الثالثة-أن يكون الوارث للأخ أو الأخت أختان فأكثر، فلهما الثلثان، وقد أجمع العلماء على أن الأكثر من أختين كالأختين؛ لأن الأكثر من بنتين لا يزدن عن الثلثين، فبالأولى لا يزيد الأكثر من أختين عن الثلثين، كما تقدم.
الرابعة-أن يكون ورثة الأخ أو الأخت عددا من الإخوة والأخوات، فللذكر مثل حظ الأنثيين. لكن إن اجتمع إخوة أشقاء وإخوة لأب، قدم الأشقاء؛ لأن الإخوة لأب يحجبون بالإخوة الأشقاء.
أما إذا كان إخوة الميت الكلالة عددا من الإخوة الذكور فإنهم يرثون جميع التركة.
وجمهور الصحابة والتابعين غير ابن عباس وداود الظاهري يجعلون الأخوات عصبة مع البنات، وإن لم يكن معهن أخ. أما ابن عباس وداود فلا يجعلون الأخوات عصبة مع البنات، لظاهر قول الله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ، وَلَهُ أُخْتٌ، فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ﴾ ولم يورثوا الأخت إلا إذا لم يكن للميت ولد، قالوا: ومعلوم أن الابنة من الولد، فوجب ألا ترث الأخت مع وجودها.
стр. 1752
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة المائدة
مدنية وهي مائة وعشرون آية، وهي السورة الخامسة من القرآن الكريم.
تسميتها:
تسمى هذه السورة سورة المائدة؛ لاشتمالها على قصة نزول المائدة من السماء بعد أن طلبها الحواريون من عيسى ﵇، لتدل على صدق نبوته، وتكون لهم عيدا. وتسمى أيضا سورة العقود، وسورة المنقذة،
قال ﷺ :
«سورة المائدة تدعى في ملكوت الله: المنقذة، تنقذ صاحبها من أيدي ملائكة العذاب».
تاريخ نزولها:
هي سورة مدنية نزلت بعد الهجرة ولو في مكة بعد الانصراف من الحديبية، وثبت في الصحيحين عن عمر: «أن قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ نزلت عشية عرفة، يوم الجمعة، عام حجة الوداع».
وروي عن النبي ﷺ أنه قرأ سورة المائدة في حجة الوداع وقال: «يا أيها الناس، إن سورة المائدة آخر ما نزل، فأحلوا حلالها، وحرموا حرامها» وروى أحمد والترمذي والحاكم والبيهقي عن عبد الله بن عمر قال: «آخر سورة نزلت:
المائدة والفتح» وروى أحمد والنسائي والحاكم وصححه، والبيهقي عن عائشة قالت: المائدة آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلّوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرّموه».
стр. 1753
مناسبتها لما قبلها:
هناك أوجه تشابه بينها وبين سورة النساء، لاشتمال كل منهما على عدة عهود وعقود وأحكام ومناقشة أهل الكتاب والمشركين والمنافقين، ففي سورة النساء الكلام على عقود الزواج والأمان والحلف والمعاهدة، والوصايا والودائع والوكالات والإجارات، وابتدأت سورة المائدة بالأمر بالوفاء بالعقود. ومهدت سورة النساء لتحريم الخمر، وحرمتها سورة المائدة بنحو قاطع، وتضمنت السورتان مناقشة أهل الكتاب والمشركين والمنافقين في عقائدهم ومواقفهم من الرسالة المحمدية.
ما اشتملت عليه:
اشتملت سورة المائدة على أحكام تشريعية وثلاث قصص. أما الأحكام:
فهي بيان أحكام العقود ونكاح الكتابيات والوصية عند الموت، والمطعومات من ذبائح وصيود، وصيد الإحرام وجزائه، والطهارة من وضوء وغسل وتيمم، وتحريم الخمر والميسر وجزاء الردة، وحد السرقة وحد الحرابة (قطع الطريق) وكفارة اليمين، وشريعة الجاهلية بتحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وحكم تارك العمل بما أنزل الله، ونحو ذلك في أثناء مناقشة ومجادلة النصارى واليهود والمشركين والمنافقين.
قال العلماء: فيها ثمان عشرة فريضة ليست في غيرها؛ وهي: ﴿الْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ﴾، ﴿وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ﴾ ﴿وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وتمام الطهور: ﴿إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾، ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ﴾، ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ إلى قوله: ﴿عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ و ﴿ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية.
стр. 1754
وذكر القرطبي فريضة تاسعة عشرة وهي قوله : ﴿وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾: ليس للأذان ذكر في القرآن إلا في هذه السورة، أما ما جاء في سورة الجمعة فمخصوص بالجمعة، وهو في هذه السورة عام لجميع الصلوات.
وفي الجملة انفردت سورة المائدة ببيان أصول مهمة في الإسلام هي:
١ - إكمال الدين، وأن دين الله واحد، وإن اختلفت شرائع الأنبياء ومناهجهم.
٢ - بيان عموم بعثة النبي ﷺ وأمره بالتبليغ العام، وانحصار مهمته بالتبليغ فقط.
٣ - أوجب الله على المؤمنين إصلاح نفوسهم، وأنه لا يضرهم إن استقاموا ضلال غيرهم، وطريق الإصلاح الوفاء بالعقود، وتحريم الاعتداء على الآخرين، والتعاون على البر والتقوى وتحريم التعاون على الإثم والعدوان، وتحريم موالاة الكفار، ووجوب الشهادة بالعدل، والحكم بالقسط والمساواة بين المسلمين وغيرهم.
٤ - بيان أحكام المطعومات، وتحريم الخمر والميسر (القمار) والأنصاب والأزلام.
٥ - تفويض أمر الجزاء في الآخرة إلى الله وحده، وأن النافع في ذلك اليوم الصدق.
وأما القصص الثلاث الواردة للعبرة والعظة فهي: الأولى-قصة بني إسرائيل مع موسى ﵇ إذ قالوا له: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾. والثانية-قصة ابني آدم، حيث قتل قابيل هابيل، وهي أول جريمة في الأرض. والثالثة-قصة المائدة التي كانت معجزة خارقة لعيسى ﵇ أمام صحبه الحواريين.
стр. 1755
فضلها:
أخرج الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال:
أنزلت على رسول الله ﷺ سورة المائدة، وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله، فنزل عنها.
الوفاء بالعقود ومنع الاعتداء والتعاون على الخير
وتعظيم شعائر الله
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢)﴾
الإعراب:
﴿إِلاّ ما يُتْلى.﴾. ما: إما منصوب على الاستثناء من ﴿بَهِيمَةُ﴾؛ أو مرفوع على أنه صفة ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ﴾ كما تقول: أحلت لكم بهيمة الأنعام غير ما يتلى، فإذا أقيمت إلا وما بعدها مقام ﴿غَيْرَ﴾ رفعت ما بعد إلا. والوجه الأول أوجه. ﴿غَيْرَ مُحِلِّي﴾ غير: منصوب على الحال إما من الكاف واللام في ﴿لَكُمْ﴾ والعامل فيه: أحلت وإما من ضمير ﴿أَوْفُوا﴾ والعامل فيه:
﴿أَوْفُوا﴾.
стр. 1756
﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ جملة اسمية في موضع نصب على الحال من ضمير الفاعل في ﴿مُحِلِّي﴾.
﴿وَلا الْقَلائِدَ﴾: أي ذوات القلائد، وهي جمع قلادة: وهي ما قلّد البعير من لحاء الشجر وغيره ﴿يَبْتَغُونَ﴾: جملة فعلية في موضع نصب على الحال من ضمير: ﴿آمِّينَ﴾ أي لا يحلّوا من قصد البيت الحرام مبتغين فضلا من ربهم. ولا يجوز أن يكون صفة لآمّين لأنه قد نصب البيت، واسم الفاعل إذا وصف لم يعمل؛ لأنه يخرج بالوصف عن شبه الفعل، والفعل لا يوصف.
﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ أن مصدرية في موضع نصب؛ لأنه مفعول لأجله، وتقديره: لأن، فحذف اللام فاتصل الفعل به. و ﴿أَنْ تَعْتَدُوا﴾ منصوب بيجرمنكم.
البلاغة:
﴿شَعائِرَ اللهِ﴾: استعارة، استعار الشعيرة وهي العلامة للمتعبدات التي تعبد الله بها العباد من الحلال والحرام.
﴿وَلا الْقَلائِدَ﴾ أي ذوات القلائد، وهي عطف خاص على عام.
﴿وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ﴾ فيه ما يسمى بالمقابلة في علم البديع.
المفردات اللغوية:
﴿أَوْفُوا﴾ أتموا الشيء وافيا كاملا لا نقص فيه ﴿بِالْعُقُودِ﴾ أي العهود المؤكدة الموثقة التي بينكم وبين الله والناس، أي ما كانوا يتعاقدون عليه من الحلف وغيره. فهي تشمل عقود الشرع فيما أحل وحرّم وفرض، وعقود الناس بعضهم مع بعض في البيع والشراء والزواج وغير ذلك ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ﴾ البهيمة: هي ما لا عقل لها، وخصها العرف بذوات الأربع من حيوان البر والبحر.
والأنعام: هي الإبل والبقر والغنم، وما يلحق بها من الجاموس والمعز والظباء. وأحلت لكم بهيمة الأنعام أكلا بعد الذبح ﴿إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ تحريمه في آية ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾. ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ محرمون بالحج أو العمرة. والحرم: جمع حرام.
﴿شَعائِرَ﴾ جمع شعيرة، أي معالم دينه وخصت بمناسك الحج، وقوله ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ﴾ أي بالصيد في الإحرام ﴿الشَّهْرَ الْحَرامَ﴾ أي بالقتال فيه ﴿وَلا الْهَدْيَ﴾ ما يهدى إلى الحرم من الأنعام، بذبحه فيه للفقراء، وهو من النسك. ﴿الْقَلائِدَ﴾ جمع قلادة وهي ما يعلق في العنق، والقلادة: هي ما كان يقلد به من شجر الحرم ليأمن، أي فلا تتعرضوا لها ولا لأصحابها. ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ﴾: ولا تحلوا قاصدين البيت الحرام، بأن تقاتلوهم ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً﴾ رزقا أو
стр. 1757
ربحا من ربهم بالتجارة ﴿وَرِضْواناً﴾ منه بقصده، بزعمهم الفاسد أي يقصدون التوصل إلى رضا من الله يحول بينهم وبين عقوبته في الدنيا، وهذا منسوخ بآية براءة، قال الشعبي: لم ينسخ من هذه السورة إلا قوله: ﴿وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ﴾.
﴿وَإِذا حَلَلْتُمْ﴾ من الإحرام ﴿فَاصْطادُوا﴾ أمر إباحة لا أمر إيجاب ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ لا يحملنكم ولا يكسبنكم ﴿شَنَآنُ﴾ بغض قوم، لأجل أن صدوكم عن المسجد الحرام، أن تعتدوا عليهم بالقتل وغيره.
﴿الْبِرِّ﴾ هو كلمة جامعة للخير، تشمل كل ما أمر به الشرع واطمأن إليه القلب ﴿وَالتَّقْوى﴾ هي امتثال المأمورات واجتناب المنهيات ﴿الْإِثْمِ﴾ المعصية والذنب، وهو كل ما حاك في الصدر وكرهت أن يطلع عليه الناس ﴿الْعُدْوانِ﴾ التعدي في حدود الله ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ خافوا عقابه بأن تطيعوه ﴿إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ لمن خالفه.
سبب النزول:
نزول ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ﴾:
أخرج ابن جرير الطبري عن عكرمة، قال: قدم الحطم بن هند البكري المدينة في عير له يحمل طعاما فباعه، ثم دخل على النبي ﷺ ، فبايعه وأسلم، فلما ولى خارجا، نظر إليه، فقال لمن عنده: لقد دخل علي بوجه فاجر، وولى بقفا غادر، فلما قدم اليمامة ارتد عن الإسلام، وخرج في عير له يحمل الطعام في ذي القعدة يريد مكة، فلما سمع به أصحاب النبي ﷺ تهيأ للخروج إليه نفر من المهاجرين والأنصار، ليقتعوه (١) في عيره، فأنزل الله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ﴾ الآية، فانتهى القوم، وأخرج عن السدي نحوه.
نزول قوله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾:
أخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال: كان رسول الله ﷺ بالحديبية وأصحابه حين صدهم المشركون عن البيت، وقد اشتد ذلك عليهم، فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة، فقال أصحاب النبي ﷺ : نصد هؤلاء، كما صدوا أصحابنا، فأنزل الله: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ الآية.
стр. 1758
التفسير والبيان:
نادى الله المؤمنين بوصف الإيمان ليحثهم على امتثال ما يكلفهم به، فإن شأن المؤمنين الانقياد لما يكلفون به من ربهم.
يا من اتصفتم بالإيمان ونبذتم كل ما يدعو إليه الشيطان أوفوا بالعقود أي العهود التي عقدتموها بينكم وبين الله أو بينكم وبين الناس، وهي التكاليف التي ألزمكم الله بها والتزمتموها، مما أحل الله وحرم وما أخذ الله من الميثاق على من أقر بالإيمان بالنبي والكتاب أن يوفوا بما أخذ الله عليهم من الفرائض وأحكام الحلال والحرام. ومن هذه التكاليف: ما يعقده الناس بعضهم مع بعض من عقود المعاملات. وهذه العقود ستة هي: عهد الله، وعقد الحلف، وعقد الشركة، وعقد البيع، وعقد النكاح، وعقد اليمين.
قال النبي ﷺ : «المسلمون عند شروطهم» «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط» «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١). فيجب الوفاء بالعقود والعهود بحسب الشروط المتفق عليها إذا لم تصادم الشرع، فلا يجب الوفاء بالتعاقد على المحرمات، مثل حلف الجاهلية على الباطل، كحلفهم على التناصر والميراث، بأن يقول شخص لآخر إذا حالفه: دمي دمك وهدمي هدمك وترثني وأرثك.
ثم فصّل الله تعالى عقوده على الناس في دينه من تحليل حلاله وتحريم حرامه، ومهد للنهي عن بعض محرمات الإحرام ببيان نعمه التي تحملنا على الوفاء بالعقود، ومن أعظم النعم إحلال بهيمة الأنعام أكلا من طريق الذبح الشرعي، والأنعام: هي الإبل والبقر والضأن والمعز وأمثالها كالظباء وبقر الوحش. والبهيمة في الأصل: كل حي لا يميز، فهي تشمل الأنعام وغيرها، سواء أكانت من ذوات الأربع أم لا. ثم قيدها بالأنعام، والإضافة للبيان، أي بهيمة
стр. 1759
هي الأنعام. فلا تشمل غير الأنعام، سواء أكانت من ذوات الحوافر كالخيل والبغال والحمير، أم من غيرها كالسباع من أسد ونمر وذئب ونحوها من كل ما له ناب، أو له مخلب من الطيور كالنسر والعقاب والغراب والصقر.
ولا بد من إضمار فعل يناسب الكلام؛ لأن الإحلال لا يتعلق إلا بالأفعال، وهذا الفعل مأخوذ من الانتفاع، ويكون المراد من قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ﴾:
أحل لكم الانتفاع ببهيمة الأنعام، وهو يشمل الانتفاع بلحمها وجلدها وعظمها وصوفها، وذلك مثل تقدير فعل في قوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ [النحل ٥/ ١٦] أي لتنتفعوا بها في الدفء وغيره.
ثم استثنى الله تعالى من الأنعام محرمات عشر، فقال: ﴿إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ أي يستثني من حل بهيمة الأنعام ما يتلى عليكم من المحرمات العشر الآتية، حالة كونكم غير محلي الصيد في الإحرام، فيحرم الصيد في أثناء الإحرام بالحج أو العمرة، وفي الحرم المكي والمدني ولو في غير حالة الإحرام.
والحرم: جمع حرام وهو المحرم بحج أو عمرة. ودلت السنة على تحريم صيد الحرمين. ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾ من الأحكام ويعلم أنه حكمة ومصلحة.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ..﴾. أي يا أيها المؤمنون، لا تحلوا شعائر الله، أي مناسك الحج، وإحلال الشعائر: استباحتها والتهاون بحرمتها والإخلال بأحكامها، والحيلولة بينها وبين المتنسكين بها، فلا تتعدوا حدود الله.
ولا تنتهكوا حرمة الأشهر الحرم وهي أربعة: ذو القعدة وذو الحجة والمحرّم ورجب، فلا تقاتلوا المشركين فيها، ولا تبدلوها بغيرها كما كان العرب يفعلون في الجاهلية من عملية النسيء، أي تأخير حرمة شهر حرام إلى غيره، ولا تحدثوا في أشهر الحج ما تصدون به الناس عن الحج. ﴿وَلا الْهَدْيَ﴾ أي ولا تعترضوا الهدي
стр. 1760
المهدي للحرم بالغصب أو الأخذ أو المنع من بلوغ محله حتى لا يصل إلى الكعبة.
وسمي الشهر حراما لتحريم القتال فيه. وقد نسخ هذا الحكم بآية براءة كما تقدم بيانه وهي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [٥/ ٩]، والهدي: ما يتقرب به المرء من النعم ليذبح في الحرم.
﴿وَلا الْقَلائِدَ﴾ من الأنعام، لا تنتهكوا أيضا حرمتها، والمراد بها ذوات القلائد وهي جمع قلادة: وهي ما قلد به الهدي مما يعلق في عنق البعير أو غيره من نعل أو عروة مزادة أو جلد أو قشر شجر أو غيره، ليعلم أنه هدي فلا يتعرض له. وخصت بالبيان مع شمول الهدي لها تشريفا لها واعتناء وزيادة توصية بها؛ لأنها أشرف الهدي.
﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ﴾ أي ولا تعترضوا ولا تحلوا قوما قاصدين المسجد الحرام، يطلبون من الله الفضل (الرزق والثواب) والرضوان (الرضا، أي أن يرضى عنهم) أي لا تتعرضوا لقوم هذه صفتهم، تعظيما لهم، واستنكارا أن يتعرض لمثلهم؛ لأن من دخل البيت الحرام كان آمنا، وكذا من قصده طالبا فضل الله وراغبا في رضوانه.
والمقصود من الحفاظ على حرمة الأمور المتقدمة أن يكون الناس في زمان الحج ومكانه في أمان واطمئنان، فلا يتعرض الحاج للخوف والقلق، حتى يأمن على نفسه وماله.
﴿وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا﴾ أي إذا فرغتم من إحرامكم وأحللتم منه، وأنتم في غير أرض الحرم، فقد أبحنا لكم ما كان محرما عليكم في حال الإحرام من الصيد، فاصطادوا كما تشاؤون، ولا إثم عليكم في الصيد وأكله. وهذا أمر بعد الحظر، والصحيح أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي، فإن كان واجبا رده واجبا، وإن كان مستحبا فمستحب، أو مباحا فمباح.
стр. 1761
﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ.﴾. أي لا يحملنكم بغض قوم قد كانوا صدوكم عن الوصول إلى المسجد، وذلك عام الحديبية، على أن تتعدوا حكم الله، فتقتصوا منهم ظلما وعدوانا، بل احكموا بما أمركم الله به من العدل في حق كل أحد (١).
﴿وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ﴾: وهو كل خير أمر به الشرع أو نهى عنه من المنكرات، أو اطمأن إليه القلب، ولا تتعاونوا على الإثم وهو الذنب والمعصية:
وهي كل ما منعه الشرع، أو حاك في الصدر وكرهت أن يطلع عليه الناس.
ولا تتعاونوا على التعدي على حقوق الغير. والإثم والعدوان يشمل كل الجرائم التي يأثم فاعلها، ومجاوزة حدود الله بالاعتداء على القوم. واتقوا الله بفعل ما أمركم به واجتناب ما نهاكم عنه. ﴿إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ لمن عصى وخالف. وإظهار اسم الجلالة هنا في موضع الإضمار لإدخال الروعة والخوف وتربية المهابة في القلوب.
وهذا من جوامع الكلم الشامل لكل خير وشر ومعروف ومنكر مع رقابة الله في السر والعلن.
فقه الحياة أو الأحكام:
هاتان الآيتان تضمنت أصول الإسلام في المعاملات والعلاقات الاجتماعية، وفيهما من الفصاحة وكثرة المعاني مع قلة الألفاظ ما لا يخفى على أحد.
والآية الأولى تضمنت خمسة أحكام:
١ - الأمر بالوفاء بالعقود التي يتعاقد بها الناس، ووجوب الوفاء بالتكاليف
стр. 1762
الإسلامية، فيلزم دفع أثمان المبيعات ومهور النساء ونفقاتهن، والمحافظة على الوديعة والعارية والعين المرهونة وردها إلى أصحابها سالمة، وحفظ مال المستأمن ونفسه، وصون حرمة المعاهد وأسرته وماله.
وقوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ يدل على لزوم العقد وثبوته، ويقتضي نفي خيار المجلس، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، وأثبت الشافعي وأحمد هذا الخيار للمتعاقدين ما داما في مجلس العقد، فلهما الإمضاء والفسخ، لما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال: «البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا» وفي لفظ آخر للبخاري: «إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا» وهذا صريح في إثبات خيار المجلس عقب عقد البيع، ما دام المتعاقدان في المجلس، وليس هذا منافيا للزوم العقد، بل هو من مقتضياته شرعا، فالتزامه من تمام الوفاء بالعقود.
أما النذر الواجب الوفاء به فهو نذر الطاعات كالحج والصيام والاعتكاف والقيام ونحوها، وأما نذر المباح فلا يلزم بإجماع الأمة.
٢ - تحليل بهيمة الأنعام بالأكل من طريق الذبح الشرعي.
٣ - استثناء المحرمات الآتية بعد في الآية (٣) ونحوها، وكذا الثابت في السنة مثل
نهيه ﵊ عن «كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير» رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي عن ابن عباس.
٤ - استثناء حالة الإحرام فيما يصاد. ومثله صيد الحرمين.
٥ - إباحة الصيد لمن ليس بمحرم في غير الحرمين.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾ تقوية لهذه الأحكام الشرعية المخالفة لمعهود أحكام العرب، فالله يحكم على وفق مشيئته وحسبما يرى من الحكمة
стр. 1763
والمصلحة: ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ يشرّع ما يشاء كما يشاء.
ودلت الآية الثانية على تحريم التعرض لمناسك الحج، وتجاوز حدود الله فيما شرع، فلا يجوز التعدي على معالم دينه.
وتلك المعالم هي شعائر الله أي البدن التي تهدى للحرم، وإشعارها: أن يجزّ شيء من سنامها حتى يسيل منه الدم، فيعلم أنها هدي. وقال عطاء:
شعائر الله: جميع ما أمر الله به ونهى عنه. وقال الحسن البصري: دين الله كله، كقوله تعالى: ﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ، فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج ٣٢/ ٢٢] أي دين الله.
وقد أجاز الجمهور الإشعار، ويكون-في رأي الشافعي وأحمد وأبي ثور-في الجانب الأيمن لما
ثبت عن ابن عباس أن النبي ﷺ أشعر ناقته في صفحة سنامها الأيمن. وقال مالك: يكون في الجانب الأيسر. وقال مجاهد: من أي الجانبين شاء.
ومنعه أبو حنيفة، وقال: إنه تعذيب للحيوان أي أنه مكروه كما صرح الحنفية، والحديث يؤوّل بأن الإشعار يجري مجرى الوسم الذي يعرف به الملك.
وقال الصاحبان: ليس بمكروه ولا سنة، بل هو مباح.
ومن المعالم: حرمة الشهر الحرام وهي أربعة: واحد فرد وثلاثة سرد، وهي «ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب» فلا تستحل للقتال ولا للغارة ولا تبدّل، فإن استبدالها استحلال، وذلك ما كانوا يفعلونه من النسيء. ثم نسخ تحريم القتال فيها بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ والمراد بها الأشهر التي حرم الله قتالهم فيها وضربها أجلا لهم يسيحون فيها في الأرض، ويفكرون في أمر الإسلام، وليس المراد بها أشهر الحج أو الأشهر الحرم بالمعنى السابق.
стр. 1764
ومن المعالم: الهدي والقلائد، فلا تحلوا النعم التي يتقرب بها إلى الله تعالى لتذبح في الحرم. وإحلالها: هو التعرض لها وسلبها أو الانتفاع بها في غير ما سيقت له من التقرب إليه تعالى. والهدي: ما أهدي إلى بيت الله تعالى من ناقة أو بقرة أو شاة. وهو في رأي الجمهور عام في جميع ما يتقرب به من الذبائح والصدقات. وأخذ العلماء من ذلك عدم جواز الأكل من الهدايا التي تقدم للذبح في الحرم، إلا هدي التطوع والقران والتمتع، فإنه يجوز الأكل منها لصاحبها وللأغنياء؛ لأنه دم نسك يقدم شكرا لله تعالى على ما أنعم به من التوفيق للعبادة، فيجوز الأكل منه، ولأنه قد صح
أن النبي ﷺ أكل من هدي القران والتمتع، وحسا من المرقة، فيبقى غيرها على عدم الجواز؛ لأنها دم مخالفات وعقوبات وكفارات، فلا يجوز الانتفاع بشيء منها.
والقلائد: المراد بها الهدايا التي تقلد، وهي التي كانت للتطوع أو النذر أو القران أو التمتع. أما الهدايا التي تجب بسبب الجنايات فلا تقلد. وهي على حذف مضاف، أي لا تحلوا ذوات القلائد: وهي كل ما علّق على أسنمة الهدايا وأعناقها، علامة أنها لله سبحانه.
والتقليد أي وضع القلادة سنة إبراهيمية أقرها الإسلام، وهي عند الشافعي وأحمد سنة في البقر والغنم،
قالت عائشة ﵂: أهدى رسول الله ﷺ مرة إلى البيت غنما فقلّدها (١). وأنكره مالك والحنفية، وكأنهم لم يبلغهم هذا الحديث في تقليد الغنم، أو بلغ لكنهم ردوه لتفرد الأسود به عن عائشة.
واتفقوا فيمن قلّد بدنة على نية الإحرام، وساقها: أنه يصير محرما، قال الله: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ﴾ إلى أن قال: ﴿فَاصْطادُوا﴾ ولم يذكر الإحرام، لكن لما ذكر التقليد عرف أنه بمنزلة الإحرام.
стр. 1765
فإن بعث بالهدي ولم يسق بنفسه، لم يكن محرما، وهو مذهب الجمهور؛
لحديث البخاري عن عائشة قالت: «أنا فتلت قلائد هدي رسول الله ﷺ بيديّ: ثم قلدها بيديه، ثم بعث بها مع أبي، فلم يحرم على رسول الله ﷺ شيء أحلّه الله له حتى نحر الهدي».
وقال الحنفية: من أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر الهدي، وهو-فيما رواه البخاري-رأي ابن عباس.
ولا يجوز بيع الهدي ولا هبته إذا قلّد أو أشعر؛ لأنه قد وجب. وإن مات موجبه لم يورث عنه ويذبح في الحرم، بخلاف الأضحية فإنها لا تجب إلا بالذبح خاصة عند مالك إلا أن يوجبها بالقول؛ فإن أوجبها بالقول قبل الذبح، فقال:
«جعلت هذه الشاة أضحية» تعينت. وعليه إن تلفت ثم وجدها أن يذبحها.
وقال الشافعي: لا بدل عليه إذا ضلّت أو سرقت، إنما الإبدال في الواجب.
ولا تحلوا قوما قاصدين إلى البيت الحرام، أي لا تمنعوا الكفار القاصدين البيت الحرام على جهة التعبد والقربة. وهذا كله منسوخ بآية السيف: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة ٥/ ٩] وقوله تعالى: ﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا﴾ [التوبة ٢٨/ ٩] فلا يمكّن المشرك من الحج، ولا يؤمّن في الأشهر الحرم، وإن أهدى وقلّد وحج.
ودل قوله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً﴾ على جواز ابتغاء الفضل أي الأرباح في التجارة.
ودل قوله : ﴿وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا﴾ على إباحة صيد غير الحرم بعد الانتهاء من أعمال الحج، فهو أمر إباحة بإجماع الناس، لرفع ما كان محظورا بالإحرام. وقال المالكية: الأمر على أصله من الوجوب، وإنما فهمت الإباحة
стр. 1766
من النظر إلى المعنى، والإجماع، لا من صيغة الأمر. وخص الصيد بالذكر؛ لأنهم كانوا يرغبون فيه كثيرا كبيرهم وصغيرهم.
وأرشد قوله: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ إلى حرمة الاعتداء بالباطل؛ لأن المعنى: لا يحملنكم بغض قوم أن تتعدوا الحق إلى الباطل، والعدل إلى الظلم،
قال ﵊ فيما رواه أبو داود والترمذي والحاكم عن أبي هريرة: «أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك». ودل قوله تعالى: ﴿وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ..﴾. على وجوب التعاون بين الناس على البر والتقوى، والانتهاء عما نهى الله عنه، وحرمة التعاون على المعاصي والذنوب، ويؤكده
حديث «الدال على الخير كفاعله» رواه الطبراني عن سهل بن سعد وعن ابن مسعود، وهو صحيح.
المطعومات المحرمات وإكمال الدين والضرورة
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاِخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾
الإعراب:
﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا.﴾. أن المصدرية مع صلتها: في موضع رفع بالعطف على قوله تعالى:
﴿الْمَيْتَةُ﴾ وتقديره: حرم عليكم الميتة والاستقسام بالأزلام: وهو قسمهم الجزور في الجاهلية عشرة أقسام.
стр. 1767
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ في موضع رفع بالابتداء، وهي شرطية، والجواب: ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ.﴾.
وهو خبر المبتدأ، ومعه ضمير محذوف، وتقديره: فإن الله غفور رحيم.
المفردات اللغوية:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ أي أكلها ﴿وَالدَّمُ﴾ أي المسفوح ﴿وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ بأن ذبح على اسم غيره ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ الميتة خنقا ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ المقتولة ضربا ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ الساقطة من علو إلى أسفل فماتت ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ المقتولة بنطح أخرى لها ﴿إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ﴾ أي أدركتم فيه الروح من هذه الأشياء فذبحتموه ﴿وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ أي على اسم النصب وهي الأصنام ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا﴾ تطلبوا القسم والحكم بالأزلام، جمع زلم (بفتح الزاي وضمها مع فتح اللام): قدح (بكسر القاف) صغير لا ريش فيه ولا نصل، وكانت سبعة عند سادن الكعبة، عليها أعلام، وكانوا يحكمونها، فإن أمرتهم ائتمروا وإن نهتهم انتهوا ﴿ذلِكُمْ فِسْقٌ﴾ خروج عن الطاعة.
﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ أن ترتدوا عنه بعد طمعهم في ذلك لما رأوا من قوته ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ أحكامه وفرائضه، فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ بإكماله، وقيل: بدخول مكة آمنين ﴿وَرَضِيتُ﴾ اخترت ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ مجاعة فاضطر إلى أكل شيء مما حرم عليه، فأكله ﴿غَيْرَ مُتَجانِفٍ﴾ مائل ﴿لِإِثْمٍ﴾ معصية ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ له ما أكل ﴿رَحِيمٌ﴾ به في إباحته له، بخلاف المائل لإثم، أي الملتبس كقاطع الطريق والباغي مثلا فلا يحل له الأكل.
سبب النزول
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ أخرج ابن منده في كتاب الصحابة من طريق عبد الله بن جبلة بن حبان بن حجر عن أبيه عن جده: حبان قال: كنا مع رسول الله ﷺ ، وأنا أوقد تحت قدر فيها لحم ميتة، فأنزل تحريم الميتة، فأكفأت القدر.
التفسير والبيان:
يخبر تعالى عباده خبرا متضمنا النهي عن تعاطي هذه المحرمات، التي أشير إلى شيء منها بقوله: ﴿إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ [الحج ٣٠/ ٢٢]. والمحرم إجمالا أربعة
стр. 1768
أنواع ذكرت في سورتي البقرة والنحل: ﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [النحل ١١٥/ ١٦]، وهي عشرة أنواع ذكرت تفصيلا هنا:
١ - الميتة:
وهي ما مات من الحيوان حتف أنفه من غير فعل فاعل، من ذكاة أو اصطياد، ويراد بها شرعا: ما مات دون تذكية (ذبح شرعي). وقد حرمت لخبثها ولما فيها من الضرر ببقاء بعض المواد الضارة في جسمها إما بسبب المرض أو بسبب احتباس الدم فيها، فإن ذكيت ذهب الدم الضار منها، على أن الطباع السليمة تعافها وتنفر منها وتأنف من أكلها، فهي ضارة للدين وللبدن، لذا حرمها الله .
فيحرم أكلها اتفاقا، وأما شعرها وعظمها فقال الحنفية: طاهران يجوز استعمالهما، وقال الشافعي: نجسان لا يجوز استعمالهما.
ويستثني من الميتة نوعان: السمك والجراد،
لما رواه أحمد والدارقطني والبيهقي وابن ماجه من قوله ﷺ عن ابن عمر: «أحلت لنا ميتتان ودمان، فالميتتان: السمك والجراد، والدمان: الكبد والطحال»
ولما رواه مالك في موطئه والشافعي وأحمد في مسنديهما، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في سننهم وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ سئل عن ماء البحر فقال: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته».
٢ - الدم:
أي الدم المسفوح، أي المائع الذي يسفح ويراق من الحيوان لا المتجمد كالكبد والطحال وما يبقى في اللحم بعد الذبح عادة، بدليل قوله تعالى في آية
стр. 1769
أخرى: ﴿أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾ [الأنعام ١٤٥/ ٦]. وسئل ابن عباس عن الطحال فقال: كلوه، فقالوا: إنه دم، فقال: «إنما حرم عليكم الدم المسفوح» أي السائل من الحيوان عند التذكية، قليلا كان أو كثيرا.
وسبب تحريم الدم المسفوح: أنه مباءة الجراثيم والسموم، وأنه مستقذر طبعا، ويعسر هضمه، ومن فضلات الجسم الضارة كالبراز، وأن فصائل الدم مختلفة، ولا تناسب فصيلة غيرها، فهو قذر يضر الأجسام. ولا عبرة بما كان العرب في الجاهلية يفعلونه من أكل الدم المختلط بالشعر وهو المسمى بالعلهز، وحشو الأمعاء بالدم ثم شيّه وأكله.
٣ - لحم الخنزير:
وهو يشمل جميع أجزائه حتى الشحم والجلد، وإنما خص اللحم بالذكر؛ لأنه المقصود الأهم، وقد نفر الشرع من الانتفاع بجميع أجزاء الخنزير في قوله تعالى:
﴿أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام ١٤٥/ ٦]
وفي قوله ﷺ -فيما رواه مسلم في صحيحة عن بريدة بن الخصيب الأسلمي-: «من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم الخنزير ودمه» فإنه تنفير من مجرد اللمس، فيكون التهديد على أكله والتغذي به أشد.
وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام» فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنها تطلي بها السفن، وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: «لا، هو حرام».
وقد أجاز قوم استعمال شعر الخنزير في الخرز للضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، ولا حاجة اليوم إليه لتقدم الصناعة.
وسبب تحريم لحم الخنزير: ما فيه من الضرر والقذر لملازمته القاذورات، واحتوائه غالبا على الديدان كالدودة الوحيدة والشعرة الحلزونية، ولعسر هضمه
стр. 1770
لكثرة شحم أليافه العضلية ومواده الدهنية، كما أن له طباعا سيئة مثل فقدان الغيرة على أنثاه، والطباع تنتقل مع اللحم والأكل. وإذا كانت الحظائر الحديثة ترعى صحيا تربية الخنازير، ويشرف الأطباء على فحص اللحم، فإن هذا لا يتيسر لكل الناس، كما أن الأضرار المعنوية لا يمكن تجنبها، وعلى كل حال يلتزم المسلم بالتحريم مطلقا، سواء توافرت علة المنع في الوقت الحاضر أو لا؛ لأن المعوّل عليه شرعا رعاية مصالح الناس قاطبة لا أفراد معينين.
٤ - ما أهلّ به لغير الله:
أي ما ذبح وذكر عليه اسم غير الله، ومعنى أهل: رفع الصوت لغير الله عند ذبحه، سواء اقتصر على ذكر غير الله، كالقول عند الذبح: باسم المسيح أو باسم فلان، أو جمع بين ذكر الله وذكر غيره بالعطف، كالقول: باسم الله واسم فلان، فإن ذكر كلام بغير العطف مثل باسم الله، المسيح نبي الله، أو باسم الله، محمد رسول الله، فقال الحنفية: تحل الذبيحة، ويعتبر ذكر غير الله كلاما مبتدءا، ولكن يكره الوصل صورة.
وسبب التحريم: تعظيم غير الله، ومشاركة الكفار في عبادة غير الله، والتقرب لآلهتهم بالذبائح، وقد كان أهل الجاهلية يرفعون أصواتهم عند الذبح أمام الأصنام قائلين: باسم اللات والعزى، أو باسم هبل.
لذا حرم الإسلام ذلك؛ لأن الله تعالى أوجب أن تذبح الحيوانات على اسمه العظيم، فمتى عدل بها عن المقرر شرعا، وذكر عليها اسم غيره من صنم أو طاغوت أو وثن أو غير ذلك من سائر المخلوقات، فإنها حرام بالإجماع. وإنما اختلف العلماء في متروك التسمية عمدا أو نسيانا كما سيأتي في سورة الأنعام.
стр. 1771
٥ - المنخنقة:
وهي التي تموت بالخنق إما قصدا وإما صدفة بأن انخنقت بوثاقها أو بشبكة أو بغيرها. فهي ميتة لم تذك ذكاة شرعية، وضررها ضرر الميتة، وخصها القرآن بالذكر بالرغم من دخولها تحت تعبير: الميتة، لئلا يظن أنها ماتت بسبب أو بفعل فاعل يشبه التذكية، ولم تمت حتف أنفها، والمهم هو التذكية الشرعية ولم تحدث.
٦ - الموقوذة:
هي التي تضرب بشيء ثقيل غير محدد كالخشب أو الحجر أو الحصاة حتى تموت بلا ذكاة شرعية سواء رميت باليد أو بالمقلاع ونحوهما، فهي ميتة، وكانوا يأكلونها في الجاهلية.
والوقذ حرام في الإسلام؛ لأنه تعذيب للحيوان وليس معه ذكاة،
روى أحمد ومسلم وأصحاب السنن عن أبي يعلى: شداد بن أوس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبحة، وليحدّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته».
أما المقتول بالمحدد كالنار والرصاص المستعمل الآن في البنادق فيؤكل شرعا،
لما رواه أحمد والشيخان أن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب قال: «إذا رميت بالمعراض (١) فخزق (٢) فكله، وإن أصاب بعرضه-أي بغير طرفه المحدد-فإنما هو وقيذ فلا تأكله» ففرق بين ما أصابه بالسهم، أو بالمزراق (الرمح) ونحوه بحده، فأحله، وما أصاب بعرضه (بغير طرفه المحدد) فجعله وقيذا، لم يحله، وهذا مجمع عليه بين الفقهاء.
واختلفوا فيما إذا صدم الجارحة الصيد فقتله بثقله ولم يجرحه على قولين هما
стр. 1772
قولان للشافعي ﵀: «أحدهما» -لا يحل كما في السهم؛ لأن كلا منهما ميت بغير جرح، فهو وقيذ «والثاني» -أنه يحل؛ لأنه حكم بإباحة ما صاده الكلب، ولم يستفصل، فدل على إباحة ما ذكر.
٧ - المتردية:
هي التي تقع من شاهق أو مكان عال كجبل أو سطح، أو تهوي في بئر، فتموت بذلك، فلا تحل كالميتة لا يحل أكلها بدون تذكية، فإن عقرت في البئر في أي مكان حلت للضرورة.
٨ - النطيحة:
أي المنطوحة، وهي التي نطحتها غيرها فماتت، وإن جرحها القرن وخرج منها الدم. وحكمها كالميتة حرام لا تؤكل شرعا.
٩ - ما أكل السبع:
وهي التي تقتل بسبب اعتداء حيوان مفترس كالأسد والذئب والنمر والفهد ونحوها، فتموت بسبب أكله بعضها أو جرحه لها، فلا يحل أكلها بالإجماع وإن كان قد سال منها الدم ولو من مذبحها، وكان بعض عرب الجاهلية يأكلون ما بقي من السباع، ولكن الطباع السليمة تأنف ذلك. ويلاحظ أن في الكلام إضمارا، أي وما أكل منه السبع؛ لأن ما أكله السبع قد فني.
ثم استثنى تعالى المذبوح شرعا من جميع ما تقدم من المحرمات غير الميتة والدم والخنزير أي ما يمكن عوده عليه مما انعقد سبب موته، فأمكن تداركه بذكاة وفيه حياة مستقرة، فقال: ﴿إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ﴾ أي إلا ما أدركتموه حيا فذكيتموه على النحو الشرعي، وذلك يعود على قوله تعالى: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ﴾ وكذا ما أهل لغير الله به، فما أدرك حيا منها فذبح
стр. 1773
أكل، والحياة تعرف بأن يطرف بعينه أو يحرك ذنبه.
قال علي كرم الله وجهه:
إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردية والنطيحة، وهي تحرك يدا أو رجلا، فكلها.
والصحيح من قول مالك وهو المذكور في الموطأ أنه إن كان ذبح البهيمة ونفسها يجري وهي تضطرب فليأكل.
أما الميتة والدم ولحم الخنزير فلا تحل أصلا، ولو بذكاة.
والخلاصة: إن غلب على الظن أن الحيوان يعيش مع ما أصابه، كانت الذكاة محللة له، أما إن غلب على الظن أنه يهلك بما حصل، فاختلفوا: فقال الحنفية، والشافعية في مشهور المذهب: تعمل فيه الذكاة، ما دام فيه أمارة على الحياة، من تحريك عين أو ذنب أو رجل. وقال قوم منهم مالك في وجه عنه:
لا تعمل فيه الذكاة.
ومنشأ الاختلاف: هل الاستثناء متصل أو منقطع؟ فمن رأى وهم الجمهور أنه متصل أخرج من الجنس بعض ما تناوله اللفظ، فما قبل الاستثناء حرام، وما بعده خرج منه، فيكون حلالا. ويؤيد كون الاستثناء متصلا إجماع العلماء على أن الذكاة تحلل ما يغلب على الظن أنه يعيش، ولا يجعل الاستثناء منقطعا إلا بدليل يجب التسليم له.
ومن رأى أن الاستثناء منقطع، رأى أنه لا تأثير للاستثناء في الجملة المتقدمة، وكأنه قال: ما ذكيتموه من غير الحيوانات المتقدمة فهو حلال؛ لأن التحريم إنما يتعلق بهذه الحيوانات بعد الموت، وهي بعد الموت لا تذكى، فيكون الاستثناء منقطعا. وأجيب عن ذلك بأن الاستثناء متصل باعتبار ظاهر الحلال، فإن ظاهر هذه الحيوانات أنها تموت بما أصيبت به، فتكون حراما بحسب الظاهر، إلا ما أدرك حيا وذكي، فإنه يكون حلالا.
стр. 1774
١٠ - ما ذبح على النّصب:
النصب حجارة كانت حول الكعبة، عددها ثلثمائة وستون حجرا منصوبا، كانت العرب في الجاهلية يذبحون عندها، تقربا للأصنام التي يعظمونها، ويلطخون بها ما أقبل من البيت، كأنهم يثبتون بذلك كون الذبح وقع قربة، ويشرحون اللحم ويضعونه على النصب (الحجارة). وليست النصب هي الأوثان، فإن النصب حجارة غير منقوشة، والأوثان حجارة منقوشة.
فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع، وحرم عليهم أكل هذه الذبائح التي ذبحت عند النصب، حتى ولو كان يذكر عليها اسم الله في الذبح، اجتنابا للشرك الذي حرمه الله ورسوله.
وأضاف القرآن محرمات أخرى هي:
الاستقسام بالأزلام: أي محاولة معرفة ما قسم له، أو قدر في الأمر من خير أو شر. والأزلام جمع زلم: وهي قطعة من خشب على هيئة السهم الذي لا نصل فيه وهو الذي يجرح الصيد. ولهذه العملية معنيان: معنى روحي عبادي أو اعتقادي، والآخر مادي.
أما المعنى الروحي العبادي: فهو يشبه عادة التطير، كان أحدهم إذا أراد أن يقدم على عمل أو سفر، ذهب إلى الكعبة، فاستشار الأزلام الموجودة عند الآلهة، وقد كان عند هبل المنصوب على بئر سبعة أزلام مكتوب فيها ما يتحاكمون فيه، مما أشكل عليهم، فما خرج منها رجعوا إليه.
قال ابن جرير الطبري: الأزلام عبارة عن قداح ثلاثة كتب على أحدها:
«افعل» وعلى الآخر: «لا تفعل» وأغفل الثالث. فإذا أجالها (حركها) فطلع سهم الأمر فعل، أو النهي تركه، وإن طلع الفارغ أعاد (١). ويفعل ذلك إذا
стр. 1775
أراد سفرا أو غزوا أو زواجا أو بيعا أو نحو ذلك.
وأما المعنى المادي فهو اليانصيب اليوم الذي هو نوع من القمار، وهو قداح الميسر، وعددها عشرة، سبعة منها فيها حظوظ، وثلاثة غفل. وكانت تستعمل الأزلام بمثابة نوع من أنواع اللعب بالميسر في الجاهلية، كانوا يشترون جزورا نسيئة، وينحرونه قبل أن ييسروا، ويقسمونه ٢٨ قسما أو عشرة أقسام، فإذا خرج واحد باسم رجل، فاز صاحب الأقداح ذوات الأنصباء، وغرم من خرج له الغفل.
فأنواع الأزلام ثلاثة: الأول-نوع مع الشخص وعدده ثلاثة: مكتوب على واحد: افعل، والثاني لا تفعل، والثالث غفل. والنوع الثاني-سبعة قداح واحدها قدح، وكانت عند هبل في جوف الكعبة، مكتوب عليها ما يدور بين الناس من النوازل. والنوع الثالث-قداح الميسر وعددها عشرة، سبعة منها فيها حظوظ، وثلاثة غفل.
وكلا المعنيين نوع من الخرافة والوهم، والتخلف العقلي الذي يعوق تقدم الأمة ويدعو إلى السير على غير هدى ولا بصيرة. ومثل ذلك معرفة الحظ بواسطة المسبحة أو المصحف، أو أوراق الشدّة أو الودع أو الفنجان، فكل ذلك حرام منكر شرعا، لا يجوز اللجوء إليه. وقد شرع الإسلام بديلا شرعا هو صلاة الاستخارة ركعتين ثم الدعاء المأثور عقب الصلاة، وتسمية الأمر المستخار له، وانتظار النتيجة من انشراح الصدر أو انقباضه، وتكرار الصلاة مرات إذا لم ينكشف الحال.
وحديث الاستخارة رواه الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة) عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يعلّمنا الاستخارة، كما يعلمنا سورة من القرآن، فيقول: «إذا همّ أحدكم بالأمر، فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم
стр. 1776
ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر (ويسمي حاجته) خير لي في ديني ومعاشي وعاجل أمري وآجله، فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر (ويسميه) شر لي في ديني ومعاشي وعاجل أمري وآجله، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به» قال: ويسمي حاجته.
﴿ذلِكُمْ فِسْقٌ﴾ أي كل المحرمات المذكورة فسق وخروج عن منهج الدّين، ورغبة عن شرع الله إلى معصيته، وتجاوز للمألوف من الحكمة والمعقول.
ولما حذّر الله المؤمنين من تعاطي المحرّمات المذكورة، حرّضهم على التمسك بما شرعه لهم، وبشرهم بالغلبة بما يقوي عزيمتهم ويشجعهم، فنزل يوم عرفة عام حجة الوداع: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ.﴾. إلخ الآية، اليوم: هو يوم عرفة عام حجة الوداع من السنة العاشرة للهجرة، وكان يوم جمعة، وهو يوم نزول هذه الآية، يئس الكفار من إبطال دينكم والتغلب عليكم، والرجوع إلى دينهم كفارا، ويئس الشيطان أن يعبد في أرضكم.
روى البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في هذه الآية فقال: يئس أهل مكة أن ترجعوا إلى دينهم: وهو عبادة الأوثان أبدا.
وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلّون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش بينهم».
﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ أي فلا تخافوهم في مخالفتكم إياهم، واخشوني أي اتّقوني، أنصركم عليهم وأؤيدكم، وأجعلكم فوقهم في الدّنيا والآخرة.
стр. 1777
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ..﴾. اليوم أكملت لكم دينكم وهو الإسلام، فأبنت لكم حلاله وحرامه وجميع الأحكام التي تحتاجون إليها، فصار كل شيء واضحا لا لبس فيه ولا غموض، كاملا غير منقوص.
﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ أي منّتي، فلم يحجّ معكم مشرك أبدا، وفتحت مكة، وتحقق الوعد، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وتحقق لكم النصر.
﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ مرضيا هو محل احتكام ومحاكمة الخلائق عليه يوم القيامة: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [آل عمران ٨٥/ ٣].
هذه بشارات ثلاث تحققت بهذه الآية، مكث بعدها النّبي ﷺ واحدا وثمانين ليلة ثم قبض وتوفّاه الله.
قرأ ابن عباس هذه الآية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ..﴾. فقال يهودي: لو نزلت هذه الآية علينا، لاتّخذنا يومها عيدا، فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين اثنين: يوم عيد ويوم جمعة. وروى مسلم والأئمة عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا أنزلت معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدا؛ قال: وأي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه، والمكان الذي أنزلت فيه، نزلت على رسول الله ﷺ بعرفة في يوم جمعة.
وليس المراد بإكمال الدّين أنه كان ناقصا قبل اليوم ثم أكمله، وإنما المراد أن الأحكام صارت غير قابلة للنسخ، وأصبحت مؤبدة صالحة لكل زمان ومكان، والمراد بالإكمال: إتمامه في نفسه وفي ظهوره، أما إتمامه في نفسه فباشتماله على الفرائض والحلال والحرام، والتنصيص على أصول العقائد وأسس التشريع وقوانين الاجتهاد، مثل: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ١/ ١١٢]، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ
стр. 1778
شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١/ ٤٢]، ﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ [الأنعام ٧٣/ ٦ ومواضع أخرى]، ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ﴾ [النحل ٩٠/ ١٦]، ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ﴾ [النحل ٩١/ ١٦]، ﴿وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران ١٥٩/ ٣]، ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى ٤٠/ ٤٢]، ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام ١٦٤/ ٦ ومواضع أخرى]، ﴿وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى، وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ﴾ [المائدة ٢/ ٥].
وأما إتمامه في ظهوره: فبإعلاء كلمته وتفوقه على كل الأديان، وتوافقه مع المصالح العامة، وانسجامه مع التطور، ووسطيته وتوازن المصالح الخاصة والعامة فيه.
ثم نصّ الله تعالى على حالة الضرورة التي هي استثناء من الأحكام العامة، فذكر أن المحرمات السابقة حرام على جميع المسلمين في كلّ الأحوال، إلا المضطر، الذي حمل قهرا على تناول شيء من الحرام، أو الضار، فمن اضطر في حال مجاعة إلى أكل شيء مما ذكر من المحرمات، غير متجانف لإثم أي غير مائل إلى حرام لذاته، ولا راغب في التمتع بما يوجب الإثم، فله أن يتناول شيئا منها ليدفع الضرورة والضرر وبقدر الضرورة، لا للتلذذ ولا لتجاوز الحدود التي يحتاج إليها لسدّ الرّمق، فإن الله غفور لمثله يغفر لمتناول الحرام، رحيم بخلقه حيث أباح لهم ما يدفع الضرر بما هو محرّم.
وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ بمنزلة قوله في سورة البقرة: ﴿غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ﴾ [١٧٣/ ٢].
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآية إلى الأحكام الآتية:
١ - تحريم الميتة وما في حكمها (المنخنقة، والموقوذة، والمتردية،
стр. 1779
والنطيحة، وما أكل السبع منه، والمذبوحة على النصب: حجارة حول الكعبة، وما أهل لغير الله به: ذكر اسم غير الله عليه).
٢ - حرمة الدّم ولحم الخنزير.
٣ - إباحة البهيمة المذكاة، والتي أدركت وفيها حياة مستقرة فذبحت وهي المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع منه وما أهل لغير الله به.
٤ - إباحة المحرمات المذكورة عند الاضطرار إليها لدفع الضرر.
٥ - الضرورة مقيّدة بقيدين: الأول-أن يقصد بالتناول دفع الضرر فقط.
والثاني-ألا يتجاوز ما يسدّ الرّمق؛ لأن الضرورة تقدر بقدرها. فإن قصد التّلذذ، أو تجاوز مقدار الضرورة وقع في الحرام.
والتذكية (الذبح الشرعي) تعمل في البهيمة الصحيحة والمريضة، فيجوز تذكية المريضة ولو أشرفت على الموت إذا كان فيها بقية حياة.
ويرى الجمهور أن ذكاة الأم تؤثر في الجنين لما
أخرجه الدارقطني من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة وعلي وعبد الله بن مسعود ﵃ عن النّبي ﷺ قال: «ذكاة الجنين ذكاة أمه»، و
في رواية أخرى: «ذكاة الجنين ذكاة أمّه، أشعر أو لم يشعر».
ويرى أبو حنيفة: أنه إذا خرج الجنين من بطن أمه ميتا، لم يحل أكله؛ لأن ذكاة نفس لا تكون ذكاة نفسين.
وأجمعوا على أن الجنين إذا خرج حيّا أن ذكاة أمّه ليست بذكاة له.
وآلة الذكاة عند الجمهور: كل ما أفرى الأوداج وأنهر الدم، فهو من آلات الذكاة ما خلا السّنّ والعظم، وعلى هذا تواترت الآثار. والسّن والظفر المنهي عنهما في التذكية: هما غير المنزوعين؛ لأن ذلك يصير خنقا؛ فأما المنزوعان فإذا
стр. 1780
فريا الأوداج فجائز الذكاة بهما. وحرم قوم (إبراهيم النخعي والحسن البصري والليث بن سعد والشافعي) السّن والظفر والعظم على كل حال؛ منزوعة أو غير منزوعة.
أما المقطوع فمختلف فيه:
قال مالك: لا تصح الذكاة إلا بقطع الحلقوم والودجين.
وقال الشافعي: يصح بقطع الحلقوم والمري، ولا يحتاج إلى الودجين؛ لأنهما مجرى الطعام والشراب الذي لا يكون معهما حياة، وهو الغرض من الموت.
ومالك وغيره كأبي حنيفة اعتبروا الموت على وجه يطيب معه اللحم، ويفترق فيه الحلال-وهو اللحم-من الحرام الذي يخرج بقطع الأوداج، وعليه يدلّ
حديث رافع بن خديج في قوله المتفق على صحته فيما رواه الجماعة: «ما أنهر الدّم» وهذا الرأي أوجه.
واختلفوا فيما إذا كان الذبح فوق الغلصمة (جوزة الحلق) وبقيت مع البدن، فقال الشافعي: تؤكل؛ لأن المقصود قد حصل. وقال مالك: لا تؤكل.
واختلفوا أيضا فيمن رفع يده قبل تمام الذكاة ثم رجع على الفور، وأكمل الذكاة فقيل: يجزئه، وقيل: لا يجزئه، والأول أصح؛ لأنه جرحها ثم ذكاها بعد وحياتها مستجمعة فيها.
والمستحب أن يكون الذابح ممن ترضي حاله ويطيق الذبح، سواء كان ذكرا أو أنثى، بالغا أو غير بالغ، مسلما أو كتابيّا، لكن ذبح المسلم أفضل من ذبح الكتابي.
وما استوحش من الإنسي أو وقع في البئر، لا تكون ذكاته إلا بين الحلق واللّبة، على سنة الذبح، في رأي المالكية. وأجاز أبو حنيفة والشافعي ذبحه أو طعنة في أي مكان من الجسم،
لقوله ﷺ فيما رواه الجماعة عن رافع بن خديج:
стр. 1781
«إن لهذه الإبل أوابد (١) كأوابد الوحش، فإذا غلبكم منها شيء، فافعلوا به هكذا -وفي رواية-فكلوه».
ويطلب الإحسان في الذّبح،
للحديث المتقدم عن أبي يعلى فيما رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه: «إن الله كتب الإحسان على كلّ شيء» قال المالكية: إحسان الذبح في البهائم: الرّفق بها؛ فلا يصرعها بعنف ولا يجرّها من موضع إلى آخر، وإحداد الآلة، وإحضار نيّة الإباحة، والقربة، وتوجيهها إلى القبلة، والإجهاز (٢)، وقطع الودجين والحلقوم، وإراحتها وتركها إلى أن تبرد، والاعتراف لله بالمنّة، والشكر له بالنعمة، بأنه سخّر لنا ما لو شاء لسلّطه علينا، وأباح لنا ما لو شاء لحرّمه علينا.
والاستقسام بالأزلام بأنواعه المختلفة حرام، وإذا قصد به طلب القسم والنصيب فهو من أكل المال بالباطل. قال مجاهد: الأزلام: هي كعاب (٣) فارس والرّوم التي يتقامرون بها.
المطعومات الحلال والزّواج بالكتابيّات
﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاُذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ عَلَيْهِ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٥)﴾
стр. 1782
الإعراب:
﴿وَما عَلَّمْتُمْ﴾ مرفوع نائب فاعل عطفا على ﴿الطَّيِّباتُ﴾ لفعل ﴿أُحِلَّ﴾.
﴿مُكَلِّبِينَ﴾ منصوب على الحال من التاء والميم في ﴿عَلَّمْتُمْ﴾.
﴿مُحْصِنِينَ﴾ حال من ضمير ﴿آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ المرفوع. ومثله ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾. ومثله:
﴿وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ﴾ وهو معطوف على ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ لا على ﴿مُحْصِنِينَ﴾ لدخول ﴿لا﴾ معه تأكيدا للنفي المتقدم، ولا نفي مع ﴿مُحْصِنِينَ﴾. ويجوز أن يجعل ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ﴾ وصفا لمحصنين أو حالا من الضمير فيه.
﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾: يتعلق بفعل مقدر، دلّ عليه قوله تعالى: ﴿مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ وتقديره: وهو خاسر في الآخرة. وإنما وجب هذا التقدير؛ لأن الألف واللام في ﴿الْخاسِرِينَ﴾ بمعنى الذين، وما وقع في صلة الذين لا يعمل فيما قبلها، فإن جعلت الألف واللام لا بمعنى الذين جاز أن يكون ﴿الْخاسِرِينَ﴾ عاملا فيه.
البلاغة:
﴿وَطَعامُ الَّذِينَ.﴾. أطلق العام وأراد به الخاص وهو الذبائح.
﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ بينهما طباق؛ لأن الإحصان هنا العفّة، والسفاح: الزنى.
المفردات اللغوية:
﴿يَسْئَلُونَكَ﴾ يا محمد ﴿ماذا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ من الطعام. ﴿الطَّيِّباتُ﴾ المستلذات التي هي من غير الخبائث، وهي كلّ ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنّة أو قياس مجتهد. ﴿الْجَوارِحِ﴾ الكواسب من سباع البهائم والطير كالكلب والفهد والنمر والعقاب والصقر والبازي والشاهين، واحدها جارحة، من الجرح بمعنى الكسب، قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ [الأنعام ٦٠/ ٦] أي ما كسبتم. ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ من التكليب، وهو تعليم الكلاب وإرسالها على الصيد، ثم استعمل في تعليم الجوارح مطلقا، فالمكلّب: مؤدب الجوارح ومضريها بالصيد لصاحبها ورائضها بأنواع الحيل وطرق التأديب والتثقيف. ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ تؤدبونهن. ﴿مِمّا عَلَّمَكُمُ اللهُ﴾ من آداب الصيد. ﴿فَكُلُوا
стр. 1783
مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ بأن قتلن، إن لم يأكلن منه، بخلاف غير المعلمة فلا يحلّ صيدها، وعلامة المعلّمة: أن تسترسل إذا أرسلت، وتنزجر إذا زجرت، وتمسك الصيد ولا تأكل منه، وأقلّ ما يعرف به ذلك ثلاث مرات، فإن أكلت منه، فليس مما أمسكن على صاحبها، فلا يحلّ أكله، كما في حديث الصحيحين، وفي هذا الحديث: أن صيد السهم إذا أرسل وذكر اسم الله عليه كصيد المعلّم من الجوارح ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ﴾ عند إرساله.
﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ أي ذبائح اليهود والنصارى. ﴿أُحِلَّ﴾ حلال.
﴿وَالْمُحْصَناتُ﴾ هنا الحرائر، وقيل: العفيفات عن الزنى. ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ مهورهنّ. ﴿مُحْصِنِينَ﴾ أعفاء عن الزنى. ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ معلنين بالزنى بهنّ أو مجاهرين بالزنى. ﴿مُتَّخِذِي أَخْدانٍ﴾ مسرّين بالزنى، والخدن: الصديق ذكرا أو أنثى. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ﴾ أي يرتدّ. ﴿فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ الصالح قبل ذلك، فلا يعتدّ به ولا يثاب عليه، والمعنى: بطل ثواب عمله. ﴿مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ إذا مات عليه.
سبب النزول:
أخرج ابن جرير الطبري من طريق الشعبي: أن عدي بن حاتم الطائي قال: أتى رجل رسول الله ﷺ يسأل عن صيد الكلاب، فلم يدر ما يقول له حتى نزلت هذه الآية: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللهُ﴾.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير: أن عدي بن حاتم وزيد بن المهلهل الطائيين سألا رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله، إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة، وإن كلاب آل ذريح تصيد البقر والحمير والظباء، وقد حرّم الله الميتة، فماذا يحلّ لنا منها؟ فنزلت: ﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ، قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي: «أن النّبي ﷺ لما أمر أبا رافع بقتل الكلاب في المدينة، جاء الناس فقالوا: يا رسول الله، ما يحلّ لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فأنزل الله الآية، فقرأها».
стр. 1784
المناسبة:
لما ذكر تعالى ما حرّمه في الآية المتقدّمة من الخبائث الضارّة لمتناولها، إما في بدنه أو في دينه أو فيهما، واستثنى ما استثناه في حالة الضرورة، قال بعدها:
﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ، قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾، وهي مثل الآية المذكورة في سورة الأعراف في صفة محمد ﷺ : أنه ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ﴾ [١٥٧/ ٧].
التفسير والبيان:
يسألك المؤمنون يا محمد، ماذا أحلّ الله لهم من الطعام واللحوم؟ قل: أحلّ لكم الطيبات، أي ما تستطيبه النفوس السليمة الفطرة، وهي غير الخبائث، وأحلّ لكم صيد الجوارح (الكواسب) المعلّمة.
أما الطيّبات: فهي ما عدا المنصوص على تحريمه في القرآن وهي المحرّمات العشر المتقدّمة، وما أضيف إليها في السّنة النّبوية،
روى أحمد ومسلم وأصحاب السّنن عن ابن عباس: «نهى رسول الله ﷺ عن أكل كلّ ذي ناب من السّباع، وكلّ ذي مخلب من الطّير». ورووا أيضا عن أبي ثعلبة الخشني: «كلّ ذي ناب من السّباع فأكله حرام». فأصبح أن ما لم يرد به نص نوعان: حلال طيب، وحرام خبيث. والعبرة في الاستطابة والاستخباث: ذوق العرب في الحجاز.
والسبع عند أبي حنيفة: كل ما أكل اللحم. وعند الشافعي: ما يعدو على الناس والحيوان.
وبناء عليه: كلّ أنواع حيوان البحر حلال طيب، سواء أكل العشب أو أكل اللحم. وحيوان البرّ يصاد منه ما يؤكل ما عدا سباع الوحش والطير. ولا يحلّ أكل ما يعيش في البرّ والبحر كالضفدع والتمساح والثعبان والسلحفاة، للاستخباث وسمّ الثعبان.
стр. 1785
ويحلّ لكم ما علمتم من الجوارح، أي يحلّ لكم اقتناء تلك الحيوانات المعلّمة وبيعها وهبتها، ويحلّ لكم صيودها، لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، وقوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ أي حال كونكم معلّمين ومؤدبين، فهو حال من فاعل ﴿عَلَّمْتُمْ﴾، وقوله: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ حال من فاعل علمتم أو من الضمير في ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ أي حال كونكم تعلمونهن مما علمكم الله.
ويفهم منه أنه لا بدّ في التعليم من أمور ثلاثة:
١ - أن تكون الجوارح معلّمة.
٢ - وأن يكون من يعلّمها ماهرا في التّعليم مدرّبا فيه.
٣ - وأن يعلم الجوارح مما علمه الله، بأن تقصد الصيد بإرسال صاحبها، وأن تنزجر بزجره، وأن تمسك الصيد ولا تأكل منه إذا كان المعلّم كلبا، وأن يعود الكلب إلى صاحبه متى دعاه إذا كان طيرا مثل البازي. ويعرف تعليم الكلب بترك الأكل ثلاثا، ويعرف تعليم البازي بالرجوع إلى صاحبه إذا دعاه، والفرق بينهما أن تعليم الكلب يكون بترك ما يألفه ويعتاده، وعادة الكلب السّلب والنّهب، فإذا ترك الأكل ثلاثا عرف أنه تعلّم، وعادة البازي النّفرة، فإذا دعاه صاحبه فعاد إليه، عرف أنه تعلّم.
﴿فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ أي فكلوا من الصيد ما تمسكه الجوارح عليكم دون أن تأكل منه، فإن أكلت منه فلا يحلّ أكل الفاضل عنه في رأي الجمهور؛
لحديث عدي بن حاتم عند أحمد والشيخين أن النّبي ﷺ قال: «إذا أرسلت كلابك المعلّمة، وذكرت اسم الله، فكل مما أمسكن عليك، إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه»
وفي رواية: «إذا أرسلت كلبك المعلّم فاذكر اسم الله، فإن أمسك عليك، فأدركته حيّا فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله، فإن أخذ الكلب ذكاة».
стр. 1786
واذكروا اسم الله على الكلب عند إرساله، ويؤيده
حديث عدي بن حاتم المتقدم: «إذا أرسلت كلبك المعلّم، وذكرت اسم الله عليه، فكل ما أمسك عليك»، والتّسمية: واجبة عند الجمهور، مستحبة عند الشافعي.
واتّقوا الله في هذه الحدود، أي احذروا مخالفة أمره فيما أرشدكم إليه، واتّخذوا وقاية من عذابه بامتثال ما أمر به واجتناب ما نهى عنه. إن الله سريع الحساب، أي يحاسبكم على أعمالكم من غير توان ولا تهاون، ولا يضيع شيئا من أعمالكم، بل تحاسبون عليها وتجازون في الدّنيا والآخرة، وهو يحاسب الناس كلهم يوم القيامة في وقت واحد، فيكون حسابه سريعا. ومناسبة ذلك لما قبله أنه لما ذكر المحرّمات والمحللات وأبان الحلال والحرام، نبّه إلى أنه تعالى سيحاسب العاملين على أعمالهم من غير إمهال متى جاء يوم الحساب.
روي أنه يحاسب الناس جميعا في مقدار نصف يوم.
اليوم أحل لكم تفضلا من الله الطّيبات: وهي ما يستطاب ويشتهي عند أهل النفوس الكريمة.
وأحل لكم طعام الكتابيين أي ذبائحهم عند الجمهور، لا الخبز والفاكهة ولا جميع المطعومات؛ لأن الذبائح هي التي تصير طعاما بفعلهم، وأما بقية المطعومات فهي مباحة لجميع الناس، فلا وجه لتخصيصها بهم. وأهل الكتاب:
هم اليهود والنصارى الذين أنزل الله على أنبيائهم التوراة والإنجيل.
فلا تحلّ ذبائح المشركين عبدة الأصنام والأوثان. روى ابن جرير عن أبي الدّرداء وابن زيد أنهما سئلا عمّا ذبحوه للكنائس فأفتيا بأكله، قال ابن زيد:
أحل الله طعامهم ولم يستثن منه شيئا. وقال أبو الدّرداء-وقد سئل عن كبش ذبح لكنيسة يقال لها: جرجيس، أهدوه لنا، أنأكل منه؟ - «اللهم عفوا، إنما هم أهل كتاب، طعامهم حلّ لنا، وطعامنا حلّ لهم» وأمره بأكله.
стр. 1787
ولا تحلّ ذبائح المجوس ولا التّزوج بنسائهم، لما روي في السّنة. وطعامكم حلّ لهم أي وذبائحكم حلّ لأهل الكتاب، فلكم إطعامهم منه أو بيعهم منه. وإنما قال ذلك للتّنبيه على أن الحكم مختلف في الذّبائح والمناكحة، فإن إباحة الذّبائح حاصلة من الجانبين، بخلاف إباحة المناكحات فإنها من جانب واحد، والفرق واضح وهو أن إباحة الطعام من الجانبين لا تستلزم محظورا، أما لو أبيح لأهل الكتاب التّزوّج بالمسلمات، لكان لهم ولاية شرعية على زوجاتهنّ، والله تعالى لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا شرعيّا.
وأحلّ لكم أيها المؤمنون التّزوّج بالحرائر المؤمنات والكتابيّات من اليهود والنصارى، سواء كنّ ذميّات أو حربيّات، إذا آتيتموهنّ أجورهنّ أي مهورهنّ.
وتقييد الحلّ بإتيان المهور لتأكيد الوجوب، لا لاشتراطه في الحلّ، وتخصيص ذكر الحرائر للحثّ على ما هو الاولى منهنّ، لا لان من عداهنّ لا يحلّ، إذ نكاح الإماء المسلمات صحيح بالاتّفاق، وكذا يصح عند أبي حنيفة.
أحلّ لكم الزّواج بالحرائر حالة كونكم أعفاء عن الزّنى متعففين بالزّواج بهنّ غير مسافحين أي مرتكبين الفاحشة مجاهرين بها، وغير متخذي أخدان أي مسرّين إتيان الفاحشة، أي أن المباح هو الزّواج بالحرائر العفيفات عن الزّنى، بشرط إتيان مهورهنّ بقصد الإحصان والإعفاف، لا سفح الماء عن طريق الزّنى العلني، ولا عن طريق الزّنى السّرّي وهو اتّخاذ الأخدان.
ثم حذّر الله تعالى من المخالفات ورغب فيما تقدّم من أحكام الحلال، فقال:
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ أي ومن ينكر شرائع الإسلام وتكاليفه، ويجحد أصول الإيمان وفروعه، فقد أبطل ثواب عمله وخاب في الدّنيا والآخرة، أما في الدّنيا فباعتبار ضياع أعماله وعدم الإفادة منها، وفي الآخرة بالخسارة والهلاك في نار جهنم.
стр. 1788
وقد أطلق الإيمان وأراد المؤمن به مجازا وهو الشرائع والتكاليف، وقيل: المراد:
ومن يكفر بربّ الإيمان، فهو مجاز بالحذف. والمقصود من هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ..﴾. تعظيم شأن ما أحلّ الله وما حرّمه، والتّشديد على المخالف.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت آية ﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ على ما يأتي:
١ - إباحة الطيبات أي المطعومات التي تستطيبها الأنفس الكريمة دون الخبائث التي حرمتها الشريعة.
٢ - إباحة الصيد بالجوارح من سباع البهائم والطير، بشرط كونها معلّمة، وكون معلّمها مؤدّبا ماهرا، وكونه يعلمها مما علمه الله بأن ينشلى إذا أشلي (أغري)، ويجيب إذا دعي، وينزجر بعد ظفره بالصيد إذا زجر، وأن لا يأكل من صيده الذي صاده. فإن انخرم شرط من هذه الشروط وقع الخلاف.
٣ - حل ما جرحته الجوارح وقتلته، وأدركه الصائد ميتا، لإطلاق قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ أي حبس عليكم، ولم يأكل مما صاد، فإن أكل الكلب ونحوه لم يؤكل عند الجمهور ما بقي، لأنه أمسك على نفسه، ولم يمسك على صاحبه. ولم يشترطوا ذلك في الطيور، بل يؤكل ما أكلت منه. وأباح المالكية أكل ما بقي من الصيد وإن كان بضعة، وإن أكل الجارح منه، سواء كان كلبا أو فهدا أو طيرا.
فلو مات الصيد في أفواه الكلاب من غير بضع (جرح) لم يؤكل، لأنه مات خنقا، فأشبه أن يذبح بسكين كالّة، فيموت في الذبح قبل أن يفرى حلقه وجمهور العلماء على أن الجارح إذا شرب من دم الصيد أن الصيد يؤكل.
وكره الشعبي والثوري أكل ذلك الصيد.
فإن وجد الصائد مع كلبه كلبا آخر، فهو محمول على أنه غير مرسل من صائد
стр. 1789
آخر، وأنه إنما انبعث في طلب الصيد بطبعه ونفسه، فلا يؤكل،
لقوله ﵊ في حديث عدي بن حاتم عند أحمد والشيخين: «وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل»
وفي رواية: «فإنما سميت على كلبك، ولم تسم على غيره». فإن اشترك صائدان بإرسال كلبين كان الصيد شركة بينهما.
وكذلك لا يؤكل ما رمي بسهم، فتردى من جبل أو غرق في ماء، أو غاب عن الصائد ثلاثة أيام، فمات وهو لا يراه،
لقوله ﷺ لعدي بن حاتم في الحديث المتفق عليه عند أحمد والشيخين: «وإن رميت بسهمك فاذكر اسم الله، فإن غاب عنك يوما فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل، وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل، فإنك لا تدري، الماء قتله أو سهمك»
وروى أبو داود في حديث أبي ثعلبة الخشني: «فإن غاب عنك يوما فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل» وزاد: «فكله بعد ثلاث ما لم ينتن».
وأجاز مالك وأبو حنيفة والشافعي الصيد بكلاب اليهودي والنصراني إذا كان الصائد مسلما. وجمهور الأمة غير مالك على جواز صيد الصائد من أهل الكتاب.
٤ - جواز اتخاذ الكلاب واقتنائها للصيد بدليل قوله تعالى: ﴿وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ﴾، يؤيده
ما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي ﷺ : «من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية، نقص من أجره كل يوم قيراطان».
٥ - ودلت الآية: ﴿وَما عَلَّمْتُمْ.﴾. أيضا على أن العالم أفضل من الجاهل، لأن الكلب إذا علّم يكون له فضيلة على سائر الكلاب. ويزداد فضل العالم إذا عمل بما علم،
لقول علي ﵁ «لكل شيء قيمة، وقيمة المرء ما يحسنه».
٦ - وجوب تسمية الله عند الإرسال، لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ﴾ وهو رأي الجمهور غير الشافعي، ويؤيده
قوله ﷺ في حديث عدي المتقدم: «إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل». أما عند إدراكه حيا فتجب
стр. 1790
التسمية عند ذكاته. وقال الشافعي: إنها مستحبة.
ويستفاد من آية ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ ما يأتي:
١ - إباحة طيبات الرزق: وهي ما تستطيبه الأنفس الكريمة.
٢ - إباحة الأكل من ذبائح أهل الكتاب (اليهود والنصارى). ولا خلاف بين العلماء أن ما لا يحتاج إلى ذكاة كالفاكهة والبرّ، يجوز أكله، إذ لا يضر فيه تملك أحد.
أما ما يحتاج إلى عمل أو صنع كخبز الدقيق وعصر الزيت ونحوه، والتذكية التي تحتاج إلى الدين والنية، فرخص الله تعالى فيه، تألفا لأهل الذمة، وترغيبا لهم في الإسلام، حتى وإن قال النصراني عند الذبح: باسم المسيح، واليهودي قال: باسم عزير، لأنهم يذبحون على الملّة.
والجمهور على أن الذكاة عاملة في حلّ الذبيحة، ماحل له منها وما حرم عليه، لأنه مذكّى. وقال جماعة من أهل العلم: إنما حلّ لنا من ذبيحتهم ما حلّ لهم، لأن ما لا يحلّ لهم لا تعمل فيه تذكيتهم، فلا تحل الشحوم المحضة من ذبائح أهل الكتاب. وقصرت لفظ الطعام على البعض، وحمله الجمهور على العموم في جميع ما يؤكل.
والعلماء مجمعون إلا من شذ منهم على أن ذبائح الكفار لا تؤكل ولا يتزوج منهم، لأنهم ليسوا أهل كتاب على المشهور عند العلماء.
ولا بأس بالأكل والشرب والطبخ في آنية الكفار كلهم، ما لم تكن ذهبا أو فضة أو جلد خنزير بعد أن تغسل وتغلى، لأنهم لا يتوقّون النجاسات ويأكلون الميتات، فإذا طبخوا في تلك القدور تنجّست، فتغسل.
جاء في صحيح مسلم من حديث أبي ثعلبة الخشني قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله،