← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

الأناجيل الأربعة المتداولة إلى الآن إلا بعد ثلاثة قرون من تاريخ المسيح عند ما صار للنصارى دولة بتنصر الملك قسطنطين الروماني، والذي من عهده دخلت النصرانية في عهد جديد من الوثنية والفلسفة الإغريقية. هذه الأناجيل المسماة (العهد الجديد) مع كونها مجهولة الأصل والتاريخ وكونها متناقضة متعارضة، أقيم فيها الدين المسيحي على أساس كتب اليهود التي تسمى (العهد العتيق أو القديم) التي لا أصل ثابتا لها كما عرف. فقه الحياة أو الأحكام: يستفاد من الآيات ما يأتي: ١ - الإخبار عن نقض اليهود المواثيق، وأن جزاء النقض اللعنة والطرد من رحمة الله تعالى. ٢ - الاعلام بأن اليهود يحرفون كلام الله المنزل في التوراة، إما تحريف ألفاظ وإما تحريف معان، كما أوضحت. ٣ - إيثار العفو والصفح على العقاب والمحاربة والقتل والإيذاء. ٤ - اتخاذ النقباء دليل على قبول خبر الواحد فيما يفتقر إليه المرء، ويحتاج إلى معرفته من حاجاته الدينية والدنيوية. وتأيد ذلك بالسنة النبوية في الإسلام؛ قال ﷺ لهوازن: «ارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم». ٥ - ودل اتخاذ النقباء أيضا على جواز اتخاذ الجاسوس. ٦ - إن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإيمان بالله والرسل والإنفاق في سبيل الله سبب لتكفير السيئات ومغفرة الذنوب ودخول الجنة. فمن انحرف عن ذلك

стр. 1822

فقد أخطأ طريق الحق والخير، وعدل عن الهدى إلى الضلال. ٧ - الإخبار عن النصارى أيضا أنهم نقضوا العهد والميثاق، وأهملوا ما أمرهم به كتابهم ودينهم من أوامر، وما نهاهم عنه من نواه، ولم يؤمنوا بالنبي ﷺ الذي بشر به الإنجيل والتوراة من قبله، وقد هددهم الله وأوعدهم بالجزاء السيء على ما صنعوا. والخلاصة: إن سبيل النصارى مثل سبيل اليهود في نقض المواثيق من عند الله. ويحسن في النهاية إيراد التساؤلات الثلاثة التي أوردها الرازي في الآية وهي (١): السؤال الأول-لم أخّر الإيمان بالرسل عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع أنه مقدم عليه؟ الجواب-أن اليهود كانوا مقرين بأنه لا بد في حصول النجاة من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، إلا أنهم كانوا مصرين على تكذيب بعض الرسل، فذكر بعد إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة أنه لا بد من الإيمان بجميع الرسل حتى يحصل المقصود، وإلا لم يكن لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تأثير في حصول النجاة بدون الإيمان بجميع الرسل. والسؤال الثاني-ما معنى التعزير؟ الجواب-قال الزجاج: العزر في اللغة: الرد، وتأويل عزرت فلانا، أي فعلت به ما يرده عن القبيح ويزجره عنه، ولهذا قال الأكثرون: معنى قوله ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ أي نصرتموهم؛ وذلك لأن من نصر إنسانا فقد ردّ عنه أعداءه.

стр. 1823

ولو كان التعزير هو التوقير، لكان قوله: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح ٩/ ٤٨] تكرارا. والسؤال الثالث-قوله: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ دخل تحت إيتاء الزكاة، فما الفائدة في الإعادة؟ الجواب-المراد: بإيتاء الزكاة الواجبات، وبهذا الإقراض: الصدقات المندوبة، وخصها بالذكر تنبيها على شرفها وعلو مرتبتها. مقاصد القرآن ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ الإعراب: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من ﴿رَسُولُنا﴾. وتقديره: قد جاءكم رسولنا مبينا لكم. ﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ﴾ جملة فعلية في موضع رفع؛ لأنها صفة لكتاب، ويجوز أن تكون في موضع نصب على الحال من ﴿الْكِتابِ﴾ لأنه قد وصف بمبين. البلاغة: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ فيه استعارة، استعار الظلمات للكفر والنور للإيمان.

стр. 1824

المفردات اللغوية: ﴿تُخْفُونَ﴾ تكتمون ﴿مِنَ الْكِتابِ﴾ التوراة والإنجيل، كإخفاء آية الرجم وصفة النبي ﷺ ﴿وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ من ذلك، فلا يبينه إذا لم يكن فيه مصلحة إلا افتضاحكم. ﴿قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ﴾ هو النبي ﷺ ﴿وَكِتابٌ مُبِينٌ﴾ قرآن بيّن ظاهر ﴿يَهْدِي بِهِ﴾ أي بالكتاب ﴿سُبُلَ السَّلامِ﴾ طرق السلامة ﴿الظُّلُماتِ﴾ الكفر ﴿النُّورِ﴾ الإيمان ﴿بِإِذْنِهِ﴾ بإرادته ﴿صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: دين الإسلام. سبب النزول: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ.﴾.: أخرج ابن جرير الطبري عن عكرمة قال: إن نبي الله ﷺ أتاه اليهود يسألونه عن الرجم، فقال: أيكم أعلم؟ فأشاروا إلى ابن صوريا، فناشده بالذي أنزل التوراة على موسى، والذي رفع الطور، والمواثيق التي أخذت عليهم، حتى أخذه أفكل: رعدة من الخوف، فقال: لما كثر فينا جلدنا مائة، وحلقنا الرؤوس، فحكم عليهم بالرجم، فأنزل الله: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ﴾ إلى قوله ﴿صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١). المناسبة: بعد أن حكى الله تعالى عن اليهود والنصارى نقضهم العهد وتركهم ما أمروا به، دعاهم عقيب ذلك إلى الإيمان بمحمد ﷺ . وهذا من دلائل نبوته ﷺ ، وهو من معجزات القرآن المتعددة في نواحيه. التفسير والبيان: يا أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى، ووحد الكتاب؛ لأنه خرج مخرج الجنس، قد جاءكم رسولنا محمد ﷺ بالهدى ودين الحق إلى جميع أهل الأرض، وأنه بعثه بالبينات والفرق بين الحق والباطل ووصف الرسول هنا بصفتين:

стр. 1825

الأولى-أنه يبين لهم كثيرا مما يخفون، قال ابن عباس: «أخفوا صفة محمد ﷺ ، وأخفوا أمر الرجم، وعفا عن كثير مما أخفوه، فلم يفضحهم ببيانه». ثم إن الرسول ﷺ بيّن ذلك لهم، وهذا معجز؛ لأنه ﵊ لم يقرأ كتابا ولم يتعلم علما من أحد، فلما أخبرهم بأسرار ما في كتابهم، كان ذلك إخبارا عن الغيب، فيكون معجزا. الصفة الثانية-ويعفو عن كثير، أي لا يظهر كثيرا مما تكتمونه أنتم، وإنما لم. يظهره؛ لأنه لا حاجة إلى إظهاره في الدين. وهذا يدعوهم إلى ترك الإخفاء لئلا يفتضحوا، ولقد كان بيان القرآن لما كتموه سببا في إسلام كثير من أحبارهم. فالصفة الأولى: أنه يبين ما بدلوه وحرفوه وأولوه وافتروا على الله فيه، والصفة الثانية: أنه يسكت عن كثير مما غيروه، ولا فائدة في بيانه. روى الحاكم عن ابن عباس ﵁ قال: من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب، قوله: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ﴾ فكان الرجم مما أخفوه. ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه أي الشيخان: البخاري ومسلم. ثم أخبر تعالى عن القرآن العظيم الذي أنزله على نبيه الكريم بأنه كتاب واضح، وأن محمدا ﷺ نور، أو الإسلام نور، فالمراد بالنور محمد، وبالكتاب القرآن، وقيل: إن المراد بالنور الإسلام، وبالكتاب القرآن. والقرآن بيّن في نفسه، مبيّن لما يحتاج إليه الناس لهدايتهم. ثم قال تعالى فيما معناه: يهدي بالكتاب من أراد اتباع الدين الذي يرضي الله تعالى، يهديهم طرق النجاة والسلامة ومناهج الاستقامة، وينجيهم من المهالك بإذنه، أي بتوفيقه، فيخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ويرشدهم إلى أوضح الطرق، وهو الدين الحق؛ لأن الحق واحد لذاته، وطريقه

стр. 1826

مستقيم واحد، أما الباطل فله شعاب كثيرة وكلها معوجة. أي أنه تعالى ذكر للقرآن ثلاث فوائد أو مقاصد: ١ - إن المتبع لما يرضي الله يهديه إلى الطريق المؤدي إلى النجاة والسلامة من الشقاء والعذاب في الدنيا والآخرة باتباع الإسلام؛ لأنه دين الحق والعدل والإخلاص والمساواة. ٢ - إنه يخرج المؤمنين به من ظلمات الكفر والشرك والوثنية والوهم والخرافة إلى نور التوحيد الخالص. ٣ - إنه يهدي إلى الطريق الموصل إلى الهدف الصحيح من الدين، وإلى خيري الدنيا والآخرة. فقه الحياة أو الأحكام: النبي محمد ﷺ نور كشف زيف أهل الأديان الأخرى، فهو يبين لأهل الكتاب (اليهود والنصارى) ما يخفونه من كتبهم، من الإيمان به، ومن آية الرجم، ومن قصة أصحاب السبت الذين مسخوا قردة، فإنهم كانوا يخفونها. وهو يعفو عن كثير أي يتركه ولا يبينه، وإنما يبين ما فيه حجة على نبوته، ودلالة على صدقه وشهادة برسالته، ويترك ما لم يكن به حاجة إلى تبيينه. فهو مترفع عما لا فائدة فيه. والقرآن الكريم يبين الأحكام وما رضيه الله من طرق السلامة الموصلة إلى دار السلام المنزهة عن كل آفة، والمؤمّنة من كل مخافة، وهي الجنة، ويخرج المؤمنين به من ظلمات الكفر والجهالات إلى نور الإسلام والهدايات بتوفيقه وإرادته، ويرشد إلى الدين الحق.

стр. 1827

الرد على معتقدات اليهود والنصارى ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ اِبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨) يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩)﴾ الإعراب: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾: أن وصلتها في تأويل المصدر في موضع نصب على أنه مفعول لأجله. البلاغة: ﴿يَغْفِرُ﴾ .. ﴿وَيُعَذِّبُ﴾ فيه طباق. المفردات اللغوية: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ حيث جعلوه إلها، وهم اليعقوبية: فرقة من النصارى، وساد مذهبهم بعدئذ بين جميع المسيحيين ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ﴾ أي يدفع ويمنع ﴿مِنَ اللهِ﴾ من عذاب الله ﴿شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ أي

стр. 1828

لا أحد يملك ذلك، ولو كان المسيح إلها لقدر عليه. ويهلك: يميت ويعدم ﴿فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ سكون وهدوء من الرسل، أي انقطاع الوحي وعدم ظهور الرسل مدة من الزمن. سبب نزول الآية (١٨): ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى.﴾.: روى ابن إسحاق وابن جرير الطبري وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: أتى رسول الله ﷺ ابن أبيّ، ونعمان بن قصي، وبحريّ بن عمرو، وشاس بن عدي من اليهود، فكلموه وكلمهم، ودعاهم إلى الله، وحذرهم نقمته، فقالوا: ما تخوّفنا يا محمد؟ نحن والله أبناء الله وأحباؤه، كقول النصارى، فأنزل الله فيهم: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى: نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ إلى آخر الآية (١). سبب نزول الآية (١٩): ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ﴾: روى ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: دعا رسول الله ﷺ يهود إلى الإسلام، فرغّبهم فيه وحذّرهم، فأبوا عليه، فقال لهم معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب: يا معشر يهود، اتقوا الله، فو الله لتعلمن أنه رسول الله، لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه وتصفونه لنا بصفته، فقال رافع بن حريمة ووهب بن يهودا: إنا ما قلنا لكم هذا، وما أنزل من كتاب من بعد موسى، ولا أرسل الله بشيرا ولا نذيرا بعده، فأنزل الله الآية (٢). المناسبة: بعد أن أقام الله الحجة على أهل الكتاب عامة، وأوضح أنهم مقصرون

стр. 1829

معرضون عن الحق بعدم إيمانهم برسالة الإسلام، بيّن ما كفر به النصارى بنحو خاص. التفسير والبيان: كانت فرقة اليعقوبية من النصارى هي القائلة بألوهية المسيح ﵇، ثم ساد مذهبهم بين طوائف المسيحيين الثلاث المشهورة وهي الكاثوليك والأرثوذكس، والبروتستانت الذين نشأ مذهبهم منذ أربعة قرون على يد الراهب المصلح (مارتن لوثر) الذي خلص المسيحيين من كثير من التقاليد والخرافات، وانتشر مذهبه في أمريكا وإنجلترا وألمانيا، ولكنه ظل قائلا بالتثليث ويعد الموحد غير مسيحي، ولكن يؤول الأمر في النهاية إلى وصف المسيح بأنه الرب والإله، كما هو مكتوب على أول صفحة في الإنجيل: (كتاب العهد الجديد لربنا ومخلصنا يسوع المسيح). فجميع فرق النصارى اليوم يقولون: إن الله هو المسيح ابن مريم وإن المسيح هو الله، وعمدتهم عبارة في إنجيل يوحنا وهي: (في البدء كانت الكلمة، والكلمة كانت عند الله، والله هو الكلمة) والكلمة في تفسيرهم هي المسيح. وهذا ما وصفهم به القرآن بأنهم يؤلهون المسيح، لذا فقد كفر القائلون بأن الله هو المسيح، ورد الله هذا الزعم الباطل، فقال: يا أيها النبي قل لهؤلاء النصارى: من يقدر على رفع الهلاك والموت عن المسيح وأمه، بل عن سائر الخلق جميعا، إن أراد أن يهلكهم؟ لا أحد يقدر على هذا، فالله قادر على إهلاك الناس قاطبة، لا رادّ لقضائه ولا معقّب لحكمه، ولا سلطان لأحد فوق مشيئته وإرادته. وإذا كان المسيح لا يستطيع أن يدفع عن نفسه ولا عن أمه الهلاك، فكيف يكون هو الله؟! الله في الحقيقة هو صاحب الملك المطلق والتصرف الشامل في السموات

стр. 1830

والأرض وما بينهما من عالمي الإنس والجن، وجميع الموجودات ملكه وخلقه. والله هو الذي يخلق الأشياء من العدم حسبما يشاء، وعلى وفق حكمته وإرادته، فقد يخلق من تراب من غير أب ولا أم مثل خلق أبينا آدم ﵇ وخلق أصول أنواع الحيوان، وقد يخلق من أب فقط دون أم كخلق حواء، وقد يخلق من أم بلا أب مثل خلق عيسى ﵇. وهذا رد على شبهة النصارى الذين زعموا أن المسيح بشر وإله، له طبيعة بشرية وطبيعة ناسوتية إلهية وهي الغالبة، لكونه خلق على نحو غير معتاد من أم فقط، ولأنه يخلق من الطين كهيئة الطير، وصدرت عنه أعمال عجيبة لا تصدر من بشر. وهي في الحقيقة معجزات خارقة للعادة يجريها الله على يد الأنبياء قاطبة، وهي تحدث بإذن الله ومحض إرادته، لتكون دليلا مؤيدا على صدق النبوات، وصدور تلك المزايا من عيسى وغيره لا تجعل المخلوق خالقا؛ لأنها بمشيئة الخالق. فقد أيد الله موسى ﵇ بالعصا واليد البيضاء؛ لأن السحر كان سائدا في عصره، وأيد الله عيسى ﵇ بإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى؛ لأن الطب كان متقدما في زمنه، وأيد الله محمدا ﷺ بمعجزات كثيرة كانشقاق القمر، وكانت معجزته الخالدة القرآن في أرقى مستوى من البلاغة والفصاحة؛ لأنه بعث بين العرب الذين امتازوا بفصاحة القول نثرا وخطابة وشعرا، فليس إحياء عيسى للموتى-وكان ذلك في حوادث فردية معدودة-سببا للتأليه، فقد أقر بأنه عبد الله ورسوله، وأنه يحيي الموتى بإذن الله، أي بتوفيقه وإرادته وحكمته. والله هو القادر على كل شيء، وهو خالق كل شيء، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. ثم رد الله تعالى على ادعاء اليهود والنصارى القائلين: نحن أبناء الله وأحباؤه أي نحن منتسبون إلى أنبيائه، وهم بنوه، وله بهم عناية، وهو يحبنا، ونقلوا عن

стр. 1831

كتابهم أن الله تعالى قال لعبده إسرائيل: (أنت ابني بكري) وقال عيسى في الإنجيل للنصارى: (إني ذاهب إلى أبي وأبيكم) يعني ربي وربكم، وجاء في إنجيل متّى في وعظ المسيح على الجبل واصفا الملائكة والمؤمنين الصالحين: (طوبى لصانعي السلام؛ لأنهم أبناء الله يدعون) وقال بولس في رسالته إلى أهل رومية: (لأن كل الذين ينقادون بروح الله، فأولئك هم أبناء الله) فابن الله في كتبهم بمعنى حبيب الله، وحملوا هذا على غير تأويله وحرفوه، ورد عليهم عقلاؤهم الذين أسلموا بأن هذا يطلق على التشريف والإكرام. ومن المعلوم أنهم لم يدعوا لأنفسهم من البنوة ما أدعوها في عيسى ﵇، وإنما أرادوا من ذلك معزتهم لدى الله، وحظوتهم عنده، فقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه. فرد الله عليهم عن طريق نبيه: قل لهم: إذا كان الأمر كما زعمتم، فلم يعذبكم الله بذنوبكم في الدنيا، كتخريب الوثنيين مسجدكم الأكبر وبلدكم بيت المقدس، وإزالة ملككم من الأرض، وفي الآخرة التي أعد لكم فيها نار جهنم على كفركم وكذبكم وافترائكم؟ والأب لا يعذب ابنه، والحبيب لا يعذب حبيبه، فلستم إذن أبناء الله ولا أحباؤه، بل أنتم بشر من جملة ما خلق، ولا يحابي أحدا من عباده، وإنما يغفر لمن يشاء ممن يستحق المغفرة وهم أهل الطاعة، ويعذب من يشاء ممن يستحق العذاب، وهم العصاة، وهو فعال لما يريد، لا معقّب لحكمه، وهو سريع الحساب، فارجعوا عن غروركم بأنفسكم وسلفكم وكتبكم، فهذا لا ينفعكم، وإنما الذي ينفعكم الإيمان الصحيح، ومنه الإيمان برسالة الإسلام، وصالح الأعمال. والله المالك المطلق والمتصرف المطلق في السموات والأرض وما بينهما، وجميع المخلوقات عبيد له، وهم ملكه وتحت قهره وسلطانه: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ

стр. 1832

وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً﴾ [مريم ٩٣/ ١٩] وإنما قال: ﴿وَما بَيْنَهُما﴾ بعد ذكر السموات والأرض، ولم يقل: بينهن، إشارة إلى الصنفين والنوعين. وإليه المصير أي إلى الله تعالى المرجع والمآب، فيحكم في عباده بما يشاء، وهو العادل الذي لا يجور، وهذا إنذار لهم بأنه سيعذبهم في الآخرة على كفرهم ودعاويهم الباطلة. وقد كرر تعالى جملة: ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ للرد على كل من النصارى الذين ادعوا ألوهية المسيح، والله مالكه وقادر على إهلاكه، وعلى اليهود والنصارى أيضا، لبيان قدرته على المغفرة لمن يشاء وتعذيب من يشاء وإبطال دعاويهم الزلفى والحظوة عند الله، فإن ميزان القربى من الله هو الإيمان والعمل الصالح، لا الوراثة ولا الامتياز العنصري أو الجنسي، فليس صحيحا أن اليهود شعب الله المختار، وليس لشعب مزية على آخر. ثم خاطب الله تعالى أهل الكتاب من اليهود والنصارى بأنه قد أرسل إليهم رسوله محمدا ﷺ خاتم النبيين الذي لا نبي بعده ولا رسول، بل هو المصدق لما معهم والمعقب لجميعهم، وهو الذي بشّرتم به في كتبكم، وأخبركم به أنبياؤكم، جاءكم يبين لكم على فترة من الرسل، أي على انقطاع منهم وطول عهد بالوحي، وبعد مدة متطاولة ما بين إرساله وعيسى بن مريم، يبين لكم ما أنتم بحاجة إليه من أحكام دينكم ودنياكم من عقائد أفسدتها الوثنية، وأخلاق أفسدها الإفراط في المادية، وعبادات أفرغتم محتواها وصارت مجرد طقوس لا معنى لها ولا روح فيها، ويبين لكم أيضا ما أشكل عليكم من أمر دينكم. ومن المعلوم أن بين آدم ونوح عشرة قرون، وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون، وبين إبراهيم وموسى بن عمران عشرة قرون، والقرن مائة سنة، وبين موسى وعيسى ألف وسبعمائة سنة، وبين ميلاد عيسى والنبي ﷺ خمسمائة وتسع وستون سنة.

стр. 1833

﴿أَنْ تَقُولُوا: ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ﴾ أي لئلا تحتجوا وتقولوا، يا أيها الذين بدلوا دينهم وغيروه: ما جاءنا من رسول يبشر بالخير وينذر من الشر، فقد جاءكم بشير ونذير، يبشر من أطاعه بالجنة وهو من آمن بالله وعمل بما أمر به وانتهى عما نهى عنه. وينذر من عصاه وخالف أمر الله بالنار، يعني محمدا ﷺ . ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال الطبري: معناه: إني قادر على عقاب من عصاني، وثواب من أطاعني (١). ومن دلائل قدرة الله نصر نبيه محمد ﷺ وإعلاء كلمته في الدنيا، وعلو منزلته في الآخرة. فقه الحياة أو الأحكام: أثبتت الآية الأولى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ..﴾. كفر النصارى بقولهم: إن الله هو المسيح ابن مريم، أي يدينون له. وأعلمهم الله أن المسيح لو كان إلها لقدر على دفع ما ينزل به أو بغيره، وقد أمات أمه، ولم يتمكن من دفع الموت عنها، فلو أهلكه هو أيضا، فمن يدفعه عن ذلك أو يرده؟! والمسيح وأمه مخلوقان محدودان محصوران، وما أحاط به الحد والنهاية لا يصلح للألوهية، وإنما الله هو مالك السموات والأرض وما بينهما من النوعين والصنفين، يخلق ما يشاء كخلق عيسى من أم بلا أب آية لعباده، والله قادر على كل شيء. وأبطلت الآية الثانية: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى﴾ دعاوى اليهود والنصارى معزتهم وحظوتهم عند الله، وأنهم أبناء الله وأحباؤه، فإن صح ما يزعمون فلم أنزل العذاب بهم في الدنيا من هزيمة وتخريب وتدمير ديارهم وتشريدهم، وأعد لهم عذاب جهنم لكفرهم ومعاصيهم، فليسوا إذن أبناء الله وأحباءه؛ فإن الحبيب لا يعذب حبيبه، وأنتم تقرّون بعذاب العصاة منكم،

стр. 1834

فذلك دليل على كذبكم. وإنما هم في الحقيقة كسائر البشر يحاسبهم على الطاعة والمعصية. وأوضحت الآية الثالثة: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا﴾ مهمة النبي ﷺ في تبيان أمر النجاة والسعادة الأبدية، وإناطتها بالإيمان والعمل الصالح، فالجنة لمن أطاع الله ورسوله، والنار لمن عصى الله ورسوله، وفي تقرير أحكام الحياة وقوانين المجتمع لئلا أو كراهية أن تقولوا: ما جاءنا من مبشر ولا منذر. وكان بين ميلاد عيسى والنبي ﷺ خمسمائة وتسع وستون سنة. تذكير موسى قومه بنعمة الله ومطالبتهم بدخول الأرض المقدسة وموقفهم الرافض ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (٢٠) يا قَوْمِ اُدْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (٢١) قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبّارِينَ وَإِنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنّا داخِلُونَ (٢٢) قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا اُدْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قالُوا يا مُوسى إِنّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ (٢٤) قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٥) قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٦)﴾

стр. 1835

الإعراب: ﴿أَنْبِياءَ﴾ ممنوع من الصرف؛ لأن فيه ألف التأنيث. ﴿خاسِرِينَ﴾ منصوب على الحال من واو ﴿فَتَنْقَلِبُوا﴾ وهو العامل في الحال. ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ.﴾. ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾: في موضع رفع صفة ﴿رَجُلانِ﴾ وكذلك قوله تعالى: ﴿أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا﴾ جملة فعلية في موضع رفع صفة ﴿رَجُلانِ﴾. ﴿أَبَداً ما دامُوا فِيها﴾ أبدا: منصوب ظرف زمان. و ﴿ما﴾ في ﴿ما دامُوا﴾ ظرفية زمانية مصدرية، وتقديره: لن ندخلها أبدا مدة دوامهم فيها. و ﴿ما دامُوا﴾: في موضع نصب على البدل من قوله تعالى: ﴿أَبَداً﴾ وهو بدل بعض من كل. ﴿إِلاّ نَفْسِي وَأَخِي﴾: ﴿أَخِي﴾ إما منصوب عطفا على ﴿نَفْسِي﴾، أو عطفا على اسم ﴿رَجُلانِ﴾ ويحذف خبره لدلالة الأول عليه وتقديره: وإن أخي لا يملك إلا نفسه؛ وإما مرفوع بالابتداء عطفا على موضع (إن وما عملت فيه) ويضمر الخبر كالأول أو معطوف على ضمير ﴿أَمْلِكُ﴾ وحسن العطف على الضمير المرفوع لوجود الفصل بين المتعاطفين. ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ظرف منصوب، ويتعلق بيتيهون فيكون التحريم مؤبدا، أو يتعلق بمحرّمة فلا يكون التحريم مؤبدا، وجملة ﴿يَتِيهُونَ﴾ حالية من الهاء والميم في ﴿عَلَيْهِمْ﴾. البلاغة: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً﴾ تشبيه بليغ، أي كالملوك في رغد العيش والطمأنينة، فحذف أداة الشبه ووجه الشبه. ﴿أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا﴾ جملة اعتراضية لبيان مدى فضل الله على الصالحين. المفردات اللغوية: ﴿جَعَلَ فِيكُمْ﴾ منكم. ﴿مُلُوكاً﴾ أحرارا تملكون أنفسكم وأموالكم وأهلكم بعد أن كنتم في أيدي القبط، وصرتم أصحاب خدم وحشم.

стр. 1836

﴿ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ﴾ من المن والسلوى وفلق البحر وغير ذلك. ﴿الْمُقَدَّسَةَ﴾ المطهرة. ﴿كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ أمركم بدخولها وهي الشام. ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ﴾ تتراجعوا وتنهزموا خوف العدو. ﴿خاسِرِينَ﴾ في سعيكم. ﴿جَبّارِينَ﴾ جمع جبار: وهو الرجل الطويل القوي المتكبر. ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ قال لهم رجلان يخافون مخالفة أمر الله، وهما يوشع وكالب من النقباء الاثني عشر الذين بعثهم موسى ﵇ لكشف أحوال الجبابرة. ﴿أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا﴾ بالعصمة، فكتما ما اطلعا عليه من حالهم إلا عن موسى، بخلاف بقية النقباء، فأفشوا، فجبن القوم. ﴿اُدْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ﴾ باب القرية، ولا تخشوهم، فإنهم أجساد بلا قلوب. ﴿فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ﴾ قالا ذلك تيقنا بنصر الله وإنجاز وعده. ﴿قاعِدُونَ﴾ عن القتال. ﴿قالَ﴾ أي موسى حينئذ. ﴿رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاّ نَفْسِي﴾ وإلا ﴿أَخِي﴾ ولا أملك غيرهما، فأجبرهم على الطاعة. ﴿فَافْرُقْ﴾ فافصل. ﴿فَإِنَّها﴾ أي الأرض المقدسة. ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ أن يدخلوها. ﴿يَتِيهُونَ﴾ يتحيرون. ﴿فَلا تَأْسَ﴾ تحزن. المناسبة: الواو في قوله: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ واو عطف، وهو متصل بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ كأنه قيل: أخذ عليهم الميثاق وذكرهم موسى ﵇ نعم الله تعالى، وأمرهم بمحاربة الجبارين، فخالفوا في القول في الميثاق، وخالفوه في محاربة الجبارين. أي بعد أن أقام الله الدليل على صحة نبوة محمد ﷺ ، وناقش أهل الكتاب في ذلك، ذكر موقفين من مواقف اليهود يدلان على عنادهم، أولهما: جحود نعم الله الكثيرة عليهم، وثانيهما: عصيانهم أوامر موسى بدخول أرض فلسطين ومحاربة الجبارين، ليكون ذلك مواساة للنبي ﷺ وتعريفا له أن صدودهم عن الحق خلق متأصل فيهم.

стр. 1837

التفسير والبيان: أخبر الله تعالى عن كليمه موسى بن عمران ﵇ حينما ذكّر قومه بنعم الله عليهم في جمعه لهم بين خيري الدنيا والآخرة لو استقاموا على طريق الاستقامة. فقال: واذكر يا محمد لبني إسرائيل وسائر الناس الذين تبلغهم دعوتك حين قال موسى لقومه بعد أن أنقذهم من ظلم فرعون وقومه: تذكروا نعما ثلاثا: ١ - تذكروا نعمة الله عليكم بتتابع الأنبياء فيكم من لدن أبيكم إبراهيم إلى من بعده، حتى ختموا بعيسى ﵇، ثم أوحى الله إلى خاتم النبيين من ولد إسماعيل بن إبراهيم، وبنو إسرائيل من نسل يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وكان جميع أنبيائهم من بعد موسى يحكمون بالتوراة. ومن المعلوم: أن النبوة: هي الإخبار ببعض الأمور الغيبية التي تقع في المستقبل بوحي أو إلهام من الله . والخلاصة: أنه لم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء. ٢ - وجعلكم ملوكا، أي أحرارا بعد أن كنتم مملوكين في أيدي القبط، فأنقذكم الله، فسمى إنقاذكم ملكا. وقيل: الملك: هو من له مسكن وخادم، وقيل: من له مال لا يحتاج معه إلى تكلف الأعمال وتحمل المشاق. والخلاصة: أنهم أحرار عندهم ما يكفيهم من زوجة وخادم ودار، بدليل ما رواه أبو داود عن أبي سعيد الخدري مرفوعا: «كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة كتب ملكا» وروى أبو داود أيضا عن زيد بن أسلم: «من كان له بيت وخادم فهو ملك» وعرف اليوم يؤيد هذا، فيقال للمخدوم المالك مسكنه الهانئ في معيشته: «ملك زمانه». ٣ - وآتاهم ما لم يؤت أحدا من العالمين: عالمي زمانهم، من فلق البحر،

стр. 1838

وإغراق العدو، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى وغير ذلك من الأمور العظام. ثم أمرهم موسى بدخول فلسطين ومجاهدة الأعداء فقال لهم: يا قوم الأرض المقدسة (الطاهرة): أرض بيت المقدس، أو فلسطين، للسكنى لا للملك؛ لأن بيت المقدس مقر الأنبياء ومسكن المؤمنين ﴿الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ أي قسمها لكم وسماها، فقد وعد الله إبراهيم بحق السكنى في تلك البلاد المقدسة، لا أنها ملك لهم؛ لأن هذا مخالف للواقع، فاستنباط اليهود من ذلك الوعد أنه لا بد أن يعود لهم ذلك الملك ليس بصحيح؛ لأن الله قال بعدئذ: ﴿فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ قال ابن عباس: كانت هبة، ثم حرمها عليهم بشؤمهم وعصيانهم. ولأن قوله: ﴿كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ مشروط بقيد الطاعة، فلما لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط. ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ أي لا تتراجعوا وتدبروا من خوف الجبابرة، ولا تنكلوا عن الجهاد، فتصبحوا خاسرين ثواب الدنيا والآخرة. وقيل: المراد لا ترجعوا عن الدين الصحيح إلى الشك في نبوة موسى ﵇، وإلى الوثنية والفساد في الأرض. قال النقباء الذين أرسلهم موسى ﵇ للتجسس في الأرض المقدسة: إن فيها قوما جبارين أي طوالا عتاة يجبرون الناس على ما أرادوا. وكانوا من الكنعانيين، وإنا لن ندخلها أبدا حتى يخرجوا منها، فإن خرجوا منها فإنا داخلون فيها. وإنما قالوا هذا على سبيل الاستبعاد كقوله تعالى: ﴿وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ﴾ [الأعراف ٤٠/ ٧].

стр. 1839

وهذا دليل آخر على امتناعهم عن الدخول، وعدم أحقيتهم بشيء من تراب فلسطين الطاهرة. قال رجلان من النقباء الذين يخافون الله تعالى-وقد أنعم الله عليهما بالهداية والإيمان والطاعة والتوفيق لما يرضيه، والثقة بعون الله تعالى، والاعتماد على نصرة الله، وهما الرجلان الصالحان من قوم موسى: يوشع بن نون، وكالب بن يوفنا-قالا: ادخلوا عليهم باب المدينة، فإذا فعلتم ذلك نصركم الله، وأيدكم بجنده، وكنتم الغالبين. وإن توكلتم على الله واتبعتم أمره ووافقتم رسوله، نصركم الله على أعدائكم وأيدكم، ودخلتم البلد التي كتبها الله لكم، والتوكل على الله صفة المؤمنين. ومع هذا كرر اليهود الرفض وأصروا على العناد والتمرد، ولم تنفعهم عظة الرجلين الصالحين شيئا، وقالوا يا موسى: لن ندخلها أبدا ما داموا فيها، وأبدا: تعليق للنفي المؤكد بالدهر المتطاول، وقولهم: ﴿ما دامُوا فِيها﴾ بيان للأبد، فاذهب أنت وربك الذي أمرك بالجهاد والخروج من مصر والإتيان إلى هنا، فقاتلا الجبارين، إنا هاهنا قاعدون عن الجهاد منتظرون. وهذا قول في غاية التنكر لموسى ﵇، والبعد عن الأدب معه. فقال موسى غاضبا حزينا باثا شكواه إلى الله وحسرته، معتذرا من عصيان قومه: ﴿رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاّ نَفْسِي وَأَخِي﴾ أي لا يطيعني أحد منهم، فيمتثل أمر الله، ويجيب إلى ما دعوت إليه إلا أنا وأخي هارون. وفي هذا إيماء إلى أنه لم يكن على ثقة من ثبات يوشع وكالب حال وجود العدد القليل، فاقض وافصل بيني وبين هؤلاء الفاسقين الخارجين عن طاعتك، فتحكم لنا بما نستحق، وتحكم عليهم بما يستحقون.

стр. 1840

وهذا في معنى الدعاء عليهم. ولذلك وصل به قوله: ﴿فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ على وجه التسبيب. ويصح أن يكون المعنى: فباعد بيننا وبينهم، وخلصنا من صحبتهم كقوله تعالى: ﴿وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [التحريم ١١/ ٦٦]. قال الله تعالى لما دعا عليهم موسى ﵇ حين نكلوا عن الجهاد: ﴿فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي إن الأرض المقدسة محرم عليهم دخولها قدر مدة أربعين سنة، فتاهوا في صحراء مقفرة أي ساروا فيها متحيرين لا يهتدون طريقا، والتيه: المفازة أو البيداء أو البرية التي يتاه فيها، لا يدرون أين مصيرهم. روي أنهم لبثوا أربعين سنة في ستة فراسخ (وقال ابن عباس: وهي تسعة فراسخ) يسيرون في كل يوم جادّين، حتى إذا سئموا وأمسوا، إذا هم في الموضع الذي ابتدؤوا منه، يسيرون ليلا، وقد يسيرون نهارا، وكان يطلع لهم عمود من نور بالليل يضيء لهم، ويظللهم الغمام من حر الشمس نهارا، وينزل عليهم المن والسلوى، حتى انقرضوا كلهم إلا من لم يبلغ العشرين. قيل: وكانوا ستمائة ألف، ومات هارون في التيه ومات موسى بعده فيه بسنة، وكان رحمة لهما وعذابا لأولئك، وسأل موسى ربه أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر فأدناه. ونبئ يوشع بعد سن الأربعين، وأمر بقتال الجبارين، فسار بمن بقي، وقاتلهم، وكان يوم الجمعة، ووقفت له الشمس ساعة حتى فرغ من قتالهم. روى أحمد في مسنده حديثا: «إن الشمس لم تحبس على بشر إلا ليوشع، ليالي سار إلى بيت المقدس». وتتمة كلام الله تسلية لموسى عنهم: ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ أي فلا تحزن على القوم المتمردين فيما حكمت عليهم به، فإنهم مستحقون لذلك.

стр. 1841

وتساءل الزمخشري وغيره: كيف يوفق بين قوله ﴿فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ وبين قوله ﴿الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ وأجابوا بوجهين: أحدهما-أن يراد كتبها لكم بشرط أن تجاهدوا أهلها، فلما أبوا الجهاد قيل: ﴿فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾. والثاني-أن يراد فإنها محرمة عليهم أربعين سنة، فإذا مضت الأربعون، كان ما كتب (١). فقه الحياة أو الأحكام: تضمنت هذه القصة تقريع اليهود وبيان فضائحهم ومخالفتهم لله ولرسوله، ونكولهم عن طاعتهما فيما أمر به كل منهما من الجهاد، فضعفت أنفسهم عن مقاتلة الأعداء، مع أن معهم موسى كليم الله يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم، بالرغم مما شاهدوا من فعل الله بعدوهم فرعون من إغراقه مع جنوده في اليم، وهم ينظرون، لتقر به أعينهم. وإذا كان أسلافهم تمردوا على موسى وعصوه، فكذلك أحفادهم تمردوا على محمد ﵇، وهو تسلية له. وهذا يدل على قبح طبائع اليهود وإمعانهم في مخالفة أوامر الله، بالرغم من تذكير موسى لهم بنعم الله الكثيرة عليهم وأهمها ثلاث: ١ - بعث كثير من الأنبياء في بني إسرائيل. ٢ - وجعلهم ملوكا: أي يملكون أمرهم لا يغلبهم فيه غالب، بعد أن كانوا مملوكين لفرعون مقهورين، فأنقذهم الله وأغرق عدوهم.

стр. 1842

٣ - وإعطاؤهم ما لم يعط أحد من عالمي زمانهم. وقد أمرهم موسى بمجاهدة الأعداء من الكنعانيين الجبارين في فلسطين، وبدخول الأرض المقدسة (المطهرة أو المباركة) فتمردوا وأبوا الدخول، بالرغم من تبشير الرجلين الصالحين من النقباء (يوشع وكالب) لهم بالنصر والغلبة والفتح، وقالا: ولا يهولنكم عظم أجسامهم، فقلوبهم ملئت رعبا منكم، فأجسامهم عظيمة وقلوبهم ضعيفة. وتمادوا بعناد وإفراط على الله، فرفضوا الدخول إلى الأرض المقدسة وقالوا لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا، إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ وهذا منهم كفر؛ لأنهم شكّوا في رسالة موسى. فدعا موسى ﵇ عليهم، وطلب فصل القضاء بينه وبينهم. فاستجاب الله دعاءه وعاقبهم في التيه أربعين سنة، ومات هارون وموسى في التيه. روى مسلم في صحيحة عن أبي هريرة قال: أرسل ملك الموت إلى موسى ﵇، فلما جاءه صكّه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه، فقال: «أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت» قال: فرد الله إليه عينه وقال: «ارجع إليه، فقل له: يضع يده على متن ثور، فله بما غطت يده بكل شعرة سنة» قال: «أي رب ثم مه» قال: «ثم الموت» قال: «فالآن» فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر؛ فقال رسول الله ﷺ : «فلو كنت ثمّ، لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر». وفعل موسى مع الملك؛ لأنه لم يعرفه، وأنه رأى رجلا دخل منزله بغير إذنه، يريد نفسه، فدافع عن نفسه، فلطم عينه، ففقأها. وكان العقاب الإلهي لبني إسرائيل المتمردين عن الطاعة هو تصفيتهم وتجديد بنية الشعب، وظهور جيل جديد من الشباب يتحملون المسؤولية، وكانوا أهلا للجهاد ومقاومة الجبارين، وجعلهم أئمة وارثين.

стр. 1843

قصة قابيل وهابيل وأول جريمة قتل في الدنيا ﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ اِبْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ (٢٩) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ (٣١) مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢)﴾ الإعراب: ﴿إِنِّي أُرِيدُ.﴾. أصله: إنني بثلاث نونات، فحذفت الثانية؛ لأنه أقل تغييرا من حذف الأولى والثالثة. ﴿أَوْ فَسادٍ.﴾. مجرور بالعطف على: ﴿نَفْسٍ﴾. وقرئ: فسادا: بالنصب على المصدر. البلاغة: ﴿قَتَلَ﴾ .. و ﴿أَحْيَا﴾ بينهما طباق.

стр. 1844

﴿وَمَنْ أَحْياها﴾ فيه استعارة، والمراد استبقاها؛ لأن إحياء النفس حقيقة من مقدورات الله وحده. ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ﴾ .. ﴿ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ﴾ بينهما طباق السلب. المفردات اللغوية: ﴿وَاتْلُ﴾ أي اقرأ يا محمد ﴿عَلَيْهِمْ﴾ على قومك ﴿نَبَأَ﴾ خبر ﴿اِبْنَيْ آدَمَ﴾ هابيل وقابيل ﴿بِالْحَقِّ﴾ متعلق باتل ﴿إِذْ قَرَّبا قُرْباناً﴾ ما يتقرب به إلى الله تعالى من الذبائح وغيرها، وهو مصدر في الأصل، يستوي فيه الواحد وغيره، وقربانهما: كبش لهابيل وزرع لقابيل ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما﴾ وهو هابيل، بأن نزلت نار من السماء فأكلت قربانه ﴿وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾ وهو قابيل، فغضب وأضمر الحسد في نفسه إلى أن حج آدم. ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ﴾ اللام لام القسم، أي لئن مددت يدك إلي لتقتلني. ﴿تَبُوءَ﴾ ترجع بعقاب يعادل الإثم، وباء بالنعمة وباء بالذنب: التزم وأقر ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾ زينت وشجعت ﴿مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ بقتله، ولم يدر ما يصنع به؛ لأنه أول ميت على وجه الأرض من بني آدم، فحمله على ظهره ﴿يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ ينبش التراب بمنقاره وبرجليه ويثيره على غراب ميت معه، حتى واراه ﴿يُوارِي﴾ يستر ﴿سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾ ما يسوء ظهوره وهو العورة والمراد الجثة. ﴿يا وَيْلَتى﴾ الويلة: الفضيحة والبلية، أي وا فضيحتاه، والويل: حلول الشر. ﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ﴾ بسبب ذلك الذي فعله قابيل ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾ الآيات الواضحة ﴿أَنَّهُ﴾ أي الشأن ﴿بِغَيْرِ﴾ ... ﴿فَسادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ أي بغير فساد أتاه من كفر أو زنى أو قطع طريق أو نحوه ﴿أَحْياها﴾ امتنع عن قتلها ﴿لَمُسْرِفُونَ﴾ مجاوزون الحد بالكفر والقتل وغير ذلك، والإسراف البعد عن حد الاعتدال. المناسبة: أورد الله تعالى هذه القصة لبيان تأثير الحسد والحقد وحب الذات، وأن ذلك يؤدي إلى المخاطر والمهالك والقبائح، فقضى على رابطة الأخوة التي تجمع بين الأخوين، وأدى إلى سفك الدماء. وأمثلة ذلك كثيرة، فبعد أن ذكر تعالى حسد اليهود للنبي ﷺ ، حتى هموا أن يقتلوه مع صحابته، ذكر هنا قصة ابني آدم، حسدا من الأخ على أخيه، فوجه اتصال الآية بما قبلها التنبيه من الله تعالى

стр. 1845

على أن ظلم اليهود ونقضهم المواثيق والعهود كظلم ابن آدم لأخيه. التفسير والبيان: أخبر الله تعالى عن سوء عاقبة الحسد في قصة ابني آدم وهما قابيل وهابيل، كيف قتل الأول أخاه، بغيا عليه، وحسدا له فيما وهبه الله من النعمة وتقبل القربان الذي أخلص فيه لله ، ففاز المقتول بالمغفرة ودخول الجنة، وخاب القاتل وخسر في الدارين، فقال: اقرأ يا محمد، واقصص على هؤلاء البغاة الحسدة حفدة القردة والخنازير، من اليهود وأمثالهم خبر ابني آدم، وهما قابيل وهابيل، في رأي جماعة من السلف والخلف، اقرأ واتل ذلك عليهم بالحق، أي بالبيان الصحيح الواقعي الواضح الذي لا كذب ولا وهم ولا زيادة ولا نقصان فيه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [آل عمران ٦٢/ ٣] وقال: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الكهف ١٣/ ١٨] وقال: ﴿ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ [مريم ٣٤/ ١٩]. وسبب القصة: أن الله تعالى شرع لآدم ﵇ أن يزوج بناته من بنيه لضرورة الحال، فكان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى، فيزوج أنثى هذا البطن لذكر البطن الآخر، وكانت أخت هابيل دميمة، وأخت قابيل وضيئة، فأراد أن يستأثر بها على أخيه، فأبى آدم ذلك، إلا بتقريب قربان، فمن تقبل منه فهي له، فتقبل من هابيل، ولم يتقبل من قابيل. اتل عليهم حين قربا قربانا، فتقبل الله من هابيل قربانه وهو الكبش السمين لتقواه وإخلاصه، ولم يتقبل من قابيل قربانه وهو زرع قليل من سنبل القمح، لقلة التقوى والإخلاص. وكيف كان القبول؟ روي عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما أن أحدهما كان صاحب حرث

стр. 1846

وزرع، فقرّب شرّ ما عنده وأردأه، غير طيبة به نفسه، وكان الآخر صاحب غنم، وقرّب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها، طيبة به نفسه. وذكر بعضهم أن القربان المقبول كانت تجيء النار من السماء لتأكله، ولا تأكل غير المقبول. فصعد الأخوان مع أبيهم آدم الجبل، فوضعا قربانهما، ثم جلس الثلاثة، وهم ينظرون إلى القربان، فبعث الله نارا، حتى إذا كانت فوقهما، دنا منها عنق، فاحتمل قربان هابيل، وترك قربان قابيل. فقال قابيل: يا هابيل، تقبّل قربانك، وردّ علي قرباني، لأقتلنك، فقال هابيل: قربت أطيب مالي، وقربت أنت أخبث مالك، وإن الله لا يقبل إلا الطيب، إنما يتقبل الله من المتقين، أي الذين يخافون عقاب الله باجتناب الشرك وسائر المعاصي كالرياء والشح واتباع الأهواء، قال تعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران ٩٢/ ٣] وقال النبي ﷺ فيما رواه مسلم: «إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا». فلما قالها غضب قابيل، فرفع الحديدة وضربه بها، فقال: ويلك يا قابيل، أين أنت من الله، كيف يجزيك بعملك؟ فقتله وطرحه في حفرة من الأرض، وحثا عليه التراب. وقال هابيل الرجل الصالح: إن مددت إلي يدك لتقتلني، لا أقابلك على صنيعك الفاسد بمثله، فأكون أنت وأنا سواء في الخطيئة، ثم بيّن علة امتناعه عن القتل: ﴿إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ أي إني أخشى عقاب الله وعذابه من أن أصنع كما تريد أن تصنع، بل أصبر وأحتسب؛ لأن الاعتداء على الأرواح من أكبر الجرائم. وفي هذا التصريح بعدم الإقدام على جريمة القتل، فلا ينطبق عليه الوضع الوارد في الحديث الذي رواه أحمد والشيخان وغيرهم من قوله ﷺ : «إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل! فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه».

стр. 1847

ثم تابع هابيل المقتول عظته البالغة المؤثرة المذكرة بعذاب الآخرة، لعلها تمنع أخاه من قتله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ أي إني أريد بالابتعاد عن مقابلة الجريمة بمثلها أن تتحمل إثمي وإثمك، وتلتزم بإثم قتلك إياي، وإثمك الذي كان منك قبل قتلي، وهذا رأي أكثر العلماء. وحينئذ تكون بما حملت من الإثمين من أهل النار في الآخرة، والنار جزاء كل ظالم، قال ﷺ فيما رواه أحمد وأبو داود وابن حبان عن أبي موسى الأشعري: «كن كخيري ابني آدم». يتبين من هذا أنه نفّره وحذره من القتل بثلاث مواعظ: الخوف من الله، تحمل الإثمين: إثم القتل وإثم نفسه، كونه من أصحاب النار ومن الظالمين. ثم أخبر تعالى أن هذه المواعظ كلها لم ينزجر بها، فحسّنت وسولت له نفسه وشجعته على قتل أخيه، فقتله، فأصبح من جملة الذين خسروا أنفسهم من الدنيا والآخرة، وأي خسارة أعظم من جريمة القتل هذه؟! ثم حار القاتل وضاقت به الدنيا ولم يدر كيف يفعل بجثة أخيه، فاستفاد من تجربة غيره وهو الغراب، مما دل على جهله وسذاجته وقلة معرفته. فبعث الله غرابين أخوين، فاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له حفرة، ثم حثا عليه التراب، فلما رآه قال: وا فضيحتي، وهذا اعتراف على نفسه باستحقاق العذاب، أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب؟! أي هل بلغ عجزي وضعفي وقلة معرفتي أن كنت دون الغراب علما وتصرفا؟ فدفن أخاه، ووارى جثته، وأصبح نادما على ما فعل، وهذا شأن كل مخطئ، يرتكب المعصية، ثم يندم عليها. إلا أنه لم تقبل توبته، بالرغم من المبدأ المعروف في قوله ﷺ : «الندم توبة» (١)؛ لأنه لم يندم ولم يتب من المعصية، وإنما كان ندمه على قتل أخيه؛

стр. 1848

لأنه لم ينتفع بقتله، وسخط عليه بسببه أبواه وإخوته (١)، لذا كان من الذين سنوا سنة سيئة، عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده إلى يوم القيامة، روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود ﵁: «لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم كفل-نصيب-من دمها؛ لأنه أول من سنّ القتل». ومن نتائج هذا القتل، وبسبب هذا الجرم الفظيع، والفعل القبيح الذي فعله أحد الأخوين بالآخر ظلما وعدوانا تقرر تشريع القصاص، وفرض حكمه على بني إسرائيل؛ لأن التوراة أول كتاب حرّم فيه القتل، وذلك الحكم: أن من قتل نفسا بغير نفس أي بغير سبب موجب للقصاص الذي شرعه الله تعالى بقوله: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها﴾ -أي في التوراة- ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ.﴾. الآية [المائدة ٤٥/ ٥]، أو قتل بغير سبب فساد في الأرض بالإخلال بالأمن والطمأنينة، كقطاع الطرق وعصابات اللصوص، فاستحل القتل بلا سبب ولا جناية، فكأنما قتل الناس جميعا؛ لأنه لا فرق عند الله بين نفس ونفس، والعدوان على نفس عدوان على المجتمع البشري كله، لذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً، فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها، وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً﴾ [النساء ٩٣/ ٤]. ومن أحياها أي حرم قتلها، وامتنع من القتل، فكأنما أحيا الناس جميعا، بتوفير الأمن والطمأنينة لهم، وإزالة القلق والهلع من نفوسهم. وهذا دليل على أن نفس الإنسان ليست ملكه، وإنما هي ملك للمجتمع الذي يعيش فيه، فمن اعتدى على نفس ولو بالانتحار، استحق العذاب الشديد يوم القيامة، ومن أحيا نفسا بأي سبب كان، فكأنما أحيا الخلق كلهم. ثم وجه الله تعالى تقريعا وتوبيخا لبني إسرائيل على ارتكابهم المحارم بعد

стр. 1849

علمهم بها، وإسرافهم في القتل، وغلظة نفوسهم في الماضي وفي عهد النبوة، مثل فعل بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع من اليهود حول المدينة، الذين كانوا يقاتلون مع الأوس والخزرج في حروب الجاهلية، ويقاتلون مع المشركين في حروبهم ضد المسلمين بعد الهجرة. ومضمون التوبيخ: أن رسل الله الكرام جاءوهم بالبينات، أي بالحجج والبراهين والدلائل الواضحة الدالة على الأحكام المقررة عليهم، المستهدفة تهذيب نفوسهم وتطهير أخلاقهم، ومع ذلك كان الكثيرون منهم مسرفين في القتل وفي ارتكاب جرائم البغي والعدوان. وهذا وإن كان صادرا من أسلاف اليهود في الماضي، فهو منسوب أيضا إلى الأمة بكاملها لرضا الخلف عن فعل السلف، فكانت الأمة متكافلة متضامنة فيما بينها كالجسد الواحد. فقه الحياة أو الأحكام: العبرة في قصة ابني آدم أن الحسد كان سبب أول جريمة قتل في البشر، وأنه هو أسّ المفاسد والمعايب والرذائل في المجتمع، فالأمة المتحاسدة متمزقة متعادية متباغضة، لا تجتمع على خير، ولا تلتقي على فضيلة، ولا تتعاون على برّ وصلاح وتقدم، مما يؤدي إلى الضعف والذل والهوان وعبودية أفرادها لمن سواهم. والمستفاد من الآية أنه إن همّ اليهود بالفتك بمحمد، فليس ذلك جديدا عليهم، فقد قتلوا الأنبياء قبله، وقتل قابيل هابيل، والشر قديم، والتذكير بهذه القصة مفيد؛ لأنها قصة صدق، وليست حديثا موضوعا من نسج الخيال، وفيها تبكيت لمن خالف الإسلام، وتسلية للنبي ﷺ . وجمهور المفسرين على أن ابني آدم هما ابناه لصلبه، وهما قابيل وهابيل؛ وكان قربان قابيل حزمة من سنبل؛ لأنه كان صاحب زرع، واختارها من أردإ زرعه، بل إنه وجد فيها سنبلة طيبة ففركها وأكلها؛ وكان قربان هابيل كبشا؛

стр. 1850

لأنه كان صاحب غنم، أخذه من أجود غنمه، فتقبّل قربانه، قال القرطبي: فرفع إلى الجنة، فلم يزل يرعى فيها إلى أن فدي به الذبيح ﵇، قاله سعيد بن جبير وغيره. وسبب القصة: التنازع على الزواج من أخت قابيل توأمته المولودة معه، فقد كان آدم ﵇ يزوج الذكر من هذا البطن الأنثى من البطن الآخر، ولا تحل له أخته توأمته، فولدت حواء مع قابيل أختا جميلة واسمها «إقليمياء» ومع هابيل أختا ليست كذلك، واسمها «ليوذا» فلما أراد آدم تزويجهما قال قابيل: أنا أحق بأختي، فأمره آدم فلم يأتمر، وزجره فلم ينزجر، فاتفقوا على تقديم القربان (١). وكانت النتيجة قبول قربان هابيل لصلاحه؛ بدليل قوله لأخيه: ﴿إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. قال ابن عطية: المراد بالتقوى هنا اتقاء الشرك بإجماع أهل السنة؛ فمن اتقاه وهو موحّد فأعماله المصدّقة لنيته مقبولة؛ وأما المتقى الشرك والمعاصي فله الدرجة العليا من القبول والختم بالرحمة. وكان استسلام هابيل لتهديد أخيه قابيل بالقتل معتمدا على أسس ثلاثة: الخوف الحقيقي من الله تعالى، والخشية من تحمل إثمين: إثم قتله وإثم فعل المقتول الذي عمله قبل القتل، والابتعاد عن أن يكون من أصحاب النار ومن الظالمين. وهذه المبادئ من أصول المواعظ التي تنفر من الإقدام على جريمة القتل وغيرها. ودل قوله: ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ﴾ على أنهم كانوا في ذلك الوقت مكلفين قد لحقهم الوعد والوعيد. واستدل بعضهم بهذا القول على أن قابيل كان كافرا؛ لأن لفظ ﴿أَصْحابِ النّارِ﴾ إنما ورد في الكفار حيث وقع في القرآن.

стр. 1851

قال القرطبي: وهذا مردود هنا بما ذكرناه عن أهل العلم في تأويل الآية. ومعنى ﴿مِنْ أَصْحابِ النّارِ﴾ مدة كونك فيها (١). وإقدام قابيل على القتل جعله من الخاسرين في الدنيا والآخرة، وتضمنت الآية بيان حال الحاسد، حتى إنه قد يحمله حسده على إهلاك نفسه بقتل أقرب الناس إليه قرابة، وأمسّهم به رحما، وأولاهم بالحنو عليه. ودلت الآية: ﴿فَبَعَثَ اللهُ غُراباً﴾ على الاستفادة من تجارب الآخرين. وبالرغم من أن قابيل أصبح من النادمين، فلم يكن ندمه جاعلا له من التائبين؛ لأن ندمه لم يكن على القتل وإنما على حمل أخيه على ظهره سنة، أو لأنه لم ينتفع بقتله، وسخط عليه أبواه وإخوته، أو لأجل ترك أخيه بالعراء استخفافا به بعد قتله، فلما رأى فعل الغراب بدفن الغراب الآخر ندم على قساوة قلبه (٢). ودلت آية: ﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ.﴾. على تشريع القصاص في حق القاتل على بني إسرائيل. وقوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ﴾ ليس إشارة إلى قصة قابيل وهابيل، بل هو إشارة إلى ما ذكر في هذه القصة من أنواع المفاسد الحاصلة بسبب القتل الحرام وهو القتل العمد العدوان، ومنها قوله: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ ومنها قوله: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾. وتخصيص بني إسرائيل بالذكر، وإن كان القتل حراما والقصاص عاما في جميع الأديان والملل؛ لأنهم أول أمة نزل الوعيد عليهم في قتل الأنفس مكتوبا، وكان قبل ذلك قولا مطلقا، فغلظ الأمر على بني إسرائيل بالكتاب بحسب طغيانهم وسفكهم الدماء، فهم مع علمهم بشناعة القتل أقدموا على قتل الأنبياء

стр. 1852

والرسل، وذلك يدل على غاية قساوة قلوبهم ونهاية بعدهم عن طاعة الله تعالى. وكان تخصيص بني إسرائيل مناسبا أيضا لما عزموا عليه من الفتك برسول الله ﷺ وبأكابر أصحابه (١). والقتل حرام في جميع الشرائع إلا بثلاث خصال: كفر بعد إيمان، وزنى بعد إحصان، وقتل نفس ظلما وتعديا. وقوله: ﴿أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ هو الشرك، وقيل: قطع طريق. وقتل نفس بمثابة قتل جميع الناس، وإحياؤها بمثابة إحياء جميع الناس. ودلت الآية أيضا على أن أحكام الله تعالى قد تكون معللة لأنه تعالى قال: ﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا﴾ أي أن تشريع تلك الأحكام معلل بتلك المعاني. حد الحرابة أو حكم قطاع الطرق ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾

стр. 1853

الإعراب: ﴿إِنَّما جَزاءُ..﴾.: ما: من إنما كافة. و ﴿جَزاءُ الَّذِينَ﴾: مبتدأ مرفوع، وخبره: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا﴾. ﴿فَساداً﴾ منصوب على المصدر في موضع الحال. و ﴿أَوْ﴾ في قوله: ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ وما بعده للتخيير في رأي بعضهم أي أن الحكم فيه للإمام على اجتهاده، أو للتنويع في رأي آخر. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ..﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: مستثنى منصوب: لأنه استثناء من موجب، وهو ﴿الَّذِينَ يُحارِبُونَ﴾ وهم المعاقبون عقاب قطع الطريق خاصة. البلاغة: ﴿يُحارِبُونَ اللهَ﴾ مجاز على حذف مضاف أي يحاربون عباد الله؛ لأن الله لا يحارب ولا يغالب. المفردات اللغوية: ﴿يُحارِبُونَ﴾ أي يحاربون المسلمين وغيرهم في دار الإسلام، من المحاربة، وهي مأخوذة من الحرب ضد السلم والأمن على النفس والمال. وأصل معنى كلمة الحرب: التعدي وسلب المال. ﴿فَساداً﴾ الفساد: ضد الصلاح، والمراد بالفساد هنا قطع الطريق بتخويف المارّة والاعتداء على الأنفس والأموال والأعراض ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ التقتيل: المبالغة في القتل لإرهاب المفسدين ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ التصليب: المبالغة في الصلب، والصلب في رأي الشافعي وأحمد: يكون بعد القتل ثلاثة أيام، بأن يربط على خشبة ونحوها منتصب القامة ممدود اليدين. ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ أي أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى. ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ ومعناه عند المالكية: أن ينقلوا إلى بلد آخر من بلاد الإسلام إذا كانوا مسلمين، فإن كانوا كفارا جاز نفيهم إلى بلد إسلامي أو بلد من بلاد أهل الحرب. والنفي عند الحنابلة: أن يشردوا فلا يتركون يأوون إلى بلد. وعند الحنفية والشافعية معناه: الحبس. وحرف ﴿أَوْ﴾ للتنويع وترتيب الأحوال عند الجمهور، فالقتل لمن قتل فقط، والصلب لمن قتل وأخذ المال، والقطع لمن أخذ المال ولم يقتل، والنفي لمن أخاف فقط، كما قال ابن عباس. و ﴿أَوْ﴾ عند المالكية للتخيير، يتخير الإمام فيهم ما يناسب. ﴿خِزْيٌ فِي الدُّنْيا﴾ ذل وفضيحة ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ هو عذاب النار ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا﴾ من المحاربين وقطاع الطرق ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ أي من قبل التمكن من عقابهم ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ لهم ما أتوه ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم. والتعبير بالمغفرة والرحمة للدلالة على أن التوبة لا تسقط

стр. 1854

إلا حقوق الله وحدوده، دون حقوق الآدميين، كما ذكر السيوطي، فإذا قتل قاطع الطريق أحدا، وأخذ المال وتاب، يقتل ويقطع ولا يصلب، وهو أصح قولي الشافعي، ولا تفيد توبته بعد القدرة عليه شيئا، وهو أصح قوليه أيضا. سبب النزول: نزلت هذه الآية في قطّاع الطرق، لا في المشركين ولا في المرتدين، كما قيل بكل؛ فإن كلا منهما إذا تاب، قبلت توبته، سواء أكانت التوبة قبل القدرة عليهم أم بعدها، أما قطاع الطريق فيسقط عنهم الحد إذا تابوا قبل القدرة عليهم ولا يسقط عنهم إذا تابوا بعد القدرة عليهم. روى البخاري ومسلم عن أنس: أن ناسا من عكل وعرينة قدموا على النبي ﷺ ، وتكلموا بالإسلام، فاستوخموا المدينة (١)، فأمر لهم النبي ﷺ بزود من الإبل (٢) وراع، وأمرهم أن يخرجوا إلى الصحراء، فيشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا حتى إذا كانوا بناحية الحرّة، كفروا بعد إسلام، وقتلوا الراعي-وفي رواية: مثّلوا به، واستاقوا الزود من الإبل، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فبعث في طلبهم، فأتوا فأمر بهم، فسملوا أعينهم (٣)، وقطعوا أيديهم وأرجلهم من خلاف، وتركوا حتى ماتوا، فنزلت الآية. وقيل: نزلت في قوم هلال بن عويمر الأسلمي، وكان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد على أنه لا يعينه ولا يعين عليه، وأنه إن مرّ به أحد من المسلمين، أو مرّ عليه من يقصد النبي ﷺ لا يتعرض له بسوء، فمر قوم من بني كنانة يريدون الإسلام بقوم من بني هلال، وكان هلال غائبا، فقطعوا عليهم الطريق، وقتلوا منهم، وأخذوا أموالهم.

стр. 1855

وقيل: نزلت في قوم من أهل الكتاب بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد، فنقضوا العهد، وقطعوا الطريق على المسلمين. ولا مانع من تعدد سبب النزول، وهي تتناول كل من اتصف بصفة المحاربة، سواء أكان كافرا أم مسلما، فإن كانت الآية قد نزلت في الكفار، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. المناسبة: بعد أن بيّن الله تعالى خطورة جريمة القتل وأن من قتل نفسا فكأنما قتل الناس جميعا، وما رتب عليه من تشريع القصاص، ذكر هنا عقاب المحاربين الذين يفسدون في الأرض ويرتكبون القتل غالبا، حتى لا يجرأ أحد على المحاربة. التفسير والبيان: هذه آية المحاربة وهي المضادة والمخالفة الشاملة لجريمة الكفر وقطع الطريق وإخافة السبيل والإفساد في الأرض، وبما أن هذه الجريمة تمس أمن المجتمع كله وتهز كيانه وتنشر الرعب والقلق والخوف في أوساط الناس الآمنين، شدد الله تعالى في عقوبة المحاربين: وهم الذين لهم قوة ومنعة وشوكة، ويتعرضون للمارة من المسلمين أو أهل الذمة، ويعتدون على الأرواح والأموال والأعراض. وعقابهم أو جزاؤهم على سبيل الترتيب والتوزيع على حسب جناياتهم، وتكون ﴿أَوْ﴾ للتنويع، فمن قتل وأخذ المال قتل وصلب، ومن أخذ المال فقط قطعت يده ورجله من خلاف، ومن أخاف السبيل ولم يقتل ولم يأخذ مالا، نفي من الأرض. وهذا رأي أكثر العلماء وأئمة المذاهب. وقال المالكية: الآية تدل على التخيير بين الجزاءات، عملا بما تقتضيه ﴿أَوْ﴾ فيخير الإمام بين تطبيق إحدى هذه العقوبات حسبما يرى من المصلحة،

стр. 1856

وإن لم يأخذ المحاربون مالا ولم يقتلوا نفسا، أي أن الإمام مخير في الحكم على المحاربين، يحكم عليهم إما بالقتل أو الصلب أو القطع أو النفي، عملا بظاهر الآية. وقصر الإمام أبو حنيفة التخيير على محارب خاص وهو الذي قتل النفس وأخذ المال، فيخير الإمام بين هذه العقوبات الأربع: إن شاء قطع يده ورجله من خلاف وقتله، وإن شاء قطع يده ورجله من خلاف وصلبه، وإن شاء صلبه فقط، وإن شاء قتله فقط، ولا يفرد القطع في هذه الحالة، بل لا بد من انضمام القتل أو الصلب إليه؛ لأن الجناية قتل وأخذ مال، وقال الصاحبان في هذه الحالة: يصلب ويقتل ولا يقطع. واتفق الإمام مع صاحبيه على أن المحاربين إذا قتلوا فقط يقتلون، وإذا أخذوا المال فقط تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن أخافوا الطريق فقط ينفون من الأرض. دليل المالكية: أن كلمة ﴿أَوْ﴾ موضوعة للتخيير، كما في كفارة اليمين، وكفارة جزاء الصيد، فيعمل بحقيقة هذا الحرف، ما لم يقم دليل على خلافه، ولم يوجد، فيبقى التخيير. ودليل الجمهور: ١ - أن العقل يقضي أن يكون الجزاء مناسبا للجناية، زيادة ونقصا، بدليل إجماع الأمة على أن قطاع الطريق إذا أخذوا المال وقتلوا، لا يكون جزاؤهم النفي فقط. ٢ - أن التخيير يعمل به إذا كان سبب الوجوب واحدا كما في كفارة اليمين وكفارة جزاء الصيد، أما إذا اختلف السبب، فإنه لا يعمل بظاهر التخيير، ويكون الغرض بيان الحكم لكل واحد في نفسه. وذلك مثل قوله تعالى: ﴿قُلْنا: يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ، وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً﴾ [الكهف ٨٦/ ١٨] والمعنى: إما أن تعذب من جحد وظلم، وإما

стр. 1857

أن تحسن إلى من آمن وعمل صالحا، فليس المراد التخيير؛ لأن اختلاف السبب يؤدي إلى اختلاف الحكم لكل نوع. ودليل أبي حنيفة: أن الآية لا يمكن صرفها إلى ظاهر التخيير في مطلق المحارب، فإما أن تحمل على ترتيب الأحكام ويضمر في كل حكم ما يناسبه من الجنايات، وفيه إلغاء حرف التخيير، وإما أن يعمل بظاهر التخيير بين الجزاءات الثلاثة، وذلك في محارب خاص لا في مطلق المحارب، والمحارب الخاص: هو الذي قتل وأخذ المال، وهذا هو الأقرب والأولى؛ لأن فيه عملا بحقيقة حرف التخيير وبما هو المعقول. وسمي فعل المحاربين محاربة لله ورسوله للتهويل والتشنيع، وبيان خطورة هذه الجريمة على الحق والعدل الذي أنزله الله على رسوله، كما قال تعالى في أكلة الربا: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة ٢٧٩/ ٢] فليست محاربة الله على سبيل الحقيقة؛ لأن الله منزه عن الكون في جهة ومكان، والمحاربة تستلزم أن يكون كل من المتحاربين متواجهين، وإنما هذا مجاز عن المخالفة وإغضاب الله، أو المعنى يحاربون أولياء الله ورسوله، فيكون نظير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب ٥٧/ ٣٣]. ويشترط في المحاربين ثلاثة شروط: ١ - أن يكون لهم قوة وشوكة ومنعة، ليمتازوا عن السرّاق، وأن يعتدوا على المارة بسلاح أو غيره من العصا والحجر والخشب ونحوها، سواء أكانوا جماعة أم واحدا، وسواء أخذوا المال من مسلم أم من ذمي. ٢ - أن يكون قطع الطريق في دار الإسلام، وأن يكون في رأي أبي حنيفة خارج المصر بين حدود البلاد أو في الصحراء؛ لأنه يمكن للمعتدى عليه في داخل المصر الاستغاثة بالآخرين. ولم يفرق الجمهور بين داخل المصر وخارجه، فيمكن

стр. 1858

حدوث جريمة المحاربة فيهما على حد سواء، وقد أثبت الواقع صحة هذا الرأي؛ لأن عصابات المجرمين يتعرضون للناس بعد منتصف الليل في الشوارع العامة، وفي الأحياء السكنية. ٣ - أن يأخذوا المال مجاهرة، فإن أخذوه خفية فهم سرّاق، يعاقبون بحد السرقة وهو قطع اليد فقط. وإن اختطفوا شخصا وهربوا فهم منتهبون لا قطع عليهم، وإن استلبوا شيئا من قافلة أو اغتصبوه لا يحدون حد السرقة ولا حد الحرابة. والسعي في الأرض بالفساد: هو إخافة الطريق بحمل السلاح وإزعاج الناس، سواء صحبه قتل وأخذ مال أو لا. أما عقوبات المحاربين فهي في الآية دنيوية وأخروية. والعقوبات الدنيوية أربعة: ١ - التقتيل حدا من غير صلب إن قتلوا فقط، ولا يسقط القتل بعفو الأولياء، والتعبير بصيغة التفعيل؛ لما في القتل هنا من الزيادة باعتبار أنه محتوم لا يسقط، ولو عفا الأولياء. فيجب على الحاكم إنزال هذه العقوبة بالمحاربين، ولا يملك العفو عنها أو إسقاطها، وعلى المسلمين التعاون معه على قتالهم وكفهم عن أذى المسلمين. ٢ - القتل مع الصلب: إن قتلوا وأخذوا المال. ٣ - قطع اليد والرجل من خلاف أي قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى إن أخذوا المال، لا غير. ٤ - النفي من الأرض إن أخافوا الطريق فقط، ولم يقتلوا نفسا ولم يأخذوا مالا.

стр. 1859

والصلب: يكون على خشبة تغرز في الأرض، بأن يربط جميع الشخص بها، بعد وضع قدميه على خشبة عريضة من الأسفل، وتربط يداه على خشبة عريضة من الأعلى. ويحدث في الأصح من مذهب الحنفية والراجح لدى المالكية في حال الحياة لمدة ثلاثة أيام، ثم يطعن بحربة ويقتل؛ لأن الصلب عقوبة مشروعة تغليظا، وإنما يعاقب الحي، أما الميت فليس من أهل العقوبة، وليس صلبه من قبيل المثلة المنهي عنها؛ لأن المثلة قطع بعض الأعضاء. وقال الشافعية والحنابلة: الصلب يكون بعد القتل؛ لأن الله تعالى قدم القتل على الصلب لفظا، وفي صلبه حيا تعذيب له وتمثيل به، وقد نهى النبي ﷺ عن المثلة وعن تعذيب الحيوان (أي ما له روح) فقال فيما رواه الجماعة عن شداد بن أوس: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبحة» والغرض من صلبه بعد قتله هو التنكيل به، وزجر غيره ليشتهر أمره. وأما النفي: فمعناه عند الحنفية الحبس؛ لأن فيه نفيا عن وجه الأرض التي يحيا فيها الناس عادة بحرية وطمأنينة. وأما التغريب ففيه إضرار ببلد آخر، وتعريض للكفر، وتمكين له من الهرب إلى دار الحرب. ورأى المالكية أن النفي هو إخراجه من البلد الذي كان فيه إلى بلد آخر بينهما مسافة القصر (٨٩ كم) ويسجن فيه، إلى أن تظهر توبته. فيكون رأي الجمهور بالنفي هو الحبس. وذهب الحنابلة إلى أن النفي: أن يشردوا، فلا يتركون يأوون إلى بلد، عملا بما روي عن الحسن والزهري. وأما عقوبة المحاربين الأخروية: فهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أي ذلك العقاب المذكور هو ذل لهم وفضيحة في الدنيا، لشناعة المحاربة وعظم ضررها، وليكونوا عبرة لغيرهم، ولهم

стр. 1860

في الآخرة عذاب عظيم جدا بسبب ما ارتكبوا من جريمة هزت أركان المجتمع، وأدت إلى تعطيل التجارة. ثم استثنى الله تعالى من العقاب التائبين فقال: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ أي أن من تاب قبل أن يقع في قبضة السلطة، أو قبل أن يتمكن الحاكم من القبض عليه، فيسقط عنه العقاب، إذا كانت التوبة صادقة خالصة لله ، لا تحايلا وتهربا من العقوبة؛ لأن الهدف قد تحقق وهو ترك الإفساد ومحاربة أولياء الله ورسوله، بدليل قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي أن الله غفور لذنوبهم، رحيم بهم بإسقاط العقوبة عنهم؛ لأنه لا تهمة حينئذ، وتكون التوبة نافعة. وهذه التوبة تسقط ما هو من حقوق الله تعالى فقط وهو الحد، أما حقوق العباد من القصاص وضمان الأموال فتبقى، ويكون للأولياء الحق في المطالبة بالقصاص من القاتل، واسترداد المال المأخوذ، وولي القتيل مخير بين القصاص والدية والعفو، ولا تصح التوبة إلا برد الأموال المسلوبة إلى أصحابها، وإذا أعفاه الحاكم من حق مالي وجب ضمانه من بيت المال (خزانة الدولة). ومن تاب بعد القدرة عليه فظاهر الآية أن التوبة لا تنفع، وتقام الحدود عليه؛ لأنه متهم بالكذب في توبته والتصنع فيها إذا نالته يد الإمام. أما الشرّاب والزناة والسرّاق إذا تابوا وأصلحوا وعرف ذلك منهم، ثم رفعوا إلى الإمام فلا ينبغي له أن يحدهم، وإن رفعوا إليه فقالوا: تبنا لم يتركوا، وهم في هذه الحال كالمحاربين إذا غلبوا.
следующие страницы →