المخالفين أوامر الله ونواهيه.
أما رفع جبل الطور فوق اليهود كالمظلة: فكان إنذارا وإرهابا وتخويفا، وهذه الآية تفسر معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف ١٧١/ ٧] قال أبو عبيدة: المعنى زعزعناه فاستخرجناه من مكانه.
واختلف في الطور: فقيل عن ابن عباس: الطور: اسم للجبل الذي كلّم الله عليه موسى ﵇، وأنزل عليه فيه التوراة دون غيره. وقال مجاهد وقتادة: أي جبل كان.
وسبب رفع الطور: أن موسى ﵇ لما جاء بني إسرائيل من عند الله بالألواح فيها التوراة، قال لهم: خذوها والتزموها، فقالوا: لا! إلا أن يكلمنا الله بها كما كلمك، فصعقوا ثم أحيوا، فقال لهم: خذوها، فقالوا: لا. فأمر الله الملائكة فاقتلعت جبلا من جبال فلسطين طوله فرسخ (١) في مثله، وكذلك كان عسكرهم، فجعل عليهم مثل الظّلة، وأتوا ببحر من خلفهم، ونار من قبل وجوههم، وقيل لهم: خذوها وعليكم الميثاق ألا تضيعوها، وإلا سقط عليكم الجبل. فسجدوا توبة لله، وأخذوا التوراة بالميثاق. قال الطبري عن بعض العلماء: لو أخذوها أول مرة لم يكن عليهم ميثاق (٢). وكان سجودهم على شقّ، لأنهم كانوا يرقبون الجبل خوفا، فلما ﵏ قالوا: لا سجدة أفضل من سجدة تقبّلها الله ورحم بها عباده، فجعلوا سجودهم على شق واحد.
قال ابن عطية: والذي لا يصح سواه أن الله تعالى اخترع وقت سجودهم الإيمان في قلوبهم، لا أنهم آمنوا كرها، وقلوبهم غير مطمئنة بذلك.
стр. 177
وروي عن مجاهد سبب آخر لرفع الطور قال: أمر موسى قومه أن يدخلوا الباب سجدا، ويقولوا: حطة، وطوطئ لهم الباب ليسجدوا، فلم يسجدوا، ودخلوا على أدبارهم، وقالوا: حنطة، فنتق فوقهم الجبل (١).
وأما المسخ: فرأى الجمهور أن الله تعالى مسخ المعتدين من اليهود بصيد السمك يوم السبت، وكان العمل فيه محرما من قبل موسى ﵇، قال قتادة: صار الشبان قردة، والشيوخ خنازير، فما نجا إلا الذين نهوا-وهي الفرقة التي نهت اليهود عن المخالفة وجاهرت بالنهي واعتزلت-وهلك سائرهم.
وروي عن مجاهد في تفسير هذه الآية: أنه إنما مسخت قلوبهم فقط، وردّت أفهامهم كأفهام القردة.
وأما عظة المخالفين: فإن الله تعالى جعل عقوبة المسخ للعصاة الذين اعتدوا في السبت وصادوا السمك فيه بحيلة، وقد ذكرها الله تعالى في سورة [الأعراف ١٦٣/ ٧] وهي قوله سبحانه: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ، إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ، إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً، وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ، كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أي إنهم اتخذوا حواجز أو أحواضا أمام مدّ مياه البحر، فإذا رجعت المياه بالجزر، بقيت الأسماك محجوزة في الأحواض، فيأتون في صبيحة يوم الأحد ويأخذونها.
كذلك كانت عقوبة اليهود الذين امتنعوا من العمل بالتوراة، فنسوها وضيعوها، ولم يتدبروها ولم يحفظوا أوامرها ووعيدها، كانت عقوبتهم رفع جبل الطور فوقهم كالمظلة.
وهذا يدل على أن المقصود بالكتب السماوية العمل بمقتضاها، لا تلاوتها باللسان وترتيلها، فإن ذلك نبذ لها.
стр. 178
وهذا يعني أن مجرد التغني بألفاظ القرآن، دون الاعتبار بعظاته، والعمل بأحكامه، لا يفيد شيئا.
روى النسائي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «إن من شرّ الناس رجلا فاسقا يقرأ القرآن، لا يرعوي إلى شيء منه» فبين ﷺ أن المقصود بالكتب الإلهية العمل بها، كما بينا.
قصة ذبح البقرة
﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٦٧) قالُوا اُدْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ (٦٨) قالُوا اُدْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ (٦٩) قالُوا اُدْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنّا إِنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (٧١) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادّارَأْتُمْ فِيها وَاللهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾
стр. 179
الإعراب:
﴿لا فارِضٌ﴾ إما خبر مبتدأ محذوف، وتقديره: لاهي فارض، أو صفة بقرة.
و ﴿بِكْرٌ﴾ عطف عليه في الوجهين، وهذان الوجهان في قوله: ﴿عَوانٌ﴾ وقال: ﴿بَيْنَ ذلِكَ﴾ ولم يقل: بين ذينك، لأنه أراد بين هذا المذكور. ﴿ما تُؤْمَرُونَ﴾ أي تؤمرون به، مثل ﴿فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ [الحجر ٩٤/ ١٥] أي بالذي تؤمر به.
﴿ما لَوْنُها﴾ ما: مبتدأ و «لونها» خبره، ويجوز العكس. ﴿صَفْراءُ﴾ صفة لبقرة ﴿لَوْنُها﴾ مرفوع بفاقع، ارتفاع الفاعل بفعله. ويجوز كونه مستأنفا مبتدأ، وخبره: ﴿تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ وجاز جعل الخبر ﴿تَسُرُّ﴾ بلفظ التأنيث، إما لأن اللون بمعنى الصفرة أي صفرتها تسر، والحمل على المعنى كثير في كلامهم، وإما لأنه أضيف اللون إلى مؤنث، والمضاف يكتسب من المضاف إليه التأنيث، كقراءة «تلتقطه بعض السيّارة» وقد قالوا: ذهبت بعض أصابعه.
﴿لا ذَلُولٌ﴾ إما صفة بقرة، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: لا هي ذلول، وهذان الوجهان في قوله: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ وكذلك في قوله: ﴿لا شِيَةَ فِيها﴾ إلا أنه يكون خبرا ثانيا ل «هي» المقدرة، والهاء في «شية» عوض عن الواو، وأصله: وشي.
﴿الْآنَ﴾ ظرف زمان للوقت الحاضر، وهو مبني.
﴿كَذلِكَ﴾ الكاف الأولى كاف تشبيه في موضع نصب، لأنها صفة مصدر محذوف، وتقديره: يحيي الله الموتى إحياء مثل ذلك.
﴿بِغافِلٍ﴾ في موضع نصب على لغة الحجازيين، وفي موضع رفع على لغة تميم.
البلاغة:
﴿فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ فيه إيجاز بالحذف، والتقدير: فطلبوا البقرة الجامعة للأوصاف المطلوبة ووجدوها، فلما اهتدوا إليها ذبحوها.
﴿وَاللهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ جملة اعتراضية بين قوله: ﴿فَادّارَأْتُمْ﴾ وقوله ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ﴾. وفائدة الاعتراض إشعار المخاطبين بأن الحقيقة ستنجلي حتما.
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ استعارة تصريحية، وصف القلوب بالصلابة والغلظ، وأريد منه: نبوّها
стр. 180
عن الاعتبار وعدم الاتعاظ ﴿فَهِيَ كَالْحِجارَةِ﴾ تشبيه مرسل مجمل، لأن أداة الشبه مذكورة، ووجه الشبه محذوف.
﴿لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ﴾ مجاز مرسل أي ماء الأنهار من قبيل إطلاق المحل وإرادة الحال فيه.
المفردات اللغوية:
﴿هُزُواً﴾: مهزوءا بنا أو سخرية، حيث تطلب منا ذبح بقرة. ﴿أَعُوذُ﴾ أمتنع ﴿الْجاهِلِينَ﴾ المستهزئين في موضع الجد.
﴿لا فارِضٌ﴾ مسنة. ﴿وَلا بِكْرٌ﴾ فتية صغيرة ﴿عَوانٌ﴾ نصف بين الصغيرة والكبيرة ﴿بَيْنَ ذلِكَ﴾ المذكور من السنين ﴿ما تُؤْمَرُونَ﴾ به من ذبحها.
﴿فاقِعٌ لَوْنُها﴾ شديدة الصفرة ﴿تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ إليها بحسنها، أي تعجبهم.
﴿ما هِيَ﴾ أسائمة أم عاملة ﴿إِنَّ الْبَقَرَ﴾ جنسه المنعوت بما ذكر ﴿تَشابَهَ عَلَيْنا﴾ لكثرته، فلم نهتد إلى المقصود ﴿إِنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ إليها،
ورد في الحديث النبوي: «لو لم يستثنوا-أي يقولوا: إن شاء الله-لما بينت لهم آخر الأبد».
﴿لا ذَلُولٌ﴾ ليست مذللة بالعمل. ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ تقلبها للزراعة أي تحرث الأرض والجملة صفة ذلول، داخلة في النفي ﴿وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ الأرض المهيأة للزراعة ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ سليمة من العيوب وآثار العمل ﴿لا شِيَةَ﴾ لا لون غير لونها، ولا لمعة فيها من لون آخر، سوى الصفرة، فهي صفراء كلها، حتى قرنها وظلفها، وهي في الأصل مصدر: وشى وشيا: إذا خلط بلونه لونا آخر. ﴿قالُوا: الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ نطقت بالبيان التام، فطلبوها فوجدوها عند الفتى البار بأمه، فاشتروها بملء جلدها ذهبا ﴿فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ لغلاء ثمنها،
ورد في الحديث النبوي: «لو ذبحوا أي بقرة كانت، لأجزأتهم، ولكن شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم».
﴿فَادّارَأْتُمْ﴾ تدارأتم بمعنى تخاصمتم وتدافعتم ﴿وَاللهُ مُخْرِجٌ﴾ مظهر ﴿تَكْتُمُونَ﴾ من أمرها.
﴿اِضْرِبُوهُ﴾ القتيل. ﴿بِبَعْضِها﴾ فضرب بلسانها أو عجب ذنبها، فحيي وقال: قتلني فلان وفلان وكانا ابني عمه، فحرما الميراث وقتلا. ﴿تَعْقِلُونَ﴾ تتدبرون فتعلمون أن القادر على إحياء نفس واحدة، قادر على إحياء نفوس كثيرة فتؤمنون.
стр. 181
المناسبة:
ترتبط هذه الآيات بما قبلها التي ذكر فيها بعض جرائم اليهود، من نقض الميثاق، والاعتداء في السبت، والتمرد في تطبيق التوراة، فهي استمرار في تعداد مساوئهم، وهي مخالفتهم الأنبياء ومعاندة الرسل ﵈، والتلكؤ في امتثال أوامر الله تعالى.
سبب القصة:
روى ابن أبي حاتم عن عبيدة السلماني قال: «كان رجل من بني إسرائيل عقيما لا يولد له، وكان له مال كثير، وكان ابن أخيه وارثه، فقتله، ثم احتمله ليلا، فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يدعيه عليهم، حتى تسلحوا وركب بعضهم على بعض.
فقال ذوو الرأي منهم والنّهى: علام يقتل بعضكم بعضا، وهذا رسول الله فيكم؟ فأتوا موسى ﵇، فذكروا ذلك له، فقال: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً.﴾. قال: فلو لم يعترضوا لأجزأت عنهم أدنى بقرة، ولكنهم شددوا، فشدد عليهم، حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها، فوجدوها عند رجل ليس له بقرة غيرها.
فقال: والله، لا أنقصها من ملء جلدها ذهبا، فأخذوها بملء جلدها ذهبا، فذبحوها، فضربوه ببعضها، فقام، فقالوا: من قتلك؟ فقال: هذا- لابن أخيه، ثم مال ميتا، فلم يعط من ماله شيئا، فلم يورث قاتل بعد (١)، و
في رواية: «فأخذوا الغلام فقتلوه».
стр. 182
التفسير والبيان:
واذكروا أيها اليهود وقت قول موسى لقومه أسلافكم: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ أي بقرة كانت، فلم يمتثلوا، وشددوا، فشدد الله عليهم. وقالوا:
أتهزأ بنا يا موسى، نسألك عن أمر القتل، فتأمرنا بذبح بقرة! قال: ألتجئ إلى الله من الهزء والسخرية بالناس في موضع الجد، إذ هو في مقام تبليغ أحكام الله دليل السفه والجهل.
فلما رأوه جادا، سألوه عن صفاتها المميزة لها، وأكثروا من الأسئلة، فسألوه عن سنها، فقال لهم: إنها ليست صغيرة ولا كبيرة، بل وسط بين الأمرين، فامتثلوا الأمر، ولا تشدّدوا فيشدد الله عليكم.
ولكنهم تعنتوا، فسألوه عن لونها، فقال: إنها صفراء شديدة الصفرة تسر الناظر إليها، فلم يكتفوا بذلك، بل طالبوا بأوصاف مميزة أخرى، وقالوا معتذرين: إن البقر كثير متشابه علينا، وإنا إن شاء الله لمهتدون إلى المطلوب،
روي أنه ﷺ قال: «لو لم يستثنوا ويقولوا: إن شاء الله، لما تبينت لهم آخر الأبد».
قال: إن الله يقول: إنها بقرة لم تذلل بالعمل في الحراثة والسقي، وهي سالمة من العيوب، ولا لون فيها غير الصفرة الفاقعة.
قالوا: إنك الآن جئت بإظهار الحقيقة الواضحة. فطلبوها، فلم يجدوها إلا عند يتيم صغير بار بأمه، فساوموه، فتغالى، حتى اشتروها بملء جلدها ذهبا.
وما كان امتثالهم قريب الحصول. قال ابن عباس: «لو ذبحوا أي بقرة أرادوا لأجزأتهم، ولكن شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم».
واذكروا أيها اليهود المعاصرون حين قتلتم نفسا، وهذا من قبيل التأخير لفظا والتقديم معنى للتشويق في معرفة سبب ذبح البقرة، وأسند القتل إلى
стр. 183
المعاصرين للنّبي ﷺ ، لأنهم من سلالة السابقين، وهم معتزون بنسبهم، راضون بفعلهم. وكذلك أسند القتل إلى الأمة والقاتل واحد، لأن الأمة متضامنة، وهي في مجموعها كالشخص الواحد، فيؤخذ المجموع بجريرة الواحد، وفيه توبيخ وتقريع للغابرين والحاضرين، والجماعة والأفراد.
واذكروا حادثة القتل في تاريخكم، وتخاصمكم وتدافعكم في شأنه، فكل واحد يدرأ القتل عن نفسه ويدعي البراءة ويتهم سواه، والله أنكر فعلهم وكتمانهم، وأنتم اليوم تكتمون ما عندكم من أوصاف النّبي ﷺ ، والله مظهر لا محالة ما تكتمونه وتسترونه من أمر القتل، فقلنا: اضربوا القتيل ببعض أجزاء البقرة المذبوحة، فضربوه، فأحياه الله، وأخبر عن القتلة. ومثل ذلك الإحياء العجيب، يحيي الله الموتى يوم القيامة، فيجازي كل إنسان بعمله، وكذلك يريكم الله آياته الواضحة الدالة على صدق القرآن والنّبي، حيث يخبر بالمغيبات، كي تعقلوا وتؤمنوا بالنبي والقرآن، لعلكم تفقهون أسرار الشريعة وفائدة الخضوع لها، وتمنعون أنفسكم من اتباع أهوائها، وتطيعون الله فيما يأمركم به.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه القصة فيها العبرة والعظة ببيان بعض مساوئ اليهود ومواقفهم المتشددة والمعاندة، وأهم العظات ما يلي:
١ - ليس التشدد في الدين محمودا، وليس الإلحاف في كثرة السؤال مرغوبا فيه، لذا نهانا الله تعالى عن ذلك وقت نزول القرآن، بقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة ١٠١/ ٥]
وقوله ﷺ -فيما رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص: «إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما: من سأل عن شيء لم يحرّم على المسلمين، فحرّم عليهم من أجل مسألته»
وقوله ﵇ فيما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما
стр. 184
أمرتكم به، فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم»
وقوله أيضا فيما رواه البخاري ومسلم: «... وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» والسؤال المنهي عنه: مثل السؤال عما أخفاه الله تعالى عن عباده ولم يطلعهم عليه، كالسؤال عن قيام الساعة، وعن حقيقة الروح، وعن سر القضاء والقدر، والسؤال على سبيل التعنت والعبث والاستهزاء، وسؤال المعجزات، وطلب خوارق العادات عنادا وتعنتا، والسؤال عن الأغاليط، والسؤال عما لا يحتاج إليه، وليس في الجواب عنه فائدة عملية، والسؤال عما سكت عنه الشرع من الحلال والحرام.
وقد سجل الله على اليهود ذنب الوقوف في السؤال موقف المستهزئ المعاند المجادل المتشدد المنكر الحق الصريح.
٢ - كان الأمر بذبح بقرة دون غيرها من الحيوان، لأنها من جنس ما عبدوه وهو العجل، ليهون عندهم أمر تعظيمه.
٣ - استهزاؤهم بأوامر الأنبياء عرّضهم للوم والتوبيخ والعقاب.
٤ - إحياء القتيل بقتل حي أظهر لقدرته تعالى في اختراع الأشياء من أضدادها. وقد ذكر الله تعالى إحياء الموتى في سورة البقرة في خمسة مواضع: في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾، وفي هذه القصة: ﴿فَقُلْنا:﴾
﴿اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾ وفي قصة الذين خرجوا من ديارهم وهو ألوف: ﴿فَقالَ لَهُمُ اللهُ: مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ﴾ [البقرة ٢٤٣/ ٢]. وفي قصة عزير: ﴿فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ، ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة ٢٥٩/ ٢] وفي قصة إبراهيم: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى﴾ [البقرة ٢٦٠/ ٢].
٥ - الإنكار الشديد على قتل النفس البريئة، وإنما أخره بالذكر عن ذكر موقفهم الاستهزائي العنادي، اهتماما واستهجانا وتقريعا لموقف العناد، وتشويقا
стр. 185
إلى معرفة سبب ذبح البقرة، وهذا الموقف ديدن اليهود وطبيعتهم التي لا تفارقهم. والكتاب الكريم لا يراعي ترتيب المؤرخين في سرد الأحداث والوقائع، وإنما يذكر الكلام بما يتفق مع هدفه: وهي العظة والعبرة، واجتذاب الأنظار وإثارة الانتباه.
٦ - ليس هناك أشد استهجانا وغرابة من جعل الحجارة أنفع من قلوب اليهود، لخروج الماء منها، قال مجاهد: ما تردّى حجر من رأس جبل، ولا تفجر نهر من حجر، ولا خرج منه ماء إلا من خشية الله، نزل بذلك القرآن الكريم.
وهذا يعني أن خشية الحجارة هنا حقيقية، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء ٤٤/ ١٧]. وحكى الطبري عن بعض المفسرين: أن خشية الحجارة من باب المجاز والاستعارة، كما استعيرت الإرادة للجدار، في قوله تعالى:
﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف ٧٧/ ١٨] (١).
٧ - في قصة البقرة هذه دليل على أن شرع من قبلنا شرع لنا، وبه قال جمهور الأصوليين غير الإمام الشافعي.
٨ - استدل الإمام مالك على صحة القول بالقسامة (٢) بقول المقتول: دمي عند فلان، أو فلان قتلني. ومنعه الشافعي وجمهور العلماء، لأن قول المقتول:
دمي عند فلان، أو فلان قتلني، خبر يحتمل الصدق والكذب.
стр. 186
قسوة قلوب اليهود
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾
الإعراب:
﴿أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ معطوف على قوله: ﴿كَالْحِجارَةِ﴾ وهو في موضع رفع لأنه خبر:
﴿فَهِيَ﴾. و ﴿قَسْوَةً﴾ تمييز منصوب، و ﴿أَوْ﴾ بمعنى «بل».
﴿لَما﴾ اللام للتوكيد وما: اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، والجار والمجرور: ﴿مِنْها﴾ والضمير يعود إلى الحجارة في موضع رفع خبر ﴿إِنَّ﴾.
البلاغة:
﴿ثُمَّ قَسَتْ﴾ ثم للترتيب مع التراخي، والتعبير بحرف ﴿ثُمَّ﴾ يدل على أن قسوة قلوب اليهود بلغت مرتبة بعيدة جدا عن الوضع السليم ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ أو: بمعنى بل، أي بل أشد قسوة، كقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات ١٤٧/ ٣٨].
قال الزمخشري في الكشاف ٢٢٣/ ١: أشد: معطوفة على الكاف في ﴿كَالْحِجارَةِ﴾ إما على معنى: أو مثل أشد قسوة، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وإما على: أو هي في أنفسها أشد قسوة. والمعنى: إن من عرف حالها شبهها بالحجارة أو بجوهر أقسى منها وهو الحديد مثلا، أو من عرفها شبهها بالحجارة أو قال: هي أقسى من الحجارة.
المفردات اللغوية:
﴿قَسَتْ﴾ صلبت عن قبول الحق ﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ المذكور من إحياء القتيل وما قبله من الآيات ﴿كَالْحِجارَةِ﴾ في القسوة ﴿يَتَفَجَّرُ﴾ يخرج وينبع بكثرة ﴿يَشَّقَّقُ﴾ أصله: يتشقق، فأدغم التاء في الشين، أي يتفتح شقوقا طولا أو عرضا ﴿يَهْبِطُ﴾ ينزل من علو إلى أسفل ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وإنما يؤخركم لوقتكم.
стр. 187
التفسير والبيان:
بالرغم مما رأى اليهود من الآيات والمواعظ السابقة، كانفجار الماء ورفع الجبل، والمسخ قردة وخنازير، وإحياء القتيل، فإن قلوبهم قست وامتنعت عن قبول الحق، فهي تشبه في الصلابة الحجارة، بل أشد قسوة منها، وأصبحت بفقد تأثرها بالآيات وتفاعلها بالمواعظ والعبر، كأنها جمادات، بل إنها تدنت عن درجة الجماد أيضا، لأن الحجارة قد ينفجر منها الماء، ويسيل أنهارا تحيي الأرض وتنفع النبات، وقد تتشقق فيسيل منها ماء بسيط فيكون عينا لا نهرا، وفي هذا منفعة للناس، وقد تتأثر بالرياح العاتية، ونحوها من الزلازل، فتسقط من أعالي الجبال، فتكسر الصخور وتدمّر الحصون، وليس في هذا منفعة للناس.
بالرغم من كل تلك المؤثرات والعظات والعبر، لم يزدد اليهود إلا عنادا وفسادا، ولكن الله تعالى حافظ لأعمالهم ومحصيها لهم، ثم يجازيهم بها. وفي هذا غاية التهديد والوعيد، لأن قوله تعالى: ﴿عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ يشمل كل عمل صغير أو كبير، ويؤكده قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزال ٨/ ٩٩].
فقه الحياة أو الأحكام:
لم يخلق الله تعالى شيئا في هذا الوجود عبثا، وإنما لفائدة، ففي الآية دلالة على بعض فوائد الأحجار ونحوها من الجمادات، وأنها تنصاع لأمر الله، فإن تمردت فئة من المخلوقات عن الصبغة الإلهية، وأصبحت عديمة النفع، لعدم تأثرها بالعظات وعدم قبولها الحق، فالله يجازيها جزاء وفاقا، في الدنيا والآخرة، فيسلط عليها في الدنيا بعض النقم، إن لم تحركها النّعم، ويعذبها في نار جهنم في الآخرة، لإبائها الحق ولعدم طاعتها أوامر الله تعالى.
стр. 188
استبعاد إيمان اليهود
﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٧) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ (٧٨)﴾
الإعراب:
﴿أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ في موضع نصب، لأن التقدير فيه: في أن يؤمنوا لكم. فلما حذف حرف الجر، اتصل الفعل به، فنصبه. ﴿مِنْهُمْ﴾ إما في موضع رفع صفة لفريق، وجملة ﴿يَسْمَعُونَ﴾ خبر كان، وإما في موضع نصب خبر كان، ويسمعون: صفة لفريق. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ مبتدأ وخبر، في موضع نصب حال من ضمير «يحرّفون».
﴿لِيُحَاجُّوكُمْ﴾ لام كي، تنصب الفعل بتقدير «أن».
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ مبتدأ مؤخر وخبر مقدم. ﴿لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ﴾ مرفوع وصف لأميين.
﴿إِلاّ أَمانِيَّ﴾ منصوب، لأنه استثناء منقطع من غير الجنس، لأن الأماني ليست من العلم. ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ﴾ أي: وما هم إلا يظنون و ﴿مِنْهُمْ﴾ مبتدأ، وما بعده خبره. و ﴿إِلاّ﴾ أبطلت عمل إن.
البلاغة:
﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ تفيد الجملة الكمال في تقبيح صنيعهم، وهو تحريف التوراة عن قصد، لا عن جهل.
﴿ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾ طباق بين لفظتي ﴿يُسِرُّونَ﴾ و ﴿يُعْلِنُونَ﴾.
стр. 189
المفردات اللغوية:
﴿فَرِيقٌ﴾ طائفة من أحبارهم ﴿كَلامَ اللهِ﴾ التوراة ﴿يُحَرِّفُونَهُ﴾ يغيرونه ويبدلونه، أو يؤولونه بالباطل ﴿عَقَلُوهُ﴾ فهموه وعرفوه ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنهم مفترون.
﴿وَإِذا لَقُوا﴾ أي منافقوا اليهود ﴿وَإِذا خَلا﴾ رجع ومضى إليه، أو انفرد معه. ﴿فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ حكم به أو قصه عليكم أو عرفكم في التوراة من نعت محمد ﷺ . ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ﴾ ليخاصموكم ويجادلوكم، واللام للصيرورة ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ في الآخرة، أي يقيموا عليكم الحجة في ترك اتباعه مع علمهم بصدقه.
﴿أَوَلا يَعْلَمُونَ﴾ الاستفهام للتقرير، والواو الداخل عليها للعطف، ويراد بالاستفهام التوبيخ أو التقريع.
﴿أُمِّيُّونَ﴾ عوام جهلة بكتابهم ﴿أَمانِيَّ﴾ أكاذيب تلقوها من رؤسائهم، فاعتمدوها، وهي لا تستند إلى دليل عقلي أو نقلي. ﴿يَظُنُّونَ﴾ أي ما هم في جحود نبوة النّبي وغيره مما يختلقونه إلا يظنون ظنا ولا علم لهم.
سبب النزول:
قال ابن عباس ومقاتل: نزل قوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ في السبعين الذين اختارهم موسى، ليذهبوا معه إلى الله تعالى، فلما ذهبوا معه، سمعوا كلام الله تعالى وهو يأمر وينهى، ثم رجعوا إلى قومهم، فأما الصادقون فأدّوا ما سمعوا. وقالت طائفة منهم: سمعنا الله من لفظ كلامه يقول: إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وإن شئتم فلا تفعلوا، ولا بأس.
وعند أكثر المفسرين: نزلت الآية في الذين غيروا آية الرجم وصفة محمد ﷺ (١).
واختلف العلماء بماذا عرف موسى كلام الله، ولم يكن سمع قبل ذلك خطابه.
стр. 190
فقيل: إنه سمع كلاما ليس بحروف وأصوات، وليس فيه تقطيع ولا نفس، فحينئذ علم أن ذلك ليس هو كلام البشر، وإنما هو كلام رب العالمين.
وقيل: إنه لما سمع كلاما لا من جهة، وكلام البشر يسمع من جهة من الجهات الست، علم أنه ليس من كلام البشر.
وقيل: إنه صار جسده كله مسامع حتى سمع بها ذلك الكلام، فعلم أنه كلام الله.
وقيل فيه: إن المعجزة دلت على أن ما سمعه هو كلام الله، وذلك أنه قيل له: ألق عصاك، فألقاها فصارت ثعبانا، فكان ذلك دليلا على صدق الحال، وأن الذي يقول له: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه ١٢/ ٢٠] هو الله جل وعز (١).
وسبب نزول الآية (٧٦):
هو ما قاله مجاهد: قام النّبي ﷺ يوم قريظة تحت حصونهم، فقال: يا إخوان القردة، ويا إخوان الخنازير، ويا عبدة الطاغوت، فقالوا: من أخبر بهذا محمدا، ما خرج هذا إلا منكم، أتحدثونهم بما فتح الله عليكم، ليكون لهم حجة عليكم، فنزلت الآية.
وقال ابن عباس: كانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا أن صاحبكم رسول الله، ولكنه إليكم خاصة. ﴿وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا﴾: أيحدث العرب بهذا، فإنكم كنتم تستفتحون به عليهم، فكان منهم، فأنزل الله: ﴿وَإِذا لَقُوا﴾ الآية.
وقال السدي: نزلت في ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، وكانوا يأتون المؤمنين من العرب، بما تحدثوا به، فقال بعضهم: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾
стр. 191
من العذاب، ليقولوا: نحن أحب إلى الله منكم، وأكرم على الله منكم (١).
التفسير والبيان:
حرص النّبي ﷺ وصحابته على انضمام أهل الكتاب (اليهود والنصارى) إلى دعوته والإيمان برسالته في مواجهة المشركين، لوجود جسور التقاء معهم من الإيمان بوجود الإله والتصديق بالأنبياء وبالبعث واليوم الآخر. وقد روي أنها نزلت في الأنصار الذين كانوا حلفاء لليهود، وبينهم جوار ورضاعة، وكانوا يودون لو أسلموا، فأنزل الله: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾.
فجاءت هذه الآيات، في أثناء بيان قبائح اليهود، توضح خطابا للنبي ﷺ والمؤمنين، ما بدد الآمال والأطماع في إيمان اليهود، لأن منهم جماعة-وهم فئة من الأحبار والرؤساء-كانوا يسمعون كلام الله، ثم يبدلونه أو يؤولونه بحسب أهوائهم وميولهم، وليس الحاضرون أحسن حالا من الغابرين، لأنهم ورثوا الاستكبار من أسلافهم، وهم يعلمون أن هذا العمل يتنافى مع الحقيقة والواقع، فكيف تطمعون إذن في إيمان من له سابقة في الضلال؟! وسبب آخر يدعو إلى عدم إيمانهم هو أن منافقيهم إذا قابلوا المؤمنين قالوا:
نحن مؤمنون بالله وبالنبيّ كإيمانكم، إذ هذا النبي هو المبشر به عندنا، فنحن معكم، وإذا انفردوا مع بعضهم قالوا: كيف تحدثون أتباع محمد بما أنزل الله عليكم في التوراة؟ كيف تفعلون هذا، وهم يحتجون عليكم بكلامكم، ويخاصمونكم به عند ربكم يوم القيامة؟ أتذيعون أسراركم التي تضركم؟ فيرد الله عليهم:
ألا يعلمون أن الله تعالى يعلم السر والعلن، ويعلم الغيب والشهادة، فسواء أعلنتم سرا أم أضمرتموه، فإن الله سيجازيكم على أعمالكم.
стр. 192
ثم ذكر الله تعالى هذا شأن علماء اليهود وأحبارهم، أما الأميون منهم، فإنهم لا يعرفون عن دينهم إلا أكاذيب سمعوها ولم يعقلوها، مثل القول بأنهم شعب الله المختار، وأن الأنبياء منهم فيشفعون لهم، وأن النار لا تمسهم إلا أياما معدودة، وما هم في كل ذلك إلا واهمون ظانون ظنا لا صحة له.
فلا أمل في أيمانهم، ولا أسف على أمثالهم، فمن كانت هذه صفاته وقبائحه، فلا خير فيه، ولا أسف عليه.
والمراد بما فتح الله على اليهود: الإنعام بالشريعة والأحكام، والبشارة بالنبي ﵊، شبّه الذي يعطى الشريعة بالمحصور في الصلاة يفتح عليه، فيخرج من الضيق. أو أن معنى ﴿بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾: بما حكم به وأخذ به الميثاق عليكم من الإيمان بالنبي الذي يجيئكم مصدقا لما معكم، ونصره. والمقصود بقوله ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ أن المحاجة في الآخرة، كما قال السيوطي، ورأى المحققون أنه بمعنى: في كتاب الله وحكمه أي أن ما تحدثونهم به من التوراة موافق لما في القرآن، فالمحاجة في الدنيا، فهو كقوله تعالى في أهل الإفك: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ، فَأُولئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ [النور ١٣/ ٢٤] أي في حكمه المبين في كتابه (١).
وأما الأماني: فهي الأكاذيب، وفسرها بعضهم بالقراءات، أي أنهم لا حظّ لهم من الكتاب إلا قراءة ألفاظه من غير فهم ولا اعتبار يظهر أثرهما في العمل، فهو على حد: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها، كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً﴾ [الجمعة ٥/ ٦٢].
فقه الحياة أو الأحكام:
التحريف والتبديل لكلام الله أشد الحرام، سواء أكان بالتأويل الفاسد، أم
стр. 193
بالتغيير والتبديل، وقد وقع النوعان من أحبار اليهود، وقد نعتهم الله تعالى بأنهم يبدلون ويحرفون، فقال: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة ٧٩/ ٢] وكان للتحريف مظاهر متعددة، ففي عهد موسى ﵇:
روي أن قوما من السبعين المختارين، سمعوا كلام الله حين كلم موسى بالطور، وما أمر به موسى وما نهي عنه، ثم قالوا: سمعنا الله يقول في آخره: إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وإن شئتم ألا تفعلوا فلا بأس.
وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ قال مجاهد والسدي: هم علماء اليهود الذين يحرفون التوراة، فيجعلون الحرام حلالا والحلال حراما، اتّباعا لأهوائهم.
وفي عهد محمد ﷺ حرفوا نعت الرسول وصفته، وحرفوا آية الرجم، وقالوا: ﴿لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران ٧٥/ ٣] وهم العرب، أي ما أخذنا من أموالهم فهو حل لنا، وقالوا أيضا: لا يضرنا ذنب فنحن أحباء الله وأبناؤه، تعالى الله عن ذلك (١).
ووقع التحريف بنوعيه أيضا في الإنجيل، كما وقع في التوراة، والدليل واضح وهو ضياع أصل كلا هذين الكتابين، وكتابتهما بأيدي العلماء بعد عشرات السنين، كما قال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ [النساء ٤٦/ ٤].
وحدث التحريف في القرآن بمعنى التأويل الباطل، من الجهلة أو الملاحدة، أما التحريف بإسقاط آية من القرآن، فلم يقع، لتعهد الله حفظ كتابه المبين في قوله سبحانه: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ، وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر ٩/ ١٥].
وأرشدت الآية (٧٨) من سورة البقرة إلى بطلان التقليد في العقائد وأصول الأحكام، وعدم الاعتداد بإيمان صاحبه، لأن معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ﴾:
стр. 194
يكذبون ويحدثون، لأنه لا علم لهم بصحة ما يتلون، وإنما هم مقلدون لأحبارهم فيما يقرءون به. وقد أجمع السلف في صدر الإسلام وأهل القرون الثلاثة على بطلان التقليد في العقائد. وإنما كان الجاهل في تلك القرون يأخذ عن العالم العقيدة ببرهانها، والأحكام بروايتها، ولا يتقلد رأيه كيفما كان، من غير بينة ولا برهان (١).
وأومأ الخطاب في هذه الآيات لليهود المعاصرين للنبي محمد ﷺ إلى أنه لا أمل في إيمان اليهود بالقرآن وبدعوة الرسول محمد، فالمعاصرون توارثوا طبائع الآباء وأخلاقهم، وتأصلت فيهم روح التمرد والإعراض عن كلام الله، وكان آباؤهم أكثر الناس مراء وجدالا في الحق، وإن كان بينا باهرا، وأشد الناس كذبا وغرورا وأكلا لأموال الناس بالباطل كالربا الفاحش، وغشا وتدليسا وتلبيسا، وكانوا مع ذلك يعتقدون أنهم شعب الله الخاص، وأفضل الناس، كما يعتقد أشباههم في هذا الزمان. فهذه هي الأماني التي صدّتهم عن قبول الإسلام (٢).
تحريف أحبار اليهود وافتراءاتهم
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا يَكْسِبُونَ (٧٩) وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٨٠) بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٨٢)﴾
стр. 195
الإعراب:
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ﴾ مبتدأ وخبر، وجاز أن يكون «ويل» مبتدأ وإن كان نكرة، لأن في الكلام معنى الدعاء، كقولهم: سلام عليكم.
﴿بَلى﴾ حرف يأتي في جواب الاستفهام في النفي، و «نعم» يأتي في جواب الاستفهام في الإيجاب. فإذا قال: ألست فعلت كذا؟ فجوابه: بلى، أي إني قد فعلت، كقوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى﴾ [الأعراف ١٧٢/ ٧] أي بلى أنت ربّنا، ولو قالوا: نعم، لكفروا، لأنه يصير المعنى: نعم لست ربّنا. وإذا قال في الإيجاب: هل فعلت؟ فجوابه: نعم، كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ قالُوا: نَعَمْ﴾ [الأعراف ٤٤/ ٧]. ﴿مَنْ كَسَبَ﴾ من شرطية مبتدأ، والفاء في «أولئك» جواب الشرط، و ﴿فَأُولئِكَ﴾ مبتدأ ثان، و ﴿أَصْحابُ النّارِ﴾ خبره، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول وهو ﴿مَنْ﴾. و ﴿هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ جملة اسمية حال من ﴿أَصْحابُ﴾ أو من ﴿النّارِ﴾. و ﴿فِيها﴾ في موضع نصب، وتقديره: خالدون فيها.
البلاغة:
تكرار ﴿فَوَيْلٌ﴾ ثلاث مرات في الآية (٧٩) للتوبيخ والتقريع وتقبيح جريمتهم وهي التحريف.
﴿وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ استعار لفظ الإحاطة لغلبة السيئات على الحسنات، حيث شبه الخطايا بجيش من الأعداء نزل بقوم من كل جانب.
المفردات اللغوية:
﴿فَوَيْلٌ﴾ الويل: شدة العذاب والهلاك، أو واد في جهنم ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾ أي مختلقا من عندهم ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ من الدنيا، وهم اليهود غيّروا صفة النبي في التوراة، وآية الرجم، وغيرهما، وكتبوها على خلاف ما أنزل. ﴿مِمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من المختلق، ﴿مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ من الرشا: جمع رشوة.
﴿لَنْ تَمَسَّنَا﴾ تصيبنا ﴿إِلاّ أَيّاماً مَعْدُودَةً﴾ قليلة أربعين يوما مدة عبادة آبائهم العجل.
﴿أَتَّخَذْتُمْ﴾ حذفت منه همزة الوصل، استغناء بهمزة الاستفهام ﴿عَهْداً﴾ ميثاقا منه بذلك. ﴿أَمْ تَقُولُونَ.﴾. بل.
﴿كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ المراد بها هنا الكفر أو الشرك. ﴿وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ بالإفراد
стр. 196
والجمع، أي استولت عليه وأحدقت به من كل جانب، بأن مات مشركا ﴿فَأُولئِكَ﴾ روعي فيه معنى: من.
سبب النزول:
نزلت الآية (٧٩)
في أهل الكتاب كما قال ابن عباس، أو في أحبار اليهود كما قال العباس: «الذين غيّروا صفة النّبي ﷺ وبدلوا نعته»، وكانت صفته في التوراة: أكحل، أعين، ربعة، جعد الشعر، حسن الوجه، فمحوه حسدا وبغيا، وقالوا: نجده طويلا أزرق، سبط الشعر.
ونزلت الآية (٨٠)
كما
قال ابن عباس: قدم رسول الله ﷺ المدينة، ويهود تقول: إنما مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما يعذب الناس في النار، لكل ألف سنة من أيام الدنيا يوم واحد في النار من أيام الآخرة، فإنما هي سبعة أيام، ثم ينقطع العذاب، فأنزل الله في ذلك: ﴿وَقالُوا: لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ﴾ إلى قوله ﴿خالِدُونَ﴾. وروى الطبري عن ابن عباس: أن اليهود قالوا: لن ندخل النار، إلا تحلة القسم، الأيام التي عبدنا فيها العجل أربعين ليلة، فإذا انقضت، انقطع عنا العذاب، فنزلت الآية (١)
التفسير والبيان:
الهلاك والعذاب الشديد أو العقوبة العظيمة لمن حرفوا التوراة، وكتبوا الآيات المحرفة بأيديهم، وغيّروا صفة النّبي ﷺ التي كانت مكتوبة عندهم في التوراة، والعذاب أيضا لهم لأخذ الرشوة وفعلهم المعاصي، ونسبتهم الافتراءات إلى الله تعالى، ليأخذوا بهذا الكذب أو الافتراء ثمنا دنيويا حقيرا من مال أو رياسة أو جاه، فويل لهم مما كسبوا، لأنه كانت لليهود جنايات ثلاث: تغيير
стр. 197
صفة النّبي ﷺ ، والافتراء على الله، وأخذ الرشوة، فهددوا على كل جناية بالويل والهلاك.
ومن مزاعم اليهود: ادعاؤهم أن النار لا تمسهم إلا في أيام قليلة معدودة، هي أربعون يوما مدة عبادتهم العجل، وأكثر اليهود على أن النار تمسهم سبعة أيام فقط، لأن عمر الدنيا في زعمهم سبعة آلاف سنة، فمن عذب في النار ولم يحظ بالنجاة، يمكث في النار سبعة أيام عن كل ألف سنة يوم. فرد الله عليهم: هل عهد بذلك ربكم إليكم، ووعدكم به وعدا حقا، فلن يخلف الله وعده، أم أنتم تقولون على الله شيئا لا علم لكم به؟ أي أن مثل ذلك القول لا يصدر إلا عن عهد من الله، أو افتراء وتقوّل عليه، وبما أنه لم يحدث العهد من الله وهو الوحي والخبر الصادق، فأنتم كاذبون في دعواكم، مفترون حين تدعون أنكم أبناء الله وأحباؤه.
وقد أكدت السّنّة دعواهم في النجاة من النار بعد أيام قليلة.
روى الإمام أحمد والبخاري والنسائي عن الليث بن سعد، والحافظ بن مردويه والبخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: «لما فتحت خيبر، أهديت لرسول الله ﷺ شاة فيها سمّ، فقال رسول الله ﷺ : اجمعوا لي من كان من اليهود هنا، فقال لهم رسول الله ﷺ : من أبوكم؟ قالوا: فلان، قال: كذبتم، بل أبوكم فلان، فقالوا: صدقت وبررت. ثم قال لهم: هل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم، يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا، كما عرفته في أبينا، فقال لهم رسول الله ﷺ : من أهل النار؟ فقالوا: نكون فيها يسيرا، ثم تخلفونا فيها، فقال لهم رسول الله ﷺ : اخسؤوا، والله لا نخلفكم فيها أبدا. ثم قال لهم رسول الله ﷺ : هل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم، قال: هل جعلتم في هذه الشاة سما؟ فقالوا: نعم، قال: فما حملكم على ذلك؟ فقالوا: أردنا إن كنت كاذبا أن نستريح منك، وإن كنت نبيا لم يضرّك».
стр. 198
ليس الأمر أيها اليهود كما زعمتم أو تمنيتم واشتهيتم، بل أو بلى ستخلدون في نار جهنم بسبب ارتكاب المعاصي التي أحاطت بكم، كالكفر، وقتل الأنبياء بغير حق، وعصيان أوامر الله، والاسترسال في الأهواء والافتراءات. وقد علمنا أن بلى: لفظ يجاب به بعد كلام منفي سابق، ومعناه إبطاله وإنكاره. والكسب:
جلب النفع، واستعماله هنا في السيئة من باب التهكم. والسيئة: الفاحشة الموجبة للنار، والمراد بها هنا: الشرك بالله.
وسبب الخلود في النار: هو ما تضمنه القانون العام لكل الخلائق في شرع الله: أن من اقترف خطيئة غمرت جميع جوانبه من قلبه ولسانه وأعضائه، وليست له حسنة، بل جميع أعماله سيئات، فهو من أهل النار.
وأما من آمن (صدق) بالله ورسله واليوم الآخر، وعمل صالحا، فأدى الواجب، وترك الحرام، فهو من أهل الجنة. قال ابن عباس: «من آمن بما كفرتم، وعمل بما تركتم من دينه، فلهم الجنة، خالدين فيها» يخبرهم أن الثواب بالخير، والشر مقيم على أهله أبدا، لا انقطاع له.
وكل من الجزاءين المذكورين: وعد للمؤمنين، ووعيد للكافرين، شبيه بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ، وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ، مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ، وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً. وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ [النساء ١٢٣/ ٤ - ١٢٤].
لكن من تاب من العصاة توبة نصوحا، فأقلع عن الذنب، وندم عليه، وعزم على ألا يعود لمثله في المستقبل، تبدل حاله من أهل النار إلى أهل الجنة.
روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن النّبي ﷺ قال: «إن العبد إذا أذنب ذنبا، نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر، صقل
стр. 199
قلبه. وإن عاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكر الله في القرآن:
﴿كَلاّ، بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤/ ٨٣]».
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه» وإن رسول الله ﷺ ضرب لهم مثلا، كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق، فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سوادا، وأججوا نارا، فأنضجوا ما قذفوا فيها.
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآية (٧٩) والتي قبلها التحذير من التبديل والتغيير والزيادة في شرع الله، فكل من بدل وغيّر أو ابتدع في دين الله ما ليس منه، فهو داخل تحت هذا الوعيد الشديد، والعذاب الأليم،
وقد حذر رسول الله ﷺ أمته، لما قد علم ما يكون في آخر الزمان، فقال: «ألا، إنّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملّة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة» الحديث. فحذرهم أن يحدثوا من تلقاء أنفسهم في الدين خلاف كتاب الله أو سنته أو سنة أصحابه، فيضلّوا به الناس.
وأبانت الآية (٧٩) أن كل عوض-وإن كثر-عن تحريف كتاب الله، لا بركة فيه ولا خير، فقد وصف الله تعالى ما يأخذه أحبار اليهود بالقلة إما لفنائه وعدم ثباته، وإما لكونه حراما، لأن الحرام لا بركة فيه، ولا يربو عند الله. قال ابن إسحاق والكلبي: كانت صفة رسول الله ﷺ في كتابهم: ربعة أسمر، فجعلوه: آدم سبطا طويلا، وقالوا لأصحابهم وأتباعهم: انظروا إلى صفة النّبي الذي يبعث في آخر الزمان، ليس يشبهه نعت هذا.
ودلت الآية (٨١): ﴿بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ على أن
стр. 200
المعلق على شرطين لا يتم بأقلهما، ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا: رَبُّنَا اللهُ، ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصّلت ٣٠/ ٤١]. والخلود في النار: سببه الشرك بالله.
وأرشدت الآية (٨٢) إلى أن دخول الجنة منوط بالإيمان والعمل الصالح معا، كما ر
وى مسلم «أن النّبي ﷺ قال لسفيان بن عبد الله الثقفي، وقد قال له:
يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولا، لا أسأل عنه أحدا بعدك، قال: قل:
آمنت بالله، ثم استقم».
والجمع بين الآيتين المذكورتين (٨٢، ٨١) هو منهج القرآن الكريم في البيان، فإن الله سبحانه يقرن عادة بين الوعد والوعيد، ويذكر أهل الخير وأهل الشر، وأصحاب الجنة وأصحاب النار، لما تقتضيه الحكمة، وإرشاد العباد، بالترغيب مرة والترهيب أخرى، والتبشير طورا والإنذار طورا آخر: إذ باللطف والقهر يرقى الإنسان إلى درجة الكمال.
مخالفة اليهود المواثيق
﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾
الإعراب:
﴿لا تَعْبُدُونَ﴾ مرفوع لأنه جواب لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا..﴾. لأنه في معنى القسم، بمنزلة والله، فكأنه قال: استحلفناهم لا يعبدون، كما يقال: حلف فلان لا يقوم، أو لأنه في موضع الحال، أي أخذنا ميثاقهم غير عابدين إلا الله، ومثل ذلك ﴿لا تَسْفِكُونَ﴾. ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً﴾ إما معطوف على الباء المحذوفة وأن في قوله تعالى: ﴿لا تَعْبُدُونَ﴾ أو في موضع نصب
стр. 201
بفعل مقدر، وتقديره: وأحسنوا بالوالدين إحسانا. وقوله: (﴿إِحْساناً﴾ إما منصوب على المصدر بالفعل المقدر الذي تعلق به الجار والمجرور في قوله: ﴿بِالْوالِدَيْنِ﴾ وتقديره: وأحسنوا بالوالدين إحسانا، أو منصوب، لأنه مفعول فعل مقدر، وتقديره: واستوصوا بالوالدين إحسانا. ﴿حُسْناً﴾ مفعول به منصوب لفعل: قولوا، وتقديره: قولوا قولا ذا حسن، أو صفة لمصدر محذوف، وتقديره: قولا حسنا ﴿إِلاّ قَلِيلاً﴾ منصوب على الاستثناء الموجب من ضمير ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾.
البلاغة:
﴿لا تَعْبُدُونَ﴾ خبر في معنى النهي، وهو أبلغ من صريح النهي، لأن حق المنهي عنه المبادرة إلى تركه، فكأنه انتهى عنه، وجاء بصيغة الخبر. ﴿وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْناً﴾ وقع المصدر موقع الصفة، أي قولا حسنا أو ذا حسن للمبالغة، فإن العرب تضع المصدر مكان اسم الفاعل أو الصفة بقصد المبالغة، فيقولون: هو عدل.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِذْ﴾ واذكر إذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل في التوراة ﴿مِيثاقَ﴾ الميثاق: العهد المؤكد الذي أخذ عليهم في التوراة، علما بأن العهد نوعان: عهد خلقة وفطرة، وعهد نبوة ورسالة، وهذا هو المراد هنا.
﴿لا تَعْبُدُونَ﴾ خبر بمعنى النهي. ﴿إِحْساناً﴾ تحسنون إلى الوالدين إحسانا، أي برا.
﴿وَذِي الْقُرْبى﴾ صاحب القربى من جهة الرحم أو العصب. ﴿حُسْناً﴾ أي وقولوا للناس قولا حسنا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصدق في شأن محمد، والرفق بهم. ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتم عن الوفاء به، فيه التفات عن الغيبة إلى الخطاب، والمراد: آباؤهم ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عنه كآبائكم.
المناسبة:
تنوع الأسلوب القرآني في معالجة مساوئ اليهود وقبائحهم، وترويضهم، ونقلهم إلى حال أفضل من حالهم في الماضي والحاضر، ففي الآيات السابقة عدّد الله النعم التي أنعم بها على بني إسرائيل، كتفضيلهم على العالمين، وإنجائهم من الغرق، وإنزال المن والسلوى عليهم، ثم ما يحدث إثر كل نعمة من مخالفة، فعقوبة، فتوبة.
стр. 202
ثم تذكّرهم هذه الآية بالعهد الذي أخذه الله على آبائهم بالعمل بما أمروا به من عبادات ومعاملات، ثم إهمالهم له، وتركهم اتباعه. وهذا كله ليبين الله لرسوله انقطاع الأمل في إيمان اليهود المعاصرين له، لأنهم يتوارثون عادة التطبع بقبائح أسلافهم، فهي تمنعهم من الهدى والرشاد
التفسير والبيان:
اذكر أيها النّبي حين أخذنا الميثاق على بني إسرائيل، أنهم لا يعبدون إلا الله سبحانه، فلا يشركون به سواه من ملك أو صنم أو بشر بدعاء أو غيره من أنواع العبادات، وأنهم يحسنون إلى الوالدين إحسانا كاملا، بأن يرعوهما حق الرعاية، ويعطفوا عليهما، ويطيعوهما فيما لا يخالف أوامر الله، وقد جاء في التوراة: أن من يسب والديه يقتل، وأن يحسنوا بالمال إلى ذي القرابة والأيتام والمساكين بسبب ضعفهم وعجزهم وحاجتهم، وأن يقولوا قولا حسنا لا إثم فيه ولا شر، بالقول الجميل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، مع حفض الجناح ولين الجانب، وأن يؤدوا صلاتهم أداء تاما، لأن الصلاة تصلح النفوس، وتهذب الطباع وتحليها بأنواع الفضائل، وتمنعها عن الرذائل، وأن يؤتوا الزكاة للفقراء، لما فيها من تحقيق التكافل الاجتماعي بين الناس، وإسعاد الفرد والجماعة، وإشاعة الرفاه والهناءة للجميع.
ولكن اليهود الذين اعتادوا الغدر، واستماتوا في حب المادة، أعرضوا قصدا وعمدا عن تنفيذ الأوامر الإلهية، وعن العمل بالميثاق، والخلف منهم معرض عن التوراة مثل السلف، ما عدا نفرا قليلا منهم مثل عبد الله بن سلام وأشباهه من المخلصين العقلاء، المحافظين على الحق بقدر الطاقة، لكن وجود القلائل من الصالحين في الأمة لا يمنع عنها العقاب إذا فشا فيها الفساد وعم البلاء، كما قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال ٢٥/ ٨].
стр. 203
فقه الحياة أو الأحكام:
إن الأمور التي ذكّر الله بها بني إسرائيل في هذه الآية، أمر بها جميع الخلق، ولذلك خلقهم، وهي تكوّن النظام الديني والأخلاقي والاجتماعي، وجاء الترتيب في الآية بتقديم الأهم فالأهم، فقدم حق الله تعالى لأنه المنعم في الحقيقة على حق العباد، ثم ذكر الوالدين لحقهما في تربية الولد، ثم القرابة، لأن فيهم صلة الرحم، ثم اليتامى لقصورهم، ثم المساكين لضعفهم، وهي تشمل ما يلي:
١ - عبادة الله وحده لا شريك له: فهي برهان الاعتقاد الصحيح ودليل الإيمان من جميع الناس، كما قال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥/ ٢١]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ، وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل ٣٦/ ١٦].
قال ابن كثير: وهذا هو أعلى الحقوق وأعظمها، وهو حق الله ﵎ أن يعبد وحده لا شريك له. والمراد بقوله تعالى: ﴿لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ﴾ كما قال الزمخشري الطلب، فهو خبر بمعنى الطلب، وهو آكد.
٢ - الإحسان إلى الوالدين: هذا يأتي بعد حق الله، فإن آكد حقوق المخلوقين، وأولاهم بذلك حق الوالدين، ولهذا يقرن ﵎ بين حقه بالتوحيد وحق الوالدين، لأن النشأة الأولى من عند الله، والنشء الثاني-وهو التربية-من جهة الوالدين، ولهذا قرن تعالى الشكر لهما بشكره، فقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ، إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان ١٤/ ٣١] وقال: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ، وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً﴾ [الإسراء ٢٣/ ١٧].
والإحسان إلى الوالدين: معاشرتهما بالمعروف، والتواضع لهما، وامتثال أمرهما، والدعاء بالمغفرة بعد مماتهما، وصلة أهل ودّهما.
وفي الصحيحين عن ابن مسعود: «قلت: يا رسول الله، أي العمل
стр. 204
أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله».
وجاء في الحديث الصحيح: «أن رجلا قال: يا رسول الله؟ من أبرّ؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال:
ثم من؟ قال: أباك، ثم أدناك أدناك».
والحكمة في بر الوالدين واضحة: وهي المعاملة بالمثل ومقابلة المعروف بمثله، والوفاء للمحسن، كما قال تعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ [الرحمن ٦٠/ ٥٥] فهما بذلا للولد وهو صغير كل عناية وعطف بتربيته والقيام بشؤونه، فيجب على الولد مكافأتهما على صنعهما.
٣ - الإحسان إلى ذي القربى: أي القرابة، عطف ذي القربى على الوالدين، وهو يدل على أن الله تعالى أمر بالإحسان إلى القرابات بصلة الأرحام، لأن الإحسان إليهم مما يقوم الروابط بينهم، فما الأمة إلا مجموعة الأسر، فصلاحها بصلاحها، وفسادها بفسادها. ولا يعرف فضل الأسرة إلا في وقت الشدة والكوارث، فعندها يظهر التعاطف والتعاون وترميم الأضرار، وإزالة العثرات.
٤ - الإحسان إلى اليتامى: وهم الصغار الذين لا كاسب لهم من الآباء.
والإحسان إلى اليتيم: بحسن تربيته وحفظ حقوقه من الضياع، وقد ملئ الكتاب والسنة بالوصية به والرأفة به والحض على كفالته وحفظ ماله، من ذلك ما
أخرجه مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «كافل اليتيم له أو لغيره، أنا وهو كهاتين في الجنة» وأشار مالك بالسبابة والوسطى.
٥ - الإحسان إلى المساكين: وهم الذين لا يجدون ما ينفقون على أنفسهم، وقد أمر الله بالإحسان إلى المساكين، وهم الذين أسكنتهم الحاجة وأذلتهم، وذلك يكون بالصدقة عليهم، ومواساتهم حين البأساء والضراء،
روى مسلم عن
стр. 205
أبي هريرة أن النّبي ﷺ قال: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله-وأحسبه قال-وكالقائم لا يفتر، وكالصائم لا يفطر» قال ابن المنذر: وكان طاوس يرى السعي على الأخوات أفضل من الجهاد في سبيل الله.
٦ - الكلام الطيب، ولين الجانب، وإظهار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك مما هو نافع في الدين والدنيا كالحلم والصفح والعفو والبشاشة.
وذلك لأن إحسان القول له تأثير فعال في النفوس، وبه يتم التكافل الأدبي أو الأخلاقي بين الناس، فإنه سبحانه عبر بقوله ﴿وَقُولُوا لِلنّاسِ﴾ ولم يقل لإخوانكم، ليدل على أن الأمر بالإحسان عام لجميع الناس.
روى الإمام أحمد عن أبي ذر عن النّبي ﷺ أنه قال: «لا تحقرنّ من المعروف شيئا، وإن لم تجد، فالق أخاك بوجه منطلق». وبهذه الفضيلة وهي القول الحسن بعد الأمر بالإحسان الفعلي إلى الناس، يجمع بين طرفي الإحسان الفعلي والقولي.
٧ - إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة: الصلاة عماد الدين، وطريق التقوى، وهمزة الصلة بالله، وسبيل التحلي بالفضائل والبعد عن الرذائل، ولكن بشرط الإخلاص والخشوع التام لعظمة الله وسلطانه. وأما إيتاء الزكاة فضروري لإصلاح شؤون المجتمع. لكنّ كلا من الصلاة والزكاة لم يثبت فيهما عن أهل الكتاب نقل صحيح يدل على كيفيتهما ونوعهما، روي عن ابن عباس أنه قال:
الزكاة التي أمروا بها طاعة الله والإخلاص.
стр. 206
بعض حالات مخالفة اليهود الميثاق
﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولئِكَ الَّذِينَ اِشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾
الإعراب:
﴿ثُمَّ أَنْتُمْ..﴾. أنتم مبتدأ، و ﴿هؤُلاءِ﴾ خبره و ﴿تَقْتُلُونَ﴾ جملة فعلية حال من «أولاء». ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى﴾ أسارى: حال من ضمير الفاعل في ﴿يَأْتُوكُمْ﴾ وأسارى على وزن فعالى، وأكثر ما يجيء «فعالى» في جمع فعلان نحو سكران وكسلان، ولما كان الأسير محبوسا عن التصرف في الأمور أشبه السكران والكسلان، لأنهما كالمحبوسين عن التصرف لاستيلاء السكر والكسل عليهما. ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ﴾ هو: أي الإخراج الذي دل عليه قوله: ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً﴾ مبتدأ، و ﴿مُحَرَّمٌ﴾ خبره، و ﴿إِخْراجُهُمْ﴾ بدل من ﴿هُوَ﴾ ويصح جعل ﴿هُوَ﴾ ضمير الشأن، وهو مبتدأ أول، وإخراجهم مبتدأ ثان، ومحرم: خبر مقدم، والجملة من المبتدأ والخبر خبر المبتدأ الأول ومفسرة له، وتكون جملة: هو والخبر اعتراضية ﴿فَما جَزاءُ.﴾. ما: استفهامية:
أي، أي شيء جزاء من يفعل ذلك منكم، و ﴿فَما﴾ مبتدأ، و ﴿جَزاءُ﴾ خبره، و ﴿خِزْيٌ﴾ بدل من جزاء. ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ ظرف زمان منصوب، وعامله ما بعده وهو ﴿يُرَدُّونَ﴾.
стр. 207
البلاغة:
﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي بعضكم، ومن قتل غيره فكأنما قتل نفسه، فهو مجاز.
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ﴾ استفهام إنكاري للتوبيخ. ﴿خِزْيٌ﴾ تنكيره للتفخيم والتهويل.
المفردات اللغوية:
﴿تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾ تريقونها بقتل بعضكم بعضا. ﴿وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ﴾ لا يخرج بعضكم بعضا من داره. ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ قبلتم ذلك الميثاق. ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ على أنفسكم.
﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ يقتل بعضكم بعضا. ﴿تَظاهَرُونَ﴾ تتظاهرون أي تتعاونون عليهم.
﴿بِالْإِثْمِ﴾ بالمعصية أو الذنب: وهو الفعل الذي يستحق فاعله الذم واللوم. ﴿وَالْعُدْوانِ﴾ الظلم والاعتداء. ﴿أُسارى﴾ أسرى جمع أسير، أي مأسورين. ﴿تُفادُوهُمْ﴾ تنقذوهم من الأسر بالفداء من مال أو غيره، وهو مما عهد إليهم. ﴿خِزْيٌ﴾ هوان وذل.
﴿اِشْتَرَوُا﴾ استبدلوا.
المناسبة التاريخية المتجددة:
كان سفك الدماء وتقاتل اليهود وطرد بعضهم بعضا من ديارهم ظاهرة شائعة فيهم، وظللت هذه الظاهرة إلى عصر التنزيل القرآني، فكان يهود بني قريظة حالفوا الأوس، ويهود بني النضير حالفوا الخزرج، فإذا نشبت الحرب بينهم، كان كل فريق من اليهود يقاتل مع حلفائه، فيقتل اليهودي يهوديا آخر، ويخرب بعضهم ديار بعض، ويخرجونهم من بيوتهم، وينهبون ما فيها من الأثاث والمال، مع أن ذلك محرم عليهم بنص التوراة، وإذا أسر بعضهم فدوهم بالمال، وكانوا إذا سئلوا، لم تقاتلونهم وتفدونهم، قالوا: أمرنا-أي في التوراة- بالفداء، فيقال: فلم تقاتلونهم؟ فيقولون: حياء أن تستذل حلفاؤنا، فأنزل الله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (١)
стр. 208
وكانت الآيات السابقة تذكيرا لبني إسرائيل الذين كانوا في عصر موسى ﵇ بأهم الأوامر التي أمروا بها من عبادة الله وحده والإحسان إلى الوالدين وذوي القربى وغير ذلك، أما هذه الآيات فكانت للتذكير بأهم المنهيات التي خطرت عليهم، والخطاب للحاضرين في عصر النّبي محمد ﷺ ، وهو دليل على تضامن الأمة، وأنها كالفرد يصيب خلفها أثر ما كان عليه سلفها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
التفسير والبيان:
واذكر يا محمد لليهود وقت أخذنا عليهم في التوراة العهد بأن لا يقتل بعضهم بعضا، ولا يخرج بعضهم بعضا من دياره ووطنه. وفي تعبير «دماءكم، وأنفسكم، ودياركم» إشارة إلى أن دم غيره من المجتمع كدم نفسه، فمن قتل نفسا فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا، وهو ما تقرره الآية (٣٢) من سورة المائدة.
ثم أقررتم أيها اليهود المعاصرون بالميثاق الذي أخذ على أسلافكم، ولم تنكروه، فالحجة قائمة عليكم.
ثم أنتم بعد الاعتراف بالميثاق تنقضون العهد، فيقتل بعضكم بعضا، كما كان يفعل من قبلكم، فكانت بنو قينقاع أعداء بني قريظة، وكان يهود بني قريظة حلفاء الأوس يقاتلون يهود بني النضير حلفاء الخزرج، إذا تقاتل الأوس والخزرج، وكان مقتضى الاتفاق في الدين واللغة والنسب بين اليهود أن يكونوا جميعا صفا واحدا.
وكذلك كان كل من اليهود يعاون حلفاءه على إخوانه اليهود بالإثم كالقتل والسلب والنهب، والعدوان كالإخراج من الديار. وكانوا إذا تم الاتفاق على مفاداة الأسرى، يفدي بالمال كل فريق من اليهود أبناء جنسه، عملا بالكتاب
стр. 209
المقدس، مع أن السبب الذي أدى إلى الأسر وهو الطرد والإجلاء محرم عليكم في التوراة كتحريم القتل، فكيف تؤمنون ببعض الكتاب وتمتثلون حكم مفاداة الأسرى، وتكفرون بالأحكام الأخرى، فترتكبون جرائم القتل والإخراج والتعاون بالإثم والاعتداء، علما بأن الإيمان بشيء لا يتجزأ، والكفر ببعضه كالكفر بكله؟ فمن آمن ببعض التوراة، وكفر ببعضها الآخر، ليس له جزاء على هذا الفعل المتناقض المستهجن إلا ذل وهوان في الدنيا، وعذاب أليم دائم في الآخرة، وما الله بغافل عن عمل إنسان، فهو يجازيه على سيئاته.
ثم قررت الآيات حكما عاما لأولئك اليهود وغيرهم: وهو أن من آثروا الحياة الدنيا كالزعامة الفارغة وأخذ المال، على الآخرة وما فيها من نعيم مقيم، فهم باعوا آخرتهم بدنياهم بتقديم حظوظهم العاجلة الفانية على حظوظهم الدائمة الخالدة، وبترك أوامر الله في كتابه، فلا يخفف عنهم العذاب الأخروي، ولا يفتر عنهم ساعة واحدة، ولا هم ينصرون في الدنيا والآخرة، فلا شافع يشفع بهم، ولا ولي يدفع عنهم العقاب في جهنم، لأن خطاياهم كثيرة، أحاطت بهم، فحجبتهم عن الرحمة الإلهية، وأبعدتهم عن الفيض الإلهي.
وهكذا كل أمة ذات دين، تؤدي بعض أحكامه كالصلاة والصوم والحج، وتخالف أحكامه الأخرى، فلم تؤد الزكاة وامتنع الأغنياء عن أداء حقوق الفقراء، وشاع فيها الربا والزنا والسرقة والرشوة والبغي والظلم، وأهملت الأسس التي يقوم عليها بنيان النظام الحكومي من العدل، والمساواة، والشورى، والجهاد في سبيل الله ونصرة المؤمنين المستضعفين، فإنها معرّضة للخزي (الهوان) في الدنيا، والعذاب في نار جهنم في الآخرة.
стр. 210
فقه الحياة أو الأحكام:
الوفاء بالعهد من صفات المؤمنين المخلصين، والإخلال بالعهد من صفات الكافرين والمنافقين، ومن ألزم العهود والمواثيق الواجب تنفيذها واحترامها هو عهد الله، فمن أخل به ولم يرع جميع بنوده وأحكامه، استحق العقاب والتوبيخ والاستهجان. وفي تعبير القرآن عن المخالفة والمعصية بالكفر دليل على أن من يقدم على الذنب، ولا يبالي بنهي الله، فهو كافر به.
وإن تجزئة أحكام الله، بأخذ بعضها وقبوله، ورفض بعضها والإعراض عنه، كفر بجميع الأحكام الإلهية. قال العلماء: كان الله تعالى قد أخذ على اليهود أربعة عهود: ترك القتل، وترك الإخراج، وترك المظاهرة، وفداء أساراهم، فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء، فوبخهم الله على ذلك توبيخا يتلى، فقال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ﴾ وهو التوراة ﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (١).
وقد أكدت شريعتنا حكم فداء الأسارى وأنه واجب، قال علماء المالكية وغيرهم: فداء الأسرى واجب، وإن لم يبق درهم واحد. قال ابن خويز منداد:
تضمنت الآية وجوب فك الأسرى، وبذلك وردت الآثار عن النّبي ﷺ أنه فك الأسارى وأمر بفكّهم، وجرى بذلك عمل المسلمين، وانعقد به الإجماع. ويجب فك الأسارى من بيت المال، فإن لم يكن فهو فرض على كافة المسلمين، ومن قام به منهم أسقط الفرض عن الباقين (٢).
стр. 211
موقف اليهود من الرسل والكتب المنزلة
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اِسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (٨٧) وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ (٨٨) وَلَمّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ (٨٩)﴾
الإعراب:
﴿أَفَكُلَّما﴾ الهمزة استفهام بمعنى التوبيخ، والفاء: حرف عطف، و «كلما» ظرف زمان يفيد التكرار، ويقتضي الجواب، والعامل فيه جوابه وهو ﴿اِسْتَكْبَرْتُمْ﴾. ﴿فَفَرِيقاً﴾ منصوب بكذبتم ﴿وَفَرِيقاً﴾ الثاني منصوب بتقتلون. وإنما تقدم المفعول للاهتمام به، وإنما قال:
﴿تَقْتُلُونَ﴾ ولم يقل «قتلتم» مثل ﴿كَذَّبْتُمْ﴾ مراعاة لفواصل الآيات.
﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ مبتدأ وخبر. ﴿فَقَلِيلاً﴾ منصوب لأنه صفة مصدر محذوف، و ﴿ما﴾ زائدة. وتقديره: فإيمانا قليلا يؤمنون. والمراد بالقلة هنا النفي، مثل ﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف ١٠/ ٧] أي لا يشكرون أصلا.
﴿وَلَمّا﴾ ظرف زمان مبني إما لأنه أشبه معنى الحرف، أو لأنه تضمن معنى الحرف. وجواب «لما» في رأي البصريين محذوف تقديره: نبذوه أو كفروا به، وفي رأي الكوفيين: مذكور، وهو الفاء في قوله ﴿فَلَمّا﴾ وكرر «لما» لطول الكلام.
البلاغة:
تقديم المفعول وهو «فريقا كذبتم» و «فريقا تقتلون» للاهتمام به وتشويق السامع إلى
стр. 212
ما بعده. وإنما قال: ﴿تَقْتُلُونَ﴾ ولم يقل «قتلتم» لتطابق «كذبتم» لأجل الفواصل، فإن فواصل الآيات كرؤوس الأبيات، ولأن المضارع يستعمل في الماضي الذي بلغ من الغرابة مبلغا عظيما، كأن صورة قتل الأنبياء ماثلة أمام السامع ينظر إليها.
﴿عَلَى الْكافِرِينَ﴾ ولم يقل «عليهم»: وضع الظاهر مكان الضمير، ليبين أن سبب اللعنة هو كفرهم.
المفردات اللغوية:
﴿الْكِتابَ﴾ التوراة. ﴿وَقَفَّيْنا﴾ أتبعناهم رسولا إثر رسول على منهاج واحد.
و ﴿عِيسَى﴾ بالسريانية: يسوع، ومعناه السيد أو المبارك، و ﴿مَرْيَمَ﴾ بالعبرية: الخادم، لأن أمها نذرتها لخدمة بيت المقدس. ﴿الْبَيِّناتِ﴾ المعجزات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص.
﴿وَأَيَّدْناهُ﴾ قويناه. ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي الروح المطهرة المقدسة: جبريل ﵇، لطهارته، ينزل على الأنبياء ويقدس نفوسهم ويزكيها، قال الحسن البصري: «إنما سمي جبريل (روح القدس) لأن القدس هو الله، وروحه جبريل، فالإضافة للتشريف»، قال الرازي: «ومما يدل على أن روح القدس جبريل قوله تعالى [في سورة النحل ١٠٢/ ١٦]: ﴿قُلْ: نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾» (١) ويطلق عليه الروح الأمين كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣/ ٢٦ - ١٩٥]. ﴿تَهْوى﴾ تحب. ﴿اِسْتَكْبَرْتُمْ﴾ تكبرتم عن اتباعه. ﴿تَقْتُلُونَ﴾ يراد به حكاية الحال الماضية، أي قتلتم كزكريا ويحيى ﵉.
﴿غُلْفٌ﴾ عليها أغشية وأغطية، فلا تعي ما تقول. ﴿بَلْ﴾ للإضراب. ﴿لَعَنَهُمُ اللهُ﴾ أبعدهم من رحمته وخذلهم من القبول. ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ أي ليس عدم قبولهم لخلل في قلوبهم.
﴿ما يُؤْمِنُونَ﴾ ما زائدة، لتأكيد القلة، أي إيمانهم قليل جدا، أو معدوم.
﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ من التوراة، والكتاب هو القرآن. ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ يستنصرون ببعثته ﷺ على الكفار، يقولون: اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث آخر الزمان. ﴿ما عَرَفُوا﴾ من الحق، وهو بعثة النّبي. ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ حسدا وخوفا على الزعامة أو الرياسة.
سبب نزول الآية (٨٩):
قال ابن عباس: كانت يهود خيبر تقاتل غطفان، فكلما التقوا هزمت يهود
стр. 213
خيبر، فعاذت اليهود بهذا الدعاء: «اللهم إنا نسألك بحق محمد النّبيّ الأميّ الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان، إلا نصرتنا عليهم» فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان. فلما بعث النّبي ﷺ كفروا به، فأنزل الله تعالى:
﴿وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي بك يا محمد، إلى قوله:
﴿فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ (١).
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله ﷺ قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب، كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء وداود بن سلمة: يا معشر اليهود: اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد، ونحن أهل شرك، وتخبروننا بأنه مبعوث، وتصفونه بصفته، فقال أحد بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم، فأنزل الله:
﴿وَلَمّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ [البقرة ٨٩/ ٢].
وقال السدي: «كانت العرب تمرّ بيهود، فتلقى اليهود منهم أذى، وكانت اليهود تجد نعت محمد في التوراة أنه يبعثه الله، فيقاتلون معه العرب، فلما جاءهم محمد ﷺ كفروا به حسدا، وقالوا: إنما كانت الرسل من بني إسرائيل، فما بال هذا من بني إسماعيل» (٢).
التفسير والبيان:
اليهود قساة القلوب، عبدة المصالح المادية، والأهواء الذاتية، فتجددت فيهم الإنذارات الإلهية، وأرسلت إليهم الرسل، بعضهم إثر بعض، فكان
стр. 214
بنو إسرائيل أكثر الشعوب حظا في عدد الرسل الذين أرسلوا إليهم، ومع ذلك كانوا ينسون الإنذارات، ويحرفون الشرائع، ويتبعون أهواءهم، ويعصون رسلهم، إما بالتكذيب وإما بالقتل.
وهذه الآيات تذكير لهم بإعطاء موسى التوراة، وإتباعه بالرسل: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا﴾ [المؤمنون ٤٤/ ٢٣] وهم يوشع وداود وسليمان وعزير وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وعيسى ﵈، وكانوا كلهم يحكمون بشريعة موسى، كما قال تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ، يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا.﴾. الآية [المائدة ٤٤/ ٥] إلا أن عيسى جاء بمخالفة التوراة في بعض الأحكام، ولهذا أعطاه الله من البينات-وهي المعجزات كإحياء الموتى وخلقه من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيها، فتكون طيرا بإذن الله، وإبراء الأسقام، وإخباره بالغيوب، وتأييده بروح القدس وهو جبريل ﵇ ما يدلهم على صدقه فيما جاءهم به، فاشتد تكذيب بني إسرائيل له، وحسدهم وعنادهم لمخالفة التوراة في بعض الأحكام، كما قال تعالى إخبارا عن عيسى:
﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ، وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران ٥٠/ ٣].
وكانت النتيجة أنه كلما جاءهم رسول بما لا تميل إليه نفوسهم، وهي لا تميل إلى الخير دائما، كفروا به واستكبروا عليه تجبرا وبغيا، فمنهم من كذبوه كعيسى ومحمد ﵉، ومنهم من قتلوه كزكريا ويحيى ﵉، فلا غرابة بعدئذ إن لم يؤمنوا بدعوة محمد ﷺ ، فإن العناد من طبعهم. والخطاب لجميع اليهود، لأنهم فعلوا ذلك في الماضي ورضي عنهم أولادهم.
ومن قبائحهم قولهم للنبي ﷺ : قلوبنا عليها غشاء، فلا تعي ما تقوله، ولا تفقه ما تتكلم به، فيرد الله عليهم: لستم كذلك، فقلوبكم خلقت مستعدة بالفطرة للنظر الذي يوصل إلى الحق، لكن الله أبعدكم من رحمته، بسبب كفركم
стр. 215
بالأنبياء وعصيانكم التوراة. ولم يظلمهم الله بهذا الإبعاد أو الطرد من رحمته، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، فإيمانهم قليل جدا، فهم آمنوا ببعض الكتاب، وتركوا العمل بالبعض الآخر أو حرفوه، أو أنهم لم يؤمنوا أصلا.
وكان عندهم وصف النّبي ﷺ وبيان زمانه، وكانوا يستنصرون به على المشركين ويقولون: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث آخر الزمان الذي نجد نعته في التوراة.
فلما جاءهم كتاب من عند الله وهو القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ ، مصدق لما معهم من التوراة، ومؤكد وصف النّبي المعروف عندهم، كفروا به حسدا للعرب، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، واستكبروا عن قبول دعوته وإجابته احتقارا للرسل، وهم يعلمون أنه رسول الله، وآثروا الدنيا على الآخرة، فلعنة الله على كلّ كافر من اليهود وغيرهم، لأنه كفر بدعوة الإسلام.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه صورة واضحة تبين موقف فئة من البشر من الأحكام الإلهية، فمن أعرض عنها، وجحد بها، واستكبر عن قبولها، كان مصيره المحقق المنتظر هو استحقاق العذاب والطرد من رحمة الله تعالى.
وهذا الحشد المتتابع من الرسل الذين جاؤوا لبني إسرائيل يدلّ على مزيد العناية الإلهية بأعتى البشر، وتمكينه من العودة إلى طريق الحق، فإذا عوقب ذلك العاتي المستكبر، كان عقابه حقا وعدلا.
والله تعالى منزّه عن ظلم أحد، ففي قوله تعالى: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة ٨٨/ ٢] بيان السبب في نفورهم عن الإيمان، وهو أنهم لعنوا بما تقدم من كفرهم واجترائهم، وهذا هو الجزاء على الذنب بأعظم منه.