛ لأن الإساءة من جانبها، واشتراط كون الفاحشة مبينة أي ظاهرة ثابتة إنما هو لمنع عضلها بمجرد سوء الظن والتّهمة بسبب غيرة الرجل الشديدة وتسرعه في الحكم على الزوجة البريئة، أو المرأة العفيفة، فيقع الرجل في الظلم حينئذ. الحق الثالث-المعاشرة بالمعروف: أي تطييب القول وتحسين الأفعال والهيئات والإنصاف بالنفقة والمبيت، فإن المرأة ذات عواطف ومشاعر وحساسية مرهفة، وهي تحب من الرجل مثل ما يحب هو منها، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة ٢٢٨/ ٢] وقال رسول الله ﷺ فيما رواه ابن عساكر عن علي: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» وكان من أخلاقه ﷺ أنّه جميل العشرة، دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويوسعهم نفقته، ويضاحك نساءه، حتى إنه كان يسابق عائشة ﵂ يتودد إليها بذلك، ويجمع نساءه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها، فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها، وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلا قبل أن ينام، يؤانسهم بذلك ﷺ ، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ

стр. 1347

حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب ٢١/ ٣٣] وكان ﵊ يقول فيما رواه ابن عمر في خطبة الوداع: «استوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن حق، ولهن عليكم حق، ومن حقكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا، ولا يعصينكم في معروف، وإذا فعلن ذلك فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف». وأمره تعالى بقوله: ﴿وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ للرد على ما كان في الجاهلية، إذ كان الرجال يسيئون عشرة النساء، فيغلظون لهن القول، ويضاروهن. فإن كرهتموهن لعيب في أخلاقهن أو قبح في خلقهن، أو لتقصير في عمل واجب عليهن كخدمة البيت، أو لميل منكم إلى غيرهن، فاصبروا ولا تعجلوا بمضارتهن ولا بمفارقتهن، فربما يجعل الله فيهن خيرا كثيرا، فيجعل منهن زوجات رضيات يصلحن أحوالكم، أو يرزقكم منهن بأولاد نجباء صالحين، قال ﷺ فيما أخرجه مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا، رضي منها آخر» المعنى: لا يبغضها بغضا كليا يحمله على فراقها، فلا ينبغي له ذلك، بل يعفو ويصفح ويتغاضي عما يكره لما يحب. ولو تعقل الرجل الآية والحديث وعمل بهما شعر بالسعادة وأسعد الأسرة وتجنب كل ما قد يحدث من منازعات تؤدي إلى أبغض الحلال، وتوقع في الشقاء والخسران. الحق الرابع-حق المرأة في كامل المهر: الظلم قديم في الإنسان وفي طبعه، والرجل الظالم يعتمد على قوته عادة وعلى كون الطلاق بيده، وكان من ظلم الرجال للنساء، وأطماعهم أن الرجل إذا أراد تطليق امرأته، استرد ما دفعه لها من مهر، متذرعا بوسائل كثيرة ومضايقات متنوعة منها الرمي بالفاحشة، فنهى الله عن ذلك في آيتي: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ

стр. 1348

اسْتِبْدالَ.﴾. و ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ.﴾. وجعله بهتانا وإثما مبينا، ووبخهم وأنكر عليهم ذلك بعد الإفضاء إلى المرأة وأخذ الميثاق الغليظ منهم، فقال: وإذا أردتم استبدال زوج مكان زوج كرهتموها، فاصبروا وأحسنوا المفارقة، ولا تتهموها بالفاحشة الظاهرة، ولا تأخذوا شيئا من المهر الذي دفعتموه، ولو كان المدفوع قنطارا: مالا كثيرا ثم أنكر عليهم ذلك وبخهم بقوله: أ- ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ أي باهتين مبطلين ظالمين آثمين. ومناسبة البهتان: وهو افتراء الكذب إما بإطلاق البهتان على كل باطل محيّر في بطلانه، وإما لإلصاق تهمة الفاحشة بالمرأة وهو طعن بها وظلم، وإما لرميها بتهمة باطلة لأخذ المهر. ب-وكيف تأخذونه وتستحلون أخذ مهور النساء لا لذنب ولا لتقصير في التزام حدود الله، وقد حدث بينكم ما حدث من استمتاع أو جماع، أو إفضاء متبادل، وملابسة قد يتسبب منها إنجاب الولد، كيف تقطعون هذه الصلة، وتهتكون ستر المرأة، وتسيئون إلى سمعتها، ظلما وغضبا وطمعا في مالها، وأنتم أهل القدرة على العمل واكتساب الأموال. ج -وأخذن منكم ميثاقا غليظا أي عهدا مؤكدا والتزاما بحق الصحبة والمعاشرة بالمعروف. قال قتادة ومجاهد: هذا الميثاق: هو ما أخذ الله للنساء على الرجال بقوله: ﴿فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ﴾ [البقرة ٢٢٩/ ٢]. ووصفه الله بالغلظة لقوته وعظمته. وقالوا: صحبة عشرين يوما قرابة، فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟ إن هذا الفعل قطع لصلة الود والرحمة التي جعلها الله بين الزوجين في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم ٢١/ ٣٠].

стр. 1349

فقه الحياة أو الأحكام: نهى الله الأولياء عن إرث النساء كرها، والمقصود نفي الظلم عنهن وإضرارهنّ. وإبطال لعادة الجاهلية القبيحة بإطلاق حق التصرف بزوجة الميت لأوليائه، وجعلهم أحق بامرأته، وهذا مناف للكرامة الإنسانية وإخلال باحترام المرأة وجعلها متاعا يورث، وإساءة لزوجها السابق. كذلك نهى الله الأزواج وأولياء الميت عن عضل المرأة أي منعها من الزواج بمن تشاء، وحبسها والتضييق عليها، إلا في حال التلبس بفاحشة مبينة كالزنى والنشوز وغيرهما، بقصد أن يأخذوا بعض ما آتاه الزوج لها من مهر. أما في حال النشوز أو الزنى فيحل للرجل أخذ جميع المال الذي قدم مهرا للمرأة. ثم أمر الله بمعاشرة المرأة بالمعروف جميع الأزواج والأولياء، وإن كان المراد في الأغلب الأزواج، وهو مثل قوله تعالى: ﴿فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ بأن يوفيها حقها من المهر والنفقة، وألا يعبس في وجهها بغير ذنب، وأن يكون منطلقا في القول، لا فظّا ولا غليظا، ولا مظهرا ميلا إلى غيرها. والعشرة: المخالطة والممازجة. والمقصود من هذا الأمر الإلهي بحسن صحبة النساء بعد الزواج توفير مناخ السعادة والهدوء والاستقرار وهناءة العيش، لكل من الزوجين، وهذا واجب ديانة على الزوج، ولا يلزمه في القضاء. وتأثير الواجب ديانة بما يذكر بمراقبة الله وخشيته والعرض عليه في الحساب أوقع في نفس المؤمن من حسبان حساب القضاء. واستدل المالكية بقوله تعالى: ﴿وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ على أن المرأة إذا كانت لا يكفيها خادم واحد أن عليه أن يخدمها قدر كفايتها، كابنة الخليفة والملك وشبههما ممن لا يكفيها خادم واحد، وأن ذلك هو المعاشرة بالمعروف (١).

стр. 1350

وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يلزم إلا خادم واحد، وذلك يكفيها خدمة نفسها، وليس في العالم امرأة إلا وخادم واحد يكفيها. وفي حالة طروء كراهية للزوجة لدمامة أو سوء خلق من غير ارتكاب فاحشة أو نشوز، يندب للرجل الصبر والاحتمال، فعسى أن تتبدل الأحوال وتحسن المرأة عشرة زوجها، ويرزقه الله منها أولادا صالحين. وبعد أن بيّن الله حكم الفراق الذي سببه المرأة، وأن للزوج أخذ المال منها حال الزنى أو النشوز مثلا، أتبعه بذكر الفراق الذي سببه الزوج، وأنه إذا أراد الطلاق من غير نشوز وسوء عشرة، فليس له أن يطلب منها مالا. ودل قوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً﴾ على جواز المغالاة في المهور؛ لأن الله تعالى لا يمثّل إلا بمباح، والقنطار: المال الكثير الوزن. وقد فهم الناس ذلك من الآية بدليل قصة عمر والمرأة: خطب عمر ﵁ فقال: ألا لا تغالوا في صدقات النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله، لكان أولاكم بها رسول الله ﷺ ؛ ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا بناته فوق اثنتي عشرة أوقية. فقامت إليه امرأة فقالت: يا عمر، يعطينا الله وتحرمنا! أليس الله يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً، فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً﴾. فقال عمر: أصابت امرأة وأخطأ عمر. وفي رواية: فأطرق عمر ثم قال: كل الناس أفقه منك يا عمر! وفي أخرى: امرأة أصابت ورجل أخطأ. وترك الإنكار (١). وقال قوم: لا تعطي الآية جواز المغالاة بالمهور؛ لأن التمثيل بالقنطار إنما هو على جهة المبالغة، كأنه قال: وآتيتم هذا القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد. وهذا كقوله

стр. 1351

صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه أحمد عن ابن عباس: «من بنى لله مسجدا، ولو كمفحص قطاة لبيضها، بنى الله له بيتا في الجنة» ومعلوم أنه لا يكون مسجد كمفحص قطاة. وقد ورد في السنة وفعل الصحابة الإقلال من المهور، قال ﷺ لابن أبي حدرد، وقد جاء يستعينه في مهره، فسأل عنه، فقال: مائتين، فغضب رسول الله ﷺ وقال: «كأنكم تقطعون الذهب والفضة من عرض الحرّة (١) أو جبل». وأرشد ﷺ إلى يسر المهور وعدم التعالي في أحاديث أخرى منها: ما رواه أحمد والحاكم والبيهقي عن عائشة: «إنّ من يمن المرأة تيسير خطبتها، وتيسير صداقها». وأجمع العلماء على ألا تحديد في أكثر الصداق؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً﴾ واختلفوا في أقله، وسيأتي عند قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ﴾. والصحيح أن قوله تعالى: ﴿فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً﴾ وقوله في سورة البقرة: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً﴾ [٢٢٩/ ٢] محكم غير منسوخ، لا يتعارض مع جواز أخذ عوض الخلع الذي تبذله المرأة بطواعية ورضا نفس، وهو المنصوص عليه في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ.﴾. [البقرة ٢٢٩/ ٢]. قال أبو بكر الجصاص الرازي: ذكر الفراء أن الإفضاء هو الخلوة وإن لم يقع دخول. فإذا كان اسم الإفضاء يقع على الخلوة، فقد منعت الآية أن يأخذ منها شيئا بعد الخلوة والطلاق؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ﴾ قد أفاد الفرقة والطلاق. وسميت الخلوة إفضاء لزوال المانع من الوط ء والدخول (٢).

стр. 1352

يفهم منه أن الرازي استدل بهذه الآية (٢٠) على أن الخلوة الصحيحة تقرر المهر؛ لأن الله تعالى منع الزوج أن يأخذ منها شيئا من المهر، وهذا المنع مطلق، ترك العمل به قبل الخلوة، فوجب أن يبقى معمولا به بعد الخلوة. أما الفقهاء فاختلفوا في ذلك، فذهب الحنفية والحنابلة إلى أن المهر يتقرر بالخلوة، وذهب الشافعية والمالكية إلى أنه يتقرر بالجماع، لا بالخلوة، لكن قرر المالكية المهر أيضا بإقامة الزوجة سنة في بيت الزوج بعد الزفاف بلا وط ء؛ لأن الإقامة المذكورة تقوم مقام الوقاع أو الوط ء. والقائلون بأن المهر لا يتقرر بالخلوة رأوا أن هذه الآية مختصة بما بعد الجماع، بدليل قوله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ﴾ وإفضاء بعضهم إلى بعض: هو الجماع. المحارم من النساء ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً (٢٢) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٣)﴾

стр. 1353

الإعراب: ﴿إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ﴾ في موضع نصب؛ لأنه استثناء منقطع، يقدر البصريون إلا بلكن ويقدره الكوفيون بسوى. ﴿وَساءَ سَبِيلاً﴾ سبيلا: تمييز منصوب. البلاغة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ﴾ فيه حذف مضاف، أي حرم الله عليكم نكاح الأمهات. ﴿اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ كناية عن الجماع، مثل قولهم: بنى بها أو عليها. ﴿تَنْكِحُوا ما نَكَحَ﴾ جناس ناقص. المفردات اللغوية: ﴿سَلَفَ﴾ مضى ﴿فاحِشَةً﴾ قبيحا ﴿وَمَقْتاً﴾ سببا للمقت من الله وهو أشد البغض، وكانوا يسمونه نكاح المقت ﴿وَساءَ﴾ بئس ﴿سَبِيلاً﴾ طريقا إلى ذلك. ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ﴾ أن تنكحوهن، وشملت الجدات من جهة الأب أو الأم ﴿وَرَبائِبُكُمُ﴾ جمع ربيبة: وهي بنت الزوجة من غيره ﴿اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ أي تربونهن في بيوتكم، وهي صفة موافقة للغالب من كون بنت الزوجة تعيش غالبا مع أمها في بيت زوج الأم، فلا مفهوم له، أي تحرم بنت الزوجة ولو لم تكن تتربى في بيت زوج الأم. ﴿دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ أي جامعتموهن. ﴿فَلا جُناحَ﴾ أي لا إثم ولا تضييق في نكاح بناتهن إذا فارقتموهن، ومن هنا استنبط العلماء قاعدة شرعية هي: «العقد على البنات يحرم الأمهات، والدخول بالأمهات يحرم البنات». ﴿وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ أي تحرم زوجات الأبناء، بخلاف زوجات الأولاد بالتبني، فلكم نكاحهن.

стр. 1354

سبب النزول: نزول الآية (٢٢): ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ﴾: نزلت في حصن بن أبي قيس، تزوج امرأة أبيه كبيشة بنت معن، وفي الأسود بن خلف تزوج امرأة أبيه، وصفوان بن أمية بن خلف تزوج امرأة أبيه: فاختة بنت الأسود بن عبد المطلب، وفي منصور بن مازن تزوج امرأة أبيه: مليكة بنت خارجة. قال أشعث بن سوار: توفي أبو قيس، وكان من صالحي الأنصار، فخطب ابنه قيس امرأة أبيه، فقالت: إني أعدّك ولدا!! ولكني آتي رسول الله ﷺ أستأمره، فأتته فأخبرته، فأنزل الله تعالى هذه الآية (١). وأخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يحرّمون ما يحرم إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين، فأنزل الله: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ﴾ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ﴾. وذكر النضر بن شميل في كتاب (المثالب) أن حاجب بن زرارة من العرب تمجّس وتزوج ابنته، فنهى الله المؤمنين عما كان عليه آباؤهم من هذه السيرة. المناسبة: بيّن الله تعالى سابقا حكم نكاح اليتامى، وعدد من يحل من النساء بشرط العدل والنفقة، وأوصى بحسن معاشرة الزوجات، وحذر من أخذ مهورهن ظلما بغير حق، ثم عقبه هنا بذكر النساء اللاتي لا يجوز التزوج بهن بسبب قرابة النسب أو المصاهرة أو الرضاع.

стр. 1355

التفسير والبيان: اشتملت الآية على تحريم زوجة الأب، والأقارب بسبب النسب أو المصاهرة أو الرضاع. أولا-النكاح المقت: حرم الله تعالى في آية: ﴿وَلا تَنْكِحُوا.﴾. امرأة الأب؛ لأنها تشبه الأم، ولأنه فعل قبيح شنيع لا تألفه الطباع السليمة، ولأنه مقت مبغوض مكروه عند ذوي العقول الراجحة، لذا سماه العرب: «النكاح المقت» ويسمى ولد الرجل من امرأة أبيه: «مقيتا»، ولأنه بئس الطريق ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَساءَ سَبِيلاً﴾ وهو معطوف على خبر كان بتقدير: مقولا فيه ذلك؛ لأنه إنشاء لا خبر. والمراد بالنكاح في قوله: ﴿ما نَكَحَ﴾: العقد، كما قال ابن عباس، روى ابن جرير الطبري والبيهقي عنه أنه قال: «كل امرأة تزوجها أبوك، دخل بها أو لم يدخل بها، فهي حرام». والمراد بالآباء: ما يشمل الأجداد إجماعا. لكن نكاح ما مضى قبل نزول الآية لا مؤاخذة فيه، أي أن هذا النكاح يستحق فاعله العقاب إلاّ ما قد سلف ومضى، فإنه لا ذنب فيه، ومعفو عنه. والاستثناء منقطع، والمعنى: لكن ما قد سلف فلا تثريب عليكم فيه. وما هنا عبارة عن النساء، فقد وقعت على العاقل، وقيل: إنها مصدرية، والمعنى: لا تنكحوا نكاحا مثل ما نكح آباؤكم من أنكحة الجاهلية الفاسدة. ثانيا-المحرمات بسبب قرابة النسب أو المصاهرة أو الرضاع: بيّن الله تعالى أنواع المحرمات من النساء، لمنافاتها ما في النكاح من الصلة المتبادلة بين الجنسين، وهي ستة أقسام:

стр. 1356

١ - نكاح الأصول: أي الأمهات والجدات، لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ﴾ والمراد بالأم: ما يشمل الجدات. ٢ - نكاح الفروع: أي البنات وبنات الأولاد من الأبناء والبنات، لقوله تعالى: ﴿وَبَناتُكُمْ﴾ والمراد: بنات الصلب وبنات الأولاد، ممن كن سببا في ولادتهن. ٣ - نكاح الحواشي القريبة والبعيدة: القريبة: نكاح الأخوات الشقيقات أو لأب أو لأم؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَخَواتُكُمْ﴾. والبعيدة من جهة الأب والأم وهي نكاح العمات والخالات؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَمّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ﴾ وذلك يشمل أولاد الأجداد وإن علوا، وأولاد الجدات وإن علون. ومن القرابة البعيدة: الحواشي من جهة الإخوة، لقوله تعالى: ﴿وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ﴾ من جهة أحد الأبوين أو كليهما. وهذه الأنواع الثلاثة: ما يحرم من جهة النسب. ٤ - ما يحرم بسبب الرضاع: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ﴾، فكل أقارب الأم المرضع أقارب للرضيع، فالمرضعة تصبح أما للرضيع، وبنتها أخته، وزوجها أبوه، وأولادها إخوته. روى البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ لما طلب إليه أن يتزوج ابنة عمه حمزة قال: «إنها لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب» وروى البخاري أيضا عن ابن عباس «أنه سئل

стр. 1357

عن رجل له جاريتان أرضعت إحداهما بنتا والأخرى غلاما، أيحل للغلام أن يتزوج الجارية؟ قال: لا، اللقاح واحد». وظاهر الآية أن قليل الرضاع ككثيره، وهو رأي الحنفية والمالكية. وذهب جماعة إلى أن التحريم إنما يثبت بثلاث رضعات فأكثر؛ لأن النبي ﷺ فيما رواه مسلم وغيره قال: «لا تحرّم المصّة والمصّتان ولا الإملاجة والإملاجتان». وهو مروي عن الإمام أحمد. وذهب الإمام الشافعي والإمام أحمد إلى أن التحريم لا يثبت بأقل من خمس رضعات؛ لما رواه مالك وغيره عن عائشة قالت: كان فيما أنزل الله من القرآن عشر رضعات معلومات، فنسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ ، وهن مما يقرأ من القرآن. ورد الحنفية على الحديث بأنه لا يجوز تخصيص آية التحريم هذه بخبر الواحد؛ لأنها محكمة ظاهرة المعنى، بينة المراد. وأخرج أبو بكر الرازي عن طاوس عن ابن عباس أنه سئل عن الرضاع فقال: إن الناس يقولون: لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان، قال: قد كان ذاك، أما اليوم فالرضعة الواحدة تحرم. ولا يحرم الرضاع إلا في سن الصغر وهو ضمن الحولين؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ وروى الدارقطني عن ابن عباس قوله ﷺ : «لا رضاع إلا ما كان في الحولين». وهل لبن الفحل يحرّم أو لا؟ كأن يتزوج رجل امرأتين، فتلد منه، وترضع إحداهما صبية، والأخرى غلاما، فمن ذهب إلى أن لبن الفحل يحرم وهو مذهب أكثر الأئمة، حرم الصبية على الغلام؛ لأنهما أخوان من الرضاع لأب. وهذا هو المنصوص عليه، لما ثبت في البخاري عن عائشة: أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن على عائشة بعد أن نزل الحجاب، فقالت عائشة: والله

стр. 1358

لا آذن لأفلح حتى أسأل رسول الله ﷺ فإن أبا القعيس ليس هو الذي أرضعني، إنما أرضعتني المرأة! قالت عائشة: فلما دخل رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله، إن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن علي، فأبيت أن آذن له حتى أستأذنك، فقال: إنه عمك، فليلج عليك. ٥ - ما يحرم بسبب المصاهرة: حرم الله بسبب المصاهرة ثلاثة أنواع تكريما لتلك الرابطة كتكريم رابطة النسب: الأول-أم الزوجة التي دخل بها الزوج أو عقد عليها، والجدة كالأم، لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ أي أمهات الزوجات. ولا يشترط في تحريم أم المرأة الدخول بالبنت، بل يكفي مجرد العقد. وهو رأي الجماهير. الثاني-الربيبة: وهي ابنة الزوجة من غيره، بشرط الدخول بأمها، وكذا يحرم أولاد أولادها، فإن لم يدخل بها لا يحرم عليه بناتها؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ أي إن مجرد العقد على امرأة دون دخول لا يحرم عليه بناتها. وقال الحنفية: إن من زنى بامرأة يحرم عليه أصولها وفروعها، وكذا إذا لمسها بشهوة أو قبّلها أو نظر إلى فرجها بشهوة، أو لمس يد أم امرأته بشهوة. وتحرم عليه امرأته تحريما مؤبدا. وخالفهم باقي الأئمة وقالوا: الزنا لا يحرم أصول المزني بها ولا فروعها. الثالث-زوجة الابن وابن الابن: تحرم على الأب والجد؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ والحلائل جمع حليلة: وهي الزوجة.

стр. 1359

ويقال للرجل: حليل، لحلول الزوجين في مكان واحد وفراش واحد. ومثلها زوجة الابن من الرضاعة، للحديث المتقدم: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب». ويلاحظ أن قيد كون الربيبة في حجر الزوج خرج مخرج الغالب، لا أنه قيد في التحريم، والربيبة حرام على زوج أمها سواء كانت في حجره أو لم تكن في حجره. ولا تحرم زوجة الابن بالتبني لإبطاله وتحريمه في الإسلام، لقوله تعالى: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ﴾ [الأحزاب ٣٧/ ٣٣] وقوله: ﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾ [الأحزاب ٥/ ٣٣]. ٦ - ما يحرم بسبب عارض: وهو الجمع بين الأختين أو بين المرأة وعمتها أو خالتها أو ابنة أخيها أو ابنة أختها، والضابط: كل امرأتين بينهما قرابة لو كانت إحداهما ذكر، لحرم عليه نكاح الأخرى، بل تظل الحرمة قائمة لو طلق إحداهما حتى تنتهي عدتها. ويدل لذلك ما رواه الجماعة عن أبي هريرة قال: «نهى النبي ﷺ أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها» وفي رواية الترمذي وغيره: «لا تنكح المرأة على عمتها، ولا العمة على بنت أخيها، ولا المرأة على خالتها، ولا الخالة على بنت أختها، لا الكبرى على الصغرى، ولا الصغرى على الكبرى» وهذا الحديث خصص عموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ﴾ [النساء ٢٤/ ٤]. ويؤكده ما أخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه عن فيروز الديلمي أنه أدركه الإسلام وتحته أختان، فقال له النبي ﷺ : «طلق أيتهما شئت». وأشار النبي ﷺ في رواية ابن حبان وغيره: «إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم» أي أن تحريم الجمع بين الأختين أو بين المرأة وقريباتها: لوجود الكراهة والبغضاء بين الضرائر عادة.

стр. 1360

هذا التحريم لا يشمل ما قد سلف قبل التحريم، فما مضى لا مؤاخذة فيه. إن الله كان وما يزال غفورا رحيما يغفر لكم ما قد سلف من آثار أعمالكم السيئة، ويغفر لكم ذنوبكم بالتوبة والإنابة، ويرحمكم بتشريع أحكام الزواج التي فيها الخير والمصلحة لكم وتوثيق الروابط بينكم. فقه الحياة أو الأحكام: وضح في أثناء التفسير كثير من الأحكام الشرعية، وأوجزها هنا مع الإشارة إلى أحكام أخرى. دلت الآية: ﴿وَلا تَنْكِحُوا﴾ على تحريم منكوحة الأب أو الجد، إلا ما قد سلف، والاستثناء منقطع، أي لكن ما قد سلف فاجتنبوه ودعوه ولا إثم فيه، فهو كما وصف سبحانه: ﴿إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً﴾ وهو دليل على أنه فعل في غاية من القبح، لذا سماه العرب نكاح المقت: وهو أن يتزوج الرجل امرأة أبيه إذا طلقها أو مات عنها. ويقال للولد إذا ولدته: المقتيّ. وأصل المقت: البغض. واختلف العلماء فيمن زنى بها الأب، أتحرم على ولده كما حرمت عليه زوجته، أم لا تحرم، فيكون الوط ء الحرام غير ناشر للحرمة كالوط ء الحلال. واختلفوا في الزنى بأم الزوجة، أيحرم الزوجة أم لا يحرمها؟ ذهب إلى الرأي الأول الحنفية والأوزاعي والثوري ومالك في رواية ابن القاسم عنه، وذهب إلى الثاني الليث والشافعي ومالك في رواية الموطأ عنه، وهو الراجح لدى المالكية. وسبب الخلاف: الاشتراك في لفظ النكاح، فهو يطلق على الوط ء وعلى العقد، فمن قال: إن المراد به في الآية الوط ء، حرم من وطئت ولو بزنا. ومن

стр. 1361

إطلاقه على الوط ء قوله تعالى: ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة ٢٣٠/ ٢] ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور ٣/ ٢٤] إذ لو كان العقد للزم الكذب، وقوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ﴾ [النساء ٦/ ٤] وقوله ﷺ في حديث ضعيف: «ناكح اليد ملعون». ومن قال: المراد به العقد لم يحرم بالزنا. ومن إطلاقه على العقد قوله تعالى: ﴿إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب ٤٩/ ٣٣] وقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ﴾ [النور ٣٢/ ٢٤] وقوله: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ﴾ [النساء ٣/ ٤] وقوله ﷺ فيما رواه ابن ماجه: «النكاح من سنتي» أي العقد، وقوله في الحديث الثابت: «أنا من نكاح ولست من سفاح». فما الراجح أن تحمل عليه الآية أهو الوط ء أم العقد؟ ذهب الحنفية: إلى أن الراجح أن يكون المراد بالنكاح في الآية الوط ء؛ لأن النكاح حقيقة في الوط ء مجاز في العقد، والحمل على الحقيقة أولى، حتى يقوم الدليل على الحمل على المجاز، وإذا كان المراد به الوط ء، فلا فرق بين الوط ء الحلال والوط ء الحرام. والوط ء آكد في إيجاب التحريم من العقد؛ لأنا لم نجد وطئا مباحا إلا وهو موجب للتحريم كالوط ء بملك اليمين ونكاح الشبهة، وقد وجدنا وطئا صحيحا لا يوجب التحريم وهو العقد على الأم لا يوجب تحريم البنت، ولو وطئها حرمت، فعلمنا أن وجود الوط ء علة لإيجاب التحريم، فكيفما وجد ينبغي أن يحرم، سواء كان مباحا أو محظورا. ورأى الشافعية: أن النكاح وإن كان مجازا في العقد، ولكنه اشتهر فيه، حتى صار حقيقة فيه، كالعقيقة كانت اسما لشعر المولود، ثم أطلقت على الشاة التي تذبح عند حلقة مجازا، واشتهر ذلك حتى صارت حقيقة فيها، تفهم منها عند الإطلاق. وقد عبر الله بجانب هذه المحرمات بما يفيد الزوجية كقوله:

стр. 1362

﴿وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ﴾ ﴿وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾. ثم إنه كيف يجعل للزنا حرمة وهو فاحشة ومقت؟ ثم إن النسب لا يثبت بالزنا، فكذلك التحريم لا يثبت بالزنا. وهذا هو الراجح. ودلت آية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ..﴾. على تحريم سبع من النسب وهي: الأم ومثلها الجدات وان علون، والبنت ومثلها بنت الأولاد وإن سفلن، والأخت، والعمة، والخالة، وبنت الأخ، وبنت الأخت. وتحريم الأم من الآية؛ لأن الأم حقيقة في الأم مباشرة، مجاز في الجدة، ويكون تحريم الجدات من الإجماع، وقال بعضهم: من الآية؛ لأن الأم تطلق على الأم المباشرة والجدة من باب المشترك المعنوي. وأما البنت من الزنى فهل هي داخلة في قوله: ﴿وَبَناتُكُمْ﴾؟ قال أبو حنيفة: إنها داخلة في الآية ولها حرمة البنت الشرعية؛ لأنها متخلقة من مائه وبضعة منه، فحرمها عليه، فهو قد نظر إلى الحقيقة. وقال الشافعي: ليست داخلة في الآية، فلا تكون حراما، وليس لها حرمة البنت الشرعية؛ لأن الشارع لم يعطها حكم البنتيه، فلم يورثها منها، ولم يبح الخلوة بها، ولم يجعل له عليها ولاية، وليس له أن يستلحقها به لقوله ﷺ فيما رواه الجماعة عن أبي هريرة: «الولد للفراش وللعاهر الحجر». ورجح بعض علماء العصر رأي أبي حنيفة قياسا على ولد الزنا، فإنه تحرم عليه أمه؛ لأنه متخلق منها. ورأى آخرون ترجيح رأي المالكية والشافعية، حتى لا يجعل الزنى في مرتبة القرابة والمصاهرة والرضاع، والقاعدة الشرعية تقرر أن النقمة لا تكون طريقا إلى النعمة. ودلت الآية على تحريم ست بغير النسب وهم: الأم من الرضاع، والأخت من الرضاع، ومثلهما جميع أصول وفروع

стр. 1363

المرضع. وأمهات الزوجات، والربائب المدخول بأمهن، وزوجات الأبناء، والجمع بين الأختين، ومثل الأخت: العمة والخالة وابنة الأخ وابنة الأخت. وأما زوجة الابن المتبنى فأحلها الإسلام، خلافا لما كان عليه العرب في الجاهلية، وتزوج النبي ﷺ زينب بنت جحش زوج زيد بن حارثة الذي كان قد تبناه ﵊، عملا بقوله تعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها، لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ﴾ [الأحزاب ٣٧/ ٣٣] وقوله: ﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾ [الأحزاب ٥/ ٣٣]. وقد استنبط العلماء من قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ.﴾. القاعدة الشرعية وهي: «العقد على البنات يحرّم الأمهات، والدخول بالأمهات يحرم البنات» فأم المرأة تحرم بمجرد العقد على بنتها، سواء دخل بها أو لم يدخل بها. وأما الربيبة: وهي بنت المرأة فلا تحرم بمجرد العقد حتى يدخل بأمها، فإن طلق الأم قبل الدخول بها، جاز له أن يتزوج بنتها. ودل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ﴾ على أن تحريم الأمهات عام في كل حال لا يتخصص بوجه من الوجوه. وكذلك تحريم البنات والأخوات ومن ذكر من المحرمات، فهو تحريم مؤبد دائم. والتحريم بالرضاع مثل التحريم بالنسب تماما، قال رسول الله ﷺ في الحديث المتقدم: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب». ويجوز للمرأة أن يحج معها أخوها من الرضاعة، كما صرح الإمام مالك ﵀. وأجمع العلماء على تحريم ما عقد عليه الآباء على الأبناء، وما عقد عليه الأبناء على الآباء، سواء كان مع العقد وط ء أو لم يكن؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا

стр. 1364

ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾. فإن نكح أحدهما نكاحا فاسدا حرم على الآخر العقد عليها كما يحرم بالصحيح؛ لأن النكاح الفاسد إن كان متفقا على فساده لم يوجب حكما وكان وجوده كعدمه، وإن كان مختلفا فيه فيتعلق به من الحرمة ما يتعلّق بالصحيح؛ لاحتمال أن يكون نكاحا، فيدخل تحت مطلق اللفظ، والفروج إذا تعارض فيها التحريم والتحليل غلّب التحريم. قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من علماء الأمصار على أن الرجل إذا وطأ بنكاح فاسد أنها تحرم على أبيه وابنه، وعلى أجداده وولد ولده. أما الوط ء بالزنى فهو يحرم الأم والابنة وأنه بمنزلة الحلال في رأي الحنفية، بدليل قصة جريج، وقوله: «يا غلام، من أبوك؟ قال: فلان الراعي» فهذا يدل على أن الزنى يحرم كما يحرّم الوط ء الحلال. وقال المالكية والشافعية: إن الزنى لا حكم له؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ وليست التي زنى بها من أمّهات نسائه، ولا ابنتها من ربائبه، روى الدارقطني عن عائشة قالت: سئل رسول الله ﷺ عن رجل زنى بامرأة فأراد أن يتزوجها أو ابنتها فقال: «لا يحرم الحرام الحلال، إنما يحرم ما كان بنكاح». وأما اللائط: فقال مالك والشافعي والحنفية: لا يحرم النكاح باللواط. وأجمع العلماء على أن الرجل إذا طلق زوجته طلاقا يملك رجعتها: أنه ليس له أن ينكح أختها أو أربعا سواها حتى تنقضي عدة المطلقة. واختلفوا إذا طلقها طلاقا بائنا لا يملك رجعتها، فقال الحنفية والحنابلة: ليس له أن ينكح أختها ولا رابعة حتى تنقضي عدة التي طلّق. وقال المالكية والشافعية: له أن ينكح أختها وأربعا سواها.

стр. 1365

وإذا عقد المسلم على أختين في عقد واحد بطل نكاحها عند أبي حنيفة. ويخير بين الأختين في رأي مالك والشافعي، سواء عقد عليهما عقدا واحدا جمع به بينهما، أو جمع بينهما في عقدين. وأما النكاح القائم بين الأختين في الجاهلية فهو نكاح صحيح، ثم يخير بينهما إذا أسلم الزوج. والخلاصة: روى هشام بن عبد الله بن محمد بن الحسن أنه قال: كان أهل الجاهلية يعرفون هذه المحرّمات كلّها التي ذكرت في هذه الآية إلا اثنتين: إحداهما-نكاح امرأة الأب. والثانية-الجمع بين الأختين. ألا ترى أنه قال: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ﴾ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ﴾ ولم يذكر في سائر المحرمات: ﴿إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ﴾. انتهى الجزء الرابع ولله الحمد

стр. 1366

حرمة الزواج بالمتزوجات وإباحة الزواج بغير المحارم بشرط المهر ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٢٤)﴾ الإعراب: ﴿كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ منصوب على المصدر بفعل دل عليه قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ﴾؛ لأن معناه: كتب ذلك كتابا الله، ثم أضيف المصدر إلى الفاعل. مثل قوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللهِ﴾ [النمل ٨٨/ ٢٧]: منصوب على المصدر بما دل عليه الكلام قبله، وتقديره: صنع ذلك صنعا الله، ثم أضيف المصدر إلى الفاعل. ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ بالضم فعل ماضى مبني للمجهول، وما نائب الفاعل، وقرئ بفتح الهمزة على أنه مبني للمعلوم، وما مفعول به. و ﴿أَنْ تَبْتَغُوا﴾ إما منصوب على أنه بدل من ما إذا كانت في موضع نصب مفعول به، أو على أنه مفعول لأجله، أي لأن تبتغوا بأموالكم. وإما مرفوع على أنه بدل من ما على أنها نائب فاعل. ﴿مُحْصِنِينَ﴾ و ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ حال من ضمير ﴿تَبْتَغُوا﴾. البلاغة: يوجد طباق بين ﴿مُحْصِنِينَ﴾ و ﴿مُسافِحِينَ﴾. ﴿آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: استعار لفظ الأجور للمهور؛ لأن المهر يشبه الأجر في الصورة.

стр. 1367

المفردات اللغوية: ﴿وَالْمُحْصَناتُ﴾ أي حرمت عليكم ذوات الأزواج؛ لأنهن دخلن في حصن الزوج وحمايته، ويطلق الإحصان في القرآن الكريم على أحد أربعة معان: ١ - التزوج: كما في الآية: ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء ٢٤/ ٤] يقال: أحصن الرجل: إذا تزوج. ٢ - الإسلام: كما في الآية: ﴿فَإِذا أُحْصِنَّ﴾ أي أسلمن، يقال: أحصن: إذا أسلم. ٣ - العفة: كما في الآية: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ [النساء ٢٥/ ٤] يقال: أحصن: إذا عف، وفي آية أخرى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ، ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ [النور ٤/ ٢٤]. ٤ - الحرية: كما في الآية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ﴾ [النساء ٢٥/ ٤] يقال: أحصن: إذا صار حرا، وفي الآية نفسها: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ﴾ وفي جميع ذلك: معنى المنع وتحصين النفس من الوقوع في الحرام، فالرجل إذا تزوج، منع نفسه من الزنى، وإذا أسلم، منع نفسه من القتل، والعفيف يمنع نفسه من الفحش، وإذا عتق منع نفسه من الاستيلاء. وورد الإحصان في السنة بمعنى التزوج، قال ﷺ : أحصنت؟ بمعنى تزوجت، قال: نعم. وقال ﵊ فيما رواه أبو داود عن علي: «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم» من أحصن منهم ومن لم يحصن. ﴿ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ أي المملوكات بالسبي في جهاد مشروع، فينفسخ نكاحهن من أزواجهن الكفار في دار الحرب، ويحل الاستمتاع بهن بعد استبراء الحامل بوضع حملها، وغير الحامل (الحائل) بحيضة ثم تطهر، واشترط الحنفية اختلاف الدار بينها وبين زوجها، فلو سبيت هي وزوجها لم تحل لغيره. ﴿كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ أي كتب الله تحريم ذلك عليكم ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ﴾ أي أبيح لكم من النساء سوى ما حرم عليكم ﴿أَنْ تَبْتَغُوا﴾ تطلبوا النساء ﴿بِأَمْوالِكُمْ﴾ بصداق، فالأموال: المهور ﴿مُحْصِنِينَ﴾ متزوجين أو متعففين ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ غير زانين، والمسافح: الزاني، وذلك لئلا تضيعوا أموالكم وتفقروا أنفسكم فيما لا يحل لكم، فتخسروا دنياكم ودينكم، ولا مفسدة أعظم مما يجمع بين الخسرانين. ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ مهورهن، والأجر في الأصل: الجزاء في مقابلة شيء من عمل أو منفعة، والمهر في مقابل الاستمتاع المباح. ﴿فَرِيضَةً﴾ مفروضة ومقدرة ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ لا حرج ولا إثم ولا تضييق ﴿فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ أي اتفقتم أنتم وهن من حط بعض الفريضة أو كلها أو الزيادة عليها ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً﴾ بخلقه فيما يصلحهم ﴿حَكِيماً﴾ فيما دبره لهم.

стр. 1368

سبب النزول: روى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري قال: أصبنا سبايا من سبي أوطاس لهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن، ولهن أزواج، فسألنا النبي ﷺ ، فنزلت: ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ يقول: إلا ما أفاء الله عليكم، فاستحللنا بها فروجهن. وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: نزلت يوم حنين، لما فتح الله حنينا، أصاب المسلمون نساء من نساء أهل الكتاب لهن أزواج، وكان الرجل إذا أراد أن يأتي المرأة قالت: إن لي زوجا، فسئل ﷺ عن ذلك، فأنزلت: ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾. أما قوله تعالى: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ.﴾. الآية، فنزل بسبب ما يأتي، أخرج ابن جرير الطبري عن عمرة بن سليمان عن أبيه قال: زعم حضرمي أن رجالا كانوا يفرضون المهر، ثم عسى أن تدرك أحدهم العسرة فنزلت: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾. المناسبة: هذه الآية ملحقة في مطلعها بالمحرمات من النساء بسبب النسب أو الرضاع أو المصاهرة أو بسبب عارض كأخت الزوجة وعمتها، في الآية السابقة. وناسب أن يذكر سبيل إباحة غير المحرمات من النساء بشرط المهر وبقصد التعفف لا الزنى. التفسير والبيان: قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَناتُ﴾ معطوف على ﴿أُمَّهاتُكُمْ﴾ في الآية السابقة، فهن من المحرمات. والمعنى: وحرم عليكم نكاح المتزوجات إلا المسبيات في جهاد

стр. 1369

مشروع بيننا وبين الأعداء الكفار، دفاعا عن الدين، لا حرب استعمار واستغلال. فالآية تدل على تحريم ذوات الأزواج إلا ما ملكتموهن بسبي، فسباؤكم إياهن هادم لنكاحهن السابق أو فاسخ له، إذا بقي أزواجهن الكفار في دار الحرب. والزواج بإحدى السبايا طريق لكفالة المسبية وصونها عن التبذل ببذل العرض أو البحث عن الرزق. وجيء بقيد ﴿مِنَ النِّساءِ﴾ لإفادة التعميم، فيشمل كل متزوجة. وقوله: ﴿كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ مصدر مؤكد، أي كتب الله ذلك (وهو تحريم ما حرم عليكم) كتابا وفرضه فرضا، وبعبارة أخرى: كتب عليكم تحريم هذه الأنواع كتابا مؤكدا، وفرضه فرضا ثابتا، موافقا للمصلحة دون شك ولا تغيير. وأحل الله ما وراء ذلكم مما هو عدا المحرمات المذكورات، فقوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ معطوف على قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ عند من قرأ ﴿وَأُحِلَّ﴾ بالبناء للمعلوم، أما على قراءة البناء للمجهول ﴿وَأُحِلَّ﴾ فهو معطوف على كتب المقدر المفهوم من قوله تعالى: ﴿كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾. أحل لكم ما وراء ذلكم لأجل أن تطلبوا النساء بأموالكم التي تدفعونها مهرا للزوجة، حالة كونكم أعفاء غير زناة، فلا تضيعوا أموالكم في الزنى، فتذهب أموالكم وتفتقروا. وأي امرأة من النساء اللواتي أحللن لكم تزوجتموها فأعطوها الأجر أي المهر؛ وسمي المهر أجرا لأنه في مقابلة الاستمتاع، وهذا الحكم مفروض من الله فريضة، فقوله ﴿فَرِيضَةً﴾ إما حال من الأجور بمعنى مفروضة، أو مصدر مؤكد أي

стр. 1370

فرض الله ذلك فريضة؛ لأن المهر يفرض ويعين في عقد الزواج، ويسمى ذلك إيتاء وإعطاء، كما في آية: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ وآية: ﴿ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أو أن المقصود الحث على إيفاء المهر الذي هو حق للزوجة بفرض الله وشرعه وحكمه المبرم، لا مجال للمساومة فيه أو التهرب منه. ولكن لا إثم ولا تضييق على الأزواج بالاتفاقات التي تحدث عقب الزواج، فلا مانع من التراضي على أن تحط المرأة عن الرجل المهر كله أو بعضه أو تهبه له، أو على الزيادة في مقدار المهر، فكل من النقص في المهر بعد تقديره أو تركه كله أو الزيادة فيه أمر مباح مشروع؛ لأن المقصود بالزوجية أن تكون قائمة على أساس متين من المودة والمحبة، والتعاون والتعاطف، والله تعالى عليم بما فيه صلاح خلقه وبنواياهم، حكيم فيما دبره لهم من أحكام، فهو لا يشرع لهم تفضلا ورحمة منه إلا ما فيه خيرهم وصلاحهم. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية على الأحكام السبعة التالية: الأول: تحريم الزواج بالمتزوجات من النساء، رعاية لحق الأزواج، ما دامت الزوجية قائمة فعلا أو في أثناء العدة، فإذا طلقن وانقضت عدتهن فهن لكم حلال، وأكد الله تعالى وجوب احترام مبدأ تحريم المحرمات بقوله: ﴿كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ أي كتب الله عليكم ما قصه من التحريم، فهو عهد وميثاق، وهو أيضا إشارة إلى التحريم الحاجز بين الناس وبين ما كانت العرب تفعله. الثاني: إباحة المسبيات المملوكات بسبب السبي في الجهاد، أو بسبب الشراء؛ لأن
следующие страницы →