وإن لم يأخذ المحاربون مالا ولم يقتلوا نفسا، أي أن الإمام مخير في الحكم على المحاربين، يحكم عليهم إما بالقتل أو الصلب أو القطع أو النفي، عملا بظاهر الآية.
وقصر الإمام أبو حنيفة التخيير على محارب خاص وهو الذي قتل النفس وأخذ المال، فيخير الإمام بين هذه العقوبات الأربع: إن شاء قطع يده ورجله من خلاف وقتله، وإن شاء قطع يده ورجله من خلاف وصلبه، وإن شاء صلبه فقط، وإن شاء قتله فقط، ولا يفرد القطع في هذه الحالة، بل لا بد من انضمام القتل أو الصلب إليه؛ لأن الجناية قتل وأخذ مال، وقال الصاحبان في هذه الحالة: يصلب ويقتل ولا يقطع. واتفق الإمام مع صاحبيه على أن المحاربين إذا قتلوا فقط يقتلون، وإذا أخذوا المال فقط تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن أخافوا الطريق فقط ينفون من الأرض.
دليل المالكية: أن كلمة ﴿أَوْ﴾ موضوعة للتخيير، كما في كفارة اليمين، وكفارة جزاء الصيد، فيعمل بحقيقة هذا الحرف، ما لم يقم دليل على خلافه، ولم يوجد، فيبقى التخيير.
ودليل الجمهور: ١ - أن العقل يقضي أن يكون الجزاء مناسبا للجناية، زيادة ونقصا، بدليل إجماع الأمة على أن قطاع الطريق إذا أخذوا المال وقتلوا، لا يكون جزاؤهم النفي فقط.
٢ - أن التخيير يعمل به إذا كان سبب الوجوب واحدا كما في كفارة اليمين وكفارة جزاء الصيد، أما إذا اختلف السبب، فإنه لا يعمل بظاهر التخيير، ويكون الغرض بيان الحكم لكل واحد في نفسه.
وذلك مثل قوله تعالى: ﴿قُلْنا: يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ، وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً﴾ [الكهف ٨٦/ ١٨] والمعنى: إما أن تعذب من جحد وظلم، وإما
стр. 1857
أن تحسن إلى من آمن وعمل صالحا، فليس المراد التخيير؛ لأن اختلاف السبب يؤدي إلى اختلاف الحكم لكل نوع.
ودليل أبي حنيفة: أن الآية لا يمكن صرفها إلى ظاهر التخيير في مطلق المحارب، فإما أن تحمل على ترتيب الأحكام ويضمر في كل حكم ما يناسبه من الجنايات، وفيه إلغاء حرف التخيير، وإما أن يعمل بظاهر التخيير بين الجزاءات الثلاثة، وذلك في محارب خاص لا في مطلق المحارب، والمحارب الخاص: هو الذي قتل وأخذ المال، وهذا هو الأقرب والأولى؛ لأن فيه عملا بحقيقة حرف التخيير وبما هو المعقول.
وسمي فعل المحاربين محاربة لله ورسوله للتهويل والتشنيع، وبيان خطورة هذه الجريمة على الحق والعدل الذي أنزله الله على رسوله، كما قال تعالى في أكلة الربا: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة ٢٧٩/ ٢] فليست محاربة الله على سبيل الحقيقة؛ لأن الله منزه عن الكون في جهة ومكان، والمحاربة تستلزم أن يكون كل من المتحاربين متواجهين، وإنما هذا مجاز عن المخالفة وإغضاب الله، أو المعنى يحاربون أولياء الله ورسوله، فيكون نظير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب ٥٧/ ٣٣].
ويشترط في المحاربين ثلاثة شروط:
١ - أن يكون لهم قوة وشوكة ومنعة، ليمتازوا عن السرّاق، وأن يعتدوا على المارة بسلاح أو غيره من العصا والحجر والخشب ونحوها، سواء أكانوا جماعة أم واحدا، وسواء أخذوا المال من مسلم أم من ذمي.
٢ - أن يكون قطع الطريق في دار الإسلام، وأن يكون في رأي أبي حنيفة خارج المصر بين حدود البلاد أو في الصحراء؛ لأنه يمكن للمعتدى عليه في داخل المصر الاستغاثة بالآخرين. ولم يفرق الجمهور بين داخل المصر وخارجه، فيمكن
стр. 1858
حدوث جريمة المحاربة فيهما على حد سواء، وقد أثبت الواقع صحة هذا الرأي؛ لأن عصابات المجرمين يتعرضون للناس بعد منتصف الليل في الشوارع العامة، وفي الأحياء السكنية.
٣ - أن يأخذوا المال مجاهرة، فإن أخذوه خفية فهم سرّاق، يعاقبون بحد السرقة وهو قطع اليد فقط. وإن اختطفوا شخصا وهربوا فهم منتهبون لا قطع عليهم، وإن استلبوا شيئا من قافلة أو اغتصبوه لا يحدون حد السرقة ولا حد الحرابة.
والسعي في الأرض بالفساد: هو إخافة الطريق بحمل السلاح وإزعاج الناس، سواء صحبه قتل وأخذ مال أو لا.
أما عقوبات المحاربين فهي في الآية دنيوية وأخروية.
والعقوبات الدنيوية أربعة:
١ - التقتيل حدا من غير صلب إن قتلوا فقط، ولا يسقط القتل بعفو الأولياء، والتعبير بصيغة التفعيل؛ لما في القتل هنا من الزيادة باعتبار أنه محتوم لا يسقط، ولو عفا الأولياء. فيجب على الحاكم إنزال هذه العقوبة بالمحاربين، ولا يملك العفو عنها أو إسقاطها، وعلى المسلمين التعاون معه على قتالهم وكفهم عن أذى المسلمين.
٢ - القتل مع الصلب: إن قتلوا وأخذوا المال.
٣ - قطع اليد والرجل من خلاف أي قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى إن أخذوا المال، لا غير.
٤ - النفي من الأرض إن أخافوا الطريق فقط، ولم يقتلوا نفسا ولم يأخذوا مالا.
стр. 1859
والصلب: يكون على خشبة تغرز في الأرض، بأن يربط جميع الشخص بها، بعد وضع قدميه على خشبة عريضة من الأسفل، وتربط يداه على خشبة عريضة من الأعلى. ويحدث في الأصح من مذهب الحنفية والراجح لدى المالكية في حال الحياة لمدة ثلاثة أيام، ثم يطعن بحربة ويقتل؛ لأن الصلب عقوبة مشروعة تغليظا، وإنما يعاقب الحي، أما الميت فليس من أهل العقوبة، وليس صلبه من قبيل المثلة المنهي عنها؛ لأن المثلة قطع بعض الأعضاء.
وقال الشافعية والحنابلة: الصلب يكون بعد القتل؛ لأن الله تعالى قدم القتل على الصلب لفظا، وفي صلبه حيا تعذيب له وتمثيل به،
وقد نهى النبي ﷺ عن المثلة وعن تعذيب الحيوان (أي ما له روح) فقال فيما رواه الجماعة عن شداد بن أوس: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبحة» والغرض من صلبه بعد قتله هو التنكيل به، وزجر غيره ليشتهر أمره.
وأما النفي: فمعناه عند الحنفية الحبس؛ لأن فيه نفيا عن وجه الأرض التي يحيا فيها الناس عادة بحرية وطمأنينة. وأما التغريب ففيه إضرار ببلد آخر، وتعريض للكفر، وتمكين له من الهرب إلى دار الحرب.
ورأى المالكية أن النفي هو إخراجه من البلد الذي كان فيه إلى بلد آخر بينهما مسافة القصر (٨٩ كم) ويسجن فيه، إلى أن تظهر توبته. فيكون رأي الجمهور بالنفي هو الحبس.
وذهب الحنابلة إلى أن النفي: أن يشردوا، فلا يتركون يأوون إلى بلد، عملا بما روي عن الحسن والزهري.
وأما عقوبة المحاربين الأخروية: فهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أي ذلك العقاب المذكور هو ذل لهم وفضيحة في الدنيا، لشناعة المحاربة وعظم ضررها، وليكونوا عبرة لغيرهم، ولهم
стр. 1860
في الآخرة عذاب عظيم جدا بسبب ما ارتكبوا من جريمة هزت أركان المجتمع، وأدت إلى تعطيل التجارة.
ثم استثنى الله تعالى من العقاب التائبين فقال:
﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ أي أن من تاب قبل أن يقع في قبضة السلطة، أو قبل أن يتمكن الحاكم من القبض عليه، فيسقط عنه العقاب، إذا كانت التوبة صادقة خالصة لله ، لا تحايلا وتهربا من العقوبة؛ لأن الهدف قد تحقق وهو ترك الإفساد ومحاربة أولياء الله ورسوله، بدليل قوله تعالى:
﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي أن الله غفور لذنوبهم، رحيم بهم بإسقاط العقوبة عنهم؛ لأنه لا تهمة حينئذ، وتكون التوبة نافعة.
وهذه التوبة تسقط ما هو من حقوق الله تعالى فقط وهو الحد، أما حقوق العباد من القصاص وضمان الأموال فتبقى، ويكون للأولياء الحق في المطالبة بالقصاص من القاتل، واسترداد المال المأخوذ، وولي القتيل مخير بين القصاص والدية والعفو، ولا تصح التوبة إلا برد الأموال المسلوبة إلى أصحابها، وإذا أعفاه الحاكم من حق مالي وجب ضمانه من بيت المال (خزانة الدولة). ومن تاب بعد القدرة عليه فظاهر الآية أن التوبة لا تنفع، وتقام الحدود عليه؛ لأنه متهم بالكذب في توبته والتصنع فيها إذا نالته يد الإمام.
أما الشرّاب والزناة والسرّاق إذا تابوا وأصلحوا وعرف ذلك منهم، ثم رفعوا إلى الإمام فلا ينبغي له أن يحدهم، وإن رفعوا إليه فقالوا: تبنا لم يتركوا، وهم في هذه الحال كالمحاربين إذا غلبوا.
стр. 1861
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت آية المحاربة حكمين: حكم عقاب المحاربين، وحكم التائبين.
أما عقوبتهم في الدنيا: فهي القتل، والصلب، وتقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، والنفي من الأرض أي الحبس أو الإبعاد من بلده إلى بلد آخر بينهما على الأقل مسافة قصر الصلاة المقدرة بحوالي ٨٩ كم.
ولا خلاف في أن الحرابة يقتل فيها من قتل، وإن لم يكن المقتول مكافئا للقاتل.
ونصت الآية على عقوبة أخروية: وهي استحقاق العذاب في نار جهنم، لعظم الجريمة، واقتصر على وصف عقوبة الدنيا بالخزي أي الذل والفضيحة مع أن لهم فيها عذابا أيضا، وعلى وصف عقوبة الآخرة بالعذاب العظيم مع أن لهم فيها خزيا أيضا؛ لأن الخزي في الدنيا أعظم من عذابها، والعذاب في الآخرة أشد من خزيها.
ويؤخذ من الجمع بين العقوبتين المذكورتين للمحاربين: أن الحدود لا تسقط العقوبة في الآخرة، فالحدود زواجر لا جوابر كما هو صريح الآية، وهذا مذهب الحنفية. وقال الجمهور: الحدود جوابر أيضا، أي أنها تجبر الذنوب وتكفرها، لما رواه مسلم في صحيحة عن عبادة بن الصامت: «من أصاب من هذه المعاصي شيئا فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب شيئا من ذلك، فستره الله، فأمره إلى الله: إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه».
وأما حكم التائبين قبل القدرة عليهم: فهو حكم سائر المجرمين العاديين، فمن قتل يقتل أي يقتص منه، ومن جرح يجرح، أو يغرم الأرش (التعويض المالي المقدر شرعا) ومن سرق تقطع يده، ومن سلب مالا رده، ويجوز العفو حينئذ لأولياء الدم عنهم.
стр. 1862
التقوى والجهاد أساس الفلاح في الآخرة
والدنيا كلها لا تصلح فداء للكفار
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَاِبْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾
البلاغة:
﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ أي ليجعلوه فدية لأنفسهم، قال الزمخشري: ٤٥٨/ ١: وهذا تمثيل للزوم العذاب لهم وأنه لا سبيل لهم إلى النجاة منه بوجه. وعن النبي ﷺ : «يقال للكافر يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقال له: قد سئلت أيسر من ذلك».
المفردات اللغوية:
﴿اِتَّقُوا اللهَ﴾ خافوا عقابه بأن تطيعوا أوامره وتجتنبوا نواهيه ﴿وَابْتَغُوا﴾ اطلبوا ﴿إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ ما يتوسل به إلى رضوان الله أو يقربكم إليه من طاعته، فالوسيلة: القربة التي ينبغي أن يطلب بها، وتطلق أيضا على أعلى منزلة أو درجة في الجنة.
﴿وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ لإعلاء دينه ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ تفوزون ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ﴾ لو ثبت ﴿يُرِيدُونَ﴾ يتمنون ﴿عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ دائم.
стр. 1863
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى حسد اليهود ومكرهم وهمّهم الفتك برسول الله ﷺ وقتلهم الأنبياء، وفند ادعاءهم بأنهم أبناء الله وأحباؤه، أمر المؤمنين بالتقوى والتقرب إليه بصالح الأعمال، ولا يتكلوا على مثل مزاعم أهل الكتاب، وهو المقصود الأصلي من مهام القرآن.
التفسير والبيان:
يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بتقواه، وهي إذا قرنت بطاعته، كان المراد بها الكف عن المحارم وترك المنهيات.
فيا أيها المؤمنون اتقوا سخط الله وعقابه بامتثال أمره واجتناب نهيه، واطلبوا إليه القربة التي ينبغي أن يطلب بها، وهي التي توصلكم إلى مرضاته والقرب منه والظفر بمثوبته في الجنة.
والوسيلة درجة في الجنة،
روى أحمد ومسلم من حديث عبد الله بن عمر أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشرا، ثم سلوا لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون هو، فمن سأل لي الوسيلة، حلت له الشفاعة» فالوسيلة أعلى منزلة في الجنة: وهي منزلة رسول الله ﷺ ، وداره في الجنة، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش.
ولما أمر تعالى المؤمنين بترك المحارم وفعل الطاعات، أمرهم بقتال الأعداء من الكفار والمشركين الخارجين عن الطريق المستقيم، والتاركين للدين القويم، فقال: ﴿وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ والجهاد من الجهد: وهو المشقة والتعب، وسبيل الله: هي طريق الحق والخير والفضيلة والحرية للأمة، والجهاد في سبيل الله
стр. 1864
يشمل جهاد النفس بكفها عن أهوائها، وحملها على العدل في جميع الأحوال، وجهاد الأعداء الذين يقاومون دعوة الإسلام.
ورغبهم الله تعالى بما أعده للمجاهدين في سبيله يوم القيامة من الفلاح والسعادة العظيمة الخالدة، فقال: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي إن جاهدتم وتقربتم إلى الله بطاعته، حققتم الفوز والفلاح وسعادة الدنيا والآخرة، والمسلم مطالب دائما بالجهاد بمختلف أنواعه؛ لأن فعل الحسنات وترك السيئات شاق على النفس.
وبعد أن أمر الله المؤمنين بالتقوى وتزكية النفس، أخبر بما أعده لأعدائه الكفار من العذاب والنكال يوم القيامة، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا.﴾. أي إن الذين جحدوا ربوبية ربهم وجحدوا آياته الدالة على وجوده ووحدانيته، وكذبوا رسله، وعبدوا غيره من صنم أو وثن أو عجل أو بشر، وماتوا على هذه الحال من غير توبة، لو أن أحدهم جاء يوم القيامة بملء الأرض ذهبا، بل ومثله أو ضعفه معه، ليفتدي بذلك من عذاب الله الذي قد أحاط به، وتيقن وصوله إليه، ما تقبّل ذلك منه، بل لا مندوحة عنه، ولا محيص له ولا مناص، ولهذا قال:
﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي موجع مؤلم لهم، بسبب ما جنته نفوسهم، كما أن الفلاح والسعادة بسبب الطاعة والاستقامة النابعة من النفس الإنسانية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ [الشمس ٩/ ٩١ - ١٠].
ثم وصف الله تعالى العذاب بأنه دائم وأن أهل النار مقيمون فيها على الدوام:
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ.﴾. أي يتمنون الخروج مما هم فيه من شدة العذاب، وما هم بخارجين منها، ولهم عذاب دائم مستمر لا خروج لهم منها، ولا محيد لهم عنها، كما قال تعالى: ﴿كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ [الحج ٢٢/ ٢٢] فمعنى قوله: ﴿مُقِيمٌ﴾ أنه دائم ثابت لا يزول ولا يحول.
روى البخاري ومسلم والنسائي من حديث أنس بن مالك قال: قال
стр. 1865
رسول الله ﷺ : «يؤتى بالرجل من أهل النار، فيقال له: يا ابن آدم، كيف وجدت مضجعك؟ فيقول: شر مضجع، فيقال: هل تفتدي بقراب الأرض ذهبا؟ قال: فيقول: نعم يا رب، فيقول الله تعالى: كذبت، قد سألتك أقل من ذلك، فلم تفعل، فيؤمر به إلى النار».
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى أن الناس صنفان: صنف المؤمنين الطائعين، وهؤلاء هم المفلحون الناجون في الدنيا والآخرة، وصنف الكافرين الجاحدين ألوهية الله وربوبيته ووحدانيته، والمكذبين رسله، وهؤلاء هم الخاسرون في الحقيقة في الدنيا والآخرة، وإقامتهم دائمة في نار جهنم.
وهذا هو الفارق بين الإسلام وغيره من الأديان، فاليهود يعتمدون على أمنيات كاذبة ومزاعم باطلة أنهم أبناء الله وأحباؤه، وشعب الله المختار، والنصارى يعتقدون أن المسيح فداء لهم بنفسه من الخطيئة والمعصية. أما المسلمون فيعتمدون على أن أساس الفلاح والنجاة في الآخرة: هو تزكية النفس بالفضائل، والعمل الصالح.
والخلود ثابت للفريقين، فالمؤمنون مخلدون في الجنة، والكافرون مخلدون في النار. قال يزيد الفقير: قيل لجابر بن عبد الله ﵄، إنكم يا أصحاب محمد ﷺ تقولون: إن قوما يخرجون من النار، والله تعالى يقول: ﴿وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها﴾ فقال جابر: إنكم تجعلون العامّ خاصا، والخاص عامّا، إنما هذا في الكفار خاصة؛ فقرأت الآية كلها من أولها إلى آخرها، فإذا هي في الكفار خاصة (١).
стр. 1866
قال الرازي عن آية: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾: هذه الآية آية شريفة مشتملة على أسرار روحانية، ونحن نشير هاهنا إلى واحد منها، وهو أن من يعبد الله تعالى فريقان: منهم من يعبد الله لا لغرض سوى الله، ومنهم من يعبده لغرض آخر.
والمقام الأول: هو المقام الشريف العالي، وإليه الإشارة بقوله:
﴿وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ أي في سبيل عبوديته وطريق الإخلاص في معرفته وخدمته.
والمقام الثاني: دون الأول، وإليه الإشارة بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ والفلاح: اسم جامع للخلاص عن المكروه والفوز بالمحبوب (١).
أما قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ فقد استدل به بعض الناس على مشروعية الاستغاثة أو التوسل بالصالحين، وجعلهم وسيلة بين الله تعالى وبين العباد.
وتحقيق القول في التوسل ما يأتي معتمدا على تفسير الألوسي (٢):
أولا-التوسل بمعنى التقرب إلى الله بطاعته وفعل ما يرضيه، وهو المراد بالآية: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾: هو أساس الدين وفرض الإسلام.
وعلى هذا يحمل توسل أهل الصخرة الثلاثة، فإنهم توسلوا إلى الله بصالح الأعمال، أي طلبوا الفرج بصلاح أعمالهم، ولا شك أن الأعمال الصالحة سبب لثواب الله تعالى لنا، ولم يتوسلوا بذوات الأشخاص.
ثانيا-التوسل بالمخلوق والاستغاثة به بمعنى طلب الدعاء منه، لا شك في
стр. 1867
جوازه إن كان المطلوب منه حيا، فقد صح
أنه ﷺ قال لعمر ﵁ لما استأذنه في العمرة: «لا تنسانا يا أخي من دعائك» وأمره أيضا أن يطلب من أويس القرني ﵀ أن يستغفر له، وأمر أمته ﷺ بطلب الوسيلة له كما تقدم: «فمن سأل لي الوسيلة، حلت له الشفاعة».
وثبت أن عمر ﵁ قال في الاستسقاء: «اللهم إنا كنا إذا أجدبنا، توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا» أي بدعائه وشفاعته، لا بذاته وشخصه.
وأما إذا كان المطلوب منه الدعاء ميتا أو غائبا فغير جائز، قال الألوسي:
فلا يستريب عالم أنه غير جائز، وأنه من البدع التي لم يفعلها أحد من السلف، نعم السلام على أهل القبور مشروع ومخاطبتهم جائزة، فقد صح
أنه ﷺ كان يعلّم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، وإنا إن شاء الله تعالى بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله تعالى لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم».
ولم يرد عن أحد من الصحابة ﵃-وهم أحرص الخلق على خير- أنه طلب من ميت شيئا.
ثالثا-القسم على الله تعالى بأحد من خلقه، مثل أن يقال: اللهم إني أقسم عليك، أو أسألك بفلان إلا ما قضيت لي حاجتي.
وقد أجاز العز بن عبد السلام ذلك في النبي ﷺ ؛ لأنه سيد ولد آدم، ولم يجز أن يقسم على الله تعالى بغيره من الأنبياء، والملائكة، والأولياء؛ لأنهم ليسوا في درجته، ودليله
ما رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح عن عثمان بن حنيف رضي الله تعالى عنه: أن رجلا ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله
стр. 1868
تعالى أن يعافيني، فقال: إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك، قال: فادعه، فأمره أن يتوضأ، فيحسن الوضوء، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه بنبيك ﷺ نبي الرحمة، يا رسول الله، إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه، لتقضى لي، اللهم فشفّعه فيّ» ونقل عن أحمد مثل ذلك.
والحق ألا دلالة في الحديث على التوسل بذات النبي ﷺ وشخصه، وإنما توسل بدعاء النبي ﷺ وشفاعته.
ومنع أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى التوسل بالذات والقسم على الله تعالى بأحد من خلقه، وهو رأي ابن تيمية ﵀. والحديث المذكور على حذف مضاف أي بدعاء وشفاعة النبي ﷺ ، فقد جعل الدعاء وسيلة، وهو جائز، بل مندوب، والدليل على هذا التقدير
قوله في آخر الحديث: «اللهم فشفعه في» بل في أوله أيضا ما يدل على ذلك.
وليس في الأدعية المأثورة عن أهل البيت الطاهرين وغيرهم من الأئمة، ليس فيها التوسل بالذات المكرمة ﷺ ، ولو فرضنا وجود ما ظاهره ذلك فمؤول بتقدير مضاف، أو نحوه.
قال أبو يزيد البسطامي ﵀: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون.
وكره العلماء الدعاء بحق خلقك؛ لأنه لا حق للخلق على الخالق.
والخلاصة: إن الدعاء لله تعالى يكون مباشرة، وبلا واسطة؛ إذ لا يحتاج الله إلى الوسطاء بالنص القرآني القطعي الدلالة وهو قوله تعالى:
﴿وَقالَ رَبُّكُمُ: اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر ٦٠/ ٤٠] وقوله: ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي، فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ﴾ [البقرة ١٨٦/ ٢]. وقوله تعالى: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ، وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥/ ١].
стр. 1869
وروى الترمذي وقال حديث حسن صحيح عن ابن عباس ﵄ أنه ﷺ قال له: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» وهذا الحديث بعد الآيات نص واضح يعيّن أو يوجب الاستعانة بالله تعالى وحده، دون سواه.
وأما الآيتان (٣٦ - ٣٧) فذكرتا نوعين من الوعيد:
الأول-استحالة قبول الفداء من الكفار يوم القيامة، وثبوت استحقاقهم العذاب الأليم.
والثاني-تمنيهم الخروج من عذاب النار، وإلزامهم بالعذاب المقيم أي الدائم الثابت الذي لا يزول ولا يحول. فكلما رفعهم لهب النار إلى أعلى جهنم، ضربتهم الزبانية بالمقامع الحديد، فيردوهم إلى أسفلها.
واستدل بعضهم بهذه الآية على أنه تعالى يخرج من النار من قال: «لا إله إلا الله» على سبيل الإخلاص؛ لأنه تعالى جعل الإقامة الدائمة في النار من تهديدات الكفار وأنواع ما خوفهم به من الوعيد الشديد، ولولا أن هذا المعنى مختص بالكفار، وإلا لم يكن لتخصيص الكفار به معنى (١).
حد السرقة
﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)﴾
стр. 1870
الإعراب:
﴿وَالسّارِقُ﴾ مبتدأ، وفي خبره وجهان: أحدهما-أن يكون خبره مقدرا، وتقديره: فيما يتلى عليكم السارق والسارقة، هذا مذهب سيبويه. والثاني-مذهب الأخفش والمبرد والكوفيين: أن الخبر: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾ ودخلت الفاء في الخبر لأنه لم يرد سارقا بعينه، وإنما أراد: كل من سرق فاقطعوا: وهو يتضمن معنى الشرط والجزاء، فتدخل الفاء في خبر المبتدأ.
وإنما قال: ﴿أَيْدِيَهُما﴾ بالجمع؛ لأنه يريد أيمانهما، وهي قراءة شاذة. وكل ما في البدن منه عضو واحد يثنى بلفظ الجمع، وليس للإنسان إلا يمين واحدة، فنزل منزلة ما ليس في البدن منه إلا عضو واحد، مثل قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم ٤/ ٦٦]. ويجوز تثنيته بلفظ المثنى مثل: رأيت وجهيهما، ويجوز أيضا بلفظ المفرد مثل: رأيت وجههما.
﴿جَزاءً بِما كَسَبا﴾: جزاء: إما منصوب نصب المصادر والعامل فيه معنى الكلام المتقدم، فكأنه قال: جازوهما جزاء، وإما منصوب لأنه مفعول لأجله، والتقدير: فاقطعوا أيديهما لأجل الجزاء. ﴿نَكالاً﴾ بدل من قوله: جزاء.
المفردات اللغوية:
﴿وَالسّارِقُ﴾ من يأخذ المال خفية من حرز مثله ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾ محل القطع من الرسغ، والذي يقطع به هو ربع دينار فصاعدا عند الجمهور غير الحنفية ﴿نَكالاً مِنَ اللهِ﴾ عقوبة لهما تمنع الناس من ارتكاب السرقة ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ﴾ غالب على أمره ﴿حَكِيمٌ﴾ في خلقه.
﴿فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ رجع عن السرقة ﴿وَأَصْلَحَ﴾ عمله ﴿فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ، إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي أن التوبة تسقط حق الله، ولا تسقط حق الآدمي العبد بالقطع ورد المال.
لكن بينت السنة أنه إن عفا عنه المسروق منه قبل الرفع إلى الإمام، سقط القطع، وهو مذهب الشافعي ومالك وأحمد وأبي يوسف، وكذا يسقط الحد بهبة المسروق إلى السارق بعد الرفع إلى الإمام في رأي أبي حنيفة ومحمد.
سبب النزول:
نزلت هذه الآية في طعمة بن أبيرق حين سرق درع جار له يدعى قتادة بن
стр. 1871
النعمان في جراب دقيق به خرق، وخبأها عند زيد بن السمين اليهودي، فتناثر الدقيق من بيت قتادة إلى بيت زيد، فلما تنبه قتادة للسرقة، التمسها عند طعمة، فلم توجد، وحلف ما أخذها، وما له بها علم، ثم تنبهوا إلى الدقيق المتناثر، فتبعوه، حتى وصل إلى بيت زيد فأخذوها منه، فقال: دفعها إلي طعمة، وشهد ناس من اليهود بذلك، وهمّ رسول الله ﷺ أن يجادل عن طعمة؛ لأن الدرع وجد عند غيره، فنزل قوله تعالى: ﴿وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية المتقدمة، ثم نزلت هذه الآية لبيان حكم السرقة (١).
وأخرج أحمد وغيره عن عبد الله بن عمرو أن امرأة سرقت على عهد رسول الله، فقطعت يدها اليمنى، فقالت: هل لي من توبة يا رسول الله؟ فأنزل الله في سورة المائدة: ﴿فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ، فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ، إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).
المناسبة:
هناك تناسب واضح بين حكم السرقة وحكم الحرابة، فالحرابة كما يقول الحنفية: سرقة كبري، والأخرى: سرقة صغرى، فبعد أن بيّن الله تعالى عقوبة المحاربين الذين يفسدون في الأرض، وأمر الناس بتقوى الله حتى يبتعدوا عن الحرام والمعاصي، ذكر عقوبة اللصوص الذين يأخذون المال خفية، ومن أنواع عقاب المحاربين في آية الحرابة: قطع الأيدي والأرجل من خلاف، وعقاب السرقة: قطع اليد.
التفسير والبيان:
يأمر تعالى ولاة الأمور ويحكم بقطع يد السارق والسارقة، فمن سرق من
стр. 1872
رجل أو امرأة، تقطع يده من الرسغ، ويبدأ بقطع اليد اليمنى، فإن عاد قطعت رجله اليسرى من مفصل القدم، ثم اليد اليسرى، ثم الرجل اليمنى، ثم يعزر ويحبس؛
لما رواه الدارقطني من أنه ﵊ قال: «إذا سرق السارق فاقطعوا يده، ثم إذا عاد فاقطعوا رجله اليسرى» وهذا رأي المالكية والشافعية. وقال الحنفية والحنابلة: لا يقطع أصلا بعد اليد اليمنى والرجل اليسرى.
وصرح القرآن بحكم السارقة؛ لحدوث السرقة كثيرا من النساء كالرجال، مما يقتضي الزجر، وإن كان الغالب في تشريع الأحكام إدراج النساء في حكم الرجال.
والسرقة: أخذ المال خفية من حرز المثل، والحرز نوعان: حرز بنفسه:
وهو المكان كالدار والصندوق، وحرز بغيره وهو الحافظ: كالأماكن العامة المحروسة بحارس، والمتاع الذي يوجد صاحبه عنده. والحرز: هو ما نصب عادة لحفظ أموال الناس.
ولا تقطع يد السارق إلا إذا كان بالغا عاقلا، كما هو الشأن في المطالبة بجميع التكاليف الشرعية ومنها عقوبات الحدود، لا فرق فيها بين الجماعة والفرد، وألا تكون هناك شبهة كالسرقة من المحارم والضيف من المضيف،
لحديث رواه ابن عدي عن ابن عباس: «ادرؤوا الحدود بالشبهات» وأن يؤخذ المال من الحرز إما بنفسه أو بالحافظ، لما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ سئل عن الثمر المعلّق فقال: «.. ومن سرق منه شيئا بعد أن يؤويه الجرين، فبلغ ثمن المجن، فعليه القطع».
وأن يكون المسروق بالغا مقدار النصاب الشرعي.
وللفقهاء رأيان أو ثلاثة في تقدير نصاب السرقة، فقال الحسن البصري
стр. 1873
وداود الظاهري: يجب القطع بسرقة القليل والكثير؛ لظاهر الآية، وللحديث الذي رواه الشيخان عن أبي هريرة: «لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الجمل فتقطع يده».
وقال الجمهور: تقطع يد السارق في ربع دينار أو ثلاثة دراهم فصاعدا؛ لما رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن (الجماعة) من
حديث عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ يقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا» ولما
في الصحيحين عن ابن عمر: «أن النبي ﷺ قطع في مجنّ -ترس-ثمنه ثلاثة دارهم» وهذا قول الخلفاء الراشدين الأربعة.
ورأى الحنفية: أن نصاب السرقة دينار أو عشرة دراهم، فلا قطع فيما دون عشرة دراهم،
لما رواه أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ :
«لا قطع فيما دون عشرة دراهم». ولولا أن هذا الحديث ضعيف لأمكن ترجيح مذهب الحنفية من قبيل الاحتياط، ولأن الحدود تدرأ بالشبهات، ولأن ثمن المجنّ الذي قطع النبي ﷺ بسرقته مختلف في تقديره، فقدر بثلاثة دراهم أو بأربعة أو بخمسة أو بعشرة دراهم، والأخذ بالأكثر في باب الحدود أولى، درءا للشبهة.
وتثبت السرقة إما بالإقرار أو بالبينة (شاهدين) ويسقط الحد بالعفو عن السارق أو التوبة قبل رفع الأمر إلى الإمام الحاكم، وبملك المسروق بالهبة وغيرها، ولو بعد رفع الأمر إلى الحاكم في مذهب أبي حنيفة ومحمد. وبشرط كون الملك قبل رفع الأمر إلى القضاء في مذهب الجمهور،
لما رواه أصحاب السنن من حديث ابن عباس: أن لصا سرق رداء صفوان بن أمية من تحت رأسه، حينما كان متوسدا عليه حين نام في المسجد، فاستيقظ صفوان واستاق اللص إلى رسول الله ﷺ فأمر بقطع يده، فقال صفوان: إني لم أرد هذا، هو عليه صدقة، فقال رسول الله ﷺ : «فهلا قبل أن تأتيني به».
стр. 1874
ويجب رد المسروق بعينه إن كان قائما، وبقيمته إن كان مستهلكا عند الشافعية والحنفية
لما رواه أحمد وأصحاب السنن والحاكم عن سمرة: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه». ولا يجب ردّ القيمة حال الاستهلاك عند الحنفية؛ إذ لا يجتمع حد وضمان،
لما أخرجه النسائي عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ قال: «لا يغرم السارق إذا أقيم عليه الحد» لكنه حديث مرسل. وتوسط المالكية فقالوا: إن كان السارق موسرا عند الحد، وجب عليه القطع والغرم، تغليظا عليه، وإن كان معسرا لم يتبع بقيمته، ويجب القطع فقط، ويسقط الغرم، تخفيفا عنه، بسبب عذره بالفاقة والحاجة.
ثم علل حكم حد السرقة، فقال: ﴿جَزاءً بِما كَسَبا، نَكالاً مِنَ اللهِ﴾ أي أن قطع يد السارق والسارقة جزاء لهما بعملهما وكسبهما السيء، نكالا أي إهانة وتحقيرا ومنعا من العودة للسرقة، وعبرة لغيرهما. وهذه العقوبة وإن نفر منها بعض الناس، لكنها العقوبة المناسبة التي هي الأشد تأثيرا ومنعا للسرقة، وتوفيرا لأمن الناس على أموالهم وأنفسهم، ولا يدرك أحد ما للسرقة من مخاطر نفسية وعصبية، وما لها من أثر في إحداث القلق والرعب في النفوس، لا سيما في الليالي الظلماء، إلا من تعرض للسرقة، فهي فضلا عن كونها خسارة ماحقة، تجعل الشخص معدوما يائسا بائسا يحتاج إلى الاقتراض ليؤمن قوته وقوت أسرته، ويتمنى أن يعثر على السارق ليقضي عليه، هي مثيرة للقلق والهلع، فيصبح الحي الذي تعرض لسرقة فأكثر مهددا كله بالأخطار، فلا يكاد ينام إنسان وهو مطمئن، وإذا اقتحم اللص منزلا في الليل أو في النهار، أوقع السكان في الذعر، وربما حدث القتل وإطلاق النار، وفي ذلك ضرر وأذى لا يمكن حصر حدوده أو التنبؤ بنتائجه، فكم من إنسان شاب شعره، وكم من امرأة وطفل فقدا أعصابهما، وكم من مخاوف أقضت مضاجع الناس في بيوتهم، حتى إن القتل لا يكاد في رأيي يعادل السرقة أحيانا؛ لأنه حادث فردي ينتهي أثره
стр. 1875
فورا بالنسبة لغير أسرة القتيل، وهو ينحصر بما يكون من علاقة خاصة بين القاتل والمقتول، أما السرقة فإن تأثيرها جماعي ودائم، تبعد بنحو دائم أصحاب الأموال والمتاجر والمزارع والمصانع من الطمأنينة والثقة، وتهدد ثرواتهم بالضياع والخسارة.
ثم أكد الله تعالى ضرورة حد السارق فقال: ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي غالب في تنفيذ أوامره، يمضيها كيف يشاء، قوي في انتقامه من السّراق، حكيم في صنعه وتشريعه، لا يشرع إلا ما فيه المصلحة والحكمة، ويضع الحدود والعقوبات بما يراه الأنسب والأقطع لدابر الجريمة، واستئصال شأفة المجرمين، وزجر أمثالهم من التفكير في مثل جريمتهم، وكأنه يقول: لا تتساهلوا في شأن السراق واشتدوا في تطبيق حدهم، ففي ذلك الخير كله وعينه، وإن كره الحاقدون وانتقد الجاهلون.
ثم بيّن الله تعالى حكم التائبين الذين ندموا على ما فعلوا وأصلحوا أحوالهم فقال: ﴿فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ.﴾. أي فمن تاب من بعد سرقته، وأناب إلى الله، ورجع عن السرقة، ورد أموال الناس أو بدلها إليهم، وأصلح نفسه وزكاها بأعمال التقوى والبر، وكانت توبته بنية صادقة مع العزم على ترك العود، فإن الله يقبل توبته، فلا يعذبه في الآخرة.
وأما القطع فلا تسقطه التوبة عند جمهور الفقهاء، وتسقطه في رأي الحنابلة، وهو الأولى؛ لأن ذكر الغفور الرحيم يدل على سقوط العقوبة وهي القطع.
وأكد الله تعالى عدالة حد السرقة وأنه جاء على وفق الحكمة والعدل والرحمة فقال: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ.﴾. أي ألم تعلم أيها الرسول وكل مبلّغ حكم الله أن الله هو المالك لجميع من في السموات والأرض، وهو المدبر له، والحاكم فيه الذي
стр. 1876
لا معقب لحكمه، وهو الفعال لما يريد، ولا يفعل إلا ما فيه الحكمة والعدل والرحمة، حتى يتوافر الأمن للفرد والجماعة، وتطمئن النفوس على أموالها، لتنصرف إلى أعمالها وهي آمنة على البيت والأهل وأماكن العمل، ومن حكمته:
أنه وضع العقاب للمحاربين المفسدين في الأرض واللصوص المهددين حرمة المال وحرية الإنسان، وأنه يغفر للتائبين من الفريقين، إذا صدقوا في التوبة وأصلحوا أعمالهم؛ لأن الهدف ليس هو العقاب لذاته، وإنما تحقيق الصلاح ونشر الأمن وإشاعة الطمأنينة، ومن حكمته وعدله أنه يعذب العصاة تربية وزجرا لهم ولأمثالهم وتأمينا لمصالح العباد، ومن رحمته: أنه يرحم التائبين ويسقط عنهم العقاب، وهو القادر على كل شيء من التعذيب والرحمة، والله أرحم بعباده من أنفسهم، وأشد من رحمة الأم بولدها، فهذا العقاب للحرابة والسرقة لمصلحتهم ومصلحة إخوانهم في المجتمع، فليس لأحد أن يتباكى على يد أثيم أو يشفق على يد عضو في المجتمع؛ لأن هذا العضو فاسد ضار يهدم ويخرب وليس فيه أمل بخير إذا لم يصلح حاله.
فقه الحياة أو الأحكام:
العقاب دواء المنحرف الذي لا علاج له بغير التأديب، وليس من العدل ولا من الرحمة والحكمة والمصلحة أن تسود الجريمة في المجتمع، ويعيش الناس في فوضى واضطراب، وقلق واشمئزاز.
وتشريع الإله في كل الخير لمن أراد السعادة لنفسه ولأمته، وليس أدل على فشل التشريعات الجزائية الوضعية من أن الجريمة في بلادها تزداد وتكثر، ويتفنن المجرمون في أنواع الجريمة، لعدم توافر العقاب الزاجر الفعال الذي يستأصل الجريمة أو يقلل من وجودها.
والبلاد التي يطبق فيها التشريع الجنائي الإسلامي مثل واضح بارز في العالم
стр. 1877
لانتشار الأمن والطمأنينة على الأنفس والأموال، ولا يظنن أحد أن هذه البلاد ملأى بالمشوهين ومقطوعي الأيدي والأرجل، وإنما تطبيق الحدود نادر تقريبا، لأنه لا يطبق حد إلا إذا توافرت شروط كثيرة، تتجاوز العشرة، مما أدى إلى تضييق الحد بسبب الشبهة وانتفاء شرط من الشروط أو الضوابط، ولا تقطع أكثر من يد أو يدين في بلاد سكانها نحو عشرة ملايين. ففي السرقة مثلا لا يجب القطع إلا بجمع أوصاف في السارق، وفي الشيء المسروق، وفي الموضع المسروق منه، وفي صفته.
أما ما يعتبر في السارق فخمسة أوصاف: وهي البلوغ والعقل، وأن يكون غير مالك للمسروق منه، وألا يكون له عليه ولاية، فلا قطع بين السيد والعبد بأخذ أحدهما مال الآخر.
والسرقة من السارق توجب القطع عند المالكية، كالسرقة من الغاصب؛ لأنّ حرمة المالك باقية عليه لم تنقطع عنه. وقال الشافعي: لا يقطع؛ لأنه سرق من غير مالك ومن غير حرز.
وأما ما يعتبر في الشيء المسروق فأربعة أوصاف: وهي النصاب كما تقدم بيانه، وأن يكون مما يتموّل ويتملك ويحل بيعه. أما ما لا يتمول ولا يحل بيعه كالخمر والخنزير فلا يقطع أحد بسرقته باتفاق حاشا الحر الصغير عند الإمام مالك وابن القاسم. وقيل: لا قطع بسرقته، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة؛ لأنه ليس بمال. ورد المالكية: هو من أعظم المال؛ ولم يقطع السارق في المال لعينه، وإنما قطع لتعلق النفوس به، وتعلقها بالحر أكثر من تعلقها بالعبد.
وإن كان مما يجوز تملكه ولا يجوز بيعه كالكلب المأذون في اتخاذه ولحوم الضحايا، فقال أشهب: يقطع سارق المأذون في اتخاذه، وكذا سارق لحم
стр. 1878
الأضحية أو جلدها إذا كان قيمة ذلك ثلاثة دراهم، وقال ابن القاسم: لا يقطع سارق الكلب، وهو مذهب المالكية، فلا يقطع من سرق كلبا ولو معلّما أو للحراسة؛
لأنه نهى ﷺ عن بيعه.
وأما آلات الملاهي فيقطع إن كان يبقى منها بعد إفساد صورتها وإذهاب منفعتها المقصودة ربع دينار فأكثر.
وكذلك الحكم في أواني الذهب والفضة التي لا يجوز استعمالها ويؤمر بكسرها، يقوم ما فيها من ذهب أو فضة دون صنعة، وكذلك الصليب من الذهب أو الفضة.
والوصف الثالث: ألا يكون للسارق فيه ملك، كمن سرق ما رهنه أو ما استأجره، ولا شبهة ملك كالذي يسرق من المغنم أو من بيت المال؛ لأن للسارق فيه نصيبا، وتقطع يد السارق من بيت المال في رأي الإمام مالك؛ لعموم لفظ السرقة.
والوصف الرابع: أن يكون مما تصح سرقته كالمال والعبد الصغير؛ لأن ما لا تصح سرقته كالعبد الكبير فلا قطع فيه.
وأما ما يعتبر في المسروق منه: فوصف واحد وهو الحرز لمثل ذلك الشيء المسروق، وجملة القول فيه: أن كل شيء له مكان معروف، فمكانه حرزه، وكل شيء معه حافظ فحافظه حرزه، فالدور والمنازل حرز لما فيها، غاب عنها أهلها أو حضروا، وكذلك بيت المال حرز لجماعة المسلمين، والسارق لا يستحق فيه شيئا، في رأي المالكية.
ومن سرق من المغانم بعد تعين الحقوق بالقسمة فعليه القطع، ومن أخذ منها شيئا قبل القسمة فوق حقه قطع، وإلا لم يقطع.
والقبر والمسجد حرز، فيقطع النباش عند الأكثر، وقال أبو حنيفة:
стр. 1879
لا قطع عليه؛ لأنه سرق من غير حرز مالا معرضا للتلف لا مالك له؛ لأن الميت لا يملك.
وظهور الدواب حرز لما حملت، وأفنية الحوانيت حرز لما وضع فيها في موقف البيع، سواء كان معه أهله، أم سرقت بليل أو نهار. وكذلك موقف الشاة في السوق مربوطة أو غير مربوطة، والدواب على مرابطها والسيارات في الشوارع حرز لها، سواء كان معها أهلها أم لا. والسفينة حرز لما فيها، سواء كانت سائبة أو مربوطة، فإن سرقت السفينة نفسها فهي كالدابة إن كانت سائبة فليست بمحرزة، وإن كانت مربوطة فهي محرزة. وإن كان معها أحد فهي محرزة بالحافظ، كالدابة بباب المسجد أو في السوق ليست محرزة إلا أن يكون معها حافظ. ومن ربطها بفناء المسجد أو اتخذ موضعا مربطا لدوابه، فإنه حرز لها.
ولا خلاف في أن الساكنين في دار واحدة كالفنادق التي يسكن فيها كل رجل بيته على حدة، يقطع من سرق منهم من بيت صاحبه إذا أخذ، وقد خرج بسرقته إلى قاعة الدار، وإن لم يدخل بها بيته، ولا خرج بها من الدار.
ولا يقطع الأبوان بسرقة مال ابنهما،
لقوله ﵊ فيما رواه ابن ماجه عن جابر: «أنت ومالك لأبيك» ويقطع الولد في رأي جمهور المالكية في سرقة مال الأبوين؛ لأنه لا شبهة له فيه. وقال الحنفية وابن وهب وأشهب من المالكية: لا يقطع؛ لأن الابن ينبسط في مال أبيه في العادة. وقال مالك:
لا يقطع الجد؛ لأنه أب.
وقال أبو حنيفة وأبو ثور: لا قطع على أحد من ذوي المحارم مثل العمة والخالة والأخت وغيرهم.
وقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق: يقطع من سرق من هؤلاء.
стр. 1880
وأما سارق المصحف فيقطع إذا كانت قيمته ما تقطع فيه اليد، وهو رأي الشافعي وأبي يوسف وأبي ثور وابن القاسم. وقال أبو حنيفة: لا يقطع من سرق مصحفا.
وأما الطرار (النشال) فقال مالك والأوزاعي والشافعي: يقطع. وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن وإسحاق: إن كانت الدراهم مصرورة في ظاهر كمّه فطرّها فسرقها لم يقطع، وإن كانت مصرورة إلى داخل الكمّ، فأدخل يده فسرقها قطع.
وأما إقامة الحدود في السفر وفي دار الحرب: فقال مالك والليث بن سعد:
تقام الحدود في أرض الحرب، ولا فرق بين دار الحرب والإسلام؛ لعموم القرآن وهو الصحيح.
وقال أبو حنيفة: إذا غزا الجند أرض الحرب، وعليهم أمير، فإنه لا يقيم الحدود في عسكره، إلا أن يكون إمام مصر أو الشام أو العراق أو ما أشبهه، فيقيم الحدود في عسكره،
لحديث جنادة بن أبي أمية عند الترمذي قال: «كنا مع بسر بن أرطاة في البحر، فأتي بسارق يقال له: مصدر قد سرق بختية (١)، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقطع الأيدي في الغزو» ولولا ذلك لقطعته.
واتفق العلماء على أنه إذا اشترك جماعة في سرقة، فحصل لكل واحد منهم نصاب، فيقطع الكل. أما إذا كان المسروق كله نصابا، فلا يقطع أحد في رأي أبي حنيفة والشافعي؛ لأن كل واحد منهم لم يسرق نصابا. وقال المالكية: إن كان لكل واحد قدرة على حمله بانفراده، لا يقطع أحد، وإن احتاجوا في إخراجه إلى تعاون بعضهم، فيقطعون جميعا.
стр. 1881
وقال الحنابلة: يقطعون جميعا، لضرورة حفظ المال.
وإن اشترك اثنان في نقب وتعاونا فيه، قطعا عند المالكية والحنابلة، وإن انفرد أحدهما بالإخراج فالقطع عليه خاصة، وقال أبو حنيفة: إن شارك في النقب ودخل وأخذ قطع وإلا فلا قطع. وقال الشافعي: لا قطع على من نقب ولم يسرق، وأما من سرق من نقب غيره، فإنه سرق من حرز مهتوك الحرمة.
ولو دخل أحدهما فأخرج المتاع إلى باب الحرز، فأدخل الآخر يده فأخذه، فعليه القطع عند الجمهور، ولا قطع عليه عند أبي حنيفة.
وإن أخطأ الحاكم فقطع يد السارق اليسرى بدل اليمنى، لا يزاد عليه، استحسانا، في قول أكثر العلماء.
وإذا وجب حد السرقة فقتل السارق رجلا، فقال مالك يقتل ويدخل القطع فيه. وقال الشافعي: يقطع ويقتل؛ لأنهما حقان لمستحقين، فوجب أن يوفى لكل واحد منهما حقه، وهذا هو الصحيح، كما اختار ابن العربي والقرطبي.
والحكمة في البدء بالسارق قبل السارقة في هذه الآية، وفي الزنى بالزانية قبل الزاني: هو أن حب المال على الرجال أغلب، وشهوة الاستمتاع على النساء أغلب، فبدأ بما تكون الدواعي منه أكثر على ارتكاب الجرم.
والمستفاد من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾:
هو أنه لا قرابة بين الله تعالى وبين أحد توجب المحاباة حتى يقول قائل: نحن أبناء الله وأحباؤه، والحدود تقام على كل من يقارف موجب الحد أي يرتكب الجرم.
وقد سبق مثل هذه الجملة في الرد على مزاعم اليهود والنصارى.
﴿لَمْ يَأْتُوكَ﴾: جملة فعلية في موضع جر صفة لقوم. و ﴿يُحَرِّفُونَ﴾: جملة فعلية حال من ضمير ﴿سَمّاعُونَ﴾. والتقدير: يسمعون مقدّرين للتحريف. ويجوز أن تكون الجملة في موضع رفع؛ لأنه صفة لموصوف محذوف في موضع رفع بالابتداء وتقديره: وفريق يحرفون، وهو عطف على ﴿سَمّاعُونَ﴾ وخبره: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾. ﴿وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ﴾ الواو للحال من التحكيم، والعامل ما في الاستفهام من التعجب ﴿فِيها حُكْمُ اللهِ﴾ ﴿فِيها﴾: إما متعلق بخبر مقدم، وإما ألا يكون له محل، وتكون الجملة مبينة؛ لأن عندهم ما يغنيهم عن التحكيم، وإما أنه حال من التوراة.
البلاغة:
﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ خوطب بلفظ الرسالة للتشريف والتكريم.
﴿يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ آثر ﴿فِي﴾ على كلمة «إلى» للإيماء إلى أنهم مستقرون في الكفر.
﴿سَمّاعُونَ.﴾. صيغة مبالغة، أي مبالغون مكثرون في سماع الكذب.
﴿خِزْيٌ﴾ تنكيره لتفخيم الأمر. وكرر قوله: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ لزيادة التقرير والتأكيد.
﴿فِي الدُّنْيا﴾ .. و ﴿الْآخِرَةِ﴾ بينهما طباق.
﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ﴾ تعجب من تحكيمهم النبي ﷺ وهم لا يؤمنون به ولا بكتابه.
﴿وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ الإشارة بالبعيد لبعد درجتهم في العتو والمكابرة.
المفردات اللغوية:
﴿لا يَحْزُنْكَ﴾ لا يؤلمك فعل هؤلاء ﴿الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ يقعون فيه بسرعة، أي يظهرونه إذا وجدوا فرصة ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ للبيان ﴿بِأَفْواهِهِمْ﴾ قالوا بألسنتهم ﴿وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ وهم المنافقون ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ الذي أقرته أحبارهم، سماع قبول ﴿لِقَوْمٍ﴾ لأجل قوم ﴿آخَرِينَ﴾ من اليهود ﴿لَمْ يَأْتُوكَ﴾ وهم أهل خيبر ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ الذي في التوراة كآية الرجم ﴿مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ التي وضعه الله عليها أي يبدلونه ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هذا﴾ الحكم المحرف أي الجلد أي أفتاكم به محمد فاقبلوه ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ﴾ أفتاكم بخلافه ﴿فِتْنَتَهُ﴾ اختباره وإضلاله.
﴿خِزْيٌ﴾ ذل بالفضيحة والصغار ﴿لِلسُّحْتِ﴾ للكسب الحرام كالرشوة وثمن الكلب والخمر والخنزير، وسمي المال الحرام سحتا؛ لأنه يسحت الطاعات والبركات أي يذهبها ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ هذا التخيير منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ﴾ [المائدة ٤٩/ ٥]
стр. 1884
فيجب الحكم بينهم إذا ترافعوا إلينا مع مسلم، وهو أصح قولي الشافعي، فلو ترافعوا إلينا مع مسلم وجب القضاء بينهم ﴿بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل ﴿الْمُقْسِطِينَ﴾ العادلين في الحكم، أي يثيبهم.
﴿فِيها حُكْمُ اللهِ﴾ بالرجم، والمراد من قوله: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ﴾ استفهام تعجيب أي لم يقصدوا بذلك معرفة الحق، بل ما هو أهون عليهم ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ﴾ يعرضون عن حكمك بالرجم الموافق لكتابهم ﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ التحكيم.
سبب النزول:
نزول الآية ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ .﴾.:
روى أحمد وأبو داود عن ابن عباس قال: أنزلها الله في طائفتين من اليهود، قهرت إحداهما الأخرى في الجاهلية، حتى ارتضوا فاصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة، فديته خمسون وسقا (١)، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة، فديته مائة وسق، فكانوا على ذلك، حتى قدم رسول الله ﷺ ، فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلا، فأرسلت العزيزة أن ابعثوا إلينا بمائة وسق، فقالت الذليلة: وهل كان ذلك في حيين قط؟ دينهما واحد، ونسبتهما واحدة، وبلدهما واحد، دية بعضهم نصف دية بعض، إنا أعطيناكم هذا ضيما منكم لنا وخوفا وفرقا، فأما إذ قدم محمد، فلا نعطيكم فكادت الحرب تهيج بينهما، ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله ﷺ بينهما، فأرسلوا إليه ناسا من المنافقين ليختبروا رأيه، فأنزل الله: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ الآية.
أي
أن الآية نزلت في بني قريظة والنضير، فتحاكموا إلى النبي ﷺ ، فحكم بالتسوية بين القرظي والنضيري.
وقيل:
إنها نزلت في شأن أبي لبابة حين أرسله النبي ﷺ إلى بني قريظة، فخانه، حين أشار إليهم أنه الذّبح (٢).
стр. 1885
وقيل: إنها نزلت في زنى اليهوديين وقصة الرجم؛ قال القرطبي: وهذا أصح الأقوال (١). والقصة ما يأتي:
روى الأئمة: مالك وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي وأبو داود عن البراء بن عازب قال: مرّ النبي ﷺ بيهودي محمّما (٢) مجلودا، فدعاهم فقال: أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم، فدعا رجلا من علمائهم فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: اللهم لا، ولولا أنك أنشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم، فقال النبي ﷺ : اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه، وأمر به فرجم، فأنزل الله: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ﴾.
وأخرج أحمد والشيخان (البخاري ومسلم) عن عمر قال: «إن اليهود أتوا النبي ﷺ برجل منهم وامرأة قد زنيا، فقال: ما تجدون في كتابكم؟ قالوا:
نسخّم وجوههما ويخزيان، قال: كذبتم إن فيها الرجم: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فجاءوا بالتوراة، وجاؤوا بقارئ لهم أعور يقال له ابن صوريا، فقرأ حتى إذا أتى إلى موضع منها وضع يده عليه، فقيل له: ارفع يدك فرفع يده، فإذا هي تلوح (أي آية الرجم) فقالوا: يا محمد، إن فيها الرجم، ولكنا كنا نتكاتمه بيننا، فأمر بهما رسول الله ﷺ ، فرجما، فلقد يجأ عليها (ينحني) يقيها الحجارة بنفسه».
стр. 1886
نزول الآية (٤٢):
﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾: نزلت هذه الآية في اليهود، كان الحاكم منهم إذا أتاه من كان مبطلا في دعواه برشوة، سمع كلامه، وعول عليه، ولا يلتفت لخصمه، فكان يأكل السحت، ويسمع الكذب، وكان الفقراء منهم يأخذون من أغنيائهم مالا ليقيموا على ما هم عليه من اليهودية، ويسمعون منهم الأكاذيب لترويج اليهودية والطعن على الإسلام، فالفقراء كانوا يأكلون السحت الذي يأخذونه منهم، ويسمعون الكذب، فهذا هو المشار إليه بقوله تعالى:
﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ، أَكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾. وقيل: سماعون للكذب الذي كانوا ينسبونه إلى التوراة أكالون للربا، كما قال تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء ١٦١/ ٤].
المناسبة:
لما بيّن الله تعالى بعض التكاليف والشرائع، وأعرض عنها بعض الناس متسارعين إلى الكفر، صبّر الله رسوله على تحمل ذلك، وأمره بأن لا يحزن لأجل ذلك، فقال: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ.﴾ ..
وقد خاطب تعالى نبيه محمدا ﷺ بقوله: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ في مواضع كثيرة، وما خاطبه بقوله: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ إلا في موضعين:
أحدهما-هاهنا، والثاني- ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧/ ٥] وهذا خطاب تشريف وتعظيم.
التفسير والبيان:
نزلت هذه الآيات الكريمات في المسارعين في الكفر، الخارجين عن طاعة الله ورسوله، المقدمين آراءهم وأهواءهم على شرائع الله : وهم المنافقون واليهود.
стр. 1887
فقال: يا أيها الرسول: وهو خطاب تشريف وتعظيم وتعليم للمؤمنين أن يخاطبوه بوصفه، كما قال تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ [النور ٦٣/ ٢٤] فأصبحوا ينادونه بقولهم: «يا رسول الله» بعد أن كانوا ينادونه «يا محمد».
لا يحزنك أي لا تهتم ولا تبال بمسارعة المنافقين في إظهار الكفر، والانحياز إلى جانب الأعداء، كلما سنحت لهم الفرصة، فإني ناصرك عليهم، وكافيك شرهم.
وليس المراد النهي عن الحزن ذاته؛ لأنه أمر طبعي جبلّي لا اختيار للإنسان فيه ولا تكليف به، وإنما المراد النهي عن لوازمه من مقدمات ونتائج من تعظيم شأن الحزن، وتعاطي أسبابه.
ثم بين من هؤلاء، وهم الذين أظهروا الإيمان بألسنتهم، ولم تؤمن قلوبهم، وهم المنافقون، واليهود أعداء الإسلام وأهله الذين يصغون لسماع الكذب من أحبارهم، سواء فيما يتعلق بالنبي ﷺ أو بأحكام دينهم، والكل سماعون لأقوام آخرين من اليهود الذين لا يأتون مجلسك يا محمد، فهم جواسيس ليبلغوهم ما سمعوا منه، ومعنى قوله: ﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ.﴾. أي لأجل قوم.
وأولئك اليهود يحرفون كلام التوراة من بعد أن وضعه الله مواضعه، أي فرض فروضه وأحل حلاله وحرم حرامه، أي يحرفونه إما تحريفا لفظيا بإبدال كلمة بكلمة أو بالزيادة فيه والنقص منه، وإما تحريفا معنويا بحمل اللفظ على غير معناه الحقيقي، وتأويله بمعنى آخر، وتبديله عن إصرار وعلم بالحقائق.
وهم يقولون لمن أرسلوهم إلى الرسول ﷺ ليسألوه عن حكم الزانيين المحصنين: إن أفتاكم بالتسخيم (أو التحميم) والجلد، فاقبلوا منه وارضوا به، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا قبوله ولا ترضوا به.
стр. 1888
والحال أنه من يرد الله اختباره في دينه، فيظهر الاختبار كفره وضلالته، فلن يقدر أحد على دفع ذلك عنه، ولن تملك له أيها الرسول من الله شيئا يمنع ذلك، ولن تستطيع هدايته وإرشاده إلى الحق.
فهؤلاء المنافقون واليهود قد أظهر الاختبار مقدار فسادهم؛ لأنهم يقبلون الكذب، ويحرفون أحكام دينهم، اتباعا لأهوائهم، فلا تحزن عليهم، ولا تطمع بعد هذا بإيمانهم.
أولئك الذين اختبرهم الله هذا الاختبار لم يرد الله بعدئذ تطهير قلوبهم من الكفر والنفاق؛ لأن من دأب على الباطل، وأمعن في السوء والشر، لم يبق فيه أمل للخير، ولم يعد له سبيل للنور ورؤية الحق.
وجزاء الفريقين من اليهود والمنافقين الخزي في الدنيا، والعذاب العظيم الهول الشديد الوقع في الآخرة، أما خزي المنافقين في الدنيا فهو افتضاح أمرهم وظهور كذبهم للنبي وخوفهم من القتل، وأما خزي اليهود فهو أيضا فضيحتهم بظهور كذبهم في كتمان نص كتابهم في إيجاب الرجم على الزناة المحصنين.
ثم كرر تعالى وصفهم للتأكيد وتقرير المعنى، وهو كثرة سماعهم للكذب، وكثرة أكلهم للسحت، أي المال الحرام من أخذ الرشوة، واستباحة أجر البغي (الزانية) وعسب الفحل (أجرة ضرابه) وثمن الخمر والميتة وحلوان الكاهن، والاستئجار في المعاصي، كما روي عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وأبي هريرة ومجاهد. ويرجع أصل ذلك إلى الحرام الخسيس الذي لا يكون فيه بركة، ويعيّر به الإنسان (١).
ثم خيّر الله تعالى رسوله بالحكم بين اليهود والإعراض عن الحكم، فقال فيما معناه: فإن جاؤوك متحاكمين إليك، فأنت بالخيار بين الحكم أو القضاء بينهم،
стр. 1889
والإعراض عنهم وتركهم إلى رؤسائهم وعلمائهم. وهذا التخيير خاص بالمعاهدين الذين لا ذمة لهم دون أهل الذمة، فأهل الذمة يجب الحكم بينهم إذا تحاكموا إلينا؛ لأن من عقد معهم عقد الذمة التزموا أحكام الإسلام في الجرائم والمعاملات، إلا في بيع الخمر والخنزير، فإنهم يقرون عليه، ولا يرجم الزناة المحصنون في رأي أبي حنيفة ومالك؛ لأن الإسلام من شروط الرجم، ويرجمون في رأي الشافعي وأحمد عملا بأمر النبي ﷺ رجم اليهوديين اللذين زنيا، وأن الإسلام ليس شرطا في الإحصان.
وبهذا يوفق بين هذه الآية وآية ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ﴾ (الآية ٤٩ الآتية) وهو رأي الشافعية. وقيل: نسخت الآية الأولى بالثانية، وهو قول ابن عباس والحسن البصري ومجاهد وعكرمة.
وإن تعرض عن الحكم بينهم فلن يلحقك شيء من ضررهم وعداوتهم، فالله حافظك وعاصمك من الناس. والغرض من هذه الجملة بيان حال الأمرين اللذين خير فيهما ﵊، وكانوا لا يتحاكمون إليه إلا لطلب الأسهل والأخف كالجلد بدل الرجم، فإذا أعرض عنهم اغتاظوا وربما حاولوا أذاه، فبين تعالى أنه لا تضره عداوتهم له.
وإن حكمت بينهم، فاحكم بالعدل الذي أمرت به، إن الله يحب العادلين، والعدل شرعة القرآن والإسلام، سواء بين المسلمين، أو مع الأعداء.
وكيف يحكّمونك في قضية مثل الزانيين؟ وعندهم التوراة فيها شريعتهم وحكم الله، ثم يتولون ويعرضون عن حكمك بعد ذلك، وما أولئك بالمؤمنين أبدا، أو المراد أنهم غير مؤمنين بكتابهم كما يدعون.
هذه الآية تعجب من تحكيمهم، لعدولهم عن حكم كتابهم، ورجوعهم إلى حكم من يعتقدونه مبطلا، وإعراضهم عن حكمه بعد تحكيمه.
стр. 1890
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على أن اليهود حكّمت النبي ﷺ ، فحكم عليهم بمقتضى ما في التوراة، واستند في ذلك إلى قول ابن صوريا، وأنه سمع شهادة اليهود وعمل بها، وأن الإسلام ليس شرطا في الإحصان.
فإذا ترافع أهل الذمة إلى الإمام: فإن كان ما رفعوه ظلما كالقتل والعدوان والغصب ونحوها من مسائل الجنايات، حكم بينهم، ومنعهم منه بلا خلاف.
وأما إذا لم يكن كذلك فالإمام مخير في الحكم بينهم وتركه عند مالك والشافعي؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ وهو نص في التخيير. غير أن مالكا رأى أن الإعراض عنهم أولى، فإن حكم حكم بينهم بحكم الإسلام. وقال الشافعي: لا يحكم بينهم في الحدود. وقال أبو حنيفة: يحكم بينهم على كل حال؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ﴾ [المائدة ٤٩/ ٥].
ودلت الآية على أن التحكيم جائز، قال مالك: إذا حكّم رجل رجلا فحكمه ماض، وإن رفع إلى قاض أمضاه، إلا أن يكون جورا. وقال سحنون: يمضيه إن رآه صوابا. قال ابن العربي: وذلك في الأموال والحقوق التي تختص بالطالب، فأما الحدود فلا يحكم فيها إلا السلطان. والضابط أن كل حق اختصم الخصمان به جاز التحكيم فيه، ونفذ تحكيم المحكم به (١).
وقال الشافعي: التحكيم جائز، وهو غير لازم، وإنما هو فتوى؛ لأنه لا يقدم آحاد الناس على الولاة والحكام، ولا يأخذ آحاد الناس الولاية من أيديهم.
وظاهر الآية دل على أن المحكّم ينفذ حكمه فيما حكم فيه، فإن اليهود حكموا رسول الله ﷺ ونفذ حكمه فيهم.
стр. 1891
وعقاب المحرّفين: خزي في الدنيا بفضيحتهم حين أنكروا الرجم، وإذلالهم وعذاب عظيم جدا في الآخرة.
ودلت الآية: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ على كثرة سماع اليهود الكذب وكثرة أكلهم المال الحرام، كالرشوة في الحكم وحلوان الكاهن (أي ما يعطى على الكهانة) ومهر البغي وغير ذلك مما ذكر.
والرشوة حرام في كل شيء، وهي قد تكون في الحكم أو التقاضي، وهي محرمة على الراشي والمرتشي،
قال ﵊: «لعن الله الراشي والمرتشي، والرائش الذي يمشي بينهما» (١) لأن الحاكم حينئذ إن حكم له بما هو حقه، كان فاسقا؛ لقبوله الرشوة على أن يحكم له بما يريده، وإن حكم بالباطل، كان فاسقا؛ لأخذه الرشوة وحكمه بالباطل.
وقد تكون الرشوة في غير الحكم أو القضاء، مثل أن يرشو الحاكم ليدفع ظلمه عنه، فهذه الرشوة محرمة على آخذها، غير محرمة على معطيها، كما قال الحسن:
«لا بأس أن يدفع الرجل من ماله ما يصون به عرضه». وحينما كان ابن مسعود بالحبشة رشا دينارين وقال: «إنما الإثم على القابض، دون الدافع».
وأرشدت الآية: ﴿فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ..﴾. إلى التخيير في الحكم بين المعاهدين أهل الموادعة، لا أهل الذمة، فإن النبي ﷺ لما قدم المدينة وادع اليهود، ولا يجب علينا الحكم بين الكفار إذا لم يكونوا أهل ذمة، بل يجوز الحكم إن أردنا. فأما أهل الذمة فهل يجب علينا الحكم بينهم إذا ترافعوا إلينا؟.
قال المهدوي: أجمع العلماء على أن على الحاكم أن يحكم بين المسلم والذمي، واختلفوا في الذميين.
стр. 1892
والنبي ﷺ حكم بينهم بشريعة موسى ﵇، ولكن كان ذلك قبل أن تنزل عليه الحدود. أما الآن وقد أكمل الله الدين وتقررت الشريعة، فلا يجوز لأي محكّم أن يحكم بغير الأحكام الإسلامية.
ويلاحظ أن أقوال الكفار في الحدود وفي شهادتهم عليها غير مقبولة بالإجماع، لكن فعل النبي ﷺ ذلك على طريق إلزامهم ما التزموه وعملوا به.
والجمهور على رد شهادة الذمي؛ لأنه ليس من أهلها، فلا تقبل على مسلم ولا كافر، وقد قبل شهادتهم جماعة من التابعين وغيرهم إذا لم يوجد مسلم.
فإن قيل: فقد حكم ﵊ بشهادتهم ورجم الزانيين، فالجواب: أنه إنما نفذ عليهم ما علم أنه حكم التوراة وألزمهم العمل به، على نحو ما عملت به بنو إسرائيل، إلزاما للحجة عليهم، وإظهارا لتحريفهم وتغييرهم، فكان منفذا لا حاكما.
وأوضحت الآية مثلما ذكر في آيات أخرى أن بعض اليهود لا كلهم يحرفون كلام التوراة على غير حقيقته، أي يتأولونه على غير تأويله، بعد أن فهموه وعرفوا مواضعه التي أرادها الله ، وبيّن أحكامه، مثل جعلهم بدل رجم المحصن جلد أربعين، تغييرا لحكم الله .
ودلت آية: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ﴾ أي ضلالته في الدنيا وعقوبته في الآخرة، على أن الضلال بمشيئة الله تعالى، وأن الله تعالى غير مريد إسلام الكافر، وأنه لم يطهر قلبه من الشك والشرك، ولو فعل ذلك لآمن، وأنه لم يرد الله أن يطهر قلوبهم من الطبع عليها والختم، كما طهرت قلوب المؤمنين ثوابا لهم (١).
стр. 1893
فذهب مالك والشافعي وغيرهما إلى أن الآية محكمة وثابتة في سائر الأحكام غير منسوخة، وأن الحاكم مخير، وهي مخصوصة في المعاهدين الذين لهم مع المسلمين عهد إلى مدة، فليس بواجب على الحاكم أن يحكم بينهم بل يتخير في ذلك. أما أهل الذمة فيجب على حاكم المسلمين أن يحكم بينهم إذا تحاكموا إليه، لكن في رأي مالك وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن لا يحد الذميون حد الزنى. ورأى الشافعي وأبو يوسف: أنهم يحدون إن أتوا راضين بحكمنا.
وذهب أبو حنيفة والنخعي وعمر بن عبد العزيز إلى أن التخيير المذكور في الآية منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ﴾ وأن على الحاكم أن يحكم بين أهل الذمة. وهو رأي ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة. قال مجاهد:
لم ينسخ من المائدة إلا آيتان: قوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ نسختها: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ﴾؛ وقوله: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ﴾ [المائدة ٢/ ٥] نسختها: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة ٥/ ٩].
قال الرازي: احتج جماعة من الحنفية بهذه الآية: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ﴾ على أن حكم التوراة وشرائع من قبلنا لازم علينا، ما لم ينسخ، وهو ضعيف، ولو كان كذلك لكان حكم التوراة كحكم القرآن في وجوب طلب الحكم منه، لكن الشرع نهى عن النظر فيها، بل المراد هذا الأمر الخاص وهو الرجم؛ لأنهم طلبوا الرخصة بالتحكيم (١).
﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ منصوب بالعطف على اسم ﴿أَنَّ﴾ وهو النفس. وقرئ بالرفع على أنه مبتدأ وخبره ﴿بِالْعَيْنِ﴾ أو معطوف على الضمير المرفوع في قوله: ﴿بِالنَّفْسِ﴾ أي النفس مقتولة بالنفس.
﴿وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ منصوب عطفا على المنصوب بأن، كأنه قال: وأن الجروح قصاص.
وقرئ بالرفع على أنه مبتدأ وخبره ﴿قِصاصٌ﴾. ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ﴾ الضمير راجع إلى القصاص ﴿فَهُوَ﴾ أي التصدق.
﴿مُصَدِّقاً﴾ الأول حال من عيسى، ﴿وَمُصَدِّقاً﴾ الثاني حال من ﴿الْإِنْجِيلَ﴾.
﴿فِيهِ هُدىً وَنُورٌ﴾ رفع بالظرف؛ لأنه وقع حالا، فارتفع ما بعده ارتفاع الفاعل بفعله.
﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ اللام لام الأمر، ويجزم بها الفعل. ومن قرأ بكسر اللام وفتح الميم فاللام فيه لام كي، والفعل بعدها منصوب بتقدير (أن).
البلاغة:
﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ﴾ خطاب لعلماء اليهود بطريق الالتفات عن الغيبة: (فلا يخشوا) إلى الخطاب.
المفردات اللغوية:
﴿التَّوْراةِ﴾ الكتاب الذي أنزل على موسى ﴿فِيها هُدىً﴾ من الضلالة ببيان الأحكام والتكاليف ﴿وَنُورٌ﴾ بيان لأصول توحيد الله وأمور النبوة والمعاد ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ من بني إسرائيل. ﴿الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ انقادوا لله ﴿لِلَّذِينَ هادُوا﴾ اليهود ﴿الرَّبّانِيُّونَ﴾ هم العلماء الحكماء البصراء بأمور الناس والحياة، المنسوبون إلى الرب وهو الخالق المدبر لأمر الملك، الذي يربي الناس بالعلم. ﴿وَالْأَحْبارُ﴾ الفقهاء المتقون الصالحون، جمع حبر: وهو العالم بتحبير الكلام وتحسينه ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾ بما طلب إليهم حفظه من كتاب الله أن يبدلوه ﴿شُهَداءَ﴾ رقباء وحفاظ وشاهدون أنه حق.
﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ﴾ أيها اليهود في إظهار ما عندكم من نعت محمد ﷺ والرجم وغيرهما ﴿وَاخْشَوْنِ﴾ في كتمانه ﴿وَلا تَشْتَرُوا﴾ تستبدلوا ﴿بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾ من الدنيا تأخذونه على كتمانها ﴿وَكَتَبْنا﴾ فرضنا ﴿عَلَيْهِمْ فِيها﴾ في التوراة وهو القصاص، وهذا الحكم وإن كتب عليهم فهو مقرر في شرعنا ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ﴾ أي بالقصاص، بأن مكن من نفسه ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ