← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

لا يخافون الله ؛ أي كيف أخاف ميتا وأنتم لا تخافون الله القادر على كل شيء؟! قال ابن عباس وغيره عن قوله ﴿سُلْطاناً﴾ أي حجة، أي لا دليل يثبته، كقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ﴾ [الشورى ٢١/ ٤٢] وقوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ﴾ [النجم ٢٣/ ٥٣]. وإذا كان هذا هو الحقيقة والواقع، فأي الفريقين: فريق الموحدين وفريق المشركين أحق بالأمن من عذاب الله يوم القيامة، وأجدر بالأمن وعدم الخوف على نفسه في الدنيا من جراء عقيدته؟ أي الطائفتين أصوب؟ الذي عبد من بيده الضر والنفع، أو الذي عبد من لا يضر ولا ينفع بلا دليل؟ والتصريح بالفريقين دون الاكتفاء بقول: (فأينا أحق بالأمن) للدلالة على أن هذه المقابلة عامة لكل موحد ومشرك، لا خاصة لهم، وللبعد عن تخطئتهم صراحة حتى لا ينفروا من الإصغاء، ويلجأوا إلى العناد. إن كنتم تعلمون، أي إن كنتم على علم وبصيرة بهذا الأمر، فأخبروني بذاك، وفي هذا دفع لهم إلى الاعتراف بالحق. ثم أجاب الله تعالى عمن هو أحق بالأمن فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. أي الذين صدقوا بوجود الله ووحدانية، وأخلصوا العبادة لله وحده لا شريك له، ولم يشركوا به شيئا، ولم يخطوا إيمانهم بمعصية تفسقهم، هم الآمنون يوم القيامة، المهتدون في الدنيا والآخرة. روى أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قال أصحابه: وأينا لهم يظلم نفسه، فنزلت: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ هذه رواية البخاري. وأما رواية الإمام أحمد: «لما نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شق ذلك

стр. 2242

على الناس، فقالوا: يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه؟ قال: إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: ﴿يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ، إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣/ ٣١] إنما هو الشرك». وتلك الحجة القوية التي احتج بها إبراهيم ﵇ على قومه من قوله: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ أرشدنا إليها إبراهيم ووفقناه لها، ليقنع قومه. وهذا يدل على أن الإيمان والكفر لا يحصلان إلا بخلق الله تعالى. إننا نرفع من شئنا من عبادنا درجات في الدنيا في العلم والحكمة، وهي درجة الإيمان، ودرجة العلم، ودرجة الحكمة والتوفيق، درجة النبوة، ما لم يحظ بها غيرهم، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ، مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ، وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ﴾ [البقرة ٢٥٣/ ٢] وفي الآخرة بالجنة والثواب. والمراد من الآية: أنه تعالى رفع درجات إبراهيم بسبب ما آتاه من الحجة. إن ربك حكيم في قوله وفعله وصنعه، عليم بشؤون خلقه، وبمن يهديه ومن يضله، وإن قامت عليهم الحجج والبراهين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ. وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس ٩٦/ ١٠ - ٩٧]. والله يرفع درجات من يشاء بمقتضى الحكمة والعلم، لا بموجب الشهوة والمجازفة، فإن أفعال الله منزهة عن العبث والباطل. ويلاحظ أن معرفة الله تعالى لا تحصل على الوجه الأكمل الصحيح إلا عن طريق الوحي، وعلم الأنبياء بالوحي بدهي لا نظري، فقد علّمهم كل ما يحتاجون إليه من الأدلة العقلية والنقلية.

стр. 2243

فقه الحياة أو الأحكام: علّم الله تعالى إبراهيم ﵇ كل أنواع الحجج العقلية التي يفحم بها قومه، ويبطل شبهاتهم ومزاعمهم بدليل قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ﴾. منها أنهم خوفوه بالأصنام، فكان الرد عليهم بقوله: لا خوف منها أصلا؛ لأن الخوف إنما يحصل ممن يقدر على النفع والضر، والأصنام جمادات لا تقدر على شيء من نفع أو ضر. وأما ما قد يصاب به الإنسان من المصائب، فإما أن يكون بسبب ذنب، فيعاقب عليه، وإما أن يكون ابتلاء واختبارا بمحن الدنيا، فيعرف الصبر عليها ومدى تماسك الإيمان وقت الشدة، وإما أن يكون تسليطا لبعض الظلمة على غيرهم، حتى يكون ظلمهم سببا لإهلاكهم. أما قيام الأنبياء بواجباتهم في الدعوة لإثبات التوحيد وإبطال الشرك فلا يكون سببا لاستحقاق العقاب وإنزال العذاب، خلافا لما يتوهم المشركون عبدة الأوثان؛ فإن الوثنية كلها نابعة من الوهم والخرفة. والمحاجة والجدال محمود كل منهما إذا كانا بقصد تقرير الدين الحق، وهما مذمومان إذا كانا لتقرير الدين الباطل. وإذا كان الشرك بالله مصدر المخاوف والأوهام، فلا غرابة في أن المشركين يعيشون دائما في قلق واضطراب وخوف من مغيبات القدر والمستقبل. أما المؤمنون الموحدون فلهم الأمن المطلق بشرط وجود الوصفين: وهما الإيمان، وهو كمال القوة النظرية، وعدم الإيمان بالظلم، وهو كمال القوة العملية. والمراد من الظلم هنا: هو الشرك؛ لأنه الظلم الأكبر، ولقوله تعالى حكاية عن لقمان،

стр. 2244

إذ قال لابنه وهو يعظه: ﴿يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ، إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ والمراد هنا: الذين آمنوا بالله، ولم يثبتوا لله شريكا في العبادة. أما الفاسق فيحتمل أن يعذبه الله، ويحتمل أن يعفو عنه. ودل قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ﴾ على أن الإيمان والكفر لا يحصلان إلا بخلق الله تعالى. ويؤكده قوله: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ﴾ أي أن الله تعالى هو الذي رفع درجات إبراهيم بسبب أنه آتاه الحجة. إبراهيم أبو الأنبياء وخصائص رسالاتهم والاقتداء بهديهم ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاِجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ (٨٩) أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اِقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ (٩٠)﴾

стр. 2245

الإعراب: ﴿كُلاًّ﴾ منصوب بهدينا، وكذلك ﴿نُوحاً﴾: منصوب بهدينا، وهو منصرف وإن كان قد اجتمع فيه العجمة والتعريف لخفة الوزن؛ لأن خفة الوزن قام مقام أحد السببين، فكأنه بقي سبب واحد، والسبب الواحد لا يمنع الصرف، فانصرف. وهاء ﴿ذُرِّيَّتِهِ﴾ تعود على نوح، ولا يجوز أن تعود على إبراهيم؛ لأن بعده لوطا، ولم يكن من ذرية إبراهيم، وإنما كان من ذرية نوح. و ﴿داوُدَ وَسُلَيْمانَ﴾: منصوبان بهدينا، وهما غير منصرفين للعجمة والتعريف. ﴿وَالْيَسَعَ﴾ ممنوع من الصرف للعجمة والتعريف. ﴿لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ الباء في ﴿بِها﴾ تتعلق ﴿بِكافِرِينَ﴾، والباء في ﴿بِكافِرِينَ﴾ زائدة لتأكيد النفي، كأنه قال: ليسوا بها كافرين، وهو خبر (ليس). ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ﴾ هاء ﴿اِقْتَدِهْ﴾: للسكت، ودخلت بيانا للحركة، وصيانة لها عن الحذف. ومن قرأ بكسر الهاء جعلها كناية عن المصدر، أي: اقتد الاقتداء. المفردات اللغوية: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ﴾ لإبراهيم ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ ابن إسحاق ﴿كُلاًّ﴾ منهما ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ أي نوح ﴿وَسُلَيْمانَ﴾ ابن داود ﴿وَيُوسُفَ﴾ ابن يعقوب ﴿وَإِلْياسَ﴾ ابن أخي هرون أخي موسى ﴿وَإِسْماعِيلَ﴾ ابن إبراهيم ﴿وَالْيَسَعَ﴾ السلام زائدة ﴿وَلُوطاً﴾ ابن هارون أخي إبراهيم ﴿وَكلاًّ﴾ منهم ﴿فَضَّلْنا﴾ بالنبوة. ﴿وَمِنْ آبائِهِمْ.﴾. عطف على ﴿كلاًّ﴾ أو على ﴿نُوحاً﴾ ومن: للتبعيض؛ لأن بعضهم لم يكن له ولد، وبعضهم كان في ولده كافر ﴿وَاجْتَبَيْناهُمْ﴾ اخترناهم واصطفيناهم ﴿ذلِكَ﴾ الدين الذي هدوا إليه ﴿لَحَبِطَ﴾ لبطل عنهم عملهم ﴿الْكِتابَ﴾ أي الكتب ﴿وَالْحُكْمَ﴾ الحكمة وهي العلم النافع والفقه في الدين ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِها﴾ أي بهذه الثلاثة: الكتب والحكمة والنبوة ﴿هؤُلاءِ﴾ أي أهل مكة. ﴿فَقَدْ وَكَّلْنا بِها﴾ هيأنا لها ﴿قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ هم المهاجرون والأنصار. المناسبة: بعد أن حكى الله تعالى عن إبراهيم ﵇ أنه أظهر حجة الله تعالى في التوحيد ونصرها ودافع عنها، عدّد وجوه نعمه وإحسانه عليه؛ وأولها-قوله:

стр. 2246

﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ﴾ وثانيها-قوله: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ﴾ وثالثها-قوله: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ.﴾. أي أنه جعله عزيزا في الدنيا؛ لأنه تعالى جعل أشرف الناس وهم الأنبياء والرسل من نسله ومن ذريته، وأبقى هذه الكرامة في نسله إلى يوم القيامة. التفسير والبيان: أكرم الله نبيه إبراهيم ﵇، فوهب له إسحاق، بعد أن كبر في السن، وأيس هو وامرأته «سارة» من الولد، فجاءته الملائكة وهم ذاهبون إلى قوم لوط، فبشروهما بإسحاق، فتعجبت المرأة من ذلك وقالت: ﴿يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ، وَهذا بَعْلِي شَيْخاً، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ. قالُوا: أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ؟ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ، إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود ٧٢/ ١١ - ٧٣]. بشروهما أيضا بنبوته، وبأن له نسلا وعقبا، كما قال تعالى: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات ١١٢/ ٣٧] وهذا أكمل في البشارة، وأعظم في النعمة، وقال: ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود ٧١/ ١١]. وكان هذا مجازاة ومكافأة لإبراهيم ﵇ حين اعتزل قومه وتركهم، ونزح عنهم، وهاجر من بلاده ذاهبا إلى عبادة الله في الأرض، فعوضه الله عن قومه وعشيرته بأولاد صالحين من صلبه، على دينه، لتقرّبهم عينه، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ، وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ [مريم ٤٩/ ١٩] وقال هاهنا: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ، كُلاًّ هَدَيْنا﴾ أي جعلنا له إسحاق ويعقوب ولدين صالحين ومن الأنبياء، وهدينا كلا منهما كلا هدينا إبراهيم بالنبوة والحكمة والفطنة إلى الحجة الدامغة.

стр. 2247

وإنما ذكر إسحاق دون إسماعيل؛ لأنه هو الذي وهبه الله تعالى بآية منه بعد كبر سنه وعقم امرأته «سارة» جزاء إيمانه وإحسانه، وكمال إسلامه وإخلاصه، بعد ابتلائه بذبح ولده «إسماعيل» الذي لم يكن له ولد سواه، على كبر سنّه، ومثل ذلك الجزاء نجزي المحسنين. وهناك سبب آخر لذكر إسحاق دون إسماعيل: وهو أن المقصود بالذكر أنبياء بني إسرائيل، وهم بأسرهم أولاد إسحاق ويعقوب، وأما إسماعيل فليس من صلبه نبي إلا محمد ﷺ . وإبراهيم من سلالة نوح، وكما هداه الله، هدى جده نوحا قبله، فأتاه النبوة والحكمة، وهذه نعمة من أعظم النعم، فهو من سلالة نبي، وأولاده أنبياء، فجعل من ذريته داود، وسليمان، وأيوب، ويوسف، وموسى، وهارون، فهي ذرية طيبة: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران ٣٤/ ٣]. وإنما ذكر نوحا؛ لأنه جد إبراهيم، كما تقدم، مما يرشد إلى فضل الله عليه في أصوله وفروعه، فهو كريم الآباء، شريف الأبناء، ولأن الله جعل الكتاب والنبوة في نسلهما معا، كما قال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ﴾ [الحديد ٢٦/ ٥٧]. وهدى الله كذلك من ذرية إبراهيم إلى النبوة والحكمة زكريا، ويحيى، وعيسى، وإلياس، وكل منهم من الصالحين قولا وعملا. وعود الضمير إلى إبراهيم؛ لأنه الذي سبق الكلام من أجله، ويجوز عوده إلى نوح؛ لأنه أقرب المذكورين. وهدى أيضا من ذريته إسماعيل ابنه الصلبي وجد المصطفى ﷺ ، واليسع، ويونس، ولوطا، وكلا منهم فضلناه على العالمين. لكن يأتي إشكال هنا وهو أن لوط ﵇ ليس من ذرية إبراهيم، وإنما هو ابن أخيه هاران بن آزر، اللهم إلا أن يقال: إنه دخل في الذرية تغليبا، كما

стр. 2248

في قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ، إِذْ قالَ لِبَنِيهِ:﴾ ﴿ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي؟ قالُوا: نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ: إِبْراهِيمَ، وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ، إِلهاً واحِداً، وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة ١٣٣/ ٢] فإسماعيل عمه دخل في آبائه تغليبا، وكما قال: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاّ إِبْلِيسَ﴾ [الحجر ٣٠/ ١٥، ص ٧٣/ ٣٨] فدخل إبليس في أمر الملائكة بالسجود وذم على المخالفة؛ لأنه كان متشبها بهم، فعومل معاملتهم، ودخل معهم تغليبا، وإلا فهو كان من الجن، وطبيعته من النار، والملائكة من النور. وفي ذكر عيسى ﵇ في ذرية إبراهيم، أو نوح على القول الآخر دلالة على دخول ولد البنات في ذرية الرجل؛ لأن عيسى ﵇ إنما ينسب إلى إبراهيم ﵇ من طريق أمه «مريم» فإنه لا أب له. ومثل ذلك دخول الحسن والحسين ﵄ في ذرية النّبي ﷺ وهما أولاد فاطمة ﵂؛ لما ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ قال للحسن بن علي: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» فسماه ابنا، فدل على دخوله في الأبناء. ويلاحظ أن الله تعالى ذكر أولا أربعة من الأنبياء وهم: نوح، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ثم ذكر من ذريتهم أربعة عشر من الأنبياء: داود، وسليمان، وأيوب، ويوسف، وموسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وإلياس، وإسماعيل، واليسع، ويونس، ولوطا، والمجموع ثمانية عشر. والترتيب بينهم غير معتبر؛ لأن حرف الواو لا يوجب الترتيب. وحكمة جعل الأنبياء في الآية ثلاثة أقسام هي ما يأتي: ١ - داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون: وهؤلاء جمعوا بين النبوة والرسالة وبين الملك والإمارة والحكم، فداود وسليمان كانا ملكين، وأيوب

стр. 2249

كان أميرا، ويوسف كان وزيرا وحاكما متصرفا، وموسى وهارون كانا حاكمين، ولم يكونا ملكين. وقد ذكرهم القرآن على طريقة الترقي في هدى الدين؛ فأفضلهم موسى وهارون، ثم أيوب ويوسف، ثم داود وسليمان. وقوله: ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي بالجمع بين نعم الدنيا والرياسة، وبين هداية الدين وإرشاد الناس. ٢ - زكريا ويحيى وعيسى وإلياس: وهؤلاء امتازوا بالزهد في الدنيا، فوصفهم الله بالصالحين. ٣ - إسماعيل واليسع ويونس ولوط: وهؤلاء لم يكونوا ملوكا كالقسم الأول، ولا زهادا كالقسم الثاني، وإنما لهم أفضلية على العالمين في زمانهم، فالمنفرد منهم أفضل من قومه، والموجود منهم اثنان فأكثر أفضل من أقوامهم، وقد يكون أحدهم أفضل من الآخر، فإبراهيم أفضل من لوط المعاصر له، وموسى أفضل من أخيه ووزيره هارون، وعيسى أفضل من ابن خالته يحيى ﵈. ثم ذكر الله تعالى فضله على هؤلاء الأنبياء، فقال: ﴿وَمِنْ آبائِهِمْ..﴾. أي وهدينا بعض آبائهم، وذرياتهم، وإخوانهم، لا كلهم؛ إذ لم يكن الكل مهديا إلى الخير، كأبي إبراهيم، وابن نوح، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ، وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ، فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ [الحديد ٢٦/ ٥٧]. ثم وصفهم الله بما خصهم به فقال: ولقد ﴿اِجْتَبَيْناهُمْ..﴾. أي ولقد اصطفيناهم واخترناهم وخصصناهم بمزايا كثيرة، وهديناهم إلى الصراط المستقيم: وهو الدين الحق القويم.

стр. 2250

ذلك الهدى الذي هدى به هؤلاء الأنبياء والمرسلين لإصابة الدين الحق، هو هدى الله الخالص وتوفيقه، دون هداية من عداه. والهداية نوعان: إما هداية محضة من الله لا تنال بالسعي والكسب وهي النبوة، وهي المشار إليها في قوله تعالى لنبيه: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾ [الضحى ٧/ ٩٣]. وإما هداية تنال بالسعي والكسب مع التوفيق الإلهي لنيل المراد. ولو أشرك هؤلاء المهتدون بربهم، مع فضلهم ورفعتهم درجات، لبطل أجر عملهم كغيرهم في حبوط أعمالهم، وهو تشديد في أمر الشرك وتغليظ لشأنه، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ.﴾. [الزمر ٦٥/ ٣٩] وهذا شرط، والشرط لا يقتضي جواز الوقوع، كقوله: ﴿قُلْ: إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١/ ٤٣] وقوله: ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا إِنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٧/ ٢١] وقوله: ﴿لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ، سُبْحانَهُ هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ [الزمر ٤/ ٣٩]. أولئك المذكورون، رسالتهم واحدة وهي الدعوة إلى التوحيد لله تعالى، وهم الذين آتيناهم الكتاب (أراد جنس الكتاب): وهو ما ذكر في القرآن من صحف إبراهيم وموسى وزبور داود وتوراة موسى وإنجيل عيسى، وآتيناهم الحكم: أي الحكمة وهي العلم النافع والفقه في الدين، ويتفرع عنه الحكم والقضاء بين الناس لفصل الخصومات، والنبوة، أي جعلناهم أنبياء يوحى إليهم من الله حكمه وأمره ودينه، وبعضهم أوتي النبوة صبيا كيحيى وعيسى ﵉، وبعضهم جمع العطايا الثلاث كإبراهيم وموسى وعيسى وداود، قال تعالى حكاية عن إبراهيم: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً﴾ [الشعراء ٨٣/ ٢٦] وقال حكاية عن موسى: ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً، وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ٢١/ ٢٦] وقال عن داود: ﴿يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ، فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ﴾

стр. 2251

[ص ٢٦/ ٣٨] وقال في داود وسليمان: ﴿وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً﴾ [الأنبياء ٧٩/ ٢١]. ومنهم من أوتي الحكم والنبوة كالأنبياء الذين حكموا بالتوراة، ومنهم من لم يؤت إلا النبوة فقط. فإن يكفر بالكتاب والحكم والنبوة هؤلاء المشركون من أهل مكة، فقد وكلنا برعايتها وعنايتها، ووفقنا للإيمان بها قوما كراما ليسوا بها بكافرين، آمنوا بها وعملوا بأحكامها ودعوا الناس إليها، آمن بعضهم فورا، وسيؤمن بعضهم بعدئذ. أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ﴾ يعني أهل مكة، يقول: إن يكفروا بالقرآن، فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين، يعني أهل المدينة والأنصار (١). والأصح أن المراد بالموكلين بها هم أصحاب النّبي ﷺ مطلقا. ثم ربط الله تعالى بين هؤلاء الأنبياء وخاتم النبيين، فقال: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ..﴾. أي أولئك الأنبياء المذكورون الثمانية عشر الذين آتاهم الله الكتاب والحكم والنبوة، وما أضيف إليهم من الآباء والذرية والإخوان هم أهل الهدى الكامل من الله، لا غيرهم، فبهداهم اقتده، أي اقتد واتبع هداهم في الدعوة إلى توحيد الله وعبادته والأخلاق الحميدة. وإذا كان هذا أمرا للرسول ﷺ ، فأمته تبع له فيما يشرعه ويأمرهم به. قال البخاري عند هذه الآية بسنده عن مجاهد أنه سأل ابن عباس: أفي ص سجدة؟ فقال: نعم، ثم تلا: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ إلى قوله: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ثم قال: هو منهم.

стр. 2252

وقل أيها الرسول لمن أرسلناك إليهم: لا أطلب على تبليغ القرآن أجرا من مال ولا غيره من المنافع الخاصة، كما أن جميع الرسل قبلي لم يطلبوا أجرا على التبليغ والهدى، كما قال تعالى: ﴿قُلْ: لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ [الشورى ٢٣/ ٤٢]. وما هذا القرآن إلا تذكير وموعظة للعالمين، وإرشاد وهدى للمتقين. وهذا تصريح بعموم بعثته ﷺ للناس قاطبة. فقه الحياة أو الأحكام: أنعم الله على نبيه إبراهيم الخليل ﵇ بنعم كثيرة، ذكر في الآية السابقة منها اثنتين وهما قوة الجدل وإفحام الخصوم بالحجة البالغة، ورفع درجاته في الدنيا والآخرة، وذكر في هذه الآية أنه ابن نبي وأبو الأنبياء، فهو كريم الأصل شريف الفرع، وهو في أشرف الأنساب. ودلت الآية كما ذكر سابقا على أن أولاد البنات داخلون في ذرية الإنسان، لذا قال أبو حنيفة والشافعي: من وقف وقفا على ولده وولد ولده أنه يدخل فيه ولد ولده وولد بناته ما تناسلوا. وكذلك إذا أوصى لقرابته يدخل فيه ولد البنات. والقرابة عند أبي حنيفة: كل ذي رحم محرم، ويسقط عنده ابن العمّ والعمة وابن الخال والخالة؛ لأنهم ليسوا بمحرمين. وقال الشافعي: القرابة: كل ذي رحم محرم وغيره، فلم يسقط عنده ابن العم ولا غيره. وقال مالك: لا يدخل في ذلك ولد البنات. وذكر الله في هذه الآية ثمانية عشر نبيا، وهناك سبعة آخرون في القرآن وهم آدم أبو البشر، وإدريس، وهود، وذو الكفل، وصالح، وشعيب، ومحمد خاتم النبيين، فيصبح المجموع خمسة وعشرين نبيا تجب معرفتهم والإيمان بهم؛ لأن الله

стр. 2253

تعالى نص على أسمائهم في القرآن الكريم، وهم كما ذكرت في تفسير الآية (١٦٣) من سورة النساء: آدم، وإدريس، ونوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، وشعيب، وموسى، وهارون، ويونس، وداود، وسليمان، وإلياس، واليسع، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وكذا ذو الكفل عند كثير من المفسرين، وسيدهم محمد ﷺ (١). والآية تدل على أن أول رسول شرع الله له الأحكام من حلال وحرام هو نوح ﵇. ودلت الآية على أن مهام الأنبياء متفاوتة، فمنهم من جمع الله له النبوة والملك والقضاء بين الناس، ومنهم من جمع الله له النبوة والحكم، ومنهم من قصره على النبوة فقط، كما تقدم. ومن هؤلاء الأنبياء من بقي له أتباع كأتباع الديانات الثلاث: اليهودية والنصرانية والإسلام، ومنهم من انقرض أتباعه وهم إسماعيل، واليسع، ويونس، ولوط. والأنبياء أفضل من الملائكة؛ لقوله تعالى بعد ذكر هؤلاء ﵈: ﴿وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ﴾ والعالم: اسم لكل موجود سوى الله تعالى، فيدخل فيه الملائكة، فهذا القول يقتضي كونهم أفضل من كل العالمين. ودل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ﴾ على أنه تعالى خص كل من تعلق بهؤلاء الأنبياء بنوع من الشرف والكرامة، فالآباء: هم الأصول، والذريات: هم الفروع، والإخوان: فروع الأصول. والمراد بالهداية: الهداية إلى الثواب والجنة، والهداية إلى الإيمان والمعرفة.

стр. 2254

وإذا تنكر قوم لرسالة نبي، فإن الله تعالى يهيء لها أقواما آخرين، كما هيأ أهل المدينة عوضا عن أهل مكة. ودل قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ على إبطال الشرك وإثبات التوحيد، كما دل قوله: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ﴾ على وجوب اتباع هدي الأنبياء المشترك وهو أصل التوحيد وعبادة الله والفضائل والأخلاق الشريفة وجميع الصفات الحميدة. واحتج العلماء بهذه الآية على أن رسولنا ﷺ أفضل من جميع الأنبياء ﵈؛ لأن الله أمره بأن يقتدي بهم بأسرهم. إثبات النبوة وإنزال الكتب على الأنبياء ومهمة القرآن ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١) وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩٢)﴾ الإعراب: ﴿إِذْ قالُوا: ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ.﴾. الآية (٩١): ﴿مِنْ﴾ زائدة للتأكيد والعموم، و ﴿شَيْءٍ﴾: في موضع نصب بأنزل. و ﴿نُوراً﴾ منصوب على الحال من الكتاب أو

стр. 2255

من الضمير المجرور في ﴿بِهِ﴾. و ﴿هُدىً﴾ عطف عليه. وكذلك ﴿تَجْعَلُونَهُ﴾ في موضع نصب على الحال. و ﴿قَراطِيسَ﴾ منصوب بتجعلونه، وتقديره: تجعلونه في قراطيس، إلا أنه لما حذف حرف الجر اتصل الفعل به فنصبه. ﴿فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ يلعبون: جملة فعلية في موضع نصب على الحال من ضمير المفعول في ﴿ذَرْهُمْ﴾. ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى﴾ اللام: لام كي، تتعلق بفعل مقدر تقديره: ولتنذر أم القرى أنزلناه. البلاغة: ﴿ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ مبالغة في إنكار نزول شيء من الوحي على أحد من الرسل. ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ﴾ استفهام للتوبيخ والتقريع. ﴿أُمَّ الْقُرى﴾ مكة المكرمة، وفيه استعارة حيث شبهت بالأم؛ لأنها أصل المدن والقرى. المفردات اللغوية: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ﴾ أي ما عرفوا الله حق المعرفة، وما عظموه حق عظمته، والضمير عائد إلى اليهود أو إلى مشركي قريش ﴿إِذْ قالُوا﴾ للنّبي ﷺ وقد خاصموه في القرآن ﴿قَراطِيسَ﴾ واحدها قرطاس: وهو ما يكتب فيه من ورق أو غيره، والمراد: يكتبون الكتاب في دفاتر مقطعة ﴿تُبْدُونَها﴾ أي ما يحبون إبداءه منها ﴿وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ مما فيها كنعت محمد ﷺ ﴿وَعُلِّمْتُمْ﴾ أيها اليهود في القرآن ﴿ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ﴾ من التوراة ببيان ما التبس عليكم واختلفتم فيه. ﴿قُلِ اللهُ﴾ أنزله إن لم يقولوه، لا جواب غيره ﴿فِي خَوْضِهِمْ﴾ أباطيلهم. ﴿مُبارَكٌ﴾ فيه بركة، أي زيادة وسعة، بارك الله فيه بما امتاز به عما قبله من الكتب في النظم والمعنى ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ قبله من الكتب ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى﴾ مكة، سميت بذلك؛ لأنها قبلة أهل القرى كلها، ولأنها مكان أول بيت وضع للناس، والفعل معطوف على معنى ما قبله، أي أنزلناه للبركة والتصديق، ولتنذر به أم القرى: مكة، ومن حولها، أي سائر الناس ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ يصدّقون بالعاقبة ويخافونها ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ بهذا الكتاب، وذلك أن أصل الدين: خوف العاقبة، فمن خافها، لم يزل به الخوف حتى يؤمن ﴿وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ خوفا من عقاب الآخرة. وخص الصلاة؛ لأنها عماد الدين، ومن حافظ عليها حافظ على أخواتها.

стр. 2256

سبب النزول: نزول الآية (٩١): ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل من اليهود يقال له: مالك بن الصّيف، فخاصم النّبي ﷺ ، فقال له النّبي ﷺ : «أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السّمين؟» وكان حبرا سمينا، فغضب، وقال: ما أنزل الله على بشر من شيء، فقال له أصحابه: ويحك، ولا على موسى، فأنزل الله: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية. وهو خبر مرسل، وأخرج ابن جرير الطبري نحوه عن عكرمة. وقال ابن عباس في رواية الوالبي: قالت اليهود: يا محمد، أنزل الله عليك كتابا؟ قال: نعم، قالوا: والله، ما أنزل الله من السماء كتابا، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ: مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنّاسِ﴾ ويؤيده قول الحسن وسعيد بن جبير: الذي قال: ﴿ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ﴾ هو أحد اليهود، قال: لم ينزل الله كتابا من السماء، وقال السدي: اسمه فنحاص. وعن سعيد بن جبير أيضا قال: هو مالك بن الصيف. وقال محمد بن كعب القرظي: أمر الله محمدا ﷺ أن يسأل أهل الكتاب عن امره، وكيف يجدونه في كتبهم، فحملهم حسد محمد أن كفروا بكتاب الله ورسوله، وقالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء، فأنزل الله تعالى هذه الآية (١). وذكر عن ابن عباس في رواية أخرى: أن آية: ﴿إِذْ قالُوا: ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني مشركي قريش. وهذا هو الراجح، كما سأبين.

стр. 2257

المناسبة: إن مدار أمر القرآن على إثبات التوحيد والنبوة والمعاد، ولما حكى تعالى عن إبراهيم ﵇ أنه ذكر دليل التوحيد، وإبطال الشرك، وأبان الله تعالى ذلك الدليل بالوجوه الواضحة، شرع بعده في تقرير أمر النبوة، فقال: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ حيث أنكروا النبوة والرسالة، فهذا بيان وجه نظم هذه الآيات (١). التفسير والبيان: إن منكري الوحي الذين يكفرون برسل الله: وهم إما قريش أو طائفة من اليهود، كما ذكر في سبب النزول، ما عرفوا الله حق معرفته وما عظموه حق تعظيمه؛ إذ كذبوا رسله إليهم، وقالوا: ما أنزل الله كتابا من السماء. قال ابن كثير: والأول (أي نزولها في قريش) أصح؛ لأن الآية مكية، واليهود لا ينكرون إنزال الكتب من السماء، وقريش والعرب قاطبة كانوا ينكرون إرسال محمد ﷺ ؛ لأنه من البشر (٢)، كما قال: ﴿أَكانَ لِلنّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ﴾ [يونس ٢/ ١٠] وقال : ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاّ أَنْ قالُوا: أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَسُولاً. قُلْ: لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ، لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولاً﴾ [الإسراء ٩٤/ ١٧ - ٩٥] وقال هاهنا: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا: ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾. والواقع أن من عرف الله حقيقة، وأدرك أنه القادر على كل شيء، والعالم بكل شيء، ووسعت رحمته كل شيء، أيقن أن الإنسان بأشد الحاجة إلى الكتاب

стр. 2258

الإلهي، والاهتداء بهدي الأنبياء والمرسلين، لإحراز السعادة الأبدية، وتحقيق الرقي الإنساني مادة ومعنى، فقد كان البشر البدائيون فوضى، والعالم يئن من الاضطراب والقلق، فكانت رسالة الرسل أداة تنظيم المجتمع، وواسطة الرقي، وسبيل الإصلاح الاجتماعي والأخلاقي، والحد من غطرسة الحاكم وظلم الفرد والجماعة، فمن أنكر رسالة الرسل ما عرف الله حق المعرفة، ولا قدرة حق قدره. ثم ذكر الله الدليل الحسي على منكري الوحي والرسالة من مشركي قريش، وأمر الله نبيه محمدا أن يقول لهم: من أنزل كتاب التوراة على موسى بن عمران، الذي كان نورا بدد الظلام، وهدى للناس الذين أخرجهم من الضلال إلى نور الحق، وصاروا خلقا آخر بسبب الاهتداء بهدي الله، وأنتم تعترفون بالتوراة إذ قلتم: ﴿لَوْ أَنّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنّا أَهْدى مِنْهُمْ﴾ [الأنعام ١٥٧/ ٦]. وقوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ هذا لليهود الذين أخفوا صفة النّبي ﷺ وغيرها من الأحكام، والمعنى: تجعلون جملتها قراطيس أي قطعا تكتبونها من الكتاب الأصلي الذي بأيديكم، وتحرفون منها ما تحرفون، وتبدلون منها ما تبدلون، وتقولون: هذا من عند الله، أي في كتابه المنزل، وما هو من عند الله. وإذا جرينا على أن الأصح في سبب نزول هذه الآية وهو كونها في مشركي قريش، فيظهر إشكال، إذ كيف يكون الخطاب في أول الآية: ﴿قُلْ: مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ﴾ لقريش، ونهايتها ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ﴾ لليهود؟ والجواب: إذا كان سبب النزول هو اليهود، فأول الآية وآخرها فيهم، وإذا كان سبب النزول هو مشركي قريش، فتأويل الآية: من أنزل التوراة على موسى نورا وهدى للناس، وقد كانت كذلك حتى غيروها وحرّفوها، ونسوا حظا كثيرا منها، وجعلوها قراطيس مقطعة، يبدونها عند الحاجة، فإذا استفتي أحد

стр. 2259

أحبارهم (علمائهم) في مسألة، أظهر منها ما يتفق مع هواه، وأخفى كثيرا من أحكام الكتاب، والسبب أن الكتاب محجور عليه بأيديهم، ولم يكن في أيدي العامة نسخ منه، وهذا الإخفاء محصور فيما تذكروه، لا ما نسيه متقدمو اليهود من الكتاب بضياعه عند تخريب بيت المقدس، وإجلاء اليهود إلى العراق، وهو ما أشار إليه تعالى بقوله: ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة ١٣/ ٥] ثم كرر ذلك في الآية التالية بعدها فقال: ﴿فَنَسُوا حَظًّا﴾ وقد كتموا صفة النّبي ﷺ ، والبشارة به، وحكم الزنى وهو الرجم. فأنتم أيها المشركون لا تثقوا بأقوال اليهود أشد أعداء النّبي ﷺ . وهذا المعنى منسجم مع قراءة يجعلونه بالياء، أما على قراءة ﴿تَجْعَلُونَهُ﴾ بالتاء، فيكون الله قد أمر نبيه ﷺ أن يقرأ هذه الآية على اليهود وغيرهم بالخطاب لهم. قال مجاهد: قوله تعالى: ﴿قُلْ: مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى﴾ خطاب للمشركين، وقوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ﴾ لليهود، وقوله: ﴿وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا..﴾. للمسلمين. قال القرطبي: وهذا يصح على قراءة من قرأ يجعلونه قراطيس بالياء. والوجه على قراءة التاء أن يكون كله لليهود، ويكون معنى ﴿وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ على وجه المنّ عليهم بإنزال التوراة. والخلاصة: أن الآية ﴿قُلْ: مَنْ أَنْزَلَ.﴾. إن كانت واردة في حق قريش، فيمكن جعل أولها فيهم، وآخرها في اليهود، على قراءة الياء يجعلونه. وأما على قراءة التاء فلا تفهم إلا بجعلها كلها لليهود. وقوله: ﴿وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ﴾ الخطاب: إما في حق العرب، كما قال مجاهد: هذا خطاب للعرب، وفي رواية عنه: للمسلمين، ومآلهم

стр. 2260

واحد، لأن ما علمه العرب نقلوه إلى سائر المسلمين. وكما قال قتادة: هؤلاء مشركو العرب، والمعنى: وعلمكم الله بالقرآن من أخبار السابقين، وأنباء اللاحقين، ما لم تكونوا تعلمون ذلك، لا أنتم ولا آباؤكم. وفي ذلك امتنان من الله على الرسول ﷺ والمسلمين بإنزال هذا القرآن عليهم لبيان أصول الاعتقاد مع الدليل، وإتمام مكارم الأخلاق، وتشريع العبادات لتزكية النفوس وتطهيرها، والمعاملات لنفع الأفراد والجماعات، وتقرير أصول الحياة كالحرية والكرامة الإنسانية والمساواة بين الناس، فلا فضل لأحد على آخر إلا بالتقوى أو بالعمل الصالح. وقال الزمخشري وغيره: الخطاب في هذه الآية: ﴿وَعُلِّمْتُمْ.﴾. لليهود، أي علمتم على لسان محمد ﷺ مما أوحى الله إليه ما لم تعلموا أنتم مع أنكم حملة التوراة، ولم تعلمه آباؤكم الأقدمون الذين كانوا أعلم منكم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل ٧٦/ ٢٧]. وأضاف الزمخشري بصيغة التضعيف قائلا: وقيل: الخطاب لمن آمن من قريش، كقوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ [يس ٦/ ٣٦] (١). وعلى رأي الزمخشري يكون المقصود المنّ على اليهود بإنزال التوراة فيهم. ثم قال الله لنبيه: ﴿قُلِ: اللهُ﴾ أي قل يا محمد: الله أنزل الكتاب على موسى، وهذا الكتاب عليّ، أو قل: الله علمكم الكتاب، قال ابن عباس: أي قل: الله أنزله. قال ابن كثير: وهذا الذي قاله ابن عباس هو المتعين في تفسير هذه الكلمة. ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ أي ثم دعهم واتركهم في جهلهم وضلالهم

стр. 2261

يلعبون، حتى يأتيهم من الله اليقين (الموت) فسوف يعلمون، ألهم العاقبة، أم لعباد الله المتقين؟! ثم حدد تعالى مهمة القرآن فقال: ﴿وَهذا كِتابٌ.﴾. أي وهذا القرآن كتاب أنزلناه، يهدي إلى الحق وإلى سواء السبيل، كما أنزلنا من قبله التوراة على موسى، وقد جعلناه كثير البركة والخير، ومؤيدا لما تقدمه من الكتب، ومهيمنا عليها، يبشر بالجنة والثواب والمغفرة من أطاع الله، وينذر بالنار والعقاب من عصى الله، ولينذر أهل أم القرى: مكة، ومن حولها من سائر الناس، أي من أحياء العرب ومن سائر طوائف بني آدم من عرب وعجم، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿قُلْ: يا أَيُّهَا النّاسُ، إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ [الأعراف ١٥٨/ ٧] وقال: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام ١٩/ ٦] وقال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ، فَالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود ١٧/ ١١] وقال: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان ١/ ٢٥] وقال: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ: أَأَسْلَمْتُمْ، فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ، وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ [آل عمران ٢٠/ ٣] وثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي» وذكر منهن: «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة». ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي كل من آمن بالبعث والمعاد وقيام الساعة أو اليوم الآخر يؤمن ويصدق بصحة هذا الكتاب المبارك الذي أنزلناه إليك يا محمد، وهو القرآن. هؤلاء المؤمنون هم الذين يحافظون على صلواتهم، أي يقيمون ما فرض عليهم من أداء الصلوات في أوقاتها، ويسرعون إلى كل أمر آخر أمروا به.

стр. 2262

فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - تعظيم الله واجب، ومن مقتضى تعظيمه الاعتراف بإنزاله الكتب السماوية على أنبيائه، رحمة بعبادة، وإصلاحا لشأنهم. ٢ - الواجب على العالم إظهار جميع ما علمه من أحكام الله، ويحرم عليه إظهار بعضها، وإخفاء بعضها الآخر. ٣ - إن إيراد نبوة موسى ﵇ لإلزام كفار قريش في قولهم: ﴿ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾. ٤ - اللفظ وإن كان مطلقا بحسب أصل اللغة إلا أنه قد يتقيد بحسب العرف أي بالواقعة التي ذكر فيها أن الله يبغض الحبر السمين، ثم يكون المراد: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ولما كان كفار قريش واليهود والنصارى مشتركين في إنكار نبوة محمد ﵊، لم يبعد أن يكون الكلام الواحد واردا على سبيل أن يكون بعضه خطابا مع كفار مكة، وبقيته يكون خطابا مع اليهود والنصارى (١). ٥ - القرآن الكريم كتاب مبارك كثير الخير والعطاء، مصدق لما تقدمه من الكتب السماوية في صورتها الأصلية الصحيحة، ومهيمن عليها، وناسخ لما خالفه منها، ومبشر المحسنين بالجنة والمغفرة، ومنذر الكافرين والفاسقين بالنار والعذاب فيها. ٦ - أفادت الآية كغيرها مما ذكر عموم بعثة النّبي ﷺ للجن والإنس، جميع

стр. 2263

أجناس البشر والطوائف والأقوام، دون تفرقة ولا تمييز بين جنس وآخر، أو عنصر وآخر، أو زمن أو مكان دون غيره. ٧ - الإيمان بالآخرة أصل الدين، ومن آمن بها آمن بالقرآن. والصلاة عماد الدين، ومن أقامها أقام الدين كله، ومن هدمها هدم الدين كله. افتراء الكذب على الله وعقابه ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣) وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾ الإعراب: ﴿وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ﴾: جملة اسمية في موضع نصب على الحال من الظالمين. والهاء والميم في ﴿أَيْدِيهِمْ﴾: تعود على ﴿الْمَلائِكَةُ﴾. و ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾: جملة فعلية في موضع نصب بفعل مقدر، تقديره: يقولون: أخرجوا أنفسكم، فحذف يقولون وحذف القول في كلامهم كثير. و ﴿الْيَوْمَ﴾ منصوب بأخرجوا، وقيل: بتجزون. ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾: فرادى: في موضع نصب على الحال من الضمير المرفوع في ﴿جِئْتُمُونا﴾ ولا ينصرف لأن في آخره ألف التأنيث.

стр. 2264

والكاف في ﴿كَما﴾ في موضع نصب؛ لأنها وصف لمصدر محذوف، تقديره: ولقد جئتمونا منفردين مثل حالكم أول مرة. ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ منصوب على الظرف، تقديره: لقد تقطع ما بينكم، على أن تكون «ما» نكرة موصوفة، ويكون ﴿بَيْنَكُمْ﴾ صفته، فحذف الموصوف، ولا تكون موصولة على مذهب البصريين، لأن الاسم الموصول لا يجوز حذفه، وأجازه الكوفيون. البلاغة: ﴿فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ﴾: استعارة حيث شبه ما يعتورهم من كرب الموت وغصصه بالذين تتقاذفهم غمرات الموت ولججه. المفردات اللغوية: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ لا أحد أظلم ﴿اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ اختلق الكذب وحكى عنه ما لم يقله، بادعاء النبوة مثلا ولم ينبأ، أو اتخاذ الأنداد والشركاء. ﴿وَمَنْ قالَ: سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ﴾ وهم المستهزئون قالوا: لو نشاء لقلنا مثل هذا ﴿وَلَوْ تَرى﴾ يا محمد ﴿فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ﴾ سكرات الموت، جمع غمرة وهي الشدة. ﴿وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ﴾ إليهم بالضرب والتعذيب، يقولون لهم تعنيفا: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ إلينا لنقبضها ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾ المراد به هنا: يوم القيامة الذي يبعث فيه الناس للحساب والجزاء. وأصل اليوم: الزمن المحدود المعروف (٢٤ ساعة) ﴿عَذابَ الْهُونِ﴾ الهوان وهو الذل، ومنه قوله تعالى: ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ﴾ [النحل ٥٩/ ١٦] والهون بالفتح: اللين والرفق، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾ [الفرقان ٦٣/ ٢٥]. ﴿تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ بادعاء النبوة والإيحاء كذبا ﴿تَسْتَكْبِرُونَ﴾ تتكبرون عن الإيمان بها. وجواب ﴿وَلَوْ تَرى﴾: لرأيت أمرا فظيعا. ﴿فُرادى﴾ جمع فرد، أي منفردين عن الأهل والمال والولد ﴿كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي حفاة عراة غرلا ﴿خَوَّلْناكُمْ﴾ أعطيناكم ومنحناكم من الأموال، والخول: الخدم والحشم. وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم: يراد به عدم الانتفاع بالشيء، وتركه في الدنيا بغير اختياركم ﴿ما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ﴾ أي الأصنام، يقال لهم ذلك توبيخا ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ﴾ أي استحقاق عبادتكم ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ بالضم أي وصلكم، أي تشتت جمعكم، وفي قراءة النصب: ظرف، أي وصلكم بينكم. والبين: الصلة، والمسافة بين شيئين أو أشياء، ويضاف إلى المثنى مثل: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات ١٠/ ٤٩] وإلى الجمع مثل: ﴿أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ [النساء ١١٤/ ٤] ولا يضاف إلى المفرد إلا إذا كرر نحو: ﴿هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف ٧٨/ ١٨].

стр. 2265

﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ﴾ أي غاب عنكم ﴿ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ في الدنيا من شفاعتها. سبب النزول: نزول الآية (٩٣): ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾: أخرج ابن جرير الطبري عن عكرمة في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ قال: نزلت في مسيلمة. ومن قال: ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ﴾ قال: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، كان يكتب للنّبي ﷺ فيملي عليه: عزيز حكيم فيكتب: غفور رحيم ثم يقرأ عليه، فيقول: نعم سواء، فرجع عن الإسلام ولحق بقريش. وأخرج الطبري عن السدي نحوه، وزاد «قال: إن كان محمد يوحى إليه، فقد أوحي إلى، وإن كان الله ينزله، فقد أنزلت مثل ما أنزل الله، قال محمد: سميعا عليما، فقلت أنا: عليما حكيما. نزول الآية (٩٤): ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾: أخرج ابن جرير وغيره عن عكرمة قال: قال النضر بن الحارث: سوف تشفع إليّ اللات والعزى، فنزلت هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ إلى قوله: ﴿شُرَكاءُ﴾. المناسبة: الآيات استمرار في إثبات النبوة، فلما بيّن الله تعالى أن القرآن كتاب نازل من عند الله على محمد، وأنه مثل التوراة التي يعترفون بإنزالها على موسى، وكل من النبيين بشر، ذكر عقيبه ما يدل على وعيد من ادعى النبوة والرسالة، على سبيل الكذب والافتراء، فقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ الآية، وهذا الوعيد يتضمن الشهادة بصدق النّبي ﷺ ؛ لأن نفي النبوة عن مدعيها

стр. 2266

إثبات لمن أعطيها حقا؛ لأن محمدا ﵇ مؤمن بالله واليوم الآخر، والمؤمن بذلك لا يعرّض نفسه للظلم الذي يوجب أشد العذاب، ففي ذلك شهادة ضمنية للنّبي ﷺ ، حيث بيّن عاقبة الكذب على الله. التفسير والبيان: لا أحد أظلم ممن كذب على الله، فجعل له شريكا أو ولدا، أو ادعى النبوة والرسالة، ولم يرسله الله إلى الناس. أو قال: أوحي إلي ولم يوح إليه شيء، والفرق بين هذا القول وبين ما قبله: أن في الأول كان يدعي أنه أوحي إليه، وأما في هذا القول فقد أثبت الوحي لنفسه، ونفاه عن محمد ﵊، ففيه جمع بين كذبين: وهو إثبات ما ليس بموجود ونفي ما هو موجود. أو قال: ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ﴾ أي أنه قادر على إنزال مثل ما أنزل الله على رسوله، كمن قال من المشركين: ﴿لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا﴾ [الأنفال ٣١/ ٨]. هذا وعيد من صدر عنه أحد الأشياء الثلاثة، أما القولان الأولان (افتراء الكذب على الله، وادعاء الوحي) فالمراد بهما: من ادعى النبوة، مثل مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة، والأسود العنسي في صنعاء باليمن، وطليحة الأسدي في بني أسد ونحوهم، وكان مسيلمة يقول: محمد رسول قريش، وأنا رسول بني حنيفة. والقول الثالث أريد به ما قاله النضر بن الحارث الذي قال: ﴿لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا﴾ وكان يقول في القرآن: إنه من أساطير الأولين، وإنه شعر، لو نشاء لقلنا مثله. ثم ذكر تعالى نوع وعيد الظالمين أمثال هؤلاء فقال: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ

стр. 2267

الظّالِمُونَ.﴾. أي ولو تبصر أيها الرسول وكل سامع وقارئ حين يكون الظالمون في سكرات الموت وغمراته وكرباته أو شدائده وآلامه، لرأيت أمرا عجبا عظيما فظيعا لا سبيل إلى وصفه، والحال أن الملائكة قد بسطت أيديها إليهم لقبض أرواحهم بالضرب ومنتهى الشدة والعنف، كما قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾ [محمد ٢٧/ ٤٧]. وتقول لهم الملائكة توبيخا وتأنيبا وتهكما حين قبض أرواحهم: أخرجوا أنفسكم وأرواحكم إلينا من أجسادكم، وهذا دليل العنف والتشديد في إزهاق الروح من غير إمهال. وسبب ذلك أن الكافر إذا احتضر بشرته الملائكة بالعذاب والنكال والجحيم وغضب الله، فتتفرق روحه في جسده وتأبى الخروج، فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم قائلين لهم: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ...﴾ أي اليوم تهانون غاية الإهانة، كما كنتم تكذبون على الله، وتستكبرون عن اتباع آياته، والانقياد لرسله، فلا تؤمنون بالآيات والرسل، وتفترون على الله غير الحق. والمراد باليوم: وقت الإماتة وما يعذبون به من شدة النزع، ويجوز أن يراد به: الوقت الممتد المتطاول الذي يلحقهم فيه العذاب في البرزخ والقيامة. والهون: الهوان الشديد، وإضافة العذاب إليه كقولك: رجل سوء، يريد العراقة في الهوان والتمكن فيه. قال الزمخشري في قوله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ﴾: هذه عبارة عن العنف في السياق والإلحاح والتشديد في الإزهاق من غير تنفيس وإمهال، وأنهم يفعلون بهم فعل الغريم (الدائن) المسلّط، يبسط يده إلى من عليه الحق، ويعنف عليه في المطالبة ولا يمهله، ويقول له: أخرج مالي عليك الساعة، ولا أريم (أبرح) مكاني حتى أنزعه من أحداقك (١).

стр. 2268

ثم يقول الله تعالى لهم: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى..﴾. أي ولقد أتيتمونا منفردين عن الأنداد والشركاء والأولياء والشفعاء، وعن الخدم والأملاك والأموال، كما خلقناكم أولا من بطون أمهاتكم حفاة عراة غرلا (غير مختونين)، وتركتم ما أعطيناكم من مال وولد وخدم وأثاث وقصور وغيرها من النعم والأموال التي اقتنيتموها في الدنيا وراء ظهوركم، ولم تنتفعوا بها هنا، إذ أنها لم تغن عنكم شيئا. ولا منافاة بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [البقرة ١٧٤/ ٢] لأن المراد: لا يكلمهم تكليم تكريم ورضا. وتتمة الكلام تقريع لهم وتوبيخ على ما كانوا اتخذوا في الدنيا من الأنداد والأصنام والأوثان، ظانين أنها تنفعهم في معاشهم ومعادهم، فقال: ﴿وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ..﴾. أي وما نبصر معكم شفعاءكم من الأصنام الذين زعمتم أنها شفعاؤكم وشركاء لله. لقد تقطع بينكم، أي لقد تقطع يوم القيامة ما كان بينكم من صلة الولاء والتعاطف والأسباب والوسائل، والصلات والصدقات، أي وقع التقطع بينكم، وانزاح الضلال، وغاب وذهب عنكم ما كنتم تفترونه من شفاعة الشفعاء، ونداء الأوثان والشركاء، ورجاء الأصنام، ويناديهم الرب ﷻ على رؤوس الخلائق: ﴿أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ؟﴾ [القصص ٦٢/ ٢٨] ويقال لهم: ﴿أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ، هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ؟﴾ [الشعراء ٩٢/ ٢٦ - ٩٣]. والمراد بقوله: ﴿أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ﴾ أي في استعبادكم، واستحقاق عبادتكم، والعبادة لهم فيكم؛ لأنهم حين دعوهم آلهة وعبدوها، فقد جعلوها لله شركاء فيهم وفي استعبادهم. والمقصود من الكلام في الجملة: إن آمالكم خابت في كل ما تزعمون

стр. 2269

وتتوهمون، فلا فداء ولا شفاعة، ولا سبيل لدفع عذاب الله عنكم: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً، وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾ [الانفطار ١٩/ ٨٢]. فقه الحياة أو الأحكام: إن أعظم الفرى أن تجعل لله ندّا وهو خلقك، أو تفتري على الله كذبا فتدعي النبوة والوحي، أو تنفي النبوة عن النبي، كمحمد ﷺ ، أو تزعم القدرة على إنزال مثل ما أنزل الله. قال القرطبي: ومن هذا النمط: من أعرض عن الفقه والسنن وما كان عليه السلف من السنن، فيقول: وقع في خاطري كذا، أو أخبرني قلبي بكذا؛ فيحكمون بما يقع في قلوبهم ويغلب عليهم من خواطرهم، ويزعمون أن ذلك لصفائها من الأكدار، وخلوّها من الأغيار، فتتجلى لهم العلوم الإلهية والحقائق الربانية، ويقولون: هذه الأحكام الشرعية العامة، إنما يحكم بها على الأغبياء والعامّة، وأما الأولياء وأهل الخصوص، فلا يحتاجون لتلك النصوص. وقد جاء فيما ينقلون: استفت قلبك وإن أفتاك المفتون؛ ويستدلون على هذا بالخضر، وأنه استغنى بما تجلّى له من تلك العلوم، عما كان عند موسى من تلك الفهوم. وهذا القول زندقة وكفر، يقتل قائله ولا يستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب؛ فإنه يلزم منه هدّ الأحكام، وإثبات أنبياء بعد نبينا ﷺ (١). ومما نحمد الله عليه أن أسطورة المتنبئين قد انتهت في بطون التاريخ، ولم يكتب لها البقاء؛ إذ ليس لها مقومات الحياة. ودلت الآية على أن قبض روح الكافر في منتهى الشدة والعنف، وأما قبض

стр. 2270

روح المؤمن فيكون في يسر وسهولة، كما دلت الأحاديث المتواترة عن أبي هريرة وغيره؛ لأن روح المؤمن تنشط للخروج للقاء الله، وروح الكافر تنتزع انتزاعا شديدا، ويقال: أيتها النفس الخبيثة اخرجي ساخطة مسخوطا عليك إلى عذاب الله وهوانه، كما قال رسول الله ﷺ فيما رواه أحمد والشيخان والبيهقي عن أبي موسى الأشعري: «من أراد لقاء الله أراد الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه». ولا تنفع الأملاك والأموال ونعم الدنيا يوم الآخرة، ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت، وما سوى ذلك فذاهب، وتاركة للناس». فالأموال التي اكتسبها، وأفنى عمره في تحصيلها تبقى وراء ظهره، وما يبقى وراء الظهر لا ينتفع به: ﴿وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ﴾. كذلك لا نفع في الشركاء والأصنام المعبودين من دون الله، فكلها لا أثر لها في القيامة بين يدي الله والحساب: ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أي ذهب ما تكذبون به في الدنيا. روي أن الآية نزلت في النضر بن الحارث. وروى مسلم أن عائشة ﵂ قرأت قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فقالت: يا رسول الله، ووا سوأتاه! إن الرجال والنساء يحشرون جميعا، ينظر بعضهم إلى سوءة بعض؟ فقال رسول الله ﷺ : «﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٧/ ٨٠] لا ينظر الرجال إلى النساء، ولا النساء إلى الرجال، شغل بعضهم عن بعض».

стр. 2271

قدرة الله الباهرة في الكون ﴿إِنَّ اللهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللهُ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ اُنْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾ الإعراب: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً﴾ ﴿اللَّيْلَ﴾: مفعول أول، و ﴿سَكَناً﴾: مفعول ثان. ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾: عطف على ﴿اللَّيْلَ﴾، و ﴿حُسْباناً﴾، أي: ذا حساب هو مفعول ثان. وقال السيوطي: هو حال من مقدار أي يجريان بحسبان، كما في آية الرحمن. ومن قرأ: وجاعل الليل أضاف اسم الفاعل إلى الليل، ويكون ﴿سَكَناً﴾ منصوبا بتقدير فعل مقدر، تقديره: وجعل الليل سكنا. وكذلك يكون: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ منصوبين بتقدير ﴿جَعَلَ﴾. ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾: مرفوعان بالابتداء، وخبرهما محذوف، وتقديره: فمنكم مستقر، ومنكم مستودع، مستقر في الأرحام، ومستودع في الأصلاب.

стр. 2272

﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾: أي فاستقر من النخل، و ﴿مِنْ طَلْعِها﴾: بدل منه، أعني من النخل. و ﴿قِنْوانٌ﴾: مرفوع بقوله: ﴿مِنْ طَلْعِها﴾ على قول من أعمل الثاني في نحو: قاما وقعد الزيدان، وهو مذهب البصريين. ومرفوع بقوله: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ﴾ على قول من أعمل الأول في نحو: قام وقعدا الزيدان، وهو مذهب الكوفيين. ﴿وَجَنّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ﴾ بالنصب معطوف على قوله: ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً﴾ وبالرفع على أنه مبتدأ محذوف الخبر، وتقديره: ولهم جنات. ﴿اُنْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ﴾ اسم جنس، جمع ثمرة، كشجرة وشجر. ومن قرأه بالضم «ثمره» جعله جمع ثمار، وثمار جمع ثمرة، فجعله جمع الجمع. البلاغة: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ بينهما طباق ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ فيه رد العجز على الصدر. ﴿فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ استفهام إنكاري بمعنى النفي أي لا وجه لصرفكم عن الإيمان بعد قيام البرهان ﴿فَأَخْرَجْنا بِهِ﴾ فيه التفات عن الغيبة للاعتناء بشأن المخرج والإشارة إلى عظم النعم ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ﴾ عطف خاص على عام لمزيد الشرف. المفردات اللغوية: ﴿فالِقُ﴾ شاق، والفلق والفرق والفتق بمعنى واحد: وهو الشق في الشيء مع الإبانة ﴿الْحَبِّ﴾ الحنطة ونحوها مما يكون في السنبل والأكمام ﴿النَّوى﴾ جمع نواة، وهي بزر التمر والزبيب ونحوهما، والمعنى: إن الله شاق الحب عن النبات والبزر عن النخل والكرمة ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ كالإنسان والطائر من النطفة والبيضة ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ﴾ النطفة والبيضة ﴿مِنَ الْحَيِّ﴾. ﴿ذلِكُمُ﴾ الفالق المخرج هو ﴿اللهَ﴾ ﴿فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ فكيف تصرفون عن الإيمان مع قيام البرهان. ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ﴾ أي شاق عمود ضوء الصبح (وهو أول ما يبدو من نور النهار) عن ظلمة الليل. والإصباح: مصدر بمعنى الصبح ﴿سَكَناً﴾ تسكن فيه الخلائق من التعب. ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ بالنصب عطفان على محل ﴿اللَّيْلَ﴾. ﴿حُسْباناً﴾ حسابا للأوقات والحسبان والحساب: استعمال العدد في الأشياء والأوقات ﴿ذلِكَ﴾ المذكور ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ في ملكه ﴿الْعَلِيمِ﴾ بخلقه.

стр. 2273

﴿فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ في الأسفار ﴿قَدْ فَصَّلْنَا﴾ بينا ﴿الْآياتِ﴾ الدلالات على قدرتنا ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ يتدبرون. ﴿أَنْشَأَكُمْ﴾ خلقكم ﴿مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ هي آدم ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ موضع قرار منكم في الرحم أو إقامة في الأرض، كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة ٣٦/ ٢، والأعراف ٢٤/ ٧] ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ موضع الوديعة ﴿لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ الفقه: فهم الشيء مع التعمق في التفكير ﴿فَأَخْرَجْنا بِهِ﴾ بالماء ﴿خَضِراً﴾ أي نباتا أخضر ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ﴾ من الخضر ﴿حَبًّا مُتَراكِباً﴾ يركب بعضه بعضا كسنابل الحنطة ونحوها ﴿مِنْ طَلْعِها﴾ الطلع: أول ما يبدوا ويظهر من زهر النخلة قبل أن ينشق عنه غلافه ﴿قِنْوانٌ﴾ عراجين، جمع قنو، وهو عذق الثمر، وهو من النخيل كالعنقود من العنب، والسنبلة من القمح ﴿دانِيَةٌ﴾ قريب بعضه من بعض، وقريب التناول ﴿جَنّاتٍ﴾ بساتين ﴿مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ أي متشابها في بعض الصفات كالورق، وغير متشابه في بعض آخر كالثمر، أي متشابه الورق والثمر وغير متشابه. ﴿وَيَنْعِهِ﴾ نضجه، أي حين يينع ويبدو نضجه واكتماله، والمراد: انظروا أيها المخاطبون نظر اعتبار إلى ثمره إذا أثمر (أول ما يبدو) كيف هو، وإلى نضجه إذا أدرك كيف يصبح ﴿إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ﴾ دلالات على قدرته تعالى على البعث وغيره ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ خصوا بالذكر؛ لأنهم المنتفعون بها في الإيمان، بخلاف الكافرين. المناسبة: بعد أن أثبت الله تعالى التوحيد، وقرر أمر النبوة، وبعض أحوال البعث، عاد هنا إلى بيان بعض الأدلة الدالة على وجود الصانع، وهي تتلخص في الخلق والإيجاد، والإحياء والإماتة، والتقدير والتدبير لحركة الكواكب والنجوم وتقلب الليل والنهار. التفسير والبيان: عدّد الله تعالى في هذه الآيات بعض مظاهر قدرته الباهرة وحكمته البالغة، فبدأ بالنبات وأخبر أنه فالق الحب والنوى، أي يشقه بقدرته في التراب، فينبت منه الزرع على اختلاف أصنافه من الحبوب، والثمار على اختلاف ألوانها وأشكالها وطعومها، من النوى، لذا فسر قوله: ﴿فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى﴾ بقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ أي يخرج النبات الحي

стр. 2274

المتحرك من الحب والنوى الذي هو كالجماد الميت، عن طريق ربط الأسباب بمسبباتها، ببذر الحب والنوى في التراب، وإرواء التراب بالماء. وذلك يدل على كمال قدرته، وبديع حكمته. فقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ معناه يخرج الزرع الأخضر والشجر النامي، من الميت الجامد، والمراد بالحياة هنا النمو والتغذية، والميت: هو ما لا نماء فيه ولا يتغذى، مثل التراب والحب والنوى وغيرهما من البذور، والبيضة والنطفة. وإذا قيل في العلم الحديث: إن في النطفة والبيضة حياة فيراد بها الحياة النباتية أو الخلوية (حياة الخلية). وأما المقصود هنا فهي الحياة الظاهرية الحركية. وقيل في التفسير العلمي الحديث: المراد بخروج الحيوان من الميت أي تكونه من الغذاء، فالحي ينمو بأكل أشياء ميتة، والغذاء ميت لا ينمو. وقوله تعالى: ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ معناه مخرج الحب والنوى من النبات، والبيضة والنطفة من الحيوان. وقيل في التفسير العلمي الحديث: المراد بذلك الإفرازات مثل اللبن: وهو سائل ليس فيه شيء حي، بخلاف النطفة فإن فيها حيوانات حية، وهي تخرج من الحيوان الحي، وهكذا ينمو الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي. ﴿ذلِكُمُ اللهُ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي فاعل هذا هو المتصف بكمال القدرة وبالغ الحكمة، المحيي والمميت، وهو الله الخالق وحده لا شريك له، فكيف تصرفون عن الحق وتعدلون عنه إلى الباطل، فتعبدون معه غيره، وتشركون به شريكا آخر لا يقدر على شيء من ذلك؟! والله فالق الإصباح وجعل الليل سكنا أي خالق الضياء والظلام كما قال في أول السورة: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ فهو سبحانه يفلق ظلام الليل عن غرة الصباح، فيضيء الوجود، ويستنير الأفق، ويضمحل الظلام، ويذهب

стр. 2275

الليل بسواده وظلامه، ويجيء النهار بضيائه وإشراقه، كقوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً﴾ [الأعراف ٥٤/ ٧] فبين تعالى قدرته على خلق الأشياء المتضادة المختلفة الدالة على كمال عظمته وعظيم سلطانه، فذكر أنه فالق الإصباح، وقابل ذلك بقوله: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً﴾ أي ساجيا هادئا مظلما لتسكن فيه الأشياء، ويستريح فيه المتعب من عمل النهار، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً ١، وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً، وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً﴾ [النبأ ٩/ ٧٨ - ١١]. ثم قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً﴾ أي ونظام الشمس والقمر للحساب وعدد الشهور والسنين، وكلاهما يجري بحساب دقيق، كما قال تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ [الرحمن ٥/ ٥٥] أي يجريان بحساب مقنن مقدر، لا يتغير ولا يضطرب، بل لكل منهما منازل يسلكها في الصيف والشتاء، فيترتب على ذلك اختلاف الليل والنهار طولا وقصرا، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً، وَالْقَمَرَ نُوراً، وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾ [يونس ٥/ ١٠] وقد جمع الله في هذه الآية ثلاث آيات سماوية، كما جمع في آية ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ..﴾. ثلاث آيات أرضية وهي: فلق الصبح والتذكير به للتأمل في صنع الله بإفاضة النور الذي هو مظهر جمال الوجود، وجعل الليل ساكنا، نعمة من الله ليستريح الجسد، وتسكن النفس، وتهدأ من التعب العمل بالنهار، وجعل الشمس والقمر حسبانا، تحقيقا لحاجة الإنسان إلى معرفة حساب الأوقات من أجل العبادات، والمعاملات، والتواريخ. ومن المعروف فلكيا أن للأرض دورتين: دورة تتم في أربع وعشرين ساعة لحساب الأيام، ودورة تتم في سنة ضمن فصول أربعة، لحساب السنة الشمسية.

стр. 2276

﴿ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أي الجميع حاصل بتقدير العزيز الذي لا يمانع ولا يخالف، الغالب على أمره، العليم بكل شيء، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، والمقدّر له بموجب الحكمة: ﴿إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر ٤٩/ ٥٤]. ويلاحظ أن الله تعالى يذكر كثيرا خلق الليل والنهار والشمس والقمر، ثم يختم الكلام بالعزة والعلم. ثم أوضح تعالى فائدة النجوم، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ.﴾. أي أوجد النجوم وهي ما عدا الشمس والقمر من النّيرات للاهتداء بها في الأسفار، فيستدل بها الإنسان على الطرق، ويأمن من الضياع، وينجو من الخطأ والحيرة. والنجوم كما يذكر الفلكيون تعد بالملايين، وما اكتشف منها أقل بكثير مما لم يكتشف. ونظرا لما في عالم السماء من العظمة والدقة في النظام وإبداع الصنع، ختم الله تعالى الآية بقوله: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي بينا لكم الآيات القرآنية والآيات التكوينية لأهل العلم والنظر الذين يدركون سر عظمة هذه الآيات، ويستدلون بها على وجود الله وقدرته ووحدانيته وعلمه، فإن كان المراد بالآيات آيات التنزيل فالمعنى أن هذه الآيات وأمثالها نوضحها لأهل الفكر والعلم والنظر، فيزدادون بها بحثا وعلما وإيمانا. وإن كان المراد بها آيات التكوين، فالمعنى أن هذه الآيات يبينها الله ليستدل بها العلماء على عظمة الله تعالى، ولا يدرك سر هذه الآيات غير العلماء كما قال تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ﴾ [الحشر ٢/ ٥٩]. وبعد بيان آيات الله في الأرض والسماء، ذكر تعالى آياته في الأنفس، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ..﴾. أي أن الله تعالى خلقكم في الأصل من نفس واحدة هي آدم ﵇ وهو الإنسان الأول الذي تناسل منه سائر البشر

стр. 2277

بالتوالد والتزاوج، كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ، وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها، وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً﴾ [النساء ١/ ٤]. وإنشاء جميع البشر من نفس واحدة يدل على قدرة الله تعالى وعلمه وحكمته ووحدانيته، كما يوجب شكر النعمة، ويرشد إلى وحدة الأصل والنوع الإنساني، مما يقتضي وجوب التعارف والتعاون بين الناس؛ لأنهم من أصل واحد وأب واحد، فهم إخوة، وما على الإخوة إلا التآلف، لا التناحر والتقاتل. ثم بيّن الله تعالى كيفية تسلسل البشر والولادة في وقت معين لا يعلمه إلا الله فقال: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ أي لكم موضع استقرار في الأرحام، وموضع استيداع في الأصلاب، أو مستقر في الأرض، ومستودع تحتها، أو مستقر في الدنيا ومستودع حيث يموت، أو فمنكم مستقر ومنكم مستودع. قد بينا آيات سنن الخلق الدالة على قدرتنا وإرادتنا، وعلمنا وحكمتنا، وفضلنا ورحمتنا، لقوم يفقهون ما يتلى عليهم، ويعون كلام الله، ويدركون معناه ودقائقه. وعبر بالعلم مع ذكر النجوم، وبالفقه مع ذكر إنشاء بني آدم، لأن استخلاص الحكمة من خلق البشر من نفس واحدة، وتصريفهم في أحوال مختلفة يحتاج إلى دقة نظر، وعمق فهم وفطنة، وهذا هو معنى الفقه، فكان ذلك مطابقا للحال. أما العلم بمواقع النجوم والاهتداء بها في ظلمات البر والبحر، فلا يتوقف على دقة النظر، وعمق الفكر، وإنما يكفي فيها وفي كل الأمور الفلكية شيء من المعرفة والخبرة والمشاهدة الظاهرية المعتمدة على الملاحظة والبصر. ثم ذكر تعالى آية من آيات التكوين في النبات وهي إنزال الماء من السماء

стр. 2278

وجعله سببا للإنبات، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً.﴾. أي أن الله هو الذي أنزل بقدرته وتصريفه وحكمته من السحاب ماء بقدر، مباركا، ورزقا للعباد، وإحياء وإغاثة للخلائق، رحمة من الله بخلقه، فأخرجنا بسبب هذا المطر أصناف النبات المختلف في شكله وخواصه وآثاره، كما قال تعالى: ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ، وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ [الرعد ٤/ ١٣] وقال: ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء ٣٠/ ٢١]. وأخرجنا بالمطر زرعا وشجرا أخضر، ثم بعد ذلك نخلق فيه الحب والثمر، لهذا قال تعالى: ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً﴾ أي يركب بعضه بعضا كالسنابل ونحوها. وهذا بيان لنوع من النبات لا ساق له، ثم عطف عليه ماله ساق من الشجر فقال: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ.﴾. أي ونخرج من طلع النخل عراجين أو عناقيد قريبة التناول، ونخرج أيضا من ذلك الخضر جنات من أعناب. وأخص من نبات كل شيء بعد التمر والعنب غيرهما من الفواكه والثمار، وهو الزيتون والرمان، متشابها في الورق والشكل، قريبا بعضه من بعض، ومتخالفا في الثمار شكلا وطعما وطبعا، فمنها الحلو ومنها الحامض، ومنها المز، وكل ذلك دليل على قدرة الصانع. انظروا نظرة اعتبار وإمعان إلى ثمر الشجر والنبات إذا أثمر كيف يكون، وإلى نضجه واكتماله كيف يصير، ويتحول من جفاف إلى ممتلئ ماء وخيرا وبركة، لكل ثمر طعم، وحجم، ولون، وقارنوا بين الثمار، وفكروا في قدرة الخالق من العدم إلى الوجود، بعد أن كان حطبا يابسا، صار غضا طريا رطبا، وغير ذلك من الألوان والأشكال والطعوم والروائح، كقوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ، وَزَرْعٌ، وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ

стр. 2279

صِنْوانٍ، يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ، وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ [الرعد ٤/ ١٣]. إن في ذلكم الذي أمرتم بالنظر إليه لدلالات على كمال قدرة خالق هذه الأشياء وحكمته ورحمته، يستفيد منها المؤمنون المصدقون بالله والمتبعون رسله. فقه الحياة أو الأحكام: تضمنت الآيات خمسة أنواع من الأدلة على وجود الله الصانع وعلمه وقدرته وحكمته وهي ما يلي: النوع الأول-مأخوذ من دلالة أحوال النبات والحيوان: فالله خالق الحب والنوى، وشاق الحب والنوى لإنبات الزرع والشجر، ومخرج النبات الغض الطري الخضر من الحب اليابس، ويخرج اليابس من النبات الحي النامي، كما قال: لزجاج، ويخرج البشر الحي من النطفة، والنطفة من البشر الحي كما قال المفسرون كالقرطبي، ويخرج المؤمن من الكافر، كما في حق إبراهيم ﵇، والكافر من المؤمن، كما في حق ولد نوح، والعاصي من المطيع، وبالعكس، كما قال ابن عباس. ودل هذا على أن الحي أشرف من الميت، لذا وقع التعبير عن القسم الأول بصيغة الفعل، وعن القسم الثاني بصيغة الاسم؛ تنبيها على أن الاعتناء بإيجاد الحي من الميت أكثر وأكمل من الاعتناء بإيجاد الميت من الحي. والنوع الثاني-مأخوذ من الأحوال الفلكية، وهذا أدل على القدرة الإلهية؛ لأن فلق ظلمة الليل بنور الصبح أعظم في كمال القدرة من فلق الحب والنوى بالنبات والشجر، ولأن الأحوال الفلكية أعظم في القلوب وأكثر وقعا من الأحوال الأرضية. وتضمن هذا النوع ثلاث آيات فلكية لها صلة بالأرض وهي فلق نور الصبح، أي شاقّ الضياء عن الظلام وكاشفه، وخالق النور والظلمة، وجاعل الليل سكنا أي محلا للسكون، وجاعل الشمس والقمر آيتين للحساب

стр. 2280

الذي يتعلق به مصالح العباد، لأنه تعالى قدر حركة الشمس والقمر بحساب معين، وكل ذلك دليل على كمال قدرة الله تعالى وكونه فضلا من الله ورحمة وإحسانا على الخلق. والنوع الثالث-ظاهرة سماوية وهو أنه تعالى خلق النجوم لمنافع العباد، بالاهتداء بنورها إلى الطرق والمسالك، في ظلمات البر والبحر، حيث لا يرون شمسا ولا قمرا، وذلك من أدلة كمال القدرة والرحمة والحكمة. ويستدل بالنجوم والكواكب والشمس والقمر أيضا على معرفة القبلة، كما أن هذه الكواكب زينة للسماء: ﴿إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ﴾ [الصافات ٦/ ٣٧] وهي أيضا رجوم للشياطين: ﴿وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك ٥/ ٦٧] وهي كذلك مثار التفكير في عظمة السموات: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً، سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [آل عمران ١٩١/ ٣] قال بعض السلف: من اعتقد في هذه النجوم غير ثلاث فقد أخطأ وكذب على الله سبحانه: أن الله جعلها زينة للسماء، ورجوما للشياطين، ويهتدى بها في ظلمات البر والبحر (١). والنوع الرابع-الاستدلال بأحوال الإنسان، وخلق البشر من نفس واحدة هي آدم ﵇، وإيداع أصول البشرية في الأصلاب والأرحام، والتفكير في تكوين النفس: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات ٢١/ ٥١] وهذا من دلائل وجود الإله وكمال قدرته وعلمه. والنوع الخامس-مأخوذ من طريقة الإنبات وتنوع النبات واختلاف أصناف الفواكه والثمار: وهو إنزال المطر من السماء (السحاب) وإخراج مختلف أنواع النباتات والزروع بالماء، وإيجاد الكثرة الهائلة من الثمار والفواكه
следующие страницы →