← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

﴿ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أي الجميع حاصل بتقدير العزيز الذي لا يمانع ولا يخالف، الغالب على أمره، العليم بكل شيء، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، والمقدّر له بموجب الحكمة: ﴿إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر ٤٩/ ٥٤]. ويلاحظ أن الله تعالى يذكر كثيرا خلق الليل والنهار والشمس والقمر، ثم يختم الكلام بالعزة والعلم. ثم أوضح تعالى فائدة النجوم، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ.﴾. أي أوجد النجوم وهي ما عدا الشمس والقمر من النّيرات للاهتداء بها في الأسفار، فيستدل بها الإنسان على الطرق، ويأمن من الضياع، وينجو من الخطأ والحيرة. والنجوم كما يذكر الفلكيون تعد بالملايين، وما اكتشف منها أقل بكثير مما لم يكتشف. ونظرا لما في عالم السماء من العظمة والدقة في النظام وإبداع الصنع، ختم الله تعالى الآية بقوله: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي بينا لكم الآيات القرآنية والآيات التكوينية لأهل العلم والنظر الذين يدركون سر عظمة هذه الآيات، ويستدلون بها على وجود الله وقدرته ووحدانيته وعلمه، فإن كان المراد بالآيات آيات التنزيل فالمعنى أن هذه الآيات وأمثالها نوضحها لأهل الفكر والعلم والنظر، فيزدادون بها بحثا وعلما وإيمانا. وإن كان المراد بها آيات التكوين، فالمعنى أن هذه الآيات يبينها الله ليستدل بها العلماء على عظمة الله تعالى، ولا يدرك سر هذه الآيات غير العلماء كما قال تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ﴾ [الحشر ٢/ ٥٩]. وبعد بيان آيات الله في الأرض والسماء، ذكر تعالى آياته في الأنفس، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ..﴾. أي أن الله تعالى خلقكم في الأصل من نفس واحدة هي آدم ﵇ وهو الإنسان الأول الذي تناسل منه سائر البشر

стр. 2277

بالتوالد والتزاوج، كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ، وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها، وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً﴾ [النساء ١/ ٤]. وإنشاء جميع البشر من نفس واحدة يدل على قدرة الله تعالى وعلمه وحكمته ووحدانيته، كما يوجب شكر النعمة، ويرشد إلى وحدة الأصل والنوع الإنساني، مما يقتضي وجوب التعارف والتعاون بين الناس؛ لأنهم من أصل واحد وأب واحد، فهم إخوة، وما على الإخوة إلا التآلف، لا التناحر والتقاتل. ثم بيّن الله تعالى كيفية تسلسل البشر والولادة في وقت معين لا يعلمه إلا الله فقال: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ أي لكم موضع استقرار في الأرحام، وموضع استيداع في الأصلاب، أو مستقر في الأرض، ومستودع تحتها، أو مستقر في الدنيا ومستودع حيث يموت، أو فمنكم مستقر ومنكم مستودع. قد بينا آيات سنن الخلق الدالة على قدرتنا وإرادتنا، وعلمنا وحكمتنا، وفضلنا ورحمتنا، لقوم يفقهون ما يتلى عليهم، ويعون كلام الله، ويدركون معناه ودقائقه. وعبر بالعلم مع ذكر النجوم، وبالفقه مع ذكر إنشاء بني آدم، لأن استخلاص الحكمة من خلق البشر من نفس واحدة، وتصريفهم في أحوال مختلفة يحتاج إلى دقة نظر، وعمق فهم وفطنة، وهذا هو معنى الفقه، فكان ذلك مطابقا للحال. أما العلم بمواقع النجوم والاهتداء بها في ظلمات البر والبحر، فلا يتوقف على دقة النظر، وعمق الفكر، وإنما يكفي فيها وفي كل الأمور الفلكية شيء من المعرفة والخبرة والمشاهدة الظاهرية المعتمدة على الملاحظة والبصر. ثم ذكر تعالى آية من آيات التكوين في النبات وهي إنزال الماء من السماء

стр. 2278

وجعله سببا للإنبات، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً.﴾. أي أن الله هو الذي أنزل بقدرته وتصريفه وحكمته من السحاب ماء بقدر، مباركا، ورزقا للعباد، وإحياء وإغاثة للخلائق، رحمة من الله بخلقه، فأخرجنا بسبب هذا المطر أصناف النبات المختلف في شكله وخواصه وآثاره، كما قال تعالى: ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ، وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ [الرعد ٤/ ١٣] وقال: ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء ٣٠/ ٢١]. وأخرجنا بالمطر زرعا وشجرا أخضر، ثم بعد ذلك نخلق فيه الحب والثمر، لهذا قال تعالى: ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً﴾ أي يركب بعضه بعضا كالسنابل ونحوها. وهذا بيان لنوع من النبات لا ساق له، ثم عطف عليه ماله ساق من الشجر فقال: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ.﴾. أي ونخرج من طلع النخل عراجين أو عناقيد قريبة التناول، ونخرج أيضا من ذلك الخضر جنات من أعناب. وأخص من نبات كل شيء بعد التمر والعنب غيرهما من الفواكه والثمار، وهو الزيتون والرمان، متشابها في الورق والشكل، قريبا بعضه من بعض، ومتخالفا في الثمار شكلا وطعما وطبعا، فمنها الحلو ومنها الحامض، ومنها المز، وكل ذلك دليل على قدرة الصانع. انظروا نظرة اعتبار وإمعان إلى ثمر الشجر والنبات إذا أثمر كيف يكون، وإلى نضجه واكتماله كيف يصير، ويتحول من جفاف إلى ممتلئ ماء وخيرا وبركة، لكل ثمر طعم، وحجم، ولون، وقارنوا بين الثمار، وفكروا في قدرة الخالق من العدم إلى الوجود، بعد أن كان حطبا يابسا، صار غضا طريا رطبا، وغير ذلك من الألوان والأشكال والطعوم والروائح، كقوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ، وَزَرْعٌ، وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ

стр. 2279

صِنْوانٍ، يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ، وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ [الرعد ٤/ ١٣]. إن في ذلكم الذي أمرتم بالنظر إليه لدلالات على كمال قدرة خالق هذه الأشياء وحكمته ورحمته، يستفيد منها المؤمنون المصدقون بالله والمتبعون رسله. فقه الحياة أو الأحكام: تضمنت الآيات خمسة أنواع من الأدلة على وجود الله الصانع وعلمه وقدرته وحكمته وهي ما يلي: النوع الأول-مأخوذ من دلالة أحوال النبات والحيوان: فالله خالق الحب والنوى، وشاق الحب والنوى لإنبات الزرع والشجر، ومخرج النبات الغض الطري الخضر من الحب اليابس، ويخرج اليابس من النبات الحي النامي، كما قال: لزجاج، ويخرج البشر الحي من النطفة، والنطفة من البشر الحي كما قال المفسرون كالقرطبي، ويخرج المؤمن من الكافر، كما في حق إبراهيم ﵇، والكافر من المؤمن، كما في حق ولد نوح، والعاصي من المطيع، وبالعكس، كما قال ابن عباس. ودل هذا على أن الحي أشرف من الميت، لذا وقع التعبير عن القسم الأول بصيغة الفعل، وعن القسم الثاني بصيغة الاسم؛ تنبيها على أن الاعتناء بإيجاد الحي من الميت أكثر وأكمل من الاعتناء بإيجاد الميت من الحي. والنوع الثاني-مأخوذ من الأحوال الفلكية، وهذا أدل على القدرة الإلهية؛ لأن فلق ظلمة الليل بنور الصبح أعظم في كمال القدرة من فلق الحب والنوى بالنبات والشجر، ولأن الأحوال الفلكية أعظم في القلوب وأكثر وقعا من الأحوال الأرضية. وتضمن هذا النوع ثلاث آيات فلكية لها صلة بالأرض وهي فلق نور الصبح، أي شاقّ الضياء عن الظلام وكاشفه، وخالق النور والظلمة، وجاعل الليل سكنا أي محلا للسكون، وجاعل الشمس والقمر آيتين للحساب

стр. 2280

الذي يتعلق به مصالح العباد، لأنه تعالى قدر حركة الشمس والقمر بحساب معين، وكل ذلك دليل على كمال قدرة الله تعالى وكونه فضلا من الله ورحمة وإحسانا على الخلق. والنوع الثالث-ظاهرة سماوية وهو أنه تعالى خلق النجوم لمنافع العباد، بالاهتداء بنورها إلى الطرق والمسالك، في ظلمات البر والبحر، حيث لا يرون شمسا ولا قمرا، وذلك من أدلة كمال القدرة والرحمة والحكمة. ويستدل بالنجوم والكواكب والشمس والقمر أيضا على معرفة القبلة، كما أن هذه الكواكب زينة للسماء: ﴿إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ﴾ [الصافات ٦/ ٣٧] وهي أيضا رجوم للشياطين: ﴿وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك ٥/ ٦٧] وهي كذلك مثار التفكير في عظمة السموات: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً، سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [آل عمران ١٩١/ ٣] قال بعض السلف: من اعتقد في هذه النجوم غير ثلاث فقد أخطأ وكذب على الله سبحانه: أن الله جعلها زينة للسماء، ورجوما للشياطين، ويهتدى بها في ظلمات البر والبحر (١). والنوع الرابع-الاستدلال بأحوال الإنسان، وخلق البشر من نفس واحدة هي آدم ﵇، وإيداع أصول البشرية في الأصلاب والأرحام، والتفكير في تكوين النفس: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات ٢١/ ٥١] وهذا من دلائل وجود الإله وكمال قدرته وعلمه. والنوع الخامس-مأخوذ من طريقة الإنبات وتنوع النبات واختلاف أصناف الفواكه والثمار: وهو إنزال المطر من السماء (السحاب) وإخراج مختلف أنواع النباتات والزروع بالماء، وإيجاد الكثرة الهائلة من الثمار والفواكه

стр. 2281

والأزهار المختلفة الأشكال والألوان والطعوم والروائح، وذلك من أجلّ أنواع النعم والإحسان، ومن أعظم الدلائل على كمال القدرة الإلهية، وحقا ما ختمت به الآيات: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ ﴿إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ آمنا بالله ربا، وعلمنا أنه الحق المبين، وفقهنا وأدركنا بإمعان عظمة هذا الإله وسعة علمه، وفضله وإحسانه ورحمته بالمخلوقات جميعا. ويلاحظ أنه تعالى ذكر في هذا النوع أربعة أنواع من الأشجار: النخل والعنب والزيتون والرمان، وقدم الزرع على الشجر؛ لأن الزرع غذاء، وثمار الأشجار فواكه، والغذاء مقدم على الفاكهة، وإنما قدم النخل على سائر الفواكه، لأن التمر غذاء العرب المهم، وذكر العنب عقب النخل؛ لأنه أشرف أنواع الفواكه، للاستفادة منه بمجرد ظهوره حامضا ثم حصرما، ثم عنبا، ثم يدخر زبيبا سنة فأكثر ثم دبسا وخلا. المزاعم المنسوبة إلى الله (الجن والولد والصاحبة) وكونه لا تدركه الأبصار ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾

стр. 2282

الإعراب: ﴿شُرَكاءَ الْجِنَّ﴾ ﴿شُرَكاءَ﴾: منصوب لأنه مفعول أول. و ﴿الْجِنَّ﴾: مفعول ثان. واللام في ﴿لِلّهِ﴾ تتعلق بشركاء. ويجوز أن نجعل ﴿الْجِنَّ﴾ بدلا من ﴿شُرَكاءَ﴾، واللام في ﴿لِلّهِ﴾ تتعلق ب (جعل). أو قرئ ﴿الْجِنَّ﴾ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هم الجن. المفردات اللغوية: ﴿وَخَرَقُوا﴾ مثل اختلفوا، والخرق والاختلاق للكلام: ابتداع الكذب. وأما الخلق: فهو فعل الشيء بتدبير ورفق. وأما الإبداع فهو إنشاء الشيء بلا اقتداء بأحد، والبديع من أسمائه تعالى: أي مبدع الأشياء ومحدثها على غير مثال سابق، ومنه البدعة في الدين؛ لأنه لا نظير لها فيما سلف. ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ﴾ أي لا تراه، والإدراك: اللحاق والوصول إلى الشيء، والبصر: حاسة الرؤية، ﴿اللَّطِيفُ﴾ الرفيق بعباده وأوليائه ﴿الْخَبِيرُ﴾ بشؤون خلقه. المناسبة: بعد أن ذكر تعالى البراهين الخمسة على ثبوت الألوهية، وكمال القدرة والرحمة، ذكر عقب ذلك أن من الناس من أثبت لله شركاء من عالم الجن، أو من اختراع نسل له من البنين والبنات. التفسير والبيان: هذه الآيات رد على مشركي العرب الذين عبدوا مع الله غيره، وأشركوا به في عبادته أن عبدوا الجن، فجعلوهم شركاء له في العبادة، وأما عبادتهم الأصنام فلم تكن إلا بطاعة الجن وأمرهم إياهم بذلك، كقوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِناثاً، وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاّ شَيْطاناً مَرِيداً. لَعَنَهُ اللهُ، وَقالَ: لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً. وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ، وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ، وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ

стр. 2283

خُسْراناً مُبِيناً، يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُوراً﴾ [النساء ١١٧/ ٤ - ١٢٠]. ومعنى الآية: وجعل مشركو العرب شركاء من عالم الجن أطاعوهم فيما يأمرونهم به، والجن: هم الملائكة فقد عبدوهم، كما قال قتادة، أو الشياطين فقد أطاعوهم في الشرك والمعصية، كما قال الحسن البصري. وقال المجوس: إن للخير إلها وللشر إلها وهو إبليس، أي أنهم سموه ربا. جعلوا لله الجن شركاء له حيث أطاعوهم في عبادة الأوثان، والحال أنه خلقهم أي خلق المشركين وغيرهم، فهو الخالق وحده لا شريك له، فكيف يكون المخلوقون شركاءه، وكيف يعبدون معه غيره؟ كقول إبراهيم: ﴿أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ، وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٥/ ٣٧ - ٩٦]. وخلاصة المعنى: أنه تعالى هو المستقل بالخلق وحده، فلهذا يجب أن يفرد بالعبادة وحده لا شريك له. واختلقوا لله بجهلهم وحمقهم بنين وبنات، والمراد بقوله ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: أنهم لا يعلمون حقيقة ما يقولون، ولكن جهلا بالله وبعظمته، فإن مشركي العرب سموا الملائكة بنات الله، وقالت اليهود: عزيز ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله. ﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي تقدس وتنزه وتعاظم الله عما يصفه هؤلاء الجهلة الضالون من الأولاد والأنداد والشركاء؛ لأنه الخالق المدبر لها، وليس كمثله شيء. والله مبدع السموات والأرض وخالقهما ومنشئهما ومحدثهما على غير مثال سبق، وكيف يكون له ولد، والحال أنه لم تكن له صاحبة؟ والولد إنما يكون متولدا بين شيئين متناسبين، والله تعالى لا يناسبه ولا يشابهه شيء من خلقه؛

стр. 2284

لأنه خالق كل شيء، فلا صاحبة له ولا ولد، وهو مبدع الكائنات في السماء والأرض، ومتسبب في إيجاد الذرية من طريق التوالد والتناسل. وقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي أوجده ولم يلده ولادة، كما تزعمون، فما اخترعتم له من الولد، فهو مخلوق له لا مولود منه، فكيف يكون له صاحبة من خلقه تناسبه؟ وهو الذي لا نظير له. وهذه الجملة مؤكدة لما سبق من نفي الولد. والله محيط علمه بكل الأشياء، وعلمه ذاتي له، ولا يعلم أحد مثل علمه، فلو كان له ولد لكان هو أعلم به، ولأرشد إليه، لكنه كذب وافتراء بلا دليل عقلي ولا وحي نقلي. والخلاصة: نفى الله تعالى عن نفسه الولد؛ لأنه مبدع السموات والأرض، وهي غير مولودة، ولأن الولد يأتي من ذكر وأنثى متجانسين، والله لا يجانسه ولا يماثله شيء، ولأن كل ما عدا الله لا يكافئه، فكيف يكون له ولد كفؤ له؟ وإذ ثبت أنه لا ولد له، فذلكم المتصف بما ذكر أيها المشركون هو الله ربّكم، الذي لا إله إلا هو، والذي خلق كل شيء، ولا ولد له ولا صاحبة، فما عليكم إلا أن تعبدوه وحده لا شريك له، وتقروا له بالوحدانية، وأنه لا إله إلا هو، وأنه لا ولد له ولا والد، ولا صاحبة له ولا نظير، وكل من عداه مخلوق له يجب أن يعبد خالقه. وهو مع كل هاتيك الصفات حفيظ ورقيب على كل شيء، يدبر كل ما سواه، ويرزقهم ويكلؤهم بالليل والنهار. أي لا حافظ إلا الله، ولا يقضي الحاجات إلا الله. والله سبحانه لا تراه الأبصار رؤية إحاطة وشمول تعرف كنهه، كقوله:

стр. 2285

﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ، وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة ٢٥٥/ ٢]. وقال ابن عباس: لا تدركه الأبصار في الدنيا ويراه المؤمنون في الآخرة؛ لإخبار الله بها في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢/ ٧٥ - ٢٣]. وهو تعالى يرى العيون الباصرة رؤية إدراك وإحاطة وشمول، فلا تخفى عليه طرفة عين، ولا يخفى عليه شيء إلا يراه ويعلمه، وإنما خص ﴿الْأَبْصارُ﴾ لتجنيس الكلام. وهذه الآية إما مخصوصة بقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢/ ٧٥ - ٢٣] وبالحديث الآتي الدال على رؤية الله . أو يقال: إنه لا تنافي بين الآيتين؛ لأن نفي إحاطة العلم لا يستلزم نفي أصل العلم، وكذلك نفي إدراك البصر للشيء والإحاطة به لا يستلزم نفي رؤيته مطلقا. وقد ثبت في الصحيحين أنه ﷺ قال: «إنكم سترون ربكم يوم القيامة، كما ترون القمر ليلة البدر، وكما ترون الشمس ليس دونها سحاب» فالمؤمنون يرون ربهم، وأما الكافرون فلا يرونه؛ لقوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين ١٥/ ٨٣]. والله تعالى اللطيف أي الرفيق بعباده، الخبير بهم المطلع على جميع أحوالهم. فقه الحياة أو الأحكام: نزلت الآية: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ﴾ في مشركي العرب، ومعنى إشراكهم بالجن أنهم أطاعوهم كطاعة الله . والآية توبيخ وتقريع ورد قاطع على المشركين الذين جعلوا الجن شركاء لله، ونسبوا لله البنين والبنات جهلا منهم بحقيقة الله. والمشركون أصناف:

стр. 2286

١ - عبدة الأصنام القائلون: الأصنام شركاء لله في العبودية، ولكن لا قدرة لها على الخلق والإيجاد والتكوين. ٢ - عبدة الكواكب وكانوا في عهد إبراهيم ﵇، وهم يقولون: إن الله فوض لها تدبير العالم الأسفل. ٣ - الثنوية أو المجوس القائلون بأن للعالم إلهين اثنين: أحدهما فاعل الخير، والثاني فاعل الشر. والحق أن جميع المخلوقات محدثة مخلوقة، وكل محدث فله خالق وموجد، وما ذاك إلا الله . والله تعالى مبدع السموات والأرض وخالقهما، فكيف يكون له ولد، والحال أنه لا صاحبة ولا زوجة له، فكيف يأتي الولد؟ وهو خالق كل شيء، وهو العليم بكل شيء، فكيف يتخذ الولد والصاحبة؟ والخالق المدبر وهو الله هو المستحق للعبادة، ولا يستحقها عاجز مخلوق. ورؤية الله تعالى ثابتة للمؤمنين في عالم الآخرة، ولكن دون إحاطة ولا شمول ولا حصر ولا كيفية؛ إذ لو لم يكن جائز الرؤية لما حصل المدح لعظمة الله بقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ﴾ لأن المعدوم لا تصح رؤيته. والخلاصة: أن الآيات لنفي الشرك والشركاء وإبطال مزاعم المشركين على مختلف طوائفهم، إذ لا حاجة لله للشريك والولد بأدلة كثيرة هي: كونه مبدع السموات والأرض، والإبداع تكوين الشيء من غير مثال سبق، ولا صاحبة له، وخالق كل شيء، ومحيط علمه بكل شيء، ولا تتمكن الأبصار من الإحاطة برؤيته؛ لأنه سبحانه منزه عن سمات الحدوث، ومنها الإدراك؛ بمعنى: الإحاطة والتحديد، كما تدرك سائر المخلوقات.

стр. 2287

ومن اتصف بهذه الصفات فهو المستحق للعبادة، لذا أمر الله بعبادته وحده لا شريك له. وأما رؤية النّبي ﷺ لربه في ليلة الإسراء في الدنيا فالصحيح أنها لم تحصل بالعين المجردة، وإنما رآه بقلبه ورأى جبريل على حقيقته. وعن ابن عباس أنه رآه بعينيه، وحجته قوله تعالى: ﴿ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى﴾ [النجم ١١/ ٥٣]. مبصّرات الوحي وقدرة الله على منع الشرك ﴿قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤) وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥) اِتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧)﴾ الإعراب: ﴿وَلِيَقُولُوا: دَرَسْتَ﴾ معطوف على فعل مقدر، والتقدير: نصرف الآيات ليجحدوا وليقولوا، أي ليصير عاقبة أمرهم إلى الجحود وإلى أن يقولوا هذا القول. وهذه اللام تسمى لام العاقبة عند البصريين، ولا الصيرورة عند الكوفيين، مثل اللام في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً﴾ [القصص ٨/ ٢٨] وما التقطوه ليكون لهم عدوا، وإنما التقطوه ليكون لهم قرة عين، ولكن صارت عاقبة التقاطهم إياه إلى العداوة والحزن. البلاغة: ﴿بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ مجاز مرسل وعلاقته المسببية أي من باب تسمية المسبب باسم السبب، والمراد بالبصائر: الحجج والبراهين التي تبصرون بها الحقائق.

стр. 2288

﴿أَبْصَرَ.﴾. و ﴿عَمِيَ﴾ بينهما طباق. ﴿بَصائِرُ﴾ و ﴿أَبْصَرَ﴾ بينهما جناس الاشتقاق. المفردات اللغوية: ﴿بَصائِرُ﴾ أي حجج بيّنات وآيات واضحات، وتطلق البصيرة على عدة معان: عقيدة القلب، والمعرفة الثابتة يقينا، والعبرة، والقوة التي تدرك بها الحقائق العلمية، ويقابلها البصر الذي تدرك به الأشياء الحسية ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ أي فمن أدركها فآمن فثواب إبصاره له ﴿بِحَفِيظٍ﴾ رقيب لأعمالكم، إنما أنا نذير. ﴿وَكَذلِكَ﴾ كما بينا ما ذكر ﴿نُصَرِّفُ الْآياتِ﴾ نبينها ونأتي بها على وجوه مختلفة بما يناسب المقام، ليعتبروا ﴿وَلِيَقُولُوا﴾ أي الكفار في عاقبة الأمر، فإن اللام لام العاقبة أو الصيرورة ﴿دَرَسْتَ﴾ قرأت كثيرا حتى حفظته، أو درست كتب الماضين وجئت بهذا منها، وفي الحديث: «كان يدارسه القرآن» يذاكره له حتى يحفظه، وفي المدارسة معنى التذليل بكثرة القراءة. ﴿حَفِيظاً﴾ رقيبا فتجازيهم بأعمالهم ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ موكّل مفوض في أمرهم، فتجبرهم على الإيمان. المناسبة: بعد أن أبان الله تعالى الأدلة على توحيده وكمال قدرته وعلمه، عاد إلى تقرير أمر الدعوة الإسلامية والرسالة وتبليغ النّبي ﷺ وحي ربه. التفسير والبيان: قد جاءكم أيها الناس البصائر: وهي البينات والحجج التي اشتمل عليها القرآن وما جاء به الرسول من البراهين العقلية والنقلية التي تثبت لكم العقيدة الحقة، وتبين منهاج الحياة الأقوم، ودستور النظام العام للجماعة، وأصول الأخلاق والآداب. فمن أبصر الحق فآمن فلنفسه، ومن عمي عن الحق وضل وأعرض عن سبيله، فعلى نفسه جنى، كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ضَلَّ

стр. 2289

فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ [يونس ١٠٨/ ١٠] وقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها، وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت ٤٦/ ٤١]. ومعنى قوله: ﴿وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها﴾ أي إنما يعود وبالله عليه، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ، وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦/ ٢٢]. ﴿وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ أي لست عليكم بحافظ ولا رقيب، بل إنما أنا مبلّغ ومنذر، والله يهدي من يشاء، ويضل من يشاء. ﴿وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ﴾ أي وكما فصلنا الآيات في هذه السورة من بيان لتوحيد وأنه لا إله إلا هو، هكذا نوضح الآيات ونفسرها ونبينها في كل موطن، لجهالة الجاهلين، وليؤول الأمر بأن يقول المشركون والكافرون المكذبون: درست هذا وقرأته على غيرك، أو دارست يا محمد من قبلك من أهل الكتاب، وتعلمت منهم، وليس وحيا من عند الله. أي إن تصريف الآيات وتقليبها على وجوه مختلفة بحسب المقامات يستهدف: ١ - أن يهتدي بها المستعدون للإيمان. ٢ - وأن يقول الجاحدون المعاندون: إنما درست هذا وقرأته على غيرك، وليس هذا بوحي كما تزعم، وزعموا أنه تعلم من غلام رومي حداد أعجمي وليس بعربي، كان يصنع السيوف بمكة، اسمه «قيس» كما حكى تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ، وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل ١٠٣/ ١٦]. ٣ - ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي ولنوضحه لقوم يعلمون الحق، فيتبعونه، والباطل فيجتنبونه، فالبيان إنما يفيد أهل العلم المدركين الذين يستخدمون بصائرهم في مدلولات القرآن، فهم الذين يتبين لهم بالتأمل حقيقة القرآن ودلائله. أما الجاهلون الذين لم يفهموا آيات القرآن، فلا ينتفعون به.

стр. 2290

ثم يأمر الله رسوله ﷺ ومن اتبع طريقته باتباع الوحي وتجنب المشركين بقوله: ﴿اِتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي اقتد به واقتف أثره واعمل به، فإن ما أوحي إليك من ربك هو الحق الذي لا مرية فيه؛ لأنه لا إله إلا هو، واعف عن المشركين واصفح عنهم، واحتمل أذاهم واصبر عليهم حتى يفتح الله لك، وينصرك عليهم. ولو شاء الله ما أشرك المشركون، بل له المشيئة والحكمة فيما يشاؤه ويختاره، لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون، له الحكمة في بقائهم في الضلال، ولو شاء لهدى الناس جميعا، بأن يخلقهم مستعدين للإيمان، لكنه خلقهم مستعدين للكفر، وترك لهم حرية الاختيار في أعمالهم. ﴿وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ أي وما جعلناك حافظا تحفظ أقوالهم وأعمالهم، وما أنت بموكل على أرزاقهم وأمورهم والتصرف في قضاياهم. أي لست عليهم بمسيطر، وليس لك صفة الملوك القاهرين، بل أنت بشير ونذير، والله يجازيهم ويحاسبهم. فقه الحياة أو الأحكام: آي القرآن المتقدمة حجج بيّنة ظاهرة تدل على صدق الرسالة ونبوة محمد ﷺ ، ومهمته التبليغ والإنذار، لا القسر والقهر والإكراه، ولا الرقابة على أعمال الناس، فمن أبصر الحق وآمن بدعوة الإسلام والقرآن فلنفسه أبصر، وإياها نفع، ومن عمي عنه فعلى نفسه الوبال وإياها ضر. ومن فضله تعالى أنه كما صرف الآيات في الوعد والوعيد والوعظ والتنبيه في هذه السورة، يصرف في غيرها على وجوه مختلفة للإقناع والعبرة والعظة، ولإلزام المشركين بالحجة وليقولوا: درست، أي وليصير قولهم: «درست»

стр. 2291

صرّفناها، فهي لام الصيرورة، ولتبيان الحق لقوم يعلمون ويدركون معناها ويقدرون فحواها ومضمونها. والرسول ﷺ مأمور بتبليغ الدعوة والرسالة الإلهية، والمقصود من هذا الأمر بعد اتهام الكفار له بالافتراء أو مدارسة أقوام هو تقوية قلبه وإزالة الحزن الذي حدث عنده بسبب هذا الاتهام، لئلا يصير قول الكفار سببا لفتوره في تبليغ الدعوة. والرسول ﷺ مأمور أيضا بالإعراض عن المشركين بعد قيامه بواجب التبليغ، والله قادر على جعلهم مؤمنين موحدين غير مشركين، ولم يجعل من مهام النّبي ﷺ الرقابة على أعمالهم، ولا التوكل بأمورهم ومصالحهم في دينهم ودنياهم، وإنما مهمته التبليغ، ليترك لهم حرية الاختيار والطواعية بقبول الإيمان، وكأنه تعالى يقول لنبيه ﷺ : لا تلتفت إلى سفاهات الكفار، ولا يثقلن عليك كفرهم، فإني لو أردت إزالة الكفر عنهم لقدرت، ولكني تركتهم مع كفرهم، فلا تشغل قلبك بكلامهم. ويحمل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكُوا﴾ أي عدم مشيئته لإيمانهم على الإيمان الحاصل بالقهر والجبر والإلجاء، ويحمل مشيئة الله لإيمانهم على مشيئة الإيمان الاختياري الموجب للثواب والثناء (١). النهي عن سب الأصنام والأوثان ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨) وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾

стр. 2292

الإعراب: ﴿وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ من قرأ أنها بالفتح، ففيه وجهان: الأول-أن تكون «أن» بمعنى لعل، وتقديره: وما يشعركم إيمانهم، لعل الآيات إذا جاءت لا يؤمنون. وقد جاءت «أن» بمعنى لعل، قالوا: اذهب إلى السوق أنك تشتري لنا شيئا، أي لعلك. والثاني-أنها في موضع نصب بيشعركم، ولا: زائدة، وتقديره: وما يشعركم أن الآيات إذا جاءت يؤمنون، وهي المفعول الثاني. ومن قرأ «إنها» بالكسر، جعلها مبتدأ، ووقف على قوله تعالى: ﴿وَما يُشْعِرُكُمْ﴾ وجعل «ما» استفهامية، وفي ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾ ضمير يعود إلى «ما» ويقدر مفعولا ثانيا محذوفا، وتقديره: وما يشعركم إيمانهم. ولا يجوز أن تكون «ما» نافية هاهنا على تقدير: وما يشعركم الله إيمانهم؛ لأن الله تعالى قد أعلمنا أنهم لا يؤمنون بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى، وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً، ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ [الأنعام ١١١/ ٦]. ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ﴾ ﴿وَنَذَرُهُمْ﴾ عطف على لا يؤمنون، داخل في حكم: ﴿وَما يُشْعِرُكُمْ﴾. ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: منصوب لأنه ظرف زمان، والمراد بأول مرة: الدنيا. المفردات اللغوية: ﴿يَدْعُونَ﴾ يدعونهم ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي الأصنام، وعبّر عن الأصنام وهي لا تعقل بالذين مجاراة لمعتقد الكفرة فيها. ﴿عَدْواً﴾ اعتداء وظلما ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي جهلا منهم بالله ﴿كَذلِكَ﴾ كما زينا لهؤلاء ما هم

стр. 2293

عليه ﴿زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ من الخير والشر، فأتوه ﴿مَرْجِعُهُمْ﴾ في الآخرة ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فيجازيهم به. ﴿وَأَقْسَمُوا﴾ أي كفار مكة ﴿بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ أي غاية اجتهادهم فيها ﴿آيَةٌ﴾ مما اقترحوا ﴿وَما يُشْعِرُكُمْ﴾ يدريكم بإيمانهم إذا جاءت أي أنتم لا تدرون ذلك ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ لما سبق في علمي. ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ﴾ نحول قلوبهم عن الحق، فلا يفهمونه ﴿وَأَبْصارَهُمْ﴾ عنه، فلا يبصرونه ولا يؤمنون ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ﴾ أي بما أنزل من الآيات ﴿وَنَذَرُهُمْ﴾ نتركهم ﴿فِي طُغْيانِهِمْ﴾ ضلالهم ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يترددون متحيرين. سبب النزول: نزول الآية (١٠٨): ﴿وَلا تَسُبُّوا﴾: قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة قال: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار، فيسبوا-أي الكفار-الله، فأنزل الله: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾. وعبارة الواحدي عن قتادة: كان المسلمون يسبون أوثان الكفار، فيردون ذلك عليهم، فنهاهم الله تعالى أن يستسبوا لربهم قوما جهلة، لا علم لهم بالله. وقال ابن عباس في رواية الوالبي: قالوا: يا محمد لتنتهين عن سبّك آلهتنا، أو لنهجونّ ربك، فنهى الله أن يسبوا أوثانهم، فيسبوا الله عدوا بغير علم. نزول الآية (١٠٩): ﴿وَأَقْسَمُوا﴾: أخرج ابن جرير الطبري عن محمد بن كعب القرظي قال: «كلّم رسول الله قريشا، فقالوا: يا محمد تخبرنا أن موسى كان معه عصا يضرب بها الحجر، وأن عيسى كان يحيي الموتى، وأن ثمود لهم الناقة، فأتنا من الآيات حتى نصدقك، فقال رسول الله ﷺ : أي شيء تحبون أن آتيكم به؟ قالوا تجعل لنا الصفا ذهبا، قال: فإن فعلت تصدقوني؟ قالوا: نعم والله، فقام رسول الله

стр. 2294

يدعو، فجاءه جبريل، فقال له: إن شئت أصبح ذهبا، فإن لم يصدقوا عند ذلك لنعذبنهم (أي عذاب الاستئصال)، وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم، فقال ﷺ : أتركهم حتى يتوب تائبهم، فأنزل الله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿يَجْهَلُونَ﴾». المناسبة: الآية متعلقة بما قبلها من قول المشركين للرسول ﷺ : إنما جمعت هذا من مدارسة الناس ومذاكرتهم، وحينئذ لا يبعد أن يغضب بعض المسلمين لسماع ذلك، فيسبوا آلهة الكفار على سبيل المعارضة، فنهى الله تعالى عن هذا الصنع، لأنه متى شتمت آلهتهم، فربما ذكروا الله تعالى بما لا ينبغي من القول. التفسير والبيان: ينهى الله تعالى رسوله والمؤمنين عن سب آلهة المشركين، وإن كان فيه مصلحة، إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسب إله المؤمنين، وهو ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ كما قال ابن عباس. لا تسبوا أيها المسلمون آلهة المشركين التي يدعونها من دون الله؛ إذ ربما نشأ عن ذلك سبّهم لله عدوانا، أي ظلما وتجاوزا منهم للحدّ في السباب والمشاتمة، لإغاظة المؤمنين، جهلا منهم بقدر الله تعالى وعظمته. وهذا يدل على أن الطاعة أو المصلحة إن أدت إلى معصية أو مفسدة تترك، وقد أمر الله موسى وهارون باللطف في مخاطبة فرعون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً، لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ [طه ٤٤/ ٢٠]. وكما زينا لهؤلاء القوم حب الأصنام والانتصار لها، زينا لكل أمة من الأمم سوء عملهم من الكفر والضلال، أي أن هذه سنة الله في خلقه، يستحسنون

стр. 2295

عاداتهم وتقاليدهم التي ساروا عليهم عن تقليد وجهل، أو عن معرفة وعناد، والله يتركهم وشأنهم. وهذا التزيين أثر لاختيارهم دون جبر أو إكراه، لا أن الله خلق في قلوبهم تزيينا للكفر والشر، كما زين في قلوب آخرين الإيمان والخير، وإلا كان الإيمان والكفر والخير والشر غريزة، تعد الدعوة إلى الإصلاح بعدها نوعا من العبث، والله منزه عنه، وكان الثواب والعقاب وإرسال الرسل وإنزال الكتب لا معنى له ولا عدل فيه. وبعد تركهم وشأنهم في الدنيا يكون معادهم ومصيرهم بعد الموت وحين البعث إلى ربهم ومالك أمرهم، لا إلى غيره، فيجازيهم بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وهذا إنذار وتهديد. وهؤلاء المشركون حلفوا أيمانا مؤكدة بالله: لئن جاءتهم معجزة مادية وخارقة للعادة من الآيات الكونية التي يقترحونها، ليصدقن بها أنها من عند الله، وأنك رسول الله. وفي هذا إشارة إلى أنهم قوم معاندون؛ لأنهم لم يروا أن هذا القرآن من جنس المعجزات أصلا، وليس من هدفهم إلا التحكم في طلب المعجزات. قل يا محمد لهؤلاء الذين يسألونك الآيات تعنتا وعنادا وكفرا، لا على سبيل الهدى والاسترشاد: إنما مرجع هذه الآيات إلى الله، وهو القادر عليها، إن شاء جاءكم بها، وإن شاء ترككم فلا ينزلها إلا على موجب الحكمة، كما قال: ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [غافر ٧٨/ ٤٠]. ثم خاطب الله نبيه والمؤمنين الذين تمنوا مجيء آية مما اقترحوا ليؤمنوا: وما يدريكم إيمانهم؟ أي بتقدير أن تجيئهم هذه الآيات، فهم لا يؤمنون إذا جاءتهم

стр. 2296

الآية، لسبق علم الله بعدم إيمانهم، فأنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها، وأنتم لا تدرون بذلك. ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ.﴾. أي وما يشعركم أنا نحوّل قلوبهم عن إدراك الحق والإيمان وأبصارهم عن إبصاره، ونحول بينهم وبينه، فلا يدركونه، ولو جاءتهم كل آية. فلا يؤمنون، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة حين أتتهم الآيات التي عجزوا عن معارضتها مثل القرآن وغيره؛ لتمام إعراضهم عن إدراك الحقائق، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ، فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ، لَقالُوا:﴾ ﴿إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا، بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر ١٤/ ١٥ - ١٥]. والحقيقة أن من لم يقنعه ما ورد في القرآن من الأدلة العقلية والبراهين العلمية، لا تقنعه الآيات الحسية التي يشاهدها. وما يشعركم أيضا أنا نذرهم في طغيانهم، أي نخليهم وشأنهم، لا نكفهم عن الطغيان أي تجاوز الحد، ونتركهم يترددون في طغيانهم متحيرين فيما سمعوا ورأوا من الآيات، أهو الحق المبين أم السحر الخادع؟ فقه الحياة أو الأحكام: المؤمنون منهيون عن مجاراة الكفار ومبادلتهم السباب والشتم والقبائح، سدا لذرائع الفساد، ومنعا من الوقوع في المفسدة، وإن كانت هناك مصلحة مرتجاة، وقصد ثواب، فذلك مرجوح وقليل أمام الجرم الأعظم وهو سب الله، والمفسدة الأغلب. وفي هذا تهذيب أخلاقي، وسمو إيماني، وترفع عن مجاراة السفهاء الذين يجهلون الحقائق، وتخلو أفئدتهم من معرفة الله وتقديسه. وحكم الآية-كما ذكر العلماء-باق في الأمة على كل حال، فمتى كان الكافر في منعة وغير خاضع لسلطان الإسلام والمسلمين، وخيف أن يسبّ الإسلام أو النّبي ﷺ أو الله ، فلا يحل لمسلم أن يسبّ صلبانهم ولا دينهم

стр. 2297

ولا كنائسهم، ولا يتعرض إلى ما يؤدي إلى ذلك؛ لأنه فعل بمنزلة التحريض على المعصية. وهذا نوع من الموادعة، ودليل على وجوب الحكم بسدّ الذرائع، وفي الآية دليل أيضا على أن المحقّ قد يكف عن حق له إذا أدّى إلى ضرر يكون في الدّين. ومن هذا المعنى ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: لا تبتوا الحكم بين ذوي القرابات مخافة القطيعة. قال ابن العربي: إن كان الحق واجبا فيأخذه بكل حال، وإن كان جائزا ففيه يكون هذا القول (١). ويؤكد مدلول الآية: قول النّبي ﷺ فيما أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود عن عبد الله بن عمرو: «لعن الله الرجل يسبّ أبويه، قيل: يا رسول الله؛ وكيف يسبّ أبويه؟ قال: يسبّ أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه» قال ابن العربي: فمنع الله تعالى في كتابه أحدا أن يفعل فعلا جائزا يؤدي إلى محظور. وبهذا تمسك المالكية في سد الذرائع: وهو كل عقد جائز في الظاهر يؤول أو يمكن أن يتوصّل به إلى محظور. وأما المعاندون مشركون أو غيرهم فلن يؤمنوا مهما جاءتهم الآيات، وقد طلب مشركو قريش من الرسول معجزات مادية، وحلفوا أنها لو ظهرت لآمنوا، فبيّن الله تعالى أنهم وإن حلفوا على ذلك، فالله تعالى عالم بأنها لو ظهرت لم يؤمنوا.

стр. 2298

من مظاهر تعنّت المشركين والإياس من إيمانهم ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١) وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)﴾ الإعراب: ﴿كُلَّ﴾ مفعول ﴿حَشَرْنا﴾. ﴿قُبُلاً﴾ حال من ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾. ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ أن وصلتها في موضع نصب؛ لأنه استثناء منقطع. ﴿شَياطِينَ﴾ منصوب إما لأنه بدل من ﴿عَدُوًّا﴾ أو لأنه مفعول ثان لجعلنا. ﴿غُرُوراً﴾ منصوب إما لأنه مصدر في موضع الحال، أو بدل من قوله ﴿زُخْرُفَ﴾ الذي هو مفعول يوحي، أو لأنه مفعول لأجله، أي لغرور. ﴿وَلِتَصْغى﴾ معطوف على فعل مقدر دلّ عليه قوله تعالى: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ وتقديره: ليغروه ولتصغى إليه، فحمل على المعنى. وقيل: اللام لام قسم، وتقديره: ولتصغين إليه أفئدة الذين، فلما كسرت اللام حذفت النون. البلاغة: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ﴾ ربط المشيئة بالرّبوبية، والإضافة إلى الضمير العائد إلى النّبي ﷺ ، لتشريف مقامه، والعناية به، وتطييب خاطره وتسليته ﵊.

стр. 2299

المفردات اللغوية: ﴿وَحَشَرْنا﴾ جمعنا. ﴿قُبُلاً﴾ أي مواجهة ومقابلة ومعاينة. ﴿عَدُوًّا﴾ العدو: ضد الصّديق، ويستعمل للواحد والجمع والمذكر والمؤنث. ﴿شَياطِينَ﴾ جمع شيطان، والشياطين: المردة، قال ابن عباس: كلّ عات متمرّد من الجنّ والإنس فهو شيطان. ﴿يُوحِي﴾ يوسوس به الشّيطان، والإيحاء: الاعلام مع الخفاء والسّرعة كالإيماء. ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾ أي الكلام المزين الذي يبدّل الحقائق أوهاما، ويطلق لفظ الزخرف على كلّ زينة، كالذهب للنّساء، والورود والأزهار للرّياض وغيرها. ﴿غُرُوراً﴾ خداعا باطلا. ﴿فَذَرْهُمْ﴾ دع الكفار. ﴿وَما يَفْتَرُونَ﴾ من الكفر وغيره مما زين لهم. ﴿وَلِتَصْغى﴾ تميل، يقال: صغي إليه: مال. ومضارعه: يصغي، مثل رضي يرضى، وصغي فلان وصغوه: أي ميله وهواه. ﴿إِلَيْهِ﴾ الزخرف. ﴿أَفْئِدَةُ﴾ قلوب. ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا﴾ يكتسبوا، يقال: اقترف المال: اكتسبه، واقترف الذّنب: اجترحه. سبب النّزول: روي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ أتى جماعة من كفار مكة وزعمائها فقالوا له: أرنا الملائكة يشهدون بأنك رسول الله، أو ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم، أحقّ ما تقول أم باطل؟ أو ائتنا بالله والملائكة قبيلا، فنزلت الآية. المناسبة: هذا تفصيل لما ذكر على سبيل الإجمال بقوله تعالى: ﴿وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ فبيّن تعالى أنه لو أعطاهم ما طلبوه من إنزال الملائكة، وإحياء الموتى حتى يكلّموهم، بل لو زاد في ذلك بأن يحشر عليهم كلّ شيء قبلا يشهد بصدق الرّسول، ما كانوا ليؤمنوا لتأصّلهم في الضّلال إلا أن يشاء الله. التفسير والبيان: قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ.﴾.: وهم أهل الشقاوة، ثم قال: ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾: وهم أهل السعادة الذين سبق لهم في علمه تعالى أن يدخلوا في الإيمان (١).

стр. 2300

والمعنى: ولو أننا أجبنا سؤال هؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم: لئن جاءتهم آية ليؤمننّ بها، فنزلنا عليهم الملائكة، تخبرهم بالرّسالة من الله، بتصديق الرّسل كما سألوا، فقالوا: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً﴾ [الإسراء ٩٢/ ١٧] و ﴿قالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ﴾ [الأنعام ١٢٤/ ٦] ما آمنوا بمحمد ﷺ وبالقرآن. وبعبارة أخرى: لو أنّنا نزّلنا إليهم الملائكة، فرأوهم بأعينهم مرة بعد أخرى، وسمعوا شهادتهم لك بالرّسالة؛ ولو كلّمهم الموتى بأن نحييهم، فيخبروهم بصدق ما جاءتهم به الرّسل كما طلبوا: ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا﴾ [الدّخان ٣٦/ ٤٤]، وحشرنا، أي وجمعنا كلّ شيء من الآيات والدّلائل معاينة ومواجهة، فيخبرونهم بصدق الرّسل فيما جاؤوا به، وقيل: ﴿قُبُلاً﴾ كفلاء بصحّة ما بشّرنا به وأنذرنا، أو جماعات تعرض عليهم كلّ جماعة بعد أخرى، ما كان شأنهم به يؤمنوا، وليس عندهم الاستعداد أن يصدّقوا؛ لأنهم لا ينظرون في الآيات نظر تأمّل وهداية وعظة، وإنما ينظرون إليها نظر معاداة واستهزاء، لا يؤمنون إلا بمشيئة الله، أي لا يؤمنون ما داموا على صفاتهم، إلاّ أن يزيلها الله تعالى إن شاء، فالهداية مقدور عليها من الله، ولكنه تعالى يتركهم وشأنهم بعد أن بصّرهم بطرق الخير والانتفاع بهدي القرآن. فالمراد بقوله: ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ أي ما كانوا ليؤمنوا على سبيل الاختيار، والمراد من قوله: ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ هو الإيمان الاختياري، وليس الإيمان الاضطراري، كما قال الرّازي؛ لأن المستثنى يجب أن يكون من جنس المستثنى منه، والإيمان الحاصل بالإلجاء والقهر ليس من جنس الإيمان الاختياري (١).

стр. 2301

ولكن أكثر هؤلاء المشركين يجهلون أن الإيمان إليهم والكفر بأيديهم، متى شاؤوا آمنوا ومتى شاؤوا كفروا، وليس ذلك كما يظنون، لا يؤمن منهم إلا من هديته له فوفقته، ولا يكفر إلا من خذلته عن الرّشد فأضللته. هذا ما يراه الطبري (١) وهو الظاهر الرّاجح. ويرى الزّمخشري: ولكن أكثر المسلمين يجهلون أن هؤلاء لا يؤمنون إلا أن يضطرهم الله، فيطمعون في إيمانهم إذا جاءت الآية المقترحة (٢). يعني أن المعتزلة يرون أن المستثنى هو الإيمان الاضطراري، وأن الضمير في قوله: ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ عائد في رأي الزمخشري إلى المسلمين لا إلى الكفار، والمعتزلة يقولون: المراد: أنهم أي المشركون جهلوا أنهم يبقون كفارا عند ظهور الآيات التي طلبوها، والمعجزات التي اقترحوها، وكان أكثرهم يظنون ذلك. وأهل السّنّة يقولون: المراد: يجهلون بأنّ الكلّ من الله وبقضائه وقدره (٣). قال ابن عباس: المستهزئون بالقرآن كانوا خمسة: الوليد بن المغيرة المخزومي، والعاصي بن وائل السّهمي، والأسود بن عبد يغوث الزهري، والأسود بن المطلب، والحارث بن حنظلة، أتوا الرّسول ﷺ في رهط من أهل مكة، وقالوا له: أرنا الملائكة يشهدون بأنك رسول الله، أو ابعث موتانا حتى نسألهم، أحقّ ما تقوله أم باطل؟ أو ائتنا بالله والملائكة قبيلا، أي كفيلا على ما تدّعيه، فنزلت الآية (٤). ثمّ أراد الله تعالى التّخفيف على نبيّه ومواساته وتسليته، فأبان أنّ سنّته في الخلق أن يكون للأنبياء عدوّ من الجنّ والإنس، فقال: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا..﴾.

стр. 2302

أي وكما جعلنا لك يا محمد أعداء يخالفونك ويعادونك ويعاندونك، جعلنا لكلّ نبيّ من قبلك أيضا أعداء، فلا يحزنك ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ، فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ [الأنعام ٣٤/ ٦]، وقال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان ٣١/ ٢٥]، وقال ورقة بن نوفل لرسول الله ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم: «إنه لم يأت أحد قطّ بمثل ما جئت به إلا عودي» أي أنّ سنّة الله جرت على أن يكون بعض الناس أعداء للأنبياء وورثتهم، وكلّ أصحاب دعوات الإصلاح في الأمور الدّينيّة والاجتماعيّة، وهذا ما يعبّر عنه بتنازع البقاء وبقاء الأصلح، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً، وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرّعد ١٧/ ١٣]. والعداوة سواء من شياطين الإنس والجنّ، قال مجاهد وعكرمة وقتادة والحسن البصري: من الجنّ شياطين، ومن الإنس شياطين، يوحي بعضهم إلى بعض. وقال قتادة: بلغني أن أبا ذر كان يوما يصلّي، فقال له النّبي ﷺ : «تعوّذ يا أبا ذرّ من شياطين الإنس والجنّ» فقال: أو إن من الإنس شياطين؟ فقال رسول الله ﷺ : «نعم» (١). وجاء في سورة البقرة: ﴿وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا: إِنّا مَعَكُمْ﴾ [١٤]. ثم ذكر تعالى أثر عداوة الشّياطين للأنبياء، وهو مقاومتهم دعوة الله وهدايته، فقال: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ.﴾. أي يلقي بعضهم إلى بعض القول المزيّن المزخرف، وهو المزوّق الذي يغتّر سامعه من الجهلة بأمره، وينخدع ويميل إلى رأي القائل، ويتأثّر بإغراء الشياطين بالمعاصي. والوحي: الإيماء والقول السريع، والزّخرف: الذي يكون باطنه باطلا، وظاهره مزيّنا خادعا.

стр. 2303

ولو شاء ربّك ألا يفعلوا هذا التغرير، ما فعلوه، ولكنه لم يشأ أن يجبرهم على الهداية، بل شاء أن يكون الناس مختارين سلوك أي الطريقين: طريق الخير وطريق الشّرّ، كما قال تعالى: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠/ ٩٠] هذا ما يراه المعتزلة. وقال أهل السّنّة في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾: وذلك كلّه بقدر الله وقضائه وإرادته ومشيئته أن يكون لكلّ نبيّ عدوّ من الشياطين. فدعهم وما يفترون أي يكذبون، أي دع مجابتهم واتركهم يخوضون في إفكهم وكذبهم، ولا تأبه لهم، وامض في تبليغ دعوتك وتأدية رسالتك، وتوكّل على الله، فإن الله كافيك وناصرك عليهم، وعليك البلاغ، وعلينا الحساب والجزاء. وقوله: ﴿وَلِتَصْغى.﴾. معطوف على فعل مقدر مفهوم مما سبقه، وتقديره: يوحي هؤلاء الشياطين إلى بعضهم زخرف القول والمموه أو المزيّن منه، ليغروا المؤمنين أتباع الأنبياء، ولتميل إليه قلوب الكفار والفسّاق الذين لا يؤمنون بالآخرة؛ لأنه الموافق لأهوائهم. أمّا المؤمنون الواعون الذين ينظرون في عواقب الأمور، فلا ينخدعون بأباطيل الأقوال، ولا تغرّنّهم الزّخارف. وضمير ﴿إِلَيْهِ﴾ وضمير ﴿فَعَلُوهُ﴾ راجع إلى ما ذكر من عداوة الأنبياء ووسوسة الشياطين. ﴿وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ أي وليرضوه لأنفسهم، وليترتب على ذلك أن يكتسبوا ما هم مكتسبون من المعاصي والآثام بغرورهم به ورضاهم عنه. فقه الحياة أو الأحكام: لن يؤمن الكفار كما سبق في علم الله تعالى، ولو جاءتهم المعجزات العجيبة والآيات البليغة القاطعة الدّالّة على صدق الرّسل. فلو فرض أن الله تعالى أجابهم إلى ما اقترحوه، فأنزل الملائكة إليهم، وعاد الموتى إلى الحياة فكلّموهم، وجمعت لهم

стр. 2304

كلّ الآيات معاينة ومواجهة، فإنهم لن يؤمنوا، لتأصّلهم في الكفر، وفقد استعدادهم للإذعان بالحقّ، فأكثر المشركين يجهلون الحقّ ولا يعرفونه. ومن سنّته تعالى في الخلق ظهور أعداء من الإنس والجنّ للأنبياء وأتباعهم، لأنّ الحقّ يعرف بضدّه من الباطل. وأهل الباطل يصغون أسماعهم لما يوسوس به شياطين الجنّ وشياطين الإنس، ويقتنعون بالقول المزيّن المغشوش الذي لا مصداقيّة له ولا صحّة، ولا بقاء ولا استقرار. قال مالك بن دينار: إن شيطان الإنس أشدّ عليّ من شيطان الجنّ، وذلك أنّي إذا تعوّذت بالله، ذهب عنّي شيطان الجنّ، وشيطان الإنس يجيئني فيجرّني إلى المعاصي عيانا. والله قادر على تحويل المشركين إلى مؤمنين، ولكن حكمته ومشيئته وإرادته اقتضت ترك الاختيار إليهم، ليكون الجزاء عدلا مطابقا للواقع. ودلّ قوله تعالى: ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ على أنه تعالى ما شاء منهم الإيمان، فهم لا يؤمنون إلا أن يشاء الله إيمانهم. ومآل القول المزخرف المزيّن وهو الباطل وعاقبته أنه يستمع إليه ويميل إليه غير المؤمنين بالآخرة، ويرضون به، ويؤدي بهم إلى اكتساب المعاصي واقتراف السّيئات واجتراح الذّنوب. وهكذا فإن عقاب العصاة بسبب ذنوبهم وسيئاتهم، وليس لله حاجة في تعذيبهم والتّنكيل بهم، وإنّما العقاب أمر يقتضيه العدل المطلق للتّمييز بين المحسنين الأبرار وبين المسيئين الأشرار، فلا يعقل التّسوية بين من لازم الطاعة، فعمل والتزم أوامر الله، وبين من قارف المعصية، فأعرض واستكبر، وعتا

стр. 2305

وعاند، وتنكّر لأوامر الله ولم يأبه بما حظره الله ومنعه، وأهمل نداء الحقّ والخير. القرآن الكريم دليل صدق رسالة النّبي ﷺ ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ الإعراب: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ﴾ منصوب بأبتغي. ﴿حَكَماً﴾ إما منصوب على الحال، أو على التّمييز. ﴿مُنَزَّلٌ﴾ نائب الفاعل له ضمير مستتر يعود على الكتاب. ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ في موضع نصب؛ لأنه يتعلّق بمنزّل. ﴿بِالْحَقِّ﴾ حال من ضمير ﴿مُنَزَّلٌ﴾. ﴿صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ منصوبان على المصدر، وقيل: يجوز كونهما مصدرين في موضع الحال، بمعنى صادقة وعادلة. البلاغة: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ الخطاب للرّسول ﷺ على طريق إثارة الحماسة وإلهاب المشاعر، أو التّهييج والإلهاب، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ١٤/ ٦]. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ مجاز مرسل، من قبيل إطلاق الجزء وإرادة الكلّ، أي تمّ كلامه ووحيه. المفردات اللغوية: ﴿أَبْتَغِي﴾ أطلب. ﴿حَكَماً﴾ قاضيا بيني وبينكم، والحكم: من يحكم بالحقّ فقط، فهو أبلغ من الحاكم؛ إذ لا يستحق التّسمية بحكم إلا من يحكم بالحقّ؛ لأنها صفة تعظيم في مدح، أما الحاكم

стр. 2306

فهو صفة جارية على الفعل، فقد يسمّى بها من يحكم بغير الحقّ. ﴿مُفَصَّلاً﴾ مبيّنا فيه الحقّ والباطل، والحلال والحرام. ﴿الْمُمْتَرِينَ﴾ المترددين الشّاكين. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ المراد بالتّمام هنا: أن كلمة الله وافية في الإعجاز، والدّلالة على صدق الرّسول ﷺ ، والمراد بالكلمة هنا: القرآن. وأصل معنى تمام الشيء: انتهاؤه إلى حدّ لا يحتاج معه إلى شيء خارج عنه. ﴿صِدْقاً﴾ الصدق يكون في الأخبار ومنها المواعيد. ﴿وَعَدْلاً﴾ العدل يكون في الأحكام. ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ التّبديل: التّغيير بالبدل، والمعنى: لا مبدّل لكلمات الله بنقض أو خلف. المناسبة: بعد أن ندّد الله تعالى بالكفار الذين أقسموا بالله ليؤمنن بالآيات إذا جاءتهم، وأبان أنه لا فائدة في إظهار تلك الآيات؛ لأنه تعالى لو أظهرها لبقوا مصرّين على كفرهم، أبان هنا أنّ الدّليل الدّال على نبوّة محمد ﷺ قد حصل من وجهين: الأول-أنه أنزل إليه الكتاب المفصّل المبين المشتمل على العلوم الكثيرة والفصاحة الكاملة، وقد عجز الخلق عن معارضته، مما يدلّ على صدق نبوّته. والثاني-اشتمال التّوراة والإنجيل على الآيات الدّالة على أنّ محمدا ﷺ رسول حقّ، وعلى أنّ القرآن كتاب حقّ من عند الله، وهو المراد بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾. والوجهان مذكوران في قوله تعالى: ﴿قُلْ: كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ [الرعد ٤٣/ ١٣]. وبعد أن بيّن تعالى أنّ القرآن معجز، ذكر أنّه تمّت كلمة ربّك، أي القرآن، والمراد: تمّ القرآن في كونه معجزا دالاّ على صدق محمد ﵊. التّفسير والبيان: يأمر الله نبيّه ﷺ أن يقول لهؤلاء المشركين بالله الذين يعبدون غيره:

стр. 2307

ليس لي أن أطلب قاضيا بيني وبينكم؛ لأنه لا حكم أعدل من حكم الله، ولا قائل أصدق من قوله، وهو الذي أنزل إليكم القرآن مبيّنا فيه حكم كلّ شيء، من العقائد والشّرائع والآداب، وقد جاوزت سنّ الأربعين، ولم يصدر عنّي مثله في العلوم والمعارف، والأخبار الماضية والمستقبلة، ولا في الفصاحة والبلاغة، كما قال تعالى: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ﴾ [يونس ١٦/ ١٠]، أي: أفغير الله أطلب لكم حاكما، وهو الذي كفاكم مؤنة المسألة، في الآيات، بما أنزله إليكم من الكتاب المفصّل، أي المبين. وبعبارة أخرى: لا فائدة من طلبكم دليلا على صدق نبوّتي، فهناك دليلان واضحان يؤيّدان رسالتي، وهما الآية الكبرى وهي القرآن المعجز الدّال بإعجازه على أنّه كلام الله، واشتمال التّوراة والإنجيل على ما يدلّ على أنّي رسول الله حقّا وأنّ القرآن كتاب حقّ من عند الله تعالى. وإن أنكر هؤلاء المشركون أحقيّة القرآن وكذّبوا به، فإن اليهود والنصارى أهل الكتاب يعلمون أنه منزّل من ربّك بالحقّ، بما ورد عندهم من البشارات بك، على لسان الأنبياء المتقدّمين، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ، وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ١٤٦/ ٢]. فلا تكونن يا محمد من المترددين الشّاكين، وهذا على أسلوب التّهييج والإلهاب، أو على طريق التّعريض، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يونس ١٠٥/ ١٠]، وقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ، فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ، لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [يونس ٩٤/ ١٠]. وليس هذا النّهي مؤذنا بوقوع الشّك من النّبي ﷺ ؛ لأنه شرط، والشّرط

стр. 2308

لا يقتضي وقوعه، لذا قال ﵊: «لا أشكّ ولا أسأل». وتمّ كلام الله وهو القرآن، فلا يحتاج إلى إضافة شيء فيه، وأصبح كافيا وافيا بإعجازه وشموله، ودلالته على الصدق، فهو صادق فيما يقول، عدل فيما يحكم، صدقا في الإخبار عن الغيب، وعدلا في الطلب، فكلّ ما أخبر به فهو حقّ لا مرية فيه ولا شكّ، وكلّ ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكلّ ما نهى عنه فباطل، فإنه لا يأمر إلا بخير، ولا ينهى إلا عن مفسدة وشرّ، كما قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف ١٥٧/ ٧]. وكلّ ما ورد في القرآن من أمر ونهي، ووعد ووعيد، وقصص وخبر لا تغيير فيه ولا تبديل لكلمات الله، وليس أحد يعقب حكمه تعالى، لا في الدّنيا ولا في الآخرة. وهو السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وسكناتهم، الذي يجازي كلّ عامل بعمله. فقه الحياة أو الأحكام: الآية الأولى بتّ قاطع في مسألة التّحكيم الذي طالب به المشركون بينهم وبين النّبي ﷺ ، وهي ردّ مفحم عليهم بأنّه قد قام الدّليل القاطع على إثبات نبوّة محمد ﷺ من ناحيتين: الأولى-تأييده بالقرآن الكريم وهو المعجزة الدائمة الخالدة الدّالة على النّبوة. الثانية-معرفة أهل الكتاب وبشارات أنبيائهم به وبصدقه وبصدق القرآن. ودلّت الآية الثانية: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ على وجوب اتّباع دلالات

стр. 2309

القرآن؛ لأنّه حقّ لا يمكن تبديله بما يناقضه؛ لأنه من عند حكيم لا يخفى عليه شيء من الأمور كلها. والكلمات كما قال قتادة: هي القرآن لا مبدّل له، لا يزيد فيه المفترون ولا ينقصون. ضلالات المشركين والمنع من أكل ذبائحهم ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ (١١٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧) فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَما لَكُمْ أَلاّ تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاّ مَا اُضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩) وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠) وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ الإعراب: ﴿أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ﴾ ﴿مَنْ﴾ في موضع نصب بفعل مقدر دلّ عليه ﴿أَعْلَمُ﴾ وتقديره: يعلم من يضل عن سبيله. ولا يجوز أن يكون في موضع جر؛ لأنه يستحيل المعنى، ويصير التقدير: إن ربك هو أعلم بالضالين؛ لأن أفعل إنما تضاف إلى ما هو بعض له، وذلك كفر محال. مثل قوله

стр. 2310

تعالى: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤/ ٦] حيث: في موضع نصب بفعل مقدر، دلّ عليه: أعلم؛ لأن حيث هاهنا اسم محض، وتقديره: يعلم حيث يجعل رسالته، ولا يجوز أن تكون حيث في موضع جر؛ لأنها بمعنى مكان، فيكون التقدير: الله أعلم أمكنة رسالاته، وهذا أيضا كفر. ﴿وَما لَكُمْ أَلاّ تَأْكُلُوا﴾: أن في موضع نصب بحذف حرف الجر. و ﴿ما﴾ استفهامية مبتدأ، وما بعدها خبرها، وتقديره: وأي شيء لكم في ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه. البلاغة: ﴿وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ﴾ يوجد طباق بين لفظ ﴿ظاهِرَ﴾ و «باطن». المفردات اللغوية: ﴿أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي الكفار. ﴿سَبِيلِ اللهِ﴾ دينه. ﴿إِنْ﴾ ما. ﴿يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾ في مجادلتهم لك في أمر الميتة، إذ قالوا: ما قتل الله أحق أن تأكلوه مما قتلتم. ﴿يَخْرُصُونَ﴾ يحدسون ويقدرون ويكذبون في ذلك. والخرص: الحدس والتخمين. ﴿أَعْلَمُ﴾ أي عالم. ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ أي ذبح على اسم الله. ﴿وَما لَكُمْ أَلاّ تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ من الذبائح. ﴿وَقَدْ فَصَّلَ﴾ بيّن وأزال عنكم اللبس في المحرّمات. ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ المتجاوزين الحلال إلى الحرام. ﴿وَذَرُوا﴾ اتركوا. ﴿ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ﴾ علانيته وسره، والإثم: القبيح، وشرعا: ما حرمه الله من كل معصية كالزنى والسرقة ونحوهما. ﴿سَيُجْزَوْنَ﴾ في الآخرة. ﴿يَقْتَرِفُونَ﴾ يكتسبون. ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ بأن مات أو ذبح على اسم غيره، وإلا فما ذبحه المسلم ولم يسم فيه عمدا أو نسيانا فهو حلال، كما قال ابن عباس، وأخذ به الشافعي. ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي الأكل منه ﴿لَفِسْقٌ﴾ معصية وخروج عن دائرة الدين إلى ما لا يحل. ﴿لَيُوحُونَ﴾ يوسوسون. ﴿إِلى أَوْلِيائِهِمْ﴾ أعوانهم الكفار. ﴿لِيُجادِلُوكُمْ﴾ في تحليل الميتة. سبب النزول: نزول الآية (١١٨): ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾: روى أبو داود والترمذي عن ابن عباس

стр. 2311

قال: أتى ناس النّبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، أنأكل ما نقتل ولا نأكل ما يقتل الله؟ فأنزل الله: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ..﴾. إلى قوله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾. وأخرج أبو داود والحاكم وغيرهما عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ.﴾. قال: قالوا: ما ذبح الله لا تأكلوا، وما ذبحتم أنتم تأكلون؟ فأنزل الله الآية. نزول الآية (١٢١): ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ.﴾.: قال المشركون: يا محمد، أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟ قال: الله قتلها، قالوا: فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال، وما قتل الكلب والصقر حلال، وما قتله الله حرام؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية (١). وأخرج الطبراني وغيره عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ أرسلت فارس إلى قريش أن خاصموا محمدا، فقولوا له: ما تذبح أنت بيدك بسكّين فهو حلال، وما ذبح الله بشمشار من ذهب، يعني الميتة، فهو حرام، فنزلت هذه الآية: ﴿وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ﴾ قال: الشياطين من فارس وأولياؤهم قريش. وعبارة عكرمة في ذلك هي: إن المجوس من أهل فارس، لما أنزل الله تعالى تحريم الميتة كتبوا إلى مشركي قريش، وكانوا أولياءهم في الجاهلية، وكانت بينهم مكاتبة: إن محمدا وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله، ثم يزعمون أن ما ذبحوا فهو حلال، وما ذبح الله فهو حرام، فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

стр. 2312

المناسبة: بعد أن أجاب الله تعالى عن شبهات الكفار، وأثبت صحة نبوة محمد ﷺ ، ذكر هنا أنه لا ينبغي الالتفات إلى ما يقوله الجهال؛ لأنهم يسلكون سبيل الضلال، ويتبعون الظنون الفاسدة، وهذا المنهج بالتعبير الحديث تحييد لأهل الإسلام، وتوفير لاستقلال شخصيتهم، وإبراز ذاتيتهم، بالرغم من أن أكثر أهل الأرض كانوا ضلالا بسبب غلبة الشرك على عقائدهم. التفسير والبيان: لا يلتفت في شرعة الحق والقرآن إلى مسالك أهل الضلال والشرك؛ لاتباعهم الظنون الفاسدة، وإن تطع يا محمد وكل من تبعك أكثر من في الأرض من الكفار والمشركين في أمور الدين، وتخالف ما أنزل الله عليك، يضلون عن دين الله ومنهجه وسبيله، سبيل الحق والعدل والاستقامة؛ إذ هم لا يتبعون إلا الأهواء والظنون الباطلة أو الكاذبة، ولا يقيمون وزنا للبراهين الإلهية، والأدلة العقلية، وإن هم إلا يحزرون ويحدسون أو يخمنون تخمينا عاريا عن الصحة والحقيقة كخارص ثمر النخل والعنب وغيرهما، فاعتقادهم قائم على الحدس والتخمين، لا على البرهان والدليل. وهذا يدل على أن أكثر أهل الأرض كانوا ضلالا في الاعتقاد فلازموا الشرك، وفي النبوات فأنكروها، وفي الأحكام التشريعية كإحلال الميتة والدم والخمر وتحريم المواشي البحائر والسوائب والوصائل. وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الصافات ٧١/ ٣٧] وقوله: ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف ١٠٣/ ١٢]. وإن ربك يعلم بالضالين عن سبيله القويم، ويعلم أيضا بالمهتدين السالكين سبيل الاستقامة، وليس كما يزعم المشركون. وهذا تحذير مؤكد لما سبق من

стр. 2313

ضرورة رفض منهج أهل الضلال، ومسلك أهل الشرك والأهواء. ولما كان المشركون يعتبرون الذبائح لغير الله من أصول الشرك، وكان حال أكثر الناس الضلالة والكفر، أمر الله المؤمنين بما هو من أصول الاعتقاد بالله، وهو الأكل مما ذكر اسم الله عليه وذبح باسم الله، فقال: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ.﴾. أي احذروا بما ذبح للأصنام والأوثان ولغير الله، وكلوا مما ذكر اسم الله عليه من الذبائح دون غيره، إن كنتم بآيات الله الدالة على الهدى والنور والعقيدة الصحيحة مؤمنين مصدقين بها، مكذبين بما يناقضها من الشرك والوثنية والضلال. فهذه إباحة واضحة من الله لعباده المؤمنين أن يأكلوا ما ذكر عليه اسمه، ترسيخا لأصل الاعتقاد بالله، وردا على مشركي العرب وغيرهم الذين كانوا يجعلون الذبائح من أمور العبادات وأصول الدين والاعتقاد، فيتقربون بالذبائح لآلهتهم. ومفهوم الآية أنه لا يباح ما لم يذكر اسم الله عليه، كما كان يستبيحه كفار قريش من أكل الميتات وأكل ما ذبح على النصب وغيرها. وجمهور المفسرين على أن في هذه الآية حصرا مستفادا من جهتين: الأولى- مما ذكر في الآية السالفة من عدم اتباع المضلين، والثانية-من الشرط في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ فيكون المعنى: اجعلوا أكلهم مقصورا على ما ذكر اسم الله عليه، ولا تتعدوه إلى الميتة. ثم ندب تعالى إلى الأكل مما ذكر اسم الله عليه، وأنكر أن يكون هناك شيء يدعوهم إلى ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه، من البحائر والسوائب وغيرها، فقال: ﴿وَما لَكُمْ أَلاّ تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾. وفي ذلك إشارة إلى ضرورة رفض عوائد الجاهلية واعتراضاتهم وشبهاتهم الواهية.

стр. 2314

﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ.﴾. أي ليس هناك ما يمنعكم، أو أي شيء يمنعكم أن تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه، والحال أنه قد بين لكم المحرم عليكم في قوله: ﴿قُلْ:﴾ ﴿لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ، إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً، أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ، أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [الأنعام ١٤٥/ ٦] ومعنى الأخير: ما ذكر عليه اسم غير الله كالأصنام والأنبياء والصالحين، فبقي ما عدا ذلك على الحل. ثم استثنى الله تعالى حال الضرورة فقال: ﴿إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ أي لكن الذي اضطررتم إلى أكله مما هو محرم عليكم، فإنه يباح لكم ما وجدتم حال الضرورة. ومن هذه الآية وأمثالها أخذت القاعدة الشرعية: «الضرورات تبيح المحظورات» وقاعدة: «الضرورة تقدر بقدرها». ثم بيّن الله تعالى جهالة المشركين في آرائهم الفاسدة من استحلاهم الميتات وما ذكر عليه غير اسم الله تعالى، فقال: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً..﴾. أي إن كثيرا من الكفار ليضلون الناس بتحريم الحلال، وتحليل الحرام، بأهوائهم وشهواتهم الباطلة، وبغير علم أصلا، إنما هو محض الهوى، والله أعلم باعتدائهم وكذبهم وافترائهم، وسيجازيهم على هذا الاعتداء والتجاوز، ولا محالة، مثل عمرو بن لحيّ وقومه الذين اتخذوا البحائر والسوائب، وأحلوا أكل الميتة، وما أهل به لغير الله بذكر اسم نبي أو وثن أو صنم. ثم أمر تعالى بترك جميع الآثام والمعاصي، فقال: ﴿وَذَرُوا ظاهِرَ..﴾. أي اتركوا جميع المعاصي والمحرمات ما أعلنتم وما أسررتم، قليله وكثيره، سواء ما تعلق بأفعال الجوارح والأعضاء كالزنى مع البغايا وأفعال القلوب كالحقد والحسد والكبر والمكيدة، والزنى مع الخليلة والصديقة والأخدان، ومن المعاصي تجاوز المضطر حدّ الضرورة المبين في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ، فَإِنَّ رَبَّكَ

стр. 2315

غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام ١٤٥/ ٦] وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ، فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣/ ٥]. والإثم لغة: ما قبح، وشرعا: ما حرمه الله، ولم يحرم الله شيئا إلا لضرره. والصحيح-كما قال ابن كثير-أن الآية عامة في ذلك كله، وهو ما ذكر، وهي كقوله تعالى: ﴿قُلْ: إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ﴾ [الأعراف ٣٣/ ٧] ولهذا قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ أي سواء كان ظاهرا أو خفيا، فإن الله سيجزيهم عليه، أي أنه لا بد من أنه سيجازي مرتكب المعاصي على عصيانهم إذا ماتوا ولم يتوبوا. وجاء تعريف الإثم في حديث النواس بمن سمعان فيما أخرجه أحمد والدارمي بإسناد حسن: «الإثم: ما حاك في النفس وتردد في الصدر» وفي رواية مسلم: «الإثم: ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس». أما من تاب توبة صحيحة صادقة، وندم على ما فرط، فإن الله يغفر له ما بدر منه من الذنوب؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء ١١٦/ ٤] وكذلك فعل الحسنة عقب السيئة يمحوها، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود ١١٤/ ١١]. وورد في حديث أبي ذر جندب بن جنادة ومعاذ بن جبل فيما أخرجه الترمذي: «واتبع السيئة الحسنة تمحها». ثم صرح الله تعالى بالنهي عن ضد ما فهم من الأمر السابق، وهو قوله: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ فقال: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ.﴾. أي ولا تأكلوا أيها المؤمنون مما مات ولم يذبح ولم يذكر اسم الله عليه، ولا ما ذبح لغير الله وهو ما كان يذبحه المشركون لأوثانهم، والذبح لغير الله والأكل من المذبوح فسق ومعصية، قال عطاء في قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ
следующие страницы →