وعقاب المحرّفين: خزي في الدنيا بفضيحتهم حين أنكروا الرجم، وإذلالهم وعذاب عظيم جدا في الآخرة.
ودلت الآية: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ على كثرة سماع اليهود الكذب وكثرة أكلهم المال الحرام، كالرشوة في الحكم وحلوان الكاهن (أي ما يعطى على الكهانة) ومهر البغي وغير ذلك مما ذكر.
والرشوة حرام في كل شيء، وهي قد تكون في الحكم أو التقاضي، وهي محرمة على الراشي والمرتشي،
قال ﵊: «لعن الله الراشي والمرتشي، والرائش الذي يمشي بينهما» (١) لأن الحاكم حينئذ إن حكم له بما هو حقه، كان فاسقا؛ لقبوله الرشوة على أن يحكم له بما يريده، وإن حكم بالباطل، كان فاسقا؛ لأخذه الرشوة وحكمه بالباطل.
وقد تكون الرشوة في غير الحكم أو القضاء، مثل أن يرشو الحاكم ليدفع ظلمه عنه، فهذه الرشوة محرمة على آخذها، غير محرمة على معطيها، كما قال الحسن:
«لا بأس أن يدفع الرجل من ماله ما يصون به عرضه». وحينما كان ابن مسعود بالحبشة رشا دينارين وقال: «إنما الإثم على القابض، دون الدافع».
وأرشدت الآية: ﴿فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ..﴾. إلى التخيير في الحكم بين المعاهدين أهل الموادعة، لا أهل الذمة، فإن النبي ﷺ لما قدم المدينة وادع اليهود، ولا يجب علينا الحكم بين الكفار إذا لم يكونوا أهل ذمة، بل يجوز الحكم إن أردنا. فأما أهل الذمة فهل يجب علينا الحكم بينهم إذا ترافعوا إلينا؟.
قال المهدوي: أجمع العلماء على أن على الحاكم أن يحكم بين المسلم والذمي، واختلفوا في الذميين.
стр. 1892
والنبي ﷺ حكم بينهم بشريعة موسى ﵇، ولكن كان ذلك قبل أن تنزل عليه الحدود. أما الآن وقد أكمل الله الدين وتقررت الشريعة، فلا يجوز لأي محكّم أن يحكم بغير الأحكام الإسلامية.
ويلاحظ أن أقوال الكفار في الحدود وفي شهادتهم عليها غير مقبولة بالإجماع، لكن فعل النبي ﷺ ذلك على طريق إلزامهم ما التزموه وعملوا به.
والجمهور على رد شهادة الذمي؛ لأنه ليس من أهلها، فلا تقبل على مسلم ولا كافر، وقد قبل شهادتهم جماعة من التابعين وغيرهم إذا لم يوجد مسلم.
فإن قيل: فقد حكم ﵊ بشهادتهم ورجم الزانيين، فالجواب: أنه إنما نفذ عليهم ما علم أنه حكم التوراة وألزمهم العمل به، على نحو ما عملت به بنو إسرائيل، إلزاما للحجة عليهم، وإظهارا لتحريفهم وتغييرهم، فكان منفذا لا حاكما.
وأوضحت الآية مثلما ذكر في آيات أخرى أن بعض اليهود لا كلهم يحرفون كلام التوراة على غير حقيقته، أي يتأولونه على غير تأويله، بعد أن فهموه وعرفوا مواضعه التي أرادها الله ، وبيّن أحكامه، مثل جعلهم بدل رجم المحصن جلد أربعين، تغييرا لحكم الله .
ودلت آية: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ﴾ أي ضلالته في الدنيا وعقوبته في الآخرة، على أن الضلال بمشيئة الله تعالى، وأن الله تعالى غير مريد إسلام الكافر، وأنه لم يطهر قلبه من الشك والشرك، ولو فعل ذلك لآمن، وأنه لم يرد الله أن يطهر قلوبهم من الطبع عليها والختم، كما طهرت قلوب المؤمنين ثوابا لهم (١).
стр. 1893
فذهب مالك والشافعي وغيرهما إلى أن الآية محكمة وثابتة في سائر الأحكام غير منسوخة، وأن الحاكم مخير، وهي مخصوصة في المعاهدين الذين لهم مع المسلمين عهد إلى مدة، فليس بواجب على الحاكم أن يحكم بينهم بل يتخير في ذلك. أما أهل الذمة فيجب على حاكم المسلمين أن يحكم بينهم إذا تحاكموا إليه، لكن في رأي مالك وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن لا يحد الذميون حد الزنى. ورأى الشافعي وأبو يوسف: أنهم يحدون إن أتوا راضين بحكمنا.
وذهب أبو حنيفة والنخعي وعمر بن عبد العزيز إلى أن التخيير المذكور في الآية منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ﴾ وأن على الحاكم أن يحكم بين أهل الذمة. وهو رأي ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة. قال مجاهد:
لم ينسخ من المائدة إلا آيتان: قوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ نسختها: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ﴾؛ وقوله: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ﴾ [المائدة ٢/ ٥] نسختها: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة ٥/ ٩].
قال الرازي: احتج جماعة من الحنفية بهذه الآية: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ﴾ على أن حكم التوراة وشرائع من قبلنا لازم علينا، ما لم ينسخ، وهو ضعيف، ولو كان كذلك لكان حكم التوراة كحكم القرآن في وجوب طلب الحكم منه، لكن الشرع نهى عن النظر فيها، بل المراد هذا الأمر الخاص وهو الرجم؛ لأنهم طلبوا الرخصة بالتحكيم (١).
﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ منصوب بالعطف على اسم ﴿أَنَّ﴾ وهو النفس. وقرئ بالرفع على أنه مبتدأ وخبره ﴿بِالْعَيْنِ﴾ أو معطوف على الضمير المرفوع في قوله: ﴿بِالنَّفْسِ﴾ أي النفس مقتولة بالنفس.
﴿وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ منصوب عطفا على المنصوب بأن، كأنه قال: وأن الجروح قصاص.
وقرئ بالرفع على أنه مبتدأ وخبره ﴿قِصاصٌ﴾. ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ﴾ الضمير راجع إلى القصاص ﴿فَهُوَ﴾ أي التصدق.
﴿مُصَدِّقاً﴾ الأول حال من عيسى، ﴿وَمُصَدِّقاً﴾ الثاني حال من ﴿الْإِنْجِيلَ﴾.
﴿فِيهِ هُدىً وَنُورٌ﴾ رفع بالظرف؛ لأنه وقع حالا، فارتفع ما بعده ارتفاع الفاعل بفعله.
﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ اللام لام الأمر، ويجزم بها الفعل. ومن قرأ بكسر اللام وفتح الميم فاللام فيه لام كي، والفعل بعدها منصوب بتقدير (أن).
البلاغة:
﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ﴾ خطاب لعلماء اليهود بطريق الالتفات عن الغيبة: (فلا يخشوا) إلى الخطاب.
المفردات اللغوية:
﴿التَّوْراةِ﴾ الكتاب الذي أنزل على موسى ﴿فِيها هُدىً﴾ من الضلالة ببيان الأحكام والتكاليف ﴿وَنُورٌ﴾ بيان لأصول توحيد الله وأمور النبوة والمعاد ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ من بني إسرائيل. ﴿الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ انقادوا لله ﴿لِلَّذِينَ هادُوا﴾ اليهود ﴿الرَّبّانِيُّونَ﴾ هم العلماء الحكماء البصراء بأمور الناس والحياة، المنسوبون إلى الرب وهو الخالق المدبر لأمر الملك، الذي يربي الناس بالعلم. ﴿وَالْأَحْبارُ﴾ الفقهاء المتقون الصالحون، جمع حبر: وهو العالم بتحبير الكلام وتحسينه ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾ بما طلب إليهم حفظه من كتاب الله أن يبدلوه ﴿شُهَداءَ﴾ رقباء وحفاظ وشاهدون أنه حق.
﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ﴾ أيها اليهود في إظهار ما عندكم من نعت محمد ﷺ والرجم وغيرهما ﴿وَاخْشَوْنِ﴾ في كتمانه ﴿وَلا تَشْتَرُوا﴾ تستبدلوا ﴿بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾ من الدنيا تأخذونه على كتمانها ﴿وَكَتَبْنا﴾ فرضنا ﴿عَلَيْهِمْ فِيها﴾ في التوراة وهو القصاص، وهذا الحكم وإن كتب عليهم فهو مقرر في شرعنا ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ﴾ أي بالقصاص، بأن مكن من نفسه ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ
стр. 1896
هُمُ الْكافِرُونَ﴾ به، وهو القصاص وغيره ﴿الظّالِمُونَ﴾ المبالغون في الظلم والجور لمخالفة شرع الله ﴿الْفاسِقُونَ﴾ الخارجون من الإيمان وطاعة الله، المتجاوزون أحكام الدين.
﴿وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ﴾ جعلنا عيسى يقفو أثرهم ويتبعهم، كما قال: ﴿وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ [البقرة ٨٧/ ٢].
سبب النزول:
نزلت آية: ﴿إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ﴾ في اليهود الذين بدلوا حكم التوراة في الرجم، فجعلوا مكانه كما تقدم الجلد والتسخيم.
روى مسلم عن البراء بن عازب عن النبي ﷺ أنه رجم يهوديا ويهودية، ثم قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ قال: نزلت كلها في الكفار (١).
المناسبة:
بعد أن ندد تعالى باليهود الذين أعرضوا عن حكم التوراة بالرجم، وطلبهم الحكم الأخف والأسهل من النبي ﷺ ، ذكر ما تضمنته التوراة من هداية بني إسرائيل وبيان أحكام الدين. ففي هذه الآية نبّه الله اليهود الذين أنكروا ما تضمن كتابهم من رجم الزاني والقصاص من القاتل المعتدي، ووبخهم على مخالفة الأحبار المتقدمين والأنبياء المبعوثين إليهم.
التفسير والبيان:
إنا أنزلنا التوراة على موسى الكليم، مشتملة على الهدى: بيان الأحكام والتكاليف، والنور: أصول الاعتقاد من توحيد الله وأمور النبوة والآخرة،
стр. 1897
أنزلناها شرعا وقانونا يحكم بها النبيون الذين أسلموا وجوههم لله مخلصين له الدين، الذين بعثهم الله بعد موسى في بني إسرائيل حتى عيسى ﵈.
قال ابن الأنباري: الذين أسلموا: صفة للنبيين على معنى المدح، لا على معنى الصفة التي تميز الموصوف عن غيره؛ لأنه لا يحتمل أن يكون ﴿النَّبِيُّونَ﴾ غير مسلمين. وهذا رد على اليهود والنصارى وتقرير أن الأنبياء ما كانوا موصوفين باليهودية ولا بالنصرانية كما زعموا، بل كانوا مسلمين لله منقادين لأحكامه.
للذين هادوا: أي يحكم النبيون بالتوراة لأجل اليهود وفيما بينهم، فهي شريعة خاصة بهم لا عامة، وكان داود وسليمان وعيسى يحكمون بها.
ويحكم بها الربانيون والأحبار وهم الصالحون من ولد هارون، والمقصود بالأولين: العلماء الحكماء البصراء بسياسة الناس وتدبير أمورهم ومصالحهم، والأحبار: هم العلماء المتقون الصالحون (١)، يحكمون بالتوراة في الأزمنة التي لم يكن فيها أنبياء، أو مع وجودهم بإذنهم، بسبب ما استحفظوا من كتاب الله، أي بسبب ما استودعوا من علمه، وقد أخذ الله العهد على العلماء حفظ كتابه من جهتين: أن يحفظوه في صدورهم ويدرسوه بألسنتهم، وألا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه.
قال الطبري: والربانيون: جمع ربّاني وهم العلماء الحكماء البصراء بسياسة الناس وتدبير أمورهم والقيام بمصالحهم. والأحبار: هم العلماء جمع حبر: وهو العالم المحكم للشيء (٢).
﴿وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ﴾ أي وكان العلماء الصالحون على كتاب الله شهودا
стр. 1898
ورقباء يحمونه من التغيير والتحريف، وشاهدون أنه الحق من ربهم، مثل عبد الله بن سلام الذي شهد بحكم الرجم في التوراة، وكتمان صفة النبي ﷺ والبشارة به.
ثم خاطب الله رؤساء اليهود المعاصرين لزمن الوحي القرآني الذين كتموا وبدلوا، بعد أن أقام عليهم شهودا من أنفسهم فقال: ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ أي وإذا الحال كما ذكر، فلا تخافوا الناس أيها الأحبار المعاصرون، فتكتموا الحق، من صفة النبي والبشارة به، طمعا في نفع دنيوي عاجل، وخافوا الله فلا تحرفوا كتابي، خوفا من الناس والرؤساء، فتسقطوا عنهم الحدود الواجبة عليهم. ولما كان الخوف أشد تأثيرا من الطمع قدم الله ذكره فقال:
﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ﴾.
ثم ذكر أمر الطمع والرغبة في النفع، فقال: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾ أي ولا تستبدلوا بآياتي وأحكامي منفعة عاجلة حقيرة تأخذونها من الناس من رشوة أو طمع في مال أو جاه أو رياسة كاذبة أو رضا الآخرين، فمتاع الدنيا قليل، والرشوة التي تأخذونها سحت حرام لا بقاء لها، فلا تضيعوا بها الدين والثواب الدائم، إذ كيف تأخذون القليل الزائل بالكثير الدائم؟! وكل من لم يحكم بغير ما أنزل الله، مثل جعل الجلد والتحميم بدلا من الرجم، وكتمان صفة النبي ﷺ وتأويلها على غيره، وقضائهم في بعض القتلى بدية كاملة وفي بعضهم بنصف دية، وتركهم القصاص، فأولئك هم الكافرون الذين ستروا الحق، الظالمون الجائرون، الفاسقون الخارجون عن حدود الله، تلك أوصافهم، وصفهم بالعتو في كفرهم حين ظلموا آيات الله بالاستهانة، وتمردوا بأن حكموا بغيرها، عن ابن عباس ﵄ أن الكافرين والظالمين والفاسقين أهل الكتاب. فهذا وعيد شديد المقصود منه تهديد اليهود الذين
стр. 1899
حرفوا التوراة في الزاني المحصن والاقتصاص من القاتل المعتدي، فأصبحوا كافرين غير مؤمنين لا بموسى والتوراة ولا بمحمد والقرآن.
أخرج ابن جرير الطبري عن أبي صالح قال: الثلاث الآيات التي في المائدة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ.﴾. إلخ ليس في أهل الإسلام منها شيء، هي في الكفار (١). قال الرازي: وهذا ضعيف؛ لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ثم نقل عن عكرمة: قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ﴾ إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه، أما من عرف بقلبه كونه حكم الله وأقر بلسانه كونه حكم الله، إلا أنه أتى بما يضاده، فهو حاكم بما أنزل الله تعالى، ولكنه تارك له، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية. ثم قال الرازي: وهذا هو الجواب الصحيح، والله أعلم (٢).
والخلاصة: أن التكفير هو لمن استحل الحكم بغير ما أنزل الله، وأنكر بالقلب حكم الله، وجحد باللسان، فهذا هو الكافر. أما من لم يحكم بما أنزل الله، وهو مخطئ ومذنب، فهو مقصر فاسق، مؤاخذ على رضاه الحكم بغير ما أنزل الله.
ولما جعل اليهود دية النضيري أكثر من دية القرظي، ومنعوا أن يقتل به أي يقتص منه، مخالفين حكم التوراة وحكم رسول الله ﷺ حين سألوه، نزلت هذه الآية لبيان تشريع القصاص: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها.﴾ ..
أي فرضنا في التوراة التماثل والمساواة في القصاص، فتقتل النفس بالنفس، وتفقأ العين بالعين، ويجدع الأنف بالأنف، وتقطع الأذن بالأذن، ويقلع السن بالسن، ويجري القصاص في الجروح، أي يعتبر فيها المساواة بقدر الاستطاعة.
فالآية تدل على جريان القصاص في كل ما ذكر، وقد أخذ أبو حنيفة: أن
стр. 1900
المسلم يقتل بالذمي. وقال الجمهور: لا يقتل المسلم بالذمي، لأن الآية شرع من قبلنا، وهو ليس شرعا لنا في رأي الشافعية،
ولقوله ﷺ فيما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو: «لا يقتل مسلم بكافر». والمراد من قوله: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ استيفاء ما يماثل فعل الجاني منه، دون تعد عليه، فتؤخذ العين اليمنى باليمنى عند وجودها، ولا تؤخذ اليسرى باليمنى، وإن رضي المقتص منه. وذلك حال التعمد، أما في حال الخطأ ففي العين الواحدة نصف الدية، وفي العينين دية كاملة.
وإذا فقأ الأعور عين الصحيح، فعليه القصاص عند أبي حنيفة والشافعي؛ أخذا بعموم قوله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ قال ابن العربي: والأخذ بعموم القرآن أولى، فإنه أسلم عند الله تعالى. وقال مالك: إن شاء اقتص، وإن شاء أخذ الدية كاملة (دية عين الأعور) لأن الأدلة لما تعارضت خير المجني عليه.
وقال أحمد: لا قود عليه وعليه الدية كاملة؛ لأن في القصاص من الأعور أخذ جميع البصر ببعضه، وذلك ليس بمساواة.
وكذلك يقتص من الأنف والأذن والسن إذا كانت الجناية عمدا، كالقصاص من سائر الأعضاء. أما اللسان: فقال أكثر أهل العلم: فيه من الدية بقدر ما ذهب من كلامه من ثمانية وعشرين حرفا، وإن ذهب الكلام كله ففيه الدية.
ولسان الأخرس فيه حكومة عدل.
وأما الجروح فكل ما تمكن المساواة فيه من الأطراف كالقدمين واليدين، ومن الجراحات المضبوطة كالموضحة مثلا: وهي التي توضح العظم أي تكشفه، فإن لم يمكن القصاص كرض في لحم أو كسر في عظم كعظم الصدر ففيه حكومة عدل أي تعويض يقدره القاضي. بمعرفة الخبراء.
стр. 1901
هذا كله في حال التعدي والعمد، أما في حال الخطأ فتجب الدية أو بعضها أو التعويض المقدر قضاء.
ثم أشار الله تعالى إلى العامل الإنساني وهو العفو والصفح والتسامح، فقال:
﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ﴾ أي تصدق بحقه في القصاص وعفا عن الجاني، فالتصدق كفارة له، يكفر الله بها ذنوبه ويعفو عنه: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البقرة ٢٣٧/ ٢]. و
روى الطبراني عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من تصدق بشيء من جسده أعطي بقدر ما تصدق» وهو حديث حسن.
ومن أعرض عما أنزل الله من القصاص القائم على العدل والمساواة بين الأشخاص، فهو من الظالمين الجائرين الذين يظلمون أنفسهم وغيرهم، ويتعدون حدود الله، ويضعون الشيء في غير موضعه.
وهنا تساؤل: أي فائدة في ذكر الظلم بعد الكفر، والكفر أعظم من الظلم، والظلم أخف منه؟ والجواب: أن الكفر تقصير في حق الخالق سبحانه، والظلم تقصير في حق النفس (١).
ثم بين تعالى أن التوراة شريعة أنبياء بني إسرائيل، فقال: وأتبعنا على آثار أنبياء بني إسرائيل بعيسى ابن مريم، فهو آخر نبي لليهود، مصدقا للتوراة التي تقدمته قولا وعملا أي مقرا بأنه كتاب من عند الله وأنه كان حقا واجب العمل به، يعمل بها فيما لم يغاير الإنجيل، قال عيسى ﵇: «ما جئت لأنقض الناموس (شريعة التوراة) ولكن لأكمل أو لأتمم» أي لأزيد عليها بعض الأحكام والمواعظ.
стр. 1902
لذا قال تعالى آمرا النصارى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ﴾ [المائدة ٤٧/ ٥] وقال هنا: ﴿وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ﴾ أي وأعطيناه الإنجيل فيه الهداية للأحكام العملية والضياء لأصول العقيدة، كالتوحيد ونبذ الشرك والوثنية، والإنجيل كالقرآن مصدق للتوراة، والله جعل الإنجيل هاديا وواعظا المتقين، لأنهم الذين ينتفعون به.
ويلاحظ أن تكرار جملة ﴿وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لمعنيين مختلفين، الأول: أن المسيح يصدق التوراة، والثاني: أن الإنجيل يصدق التوراة.
وأما تكرار كلمة ﴿هُدىً﴾ فالمراد بها أولا: بيان الأحكام والشرائع والتكاليف، والنور: بيان التوحيد والنبوة والمعاد، وأما المقصود بها ثانيا: فهو أن الإنجيل يدل دلالة ظاهرة على نبوة محمد ﷺ ، فهو سبب لاهتداء الناس إلى رسالة الإسلام؛ لاشتماله على البشارة بمجيء محمد ﷺ النبي الأخير «البارقليط» الأعظم.
وأما كون الإنجيل مختصا بعظة المتقين فلاشتماله على النصائح والمواعظ والزواجر البليغة المتأكدة، وإنما خصها بالمتقين؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بها، كما في قوله تعالى عن القرآن ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١) [٢ لبقرة ٢/ ٢].
وبعد بيان خصائص الإنجيل أمر تعالى بالعمل به فقال: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ﴾ أي وقلنا: ليعمل النصارى بالأحكام التي أنزلها الله فيه، كما قال تعالى في أهل التوراة: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها﴾. والمقصود من الأمر بالحكم بما في الإنجيل بعد نزول القرآن: هو زجرهم عن تحريف ما في الإنجيل وتغييره، مثلما فعل اليهود بإخفاء أحكام التوراة.
стр. 1903
ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون أي المتمردون الخارجون عن حكم الله وشرعه.
وأوصاف الكافرون، الظالمون، الفاسقون هل هي واحدة أو متعددة؟ جعل بعضهم هذه الثلاثة صفات لموصوف واحد، وخصصها ابن عباس في أهل الكتاب (اليهود والنصارى). والأولى أن يقال: من جحد حكم الله وأنكره فهو الكافر، ومن لم يحكم به وهو مقر تارك فهو الظالم الفاسق.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - التوراة الأصلية فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون (أنبياء بني إسرائيل) والربانيون والأحبار، والربانيون: العلماء الذين يسوسون الناس بالعلم ويربونهم. والأحبار: العلماء المتقنون الذين يحكمون الشيء فهما ودراية، ويبينونه للناس بيانا حسنا.
٢ - الإنجيل الأصلي فيه هدى ونور ومصدق للتوراة وهدى وموعظة للمتقين.
٣ - القصد من الإشارة بالتوراة والإنجيل هو زجر اليهود والنصارى عن التحريف والتبديل، والتحذير من التفريط بالأحكام المقررة فيهما، وبيان التقائهما مع القرآن في الأصول والأحكام الأساسية، مما يوجب الإيمان بالقرآن وبالنبي محمد ﷺ وبرسالته التي ختمت بها الرسالات السماوية.
٤ - تشريع القصاص كما هو ثابت في شريعة موسى ثابت مقرر في شريعة محمد ﷺ ، قال أبو حنيفة والشافعية: إذا جرح أو قطع الأذن أو اليد ثم قتل، فعل به ذلك؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ
стр. 1904
وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ فيؤخذ منه ما أخذ، ويفعل به كما فعل. وقال المالكية: إن قصد به المثلة فعل به مثله، وإن كان ذلك في أثناء مضاربته ومدافعته، قتل بالسيف.
٥ - احتج الجمهور غير الشافعية بآية: ﴿إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ﴾ على أن شرع من قبلنا شرع لازم لنا إلا إذا قام الدليل على صيرورته منسوخا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فِيها هُدىً وَنُورٌ﴾ والمراد بيان أصول الشرع وفروعه، ولو كان كتاب التوراة منسوخا غير معتبر الحكم بالكلية، لما كان فيه هدى ونور.
٦ - استدل الخوارج بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾ على قولهم: كل من عصى الله فهو كافر، فقالوا: إنها نص في أن كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر، وكل من أذنب فقد حكم بغير ما أنزل الله.
ورد جمهور أهل السنة بأن هذه الآية إنما تتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه، أما من عرف بقلبه وأقر بلسانه كونه حكم الله، إلا أنه أتى بما يضاده فهو حاكم بما أنزل الله تعالى، ولكنه تارك له.
٧ - في قوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ﴾ ترغيب في العفو والصفح والتسامح؛ لما فيه من كظم الغيظ، والحفاظ على النفس الإنسانية قدر الإمكان،
وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا كما أخبر النبي ﷺ فيما رواه أحمد ومسلم والترمذي عن أبي هريرة.
٨ - من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق. واختار ابن جرير الطبري أن الآية المراد بها أهل الكتاب، أو من جحد حكم الله المنزل في الكتاب (١).
стр. 1905
الحكم بشريعة القرآن
﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاِحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾
الإعراب:
﴿مُصَدِّقاً﴾ و ﴿مُهَيْمِناً﴾ منصوبان على الحال من ﴿الْكِتابَ﴾.
﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ﴾ معطوف على قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ﴾ وتقديره: أنزلنا إليك بالحق وبأن احكم بينهم.
﴿أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ في موضع نصب على البدل من الهاء والميم في ﴿وَاحْذَرْهُمْ﴾ وتقديره:
واحذر أن يفتنوك، وهذا بدل الاشتمال. ويجوز أن يكون مفعولا لأجله.
﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ﴾ عطف على قوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾. وإنما كسر ﴿أَنِ﴾ لدخول اللام في الخبر، كقوله تعالى: ﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا:﴾
﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ، وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ، وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المنافقون ١/ ٦٣] فكسر ﴿أَنِ﴾ في هذه المواضع لدخول اللام في الخبر؛ لأنها في تقدير التقديم، فعلقت الفعل عن العمل.
стр. 1906
البلاغة:
﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ﴾ أي بادروا فعل الخيرات، وفيه استعارة حيث شبههم بالمتسابقين على ظهور الخيل؛ لأن كل واحد ينافس صاحبه في السبق لبلوغ الغاية المقصودة. ﴿أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ﴾ استفهام إنكاري.
المفردات اللغوية:
﴿وَمُهَيْمِناً﴾ رقيبا وحافظا لما تقدمه من سائر الكتب وشاهدا عليها وشاهدا لها بالصحة والثبات ﴿مِنَ الْكِتابِ﴾ بمعنى الكتب ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ بين أهل الكتاب إذا ترافعوا إليك ﴿عَمّا جاءَكَ﴾ حائدا عما جاءك ﴿مِنْكُمْ﴾ أيها الأمم ﴿شِرْعَةً﴾ شريعة وهي ما شرعه الله لعباده من الدين ونظامه وأحكامه ﴿وَمِنْهاجاً﴾ طريقا واضحا مستمرا يسير عليه الناس في الدين، قيل: هذا دليل على أنا غير متعبدين بشرائع من قبلنا ﴿لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ جماعة متفقة على شريعة واحدة، أو ذوي أمة واحدة أي دين واحد لا اختلاف فيه ﴿وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ﴾: ولكن أراد ليختبركم فيما ألزمكم به من الشرائع المختلفة بحسب كل عصر، ليرى هل تعملون بها مذعنين معتقدين أنها مصالح قد اختلفت على حسب الأحوال والأوقات، معترفين بأن الله لم يقصد باختلافها إلا ما اقتضته الحكمة، أم تتبعون الشبه وتفرّطون في العمل؟! ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ﴾ بادروا وسارعوا إليها ﴿إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ استئناف في معنى التعليل لاستباق الخيرات ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ من أمر الدين، ويجزي كلا منكم بعمله.
﴿أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ لئلا يضلوك عنه أو يميلوا بك من الحق إلى الباطل ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن الحكم المنزل وأرادوا غيره ﴿فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ أي يعاقبهم في الدنيا بذنب التولي عن حكم الله وإرادة خلافه، فوضع بعض ذنوبهم موضع ذلك، وأراد أن لهم ذنوبا جمة كثيرة العدد، وأن هذا الذنب مع عظمه بعضها وواحد منها. وهذا الإبهام لتعظيم التولي عن حكم الله وإسرافهم في ارتكابه.
﴿لَفاسِقُونَ﴾ لمتمردون في الكفر معتدون فيه، يعني أن التولي عن حكم الله من التمرد العظيم والاعتداء في الكفر ﴿يَبْغُونَ﴾ يطلبون من المداهنة والميل إذا تولوا. ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ اللام للبيان، أي هذا الخطاب وهذا الاستفهام لقوم يوقنون، فإنهم الذين يتيقنون أن لا أعدل من الله ولا أحسن حكما منه.
стр. 1907
سبب النزول:
نزول الآية ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ.﴾. [٤٩]: روى ابن إسحاق عن ابن عباس قال: قال كعب بن أسيد، وعبد الله بن صوريا، وشاس بن قيس: اذهبوا بنا إلى محمد، لعلنا نفتنه عن دينه، فجاءوه، فقالوا: يا محمد، إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وأنا إن اتبعناك اتبعتنا يهود، ولم يخالفونا، وأن بيننا وبين قومنا خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤمن بك، فأبى ذلك، وأنزل الله فيهم: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.
﴿أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ؟﴾ فيه كما قال الزمخشري وجهان:
أحدهما-أن بني قريظة والنضير طلبوا إليه أن يحكم بما كان يحكم به أهل الجاهلية من التفاضل بين القتلى،
وروي أن رسول الله ﷺ قال لهم: القتلى سواء، فقال بنو النضير: نحن لا نرضى بذلك، فنزلت.
والثاني-أن يكون تعييرا لليهود بأنهم أهل كتاب وعلم، وهم يبغون حكم الملة الجاهلية التي هي هوى وجهل لا تصدر عن كتاب، ولا ترجع إلى وحي من الله تعالى.
وعن الحسن: هو عام في كل من يبغي غير حكم الله. والحكم حكمان: حكم بعلم فهو حكم الله، وحكم بجهل فهو حكم الشيطان.
وسئل طاوس عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض، فقرأ هذه الآية.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى التوراة التي أنزلها على موسى كليمه، والإنجيل الذي أنزله على عيسى كلمته، وذكر ما فيهما من هدى ونور، وأمر باتباعهما حيث كانا
стр. 1908
سائغي الاتباع، شرع في ذكر القرآن العظيم الذي أنزله على عبده ورسوله الكريم، وأبان منزلته من الكتب المتقدمة قبله، وأن الحكمة اقتضت تعدد الشرائع والمناهج لهداية البشر بحسب الأحوال والأزمان.
التفسير والبيان:
وأنزلنا إليك أيها النبي القرآن الكريم الذي أكملنا به الدين، مشتملا على الحق والصدق الذي لا ريب فيه أنه من عند الله: ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت ٤٢/ ٤١] مصدقا ومؤيدا للكتب المتقدمة كالتوراة والإنجيل، المتضمنة ذكره ومدحه وأنه سينزل من عند الله على عبده ورسوله محمد ﷺ ، وأن تلك الكتب من عند الله، وأن موسى وعيسى رسولان من عند الله، لم يفتريا على الله كذبا، وإنما أنتم وآباؤكم حرفتم ونسيتم كثيرا مما أوتيتم.
والقرآن جاء أيضا مهيمنا، أي حاكما على ما قبله من الكتب، وشاهدا عليها بما نزل فيها، وشاهدا لها بالصحة والثبات في أصلها، ومبينا حقيقة أمرها، وما طرأ عليها من نسيان وتحريف وتبديل.
قال ابن عباس وابن جريج وآخرون: ﴿وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾: القرآن أمين مؤتمن على ما تقدمه من الكتب، فيما إذا أخبرنا أهل الكتاب في كتابهم بأمر: إن كان في القرآن فصدقوا، وإلا فكذبوا (١).
وإذا كان هذا شأن القرآن ومنزلته، فاحكم يا محمد وكذا كل حاكم، بين أهل الكتاب وبين الناس قاطبة، احكم بما أنزل الله إليك فيه من الأحكام، دون ما أنزله إليهم؛ إذ شريعتك ناسخة لشريعتهم.
احكم بما في هذا الكتاب العظيم وبما قرره لك من حكم من كان قبلك من
стр. 1909
الأنبياء ولم ينسخ في شرعك، ولا تتبع أهواءهم أي آراءهم التي اصطلحوا عليها، وتركوا بسببها ما أنزل الله على رسله، ولا تنصرف ولا تمل ولا تعدل عن الحق الذي أمرك الله به إلى أهواء هؤلاء الجهلة الأشقياء، وما أحدثوا من تحريف وتبديل لحكم الرجم والقصاص في القتلى والبشارة بمحمد ﷺ وغيرها.
ثم استأنف الله تعالى الكلام، فقال: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً﴾ أي لكل أمة من الأمم جعلنا شريعة أوجبنا عليهم إقامة أحكامها، ومنهاجا وطريقا واضحا فرضنا عليهم سلوكه، حسبما تقتضي أحوال المجتمعات وطبائع البشر واستعداداتهم وتطور الأزمان، وإن كانت تلك الشرائع متفقة في أصول الدين وهي توحيد الله وعبادته وحده، وفي أصول الأخلاق والفضائل.
قال الألوسي عن آية: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً﴾: استئناف جيء به لحمل أهل الكتاب من معاصريه ﷺ على الانقياد لحكمه ﵊ بما أنزل الله تعالى إليه من الحق، ببيان أنه هو الذي كلفوا العمل به دون غيره مما في كتابهم، وإنما الذي كلفوا العمل به: من مضى قبل النسخ. والخطاب-كما قال جماعة من المفسرين-للناس كافة، الموجودين والماضين بطريق التغليب.
فلكل أمة من الأمم الباقية والخالية وضعنا شرعة ومنهاجا خاصين بتلك الأمة، لا تكاد أمة تتخطى شرعتها؛ والأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى ﵉، شرعتهم: ما في التوراة؛ والتي كانت من مبعث عيسى إلى مبعث أحمد ﵉، شرعتهم: ما في الإنجيل؛ وجميع أمم أهل الأرض من مبعث محمد ﷺ إلى يوم القيامة، شرعتهم الوحيدة المقبولة عند الله:
ما في القرآن، ليس إلا، فآمنوا به واعملوا بما فيه (١)؛ لأن محمدا خاتم النبيين، وهو رسول إلى الناس كافة، وشريعته أكمل الشرائع وأوفاها، وقرآنه هو الكتاب
стр. 1910
الوحيد الباقي للبشرية دون تغيير ولا تبديل، وثابت ثبوتا قطعيا يقينيا لا شك ولا ريب فيه. والشرعة أو الشريعة عرفا: هي الأحكام العملية التي تختلف باختلاف الرسل وينسخ اللاحق منها السابق. والدين: هو الأصول الثابتة التي لا تختلف باختلاف الأنبياء.
ثم خاطب الله تعالى جميع الأمم، وأخبر عن قدرته الفائقة أنه لو شاء لجعل الناس كلهم على دين واحد وشريعة واحدة، لا ينسخ شيء منها، ولكنه تعالى شرع لكل رسول شريعة على حدة؛ إذ لا تصلح شريعة واحدة لكل الأزمان والشعوب، بسبب تفاوتهم في الرقي والنضج العقلي، فلما تقاربت البشرية شرع لها شريعة واحدة، وأن الهدف من تشريعه شرائع مختلفة: هو اختبار عباده فيما شرع لهم، لينظر الطائع فيثيبه، والعاصي بما فعله أو عزم عليه فيعاقبه.
ثم ندب الله تعالى الناس إلى المسارعة إلى الخيرات والمبادرة إليها، فقال:
﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ﴾ أي ابتدروها وتسابقوا نحو الطاعات، وتنافسوا في طاعة الله واتباع شرعه الذي جعله ناسخا لما قبله، وصدقوا تصديقا يقينيا بكتابه القرآن الذي هو آخر كتاب أنزله، وذلك كله لخيركم وصلاحكم، ولإحراز الفضل والرضا الإلهي، فإلى الله معادكم أيها الناس ومصيركم إليه يوم القيامة، فيخبركم بما اختلفتم فيه من الحق، فيجزي الصادقين بصدقهم، ويعذب الكافرين الجاحدين المكذبين بالحق، العادلين عنه إلى غيره بلا دليل ولا برهان.
ثم أكد الله تعالى ما تقدم من الأمر بالحكم بما أنزل الله، فقال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ.﴾. أي ألزمناك الحكم بالمنزل عليك، ولا تتبع أهواء المعاندين، واحذر أعداءك اليهود أن يضلوك عن الحق، ويدلسوه عليك فيما يخبرونك من أمور، فلا تغتر بهم فإنهم كذبة كفرة خونة. ومعنى: ﴿عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ﴾: عن كل ما أنزل الله إليك، والبعض يستعمل بمعنى الكل. وقال ابن
стр. 1911
العربي: والصحيح أن ﴿بَعْضِ﴾ على حالها في هذه الآية، وأن المراد به الرجم.
فإن أعرضوا عما تحكم به بينهم من الحق وخالفوا شرع الله، فلا تبال بهم، واعلم أن ذلك كائن عن قدرة الله وحكمته فيهم أن يصرفهم عن الهدى، بسبب ما لهم من الذنوب السالفة التي اقتضت إضلالهم ونكالهم، ويريد الله أن يعذبهم في الدنيا قبل الآخرة ببعض ذنوبهم، وهو التولي والإعراض عن حكم الله وشرعه، وعما تحكم به، وقد تحقق ذلك العذاب بسبب غدر اليهود،
فأجلى النبي ﷺ بني النضير عن المدينة، وقتل بني قريظة.
أما بقية ذنوبهم الكثيرة فيعاقبون عليها بعذاب أليم في الدار الآخرة، وإن كثيرا من الناس لفاسقون، أي متمردون في الكفر، مخالفون للحق وحائدون عنه، وخارجون عن حدود الشرع والدين والعقل. وفي هذا مواساة وتسلية للنبي ﷺ على عدم قبولهم الحق الذي جاء به.
ثم ندد الله تعالى باليهود الذين يريدون التمييز بين القتلى بحسب نوع القبيلة، ويريدون تحكيم أهواء الجاهلية، مع أنهم أهل كتاب، فوجه هذا الاستفهام الإنكاري لهم ولأمثالهم بقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ أي أيتولون عن قبول حكمك بما أنزل الله، وهو الحق والعدل والصواب، تم يطلبون حكم الجاهلية القائم على الجور والظلم والهوى، فهذا توبيخ وتعجب من حالهم، وإنكار على كل من خرج عن حكم الله المشتمل على كل خير، إلى ما سواه من الآراء والأهواء، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات التي يضعونها بآرائهم المعوجة وأهوائهم الطائشة.
هذا الخطاب في الآية وهذا الاستفهام والتعجب والإنكار إنما هو موجه لقوم يوقنون بحقيقة الدين، ويذعنون لشرع الله، ويدركون أنه لا أعدل من الله ولا أحسن حكما منه.
стр. 1912
وفسره القرطبي فقال: لا أحد أحسن من الله حكما (نصب على البيان والتمييز) عند قوم يوقنون.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - هناك جسور التقاء واضحة بين القرآن وما تقدمه من الكتب كالتوراة والإنجيل؛ لأن هذه الكتب وصفت كلها بأنها هدى ونور، ونواحي الالتقاء هي في أصول الاعتقاد كتوحيد الإله وربوبيته وإثبات النبوة والمعاد، وفي أصول الأحكام التشريعيه كعبادة الله تعالى والصوم والصلاة والزكاة، وأصول الأخلاق والفضائل كالأمانة والصدق وتحريم الزنى والسرقة وجرائم العرض، وذلك كله في التوراة والإنجيل الأصليين المنزلين على موسى وعيسى.
إلا أن القرآن وإن جاء مصدقا ومؤيدا لتلك الكتب في أصول الشرع والدين المذكورة، إلا أنه حاكم عليها ومهيمن على ما جاء فيها، فلا يعمل بحكم فيهما عارض القرآن.
٢ - إذا ترافع أهل الذمة إلينا وجب الحكم بينهم بشريعة الإسلام، لا بشرع سابق، للآية: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ﴾ قيل: هذا نسخ للتخيير السابق في قوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة ٤٢/ ٥] وهذا رأي الجمهور.
وقال الشافعية: لا تعارض بين الآيتين، ولا حاجة للنسخ؛ لأن الآية الأولى في المعاهدين، والثانية في الذميين.
٣ - النبي ﷺ وكل مسلم منهي ومحرم عليه أن يترك الحكم بما بيّن الله تعالى من القرآن من بيان الحق وبيان الأحكام.
٤ - الله قادر على توحيد الشعوب والأمم والجماعات وجعلهم على ملة
стр. 1913
واحدة، وعقيدة واحدة، وشريعة واحدة، فكانوا على الحق. ولكن الحكمة الإلهية اقتضت جعل الشرائع مختلفة للاختبار.
٥ - المبادرة إلى الطاعات والتنافس في فعل الخيرات سمة الأتقياء الصالحين، ودل قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ﴾ على أن تقديم الواجبات أفضل من تأخيرها، وذلك لا اختلاف فيه في العبادات كلها، إلا في الصلاة في أول الوقت، فإن أبا حنيفة يرى أن الأولى تأخيرها، وعموم الآية دليل عليه.
وفيه دليل أيضا على أن الصوم في السفر أولى من الفطر.
٦ - في قوله تعالى: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ دليل على جواز النسيان على النبي ﷺ ؛ لأنه قال: ﴿أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ وإنما يكون ذلك عن نسيان لا عن تعمد.
٧ - إن إباء حكم النبي ﷺ والإعراض عنه سبب للمصائب في الدنيا؛ لأن الله تعالى قال في اليهود: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ أي يعذبهم بالجلاء والقتل وفرض الجزية. وإنما قال ﴿بِبَعْضِ﴾ لأن المجازاة بالبعض كانت كافية في التدمير عليهم.
٨ - كان العرب في الجاهلية يجعلون حكم الشريف خلاف حكم الوضيع، وكان اليهود يفعلون مثلهم، فيقيمون الحدود على الضعفاء الفقراء، ولا يقيمونها على الأقوياء الأغنياء، لذا أنكر الله عليهم بقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾.
ومن أفعال الجاهلية تفضيل بعض الأولاد على بعض في الهبة أو العطية، فإن فعل لم ينفذ وفسخ، وهو قول الحنابلة والظاهرية؛
لقوله ﵊ لبشير في حديث النعمان الآتي تخريجه: «ألك ولد سوى هذا؟» قال: نعم، فقال: «أكلّهم وهبت له مثل هذا؟» فقال: لا، قال: «فلا تشهدني إذن، فإني لا أشهد على جور»
وفي رواية: «وإني لا أشهد إلا على حق» قالوا: وما كان جورا وغير حق فهو باطل لا يجوز،
وقوله ﵊ في حديث
стр. 1914
آخر: «أشهد على هذا غيري» ليس إذنا في الشهادة، وإنما هو زجر عنها؛ لأنه ﵊ قد سماه جورا وامتنع من الشهادة فيه. وفعل أبي بكر لا يعارض قول النبي ﷺ . أما القول بأن الأصل حرية الإنسان في التصرف في ماله مطلقا فلا يعارض الحديث، لذا
قال ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم والموطأ وأبو داود والترمذي والنسائي عن النعمان بن بشير: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم».
وأجاز ذلك مالك وأصحاب الرأي والشافعي والثوري والليث؛ لفعل أبي بكر الصديق في نحلة عائشة دون سائر ولده،
وبقوله ﵊ فيما رواه النسائي عن النعمان بن بشير: أن أباه بشير بن سعد جاء بابنه النعمان فقال: يا رسول الله، إني نحلت ابني هذا غلاما كان لي، فقال رسول الله ﷺ : «أكل بنيك نحلت؟» قال: لا، قال: «فأرجعه»
وفي رواية: «فأشهد على هذا غيري».
٩ - لا أحد أعدل من الله، ولا أحسن حكما من حكم الله تعالى.
موالاة اليهود والنصارى
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ (٥٣)﴾
стр. 1915
الإعراب:
﴿يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أي: في إغوائهم وإفسادهم، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
﴿أَنْ يَأْتِيَ﴾ في موضع نصب؛ لأنه خبر عسى. و ﴿فَيُصْبِحُوا﴾ عطف عليه.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مرفوع على الاستئناف. ومن نصبه إما عطف على المعنى، كأنه قدّر تقديم ﴿أَنْ﴾ بعد ﴿فَعَسَى﴾ وعطف عليه، وتصير الجملة: «عسى أن يأتي الله بالفتح» وهي في معنى المذكور في الآية؛ أو أنه معطوف على ﴿بِالْفَتْحِ﴾ وهو مصدر في تقدير «أن يفتح» ولما عطف على اسم، افتقر إلى تقدير (أن)؛ أو معطوف على ﴿فَيُصْبِحُوا﴾ وهو وجه بعيد لكنه جائز.
﴿فَعَسَى اللهُ﴾: عسى من الله واجب؛ لأن ذلك من الكريم بمنزلة الوعد، لتعلق النفس به.
المفردات اللغوية:
﴿أَوْلِياءَ﴾ نصراء وحلفاء توالونهم وتوادونهم ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ لاتحادهم في الكفر ﴿فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ من جملتهم ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ بموالاتهم الكفار ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي أن إيمانهم ضعيف معتل غير صحيح، بسبب الشك والنفاق ﴿يُسارِعُونَ﴾ في موالاتهم ﴿يَقُولُونَ﴾ معتذرين عنها ﴿دائِرَةٌ﴾ يدور بها الدهر علينا من مصيبة، كجدب أو هزيمة وغلبة ﴿بِالْفَتْحِ﴾ بالنصر لنبيه بإظهار دينه وفتح البلاد وغير ذلك ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ يفتضح المنافقين ﴿فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ من الشك وموالاة الكفار نادمين.
﴿حَبِطَتْ﴾ بطلت أعمالهم الصالحة ﴿فَأَصْبَحُوا﴾ صاروا ﴿خاسِرِينَ﴾ الدنيا بالفضيحة، والآخرة بالعقاب الأليم.
سبب النزول:
أخرج ابن إسحاق وابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن عبادة بن الصامت قال: لما حاربت بنو قينقاع، تشبث بأمرهم عبد الله بن أبي بن سلول، وقام دونهم، ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله ﷺ ، وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وكان أحد بني عوف من الخزرج، وله من حلفهم مثل الذي لهم من عبد الله بن أبي، فحالفهم إلى رسول الله ﷺ ، وتبرأ
стр. 1916
من حلف الكفار وولايتهم، قال: ففيه وفي عبد الله بن أبي نزلت القصة في المائدة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ﴾ الآية.
وفي رواية أخرى عن عطية بن سعد قال: «جاء عبادة بن الصامت من بني الخزرج إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن لي موالي من اليهود كثير عددهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود وأتولّى الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبي: إني رجل أخاف الدوائر، لا أبرأ من موالاة مواليّ، فقال رسول الله ﷺ لعبد الله بن أبي: «يا أبا الحباب، أرأيت الذي نفست به من ولاء يهود على عبادة فهو لك دونه» قال: إذن أقبل، فأنزل الله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى.﴾. إلى قوله: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾.
وذكر في السيرة: أن النبي ﷺ لما قدم المدينة كان الكفار معه ثلاثة أقسام:
قسم صالحهم ووادعهم على ألا يحاربوه ولا يظاهروا عليه أحدا ولا يوالوا عليه عدوه، وهم على كفرهم آمنون على دمائهم وأموالهم.
وقسم حاربوه وعادوه.
وقسم وقفوا محايدين، لم يصالحوه ولم يحاربوه، بل انتظروا ما يؤول إليه أمره وأمر أعدائه، وكانوا في الحقيقة والباطن معادين له وهم (المنافقون).
وقد عامل كل فريق بما أمره الله به، فصالح يهود المدينة وكتب بينه وبينهم كتاب أمان، وكانوا طوائف ثلاثة حول المدينة: بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، فحاربه بنو قينقاع بعد بدر، ونقض بنو النضير العهد بعد ذلك بستة أشهر، ثم نقض بنو قريظة العهد لما خرج إلى غزوة الخندق، وكانوا من أشد اليهود عداوة للنبي ﷺ ، وقد حارب كل فئة ونصره الله عليها، وكان نصارى العرب والروم حربا عليه كاليهود.
стр. 1917
التفسير والبيان:
مضمون الآيات أن الله تعالى ينهى عباده المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى الذين هم أعداء الإسلام وأهله، ثم أخبر أن بعضهم أولياء بعض، ثم تهدد وتوعد من يواليهم.
أيها المؤمنون بالله ورسوله، لا توالوا اليهود والنصارى أعداء الإسلام، أي لا تتخذوهم أنصارا وحلفاء على أهل الإيمان بالله ورسوله، ولا تسروا إليهم بأسراركم، ولا تطمئنوا إلى صداقتهم ومحبتهم أو مودتهم، إذ لن يخلصوا لكم، وبعضهم أولياء بعض، أي إن اليهود بعضهم أنصار بعض، والنصارى بعضهم أنصار بعض، وقد نقض اليهود عهودهم، والكل متفق على معاداتكم وبغضكم.
ثم توعد من يواليهم فقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ أي ومن ينصرهم أو يعينهم أو يستنصر بهم، فإنه في الحقيقة منهم أي من جملتهم وكأنه مثلهم، وليس من صف المؤمنين الصادقين. وهذا تغليظ من الله وتشديد على المنافقين الذين يتصادقون مع اليهود والنصارى المخالفين في الدين؛ لأن موالاتهم تستدعي الرضا بدينهم. وهذا يومئ إلى أن العلاقات والمحالفات بين المسلمين وغيرهم لمصالح دنيوية غير منهي عنها في الآية.
وسبب هذا الوعيد: أن من يوالي هؤلاء في شؤون الدين وقضاياه ومقتضيات الدعوة ونشاطها، فينصرهم أو يستنصرهم بهم، فهو ظالم لنفسه بوضعه الولاية في غير موضعها، والله لا يهديه إلى خير أو حق بسبب موالاة الكفر.
وواقع الأمر أن المنافقين الذين في قلوبهم شك وريب ونفاق يسارعون فيهم، أي يبادرون إلى موالاتهم ومودتهم في الباطن والظاهر، وهم عبد الله بن أبي وجماعته المنافقون.
стр. 1918
وسبب موالاة هؤلاء المنافقين لأعداء الإسلام: أنهم يتأولون في مودتهم أنهم يخشون انتصار الكافرين على المسلمين، فتكون لهم أياد عند اليهود والنصارى، فينفعهم ذلك. وهذا شأن المنافقين المستضعفين في كل زمان ومكان، يتخذون صداقات ومودات عند زعماء الكفر لتأييدهم ودعمهم أثناء الأزمات، وقد أثبت الواقع تخليهم عنهم وقت المحنة الشديدة وبيع صداقتهم بثمن بخس، وقد رأينا في عصرنا كيف تتخلى أمريكا مثلا عن رئيس دولة ما عاش كل عهده حليفا لها، ومنفذا لمآربها، وسائرا في مخططاتها، فهي التي تستخدمه وتستهلكه، ثم تتخلى عنه وقت المحنة والأزمة، فخاب كل من استعان بغير الله وبغير أهل دينه.
لذا رد الله على مزاعم وتأويلات هؤلاء: بأنه لعل الله يأتي بالفتح والنصر والفصل بين المؤمنين والكافرين كما حدث في فتح مكة وغيره، أو يأتي بأمر من عنده لا يكون للناس فيه فعل في شأن هؤلاء الكافرين، كإلقاء الرعب في قلوب يهود بني النضير، ونحو ذلك من وقائع إدالة المؤمنين أي نصرهم على الكافرين، فيصبح المنافقون الذين والوا اليهود والنصارى نادمين على ما كان منهم، مما لم يفدهم شيئا، وإنما كان ذلك عين السوء والمفسدة، فإنهم فضحوا أمام المؤمنين بعد أن كانوا مستورين. قال المفسرون: ﴿فَعَسَى﴾: من الله واجب؛ لأن الكريم إذا أطمع في خير فعله، فهو بمنزلة الوعد لتعلق النفس به ورجائها له (١).
وبه يتبين أن المقصود بالفتح: تحقيق الفتوح في مكة وغيرها من بلاد العرب وإجلاء اليهود من الحجاز وخيبر وغيرها. وأما الأمر من عند الله فهو تدبير شيء خفي للأعداء، كإجلاء اليهود من موطنهم، أو قهرهم مثل قهر بني قريظة، أو إلقاء الرعب في قلوبهم كما حدث لبني النضير، أو إخضاع اليهود والنصارى لأحكام الإسلام وسلطة الدولة الإسلامية بفرض الجزية عليهم.
стр. 1919
وحينئذ تتبدد تأويلات المنافقين، ويظهر كذبهم وافتراؤهم، لذا قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا.﴾. أي يقول بعض المؤمنين لبعض أو لليهود تعجبا واستهجانا وشماتة: أهؤلاء الذين أقسموا بالله: إنهم معكم وإنهم مناصروكم على أعدائكم اليهود، ثم انكشفوا على حقيقتهم، وتبينت عداوتهم، كما قال تعالى:
﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ: إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ، وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة ٥٦/ ٩] أي أنهم جماعة خائفون يظهرون الإسلام تقيّة أو مناورة أو سياسة، لا حقيقة. وأردف المؤمنون القول: هؤلاء المنافقون بطلت أعمالهم التي يؤدونها نفاقا من صلاة وصيام وحج وجهاد، فخسروا بذلك الدنيا والأجر والثواب في الآخرة.
والمفسرون اختلفوا في سبب نزول هذه الآيات الكريمات، فذكر السدي:
أنها نزلت في رجلين قال أحدهما لصاحبه بعد وقعة أحد: أما أنا فإني ذاهب إلى ذلك اليهودي، فآوي إليه، وأتهود معه، لعله ينفعني إذا وقع أمر أو حدث حادث، وقال الآخر: أما أنا فإني ذاهب إلى فلان النصراني بالشام، فآوي إليه وأتنصر معه، فأنزل الله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ﴾ الآيات.
وقال عكرمة فيما رواه ابن جرير: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، حين بعثه رسول الله ﷺ إلى بني قريظة، فسألوه ماذا هو صانع بنا؟ فأشار بيده إلى حلقه، أي إنه الذبح. وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول، كما قال ابن جرير، وكما ذكر في سبب النزول.
فقه الحياة أو الأحكام:
تدل الآيات على ما يأتي:
١ - قطع الموالاة والمودة شرعا بين المؤمنين وبين الكافرين في أمور الدين
стр. 1920
وقضاياه الكبرى الأساسية. ولا مانع من وجود علاقات لمصالح دنيوية تقتضيها الضرورة، بدليل ما قال الطبري في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾: يعني ومن يتولّ اليهود والنصارى دون المؤمنين، فإنه منهم، فإن من تولاهم ونصرهم على المؤمنين، فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متول أحدا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه، فقد عادى ما خالفه وأسخطه، وصار حكمه حكمه (١).
ودل قوله: ﴿فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ أن حكمه حكمهم، وهو يمنع إثبات الميراث للمسلم من المرتد.
وهذا الحكم باق إلى يوم القيامة في قطع الموالاة، وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ [هود ١١٣/ ١١] وقال تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ٢٨/ ٣] وقال سبحانه:
﴿لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران ١١٨/ ٣].
وأعلن تعالى فصل الموالي للكفار عن جماعة المؤمنين، فقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ أي لأنه قد خالف الله تعالى ورسوله كما خالفوا، ووجبت معاداته كما وجبت معاداتهم، ووجبت له النار كما وجبت لهم؛ فصار منهم، أي من أصحابهم.
٢ - إن مخاوف المنافقين التي أدت بهم إلى موالاة الكفار تتبدد أمام تدبير الله وتأييده ونصره، وتدمير الأعداء، وإحباط مخططاتهم، وإذلالهم.
٣ - ظهور حقيقة المنافقين في مرأى المؤمنين، فيتعجبون من شأنهم، قائلين لبعضهم: أهؤلاء الذين ادعوا نصرتنا بالأيمان المغلظة؟ أو قائلين لليهود على
стр. 1921
جهة التوبيخ: أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم أنهم يعينونكم على محمد؟ فالآية تحتمل قول المؤمنين لبعضهم، أو لليهود.
المرتدون ومعاداتهم المسلمين
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ (٥٦)﴾
الإعراب:
﴿مَنْ يَرْتَدَّ﴾: من: شرطية، ويرتدّ: مجزوم بها.
﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ في موضع جر صفة لقوم، وكذلك قوله تعالى ﴿أَذِلَّةٍ.﴾. و ﴿أَعِزَّةٍ﴾ وكذلك ﴿يُجاهِدُونَ﴾ وصف لهم. ويجوز أن يكون في موضع نصب على الحال منهم.
﴿وَهُمْ راكِعُونَ﴾: جملة اسمية في موضع نصب على الحال من ضمير ﴿يُؤْتُونَ﴾. ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على ﴿الصَّلاةَ﴾ والواو ليست للحال، فلا يكون لها موضع من الإعراب.
البلاغة:
﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ بينهما طباق.
﴿لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ التنكير في الكلمتين للمبالغة.
المفردات اللغوية:
﴿مَنْ يَرْتَدَّ﴾ يرجع عن الإسلام، والردة: الرجوع عن الإسلام إلى الكفر أو إلى غير دين،
стр. 1922
أو ترك ركن من أركان الإسلام كالزكاة جهارا وعنادا. ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ يثيبهم، ويخلصون له العمل ويطيعونه في كل أمر ونهي. ﴿أَذِلَّةٍ﴾ جمع ذليل أي عاطفين على المؤمنين على وجه التذلل والتواضع، من الذل وهو الحنو والعطف. ﴿أَعِزَّةٍ﴾ أشداء متعالين عليهم. ﴿لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ أي أنهم صلاب في دينهم إذا شرعوا في أمر من أمور الدين كإنكار منكر، أو أمر بمعروف أو مجاهدة في سبيل الله، لا يأبهون لقول قائل ولا اعتراض معترض ولا لوم لائم يلومهم وينتقدهم، خلافا للمنافقين الذين يخافون لوم الكفار. ﴿ذلِكَ﴾ المذكور من الأوصاف فضل الله. ﴿وَاللهُ واسِعٌ﴾ كثير الفضل. ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن هو أهله.
﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ﴾ أي إنما ناصركم ومعينكم على طريق الأصالة والحقيقة هو الله. وأما ولاية من عداه فهي على سبيل التبع والظاهر. ﴿وَهُمْ راكِعُونَ﴾ خاشعون وخاضعون. ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي يعينهم وينصرهم. ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ﴾ الحزب: الجماعة المجتمعة على أمر واتجاه خاص، وحزب الله: أتباعه، والغالبون: المنتصرون لنصر الله إياهم.
سبب النزول:
نزلت هذه الآيات فيمن ارتد من القبائل في عهد النبي ﷺ ، وهم ثلاث:
١ - بنو مدلج ورئيسهم الأسود العنسي الذي تنبأ باليمن، وكان كاهنا، وقتل على يد فيروز الديلمي.
٢ - وبنو حنيفة قوم مسيلمة الكذاب الذي تنبأ في اليمامة، وأرسل كتابا إلى النبي ﷺ ، يذكر فيه أنه شريك له، وأن الأرض قسمان؛
فكتب له النبي ﷺ :
من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب. السلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين.
قاتله أبو بكر ﵁، وقتله وحشي الذي قتل حمزة، وكان يقول:
قتلت في جاهليتي خير الناس، وفي إسلامي شر الناس.
٣ - وبنو أسد بزعامة طليحة بن خويلد، ارتد أيام النبي ﷺ ، وقاتله أبو بكر في خلافته، ففر إلى الشام وأسلم وحسن إسلامه.
стр. 1923
وارتدت سبع قبائل في عهد أبي بكر وهم:
١ - غطفان بزعامة قرّة بن سلمة.
٢ - فزارة قوم عيينة بن حصن.
٣ - بنو سليم قوم الفجاءة عبد يا ليل.
٤ - بنو يربوع قوم مالك بن نويرة.
٥ - بعض قبيلة بني تميم، بزعامة سجاح بنت المنذر، الكاهنة زوجة مسيلمة.
٦ - كندة قوم الأشعث بن قيس.
٧ - بنو بكر بن وائل الحطم بن زيد.
وارتد في عهد عمر جبلة بن الأيهم الغساني، الذي تنصر ولحق بالشام؛ لأنه كان يطوف حول الكعبة، فوطئ إزاره رجل من فزارة، فلطمه جبلة، فهشم أنفه، فشكاه الفزاري إلى أمير المؤمنين عمر ﵁، فحكم إما بالعفو أو القصاص، فقال جبلة: أتقتص مني وأنا ملك، وهو سوقة، فقال عمر: الإسلام سوى بينكما، ثم استمهل إلى غد، فهرب.
فصار مجموع من ارتد إحدى عشرة فئة أو فرقة (١).
وأما الذين أتى الله بقوم يحبهم ويحبونه: فهم أبو بكر وأصحابه، وقيل: هم قوم من أهل اليمن، وقيل: هم رهط أبي موسى الأشعري، ورجح الطبري أن الآية نزلت في قوم أبي موسى من أهل اليمن، لما
روي أن النبي ﷺ لما قرأ هذه الآية قال: هم قوم أبي موسى (٢).
стр. 1924
سبب نزول: ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ﴾:
ذكرت روايات يقوي بعضها بعضا أنها نزلت في علي بن أبي طالب الذي سأله سائل وهو راكع في تطوع، فتصدق عليه بخاتمه. وأثبت الرازي أن هذه الآية مختصة بأبي بكر (١).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ..﴾. إعلام من الله عباده جميعا الذين تبرؤوا من اليهود وحلفهم رضا بولاية الله ورسوله والمؤمنين (٢).
المناسبة:
بعد أن نهى الله تعالى عن موالاة الكافرين، وبيّن أن الذين يبادرون إلى توليهم مرتدون، ذكر استغناءه عن أهل الردة، واعتماده على صادقي الإيمان الذين يحبهم ويؤثرون حبه من إقامة الحق والعدل على سائر ما يحبون من مال ومتاع وولد.
التفسير والبيان:
موضوع الآيات بيان قدرة الله العظيمة على استبداله بالمرتدين من هو خير لدينه وإقامة شريعته، وهو من كان أصلب دينا وأشد منعة وأقوم سبيلا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ [محمد ٣٨/ ٤٧] وقال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء ١٣٣/ ٤] وقال : ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ، وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ أي بممتنع ولا صعب [إبراهيم ١٩/ ١٤ - ٢٠].
стр. 1925
يا أيها المؤمنون من يرجع عن الحق إلى الباطل، فيترك دينه في المستقبل فسوف يأتي الله بقوم بديل عنهم وصفهم القرآن بست صفات:
١ - يحبهم الله تعالى: أي يثيبهم أحسن الثواب على طاعتهم، ويعظمهم ويثني عليهم ويرضى عنهم.
٢ - ويحبون الله تعالى: باتباع أمره واجتناب نهيه، وإطاعته وابتغاء مرضاته، والبعد عما يوجب سخطه وعقابه.
٤، ٣ - أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين: أي عاطفين على المؤمنين متواضعين لهم، أشداء متعالين على الكافرين المعادين لهم، وهما نحو قوله تعالى:
﴿أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح ٢٩/ ٤٨] وقوله في عزة الإيمان: ﴿وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨/ ٦٣].
٥ - يجاهدون في سبيل الله: أي يقاتلون من أجل رفعة كلمة الله ودينه، وسبيل الله: هو طريق الحق والخير والفضيلة والتوحيد المؤدي إلى مرضاة الله، والدفاع عن الوطن والأهل والديار.
٦ - لا يخافون لومة لائم: لا يخشون لوم أحد واعتراضه ونقده؛ لصلابتهم في دينهم، ولأنهم يعملون لإحقاق الحق وإبطال الباطل، على نقيض المنافقين الذين يخافون لوم حلفائهم اليهود.
ثم قال تعالى: ﴿ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ﴾ أي ذلك المذكور من الصفات التي وصف بها القوم: وهي المحبة والذلة للمؤمنين والعزة على الكافرين والمجاهدة وانتفاء خوف اللومة، هو من فضل الله يعطيه من يشاء، ويوفق إليه من يريد، والله واسع، أي ذو سعة فيما يملك ويعطي كثير الأفضال، عليم بمن هو أهلها، فهو تعالى واسع الفضل، عليم بمن يستحق ذلك، ممن يحرم منه.
стр. 1926
وبعد أن نهى الله عن موالاة الكافرين، أمر بموالاة الله ورسوله والمؤمنين، فقال: ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي ليس اليهود بأوليائكم وأنصاركم، وإنما وليكم وناصركم بحق هو الله ومعه رسوله والمؤمنون الذين يقيمون الصلاة، أي يؤدونها كاملة تامة الأركان والشروط، ويؤتون الزكاة أي يعطونها بإخلاص وطيب نفس لمن يستحقها، وهم خاضعون لأوامر الله، بلا تململ ولا تضجر ولا رياء.
ومن يناصر دين الله بالإيمان به والتوكل عليه، ويؤازر رسول الله والمؤمنين دون أعدائهم، فإنه هو الفائز الناجي، وهو الذي يحقق النصر والغلبة، وعندها يتحقق نصر حزب الله وغلبتهم أي جماعة المؤمنين، ويكون المؤمنون هم الغالبون؛ لأنهم حزب الله، كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ إلى قوله: ﴿أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ، أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة ٢١/ ٥٨ - ٢٢] فكل من رضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين، فهو مفلح في الدنيا والآخرة، ومنصور فيهما.
فقه الحياة أو الأحكام:
١ - تضمنت الآيات وعيدا لمن سبق في علمه أنه سيرتد بعد وفاة النبي ﷺ ، وإخبارا غيبيا أنه سيرتد قوم من الناس.
كما تضمنت أيضا وعدا من الله لمن سبق له في علمه أنه لا يبدل ولا يغير دينه، ولا يرتد.
فلما قبض الله نبيه ﷺ ارتد قوم من أهل القبائل، فأبدل الله المؤمنين بخير منهم، ووفى للمؤمنين بوعده، وأنفذ فيمن ارتد منهم وعيده (١).
стр. 1927
روى ابن جرير الطبري عن قتادة قال: أنزل الله هذه الآية، وقد علم أنه سيرتد مرتدون من الناس، فلما قبض الله نبيه محمدا ﷺ ارتد عامة العرب عن الإسلام إلا ثلاثة مساجد: أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل البحرين من عبد القيس.
قالوا: نصلي ولا نزكي، والله لا تغصب أموالنا، فكلّم أبو بكر في ذلك، فقيل له: إنهم لو قد فقهوا لهذا، أعطوها وزادوها. فقال: لا والله، لا أفرّق بين شيء جمع الله بينه، ولو منعوا عقالا مما فرض الله ورسوله، لقاتلناهم عليه، فبعث الله عصابة (جماعة) مع أبي بكر، فقاتل على ما قاتل عليه نبي الله ﷺ ، حتى سبى وقتل وحرق بالنيران أناسا ارتدوا عن الإسلام ومنعوا الزكاة، فقاتلهم حتى أقروا بالماعون (وهي الزكاة) صغرة (أذلاء مهينين) أقمياء (ذليلين ضعفاء).
فأتته وفود العرب فخيرهم بين خطّة مخزية أو حرب مجلية، فاختاروا الخطة المخزية، وكانت أهون عليهم، أن يقروا أن قتلاهم في النار، وأن قتلى المؤمنين في الجنة، وأن ما أصابوا من المسلمين من مال، ردّوه عليهم، وما أصاب المسلمون لهم من مال فهو لهم حلال (١).
والخلاصة: إن هذا من إعجاز القرآن والنبي ﷺ ؛ إذ أخبر عن ارتداد العرب، ولم يكن ذلك في عهده، وكان ذلك غيبا، ووقع ما أخبر به بعد مدة، وأهل الردة-كما بينت-كانوا بعد موته ﷺ . قال ابن إسحاق: لما قبض رسول الله ﷺ ارتدت العرب إلا ثلاثة مساجد: مسجد المدينة، ومسجد مكة، ومسجد جؤاثا (٢)، وكانوا في ردتهم على قسمين: قسم نبذ الشريعة كلها وخرج عنها، وقسم نبذ وجوب الزكاة واعترف بوجوب غيرها؛ قالوا: نصوم ونصلي ولا
стр. 1928
نزكي؛ فقاتل الصدّيق جميعهم، وبعث خالد بن الوليد إليهم بالجيوش، فقاتلهم وسباهم، على ما هو مشهور من أخبارهم.
٢ - أصح ما قيل في نزول قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾: أنها نزلت في الأشعريين؛ ففي الخبر أنها لما نزلت قدم بعد ذلك بيسير سفائن الأشعريين وقبائل اليمن من طريق البحر، فكان لهم بلاء في الإسلام في زمن رسول الله ﷺ ، وكانت عامة فتوح العراق في زمن عمر ﵁ على يدي قبائل اليمن (١). و
روى الحاكم في المستدرك بإسناده: أن النبي ﷺ أشار إلى أبي موسى الأشعري، لما نزلت هذه الآية فقال: «هم قوم هذا».
٣ - المؤمنون أذلة على بعضهم، رحماء فيما بينهم، يرأفون بالمؤمنين ويرحمونهم ويلينون لهم، أعزة على الكافرين أشداء عليهم. قال ابن عباس: هم للمؤمنين كالوالد للولد والسيد للعبد، وهم في الغلظة على الكفار كالسبع على فريسته.
٤ - دل قوله: ﴿يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ وقوله: ﴿وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ بخلاف المنافقين: على تثبيت إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃؛ لأنهم جاهدوا في الله في حياة رسول الله ﷺ ، وقاتلوا المرتدين بعده، ومعلوم أن من كانت فيه هذه الصفات فهو وليّ لله تعالى. وقيل: الآية عامة في كل من يجاهد الكفار إلى قيام الساعة.
٥ - الله ولي الذين آمنوا، وقال تعالى هنا: ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ قال ابن عباس: نزلت في أبي بكر ﵁،
وقال في رواية أخرى وكما ذكر في سبب النزول عن مجاهد والسدي: نزلت في علي بن أبي طالب ﵁.
стр. 1929
والأصح أن الآية عامة في جميع المؤمنين؛ لأن ﴿الَّذِينَ﴾ لجماعة، ومن عمومياتها ما يأتي:
قال جابر بن عبد الله: قال عبد الله بن سلام للنبي ﷺ : إن قومنا من قريظة والنضير قد هجرونا وأقسموا ألا يجالسونا، ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل، فنزلت هذه الآية، فقال: رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء.
وأولياء الله: هم الموصوفون بالآية لا غيرهم: الذين يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويخشعون لله تعالى. والمراد: يأتون بصلاة الفرض في أوقاتها بجميع حقوقها، ويؤدون الزكاة المفروضة بطيب نفس.
٦ - من فوض أمره إلى الله، وامتثل أمر رسوله، ووالى المسلمين، فهو من حزب الله، وحزب الله: جند الله وأنصاره والمنفذون أوامره، والمجتنبون نواهيه. وإذا توافرت هذه الصفات كانوا هم الغالبين: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ [الصافات ١٧٣/ ٧٧].
النهي عن موالاة الكفار وأسبابه
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفّارَ أَوْلِياءَ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧) وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اِتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (٥٨) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ (٥٩) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٦٠) وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ (٦١) وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾
стр. 1930
الإعراب:
﴿وَالْكُفّارَ أَوْلِياءَ﴾: ﴿الْكُفّارَ﴾ معطوف بالنصب على ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ﴾. وقرئ بالجر عطفا على ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾.
﴿أَنْ آمَنّا بِاللهِ﴾ في موضع نصب بتنقمون.
﴿وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ.﴾. ﴿ما﴾ في الموضعين بمعنى «الذي» في موضع جر بالعطف على اسم الله تعالى. ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ﴾ عطف على ﴿بِاللهِ﴾ وتقديره: آمنا بالله وبأن أكثركم فاسقون.
﴿مَثُوبَةً﴾ تمييز منصوب، والعامل فيه ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ﴾.
﴿مَنْ لَعَنَهُ اللهُ﴾: إما مجرور بدلا من ﴿بِشَرٍّ﴾ بدل الشيء من الشيء؛ وإما مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف مع حذف مضاف وتقديره: «هو لعن من لعنه الله» فحذف المبتدأ وإما منصوب على الذم بتقدير فعل وتقديره: أذكر أو أذمّ من لعنه الله. ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ﴾ معطوف على ﴿لَعَنَهُ﴾ وكذلك ﴿وَعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ ولم يأت بضمير جمع في ﴿عَبَدَ﴾ حملا على لفظ ﴿مِنْ﴾.
﴿مَكاناً﴾ منصوب على التمييز. ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ﴾ في موضع نصب على الحال.
وكذلك ﴿خَرَجُوا بِهِ﴾ أي: دخلوا كافرين وخرجوا كافرين. والباء باء الحال كقولهم: خرج زيد بسلاحه، أي متسلحا.