← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

واذكروا اسم الله على الكلب عند إرساله، ويؤيده حديث عدي بن حاتم المتقدم: «إذا أرسلت كلبك المعلّم، وذكرت اسم الله عليه، فكل ما أمسك عليك»، والتّسمية: واجبة عند الجمهور، مستحبة عند الشافعي. واتّقوا الله في هذه الحدود، أي احذروا مخالفة أمره فيما أرشدكم إليه، واتّخذوا وقاية من عذابه بامتثال ما أمر به واجتناب ما نهى عنه. إن الله سريع الحساب، أي يحاسبكم على أعمالكم من غير توان ولا تهاون، ولا يضيع شيئا من أعمالكم، بل تحاسبون عليها وتجازون في الدّنيا والآخرة، وهو يحاسب الناس كلهم يوم القيامة في وقت واحد، فيكون حسابه سريعا. ومناسبة ذلك لما قبله أنه لما ذكر المحرّمات والمحللات وأبان الحلال والحرام، نبّه إلى أنه تعالى سيحاسب العاملين على أعمالهم من غير إمهال متى جاء يوم الحساب. روي أنه يحاسب الناس جميعا في مقدار نصف يوم. اليوم أحل لكم تفضلا من الله الطّيبات: وهي ما يستطاب ويشتهي عند أهل النفوس الكريمة. وأحل لكم طعام الكتابيين أي ذبائحهم عند الجمهور، لا الخبز والفاكهة ولا جميع المطعومات؛ لأن الذبائح هي التي تصير طعاما بفعلهم، وأما بقية المطعومات فهي مباحة لجميع الناس، فلا وجه لتخصيصها بهم. وأهل الكتاب: هم اليهود والنصارى الذين أنزل الله على أنبيائهم التوراة والإنجيل. فلا تحلّ ذبائح المشركين عبدة الأصنام والأوثان. روى ابن جرير عن أبي الدّرداء وابن زيد أنهما سئلا عمّا ذبحوه للكنائس فأفتيا بأكله، قال ابن زيد: أحل الله طعامهم ولم يستثن منه شيئا. وقال أبو الدّرداء-وقد سئل عن كبش ذبح لكنيسة يقال لها: جرجيس، أهدوه لنا، أنأكل منه؟ - «اللهم عفوا، إنما هم أهل كتاب، طعامهم حلّ لنا، وطعامنا حلّ لهم» وأمره بأكله.

стр. 1787

ولا تحلّ ذبائح المجوس ولا التّزوج بنسائهم، لما روي في السّنة. وطعامكم حلّ لهم أي وذبائحكم حلّ لأهل الكتاب، فلكم إطعامهم منه أو بيعهم منه. وإنما قال ذلك للتّنبيه على أن الحكم مختلف في الذّبائح والمناكحة، فإن إباحة الذّبائح حاصلة من الجانبين، بخلاف إباحة المناكحات فإنها من جانب واحد، والفرق واضح وهو أن إباحة الطعام من الجانبين لا تستلزم محظورا، أما لو أبيح لأهل الكتاب التّزوّج بالمسلمات، لكان لهم ولاية شرعية على زوجاتهنّ، والله تعالى لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا شرعيّا. وأحلّ لكم أيها المؤمنون التّزوّج بالحرائر المؤمنات والكتابيّات من اليهود والنصارى، سواء كنّ ذميّات أو حربيّات، إذا آتيتموهنّ أجورهنّ أي مهورهنّ. وتقييد الحلّ بإتيان المهور لتأكيد الوجوب، لا لاشتراطه في الحلّ، وتخصيص ذكر الحرائر للحثّ على ما هو الاولى منهنّ، لا لان من عداهنّ لا يحلّ، إذ نكاح الإماء المسلمات صحيح بالاتّفاق، وكذا يصح عند أبي حنيفة. أحلّ لكم الزّواج بالحرائر حالة كونكم أعفاء عن الزّنى متعففين بالزّواج بهنّ غير مسافحين أي مرتكبين الفاحشة مجاهرين بها، وغير متخذي أخدان أي مسرّين إتيان الفاحشة، أي أن المباح هو الزّواج بالحرائر العفيفات عن الزّنى، بشرط إتيان مهورهنّ بقصد الإحصان والإعفاف، لا سفح الماء عن طريق الزّنى العلني، ولا عن طريق الزّنى السّرّي وهو اتّخاذ الأخدان. ثم حذّر الله تعالى من المخالفات ورغب فيما تقدّم من أحكام الحلال، فقال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ أي ومن ينكر شرائع الإسلام وتكاليفه، ويجحد أصول الإيمان وفروعه، فقد أبطل ثواب عمله وخاب في الدّنيا والآخرة، أما في الدّنيا فباعتبار ضياع أعماله وعدم الإفادة منها، وفي الآخرة بالخسارة والهلاك في نار جهنم.

стр. 1788

وقد أطلق الإيمان وأراد المؤمن به مجازا وهو الشرائع والتكاليف، وقيل: المراد: ومن يكفر بربّ الإيمان، فهو مجاز بالحذف. والمقصود من هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ..﴾. تعظيم شأن ما أحلّ الله وما حرّمه، والتّشديد على المخالف. فقه الحياة أو الأحكام: دلت آية ﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ على ما يأتي: ١ - إباحة الطيبات أي المطعومات التي تستطيبها الأنفس الكريمة دون الخبائث التي حرمتها الشريعة. ٢ - إباحة الصيد بالجوارح من سباع البهائم والطير، بشرط كونها معلّمة، وكون معلّمها مؤدّبا ماهرا، وكونه يعلمها مما علمه الله بأن ينشلى إذا أشلي (أغري)، ويجيب إذا دعي، وينزجر بعد ظفره بالصيد إذا زجر، وأن لا يأكل من صيده الذي صاده. فإن انخرم شرط من هذه الشروط وقع الخلاف. ٣ - حل ما جرحته الجوارح وقتلته، وأدركه الصائد ميتا، لإطلاق قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ أي حبس عليكم، ولم يأكل مما صاد، فإن أكل الكلب ونحوه لم يؤكل عند الجمهور ما بقي، لأنه أمسك على نفسه، ولم يمسك على صاحبه. ولم يشترطوا ذلك في الطيور، بل يؤكل ما أكلت منه. وأباح المالكية أكل ما بقي من الصيد وإن كان بضعة، وإن أكل الجارح منه، سواء كان كلبا أو فهدا أو طيرا. فلو مات الصيد في أفواه الكلاب من غير بضع (جرح) لم يؤكل، لأنه مات خنقا، فأشبه أن يذبح بسكين كالّة، فيموت في الذبح قبل أن يفرى حلقه وجمهور العلماء على أن الجارح إذا شرب من دم الصيد أن الصيد يؤكل. وكره الشعبي والثوري أكل ذلك الصيد. فإن وجد الصائد مع كلبه كلبا آخر، فهو محمول على أنه غير مرسل من صائد

стр. 1789

آخر، وأنه إنما انبعث في طلب الصيد بطبعه ونفسه، فلا يؤكل، لقوله ﵊ في حديث عدي بن حاتم عند أحمد والشيخين: «وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل» وفي رواية: «فإنما سميت على كلبك، ولم تسم على غيره». فإن اشترك صائدان بإرسال كلبين كان الصيد شركة بينهما. وكذلك لا يؤكل ما رمي بسهم، فتردى من جبل أو غرق في ماء، أو غاب عن الصائد ثلاثة أيام، فمات وهو لا يراه، لقوله ﷺ لعدي بن حاتم في الحديث المتفق عليه عند أحمد والشيخين: «وإن رميت بسهمك فاذكر اسم الله، فإن غاب عنك يوما فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل، وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل، فإنك لا تدري، الماء قتله أو سهمك» وروى أبو داود في حديث أبي ثعلبة الخشني: «فإن غاب عنك يوما فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل» وزاد: «فكله بعد ثلاث ما لم ينتن». وأجاز مالك وأبو حنيفة والشافعي الصيد بكلاب اليهودي والنصراني إذا كان الصائد مسلما. وجمهور الأمة غير مالك على جواز صيد الصائد من أهل الكتاب. ٤ - جواز اتخاذ الكلاب واقتنائها للصيد بدليل قوله تعالى: ﴿وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ﴾، يؤيده ما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي ﷺ : «من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية، نقص من أجره كل يوم قيراطان». ٥ - ودلت الآية: ﴿وَما عَلَّمْتُمْ.﴾. أيضا على أن العالم أفضل من الجاهل، لأن الكلب إذا علّم يكون له فضيلة على سائر الكلاب. ويزداد فضل العالم إذا عمل بما علم، لقول علي ﵁ «لكل شيء قيمة، وقيمة المرء ما يحسنه». ٦ - وجوب تسمية الله عند الإرسال، لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ﴾ وهو رأي الجمهور غير الشافعي، ويؤيده قوله ﷺ في حديث عدي المتقدم: «إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل». أما عند إدراكه حيا فتجب

стр. 1790

التسمية عند ذكاته. وقال الشافعي: إنها مستحبة. ويستفاد من آية ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ ما يأتي: ١ - إباحة طيبات الرزق: وهي ما تستطيبه الأنفس الكريمة. ٢ - إباحة الأكل من ذبائح أهل الكتاب (اليهود والنصارى). ولا خلاف بين العلماء أن ما لا يحتاج إلى ذكاة كالفاكهة والبرّ، يجوز أكله، إذ لا يضر فيه تملك أحد. أما ما يحتاج إلى عمل أو صنع كخبز الدقيق وعصر الزيت ونحوه، والتذكية التي تحتاج إلى الدين والنية، فرخص الله تعالى فيه، تألفا لأهل الذمة، وترغيبا لهم في الإسلام، حتى وإن قال النصراني عند الذبح: باسم المسيح، واليهودي قال: باسم عزير، لأنهم يذبحون على الملّة. والجمهور على أن الذكاة عاملة في حلّ الذبيحة، ماحل له منها وما حرم عليه، لأنه مذكّى. وقال جماعة من أهل العلم: إنما حلّ لنا من ذبيحتهم ما حلّ لهم، لأن ما لا يحلّ لهم لا تعمل فيه تذكيتهم، فلا تحل الشحوم المحضة من ذبائح أهل الكتاب. وقصرت لفظ الطعام على البعض، وحمله الجمهور على العموم في جميع ما يؤكل. والعلماء مجمعون إلا من شذ منهم على أن ذبائح الكفار لا تؤكل ولا يتزوج منهم، لأنهم ليسوا أهل كتاب على المشهور عند العلماء. ولا بأس بالأكل والشرب والطبخ في آنية الكفار كلهم، ما لم تكن ذهبا أو فضة أو جلد خنزير بعد أن تغسل وتغلى، لأنهم لا يتوقّون النجاسات ويأكلون الميتات، فإذا طبخوا في تلك القدور تنجّست، فتغسل. جاء في صحيح مسلم من حديث أبي ثعلبة الخشني قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله،

стр. 1791

إنا بأرض قوم من أهل كتاب، نأكل في آنيتهم، وأرض صيد، أصيد بقوسي، وأصيد بكلبي المعلّم، وأصيد بكلبي الذي ليس بمعلّم، فأخبرني ما الذي يحلّ لنا من ذلك؟ قال: «أما ما ذكرت أنكم بأرض قوم من أهل كتاب تأكلون في آنيتهم، فإن وجدتم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها ثم كلوا فيها». ٣ - إباحة إطعام أهل الكتاب من ذبائح المسلمين، فإذا اشتروا منا اللحم، يحل لهم اللحم، ويحل لنا ثمن المأخوذ منهم. ٤ - مشروعية نكاح المحصنات المؤمنات والمحصنات الكتابيات. والمحصنات: الحرائر في قول مجاهد والجمهور، والعفيفات العاقلات في قول ابن عباس. ٥ - بطلان ثواب الأعمال إذا كان العامل جاحدا أحكام الله وشرائعه، كافرا بأصول الإيمان وفروعه، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ﴾ أي بما أنزل على محمد، أو يجحد الإيمان ﴿فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ أي بطل ولغا ثواب عمله، ولم يعد لعمله فائدة أخروية. فرضية الوضوء والغسل من الجنابة والتيمم وذكر نعمة الله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَاِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦) وَاُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾

стр. 1792

الاعراب: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب عطف على ﴿أَيْدِيَكُمْ﴾ والتقدير: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم. وقرئ بالجر عطفا على ﴿بِرُؤُسِكُمْ﴾ وقدّر ما يوجب الغسل كأنه قال: وأرجلكم غسلا. قال أبو زيد الأنصاري من رواة الحديث الثقات ومن أهل اللغة، وكان من أهل العدل والتشيع توفي سنة ٢١٥ هـ: المسح خفيف الغسل، فبينت السنة أن المراد بالمسح في الرجل هو الغسل. البلاغة: ﴿إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة، فعبّر عن إرادة الفعل بالفعل، وأقام المسبّب مقام السبب للملابسة بينهما كما ذكر الزمخشري. وفي الآية إيجاز بالحذف أيضا، أي إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون. المفردات اللغوية: ﴿إِذا قُمْتُمْ﴾ أي أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون. ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ جمع وجه: وهو ما تقع به المواجهة، وحده طولا: ما بين أعلى منبت شعر الرأس إلى منتهى اللحيين أو أسفل الذقن، وعرضا: ما بين الأذنين. ﴿الْمَرافِقِ﴾ جمع مرفق وهو مفصل الساعد أو الذراع من الأعلى والعضد من الأسفل. ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ﴾ الباء للإلصاق، أي ألصقوا المسح بها من غير إسالة ماء، وهو اسم جنس فيكفي فيه عند الشافعي: أقل ما يصدق عليه وهو مسح بعض الشعر. ﴿الْكَعْبَيْنِ﴾ هما العظمان الناتئان عند اتصال الساق بالقدم من الجانبين. ﴿جُنُباً﴾ أصابتكم جنابة بجماع أو إنزال مني. ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ فاغتسلوا. سبب النزول: روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: سقطت قلادة لي بالبيداء، ونحن داخلون بالمدينة، فأناخ رسول الله ﷺ ونزل، فثنى رأسه في حجري راقدا، وأقبل أبو بكر، فلكز فيّ لكزة شديدة وقال: حبست الناس في قلادة،

стр. 1793

ثم إن النبي ﷺ استيقظ وحضرت الصبح، فالتمس الماء، فلم يوجد، فنزلت: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ إلى قوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. وكان ذلك في غزوة المريسيع. فقال أسيد بن حضير: لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر. وروى الطبراني عن عائشة قالت: لما كان من أمر عقدي ما كان، وقال أهل الإفك ما قالوا، أخرجت مع رسول الله في غزوة أخرى فسقط أيضا عقدي حتى حبس الناس على التماسه، فقال لي أبو بكر: بنيّة في كل سفر تكونين عناء وبلاء على الناس، فأنزل الله الرخصة في التيمم، فقال أبو بكر: إنك لمباركة. ذكر السيوطي بعد هذا تنبيهين هما بإيجاز: الأول-هل المراد بآية التيمم آية المائدة هذه (٦) أو آية النساء ونصهما واحد: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ، فَلَمْ تَجِدُوا ماءً، فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ [الآية ٤٣]؟ الذي مال البخاري إليه: أنها آية المائدة، قال السيوطي: وهو الصواب للتصريح بها في الطريق المذكور في رواية البخاري عن عائشة. علما بأن الواحدي أورد هذا الحديث في أسباب النزول عند ذكر آية النساء أيضا. الثاني-دل حديث البخاري على أن الوضوء كان واجبا عليهم قبل نزول هذه الآية، ولهذا استعظموا نزولهم على غير ماء، والثابت في السيرة أنه ﷺ لم يصلّ منذ فرضت عليه الصلاة إلا بوضوء. قال ابن عبد البر: والحكمة في نزول آية الوضوء مع تقدم العمل به، ليكون فرضه متلوا بالتنزيل. وقال غيره: يحتمل أن يكون أول الآية نزل مقدما مع فرض الوضوء، ثم نزلت بقيتها، وهو ذكر التيمم في هذه القصة. قال السيوطي: الأول أصوب فإن فرض الوضوء كان مع فرض الصلاة بمكة، والآية مدنية.

стр. 1794

المناسبة: هناك عهدان بين العبد وربه: عهد الربوبية، وعهد الطاعة، وبعد أن وفي تعالى للعبد بالعهد الأول، فبين له الحلال والحرام في الطعام والزواج، طلب من العباد الوفاء بالعهد الثاني، وهو عهد الطاعة، وأعظم الطاعة بعد الإيمان الصلاة، والصلاة لا تصح إلا بالطهارة، فذكر فرائض الوضوء، ثم ذكّرنا بوجوب الوفاء بالعهد والميثاق وهو السمع والطاعة لله ولرسوله. روى أبو داود الطيالسي وأحمد والبيهقي عن جابر عن النبي ﷺ : «مفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح الصلاة الطهور». وبعبارة أخرى: للإنسان شهوات فطرية تنحصر في المطعومات والمناكحات، له الحق في التمتع بها بنظام، وعليه واجبات يلزمه أداؤها. وبعد أن بيّن تعالى للإنسان ما أحله له وما حرمه عليه من المطاعم والمناكح، شرع في بيان ما يجب عليه أداؤه لله تعالى، شكرا له على ما أنعم به عليه، فمضمون هذه الآية داخل فيما أمر به من الوفاء بالعقود وأحكام الشرع، وفيما ذكر من إتمام النعمة ومنها رخصة التيمم. التفسير والبيان: يا أيها الذين آمنوا إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون-وهذا القيد ثبت في السنة النبوية-فعليكم بالوضوء، إذ لا يقبل الله صلاة بغير طهور، فإذا كان مريد الصلاة محدثا وجب عليه الوضوء، وإذا كان متوضئا فهو مندوب، لقوله ﵊ فيما رواه رزين: «الوضوء على الوضوء نور على نور». روى أحمد والشيخان من حديث أبي هريرة مرفوعا: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» وروى البخاري وأصحاب السنن عن عمرو بن عامر الأنصاري قال: سمعت أنس بن مالك يقول: «كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، قال: قلت: فأنتم كيف تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات بوضوء

стр. 1795

واحد ما لم نحدث» وفي مسند أحمد أن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة غالبا، فلما كان يوم الفتح-فتح مكة-توضأ ومسح على خفيه وصلى الصلوات بوضوء واحد، أمام الناس، لبيان جواز ذلك. وفرائض الوضوء في الآية أربعة هي غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، والمسح بالرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين. والغسل: إسالة الماء على الشيء لإزالة ما عليه من الوسخ ونحوه. والمسح: إصابة الشيء الممسوح بالبلل. الفرض الأول-غسل الوجه: وهو من أعلى منابت شعر الرأس إلى أسفل الذقن، وما بين الأذنين عرضا. ومن له لحية خفيفة يجب عليه غسل ظاهر الشعر والبشرة التي تحته، وصاحب اللحية الكثة يخللها، ولا يجب إيصال الماء إلى العين. أما المضمضة والاستنشاق فثبت حكمهما بالسنة. والفرض الثاني-غسل اليدين إلى المرفقين: واليد في الوضوء: من رؤوس الأصابع إلى المرفق: وهو أعلى الذراع وأسفل العضد. وإلى في قوله تعالى ﴿إِلَى الْمَرافِقِ﴾ و ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ تدل على أن ما بعدها غاية لما قبلها فقط. وأما دخول الغاية في الحكم أو خروجها عنه فيعرف بالدليل الخارجي، ففي قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء ١/ ١٧] ما بعد إلى داخل في حكم ما قبلها، لأنه لا يتحقق معنى الإسراء إلا بدخول الأقصى والتعبد فيه، كبدء الإسراء من المسجد الحرام. وفي قوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة ٢٨٠/ ٢] وقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة ١٨٧/ ٢] ما بعد ﴿إِلَى﴾ غير داخل في حكم ما قبلها،

стр. 1796

لأن الإعسار في الآية الأولى علة الإنظار (التأخير) وبالميسرة تزول العلة، فيطالب بالدين، ولا داعي للإنظار معها، ولأنه في الآية الثانية لو دخل الليل في حكم الصيام للزم الوصال، وهو غير مشروع في حقنا. وقوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرافِقِ﴾ و ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ لا دليل فيه على أحد الأمرين، فقال الجمهور بوجوب غسل المرافق والكعبين، احتياطا في العبادات، ولأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. والفرض الثالث-المسح بالرأس: وفي مقدار المسح خلاف، فقال الشافعي: يكفي أقل ما يطلق عليه اسم المسح، ولو شعرة في حد الرأس. وقال مالك وأحمد: يجب مسح كل الرأس أخذا بالاحتياط. وقال أبو حنيفة: الواجب مسح ربع الرأس، لأن المسح إنما يكون باليد، ومحلها يقدر في الغالب بالربع، ولأن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على ناصيته. لكن ثبت في السنة ما يؤيد أيضا مذاهب الأئمة الآخرين. والأظهر أن الباء للإلصاق، وقيل للتبعيض، والحق أن هذا مجمل يرجع في بيانه إلى السنة. وقد قال المالكية والحنابلة: الباء هنا زائدة، لأن التركيب يدل على وجوب مسح كل الرأس، فيمسح الكل احتياطا. وقال الحنفية والشافعية: الباء هنا للتبعيض، كما في قولنا: مسحت يدي بالحائط أي مسحت اليد ببعض الحائط، فيحمل قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ﴾ على بعض الرأس عملا بدلالة حرف الباء، لكن الحنفية قدروا البعض بثلاث أصابع أو بربع الرأس. والشافعية قدروه بأقل ما يطلق عليه اسم المسح. والجمهور على أن المسحة الواحدة تجزئ. وقال الشافعي: يمسح رأسه ثلاثا، والأحاديث تدل على تكرار أفعال الوضوء ثلاثا، أما المسح فلم يذكروا فيه

стр. 1797

عددا. والمسح عند الجمهور يبدأ بمقدم الرأس ثم يذهب بيديه إلى مؤخره، ثم يردهما إلى مقدمه. والفرض الرابع-غسل الرجلين إلى الكعبين: والكعبان: هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم من الجانبين، أي واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين. فالواجب غسل الرجلين بدليل فعل النبي ﷺ وصحابته والتابعين، وعليه انعقد إجماع الأمة. ثبت في الصحيحين من طريق مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أن رجلا قال لعبد الله بن زيد بن عاصم، وهو جد عمرو بن يحيى، وكان من أصحاب النبي ﷺ : هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بوضوء، فأفرغ على يديه مرتين مرتين، ثم مضمض واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه». وروي عن علي ومعاوية والمقداد بن معد يكرب في صفة وضوء رسول الله ﷺ مثله. وروى مسلم من حديث أبي هريرة: أنه توضأ فغسل وجهه، فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى، حتى أشرع في العضد، ثم غسل يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ. وروى مسلم عن أبي هريرة أيضا أن النبي ﷺ رأى رجلا لم يغسل عقبه، فقال: «ويل للأعقاب من النار».

стр. 1798

وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: تخلّف عنا رسول الله ﷺ في سفرة فأدركنا، وقد أرهقنا العصر، فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا، قال: فنادى بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار» مرتين أو ثلاثا. وصح أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وجرى العمل على التثليث. هذا كله على قراءة النصب: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾. وأما قراءة الجر: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ فمحمولة على الجوار، كما في قوله تعالى في سورة هود: ﴿إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود ٢٦/ ١١] بجر ميم ﴿أَلِيمٍ﴾ لمجاورة ﴿يَوْمٍ﴾ المجرور إذ كان حقه أن يقال: «أليما». وفائدة الجر للجوار هنا في قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾: التنبيه على أنه ينبغي الاقتصاد في صب الماء على الأرجل، وخص الأرجل بذلك؛ لأنها مظنة الإسراف لما يعلق بها من الأدران. ويجوز المسح على الخفين بدلا عن غسل الرجلين بعد لبسهما على طهارة بدءا من الحديث الطارئ، للمقيم يوما وليلة وللمسافر ثلاثة أيام، وقد ثبتت مشروعيته بالسنة المتواترة، قال الحسن البصري: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ كان يمسح على الخفين. وقال الحافظ ابن حجر: قد صرح جمع من الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر، وأقوى الأحاديث حجة فيه حديث جرير، فقد روى أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي: أنه-أي جرير-بال ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل له: تفعل هكذا؟ قال: نعم، رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ ومسح على خفيه. وأضاف الجمهور غير الحنفية لفرائض الوضوء فرض النية، لقوله ﷺ في حديث الشيخين عن عمر: «إنما الأعمال بالنيات». وأضاف الشافعية والحنابلة وجوب الترتيب؛ لأنه يبدأ بغسل الوجه عند القيام إلى الصلاة؛ لأنه مأمور به

стр. 1799

بفاء التعقيب المقتضية للترتيب، ويرتب ما بعده بحسب الآية وإن كانت الواو لا تقتضي الترتيب لقوله ﷺ فيما رواه الدارقطني عن جابر: «ابدؤوا بما بدأ الله به». وتوسط مسح الرأس بين غسل اليدين والرجلين يدل على الترتيب. وأضاف المالكية والحنابلة وجوب الموالاة؛ لمواظبته ﷺ على الولاء في أفعال الوضوء، فإنه لم يتوضأ إلا متواليا، وأمر تارك الموالاة بإعادة الوضوء. وأوجب المالكية أيضا الدلك بباطن الكف، لا بظاهر اليد؛ لأن الغسل المأمور به في آية الوضوء ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ لا يتحقق معناه إلا بالدلك، فإن مجرد إصابة الماء للعضو لا يعتبر غسلا، إلا إذا صاحبه الإمرار بشيء آخر على الجسم، وهو معنى الدلك. وأوجب الحنابلة المضمضة والاستنشاق؛ لما روى أبو داود وغيره: «إذا توضأت فمضمض» وروى الترمذي من حديث سلمة بن قيس: «إذا توضأت فانتثر» وروى الشيخان عن أبي هريرة: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء، ثم لينتثر». وأوجب الحنابلة كذلك التسمية في بدء الوضوء؛ لقوله ﷺ فيما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم عن أبي هريرة: «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه». وللوضوء سنن كثيرة معروفة في كتب الحديث والفقه. وينتقض الوضوء بأسباب منها: خروج شيء من أحد السبيلين، والنوم على هيئة لا تتمكن مقعدته من الأرض، ولمس بشرة الرجل المرأة وبالعكس لدى الشافعية، وفي حال الشهوة فقط لدى المالكية والحنابلة، ولا ينقض التلامس عند الحنفية، ومسّ فرج الآدمي بباطن الكف في رأي الجمهور غير الحنفية؛ لحديث رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن): «من مس ذكره، فلا يصلي حتى يتوضأ». أما الحنفية فاستدلوا بحديث آخر رواه الخمسة أيضا والدارقطني

стр. 1800

مرفوعا: «الرجل يمس ذكره، أعليه وضوء؟» فقال رسول الله ﷺ : «إنما هو بضعة منك، أو مضغة منك». فرضية الغسل: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾: أي فاغسلوا بالماء أبدانكم جميعا؛ لأن الأمر بالتطهير لما لم يتعلق بعضو مخصوص، كان أمرا بتحصيل الطهارة في كل البدن. وإنما حملت الطهارة على التطهر بالماء؛ لأن الماء هو الأصل فيها، كما يدل قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال ١١/ ٨]. والجنب: لفظ يستعمل للمفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث. والجنابة: معنى شرعي يستلزم اجتناب الصلاة وقراءة القرآن ومس المصحف ودخول المسجد إلى أن يغتسل الجنب. وسبب الجنابة اثنان: الأول-نزول المني: لقوله ﷺ فيما رواه مسلم: «إنما الماء من الماء» أي إنما يجب استعمال الماء للغسل من أجل الماء الحادث باحتلام أو جماع أي المني. الثاني-التقاء الختانين: لقوله ﵊ فيما رواه ابن ماجه عن عائشة وابن عمرو: «إذا التقى الختانان وجب الغسل». ويجب الاغتسال أيضا بعد انقطاع دم الحيض والنفاس؛ لقوله تعالى في الحيض: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ، فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ﴾ [البقرة ٢٢٢/ ٢] وللإجماع على أن النفاس كالحيض. وحكمة الوضوء والغسل: النظافة وبعث النشاط ليقف العبد بين يدي ربه حاضر القلب صافي الروح، والغسل من الجنابة لإزالة ما يعتري الجسم من استرخاء وفتور. وبعد أن بيّن الله تعالى وجوب استعمال الماء في الوضوء والغسل عند إرادة

стр. 1801

الصلاة، والوضوء مرة أو أكثر في اليوم، والغسل مرة أو أكثر في الأسبوع، بيّن أن وجوب استعمال الماء مقيد بأمرين: الأول-وجود الماء، والثاني-القدرة على استعماله من غير ضرر. فإن كان مريد الصلاة مريضا أو مسافرا لم يجد الماء، فرخص الشرع له في التيمم من الحدث الأصغر والأكبر. وهذا ما أوضحته الآية: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ..﴾ .. أي إن كنتم مرضى بمرض يشق معه استعمال الماء أو يضر كالحمّى ونحوها، والمرض الجلدي كالجدريّ والجرب ونحوهما من القروح والجروح، أو كنتم في سفر طويل أو قصير، ولم تجدوا ماء، فتيمموا، والمراد بالسفر: السير خارج العمران، وهو غير سفر القصر. وعبر بالسفر عن عدم الماء؛ لأن السفر يغلب فيه عدم وجود الماء. وكذا إن أحدثتم الحدث الأصغر المعبر عنه بالمجيء إلى الغائط، والغائط في الأصل: المكان المنخفض من الأرض، وهو كناية عن قضاء الحاجة من بول وغائط. وكل ما يخرج من السبيلين ملحق بقضاء الحاجة. وأو هذه بمعنى الواو. وكذلك إن حدثت ملامسة أي مباشرة مشتركة بين الرجال والنساء، وهذا هو الحدث الأكبر، أي الجماع، كما تأول الآية علي وابن عباس وغيرهما، وكانوا لا يوجبون الوضوء على من مسّ امرأة باليد. وتأول عمر وابن مسعود الآية بالمس باليد، وكانا يوجبان الوضوء على من مس امرأة باليد، والراجح هو القول الأول. والخلاصة: إذا كنتم على حال من الأحوال الأربعة المتقدمة (المرض والسفر والحدث الأصغر والأكبر) ولم تجدوا ماء، أي فقدتم الماء، أو كنتم محتاجين له، فاقصدوا (تيمموا) ترابا أو مكانا من وجه الأرض طاهرا لا نجاسة فيه، فاضربوا بأيديكم عليه وامسحوا وجوهكم وأيديكم، ومسح اليد يكون إلى المرفق في رأي

стр. 1802

الحنفية والشافعية، كما في الوضوء، والتيمم بدل عن الوضوء، ولما روى الدارقطني عن ابن عمر، وهو موقوف أن النبي ﷺ قال: «التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين». ولا بد من استيعاب الوجه واليدين بالتيمم لفعل النبي ﷺ ، ولأن التيمم يدل عن الوضوء، والاستيعاب في الأصل واجب، فيكون البدل كذلك، ما لم يقم دليل على خلافه. وفقد الماء المانع من التيمم يتصور في رأي المالكية: بعدم وجود الماء وجودا حكميا، بمعنى أن الشخص لا يتمكن شرعا من استعماله من غير ضرر. ويتصور في رأي الحنفية بعدم الوجود الحسي، بمعنى أنه لا يتمكن تمكنا حسيا من استعماله من غير ضرر. وينبني على هذا الخلاف: أن من وجد الماء وهو في الصلاة يكملها ولا يقطعها عند المالكية؛ لأنه لا يتمكن شرعا من استعماله من غير إبطال الصلاة، وهو لا يجوز له إبطالها، وأما عند الحنفية فيبطل تيممه فتبطل الصلاة، ويجب استعمال الماء. والمراد: لم تجدوا ماء كافيا للوضوء أو الغسل، فلو وجد الشخص ماء كافيا لبعض الوضوء أو الغسل، يتيمم عند الحنفية والمالكية، ولا يستعمل الماء في شيء من أعضائه، وعند الشافعية والحنابلة: يستعمل الماء في بعض الأعضاء، ثم يتيمم؛ لأنه لا يعد فاقدا للماء مع وجود هذا القدر. والمراد بالصعيد: هو التراب، على القول الظاهر المختار. واختلف الفقهاء في لزوم إيصال التراب إلى الوجه واليدين وعدمه، فقال الحنفية والمالكية: لا يلزم، وقال الشافعية: يلزم. وسبب الاختلاف الاشتراك في معنى الباء، فإنها ترد للتبعيض، وترد للابتداء وتمييز الجنس، فرجح الشافعية

стр. 1803

حملها على التبعيض قياسا للتيمم على الوضوء، ويجب في الوضوء استعمال بعض الماء، فيجب استعمال بعض التراب في التيمم. ورجح الحنفية والمالكية حملها على الابتداء وتمييز الجنس؛ لأن المتيمم ينفض يديه ليتناثر التراب، فيمسح وجهه ويديه من غير تلويث، ولما ورد من أنه ﵊ تيمم على حائط بضربتين: للوجه واليدين، والظاهر أنه لا يعلق على يديه شيء من التراب. ثم ذكر تعالى حكمة مشروعية التيمم وهي التيسير على الناس ودفع الحرج عنهم، فأبان أنه تعالى ما يريد ليجعل عليكم فيما شرعه من أحكام الوضوء والغسل والتيمم في هذه الآية وغيرها حرجا أي أدنى ضيق وأقل مشقة؛ لأنه تعالى غني عنكم، رحيم بكم، فلا يشرع لكم إلا ما فيه الخير والنفع لكم، ولكن يريد ليطهركم من الدنس والرجس المادي بإزالة الأقذار، والرجس المعنوي بطرد الكسل والفتور الحاصل عقب الجنابة، وبعث النشاط، لتكون النفس صافية مرتاحة في مناجاة ربها، ويريد أيضا أن يتم نعمته عليكم بالجمع بين طهارة الأبدان وطهارة الأرواح، وتبيان طريق العبادة الأفضل، لتؤدوا الشكر الواجب عليكم، ولتداوموا شكر النعم التي أنعمها الله عليكم. ثم ذكّر تعالى بالمناسبة بالنعم الكثيرة التي أنعم بها علينا، فاذكروا أيها المؤمنون نعمة الله بتوفيقكم للإسلام وتشريع هذا الدين العظيم، وإرساله إليكم هذا الرسول الكريم، وما أخذ عليكم من العهد والميثاق الذي عاهدكم به حين بايعتموه عند إسلامكم على السمع والطاعة في المنشط والمكره (المحبة والكره) والعسر واليسر، وعلى متابعته ومؤازرته، والقيام بدينه وإبلاغه عنه وقبوله منه، وتلك هي بيعة العقبة وبيعة الرضوان وغيرهما. واذكروا أيضا ميثاقه الذي أخذه عليكم وأنتم في عالم الذر على الإيمان بالله

стр. 1804

والرسول، ﴿إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا﴾ أي سمعنا النداء للإيمان وأطعنا الداعي وقبلنا دعوته والتزمنا بالعمل بها، كما قال تعالى: ﴿وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ، وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الحديد ٨/ ٥٧]. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ في كل شيء وفي كل حال، ولا تنقضوا العهد والميثاق؛ ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أي بخفيات الأمور الكامنة في الصدور المستقرة فيها استقرارا، ويعلم أيضا جليات الأمور، فلا يخفى على الله شيء أظهره الإنسان أو أضمره من الوفاء بالميثاق أو عدم الوفاء، وما تنطوي عليه نفسه من الإخلاص أو الرياء. فقه الحياة أو الأحكام: يؤخذ من آية الوضوء والتيمم ما يأتي: ١ - الطهارة شرط لصحة الصلاة؛ لأنه تعالى أوجب الطهارة بالماء عند إرادة الصلاة، وأوجب التيمم عند فقدان الماء، فدل على أن المأمور به أداء الصلاة مع الطهارة، وأن أداء الصلاة بدون الطهارة لا يحقق المطلوب أو أداء المأمور به. والأذنان من الرأس عند الجمهور غير الشافعي، لكن يمسحان مع الرأس بماء واحد في رأي الثوري وأبي حنيفة، ويجدد لهما الماء في رأي مالك والشافعي وأحمد. ومذهب الجمهور على أن الفرض في الرّجلين الغسل دون المسح، وهو الثابت من فعل النبي ﷺ ، واللازم من قوله في غير حديث. ودلت الآية ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ على قراءة الجر أو الخفض على مشروعية المسح على الرّجلين إذا كان عليهما خفان. وقد أثبت المسح على الخفين عدد كثير من

стр. 1805

الصحابة وغيرهم، وقد قال الحسن البصري: حدثني سبعون رجلا من أصحاب النبي ﷺ أنه كان يمسح على الخفين. ٢ - التيمم بدل عن الوضوء في الحدث الأصغر باتفاق. وأما كونه بدلا عن الغسل في الحدث الأكبر فهو محل خلاف بين السلف، فقال علي وابن عباس وأكثر الفقهاء: إنه بدل عنه أيضا، فيجوز التيمم لرفع الحدث الأكبر. وقال عمر وابن مسعود: إنه ليس بدلا عن الغسل، فلا يجوز له التيمم لرفع الحدث الأكبر. وإذا كان في الاشتغال بالوضوء فوات الوقت، لم يتيمم عند أكثر العلماء، لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وهذا واجد، فقد عدم شرط صحة التيمم، فلا يتيمم. وأجاز مالك التيمم في مثل ذلك؛ لأن التيمم إنما جاء في الأصل لحفظ وقت الصلاة، ولولا ذلك لوجب تأخير الصلاة إلى حين وجود الماء. ٣ - الطهارة لا تجب إلا عند الحدث؛ لأنها تضمنت أن التيمم بدل عن الوضوء والغسل، وقد أوجبه الله على مريد الصلاة متى جاء من الغائط أو لامس النساء، ولم يجد الماء. ودلت الأحاديث على أن الريح والمذي والودي ينقض الوضوء كالبول والغائط. ٤ - استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن إزالة النجاسة ليست بواجبة؛ لأنه قال: ﴿إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ ولم يذكر الاستنجاء، وذكر الوضوء، فلو كانت إزالتها واجبة لكانت أول مبدوء به، وهو قول أصحاب أبي حنيفة، ومالك في رواية أشهب عنه. وقال ابن وهب عن مالك: تجب إزالتها في التذكر والنسيان. وهو قول الشافعي، والصحيح رواية ابن وهب؛ لأن النبي ﷺ في الصحيحين أخبر في صاحبي القبرين: أن عذاب أحدهما «لأنه لا يستبرئ من

стр. 1806

بوله» ولا يعذب إلا على ترك واجب. وقال أبو حنيفة: تجب إزالة النجاسة إذا زادت على قدر الدرهم البغلي (١) -يريد الكبير الذي هو على هيئة المثقال-قياسا على فم المخرج المعتاد الذي عفي عنه. ولا يجوز المسح على الجوربين عند أبي حنيفة والشافعي إلا أن يكونا مجلّدين وهو أحد قولي مالك. وأجاز جماعة من الصحابة (علي وأبو مسعود والبراء وأنس وأبو أمامة وسهل بن سعد وعمرو بن حريث) المسح على الجوربين. ويؤخذ من آية ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ ما يأتي: ١ - وجوب تذكر نعم الله التي يتمتع بها الإنسان. ٢ - وجوب الوفاء بالعهود والمواثيق التي يؤدي تنفيذها إلى خير الجماعة. ٣ - وجوب تقوى الله فيما أمر به ونهى عنه. والمراد من الآية: هو العهد والميثاق الذي جرى للصحابة مع النبي ﷺ على السمع والطاعة في المنشط والمكره، إذ قالوا: سمعنا وأطعنا، كما جرى في ليلة العقبة وتحت الشجرة. ٤ - الإسلام دين اليسر والسماحة؛ لأنه قائم بنص القرآن على مبدأ رفع الحرج.

стр. 1807

الشهادة بالقسط والحكم بالعدل ووعد المؤمنين ووعيد الكافرين والتذكير بنعمة الله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاّ تَعْدِلُوا اِعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٨) وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾ الإعراب: ﴿اِعْدِلُوا هُوَ.﴾. هو: كناية عن العدل وهو المصدر، لدلالة ﴿اِعْدِلُوا﴾ عليه، كقول الشاعر: إذا نهي السفيه جرى عليه، أي إلى السفيه، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ﴾ [النور ٢٨/ ٢٤]. والتقوى: مؤنثة، والألف فيها للتأنيث كالألف في سكرى وعطشى. ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ.﴾. وعد: يتعدى إلى مفعولين، يجوز الاقتصار على أحدهما. وهاهنا لم يذكر إلا مفعولا واحدا وهو ﴿الَّذِينَ﴾ وحذف المفعول الآخر، ثم فسّره بقوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.

стр. 1808

البلاغة: ﴿أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾: بسط الأيدي كناية عن البطش والفتك، وكف الأيدي كناية عن المنع والحبس. المفردات اللغوية: ﴿قَوّامِينَ﴾ قائمين به حق القيام ﴿لِلّهِ﴾ بحقوقه ﴿شُهَداءَ بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ ولا يحملنكم ويكسبنكم ﴿شَنَآنُ﴾ بغض وعداوة ﴿قَوْمٍ﴾ أي الكفار ﴿اِعْدِلُوا﴾ في العدو والولي ﴿هُوَ﴾ أي العدل ﴿خَبِيرٌ﴾ عالم بالأشياء علما دقيقا مضبوطا مؤيدا بالاختبار ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ أي فيجازيكم به ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ هو الجنة ﴿الْجَحِيمِ﴾ النار العظيمة وهي دار العذاب ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ﴾ قريش ﴿أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ يمدوها إليكم بالبطش والفتك بكم ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ حجبهم وعصمكم مما أرادوا بكم ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ تجنبوا عقابه وسخطه بترك معاصيه. سبب النزول: نزول الآية (٨): قيل: نزلت هذه الآية في يهود بني النضير حين ائتمروا على الفتك برسول الله ﷺ ، فأوحى الله إليه بذلك، ونجا من كيدهم، فأرسل ﵊ يأمرهم بالرحيل من جوار المدينة، فامتنعوا وتحصنوا بحصونهم، فخرج ﵊ إليهم بجمع من أصحابه، وحاصرهم ست ليال، اشتد الأمر فيها عليهم، فسألوا النبي ﷺ أن يكتفي منهم بالجلاء، وأن يكف عن دمائهم، وأن يكون لهم ما حملت الإبل، وكان البعض من المؤمنين يرى لو يمثل النبي ﷺ بهم، ويكثر من الفتك فيهم، فنزلت الآية لنهيهم عن الإفراط في المعاملة بالتمثيل والتشويه، فقبل النبي ﵊ من اليهود ما اقترحوه. وقيل: نزلت في المشركين الذين صدوا المسلمين عن المسجد الحرام عام الحديبية، كأنه تعالى أعاد النهي هنا ليخفف من حدة المسلمين ورغبتهم في الفتك

стр. 1809

بالمشركين بأي نوع من أنواع الفتك. نزول الآية (١١): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ﴾: أخرج ابن جرير الطبري عن عكرمة ويزيد بن أبي زياد، واللفظ له: أن النبي ﷺ خرج ومعه أبو بكر وعثمان وعلي وطلحة وعبد الرحمن بن عوف حتى دخلوا على كعب بن الأشرف ويهود بني النضير يستعينهم في عقل (دية) أصابه، فقالوا: نعم، اجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا، فجلس فقال حيي بن أخطب لأصحابه: لا ترونه أقرب منه الآن، اطرحوا عليه حجارة فاقتلوه، ولا ترون شرا أبدا، فجاءوا إلى رحى عظيمة، ليطرحوها عليه، فأمسك الله عنها أيديهم، حتى جاءه جبريل، فأقامه من ثمة، فأنزل الله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ﴾ الآية. وأخرج نحوه عن عبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمير بن قتادة ومجاهد وعبد الله بن كثير وأبي مالك. وأخرج عن قتادة قال: ذكر لنا أن هذه الآية أنزلت على رسول الله ﷺ وهو ببطن نخل، في الغزوة السابعة (غزوة ذات الرقاع)، فأراد بنو ثعلبة وبنو محارب أن يفتكوا بالنبي ﷺ ، فأرسلوا إليه الأعرابي-يعني الذي جاءه وهو نائم-في بعض المنازل، فأخذ سلاحه وقال: من يحول بيني وبينك؟ فقال له: الله، فشام السيف (أغمده) ولم يعاقبه. وأخرج أبو نعيم في دلائل النبوة من طريق الحسن عن جابر بن عبد الله أن رجلا من محارب يقال له غورث بن الحارث قال لقومه: أقتل لكم محمدا، فأقبل إلى رسول الله ﷺ ، وهو جالس وسيفه في حجره، فقال: يا محمد، أأنظر إلى سيفك هذا؟ قال: نعم، فأخذه فاستله، وجعل يهزه ويهم به، فيكبته الله تعالى، فقال: يا محمد، أما تخافني؟ قال: لا، قال: أما تخافني والسيف في

стр. 1810

يدي؟ قال: لا، يمنعني الله منك، ثم أغمد السيف ورده إلى رسول الله ﷺ ، فأنزل الله الآية. قال القشيري: وقد تنزل الآية في قصة ثم ينزل ذكرها مرة أخرى لادّكار ما سبق. المناسبة: لما ذكّر الله تعالى المؤمنين في الآية السابقة بما يوجب عليهم الانقياد لأوامره ونواهيه، طالبهم هنا بالانقياد لتكاليفه المتعلقة به أو بعباده. التفسير والبيان: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالحق لله ، لا لأجل الناس والسمعة، أي بالإخلاص لله في كل ما تعملون من أمر دينكم ودنياكم. شهداء بالحق والعدل بلا محاباة ولا جور، سواء للمشهود له أو عليه، أي أدوا الشهادة بالعدل؛ لأن العدل هو ميزان الحقوق، إذ متى وقع الجور في أمة انتشرت المفاسد فيما بينها، كما قال تعالى: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء ١٣٥/ ٤] والشهادة: الإخبار بالواقعة وإظهار الحق أمام الحاكم ليحكم به. ولا يحملنكم بغض قوم وعداوتهم على ترك العدل فيهم، بل استعملوا العدل في معاملتكم مع كل أحد، صديقا كان أو عدوا. وعدلكم أقرب للتقوى من تركه، أي العدل في معاملة الأعداء أقرب إلى اتقاء المعاصي على الوجه العام. وقوله: ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ من باب استعمال أفعل التفضيل في المحل الذي ليس في الجانب الآخر منه شيء، أي ليس للمفاضلة بين شيئين، فهو ليس على بابه، كما في قوله تعالى: ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ [الفرقان ٢٤/ ٢٥].

стр. 1811

واتقوا الله، أي اتخذوا وقاية من عذابه، في جميع أعمالكم، فإن الله خبير بما تعملون، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وسيجزيكم على ما علم من أفعالكم التي عملتموها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. ثم أوضح جزاء الفريقين: الفريق الذين آمنوا وعملوا الصالحات التي يصلح بها أمر الناس في أنفسهم ومع غيرهم، ومن أهمها العدل، وجزاؤهم مغفرة لذنوبهم أي ستر لها، وأجر عظيم وهو الجنة ومضاعفة الثواب على الإيمان والعمل الصالح، فضلا من الله ورحمة. والفريق المقابل الآخر وهو الذين كفروا بالله ورسله، سواء كفروا بالجميع أو بالبعض، وكذبوا بآيات الله الكونية التي أقامها الله في الأنفس والأكوان للدلالة على وحدانيته وكماله وقدرته، وآياته المنزلة على رسله فيما يبلغون عنه، وجزاؤهم أنهم أصحاب النار العظيمة الملازمون لها، لفساد أنفسهم وسوء أعمالهم، وهذا من عدل الله تعالى وحكمته وحكمه الذي لا جور فيه. ثم ذكّر الله تعالى المؤمنين بنعمة الله عليهم، بدفع الشر والمكروه عن نبيهم، ورد كيد الأعداء عنهم، على كثرتهم وقوتهم، وضعف المسلمين وقلتهم، بعد أن هموا وعزموا على البطش بكم، ولكن الله أيد رسوله ونصر دينه وأتم نوره ولو كره الكافرون. وحادثة المحاربي (من قبيلة محارب) المتقدمة مثيرة للانتباه والاهتمام، وقد رويت بروايات كثيرة عدا ما ذكر في سبب النزول. وهناك رواية أخرى يحسن ذكرها، روى الحاكم عن جابر قال: «قام على رأس رسول الله ﷺ وقال: من يمنعك؟ قال: الله، فوقع السيف من يده، فأخذه النبي ﷺ وقال: من يمنعك؟ قال: كن خير آخذ، قال: تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، قال: أعاهدك ألا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلّى سبيله، فجاء إلى

стр. 1812

قومه، وقال: جئتكم من عند خير الناس». وقد حدثت حادثة الأعرابي هذا في غزوة ذات الرقاع، واسم الرجل: غورث بن الحارث. والتذكير بنعم الله التي لا تعد ولا تحصى يستتبع التزام التقوى، لذا أمر تعالى بالتقوى وبالتوكل على الله، فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي اتخذوا من تقوى الله عدة تنفعكم وتحميكم من عذاب الله، وتوكلوا على الله حق التوكل، فمن توكل على الله-بعد اتخاذ الأسباب-كفاه الله ما أهمه وحفظه من شر الناس وعصمه. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - وجوب القيام لله تعالى بإخلاص بكل التكاليف التي كلفنا بها. ٢ - نفاذ حكم العدو على عدوه في الله تعالى، ونفاذ شهادته عليه؛ لأنه تعالى أمر بقوله: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ لِلّهِ﴾ بالعدل وإن أبغضه، ولو كان حكمه عليه وشهادته لا تجوز فيه مع البغض له، لما كان لأمره بالعدل فيه وجه. ٣ - إن كفر الكافر لا يمنع من العدل في معاملته، وفي الآية الآمرة بالعدل والتقوى دلالة أيضا على أن يقتصر في المحاربة على المستحق للقتال، وأن المثلة بالأعداء غير جائزة وإن قتلوا نساءنا وأطفالنا وآذونا بذلك، فليس لنا أن نقتلهم بمثلة قصدا لإيقاع الغم والحزن بهم. ٤ - وجوب أداء الشهادات على وجهها من غير محاباة ولا ظلم. فهذه الآية وآية النساء المتقدمة [١٣٥/ ٤] تعالج داء خطيرا من أكبر الكبائر وهو كتمان الشهادة وشهادة الزور. ٥ - وجوب العدل في معاملة الناس قاطبة، سواء كانوا أعداء أو أصدقاء؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ.﴾. الآية.

стр. 1813

٦ - عرفان الجميل ووجوب تذكر نعمة الله على المؤمنين في رد كيد الأعداء عنهم وعن نبيهم ﵊. ٧ - وجوب تقوى الله بنحو عام في كل أحوال الإنسان، ووجوب التوكل على الله بعد اتخاذ الأسباب، لإحراز السعادة الدنيوية والأخروية. ٨ - جزاء المؤمنين الذين يعملون الصالحات والأفعال الخيرة لأنفسهم وإخوانهم: هو المغفرة لذنوبهم والظفر بالخلود في الجنان. وجزاء الكافرين بالله ورسله المكذبين بآيات الله الدالة على وحدانيته وقدرته: هو ملازمة نار الجحيم، وهي بئس المأوى وبئس المصير. وكل من الجزاءين مؤكد الحصول، لافتتاحه بوعد الله، ووعد الله أقوى؛ لأن الإله قادر على جميع المقدورات، عالم بجميع المعلومات، غني عن كل الحاجات. ٩ - آية ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ نص قاطع في أن الخلود ليس إلا للكفار؛ لأن هذا القول يفيد الحصر، والمصاحبة تقتضي الملازمة، كما يقال: أصحاب الصحراء، أي الملازمون لها. نقض اليهود والنصارى الميثاق ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اِثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٢) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاِصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣) وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾

стр. 1814

الإعراب: ﴿لَئِنْ﴾ لام قسم ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من (أصحاب القلوب). ﴿وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾: ﴿خائِنَةٍ﴾: إما صفة لموصوف محذوف، وتقديره: على فرقة خائنة، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه. أو تكون ﴿خائِنَةٍ﴾ بمعنى خيانة؛ لأن فاعلة تأتي مصدرا، كالخالصة بمعنى الإخلاص: ﴿إِنّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ﴾ وكالطاغية بمعنى الطغيان: ﴿فَأَمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ والكاذبة بمعنى الكذب: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ أي كذب، والعافية والعاقبة وغير ذلك. ﴿إِلاّ قَلِيلاً﴾ استثناء من الهاء والميم في ﴿مِنْهُمْ﴾. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا: إِنّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ﴾: من تتعلق بأخذنا، كما في قوله: ﴿لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ معناه: أخذنا ميثاقا من بني إسرائيل اليهود. البلاغة: ﴿وَبَعَثْنا مِنْهُمُ﴾ فيه التفات عن الغيبة: «وبعث» إلى المتكلم، اعتناء بشأنه.

стр. 1815

المفردات اللغوية: ﴿وَبَعَثْنا﴾ أقمنا ﴿مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً﴾ من كل سبط نقيب يكون كفيلا على قومه بالوفاء بالعهد توثقة عليهم، والنقيب: كبير القوم الذي يعنى بشؤونهم وهو الضامن ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ بالعون والنصرة ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ نصرتموهم ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ بالإنفاق في سبيله ببذل المال فوق الواجب، والقرض الحسن: ما كان عن طيب نفس ﴿بَعْدَ ذلِكَ﴾ بعد الميثاق ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أخطأ طريق الحق، والسواء في الأصل: الوسط، و ﴿سَواءَ السَّبِيلِ﴾: وسطه. ﴿لَعَنّاهُمْ﴾ طردناهم وأبعدناهم من رحمتنا ﴿قاسِيَةً﴾ شديدة جامدة لا تلين لقبول الحق والخير والإيمان ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ التحريف: إمالة الشيء عن موضعه إلى جانب آخر، فاليهود يحرفون الكلام الذي في التوراة من نعت محمد ﷺ وغيره عن مواضعه التي وضعه الله عليها، أي يبدلونه. ﴿وَنَسُوا﴾ تركوا ﴿حَظًّا﴾ نصيبا ﴿مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أمروا به في التوراة من اتباع محمد ﷺ . ﴿وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ﴾ خطاب للنبي ﷺ ، وتطلع: تظهر ﴿عَلى خائِنَةٍ﴾ أي خيانة ﴿مِنْهُمْ﴾ بنقض العهد وغيره ﴿إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ﴾ ممن أسلم. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا: إِنّا نَصارى﴾: متعلق بقوله: ﴿أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ﴾ أي أخذنا الميثاق من النصارى، كما أخذناه من بني إسرائيل اليهود ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ في الإنجيل من الإيمان وغيره، ونقضوا الميثاق ﴿فَأَغْرَيْنا﴾ أوقعنا بينهم العداوة والبغضاء بتفرقهم واختلاف أهوائهم، فكل فرقة تكفّر الأخرى ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ﴾ في الآخرة ﴿بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ فيجازيهم عليه. المناسبة: موضوع الآيات كالتي قبلها تذكير بالمواثيق، فبعد أن ذكّرنا الله بميثاقه على السمع والطاعة للنبي محمد ﷺ ، وأمرنا بالوفاء بالعهد، من إحلال الحلال وتحريم الحرام، وذكّرنا بنعمه الداعية للوفاء، بيّن لنا في هذه الآيات أخذ الميثاق على اليهود والنصارى، وما كان من نقضهم له، وعقابهم على ذلك في الدنيا والآخرة، ليتعظ المسلمون بمن تقدمهم من الأمم. التفسير والبيان: لقد أخذ الله العهد والميثاق على بني إسرائيل بواسطة نبيهم موسى ليعملن

стр. 1816

بالتوراة التي فيها شريعتهم التي اختارها لهم، وليقبلنها بجد ونشاط: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة ٦٣/ ٢ و ٩٣] ولا يزال هذا العهد في التوراة الحالية، وأمرناه أن يختار اثني عشر نقيبا منهم، يتولون أمور الأسباط (كالقبائل في العرب) ويرعونهم، والنقباء: زعماء أو عرفاء أسباطهم الاثني عشر، والنقيب: كبير القوم، القائم بأمورهم الذي ينقّب عنها، وعن مصالحهم فيها، وبعثهم: إرسالهم لمقاتلة الجبارين في بيت المقدس. وتاريخ ذلك كما روى ابن إسحاق وغيره عن ابن عباس: أنه لما نجا بنو إسرائيل من فرعون وصحبه، أمرهم الله بالسير إلى بيت المقدس، التي كان يسكنها الكنعانيون الجبابرة، وقال لهم: إني جعلتها لكم وطنا، فاخرجوا إليها وجاهدوا من فيها، وإني ناصركم، ولما توجه موسى ﵇ لقتال الجبابرة، أمره الله أن يختار اثني عشر نقيبا منهم، ويأخذ من كل سبط نقيبا يكون كفيلا بتنفيذ ما أمروا به ففعل، فلما دنا من الأرض المقدسة بعث النقباء يستطلعون الأخبار، فرأوا أجساما قوية، وشوكة وقوة، فهابوهم ورجعوا وحدثوا قومهم بما رأوا، وقد كان موسى نهاهم عن ذلك، فنقضوا العهد إلا نقيبين، وهما اللذان قال الله تعالى فيهما: ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا، اُدْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ﴾ (١) [المائدة ٢٣/ ٥]. ﴿وَقالَ اللهُ: إِنِّي مَعَكُمْ﴾ أي وقال الله لموسى الذي بلغ الوحي إلى بني إسرائيل: إني معكم، أي ناصركم وحافظكم ومعينكم، ومطلع عليكم، ومجازيكم على أعمالكم. وعاهدهم الله بالعهد الإلهي الشامل ومضمونه: لئن أقمتم الصلاة، وأديتموها على الوجه الأكمل، وأعطيتم زكاة أموالكم التي تزكو بها نفوسكم وتطهر، وآمنتم

стр. 1817

برسلي التي سترسل لكم بعد موسى، أي صدقتموهم فيما يجيئونكم به من الوحي، مثل داود وسليمان وزكريا ويحيى وعيسى ومحمد ﵈، وعزرتموهم: أي نصرتموهم وآزرتموهم على الحق ومنعتموهم من الأعداء، وأقرضتم الله قرضا حسنا أي أنفقتم في سبيله وابتغاء مرضاته، زيادة على ما أوجبه الله عليكم بالزكاة، لئن فعلتم كل هذا، لأكفرن عنكم سيئاتكم، أي أستر ذنوبكم وأمحوها ولا أؤاخذكم بها، ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار، أي أدفع عنكم المحذور واحصل لكم المقصود. فمن جحد منكم شيئا مما أمرته به، وخالف هذا الميثاق بعد عقده وتوكيده، فقد أخطأ الطريق الواضح المستقيم الذي هو الدين الذي شرعه الله تعالى لكم، وعدل عن الهدى إلى الضلال. ثم بيّن تعالى أنهم نقضوا هذا العهد، فجازاهم على فعلهم فقال: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً﴾ أي فبسبب نقضهم الميثاق الذي أخذ عليهم، أبعدناهم عن الحق وطردناهم عن الهدى ورحمة الله، وأنزلنا عليهم المقت والغضب والسخط، وجعلنا قلوبهم غليظة قاسية شديدة، لا تقبل الحق، ولا تتعظ بموعظة: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ، وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ [البقرة ٧/ ٢]. ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ أي فسدت أفهامهم وساء تصرفهم في آيات الله، وتأولوا كتابه على غير ما أنزله، وحملوه على غير مراده، وبدلوه وغيروه أي أن التحريف نوعان: تحريف الألفاظ بالتقديم والتأخير والزيادة والنقص. وتحريف المعاني بحمل الألفاظ على غير ما وضعت له.

стр. 1818

وقد أخبر الله عن تحريفهم وتأويلاتهم في مواضع كثيرة منها: ﴿وَيَقُولُونَ: سَمِعْنا وَعَصَيْنا، وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ، وَراعِنا، لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ [النساء ٤٦/ ٤]. ومن المعروف تاريخيا وباعتراف اليهود والنصارى أنفسهم: أن التوراة التي أنزلت على موسى ﵇ وكتبها وأمر بحفظها وكانت نسخة واحدة، قد فقدت باتفاق المؤرخين من اليهود والنصارى عند سبي البابليين لهم وإغارتهم عليهم، ولم يكن عندهم غيرها، ولم يحفظوها، بسبب إحراق البابليين هيكلهم وتخريب عاصمتهم وسبي أحيائهم. أما الأسفار الخمسة المنسوبة إلى موسى التي فيها أخبار عن موته وحياته، وأنه لم يقم بعده أحد مثله، فإنها كتبت بعده بزمن طويل، وبعد بضعة قرون، كتبها عزرا الكاهن بما بقي عند شيوخهم الذين بقوا بعد الأسر والقتل، وبعد أن أذن لبني إسرائيل بالعودة إلى بلادهم. وكذلك الإنجيل كتب باعتراف النصارى بعد عيسى بحوالي قرن فأكثر. ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي وتركوا العمل به، رغبة عنه، ونسوا عهد الله الذي أخذه الأنبياء عليهم من الإيمان بمحمد ﷺ قال ابن عباس: نسوا الكتاب أي طائفة من أصل الكتاب، وتركوا نصيبا مما أمروا به في كتابهم وهو الإيمان بمحمد ﷺ ، وقال الحسن البصري: تركوا عرا دينهم ووظائف الله تعالى التي لا يقبل العمل إلا بها، وقال غيره: تركوا العمل، فصاروا إلى حال رديئة، فلا قلوب سليمة، ولا فطر مستقيمة، ولا أعمال قويمة. وهذا كله لتظل معجزة القرآن الدالة على صدق محمد ﷺ باقية دائمة، فقد أخبر عن ذلك بعد عدة قرون من موت موسى ﵇. ﴿وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ يعني مكرهم وغدرهم وخيانتهم لك

стр. 1819

ولأصحابك، قال مجاهد وغيره: يعني بذلك تمالؤهم على الفتك برسول الله ﷺ . والخائنة: الخيانة كالقائلة بمعنى القيلولة والخاطئة بمعنى الخطيئة. وقال بعضهم: معنى ذلك: ولا تزال تطلع على خائن منهم، والعرب تزيد الهاء في آخر المذكر، كقولهم: هو راوية للشعر، ورجل علامة (١). قال الطبري: والصواب من القول أن الله عنى بهذه الآية يهود بني النضير الذين هموا بقتل رسول الله ﷺ وأصحابه إذ أتاهم رسول الله ﷺ يستعينهم في دية العامريين، فأطلعه الله على ما قد هموا به (٢). ﴿إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ﴾ أي ما تزال تطلع على خياناتهم المتكررة الصادرة منهم إلا قليلا منهم وهو من آمن وحسن إيمانه، كعبد الله بن سلام وأصحابه ممن أسلموا، فلا تخف منهم خيانة. فاعف عما بدر منهم، واصفح عمن أساء منهم، وعاملهم بالإحسان، إن الله يحب المحسنين الذين أحسنوا العفو والصفح عن المسيء، ويثيبهم على إحسانهم، وهذا هو عين النصر والظفر، كما قال بعض السلف: «ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه» وبهذا يحصل لهم تأليف وجمع على الحق، ولعل الله أن يهديهم (٣). وقد ثبت أن النبي ﷺ عامل طوائف اليهود الثلاث حول المدينة (وهم بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة) أحسن معاملة في بدء الأمر وأثنائه ونهايته، ففي البداية بعد الهجرة إلى المدينة عقد معهم صلحا معروفا هو وثيقة المدينة، ووادعهم وعاهدهم على المسالمة وألا يحاربوه ولا يمالئوا عليه عدوا له، وأنهم آمنون

стр. 1820

على أنفسهم وأموالهم، ويتمتعون بالحرية الكاملة. وفي أثناء الحياة القائمة على التعايش السلمي نقضوا العهد وخانوا النبي وانضموا إلى معسكر قريش واشتركوا مع العرب في حرب المسلمين، فاكتفى النبي ﷺ بطردهم من جواره. وفي نهاية الأمر لم يعاقب النبي اليهود على خيانتهم وغدرهم، ولكنه أوصى بإجلائهم من جزيرة العرب ومنها الحجاز. ثم ذكر الله تعالى ميثاقه مع النصارى، فقال: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا: إِنّا نَصارى.﴾. أي وكذلك أخذنا العهد والميثاق على النصارى على متابعة الرسول ﷺ ومناصرته ومؤازرته واقتفاء آثاره، وعلى الإيمان بكل نبي يرسله الله إلى الناس، ففعلوا كما فعل اليهود، بدلوا دينهم، وخالفوا المواثيق، ونقضوا العهود، لهذا قال تعالى: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ، فَأَغْرَيْنا.﴾. أي تركوا العمل بأصول دينهم رغبة عنه، فألقينا بينهم العداوة والبغضاء لبعضهم بعضا، ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة، فإن طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم، لا يزالون متباغضين متعادين، يكفّر بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضا. وسينبئهم الله يوم القيامة بما صنعوا في الدنيا، وهذا تهديد ووعيد أكيد للنصارى على ما ارتكبوه من الكذب على الله وعلى رسوله، وعلى ما نسبوه إلى الرب من اتخاذ الصاحبة والولد والشريك، ويجازيهم على ذلك بقدر ما يستحقون حتما في الآخرة. والمعروف تاريخيا حتى عند النصارى أنفسهم كما أوضحت أن المسيح لم يكتب مواعظه وتعاليمه، ثم توفي، ولم يكن هناك إنجيل مكتوب، وقد اضطهد اليهود أتباعه وشردوهم وقتلوا أكثرهم، وعلى التخصيص الحواريين الذين كانوا صيادين. وعند ما دخل قسطنطين الملك في الديانة المسيحية، وهدأت الحملة ضد النصارى، أخذوا يكتبون الأناجيل، وهي كثيرة ومختلفة ومتباينة، ولم تظهر

стр. 1821

الأناجيل الأربعة المتداولة إلى الآن إلا بعد ثلاثة قرون من تاريخ المسيح عند ما صار للنصارى دولة بتنصر الملك قسطنطين الروماني، والذي من عهده دخلت النصرانية في عهد جديد من الوثنية والفلسفة الإغريقية. هذه الأناجيل المسماة (العهد الجديد) مع كونها مجهولة الأصل والتاريخ وكونها متناقضة متعارضة، أقيم فيها الدين المسيحي على أساس كتب اليهود التي تسمى (العهد العتيق أو القديم) التي لا أصل ثابتا لها كما عرف. فقه الحياة أو الأحكام: يستفاد من الآيات ما يأتي: ١ - الإخبار عن نقض اليهود المواثيق، وأن جزاء النقض اللعنة والطرد من رحمة الله تعالى. ٢ - الاعلام بأن اليهود يحرفون كلام الله المنزل في التوراة، إما تحريف ألفاظ وإما تحريف معان، كما أوضحت. ٣ - إيثار العفو والصفح على العقاب والمحاربة والقتل والإيذاء. ٤ - اتخاذ النقباء دليل على قبول خبر الواحد فيما يفتقر إليه المرء، ويحتاج إلى معرفته من حاجاته الدينية والدنيوية. وتأيد ذلك بالسنة النبوية في الإسلام؛ قال ﷺ لهوازن: «ارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم». ٥ - ودل اتخاذ النقباء أيضا على جواز اتخاذ الجاسوس. ٦ - إن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإيمان بالله والرسل والإنفاق في سبيل الله سبب لتكفير السيئات ومغفرة الذنوب ودخول الجنة. فمن انحرف عن ذلك

стр. 1822

فقد أخطأ طريق الحق والخير، وعدل عن الهدى إلى الضلال. ٧ - الإخبار عن النصارى أيضا أنهم نقضوا العهد والميثاق، وأهملوا ما أمرهم به كتابهم ودينهم من أوامر، وما نهاهم عنه من نواه، ولم يؤمنوا بالنبي ﷺ الذي بشر به الإنجيل والتوراة من قبله، وقد هددهم الله وأوعدهم بالجزاء السيء على ما صنعوا. والخلاصة: إن سبيل النصارى مثل سبيل اليهود في نقض المواثيق من عند الله. ويحسن في النهاية إيراد التساؤلات الثلاثة التي أوردها الرازي في الآية وهي (١): السؤال الأول-لم أخّر الإيمان بالرسل عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع أنه مقدم عليه؟ الجواب-أن اليهود كانوا مقرين بأنه لا بد في حصول النجاة من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، إلا أنهم كانوا مصرين على تكذيب بعض الرسل، فذكر بعد إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة أنه لا بد من الإيمان بجميع الرسل حتى يحصل المقصود، وإلا لم يكن لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تأثير في حصول النجاة بدون الإيمان بجميع الرسل. والسؤال الثاني-ما معنى التعزير؟ الجواب-قال الزجاج: العزر في اللغة: الرد، وتأويل عزرت فلانا، أي فعلت به ما يرده عن القبيح ويزجره عنه، ولهذا قال الأكثرون: معنى قوله ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ أي نصرتموهم؛ وذلك لأن من نصر إنسانا فقد ردّ عنه أعداءه.

стр. 1823

ولو كان التعزير هو التوقير، لكان قوله: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح ٩/ ٤٨] تكرارا. والسؤال الثالث-قوله: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ دخل تحت إيتاء الزكاة، فما الفائدة في الإعادة؟ الجواب-المراد: بإيتاء الزكاة الواجبات، وبهذا الإقراض: الصدقات المندوبة، وخصها بالذكر تنبيها على شرفها وعلو مرتبتها. مقاصد القرآن ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ الإعراب: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من ﴿رَسُولُنا﴾. وتقديره: قد جاءكم رسولنا مبينا لكم. ﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ﴾ جملة فعلية في موضع رفع؛ لأنها صفة لكتاب، ويجوز أن تكون في موضع نصب على الحال من ﴿الْكِتابِ﴾ لأنه قد وصف بمبين. البلاغة: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ فيه استعارة، استعار الظلمات للكفر والنور للإيمان.

стр. 1824

المفردات اللغوية: ﴿تُخْفُونَ﴾ تكتمون ﴿مِنَ الْكِتابِ﴾ التوراة والإنجيل، كإخفاء آية الرجم وصفة النبي ﷺ ﴿وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ من ذلك، فلا يبينه إذا لم يكن فيه مصلحة إلا افتضاحكم. ﴿قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ﴾ هو النبي ﷺ ﴿وَكِتابٌ مُبِينٌ﴾ قرآن بيّن ظاهر ﴿يَهْدِي بِهِ﴾ أي بالكتاب ﴿سُبُلَ السَّلامِ﴾ طرق السلامة ﴿الظُّلُماتِ﴾ الكفر ﴿النُّورِ﴾ الإيمان ﴿بِإِذْنِهِ﴾ بإرادته ﴿صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: دين الإسلام. سبب النزول: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ.﴾.: أخرج ابن جرير الطبري عن عكرمة قال: إن نبي الله ﷺ أتاه اليهود يسألونه عن الرجم، فقال: أيكم أعلم؟ فأشاروا إلى ابن صوريا، فناشده بالذي أنزل التوراة على موسى، والذي رفع الطور، والمواثيق التي أخذت عليهم، حتى أخذه أفكل: رعدة من الخوف، فقال: لما كثر فينا جلدنا مائة، وحلقنا الرؤوس، فحكم عليهم بالرجم، فأنزل الله: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ﴾ إلى قوله ﴿صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١). المناسبة: بعد أن حكى الله تعالى عن اليهود والنصارى نقضهم العهد وتركهم ما أمروا به، دعاهم عقيب ذلك إلى الإيمان بمحمد ﷺ . وهذا من دلائل نبوته ﷺ ، وهو من معجزات القرآن المتعددة في نواحيه. التفسير والبيان: يا أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى، ووحد الكتاب؛ لأنه خرج مخرج الجنس، قد جاءكم رسولنا محمد ﷺ بالهدى ودين الحق إلى جميع أهل الأرض، وأنه بعثه بالبينات والفرق بين الحق والباطل ووصف الرسول هنا بصفتين:

стр. 1825

الأولى-أنه يبين لهم كثيرا مما يخفون، قال ابن عباس: «أخفوا صفة محمد ﷺ ، وأخفوا أمر الرجم، وعفا عن كثير مما أخفوه، فلم يفضحهم ببيانه». ثم إن الرسول ﷺ بيّن ذلك لهم، وهذا معجز؛ لأنه ﵊ لم يقرأ كتابا ولم يتعلم علما من أحد، فلما أخبرهم بأسرار ما في كتابهم، كان ذلك إخبارا عن الغيب، فيكون معجزا. الصفة الثانية-ويعفو عن كثير، أي لا يظهر كثيرا مما تكتمونه أنتم، وإنما لم. يظهره؛ لأنه لا حاجة إلى إظهاره في الدين. وهذا يدعوهم إلى ترك الإخفاء لئلا يفتضحوا، ولقد كان بيان القرآن لما كتموه سببا في إسلام كثير من أحبارهم. فالصفة الأولى: أنه يبين ما بدلوه وحرفوه وأولوه وافتروا على الله فيه، والصفة الثانية: أنه يسكت عن كثير مما غيروه، ولا فائدة في بيانه. روى الحاكم عن ابن عباس ﵁ قال: من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب، قوله: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ﴾ فكان الرجم مما أخفوه. ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه أي الشيخان: البخاري ومسلم. ثم أخبر تعالى عن القرآن العظيم الذي أنزله على نبيه الكريم بأنه كتاب واضح، وأن محمدا ﷺ نور، أو الإسلام نور، فالمراد بالنور محمد، وبالكتاب القرآن، وقيل: إن المراد بالنور الإسلام، وبالكتاب القرآن. والقرآن بيّن في نفسه، مبيّن لما يحتاج إليه الناس لهدايتهم. ثم قال تعالى فيما معناه: يهدي بالكتاب من أراد اتباع الدين الذي يرضي الله تعالى، يهديهم طرق النجاة والسلامة ومناهج الاستقامة، وينجيهم من المهالك بإذنه، أي بتوفيقه، فيخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ويرشدهم إلى أوضح الطرق، وهو الدين الحق؛ لأن الحق واحد لذاته، وطريقه
следующие страницы →