← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

حرمة الزواج بالمتزوجات وإباحة الزواج بغير المحارم بشرط المهر ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٢٤)﴾ الإعراب: ﴿كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ منصوب على المصدر بفعل دل عليه قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ﴾؛ لأن معناه: كتب ذلك كتابا الله، ثم أضيف المصدر إلى الفاعل. مثل قوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللهِ﴾ [النمل ٨٨/ ٢٧]: منصوب على المصدر بما دل عليه الكلام قبله، وتقديره: صنع ذلك صنعا الله، ثم أضيف المصدر إلى الفاعل. ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ بالضم فعل ماضى مبني للمجهول، وما نائب الفاعل، وقرئ بفتح الهمزة على أنه مبني للمعلوم، وما مفعول به. و ﴿أَنْ تَبْتَغُوا﴾ إما منصوب على أنه بدل من ما إذا كانت في موضع نصب مفعول به، أو على أنه مفعول لأجله، أي لأن تبتغوا بأموالكم. وإما مرفوع على أنه بدل من ما على أنها نائب فاعل. ﴿مُحْصِنِينَ﴾ و ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ حال من ضمير ﴿تَبْتَغُوا﴾. البلاغة: يوجد طباق بين ﴿مُحْصِنِينَ﴾ و ﴿مُسافِحِينَ﴾. ﴿آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: استعار لفظ الأجور للمهور؛ لأن المهر يشبه الأجر في الصورة.

стр. 1367

المفردات اللغوية: ﴿وَالْمُحْصَناتُ﴾ أي حرمت عليكم ذوات الأزواج؛ لأنهن دخلن في حصن الزوج وحمايته، ويطلق الإحصان في القرآن الكريم على أحد أربعة معان: ١ - التزوج: كما في الآية: ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء ٢٤/ ٤] يقال: أحصن الرجل: إذا تزوج. ٢ - الإسلام: كما في الآية: ﴿فَإِذا أُحْصِنَّ﴾ أي أسلمن، يقال: أحصن: إذا أسلم. ٣ - العفة: كما في الآية: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ [النساء ٢٥/ ٤] يقال: أحصن: إذا عف، وفي آية أخرى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ، ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ [النور ٤/ ٢٤]. ٤ - الحرية: كما في الآية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ﴾ [النساء ٢٥/ ٤] يقال: أحصن: إذا صار حرا، وفي الآية نفسها: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ﴾ وفي جميع ذلك: معنى المنع وتحصين النفس من الوقوع في الحرام، فالرجل إذا تزوج، منع نفسه من الزنى، وإذا أسلم، منع نفسه من القتل، والعفيف يمنع نفسه من الفحش، وإذا عتق منع نفسه من الاستيلاء. وورد الإحصان في السنة بمعنى التزوج، قال ﷺ : أحصنت؟ بمعنى تزوجت، قال: نعم. وقال ﵊ فيما رواه أبو داود عن علي: «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم» من أحصن منهم ومن لم يحصن. ﴿ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ أي المملوكات بالسبي في جهاد مشروع، فينفسخ نكاحهن من أزواجهن الكفار في دار الحرب، ويحل الاستمتاع بهن بعد استبراء الحامل بوضع حملها، وغير الحامل (الحائل) بحيضة ثم تطهر، واشترط الحنفية اختلاف الدار بينها وبين زوجها، فلو سبيت هي وزوجها لم تحل لغيره. ﴿كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ أي كتب الله تحريم ذلك عليكم ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ﴾ أي أبيح لكم من النساء سوى ما حرم عليكم ﴿أَنْ تَبْتَغُوا﴾ تطلبوا النساء ﴿بِأَمْوالِكُمْ﴾ بصداق، فالأموال: المهور ﴿مُحْصِنِينَ﴾ متزوجين أو متعففين ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ غير زانين، والمسافح: الزاني، وذلك لئلا تضيعوا أموالكم وتفقروا أنفسكم فيما لا يحل لكم، فتخسروا دنياكم ودينكم، ولا مفسدة أعظم مما يجمع بين الخسرانين. ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ مهورهن، والأجر في الأصل: الجزاء في مقابلة شيء من عمل أو منفعة، والمهر في مقابل الاستمتاع المباح. ﴿فَرِيضَةً﴾ مفروضة ومقدرة ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ لا حرج ولا إثم ولا تضييق ﴿فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ أي اتفقتم أنتم وهن من حط بعض الفريضة أو كلها أو الزيادة عليها ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً﴾ بخلقه فيما يصلحهم ﴿حَكِيماً﴾ فيما دبره لهم.

стр. 1368

سبب النزول: روى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري قال: أصبنا سبايا من سبي أوطاس لهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن، ولهن أزواج، فسألنا النبي ﷺ ، فنزلت: ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ يقول: إلا ما أفاء الله عليكم، فاستحللنا بها فروجهن. وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: نزلت يوم حنين، لما فتح الله حنينا، أصاب المسلمون نساء من نساء أهل الكتاب لهن أزواج، وكان الرجل إذا أراد أن يأتي المرأة قالت: إن لي زوجا، فسئل ﷺ عن ذلك، فأنزلت: ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾. أما قوله تعالى: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ.﴾. الآية، فنزل بسبب ما يأتي، أخرج ابن جرير الطبري عن عمرة بن سليمان عن أبيه قال: زعم حضرمي أن رجالا كانوا يفرضون المهر، ثم عسى أن تدرك أحدهم العسرة فنزلت: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾. المناسبة: هذه الآية ملحقة في مطلعها بالمحرمات من النساء بسبب النسب أو الرضاع أو المصاهرة أو بسبب عارض كأخت الزوجة وعمتها، في الآية السابقة. وناسب أن يذكر سبيل إباحة غير المحرمات من النساء بشرط المهر وبقصد التعفف لا الزنى. التفسير والبيان: قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَناتُ﴾ معطوف على ﴿أُمَّهاتُكُمْ﴾ في الآية السابقة، فهن من المحرمات. والمعنى: وحرم عليكم نكاح المتزوجات إلا المسبيات في جهاد

стр. 1369

مشروع بيننا وبين الأعداء الكفار، دفاعا عن الدين، لا حرب استعمار واستغلال. فالآية تدل على تحريم ذوات الأزواج إلا ما ملكتموهن بسبي، فسباؤكم إياهن هادم لنكاحهن السابق أو فاسخ له، إذا بقي أزواجهن الكفار في دار الحرب. والزواج بإحدى السبايا طريق لكفالة المسبية وصونها عن التبذل ببذل العرض أو البحث عن الرزق. وجيء بقيد ﴿مِنَ النِّساءِ﴾ لإفادة التعميم، فيشمل كل متزوجة. وقوله: ﴿كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ مصدر مؤكد، أي كتب الله ذلك (وهو تحريم ما حرم عليكم) كتابا وفرضه فرضا، وبعبارة أخرى: كتب عليكم تحريم هذه الأنواع كتابا مؤكدا، وفرضه فرضا ثابتا، موافقا للمصلحة دون شك ولا تغيير. وأحل الله ما وراء ذلكم مما هو عدا المحرمات المذكورات، فقوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ معطوف على قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ عند من قرأ ﴿وَأُحِلَّ﴾ بالبناء للمعلوم، أما على قراءة البناء للمجهول ﴿وَأُحِلَّ﴾ فهو معطوف على كتب المقدر المفهوم من قوله تعالى: ﴿كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾. أحل لكم ما وراء ذلكم لأجل أن تطلبوا النساء بأموالكم التي تدفعونها مهرا للزوجة، حالة كونكم أعفاء غير زناة، فلا تضيعوا أموالكم في الزنى، فتذهب أموالكم وتفتقروا. وأي امرأة من النساء اللواتي أحللن لكم تزوجتموها فأعطوها الأجر أي المهر؛ وسمي المهر أجرا لأنه في مقابلة الاستمتاع، وهذا الحكم مفروض من الله فريضة، فقوله ﴿فَرِيضَةً﴾ إما حال من الأجور بمعنى مفروضة، أو مصدر مؤكد أي

стр. 1370

فرض الله ذلك فريضة؛ لأن المهر يفرض ويعين في عقد الزواج، ويسمى ذلك إيتاء وإعطاء، كما في آية: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ وآية: ﴿ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أو أن المقصود الحث على إيفاء المهر الذي هو حق للزوجة بفرض الله وشرعه وحكمه المبرم، لا مجال للمساومة فيه أو التهرب منه. ولكن لا إثم ولا تضييق على الأزواج بالاتفاقات التي تحدث عقب الزواج، فلا مانع من التراضي على أن تحط المرأة عن الرجل المهر كله أو بعضه أو تهبه له، أو على الزيادة في مقدار المهر، فكل من النقص في المهر بعد تقديره أو تركه كله أو الزيادة فيه أمر مباح مشروع؛ لأن المقصود بالزوجية أن تكون قائمة على أساس متين من المودة والمحبة، والتعاون والتعاطف، والله تعالى عليم بما فيه صلاح خلقه وبنواياهم، حكيم فيما دبره لهم من أحكام، فهو لا يشرع لهم تفضلا ورحمة منه إلا ما فيه خيرهم وصلاحهم. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية على الأحكام السبعة التالية: الأول: تحريم الزواج بالمتزوجات من النساء، رعاية لحق الأزواج، ما دامت الزوجية قائمة فعلا أو في أثناء العدة، فإذا طلقن وانقضت عدتهن فهن لكم حلال، وأكد الله تعالى وجوب احترام مبدأ تحريم المحرمات بقوله: ﴿كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ أي كتب الله عليكم ما قصه من التحريم، فهو عهد وميثاق، وهو أيضا إشارة إلى التحريم الحاجز بين الناس وبين ما كانت العرب تفعله. الثاني: إباحة المسبيات المملوكات بسبب السبي في الجهاد، أو بسبب الشراء؛ لأن

стр. 1371

السبي يؤدي إلى فسخ زواجهن السابق، ما دام أزواجهن كفارا في دار الحرب، واشترط الحنفية اختلاف الدار بين المسبية وزوجها، فلو سبيت هي وزوجها لم تحل لغيره؛ لأن الزوج قد صار له عهد وعصمة لما يملكه، وزوجته من جملة ما يملكه، فلا يحال بينه وبينها. ولا فرق في رأي المذاهب الأخرى بين أن يسبى الزوجان مجتمعين أو متفرقين. ولا بد من استبراء المسبية بوضع الحمل إن كانت حاملا، وبحيضة إن كانت حائلا غير حامل، قال الحسن البصري: كان أصحاب رسول الله ﷺ يستبرءون المسبيّة بحيضة؛ وروى أبو داود وصححه الحاكم عن أبي سعيد الخدري حديثا في سبايا أوطاس: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة». والعلماء كافة رأوا استبراء المسبية بحيضة واحدة، سواء أكانت ذات زوج أم لا زوج لها. هذا.. ويلاحظ أن الإسلام لم يفرض السبي أو الاسترقاق، وإنما كان مشروعا لدى الأمم جميعها، أما إنه لم يحرمه فمن أجل المعاملة بالمثل؛ لأن الرقيق كان عماد الحركة والحياة الاقتصادية والاجتماعية، ولا يعقل أن يسترق العدو أسرانا ونحن لا نسترق أسراه. وكان الرق أحيانا من أجل توفير سبل المعيشة عند السيد، ويظهر هذا بنحو خاص بالنسبة للمرأة، إذ الغالب أن يكون زوجها قتل في الحرب، فمن مصلحتها أن تعيش في ظل من يعيلها وينفق عليها، ويعفها حتى لا تصبح أداة فساد أو عالة على المجتمع. الثالث: إباحة الزواج بجميع النساء الأجنبيات غير المحارم المذكورة في الآية:

стр. 1372

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء ٢٣/ ٤] وما أضيف إليها في السنة النبوية كالجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، لما روى مسلم وغيره عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يجمع بين المرأة وعمّتها ولا بين المرأة وخالتها». وضابط حرمة الجمع عند العلماء: ما ذكر عن الشعبي قال: كل امرأتين إذا جعلت موضع إحداهما ذكرا، لم يجز له أن يتزوج الأخرى، فالجمع بينهما باطل. وعلة التحريم: هو ما يفضي إليه الجمع من قطع الأرحام القريبة، مما يقع بين الضرائر من البغضاء والشرور بسبب الغيرة، قال ابن عباس: نهى رسول الله ﷺ أن يتزوج الرجل المرأة على العمّة أو على الخالة، وقال: «إنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم» (١). الرابع: أباح الله تعالى الاستمتاع بالنساء بعقد الزواج المشتمل على المهر، وهو المال المتقوم الذي يباح الانتفاع به شرعا، وهذا دليل على وجوب المهر، فإذا حصل الزواج بغير المال لم تقع الإباحة به؛ لأنها على غير الشرط المأذون فيه، كما لو عقد على خمر أو خنزير أو ما لا يصح تملكه. الخامس: دلّ قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ على أن المهر يسمى أجرا، وأنه في مقابلة البضع (الاستمتاع)؛ لأن ما يقابل المنفعة يسمى أجرا. والظاهر أن المعقود عليه: هو بدن المرأة، ومنفعة البضع، والحلّ؛ لأن العقد يقتضي كل ذلك. واختلف العلماء في معنى الآية على قولين:

стр. 1373

١ - قال الحسن ومجاهد وغيرهما: المعنى فما انتفعتم وتلذذتم بالجماع من النساء بالنكاح الصحيح فآتوهن مهورهن (أجورهن) فإذا جامعها مرة واحدة، وجب المهر كاملا إن كان مسمّى، أو مهر مثلها إن لم يسمّ. أما إذا كان النكاح فاسدا فيجب مهر المثل؛ لأن النبي ﷺ قال: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فإن دخل بها، فلها مهر مثلها بما استحلّ من فرجها» (١). ولا يجوز في رأيهم أن تحمل الآية على جواز نكاح المتعة: (وهو نكاح المرأة إلى أجل معين كيوم أو أسبوع أو شهر)؛ لأن رسول الله ﷺ نهى عن نكاح المتعة وحرّمه؛ ولأن الله تعالى قال: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء ٢٥/ ٤] ومعلوم أن النكاح بإذن الأهلين هو النكاح الشرعي بولي وشاهدين، ونكاح المتعة ليس كذلك. ٢ - وقال الجمهور: المراد نكاح المتعة الذي كان في صدر الإسلام، فقد كان مرخصا فيه في بدء الإسلام، أذن فيه النبي ﷺ مرة أو مرتين في الجهاد، لبعد المجاهدين عن نسائهم، وخوفا من الزنى، فهو من قبيل ارتكاب أخف الضررين، وعلى أساس مبدأ العفو الذي لم يتعلق به تحريم في مبدأ الأمر، وذلك في غزوة أوطاس، وعام فتح مكة، ثم حرّمه النبي ﷺ بعدئذ واستقر الأمر على التحريم، بدليل آية: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون ٥/ ٦/٢٣] وليست المتعة نكاحا ولا ملك يمين. وروى الدارقطني عن علي بن أبي طالب قال: نهى رسول الله ﷺ عن المتعة، قال: وإنما كانت لمن لم يجد، فلما نزل النكاح والطلاق والعدة والميراث بين الزوج والمرأة نسخت. وثبت في الصحيحين عن علي قال: «نهى رسول الله

стр. 1374

صلّى الله عليه وسلّم عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر» وفي لفظ آخر في صحيح مسلم عن الربيع بن سبرة بن معبد الجهني عن أبيه أنه غزا مع رسول الله ﷺ يوم فتح مكة فقال: «يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا». ونهى أيضا عنها عمر ﵁، ودلت الأحاديث الكثيرة على تحريمها تحريما مؤبدا إلى يوم القيامة، كما تقدم. بل إن نكاح المتعة على النحو الذي يجيزه الشيعة الإمامية بشروط كثيرة غير مطبّق الآن في الواقع؛ لأن المتمتع لا يقصد بالمتعة الإحصان، وإنما يقصد السفاح، وهو لا يلتزم بتوابع الوط ء، والمرأة لا تلتزم أيضا بالعدة. قال ابن العربي: وقد كان ابن عباس يقول بجوازها، ثم ثبت رجوعه عنها، فانعقد الإجماع على تحريمها. واتفقت المذاهب الأربعة ما عدا زفر على بطلانه. وقال زفر: الزواج صحيح وشرط التأقيت باطل. وهل يحد من دخل بامرأة في نكاح المتعة ؟ قال الحنفية والشافعية والحنابلة: لا يحد للشبهة وإنما يعزر ويعاقب لشبهة العقد. وقال المالكية في مشهور المذهب: يحد بالرجم. السادس: قوله تعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ يعم المال وغيره من منافع الأعيان، وبه قال جمهور العلماء إلا أن أبا حنيفة قال: إذا تزوج على المنفعة فالنكاح جائز، وهو في حكم من لم يسمّ لها، ولها مهر مثلها إن دخل بها، وإن لم يدخل بها فلها المتعة.

стр. 1375

احتج الجمهور بحديث سهل بن سعد في حديث الموهوبة، وفيه فقال: «اذهب فقد ملّكتكها بما معك من القرآن». وفي رواية قال: «انطلق فقد زوجتكها فعلّمها من القرآن» (١). وقد زوج شعيب ﵇ ابنته من موسى ﵇ على أن يرعى له غنما في صداقها. السابع: دل قوله تعالى: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ على جواز الزيادة والنقصان في المهر، فهو سائغ عند التراضي بعد استقرار الفريضة، والمراد إبراء المرأة عن المهر، أو توفية الرجل كل المهر إن طلّق قبل الدخول. شروط الزواج بالأمة وعقوبة فاحشتها ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾

стр. 1376

الإعراب: ﴿طَوْلاً﴾ الطول: مصدر: طلت القوم، أي علوتهم، وهو مفعول به لفعل: ﴿يَسْتَطِعْ﴾ ﴿أَنْ يَنْكِحَ﴾ منصوب بطول انتصاب المفعول به. ولا يجوز نصبه ب ﴿يَسْتَطِعْ﴾؛ لأن المعنى يتغير، ويصير: ومن لم يستطع أن ينكح المحصنات طولا، أي للطول، فيصير الطول علة في عدم نكاح الحرائر، وهذا خلاف المعنى؛ لأن الطول به يستطاع نكاح الحرائر، فبطل أن يكون منصوبا ب ﴿يَسْتَطِعْ﴾ فثبت أنه منصوب بالطول. ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ ابتداء وخبر. ﴿الْمُحْصَناتُ﴾ منصوب على الحال من الهاء والنون في ﴿وَآتُوهُنَّ﴾ وكذلك قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ﴾. البلاغة: يوجد طباق في ﴿الْمُحْصَناتِ﴾ .. و ﴿مُسافِحاتٍ﴾ ويوجد جناس ناقص أو مغاير في ﴿الْمُحْصَناتِ﴾ .. ﴿فَإِذا أُحْصِنَّ﴾. المفردات اللغوية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ الاستطاعة: كون الشيء في مقدورك ﴿طَوْلاً﴾ الطول: الغنى والفضل الزائد من مال أو قدرة على تحصيل المطلوب ﴿الْمُحْصَناتِ﴾ هنا: الحرائر. ﴿الْمُؤْمِناتِ﴾ هو جري على الغالب، فلا مفهوم له. ﴿فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ ينكح. ﴿مِنْ فَتَياتِكُمُ﴾ إمائكم ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ﴾ أي اكتفوا بالظاهر واتركوا السرائر إلى الله، فإنه العالم بتفصيلها، وربّ أمة تفضل الحرة، وهذا تأنيس بنكاح الإماء. ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أي أنتم وهن سواء في الدين، فلا تستنكفوا من نكاحهن. ﴿بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ مواليهن ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أعطوهن مهورهن ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ من غير مطل ولا نقص. ﴿الْمُحْصَناتِ﴾ عفائف ﴿غَيْرَ مُسافِحاتٍ﴾ زانيات جهرا ﴿أَخْدانٍ﴾ أخلاء يزنون بهن سرا. والأخدان جمع خدن: وهو الصاحب، ويطلق على الذكر والأنثى ﴿فَإِذا أُحْصِنَّ﴾ تزوجن ﴿بِفاحِشَةٍ﴾ زنى ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ﴾ الحرائر الأبكار إذا زنين ﴿الْعَذابِ﴾ هو الحد المقدر شرعا وهو مائة جلدة، ونصفها وهو عقوبة الرقيق خمسون، ولا رجم عليهن؛ لأنه لا يتنصف ﴿خَشِيَ﴾ خاف ﴿الْعَنَتَ﴾ الجهد والمشقة، والمراد هنا: الزنى، سمي به الزنى؛ لأنه سبب المشقة بالحد في الدنيا والعقوبة في الاخرة ﴿مِنْكُمْ﴾ أي أن من لا يخاف الوقوع في الزنى من الأحرار، فلا يحل له نكاح الأمة، وكذا من استطاع طول حرة أي مهرها، في رأي الشافعي. وبشرط كون

стр. 1377

الأمة مؤمنة لقوله: ﴿مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ﴾ فلا يحل نكاح الإماء الكافرات ولو عدم الرجل مهر الحرة وخاف الوقوع في الزنى. ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا﴾ عن نكاح المملوكات ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لئلا يصير الولد رقيقا. المناسبة: هذه الآية تابعة لما قبلها، تبيّن حكم التّزوج بالإماء وحكم عقوبتهن عند ارتكاب الفاحشة، بعد أن بيّنت الآية المتقدّمة إباحة الزواج بكل النّساء الأجنبيّات غير المحرّمات، فلما بيّن الله من لا يحل من النّساء ومن يحلّ منهنّ، بيّن لنا هنا فيمن يحلّ أنه متى يحلّ، وعلى أي وجه يحلّ؟ التفسير والبيان: ومن لم يجد لديه زيادة في المال والسعة ليتمكن من الزواج بالحرائر، فله أن يتزوج بالإماء، وعبّر عنهنّ بالفتيات تكريما لهنّ وإرشادا لمناداة الأمة والعبد بلفظ الفتاة والفتى، روى البخاري أنه ﷺ قال: «لا يقولنّ أحدكم عبدي أمتي، ولا يقل المملوك: ربّي، ليقل المالك: فتاي وفتاتي، وليقل المملوك: سيدي وسيدتي، فإنكم المملوكون، والرّب: هو الله ». والمراد بالمحصنات هنا: الحرائر بدليل مقابلتهن بالمملوكات، وشأن الحرّة الإحصان، كما أن شأن الأمة البغاء، لذا قالت هند للنّبي ﷺ على سبيل التعجب: أوتزني الحرّة؟ وظاهر الآية يدلّ على أن زواج الإماء مشروط بشروط ثلاثة: الأول-ألا يجد الزّوج صداق الحرّة. الثاني-أن يخشى العنت أي الوقوع في الزنى. الثالث-أن تكون الأمة المتزوّج بها مؤمنة غير كافرة.

стр. 1378

ومهر الحرّة يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمنة والأمكنة، فلكلّ شخص وبيئة ما يناسبهما عرفا، فقد يقدر الرجل على مهر الحرّة، ولكن النساء تنفر منه لسوء خلقه أو خلقه، وقد يعجز عن القيام بحقوق الحرّة من النفقة والمساواة بينها وبين غيرها، وليس للأمة مثل هذه الحقوق. وقدّر الحنفية المهر بربع دينار (ثلاثة دراهم)، وقال بعضهم: عشرة دراهم. ولا أجد لهذا التحديد مستندا في الأدلة الشرعية، وإنما الثابت في السّنة أن النّبي ﷺ قال لمن يريد الزواج: «التمس ولو خاتما من حديد» (١). وتزوّج بعض الصحابة على تعليم امرأته شيئا من القرآن. وإنما اشترط التشرع هذه الشروط في نكاح الإماء تفاديا لما يشتمل عليه من أضرار، أهمها صيرورة الولد رقيقا؛ لأن الولد يتبع الأم في الرّق والحرية، لذا قال الله تعالى في آخر الآية: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. وذهب أبو حنيفة إلى جواز نكاح الأمة لمن لم يكن عنده حرّة، سواء أكان واجدا مهر الحرّة أم لا، وسواء أخشي العنت أم لا، وسواء أكانت الأمة مسلمة أم لا، عملا بالعمومات الكثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء ٣/ ٤]، وقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ﴾ [النور ٣٢/ ٢٤]، وقوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ﴾ [النساء ٢٤/ ٤]، وقوله: ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة ٥/ ٥]، وجميع ذلك يتناول الإماء والكتابيّات. ولم يشرط فيه عدم الطّول ولا خوف العنت، وهذه الآية لا تصلح لتخصيص العمومات السابقة؛ لأنها أولا تدلّ على الشروط بمفهوم الشرط ومفهوم الصفة، وهما ليسا بحجة عند أبي حنيفة ﵀. وثانيا على تقدير الحجية يكون

стр. 1379

مقتضى المفهومين عدم الإباحة إذا اختلّ الشرط أو عدمت الصفة، وعدم الإباحة أعم من ثبوت الحرمة أو الكراهة، فيجوز أن يكون المراد ثبوت الكراهة عند فقدان الشرط، كما يجوز ثبوت الحرمة، ولكن الكراهة أقلّ في مخالفة العمومات فتعينت. وأما قوله تعالى: ﴿ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ فليس بشرط، وإنما هو إرشاد للإصلاح لعموم مقتضى الآيات. وأجاب الشافعية: بأن هذه العمومات لا تعارض هذه الآية، إلا معارضة العام للخاص، والخاص مقدّم على العام. والحنفية خصصوا عموم الآيات فيمن لم يكن عنده حرّة، صونا للولد عن الإرقاق، وهذا المعنى يقتضي التخصيص أيضا بما إذا لم يكن لديه مهر الحرة، وخاف العنت. ثم إن الآية أباحت نكاح الأمة لضرورة من خشي العنت وفقد مهر الحرّة، بشرط كون الأمة مسلمة، وفيما عدا ذلك يرجع إلى الأصل وهو المنع من النكاح. وأما معنى قوله: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ، بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ فهو أنكم أيها المؤمنون مكلّفون بظواهر الأمور والله يتولى السرائر، فاعملوا على الظاهر في الإيمان، والإيمان الظاهر في الأمة كاف، ولا يشترط العلم بالإيمان يقينا؛ إذ لا سبيل لكم إليه. وأنتم مع الإماء إما من جنس واحد وهو البشرية والرجوع إلى أصل واحد وهو آدم، وإما أنكم مشتركون مع الإماء في الإيمان، والإيمان أعظم الفضائل فلا تأنفوا نكاح الإماء عند الضرورة. وهذا رفع من شأن الإماء وتسوية بينهن وبين الحرائر. ثم أعاد الله تعالى الأمر بنكاح الإماء لزيادة الترغيب، وجعل نكاحهن مثل الحرائر بكونه بإذن أي رضا أهلهنّ، والأهل: المولى، أو المالك لهن؛ لأن الإيمان رفع من قدرهن. واتفق الفقهاء على أن نكاح الأمة والعبد مشروط بإذن السيّد، لهذه الآية

стр. 1380

ولحديث ابن عمر عند ابن ماجه: «أيّما عبد تزوّج بغير إذن مولاه فهو عاهر». فإذا لم يتوافر الإذن، كان النكاح في رأي الشافعي باطلا غير صحيح، وموقوفا غير نافذ كعقد الفضولي في رأي الفقهاء الآخرين. والأمة كالحرة أيضا في وجوب المهر لها، لقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي أدّوا إليهنّ مهورهنّ بالمعروف بينكم في حسن التعامل ومهر المثل وإذن الأهل. ومهر الأمة عند الجمهور (أكثر الأئمة) للسيّد؛ لأنه وجب عوضا عن منافع البضع المملوكة للسيّد، وهو الذي أباحها للزوج بالنكاح، فوجب أن يكون هو المستحق لبدلها، ولأن الرّقيق لا يملك شيئا أصلا؛ لقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ [النحل ٧٥/ ١٦]، و قوله ﷺ : «العبد وما في يده لمولاه». وقال الإمام مالك: المهر حق للزّوجة على الزّوج، ومهر الأمة لها، عملا بظاهر الآية. ورد الجمهور بأن المراد بالآية: وآتوهن مهورهن بإذن أهلهن، أو أن المراد: وآتوا أهلهن مهورهن. وإنما أضاف إيتاء المهور إليهن لتأكيد إيجاب المهر. لكن شرط استحقاق الإماء المهور أن يكنّ عفائف متزوجات منكن، لا مستأجرات للبغاء جهرا وهنّ المسافحات، ولا سرّا وهنّ متخذات الأخدان. وهكذا كان عرف الجاهلية في قسمة الزنى نوعين: علني وهو السّفاح، وسرّي وهو اتّخاذ الأخدان. وقد حرّم الله النّوعين بقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ﴾ [الأنعام ١٥١/ ٦]، وقوله: ﴿قُلْ: إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ﴾ [الأعراف ٣٣/ ٧]. فالمراد بالمحصنات هنا: العفائف، والمرأة المسافحة: هي التي تؤاجر نفسها

стр. 1381

مع أي رجل أرادها، والتي تتخذ الخدن: هي التي تتخذ صاحبا معينا. والسبب في اشتراط كون الأمة محصنة مصونة في السرّ والجهر إذا أراد الحرّ التزوّج بها: هو أن الزّنى كان غالبا في الجاهلية على الإماء، وكانوا يشترونهن للاكتساب ببغائهن، حتى إن عبد الله بن أبيّ كان يكره إماءه على البغاء بعد أن أسلمن، فنزل في ذلك: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً، لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ [النور ٣٣/ ٢٤]. ثم أبان الله تعالى عقوبة الحدّ على الزّانية الأمة، فجعل عقوبتها نصف عقوبة الحرّة، وذلك بقوله: ﴿فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ..﴾. أي أن الإماء إذا زنين بعد إحصانهن بالزّواج، فحدّهنّ نصف حدّ الحرائر، وإذا كان حدّ الحرّة مائة جلدة بقوله تعالى: ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ فحدّ الأمة هو خمسون جلدة. هذا ما دلّ عليه القرآن، فلا رجم للإماء؛ لأن الرّجم لا يتنصف، ودلّت السّنّة على حدّ الأمة غير المزوجة، روى الشيخان عن زيد بن خالد الجهني أنّ النّبي ﷺ سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ فقال: «اجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير». والسبب في تصدير الآية بقوله: ﴿فَإِذا أُحْصِنَّ﴾ هو دفع توهم أن التزوّج يزيد في حدهنّ، فهو قيد لم يجر مجرى الشرط، فلا مفهوم له. ثم ذكر الله تعالى بقوله: ﴿ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ شرطا آخر لإباحة نكاح الإماء وهو الخوف من الزنى، وهذا ما أخذ به الشافعي ﵁، أما أبو حنيفة فلم يجعل ذلك شرطا، وإنما هو إرشاد للأصلح. ثم أوصى الله تعالى في نكاح الإماء بوصية أدبيّة خلقية عامة فقال: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي أن صبركم عن نكاح الإماء خير لكم من نكاحهنّ، وإن أبيح

стр. 1382

لكم ذلك للضرورة بشروط، لما فيه من أضرار: بتعريض الولد للرّق، ولأنهنّ ممتهنات مبتذلات، خرّاجات ولاّجات، وذلك ذلّ ومهانة يرثه الواد منهن، ولأن حقّ المولى في الإماء أقوى من حقّ الزّوجية، فله الحقّ باستخدامهنّ، والسفر بهنّ وبيعهنّ، وفي ذلك مشقّة عظيمة على الأزواج. جاء في مسند الدّيلمي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الحرائر: صلاح البيت، والإماء: هلاك البيت»، و أخرج عبد الرزاق عن عمر ﵁ أنه قال: «إذا نكح العبد الحرّة فقد أعتق نصفه، وإذا نكح الأمة فقد أرقّ نصفه». ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي والله واسع المغفرة كثيرها، فيغفر لمن لم يصبر عن نكاحهن، وفي ذلك تنفير عنه، ويغفر لمن صدرت منه هفوات كاحتقار الإماء المؤمنات، وهو واسع الرّحمة كثيرها؛ إذ رخّص في نكاح الإماء وأبان أحكام الشريعة. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآية إلى الأحكام التالية: ١ - الترخيص بنكاح الإماء لمن لم يجد الطّول: وهو السّعة والغنى، والمراد هاهنا القدرة على المهر في قول أكثر أهل العلم، منهم مالك والشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة: إنّ من عنده حرّة فلا يجوز له نكاح الأمة، وإن عدم السّعة وخاف العنت؛ لأنه طالب شهوة وعنده امرأة. وبه قال الطّبري واحتجّ له. واختلف العلماء فيما يجوز للحرّ الذي لا يجد الطّول ويخشى العنت، من نكاح الإماء، فقال مالك وأبو حنيفة والزّهري: له أن يتزوّج أربعا، وقال الشافعي وأبو ثور وأحمد وإسحاق: ليس له أن ينكح من الإماء إلا واحدة؛ لقوله تعالى: ﴿ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ وهذا المعنى يزول بنكاح واحدة.

стр. 1383

٢ - إيمان الأمة المتزوج بها: لقوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ﴾ أي من مملوكاتكم المؤمنات. وفيه إشارة إلى خطاب المملوك بالفتى، والمملوكة بالفتاة، وفي الحديث الصحيح: «لا يقولنّ أحدكم عبدي وأمتي، ولكن ليقل: فتاي وفتاتي». فلا يجوز التزوّج بالأمة الكتابية، وهو رأي الجمهور، وقال الحنفية: نكاح الأمة الكتابية جائز؛ لأن قوله: ﴿الْمُؤْمِناتِ﴾ على جهة الوصف الفاضل وليس بشرط ألا يجوز غيرها، مثل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً﴾ [النساء ٣/ ٤] فإن خاف ألا يعدل فتزوّج أكثر من واحدة جاز، ولكن الأفضل ألا يتزوّج؛ فكذلك هنا الأفضل ألا يتزوّج إلا مؤمنة، ولو تزوّج غير المؤمنة جاز، واحتجّوا بالقياس على الحرائر؛ لأنه لما لم يمنع قوله: ﴿الْمُؤْمِناتِ﴾ في الحرائر في مطلع الآية من نكاح الكتابيات، فكذلك لا يمنع قوله: ﴿الْمُؤْمِناتِ﴾ في الإماء من نكاح الإماء الكتابيات. ٣ - سعة علم الله تعالى ورفع الحرج عن نكاح الإماء: دلّ قوله: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ﴾ على أن الله عليم ببواطن الأمور، ولكم ظواهرها، وكلكم بنو آدم، وأكرمكم عند الله أتقاكم، فلا تستنكفوا من التزوّج بالإماء عند الضرورة، وإن كانت حديثة عهد بسباء، أو كانت خرساء وما أشبه ذلك، ففي اللفظ إيماء على أنه ربما كان إيمان أمة أفضل من إيمان بعض الحرائر. ويؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أي أنتم من جنس واحد وإنكم بنو آدم، أو أنتم مؤمنون. والمقصود بهذا الكلام توطئة نفوس العرب التي كانت تستهجن ولد الأمة وتعيّره وتسمّيه الهجين (١)، فلما جاء الشرع بجواز نكاحها علموا أن ذلك التهجين لا معنى له.

стр. 1384

٤ - نكاح الأمة والعبد بإذن السيد: دلّ قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ على أن نكاح الأمة مقيّد بإذن أربابهنّ المالكين ورضاهم، وكذلك العبد لا ينكح إلا بإذن سيّده؛ لأن العبد مملوك لا أمر له، وبدنه كلّه مستغرق بخدمة سيّده. لكن نكاح العبد بغير إذن سيّده موقوف عند المالكية والحنفية، فإن أجازه سيّده جاز، وأما الأمة فيفسخ نكاحها ولم يجز بإجازة السيّد؛ لأن نقصان الأنوثة في الأمة يمنع من انعقاد النكاح أصلا. وقال الشافعي والأوزاعي وداود الظاهري: يفسخ نكاح العبد بغير إذن سيّده؛ لأن العقد الفاسد لا تصح إجازته. ٥ - وجوب المهر: دلّ قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ على وجوب المهر في النكاح، وأنه للأمة، وهو مذهب مالك، لقوله تعالى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي بالشرع والسّنّة، وهذا يقتضي أنهنّ أحقّ بمهورهنّ من السّادة. وقال الشافعي: الصداق للسيّد؛ لأنه عوض فلا يكون للأمة؛ لأن الزواج إجازة المنفعة في الرقبة، وإنما ذكرت الأمة؛ لأن المهر وجب بسببها. ٦ - مقومات اختيار الأمة: ﴿مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ﴾ أي عفائف غير زوان أي معلنات بالزنى، ﴿وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ﴾ أصدقاء على الفاحشة. وكانت العرب تعيب الإعلان بالزنى، ولا تعيب اتّخاذ الأخدان، ثم رفع الإسلام جميع ذلك، بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ﴾ [الأنعام ١٥١/ ٦] كما قال ابن عباس وغيره. ٧ - حدّ الأمة الزّانية: تحدّ الأمة إذا زنت خمسين جلدة، وهي نصف عقوبة الحرّة الزّانية البكر، سواء أكانت متزوجة أم غير متزوّجة. أما حدّ المتزوّجة فلقوله تعالى: ﴿فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ﴾ [النساء ٢٥/ ٤] وإسلامها هو إحصانها في قول الجمهور، فلا تحدّ كافرة

стр. 1385

إذا زنت، وهو قول الشافعي فيما ذكر ابن المنذر. وقال آخرون: إحصانها التزوّج بحرّ، فإذا زنت الأمة المسلمة التي لم تتزوّج فلا حدّ عليها، وهو رأي سعيد بن جبير والحسن البصري وقتادة. وقالت فرقة: إحصانها التزوّج، إلا أن الحدّ واجب على الأمة المسلمة غير المتزوّجة بالسّنّة؛ كما في صحيح البخاري ومسلم أنه قيل: يا رسول الله، الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ فأوجب عليها الحدّ، كما قال الزّهري. فالمتزوّجة محدودة بالقرآن، والمسلمة غير المتزوّجة محدودة بالحديث. والسبب في الاكتفاء بجلد الأمة المتزوّجة (الثيّب): أنّ الرّجم الواجب على المحصنات (الحرائر) لا يتبعّض. والفائدة في نقصان حدهنّ أنهنّ أضعف من الحرائر. وعقوبة العبد مثل عقوبة الأمة، إذ الذكورة والأنوثة لا تؤدي إلى التفرقة في أحكام الأرقاء. ففي الآية ذكر حدّ الإماء خاصة، ولم يذكر حدّ العبيد، ولكن حدّ العبيد والإماء سواء: خمسون جلدة في الزنى، وفي القذف. وفي شرب الخمر في رأي الجمهور غير الشافعية: أربعون. وعليه فإن الإماء يدخلن في قوله ﵊: «من أعتق شركا له في عبد قوّم عليه نصيب شريكه» (١) وهذا هو القياس في معنى الأصل، أو قياس المساواة. ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ﴾ [النور ٤/ ٢٤] يدخل فيه المحصنون قطعا. هذا.. وأجمع العلماء على أن بيع الأمة الزّانية ليس بواجب لازم على سيّدها، وإن اختاروا له ذلك، لقوله ﵊: «إذا زنت أمة أحدكم، فتبيّن زناها، فليجلدها الحدّ ولا يثرّب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحدّ ولا يثرّب عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبيّن زناها فليبعها ولو بحبل من شعر» (٢).

стр. 1386

وقال أهل الظاهر بوجوب بيعها في الرابعة، لقوله: «فليبعها»، فعند تبدل الملاك تختلف عليها الأحوال. ٨ - الصبر على العزبة خير من نكاح الأمة: دلّ قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ على أفضلية العزوبة وكراهية نكاح الأمة؛ لأن زواج الأمة يفضي إلى إرقاق الولد (١)، ومغالبة النفس وكبح جماحها والصبر على مكارم الأخلاق أولى من معاشرة الإماء. قال عمر ﵁: «أيّما حرّ تزوّج بأمة فقد أرقّ نصفه» يعني يصيّر ولده رقيقا. وقد سبق ذكر الأحاديث في ذلك. وهذا يدلّ على أن العزل حقّ المرأة؛ لأنه لو كان حقّا للرجل لكان له أن يتزوّج ويعزل، فينقطع خوف إرقاق الولد في الغالب، وبه قال مالك (٢). أسباب الأحكام الشرعية السابقة ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (٢٧) يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (٢٨)﴾

стр. 1387

الإعراب: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ دخول اللام على المفعول المتأخر عن فعله المتعدي ضعيف أو ممتنع، وقد خرجه النحاة على مذاهب: فمذهب سيبويه وجمهور البصريين: أن مفعول ﴿يُرِيدُ﴾ محذوف، واللام للتعليل. وذهب بعض البصريين إلى أن الفعل مؤول بمصدر، على حد «تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه» والتقدير: إرادة الله كائنة للتبيين. وذهب الكوفيون: أنها اللام الناصبة للفعل، وأنها تقوم مقام «أن» في فعل الإرادة والأمر، فيقال: أردت أن تذهب، وأردت لتذهب، وأمرتك أن تقوم، وأمرتك لتقوم. وفي التنزيل: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ﴾ [الصف ٨/ ٦١]، ﴿وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الأنعام ٧١/ ٦]. ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً﴾ منصوب على الحال. المفردات اللغوية: ﴿سُنَنَ﴾ طرائق، جمع سنة: وهي الطريقة والشريعة. ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الأنبياء في التحليل والتحريم فتتبعوهم. ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ يرجع بكم عن معصيته التي كنتم عليها إلى طاعته. ﴿أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ يسهل عليكم أحكام الشرع. ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً﴾ عاجزا عن مخالفة نفسه وهواه. المناسبة: ذكر الله تعالى في هذه الآيات علل الأحكام السابقة المتعلقة بالبيوت والزواج وحكمها التي من أجلها شرعت، كما هو الشأن في القرآن، لتطمئن النفوس، وتعلم الفائدة من تلك الأحكام، وتقبل عليها ببواعث ذاتية، ونفس رضية منشرحة لما تقوم به؛ لأنها تحقق السعادة في الدّنيا والآخرة. التفسير والبيان: يريد الله بإنزال هذه الآيات أن يبيّن لكم التكاليف والأحكام الشرعية، ويميز فيها الحلال من الحرام، والحسن من القبيح، ويرشد إلى ما فيه المصلحة، ويهديكم إلى طرائق ومناهج الأنبياء والصالحين المتقدمين، لتقتفوا آثارهم،

стр. 1388

وتسيروا سيرتهم، فالشرائع والتكاليف وإن كانت مختلفة باختلاف الأحوال والأزمان، إلا أنها متفقة في مراعاة المصالح. ويريد الله أيضا أن يقبل توبتكم من الإثم والمحارم، أو يرشدكم إلى ما يمنع من المعاصي، أو إلى ما يكفّرها ويسترها ويذهب أثرها. والمختار عند المحققين أن الخطاب ليس عاما لجميع المكلفين، بل لطائفة معينة قد تاب الله عليهم في نكاح الأمهات والبنات وسائر المنهيات المذكورة في الآيات السابقة، وتابوا بالفعل؛ لأنه لو كان عامّا لعارضه حالات أناس لم يتوافر عندهم المراد وهو التوبة. والله ذو علم شامل لجميع الأشياء، فيعلم ما شرع لكم وما سار عليه من قبلكم وما ينفع عباده المؤمنين وما يضرّهم، وهو حكيم في شرعه وقدره وأفعاله وأقواله، يراعي الحكمة والمصلحة، ولا يكلّف بما فيه مشقة وضرر. ثم أكد الله تعالى إرادته قبول التوبة وتطهيركم وتزكية نفوسكم، وقارن بين تلك الإرادة المقترنة بالرحمة وبين إرادة الذين يتبعون الشهوات وهم الفسقة المنهمكون في المعاصي أو الزناة، وقيل: اليهود والنصارى أو المجوس الذين كانوا يحلّون الأخوات وبنات الإخوة والأخوات، فإنهم يريدون أن تميلوا مع أهوائهم ميلا عظيما، أي تنحرفوا معهم عن الحقّ إلى الباطل. ويريد الله بهذه الأحكام والتكاليف والشرائع والأوامر والنواهي التخفيف عنكم، فأباح لكم نكاح الإماء عند الضرورة، كما قال مجاهد وطاوس، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف ١٥٧/ ٧]، وقوله: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة ١٨٥/ ٢]، وقوله: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾

стр. 1389

[الحجّ ٧٨/ ٢٢]، و قوله ﷺ : «بعثت بالحنيفية السمحة» (١)، لأنه تعالى وإن حرم علينا بعض النساء، فقد أباح لنا أكثر النساء، وهكذا الحلال أكثر من الحرام في كل شيء. وأبان الله تعالى سبب التخفيف وهو: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً﴾ أي يستميله الهوى والشهوة، لا سيما في أمر النساء، ويستثيره الخوف والحزن، فهو عاجز عن مقاومة الأهواء، وتحمل مشاق الطاعات، لذا خفف الله عنه التكاليف، ورخّص له بعض الأحكام. ومن آفات الفسق تأثر أهل بيت الإنسان بالفسق والفجور؛ لأنه قدوة لهم، روى الطبراني عن جابر حديثا هو: «عفّوا تعفّ نساؤكم، وبرّوا آباءكم تبرّكم أبناؤكم». فقه الحياة أو الأحكام: أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ثماني آيات نزلت في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، وعدّ هذه الآيات الثلاث: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً﴾. والرابعة: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾ [النساء ٣١/ ٤]. والخامسة: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء ٤٠/ ٤]. والسادسة: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [النساء ١١٠/ ٤]. والسابعة: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء ٤٨/ ٤]. والثامنة: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [النساء ١٥٢/ ٤]. دلّت الآيات الثلاثة على ما يأتي:

стр. 1390

١ - سعة فضل الله ورحمته: إذ أنه تعالى يبيّن لخلقه أمر دينهم ومصالح دنياهم، وما يحل لهم وما يحرم عليهم. وهو دليل على امتناع خلو واقعة عن حكم الله تعالى، كقوله سبحانه: ﴿ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ٣٨/ ٦]. ٢ - ارتباط الماضي بالحاضر والمستقبل: إن منهج الاستقامة في العالم واحد، فهو سبحانه أراد أن يبيّن لخلقه طرق الذين من قبلهم من أهل الحق وأهل الباطل. ٣ - التجاوز عن الذنوب: فهو تعالى يريد توبة العباد، أي يقبلها، فيتجاوز عن الذنوب. ٤ - التخفيف في جميع أحكام الشرع: يريد الله في تشريعه التخفيف عن الناس. وهذا على الصحيح في جميع أحكام الشرع، وليس في نكاح الإماء فقط. ٥ - ضعف الإنسان: أي أن هواه يستميله، وشهوته وغضبه يستخفانه، وهذا أشد الضعف، فاحتاج إلى التخفيف. ومن أبرز مظاهر ضعفه: أنه لا يصبر عن النساء. وكان عبادة بن الصامت وسعيد بن المسيّب رغم تقدّم السّنّ يخشيان على أنفسهما من فتنة النساء. تحريم أكل المال بالباطل ومنع الاعتداء وإباحة التعامل بالتراضي ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً (٣٠)﴾

стр. 1391

الإعراب: ﴿تِجارَةً﴾ خبر تكون الناقصة، واسمها مضمر فيها وتقديره: إلاّ أن تكون التجارة تجارة. وأن تكون: في موضع نصب على الاستثناء المنقطع. وعلى قراءة الرفع: فاعل تكون التامة، ولا تفتقر إلى خبر. ﴿عُدْواناً وَظُلْماً﴾ منصوبان على المصدر في موضع الحال، كأنه قيل: ومن يفعل ذلك متعديا وظالما. المفردات اللغوية: ﴿لا تَأْكُلُوا﴾ أي لا تأخذوا، وعبّر عن الأخذ بالأكل لأنه المقصود المهم. ﴿بِالْباطِلِ﴾ بالحرام في الشرع كالرّبا والقمار والغصب. ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ﴾ أي لكن أن تكون الأموال أموال تجارة صادرة عن طيب نفس، فلكم أن تأكلوها. ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي لا يقتل بعضكم بعضا، أو لا تقتلوا أنفسكم بارتكاب ما يؤدي إلى هلاكها، أيّا كان في الدّنيا أو في الآخرة بقرينة. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ في منعه لكم من ذلك. ﴿عُدْواناً﴾ تعديا على غيره مع القصد، وتجاوزا مفرطا للحلال. ﴿وَظُلْماً﴾ هو تجاوز الحق بالفعل، وهو تأكيد ﴿نُصْلِيهِ ناراً﴾ ندخله ونحرقه بالنار. ﴿يَسِيراً﴾ هيّنا. المناسبة: ذكر الله تعالى هنا قاعدة التعامل العام في الأموال، بعد أن بيّن أحكام بعض المعاملات: وهي معاملة اليتامى، وإعطاء شيء من أموال اليتامى إلى أقاربهم إذا حضروا القسمة، ووجوب دفع مهور النساء. والسبب واضح وهو أن المال قرين الرّوح، والاعتداء عليه يورث العداوة، بل قد يجرّ إلى الجرائم، لذا أوجب الله تعالى تداوله بطريق التراضي لا بطريق الظلم والاعتداء.

стр. 1392

التفسير والبيان: ينهى الله تعالى كل واحد من المؤمنين عن أكل مال غيره بالباطل، وعن أكل مال نفسه بالباطل؛ لأن قوله تعالى: ﴿أَمْوالَكُمْ﴾ يقع على مال نفسه ومال غيره، فكل الأموال هي للأمة، وأكل مال نفسه بالباطل: إنفاقه في المعاصي، وأكل مال غيره بالباطل أي بأنواع المكاسب غير المشروعة كالرّبا والقمار والغصب والبخس، فالباطل: ما يخالف الشرع. وقال ابن عباس والحسن البصري: هو أن يأكل بغير عوض، فالباطل: ما يؤخذ بغير عوض. ويشمل الأكل بالباطل: كل ما يؤخذ عوضا عن العقود الفاسدة أو الباطلة، كبيع ما لا يملك، وثمن المأكول الفاسد غير المنتفع به كالجوز والبيض والبطيخ، وثمن ما لا قيمة له ولا ينتفع به كالقردة والخنازير والذباب والزنابير والميتة والخمر وأجر النائحة وآلة اللهو. فمن باع بيعا فاسدا وأخذ ثمنه، كان ثمنه حراما خبيثا وعليه ردّه. وإذا لم يجز أكل المال بالباطل وهو غير المشروع والمأخوذ من عين أو منفعة ظلما من غير مقابل، فيجوز أخذه بالتراضي الذي يقرّه الشرع، لذا قال الله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ﴾ أي ولكن كلوا الأموال بالتجارة القائمة على التراضي ضمن حدود الشرع، والتجارة تشمل عقود المعاوضات المقصود بها الربح، وخصّها بالذّكر من بين أسباب الملك لكونها أغلب وقوعا في الحياة العملية، ولأنها من أطيب وأشرف المكاسب، وأخرج الأصبهاني عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : «أطيب الكسب: كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يمدحوا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا كان لهم لم يعسروا».

стр. 1393

وليس كلّ تراض معترفا به شرعا، وإنما يجب أن يكون التراضي ضمن حدود الشرع، فالرّبا المأخوذ عن بيع فيه تفاضل أو بسبب قرض جرّ نفعا، والقمار والرّهان وإن تراضى عليه الطّرفان حرام لا يحلّ شرعا. وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ معناه في الظاهر النهي عن قتل المؤمن نفسه في حال غضب أو ضجر (وهو الانتحار)، كقوله ﷺ -فيما رواه الشيخان عن أبي هريرة-: «من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يجأ بها بطنه يوم القيامة في نار جهنم، خالدا مخلدا فيها أبدا». ولكن اتفق جمهور المفسرين على أن معناه: لا يقتل بعضكم بعضا، وإنما قال: ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ مبالغة في الزّجر، كما قال في الأموال: ﴿أَمْوالَكُمْ﴾. جاء في الحديث: «المؤمنون كالنفس الواحدة» (١). ولا مانع أن تكون الآية نهيا عن قتل الإنسان نفسه وعن قتل الآخرين، وعن كلّ ما يؤدي إلى الموت كتناول المخدرات والسموم الضارة والمجازفة في المهالك. والسبب في إيراد هذه الآية هنا في مجال الكلام عن المعاملات المالية: أنه لما كان المال شقيق الروح من حيث إنه سبب قوامها وبه صلاحها، حسن الجمع بين التوصية بحفظ المال والتوصية بحفظ النفس. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ تعليل للنهي السابق، أي إنما ينهاكم عن أكل الحرام وإهلاك الأنفس؛ لأنه لم يزل بكم رحيما. ومما يدلّ على حرمة المجازفة بالنفس في المهالك قوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة ١٩٥/ ٢]، و ما أخرجه أحمد وأبو داود عن عمرو بن العاص ﵁ أنه قال:

стр. 1394

لما بعثني النّبي ﷺ عام ذات السلاسل، احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، فلما قدمت على رسول الله ﷺ ذكرت ذلك له، فقال: يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟ قلت: نعم، يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية، فتيممت ثم صليت، فضحك رسول الله ﷺ ، ولم يقل شيئا. ففهم عمرو ﵁ أن الآية تتناول بعمومها مثل حالته، وأقرّه النّبي ﷺ على ذلك. ثم ذكر الله تعالى عقوبة قاتل الأنفس، وهي أن من يفعل ذلك المحرم-وهو قتل النفس؛ لأن الضمير المشار إليه يعود إلى أقرب مذكور-حال كونه معتديا ظالما، عاقبه الله على جرمه في الآخرة، بإدخاله نارا شديدة الإحراق، وذلك الإدخال هيّن سهل على الله، لا يمنعه منه مانع. وقد بيّنت أن العدوان: هو الإفراط في مجاوزة الحدّ، وأن الظلم: هو الجور ومجاوزة الحدّ أو وضع الشيء في غير موضعه. وقيد الوعيد بذكر العدوان والظلم ليخرج منه فعل السهو والغلط. فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآيتان على الأحكام الشرعية الآتية: ١ - تحريم أكل الأموال بالباطل أي بغير حق، وهو كل ما يخالف الشرع أو يؤخذ بغير عوض. وله أحوال كثيرة. وعبّر بكلمة ﴿أَمْوالَكُمْ﴾ للإشارة إلى أن مال الفرد هو مال الأمة، مع احترام الحيازة والملكية الخاصة وإباحة التصرف بالمملوك بحرية تامة، ما لم يكن هناك ضرر بالأمة أو بالمصلحة العامة.

стр. 1395

وكذلك مال الأمة هو مال الفرد، فعليه المحافظة على الأموال العامة كما يحافظ الشخص على أمواله الخاصة. وهذا يومئ إلى وجوب التكافل الاجتماعي بين الفرد والأمة، وبين الشخص والمجتمع، فعلى الأمة ممثلة بالدولة إشباع حاجة الفرد عند الضرورة، وعلى الفرد دعم الأمة بالإنفاق في سبيل الله والجهاد والمصالح العامة، لتتمكن الأمة من الدفاع عن مصالح الأفراد، وحماية البلاد والأموال والأشخاص. ولكن ليس للمحتاج أن يأخذ شيئا من أموال الآخرين إلا بإذنهم، صونا للأموال، ومنعا للفساد والفوضى، ومنعا لانتشار البطالة وشيوع روح الكسل بين الأشخاص. ٢ - إباحة جميع أنواع التجارات (أي عقود المعاوضات التي يقصد بها الربح) بشرط التراضي بين العاقدين. وذلك يشمل البيع والعطاء، فكل معاوضة تجارة على أي وجه كان العوض، إلا أن قوله ﴿بِالْباطِلِ﴾ أخرج منها كل عوض لا يجوز شرعا من ربا أو جهالة أو تقدير عوض فاسد كالخمر والخنزير ونحوهما، وخرج منها أيضا كل عقد جائز لا عوض فيه، كالقرض والصدقة وهبة التبرع. روى ابن جرير الطبري عن ميمون بن مهران قال: قال رسول الله ﷺ : «البيع عن تراض، والخيار بعد الصفقة، ولا يحلّ لمسلم أن يغش مسلما» (١). ومن تمام التراضي إثبات خيار المجلس، الذي قال به الشافعي وأحمد والليث وغيرهم، لما ثبت في الصحيحين: أن رسول الله ﷺ قال: «البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا» وفي لفظ البخاري: «إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا» يعني أن الآية مخصوصة بالحديث.

стр. 1396

ومن ذلك مشروعية خيار الشرط بعد العقد إلى ثلاثة أيام، وحسبما يتبيّن فيه مال البيع، ولو إلى سنة في القرية ونحوها في مشهور مذهب مالك ﵀. ومن التراضي الضمني: بيع المعاطاة مطلقا فهو صحيح في رأي الجمهور غير الشافعي. وأما الحنفية والمالكية فلم يقولوا بمشروعية خيار المجلس؛ لأن الآية تقتضي حلّ التّصرف في المبيع بوقوع البيع عن تراض، سواء أتفرق المتبايعان أم لم يتفرّقا، فإن الذي يسمّى تجارة في عقد البيع إنما هو الإيجاب والقبول، وليس التفرق والاجتماع من التجارة في شيء. وخصص من التجارات أشياء إما بالقرآن وإما بالسنّة، فالخمر والميتة والخنزير وسائر المحرّمات في الكتاب لا يجوز الاتّجار فيها؛ لأن إطلاق لفظ التحريم يقتضي أن سائر وجوه الانتفاع محرمة، ولأن رسول الله ﷺ جعل النّهي عن الشّحوم نهيا عن أكل ثمنها، ففي الحديث الصحيح: «لعن الله اليهود حرّمت عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا ثمنها». ونهى رسول الله ﷺ عن بيع المنابذة والملامسة وبيع الحصاة وبيع العبد الآبق، وبيع الغرر، وبيع ما لم يقبض، وبيع ما ليس عند الإنسان، ونحوها من البيوع المجهولة أو المعقودة على غرر. كلّ ذلك مخصوص من ظاهر قوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ﴾. ٣ - الترغيب في التجارة: أباحت الآية التجارة ورغّبت فيها، لشدة حاجة الناس إليها، بدليل أن مدار حلّها على تراضي المتبايعين، أما الغش والكذب والتدليس فيها فهي محرّمة.

стр. 1397

وفي الآية إيماء إلى أن جميع ما في الدّنيا من التجارة وما في معناها من قبيل الباطل الزائل الذي لا ثبات له ولا بقاء، فلا ينبغي أن يشغل العاقل بها عن الاستعداد للآخرة، لقوله تعالى: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ [النور ٣٧/ ٢٤]، و روى الدارقطني عن ابن عمر من قوله ﷺ : «التاجر الصدوق الأمين المسلم مع النّبيين والصّدّيقين والشهداء يوم القيامة». وفي الآية أيضا إشارة إلى أن معظم التجارات مشتملة على الأكل بالباطل؛ للطمع في أخذ الأرباح الفاحشة، ولزخرفة البضاعة بمختلف الأساليب، ولاقترانها بالأيمان الكاذبة غالبا، لذا فإنها تحتاج إلى المسامحة والصدقة، قال ﵊-فيما رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن قيس بن أبي غرزة-: «يا معشر التجار، إن بيعكم هذا يحضره اللغو والكذب، فشوّبوه بالصدقة» ويلاحظ أن الأكل من غير إذن من المشتريات في الأسواق قبل تمام الشراء لا يحل، وفيه شبهة، فربما لا يتم الشراء. والجمهور على جواز الغبن في التجارة، مثل أن يبيع رجل ياقوتة بدرهم، وهي تساوي مائة، فذلك جائز. وقالت فرقة: الغبن إذا تجاوز الثلث مردود، وإنما أبيح منه المتقارب المتعارف في التجارات، وأما المتفاحش الفادح فلا. قال ابن وهب من أصحاب مالك ﵀: والأول أصح، لقوله ﵊ في حديث الأمة الزانية: «فليبعها ولو بضفير» أي بحبل، وقوله ﵇ لعمر: «لا تبتعه -يعني الفرس-ولو أعطاكه بدرهم واحد» وقوله ﵊ فيما رواه الجماعة إلا البخاري عن جابر: «لا يبع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» وليس فيه تفصيل بين القليل والكثير من ثلث وغيره. ٤ - التراضي أساس العقود: لقوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ

стр. 1398

مِنْكُمْ﴾ أي عن رضى، فلا يصح العقد بالإكراه أو الإجبار. ٥ - تحريم قتل النفس (الانتحار) وتحريم قتل أنفس الآخرين، أجمع أهل التأويل على أن المراد بآية ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ النهي أن يقتل بعض الناس بعضا. ثم لفظها يتناول أن يقتل الرجل نفسه بقصد منه للقتل، في الحرص على الدنيا وطلب المال، بأن يحمل نفسه على الغرر المؤدي إلى التلف. ويحتمل أن يقال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ في حال ضجر أو غضب، فهذا كله يتناوله النهي. ٦ - عقوبة القتل وأكل المال بالباطل: دلت آية: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ.﴾. على تحريم قتل النفس؛ لأنه أقرب مذكور، وربما دل على تحريم كل ما سبق من أكل المال بالباطل وقتل النفس؛ لأن النهي عنهما جاء عقبهما، ثم ورد الوعيد بحسب النهي. وقيل: هو عام على كل ما نهي عنه من القضايا، من أول السورة إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ﴾. وقال الطبري: ﴿ذلِكَ﴾ عائد على ما نهي عنه من آخر وعيد، وذلك قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً﴾ [الآية ١٩] لأن كل ما نهي عنه من أول السورة قرن به وعيد، إلا قوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ.﴾. فإنه لا وعيد بعده إلا قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً﴾. جزاء اجتناب الكبائر ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً (٣١)﴾

стр. 1399

الإعراب: ﴿مُدْخَلاً﴾ مصدر أدخل، ومن قرأ بالفتح جعله مصدر دخل. ويجوز أن يكون ﴿مُدْخَلاً﴾ اسم المكان المدخول، والمراد به هاهنا الجنة. المفردات اللغوية: ﴿تَجْتَنِبُوا﴾ تتركوا الشيء جانبا، واجتناب الشيء: تركه والابتعاد عنه، كأنه ترك جانبه وناحيته ﴿كَبائِرَ﴾ جمع كبيرة: وهي المعصية العظيمة: وهي التي ورد عليها وعيد أو حد في القرآن أو السنة كالقتل والزنى والسرقة، وهي سبعون كبيرة كما في كتاب الكبائر للذهبي، وعن ابن عباس: هي إلى السبعمائة ﴿نُكَفِّرْ﴾ نغفر ونمح ﴿سَيِّئاتِكُمْ﴾ صغائركم، وغفرانها ومحوها بالطاعات ﴿مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ بضم الميم: إدخالا، وبفتحها: موضعا أو مكانا كريما أي طيبا وهو الجنة. المناسبة: نهى الله فيما سبق عن أكل أموال الناس بالباطل وعن قتل النفس بغير حق، وتوعد على ذلك بنار جهنم، ثم نهى في هذه الآية نهيا عاما عن كل كبيرة، ووعد الممتثل بالجنة. التفسير والبيان: إن اجتنبتم وابتعدتم عن كبائر الآثام التي نهيتم عنها، كفّرنا عنكم صغائر الذنوب، وأدخلناكم الجنة. ما المقصود بالكبائر والصغائر؟ اتفق جمهور العلماء على أن الذنوب نوعان: كبائر وصغائر. والكبائر: هي كل معصية اقترنت بالوعيد الشديد أو أوجبت الحد. وقيل: إنها سبع؛ لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم،

стр. 1400

والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات». ورويت روايات أخرى تجعل من الكبائر عقوق الوالدين، وشهادة الزور؛ لأن الرسول ﷺ كان يذكر في كل مقام ما يناسبه، وليس ذلك للحصر. وقيل: تسع، وقيل: عشر، وقيل: أكثر، فقد روى عبد الرزاق عن ابن عباس أنه قيل له: هل الكبائر سبع؟ فقال: هي إلى السبعين أقرب. وروى سعيد بن جبير أنه قال: إلى السبعمائة أقرب. أما الصغائر أو السيئات: فهي التي لم تقترن بوعيد شديد أو بحدّ، كالنظر إلى المرأة الأجنبية والقبلة. وتصبح الصغائر مع الإصرار والاستهتار كبائر، فتطفيف الكيل والميزان، والهمز واللمز (الطعن في كرامات الناس) لمن أصرّ عليه، كبيرة. واجتناب الكبائر يكفّر الصغائر بشرطين: أولا-إذا كان الاجتناب مع القدرة والإرادة، كمن يأبى معاشرة امرأة دعته إلى نفسها، خوفا من الله، لا لشيء آخر. وثانيا-مع إقامة الفرائض، روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفّرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» فمن اجتنب ترك الصلاة واجتنب الكبائر، كفرت سيئاته الصغائر، فدل الحديث على أن ترك إقامة الصلاة من الكبائر. ويمكن تكفير المعاصي التي تحدث عن جهل أو لظرف طارئ كثورة أو غضب بالندم والتوبة. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية على أن في الذنوب كبائر وصغائر، وعلى هذا جمهور الفقهاء والمفسرين.

стр. 1401

ودلت أيضا على أن الله تعالى يغفر الصغائر كاللمسة والنظرة باجتناب الكبائر، لكن بضميمة أخرى إلى الاجتناب وهي إقامة الفرائض، كما بينت في تفسير الآية. عن قتادة: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾: إنما وعد الله المغفرة لمن اجتنب الكبائر، وذكر لنا أن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا الكبائر، وسددوا، وأبشروا». ورأى الأصوليون: أنه لا يجب على القطع تكفير الصغائر باجتناب الكبائر، وإنما محمل ذلك على غلبة الظن، وقوة الرّجاء، وكون المشيئة الإلهية ثابتة. والكبيرة كما قال ابن عباس: كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب. وقال ابن مسعود: الكبائر: ما نهى الله عنه في هذه السورة إلى ثلاث وثلاثين آية، وتصديقه قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾. وقال طاوس: قيل لابن عباس كما تقدم: الكبائر سبع؟ قال: هي إلى السبعين أقرب. وقال سعيد بن جبير: قال رجل لابن عباس: الكبائر سبع؟ قال: هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبع؛ غير أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار. ومن أمثلة الكبائر: الشرك بالله، والكفر بآيات الله ورسله، والسحر، وقتل الأولاد، ومن ادعى لله ولدا أو صاحبة، وقتل النفس بغير الحق، والزنى، واللواطة، والقمار، وشرب الخمر، والسرقة، وأخذ المال غصبا، والقذف، وأكل الربا، والإفطار في رمضان بلا عذر، واليمين الفاجرة، وقطع الرحم، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، والخيانة في الكيل والوزن، وتقديم الصلاة على وقتها، وتأخيرها عن وقتها بلا عذر، وضرب المسلم بلا حق، والكذب على رسول الله ﷺ عمدا، وسب أصحابه،

стр. 1402

وشهادة الزور، وسب الإنسان أبويه، وكتمان الشهادة بلا عذر، وأخذ الرشوة، والقيادة بين الرجال والنساء، والسعاية عند السلطان، ومنع الزكاة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة، ونسيان القرآن بعد تعلمه، وإحراق الحيوان بالنار، وامتناع المرأة من زوجها بلا سبب، واليأس من رحمة الله، والأمن من مكر الله، والظهار، وأكل لحم الخنزير والميتة إلا عن ضرورة. قال ابن مسعود: خمس آيات من سورة النساء هي أحب إليّ من الدنيا جميعا: قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية. وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾. وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ الآية. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ الآية. النهي عن التمني (الحسد) وسؤال الله تعالى من فضله ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٣٢)﴾ الإعراب: ﴿وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ مفعوله محذوف لإفادة العموم، أي واسألوا الله ما شئتم من إحسانه الزائد وإنعامه المتكاثر.

стр. 1403

البلاغة: يوجد إطناب في قوله: ﴿نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾ .. و ﴿نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾. ﴿مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾ فيه استعارة تبعية، شبه استحقاقهم للإرث وتملكهم له بالاكتساب، واشتق من لفظ الاكتساب: اكتسبوا. وهذا على رأي ابن عباس أن المراد بذلك الميراث. المفردات اللغوية: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا﴾ التمني: طلب حصول الأمر المرغوب فيه، مما يعلم أو يظن أنه لا يكون. ﴿ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ من جهة الدنيا أو الدين لئلا يؤدي إلى التحاسد والتباغض. ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾ حظ ﴿مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾ بسبب ما عملوا من الجهاد وغيره ﴿وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ من طاعة أزواجهن وحفظ فروجهن. ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي إحسانه ونعمه، فإذا سألتم ما احتجتم إليه يعطكم ﴿إِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ ومنه محل الفضل وسؤالكم. سبب النزول: روى الترمذي والحاكم عن أم سلمة أنها قالت: يغزو الرجال ولا يغزو النساء، وإنما لها نصف الميراث، فأنزل الله: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ﴾. وأنزل فيها: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أتت امرأة النبي ﷺ فقالت: يا نبي الله، للذكر مثل حظ الأنثيين، وشهادة امرأتين برجل، أفنحن في العمل هكذا؟ إن عملت المرأة حسنة كتبت لها نصف حسنة، فأنزل الله: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا﴾ الآية. المناسبة: ينهى الله المؤمنين عن بعض أفعال القلوب وهو الحسد، ليطهر باطنهم، بعد أن نهاهم عن أكل الأموال بالباطل، وقتل النفس، وهما من أفعال الجوارح الظاهرة، ليطهر ظاهرهم. ولما فضل الله الرجال في الميراث، جاءت هذه الآية

стр. 1404

تنهى عن تمني ما خص الله به كلا من الجنسين؛ لأنه سبب للحسد والبغضاء. التفسير والبيان: ينهى الله المؤمنين عن التحاسد وعن تمني ما فضل الله به بعض الناس على بعض من الجاه والمال؛ لأن ذلك التفضيل قسمة من الله صادرة عن حكمة وتدبير وعلم بأحوال العباد وبما يصلح المقسوم له من بسط في الرزق أو قبض، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى ٢٧/ ٤٢] فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم له، علما بأن ما قسم له هو مصلحته، ولو كان خلافه لكان مفسدة له، ولا يجوز له أن يحسد أخاه على حظه. وظاهر الآية يدل على أنه ليس لأحد أن يتمنى ما هو مختص بالآخر من المال والجاه وكل ما فيه تنافس، فإن التفاضل قسمة صادرة من حكيم خبير كما قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ [الزخرف ٣٢/ ٤٢]. قال ابن عباس: لا يقل أحدكم: ليت ما أعطي فلأن من المال والنعمة والمرأة الحسناء كان عندي، فإن ذلك يكون حسدا، ولكن ليقل: اللهم أعطني مثله، أي أن الحسد ممنوع والغبطة جائزة. فعلى كل إنسان أن يرضى بما قسم الله له، ولا يحسد غيره؛ لأن الحسد أشبه شيء بالاعتراض على من أتقن كل شيء وأحكمه. وقدر بعضهم محذوفا في الكلام فقال: ولا تتمنوا مثل ما فضل الله به بعضكم على بعض؛ لأنه ليس المقصود طلب زوال النعمة عن الغير، وإنما هو طلب نعمة خاصة أن تكون له. وعلى هذا يكون تمني مثل ما للغير منهيا عنه؛ لأنه قد يكون ذريعة إلى الحسد، فليس للإنسان أن يقول: اللهم أعطني دارا مثل دار فلان، ولا ولدا مثل ولده، بل يقول: اللهم أعطني ما يكون صلاحا لي في ديني ودنياي ومعادي ومعاشي.

стр. 1405

والتأويل الأول أولى لقوله ﷺ : «لا يتمنّ أحد مال أخيه، ولكن ليقل: اللهم ارزقني، اللهم أعطني مثله». وفي الجملة: ينهى الله تعالى كل إنسان أن يتمنى ما فضل الله به غيره، بل الواجب عليه أن يعمل ما في جهده ويجد ويجتهد، وحينئذ يكون التفاضل بالأعمال الكسبية، ولكل من الرجال والنساء ثمرة مكاسبهم، والله تعالى جعل ما قسم لكل من الرجال والنساء على حسب ما عرف من حاله الموجبة للبسط أو القبض كسبا له، وما كان خاصا بالرجال من الأعمال لهم نصيب من أجره لا يشاركهم فيه النساء، وما كان خاصا بالنساء لهن نصيب من أجره لا يشاركهن فيه الرجال. أي أن الثواب على العمل بحسب ما يتناسب مع طبيعة كل من الرجل والمرأة. وقال ابن عباس: المراد بذلك الميراث، والاكتساب على هذا القول بمعنى الإصابة. ثم أراد الله تعالى توجيه الأنظار إلى مصدر الفضل والإحسان والإنعام، فقال: ﴿وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي أسألوا الله ما شئتم من الإحسان والإنعام، فإنه تعالى يعطيكموه إن شاء، وخزائنه ملأى لا تنفد، فلا تتمنوا نصيب غيركم، ولا تحسدوا أحدا، ولا تتمنوا ما فضلنا به بعضكم على بعض؛ لأن التمني لا يجدي شيئا. روى الترمذي وابن مردويه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «سلوا الله من فضله، فإن الله يجب أن يسأل، وإن أفضل العبادة انتظار الفرج» وأخرج ابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يسأل الله يغضب عليه». ومعنى قوله: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ أنه تعالى عليم بمن يستحق الدنيا فيعطيه منها، وبمن يستحق الفقر فيفقره، وبمن يستحق الآخرة فيقيّضه
следующие страницы →