قال: أتى ناس النّبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، أنأكل ما نقتل ولا نأكل ما يقتل الله؟ فأنزل الله: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ..﴾. إلى قوله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾.
وأخرج أبو داود والحاكم وغيرهما عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ.﴾. قال: قالوا: ما ذبح الله لا تأكلوا، وما ذبحتم أنتم تأكلون؟ فأنزل الله الآية.
نزول الآية (١٢١):
﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ.﴾.: قال المشركون: يا محمد، أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟ قال: الله قتلها، قالوا: فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال، وما قتل الكلب والصقر حلال، وما قتله الله حرام؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية (١).
وأخرج الطبراني وغيره عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ أرسلت فارس إلى قريش أن خاصموا محمدا، فقولوا له:
ما تذبح أنت بيدك بسكّين فهو حلال، وما ذبح الله بشمشار من ذهب، يعني الميتة، فهو حرام، فنزلت هذه الآية: ﴿وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ﴾ قال: الشياطين من فارس وأولياؤهم قريش.
وعبارة عكرمة في ذلك هي: إن المجوس من أهل فارس، لما أنزل الله تعالى تحريم الميتة كتبوا إلى مشركي قريش، وكانوا أولياءهم في الجاهلية، وكانت بينهم مكاتبة: إن محمدا وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله، ثم يزعمون أن ما ذبحوا فهو حلال، وما ذبح الله فهو حرام، فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
стр. 2312
المناسبة:
بعد أن أجاب الله تعالى عن شبهات الكفار، وأثبت صحة نبوة محمد ﷺ ، ذكر هنا أنه لا ينبغي الالتفات إلى ما يقوله الجهال؛ لأنهم يسلكون سبيل الضلال، ويتبعون الظنون الفاسدة، وهذا المنهج بالتعبير الحديث تحييد لأهل الإسلام، وتوفير لاستقلال شخصيتهم، وإبراز ذاتيتهم، بالرغم من أن أكثر أهل الأرض كانوا ضلالا بسبب غلبة الشرك على عقائدهم.
التفسير والبيان:
لا يلتفت في شرعة الحق والقرآن إلى مسالك أهل الضلال والشرك؛ لاتباعهم الظنون الفاسدة، وإن تطع يا محمد وكل من تبعك أكثر من في الأرض من الكفار والمشركين في أمور الدين، وتخالف ما أنزل الله عليك، يضلون عن دين الله ومنهجه وسبيله، سبيل الحق والعدل والاستقامة؛ إذ هم لا يتبعون إلا الأهواء والظنون الباطلة أو الكاذبة، ولا يقيمون وزنا للبراهين الإلهية، والأدلة العقلية، وإن هم إلا يحزرون ويحدسون أو يخمنون تخمينا عاريا عن الصحة والحقيقة كخارص ثمر النخل والعنب وغيرهما، فاعتقادهم قائم على الحدس والتخمين، لا على البرهان والدليل.
وهذا يدل على أن أكثر أهل الأرض كانوا ضلالا في الاعتقاد فلازموا الشرك، وفي النبوات فأنكروها، وفي الأحكام التشريعية كإحلال الميتة والدم والخمر وتحريم المواشي البحائر والسوائب والوصائل. وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الصافات ٧١/ ٣٧] وقوله: ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف ١٠٣/ ١٢].
وإن ربك يعلم بالضالين عن سبيله القويم، ويعلم أيضا بالمهتدين السالكين سبيل الاستقامة، وليس كما يزعم المشركون. وهذا تحذير مؤكد لما سبق من
стр. 2313
ضرورة رفض منهج أهل الضلال، ومسلك أهل الشرك والأهواء.
ولما كان المشركون يعتبرون الذبائح لغير الله من أصول الشرك، وكان حال أكثر الناس الضلالة والكفر، أمر الله المؤمنين بما هو من أصول الاعتقاد بالله، وهو الأكل مما ذكر اسم الله عليه وذبح باسم الله، فقال: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ.﴾. أي احذروا بما ذبح للأصنام والأوثان ولغير الله، وكلوا مما ذكر اسم الله عليه من الذبائح دون غيره، إن كنتم بآيات الله الدالة على الهدى والنور والعقيدة الصحيحة مؤمنين مصدقين بها، مكذبين بما يناقضها من الشرك والوثنية والضلال.
فهذه إباحة واضحة من الله لعباده المؤمنين أن يأكلوا ما ذكر عليه اسمه، ترسيخا لأصل الاعتقاد بالله، وردا على مشركي العرب وغيرهم الذين كانوا يجعلون الذبائح من أمور العبادات وأصول الدين والاعتقاد، فيتقربون بالذبائح لآلهتهم.
ومفهوم الآية أنه لا يباح ما لم يذكر اسم الله عليه، كما كان يستبيحه كفار قريش من أكل الميتات وأكل ما ذبح على النصب وغيرها.
وجمهور المفسرين على أن في هذه الآية حصرا مستفادا من جهتين: الأولى- مما ذكر في الآية السالفة من عدم اتباع المضلين، والثانية-من الشرط في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ فيكون المعنى: اجعلوا أكلهم مقصورا على ما ذكر اسم الله عليه، ولا تتعدوه إلى الميتة.
ثم ندب تعالى إلى الأكل مما ذكر اسم الله عليه، وأنكر أن يكون هناك شيء يدعوهم إلى ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه، من البحائر والسوائب وغيرها، فقال: ﴿وَما لَكُمْ أَلاّ تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾.
وفي ذلك إشارة إلى ضرورة رفض عوائد الجاهلية واعتراضاتهم وشبهاتهم الواهية.
стр. 2314
﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ.﴾. أي ليس هناك ما يمنعكم، أو أي شيء يمنعكم أن تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه، والحال أنه قد بين لكم المحرم عليكم في قوله: ﴿قُلْ:﴾
﴿لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ، إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً، أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ، أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [الأنعام ١٤٥/ ٦] ومعنى الأخير: ما ذكر عليه اسم غير الله كالأصنام والأنبياء والصالحين، فبقي ما عدا ذلك على الحل.
ثم استثنى الله تعالى حال الضرورة فقال: ﴿إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ أي لكن الذي اضطررتم إلى أكله مما هو محرم عليكم، فإنه يباح لكم ما وجدتم حال الضرورة. ومن هذه الآية وأمثالها أخذت القاعدة الشرعية: «الضرورات تبيح المحظورات» وقاعدة: «الضرورة تقدر بقدرها».
ثم بيّن الله تعالى جهالة المشركين في آرائهم الفاسدة من استحلاهم الميتات وما ذكر عليه غير اسم الله تعالى، فقال: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً..﴾. أي إن كثيرا من الكفار ليضلون الناس بتحريم الحلال، وتحليل الحرام، بأهوائهم وشهواتهم الباطلة، وبغير علم أصلا، إنما هو محض الهوى، والله أعلم باعتدائهم وكذبهم وافترائهم، وسيجازيهم على هذا الاعتداء والتجاوز، ولا محالة، مثل عمرو بن لحيّ وقومه الذين اتخذوا البحائر والسوائب، وأحلوا أكل الميتة، وما أهل به لغير الله بذكر اسم نبي أو وثن أو صنم.
ثم أمر تعالى بترك جميع الآثام والمعاصي، فقال: ﴿وَذَرُوا ظاهِرَ..﴾. أي اتركوا جميع المعاصي والمحرمات ما أعلنتم وما أسررتم، قليله وكثيره، سواء ما تعلق بأفعال الجوارح والأعضاء كالزنى مع البغايا وأفعال القلوب كالحقد والحسد والكبر والمكيدة، والزنى مع الخليلة والصديقة والأخدان، ومن المعاصي تجاوز المضطر حدّ الضرورة المبين في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ، فَإِنَّ رَبَّكَ
стр. 2315
غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام ١٤٥/ ٦] وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ، فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣/ ٥].
والإثم لغة: ما قبح، وشرعا: ما حرمه الله، ولم يحرم الله شيئا إلا لضرره.
والصحيح-كما قال ابن كثير-أن الآية عامة في ذلك كله، وهو ما ذكر، وهي كقوله تعالى: ﴿قُلْ: إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ﴾ [الأعراف ٣٣/ ٧] ولهذا قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ أي سواء كان ظاهرا أو خفيا، فإن الله سيجزيهم عليه، أي أنه لا بد من أنه سيجازي مرتكب المعاصي على عصيانهم إذا ماتوا ولم يتوبوا. وجاء تعريف الإثم في حديث النواس بمن سمعان فيما أخرجه أحمد والدارمي بإسناد حسن: «الإثم: ما حاك في النفس وتردد في الصدر» وفي رواية مسلم: «الإثم: ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس».
أما من تاب توبة صحيحة صادقة، وندم على ما فرط، فإن الله يغفر له ما بدر منه من الذنوب؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء ١١٦/ ٤] وكذلك فعل الحسنة عقب السيئة يمحوها، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود ١١٤/ ١١]. وورد في حديث أبي ذر جندب بن جنادة ومعاذ بن جبل فيما أخرجه الترمذي: «واتبع السيئة الحسنة تمحها».
ثم صرح الله تعالى بالنهي عن ضد ما فهم من الأمر السابق، وهو قوله: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ فقال: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ.﴾. أي ولا تأكلوا أيها المؤمنون مما مات ولم يذبح ولم يذكر اسم الله عليه، ولا ما ذبح لغير الله وهو ما كان يذبحه المشركون لأوثانهم، والذبح لغير الله والأكل من المذبوح فسق ومعصية، قال عطاء في قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ
стр. 2316
اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾: ينهى عن ذبائح كانت تذبحها قريش للأوثان، وينهى عن ذبائح المجوس.
والمتبادر من المقام تخصيص ما لم يذكر اسم الله عليه بالحيوان، فيكون ذلك نهيا عن الأكل من الحيوان الذي لم يذكر اسم الله عليه، فتحرم الميتة وما ذكر عليه اسم غير الله.
ثم ردّ الله تعالى على مجادلات المشركين في إباحة الميتات فقال: ﴿وَإِنَّ الشَّياطِينَ..﴾. أي إن شياطين الإنس والجن ليوسوسون إلى أوليائهم وأعوانهم من المشركين ليجادلوا محمدا وصحبه في أكل الميتة، كما تقدم، وإن أطعتموهم فيما يزعمون من استحلال الميتة، إنكم لمشركون مثلهم؛ لأنكم عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره، فقدمتم عليه غيره، وهذا هو الشرك؛ كقوله تعالى:
﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [التوبة ٣١/ ٩]
وقد روى الترمذي في تفسيرها عن عدي بن حاتم أنه قال: يا رسول الله، ما عبدوهم؟ فقال: «بلى، إنهم أحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم».
قال الزجاج: وفيه دليل على أن كل من أحلّ شيئا مما حرم الله تعالى، أو حرم شيئا مما أحل الله تعالى، فهو مشرك؛ لأنه أثبت مشرّعا سوى الله، وهذا هو الشرك بعينه.
وقوله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ..﴾. على تقدير القسم، وحذف اللام الموطئة للقسم، أي ولئن أطعتموهم إنكم لمشركون، فيكون جواب القسم أغنى عن جواب الشرط.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيات على ما يلي:
стр. 2317
١ - إباحة ما ذبحه المسلم وذكر اسم الله عليه.
٢ - الأمر بذكر اسم الله على الشراب والذبح وكل مطعوم.
٣ - إن الإيمان بأحكام الله والأخذ بها يتضمن ويقتضي الأخذ بها والانقياد لها.
٤ - عدم إباحة ما لم يذكر اسم الله عليه كالميتات وما ذبح على النصب (الحجارة حول الكعبة) وغيرها.
٥ - إباحة المحرّمات حال الضرورة الشرعية بقدر ما تقتضيه الضرورة.
٦ - عدم الالتفات لآراء المشركين الزائفة من استحلالهم الميتات وما ذكر عليه غير اسم الله تعالى.
٧ - تحريم ارتكاب جميع المعاصي، سواء في السرّ أو في العلن، وسواء أفعال الجوارح كاليد والرجل، وأفعال القلوب كالحسد والحقد.
٨ - الجزاء أمر محتم واقع يوم القيامة على كل معصية، والعصاة معذبون يجازيهم الله تعالى لا محالة.
٩ - كل من استحل حراما أو حرم حلالا، واتبع غير أحكام الله في شرعه ودينه، فهو كافر ومشرك؛ لأنه أشرك بالله غيره، وأثبت مشرّعا سوى الله، بل آثر حكمه على حكم الله.
أما ما يذبح عند استقبال الحاكم أو الحاج فهو في رأي الحنفية حرام أكله، لأنه مما أهلّ به لغير الله. ورأى بعض الشافعية أن المقصود من الذبح الاستبشار بقدومه، فهو كذبح العقيقة لولادة المولود، وهذا لا يوجب التحريم، وهذا هو المعقول.
стр. 2318
لكن لو كان الذبح بين رجلي القادم أو مرّ عليه من فوقه، فلا يؤكل؛ لأنه ذبح أهل لغير الله به، أي ذكر اسم غير الله عليه.
١٠ - استدل بعض العلماء بقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ على أن الذبيحة لا تحل إذا لم يذكر اسم الله عليها، وإن كان الذابح مسلما. وهذه مسألة متروك التسمية عمدا أو سهوا، وقد اختلف فيها العلماء:
أ-فقال داود الظاهري: لا تؤكل ذبيحة المسلم إن تعمد ترك التسمية أو نسي التسمية، لظاهر هذه الآية الكريمة.
ب-وقال الشافعية: متروك التسمية حلال مطلقا؛ لقوله تعالى:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ إلى قوله: ﴿إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة ٣/ ٥] فأباح المذكى ولم يذكر التسمية، وليست التسمية جزءا من مفهوم الذكاة، فإن الذكاة لغة: الشق والفتح، وقد وجدا، واستدلوا أيضا
بحديث البخاري وأبي داود والنسائي وابن ماجه عن عائشة ﵂ قالت: إنهم قالوا: يا رسول الله، إن قومنا حديثو عهد بالجاهلية، يأتون بلحمان، لا ندري اذكروا اسم الله عليها أم لم يذكروا، فنأكل منها؟ فقال رسول الله ﷺ : «سموا وكلوا»: و
روى أبو داود حديثا مرسلا عن الصلت السدوسي: «ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله، أو لم يذكر».
وروى الدارقطني عن البراء بن عازب:
«اسم الله على قلب كل مؤمن، سمّى أو لم يسمّ».
لكن التسمية سنة مستحبة عند أكل كل طعام وشراب.
والمراد من الآية: ما ذبح للأصنام؛ لأن من أكل متروك التسمية ليس بفاسق، وقد قال الله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ ولأن الله تعالى وصف من أكل ذبيحة الأصنام ورضي بها بالشرك، ولأن قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ مخصوص بما أهل به لغير الله، بدليل آية أخرى: ﴿أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [الأنعام ١٤٥/ ٦].
стр. 2319
ج -وذهب الجمهور (أبو حنيفة ومالك وأحمد) إلى أن متروك التسمية عمدا حرام لا يؤكل وهو ميتة، ويحل أكل متروك التسمية سهوا، أو كان الذابح المسلم أخرس أو مستكرها.
وأضاف الحنابلة: من ترك التسمية على الصيد ولو سهوا، لم يؤكل، أي أن التسمية على الذبيحة تسقط بالسهو، وعلى الصيد لا تسقط.
ودليل الجمهور: قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾
وقوله ﷺ في الحديث الصحيح: «ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه فكل»
وروي عنه ﷺ أنه قال: «تسمية الله في قلب كل مسلم» والناسي ليس بتارك للتسمية، بل هي في قلبه، فيكون متروك التسمية عمدا حراما، ومتروك التسمية سهوا ليس مما لم يذكر اسم الله عليه، ولم يلحق العامد بالناسي لأنه بترك التسمية عمدا كأنه نفى ما في قلبه.
مثل المؤمن المهتدي والكافر الضال
﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢) وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلاّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ (١٢٣)﴾
الإعراب:
﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً﴾ فيه مضاف محذوف تقديره: أو مثل من كان ميتا، بدليل: ﴿كَمَنْ
стр. 2320
مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ﴾. و ﴿مَنْ﴾ اسم موصول مبتدأ، والكاف في ﴿كَمَنْ﴾ خبره، واسم كان ضمير يعود إلى ﴿مَنْ﴾ و ﴿مَيْتاً﴾ خبرها، والجملة من الفعل واسمه وخبره صلة ﴿مَنْ﴾.
﴿لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها﴾ في موضع نصب على الحال من الضمير المرفوع في قوله: ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾.
﴿مُجْرِمِيها﴾ مفعول أول لجعلنا، و ﴿أَكابِرَ﴾ مفعول ثان مقدم. ﴿لِيَمْكُرُوا﴾ اللام: لام كي.
البلاغة:
﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ﴾ ﴿نُوراً﴾ ... ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾ الموت والحياة، والنور والظلمات:
استعارة، فقد استعار الموت للكفر، والحياة للإيمان، والنور للهدى، والظلمات للضلال.
المفردات اللغوية:
﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً﴾ بالكفر. ﴿فَأَحْيَيْناهُ﴾ بالهدى. ﴿وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ﴾ يتبصر به الحق من غيره وهو الإيمان. ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ﴾ مثل: زائدة أي كمن هو، والمثل:
الصفة والنعت. ﴿فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها﴾ وهو الكافر. ﴿كَذلِكَ﴾ زين للمؤمنين الإيمان كما ﴿زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الكفر والمعاصي.
﴿وَكَذلِكَ﴾ كما جعلنا فساق مكة أكابرها. ﴿جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها﴾ الأكابر:
الرؤساء، جمع كبير أو أكبر، والمجرمون: مرتكبو الاجرام، والاجرام: هو الإفساد والإضرار من الأفعال والأقوال، والقرية: البلد الذي يجمع فيه الناس، وقد تطلق على الشعب أو الأمة.
﴿لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ بالصدّ عن الإيمان. ﴿وَما يَمْكُرُونَ﴾ المكر: التدبير الخفي لصرف الغير عما يريده بحيلة أو خديعة أو تدليس قولي. ﴿إِلاّ بِأَنْفُسِهِمْ﴾ لأن وباله عليهم.
سبب النزول:
نزول الآية (١٢٢):
﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً﴾: أخرج أبو الشيخ ابن حيان الأنصاري عن ابن عباس في قوله: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ﴾ قال: نزلت في عمر وأبي جهل. وأخرج ابن جرير الطبري عن الضحاك مثله، وذكر أبو بكر
стр. 2321
لحارثي عن زيد بن أسلم مثله: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً﴾ قال: عمر بن الخطاب ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ﴾ قال: أبو جهل بن هشام.
وذكر الواحدي النيسابوري عن ابن عباس قال: قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً﴾ يريد حمزة بن عبد المطلب وأبا جهل، وذلك أن أبا جهل رمى رسول الله ﷺ بفرث، وحمزة لم يؤمن بعد، فأخبر حمزة بما فعل أبو جهل وهو راجع من قنصه وبيده قوس، فأقبل غضبان حتى علا أبا جهل بالقوس وهو يتضرع إليه ويقول: يا أبا يعلى، أما ترى ما جاء به، سفّه عقولنا، وسبّ آلهتنا، وخالف آباءنا؟ قال حمزة: ومن أسفه منكم؟ تعبدون الحجارة من دون الله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، فأنزل الله تعالى هذه الآية (١).
اتفقت الروايات على أن الكافر الضال هو أبو جهل، وأما المؤمن المهتدي فقيل: حمزة، وقيل: عمر ﵄، والصحيح كما قال ابن كثير والقرطبي: أن الآية عامة يدخل فيها كل مؤمن وكافر (٢).
المناسبة:
ذكر الله تعالى في الآية السابقة أن أكثر أهل الأرض ضالون متبعون للظنون الزائفة والتخمينات، وأن المشركين يجادلون المؤمنين في دين الله، ثم ذكر هنا مثلا يوضح حال المؤمن المهتدي وحال الكافر الضال، فأبان أن المؤمن المهتدي بمنزلة من كان ميتا، فجعل حيا بعد ذلك، وأعطي نورا يهتدي به في مصالحه، وأن الكافر بمنزلة من هو في ظلمات منغمس فيها، لا خلاص له منها، فيكون متحيرا على الدوام.
стр. 2322
التفسير والبيان:
هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن الذي كان ميتا، أي في الضلالة، هالكا حائرا، فأحياه الله، أي أحيا قلبه بالإيمان وهداه له، ومثل ضربه الله للكافر المنغمس في الظلمات أي الجهالات والأهواء والضلالات.
هذه مقارنة أو موازنة بين أهل الإيمان وأهل الكفر، أفمن كان ميتا بالكفر والجهل، فأحييناه بالإيمان، وجعلنا له نورا يضيء له طريقه بين الناس، وهو نور القرآن المؤيد بالحجة والبرهان؟ وهو أيضا نور الهدى والإيمان؟ كمن مثله مثل السائر في الظلمات: ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة المطر، وهو ليس بخارج منها، أي لا يهتدي إلى منفذ ولا مخلص مما هو فيه.
وفي المقارنة بين المؤمن والكافر وردت آيات كثيرة، منها: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى، أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك ٢٢/ ٦٧].
ومنها: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ، وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ، هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً، أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود ٢٤/ ١١] ومنها: ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ، وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ، وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ، وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ، إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ، وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ، إِنْ أَنْتَ إِلاّ نَذِيرٌ﴾ [فاطر ١٩/ ٣٥ - ٢٣].
وإذا كان الاهتداء إلى الإيمان والانغماس في ظلمات الكفر والضلال بسبب من الإنسان واختيار منه، فإن الله تعالى يزيد المؤمنين توفيقا إلى الخير، ويترك الكافرين سائرين في متاهات الكفر، لذا ختم الله الآية بقوله: ﴿كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي كما زين الإيمان للمؤمنين، زين للكافرين الكفر والمعاصي، أي حسّن لكل فريق عمله، فحسّن الإيمان في أنظار المؤمنين، وحسّن الكفر والجهالة والضلالة في أعين الكافرين، كعداوة النّبي ﷺ ، وذبح القرابين
стр. 2323
لغير الله، وتحريم ما لم يحرمه الله، وتحليل ما حرمه.
وقال ابن كثير: حسّن لهم ما كانوا فيه من الجهالة والضلالة، قدرا من الله وحكمة بالغة، لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأورد حديثا في المقارنة المتقدمة بين المؤمن والكافر،
رواه الإمام أحمد في مسنده عن رسول الله ﷺ أنه قال:
«إن الله خلق خلقه في ظلمة، ثم رشّ عليهم من نوره، فمن أصابه ذلك النور، اهتدى، ومن أخطأه ضلّ» (١).
ثم أورد الله تعالى ما يدلّ على سنته الثابتة في البشر، فقال: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ.﴾. أي وكما أن أعمال أهل مكة مزينة لهم، وجعلهم الله أكابرها مع أنهم فسّاقها، كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها رؤساءها ودعاتها إلى الكفر والصدّ عن سبيل الله، ليمكروا فيها بالصدّ عن سبيل الله؛ لأنهم أقدر على المكر والخداع وترويج الباطل بين الناس بحكم نفوذهم وسيادتهم وسيطرتهم.
وهكذا سنة الله في المجتمعات البشرية، يثور النزاع بين الحق والباطل، ويشتد الصراع بين الإيمان والكفر، ولكل اتجاه أعوانه وأنصاره، وسادته وكبراؤه، والأنبياء وأتباعهم من المصلحين يوجدون في هذا الوسط المتصارع، فيتبعهم الضعفاء، ويكفر بهم الأشراف، وينصرهم الأوساط، ويقاوم دعوتهم الأكابر المجرمون الذي يعادون حركة الإصلاح والتقدم، والبناء والتحضر، في كل بيئة ومجتمع.
ولكن العاقبة والنصر للمتقين المصلحين، والهزيمة أو الانقراض والخذلان للكافرين المفسدين، وما يمكر هؤلاء الأكابر المجرمون المعادون للرسل إلا بأنفسهم؛ لأن وبال مكرهم عليهم، وعاقبة إفسادهم تلحق بهم، لكنهم عديمو النظر للمستقبل والواقع، والاعتبار بالماضي، وعديمو الشعور والإحساس،
стр. 2324
وما يشعرون شعورا صادقا صحيحا بمدى أعمالهم.
وهذا مؤيد للقاعدة الاجتماعية الشهيرة وهي تنازع البقاء، وبقاء الأصلح، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً، وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد ١٧/ ١٣].
وقد ساد هذا وصار سنة متبعة أيضا في الماضين الأولين، فقال تعالى:
﴿وَمَكَرُوا مَكْراً، وَمَكَرْنا مَكْراً، وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ. فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل ٥٠/ ٢٧ - ٥١] أي أن الذين مكروا حفاظا على نفوذهم ومراكزهم، لم يشعروا بأن عاقبة مكرهم تحقيق بهم، لجهلهم بسنن الله في خلقه: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر ٤٣/ ٣٥].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيتان على ما يأتي:
١ - المؤمن المهتدي كمن كان ميتا فأحياه الله، فهو الذي ينعم بحق بالحياة الصحيحة السوية المتكاملة المطمئنة؛ لأنه على بصيرة تامة بواقعة وعمله وسيرته، وعلى معرفة دقيقة بدينه وما ينتظره من مستقبل حافل بالآمال العذبة، والخيرات المغدقة، والنعيم الخالد.
والكافر الضال يعيش في الواقع في ظلمات بعضها فوق بعض، ظلمة الكفر، وظلمة المنهج والطريق، وظلمة المستقبل الغامض، المحفّل بشتى ألوان العذاب والضيق والحيرة والقلق والاضطراب.
٢ - سنة الله في الاجتماع البشري أن يكون النفوذ والسيطرة لأكابر المجرمين، وقادة الفسق والعصيان، وأهل الانحراف الذين يعادون الرسل، ويقاومون حركة الإصلاح في كل زمان.
стр. 2325
ولكن العاقبة والفوز والفلاح في النهاية لأهل الحق والإيمان والاستقامة، والخسارة والدمار ووبال المكر لأهل الكفر والضلال. وهذا من الله وهو الجزاء على مكر الماكرين بالعذاب الأليم، والحال أنهم لا يشعرون الآن، لفرط جهلهم أن وبال مكرهم عائد إليهم.
وقد أثار المفسرون بمناسبة قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مسألة الجبر والقدر، فقال أهل السنة: ذلك المزين هو الله تعالى؛ لأن كل فعل يتوقف على باعث له كائن بخلق الله تعالى، والباعث أو الداعي له: عبارة عن علم أو اعتقاد أو ظن بأن الفعل مشتمل على نفع وصلاح، وهذا الباعث هو التزيين، فإذا كان موجد هذا الباعث أو الداعي هو الله تعالى، كان المزين لا محالة هو الله تعالى كما قال: ﴿زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ﴾ [النمل ٤/ ٢٧].
وقالت المعتزلة: ذلك المزين هو الشيطان، الذي أقسم: لأغوينهم أجمعين. وهذا الرأي غريب وضعيف؛ لأن الله تعالى صرح بأنه هو المزين، ولا مزين آخر سواه (١).
تعنت المشركين ومطالبتهم بالنبوة
﴿وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)﴾
стр. 2326
الإعراب:
﴿اللهُ أَعْلَمُ﴾ جملة من مبتدأ وخبر، وهو كلام مستأنف للإنكار عليهم، والإخبار بألا يصطفي للنبوة إلا من علم أنه يصلح لها، وهو أعلم بالمكان الذي يضعها فيه منهم.
﴿صَغارٌ﴾ فاعل مرفوع لفعل: يصيب.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِذا جاءَتْهُمْ﴾ أي أهل مكة. ﴿آيَةٌ﴾ أمارة وحجة ودليل قاطع على صدق النّبي ﷺ .
﴿حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ﴾ من الرسالة والوحي إلينا، لأننا أكثر مالا وأكبر سنا.
﴿حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ مفعول به لفعل دلّ عليه أعلم، أي يعلم الموضع الصالح لوضعها فيه، فيضعها، وهؤلاء ليسوا أهلا لها. ﴿أَجْرَمُوا﴾ ارتكبوا جرما بقولهم ذلك. ﴿صَغارٌ﴾ ذل وهوان، بسبب الكفر والطغيان. ﴿وَعَذابٌ شَدِيدٌ﴾ في الدارين من الأسر والقتل، وعذاب النار.
سبب النزول:
نزلت هذه الآية في الوليد بن المغيرة قال: لو كانت النبوة حقا، لكنت أولى بها من محمد؛ لأني أكبر منه سنا، وأكثر منه مالا وولدا (١).
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى سنته في البشر بأن يكون في كل بلد أو جماعة زعماء مجرمون يقاومون دعوة الرسل والإصلاح، أوضح أن هذه السنة موجودة في زعماء مكة الذين دفعهم المكر والحسد إلى أنه متى ظهرت لهم معجزة قاهرة تدل على نبوة محمد ﷺ قالوا: لن نؤمن حتى يحصل لنا مثل هذا المنصب من عند الله.
التفسير والبيان:
إذا جاءتهم، أي المشركين، آية وبرهان وحجة قاطعة من القرآن تتضمن
стр. 2327
صدق الرسول ﷺ في تبليغه وحي ربه، قالوا حسدا منهم وتعنتا وغرورا وظنا منهم أن النبوة منصب دنيوي: لن نؤمن حتى يكون لنا مثل محمد منصب عند الله، وتظهر على أيدينا آية كونية أو معجزة مثلما أوتي رسل الله كفلق البحر لموسى، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى لعيسى؛ لأنهم أكثر مالا وأولادا وأعز جانبا ورفعة بين الناس.
وقال ابن كثير: حتى تأتينا الملائكة من الله بالرسالة، كما تأتي إلى الرسل، كقوله جلّ وعلا: ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا﴾ [الفرقان ٢١/ ٢٥].
وهكذا يظهر أن مشركي مكة أكابر قريش طمحوا أن تكون النبوة في بعضهم، كما حكى تعالى عنهم: ﴿وَقالُوا: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف ٣٢/ ٤٣] والقريتان: مكة والطائف. وفي آية أخرى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر ٥٢/ ٧٤].
فردّ الله عليهم بقوله: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ أي هو أعلم حيث يضع رسالته ومن يصلح لها من خلقه. فالرسالة منصب ديني له مقومات خاصة، وفضل من الله يمنحه من يشاء من عباده، لا ينالها أحد بكسب أو جهد، أو بسبب أو نسب، أو بخصائص دنيوية عادية كالمال والولد والزعامة والنفوذ، وإنما تؤتى من هو أهل لها لسلامة فطرته، وطهارة قلبه وقوة روحه، وحسن سيرته، وحبه الخير والحق.
ثم أوعد الله المتخلفين عن الإيمان بدعوة النّبي ﷺ فقال: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ..﴾. أي سيلحق المجرمين يوم القيامة ذل وهوان دائمان، ويدركهم العذاب المؤلم الشديد، جزاء بما كانوا يمكرون، وعقوبة لتكبرهم عن
стр. 2328
اتباع الرسل، والانقياد لهم فيما جاؤوا به، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي، سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر ٦٠/ ٤٠] أي صاغرين ذليلين حقيرين.
ولما كان المكر غالبا إنما يكون خفيا وهو التلطف في التحيل والخديعة، قوبلوا بالعذاب الشديد من الله يوم القيامة جزاء وفاقا: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف ٤٩/ ١٨].
ومعنى كون العذاب من عند الله: أنه مما اقتضاه حكمه وعدله وسبق به تقديره، كما قال تعالى: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ. فَأَذاقَهُمُ اللهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٢٥/ ٣٩ - ٢٦].
فقه الحياة أو الأحكام:
النبوة أو الرسالة تمنح لمن هو مأمون عليها وموضع لها، وأقدر على تحمل أعبائها، وليست هي مثل مناصب الدنيا التي تعتمد على النفوذ والسلطة أو المال والجاه، أو النسب، أو كثرة الأعوان والأولاد.
وما على الناس إلا الإيمان بما جاء به الأنبياء؛ لأن نبوتهم تثبت بدليل قاطع، وبمعجزة خارقة للعادة.
فإن لم يؤمنوا أصابهم أمران: صغار وذل وهوان، وعذاب الله الشديد في الآخرة، بسبب إجرامهم ومكرهم، وحسدهم وحقدهم، وهذا حق وعدل، تمييزا بين الطائعين وبين العصاة، وإنما قدم الصغار على ذكر الضرر، لأن القوم إنما تمردوا على طاعة محمد ﷺ طلبا للعز والكرامة، فقابلهم الله بضد مطلوبهم.
والمشهور في تفسير الآية أن زعماء مكة أرادوا أن تحصل لهم النبوة والرسالة،
стр. 2329
كما حصلت لمحمد ﵊، وأن يكونوا متبوعين لا تابعين.
ولكن الله تعالى أبان لهم أنهم غير أهل للنبوة، وأنهم أيضا سيتعرضون للهوان والذل، والإلقاء في جهنم، وهذا عقاب المعرضين عن اتباع الأنبياء، استكبارا وعتوا وعلوا في الأرض.
سنّة الله في المستعدّين للإيمان وغير المستعدّين
وجزاء الفريقين بعد بيان الحق ومنهجه
﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (١٢٥) وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اِسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اِسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاّ ما شاءَ اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)﴾
الإعراب:
﴿ضَيِّقاً﴾ مفعول ثان ل ﴿يَجْعَلْ﴾. ﴿حَرَجاً﴾ من قرأ بفتح الرّاء جعله مصدرا، ومن قرأ بكسرها جعله اسم فاعل، وهو صفة منصوب لقوله ﴿ضَيِّقاً﴾. ﴿كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ﴾ في موضع الحال من الضمير في حرج وضيق.
стр. 2330
﴿مُسْتَقِيماً﴾ منصوب على الحال المؤكّدة من: ﴿صِراطُ﴾، وإنّما كانت مؤكّدة؛ لأن صراط الله تعالى لا يكون مستقيما.
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً﴾ ﴿يَوْمَ﴾: منصوب بفعل مقدر، تقديره: واذكر يوم نحشرهم.
و ﴿جَمِيعاً﴾: منصوب على الحال من الهاء والميم في نحشرهم.
﴿النّارُ مَثْواكُمْ﴾ يجوز أن يكون المثوى مصدرا بمعنى الثواء وهو الإقامة، ويجوز أن يكون مكانا أي مكانا للإقامة، فإذا كان مصدرا كان هو العامل في الحال: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾، وإذا كان مكانا كان العامل في الحال معنى الإضافة؛ لأن معناه المضامّة والمماسّة، مثل قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً﴾ [الحجر ٤٧/ ١٥]، وقوله تعالى: ﴿أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر ٦٦/ ١٥] وليس في التّنزيل حال عمل فيها الإضافة إلا هذه المواضع الثلاثة.
﴿إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ ﴿ما﴾: في موضع النصب على الاستثناء المنقطع، فإن جعلت ﴿ما﴾ لمن يعقل لم يكن منقطعا.
البلاغة:
﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ فيه إيجاز بالحذف أي أفرطتم في إضلال وإغواء الإنس. ومثله ﴿اِسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ أي استمتع بعض الإنس ببعض الجنّ، وبعض الجنّ ببعض الإنس.
﴿النّارُ مَثْواكُمْ﴾ تعريف الكلمتين لإفادة الحصر.
المفردات اللغوية:
﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ يوسّعه لقبول الإيمان والخير، أو يقذف في قلبه نورا، فينفسخ له ويقبله، كما ورد في حديث، والمراد جعل النفس مهيأة لقبول الحقّ فيها. ﴿ضَيِّقاً﴾ ضدّ الواسع.
﴿حَرَجاً﴾ بفتح الرّاء وكسرها: شديد الضيق، من الحرجة: وهي الشّجر الكثير الملتف بحيث يصعب الدّخول فيه. ﴿يَصَّعَّدُ﴾ أو يصّاعد أي يتصاعد في السماء، ويسبح في الفضاء، وكأنّما يزاول أمرا غير ممكن إذا كلف الإيمان، لشدّته عليه. ﴿كَذلِكَ﴾ الجعل. ﴿يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ﴾ أي يسلط الله العذاب أو الشيطان، وأصل الرّجس: كل ما يستقذر حسّا أو شرعا أو عقلا.
﴿وَهذا﴾ منهج محمد ودينه. ﴿صِراطُ رَبِّكَ﴾ أي طريقه الذي ارتضاه لخلقه. ﴿مُسْتَقِيماً﴾ لا اعوجاج فيه ولا زيغ. ﴿قَدْ فَصَّلْنَا﴾ بيّنا. ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي يتّعظون، وخصّوا بالذّكر؛ لأنهم المنتفعون.
﴿لَهُمْ دارُ السَّلامِ﴾ أي دار السّلامة، وهي الجنّة. ﴿وَلِيُّهُمْ﴾ متولّي أمورهم وكافيهم ما يهمّهم. ﴿يا مَعْشَرَ﴾ المعشر: القوم والرّهط وهو الجمع من الرجال فحسب. ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ
стр. 2331
الْإِنْسِ﴾ ﴿اِسْتَكْثَرْتُمْ﴾ أخذتم الكثير بإغوائكم. ﴿وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ﴾ الذين أطاعوهم في وسوستهم.
﴿اِسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ أي انتفع الإنس بتزيين الجنّ لهم الشّهوات، والجنّ بطاعة الإنس لهم.
﴿وَبَلَغْنا أَجَلَنَا﴾ وصلنا يوم البعث والجزاء أو الموت. ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ الخلود: المكث الطويل غير المحدد بوقت.
﴿النّارُ مَثْواكُمْ﴾ مأواكم. ﴿إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ من الأوقات التي يخرجون فيها لشرب الحميم، فإنه خارجها، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ٦٨/ ٣٧] أو ينقلون من عذاب النار إلى عذاب الزّمهرير. ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه. ﴿عَلِيمٌ﴾ بخلقه.
المناسبة:
هذه الآيات استمرار في مناقشة مواقف تعنّت المشركين والرّدّ عليهم وتفنيد حججهم وشبهاتهم، وهي الآن تحسم الأمر، فتوضح أنهم ليسوا أهلا للإيمان، وغير مستعدّين لقبوله، كما أوضح في الآية السابقة أنهم غير أهل للنّبوة. وعلى كلّ حال: طريق الحقّ قد بان لكلّ ذي بصيرة، ومنهج الاستقامة الذي يرضي الله قد تجلّى لكلّ البشريّة، فمن قبله فله دار السّلامة، ومن أعرض عنه فله عذاب النار. وقبل هذا الجزاء يوجد الحشر والحساب، وإقامة الحجّة على الكفار.
التفسير والبيان:
عرف من الآية السابقة أن المشركين سيلقون جزاء عنادهم وغرورهم، وهنا كلمة الفصل: وهي أن الأمر كله لله، فلا يهتمن أحد، ولا يحزن على إعراض المشركين عن دعوة الإسلام، فمن يرد الله أن يوفقه للحقّ والخير والإسلام، ومن كان أهلا بإرادة الله وتقديره لقبول دعوة القرآن، فإنه يشرح صدره له، وييسره وينشطه ويسهله لذلك، كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ، فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزّمر ٢٢/ ٣٩]، وقوله: ﴿وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات ٧/ ٤٩].
قال ابن عباس في آية ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾: يقول تعالى: يوسّع
стр. 2332
قلبه للتوحيد والإيمان به. وهو تفسير ظاهر مقبول.
وجاء في حديث رواه عبد الرزاق عن أبي جعفر: وسئل النّبي ﷺ عن هذه الآية: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ قالوا: كيف يشرح صدره يا رسول الله؟ قال: «نور يقذف فيه، فينشرح له وينفسح» قالوا:
فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال: «الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت».
وروى ابن أبي حاتم وابن جرير الطبري عن أبي جعفر أيضا قال: قال رسول الله ﷺ عن هذه الآية: «إذا دخل الإيمان القلب انفسح له القلب وانشرح» قالوا: يا رسول الله، هل لذلك من أمارة؟ قال: «نعم، الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل الموت» (١).
وإلقاء هذا النور يكون في موضعه: في النفس التي حسنت فطرتها، وطهرت، وكان فيها استعداد للخير، وميل إلى اتباع الحق.
ومن فسدت فطرته بالشرك، وتدنست بالآثام يجد في صدره ضيقا شديدا عازلا له عن الإيمان، كاتما له عن نفاذ الخير إليه، مثله كمثل من يصعد إلى السماء في طبقات الجو العليا حيث يشعر بضيق شديد في التنفس، وكأنما يزاول أمرا غير ممكن، لأن صعود السماء مثل فيما يمتنع ويبعد من الاستطاعة، وتضيق عنه المقدرة.
وكما يجعل الله صدر من أراد إضلاله لفقد استعداده للإيمان ضيقا حرجا، كذلك يسلط الله الشيطان عليه وعلى أمثاله ممن أبى الإيمان بالله ورسوله، فيغويه ويصده عن سبيل الله سبيل الحقّ (٢). والرجس: كما قال مجاهد: كل
стр. 2333
مالا خير فيه، أو كما قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: العذاب باعتبار أنه الفعل المؤدي إلى الرجس، من الارتجاس وهو الاضطراب. وقال الزمخشري: الرجس يعني الخذلان ومنع التوفيق.
﴿وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً﴾ أي وهذا الإسلام الذي يشرح له صدر من يريد هدايته، هو طريق ربك الذي ارتضاه للناس واقتضته الحكمة، وأكد ذلك بقوله: ﴿مُسْتَقِيماً﴾ أي طريقا سويا لا اعوجاج فيه؛ لأن صراط الله تعالى لا يكون إلا مستقيما، وغيره من السبل معوج منحرف، كما
قال النّبي ﷺ في حديث أحمد والترمذي عن علي في وصف القرآن: «هو صراط الله المستقيم، وحبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، والنور المبين».
﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي قد وضحناها وبيناها وفسرناها لقوم لهم فهم ووعي يعقلون عن الله ورسوله.
ولهؤلاء القوم الملتزمين طريق الاستقامة دار السلامة والطمأنينة وهي الجنة؛ لأنهم التزموا منهج الأنبياء ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي يوم القيامة. والله وليهم أي متولي أمورهم وكافيهم، جزاء على صالح أعمالهم.
واذكر يا محمد فيما نقصه عليك وتنذرهم به يوم نحشر الإنس والجن جميعا، ونقول: يا جماعة الجن قد استكثرتم من إغواء الإنس وإضلالهم، كما قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً، أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس ٦٢/ ٣٦]. ويقول الذين أطاعوا الجن واستمعوا إلى وسوستهم وتولوهم، من الإنس، في جواب الله تعالى: انتفع كل منا بالآخر، انتفع الإنس بالشياطين حيث دلوهم على الشهوات وعلى أسباب التوصل إليها، وانتفع الجن بالإنس حيث أطاعوهم وساعدوهم على مرادهم.
وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا أي الموت، أو أنهم يعنون يوم البعث. وهذا
стр. 2334
الكلام اعتراف بما كان منهم من طاعة الشياطين، واتباع الهوى، والتكذيب بالبعث، أي أن المقصود من الكلام: أننا في هذا اليوم الرهيب وهو يوم البعث والجزاء، اعترفنا بذنوبنا، فاحكم فينا بما تشاء، وأنت أحكم الحاكمين، ولقد أظهرنا الحسرة والندامة على ما كان منا من تفريط في الدنيا.
فأجابهم الحق تعالى: النار مأواكم ومنزلكم أنتم وإياهم وأولياؤكم، وأنتم ماكثون فيها مكثا مخلدا الأبد كله، إلا ما شاء الله من الخروج خارج النار لشرب الحميم أو الانتقال من عذاب النار إلى عذاب الزمهرير، وكل من الحالين انتقال من عذاب إلى عذاب، روي أنهم يدخلون واديا فيه من الزمهرير ما يميز بعض أوصالهم من بعض، فيتعاوون، ويطلبون الرد إلى الجحيم. ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ فيما يجازي به الناس ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يستحقه كل فريق.
وهي نظير قوله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ، إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ، إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [هود ١٠٧/ ١١].
ويحسن الأخذ في تفسير هذه الآية وما هنا بما رواه ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ ابن حيان عن ابن عباس قال: «إن هذه الآية آية لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه، ولا ينزلهم جنة ولا نارا» (١).
فقه الحياة أو الأحكام:
آية: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ..﴾. تدل على إثبات الإرادة لله في هداية الإنسان وتوفيقه للإيمان والحق والخير.
وتمسك أهل السنة بهذه الآية في بيان أن الضلال والهداية من الله تعالى، أي بخلقه وإيجاده، بمعنى أن العبد قادر على الإيمان، وقادر على الكفر، فقدرته
стр. 2335
بالنسبة إلى هذين الأمرين حاصلة على السوية، لكن هذه القدرة منوطة بحصول باعث في النفس، وداعية في القلب تدعو إما إلى الإيمان، وإما إلى الكفر، وذلك الباعث أو الداعية هو علمه أو اعتقاده أو ظنه بكون ذلك الفعل مشتملا على مصلحة أو ضرر، فإن تكوّن في قلبه الميل إلى المصلحة أو المنفعة، فعل الشيء، وإن تكوّن في قلبه الميل إلى الضرر أو المفسدة، ترك الشيء، وحصول هذه الميول أو الدواعي لا يكون إلا من الله تعالى، ومجموع القدرة البشرية مع الداعي الإلهي يوجب الفعل.
وعلى هذا لا يصدر الإيمان عن العبد إلا إذا خلق الله في قلبه اعتقاد أن الإيمان راجح المنفعة زائد المصلحة أي تكوين القناعة الذاتية، وإذا حصل في القلب هذا الاعتقاد، مال القلب، ورغب في تحصيله، وهذا هو انشراح الصدر للإيمان (١).
وهذا متفق مع ما ذكرت في تفسير الآية من
حديث النّبي ﷺ عن شرح الصدر إذ قال: «هو نور يقذفه الله في قلب المؤمن، فينشرح له وينفسح».
وقد ضرب الله تعالى مثلا في هذه الآية: وهو تشبيه المتلكئ عن الإيمان، المتثاقل عن الإسلام بمنزلة من يصّعد في السماء، فقد شبه الله الكافر في نفوره من الإيمان وثقله عليه بمنزلة من تكلف ما لا يطيقه، كما أن صعود السماء لا يطاق، أو أن الكافر إذا طولب بالإيمان تضايق وكان حاله كحال الصاعد في السماء، كلما ارتفع وخف الضغط الجوي عليه، ضاق نفسه، وهذه نظرية علمية حديثة معروفة الآن فقط، وقد أشار إليها القرآن.
ومثل جعل صدر الكافر شديد الضيق، كذلك يلقي الله العذاب
стр. 2336
والخذلان، أو اللعنة في الدنيا، والعذاب في الآخرة على الذين لا يؤمنون بآيات الله تعالى.
والثابت المقرر المقطوع به: أن ما أنت عليه يا محمد والمؤمنون بك هو صراط الله المستقيم أي دين ربك لا اعوجاج فيه.
وللمتذكرين آيات الله، والمتدبرين براهينه بعقولهم، والمؤمنين المعتبرين المنتفعين بالآيات: دار السلام أي الجنة، التي يسلم فيها المؤمن من الآفات، كما سلم من الاعوجاج في الدنيا، ومعنى ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أنها مضمونة لهم عنده، يوصلهم إليها بفضله، والله هو وليهم أي ناصرهم ومعينهم.
وفي يوم الحساب تتبدد وتتقطع صلات الوصل والمنافع بين الإنس والجن الذين ينتفع كل منهم بالآخر، فاستمتاع الجن من الإنس: أنهم تلذذوا بطاعة الإنس وإياهم، واستمتاع الإنس من الجن: قبولهم وساوس الشياطين وإطاعتهم لهم حتى زنوا وشربوا الخمور بإغواء الجن إياهم. ومعنى الآية هنا: تقريع الضالين والمضلين وتوبيخهم في الآخرة على أعين العالمين.
وأما خلود الكفار في النار فمرجعه إلى مشيئة الله، هذا ما أرجحه، أي أن خلودهم بمشيئة الله. وقد قيل في استثناء ﴿إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ أقوال كثيرة، رجح الزجاج والطبري منها: استثناء أوقات المحاسبة؛ لأن في تلك الأحوال ليسوا بخالدين في النار، لأن معنى الاستثناء إنما هو من يوم القيامة، أي خالدين في النار إلا ما شاء الله من مقدار حشرهم من قبورهم، ومقدار مدتهم في الحساب، فالاستثناء منقطع.
والقول الثاني-المراد الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب النار إلى عذاب الزمهرير، روي أنهم يدخلون واديا فيه برد شديد، فهم يطلبون الرد من ذلك البرد إلى حر جهنم.
стр. 2337
والقول الثالث لابن عباس: الاستثناء لأهل الإيمان، استثنى الله تعالى قوما سبق في علمه أنهم يسلمون ويصدقون النّبي ﷺ ، وعلى هذا القول يجب أن تكون ﴿ما﴾ بمعنى «من» ولا يكون الاستثناء منقطعا.
تولية الظلمة على بعضهم وتقريع الكافرين على عدم إيمانهم
﴿وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩) يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (١٣٠) ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ (١٣١) وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)﴾
الإعراب:
﴿يَقُصُّونَ﴾ و ﴿يُنْذِرُونَكُمْ﴾: كل منهما جملة فعلية في موضع رفع؛ لأنها صفة لرسل.
﴿ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ﴾ ﴿ذلِكَ﴾ خبر مبتدأ محذوف، تقديره: الأمر ذلك. و ﴿أَنْ﴾ في موضع نصب بتقدير حذف حرف الجر، وتقديره: لأن لم يكن ربك، فلما حذف حرف الجر انتصب، فاللام مقدرة، وأن مخففة من الثقيلة أي لأنه.
البلاغة:
﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ﴾ استفهام توبيخ وتقريع.
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ﴾ أي لكل من العاملين، فالتنوين عوض عن محذوف لهم.
стр. 2338
المفردات اللغوية:
﴿وَكَذلِكَ﴾ أي كما متعنا عصاة الإنس والجن بعضهم ببعض ﴿نُوَلِّي﴾ من الولاية والإمارة، أو نجعل بعضهم أنصار بعض ﴿بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضاً﴾ أي على بعض ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من المعاصي ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ أي من مجموعكم، ويصدق ذلك على بعض الإنس: لأن الرسل من الإنس، ولم يكن من الجن رسول، فهذا من باب التغليب، كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ [الرحمن ٢٢/ ٥٥] وإنما يخرجان من البحر المالح لا العذب. ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ﴾ يخبرونكم بها مع التوضيح والتبيان.
﴿شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا﴾ أن قد بلّغنا ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ أي خدعتهم الدنيا بزخارفها فلم يؤمنوا.
﴿ذلِكَ﴾ أي إرسال الرسل ﴿وَأَهْلُها غافِلُونَ﴾ لم يرسل إليهم رسول يبين لهم.
﴿وَلِكُلٍّ﴾ من العاملين ﴿دَرَجاتٌ﴾ مراتب جزاء على وفق أعمالهم ﴿مِمّا عَمِلُوا﴾ من خير أو شر.
المناسبة:
لما حكى الله تعالى عن الجن والإنس أن بعضهم يتولى بعضا، بيّن أن ذلك إنما يحصل بتقديره وقضائه، فقال: ﴿وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضاً﴾ أي مثل ما ذكر من استمتاع الجن والإنس ببعضهم في الدنيا، لتماثلهم في الاتجاه والوسائل والغايات والأعمال، نولي بعض الظالمين ولاية بعض، فنجعلهم أمراء عليهم، أو أنصارا لهم.
التفسير والبيان:
مثل تولي الجن والإنس بعضهم لبعض نولي الظالمين بعضهم ببعض، بأن نجعل بعضهم أنصار بعض بمقتضى التقدير والسنة الكونية، كما أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، كما قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة ٧١/ ٩] وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال ٧٣/ ٨].
стр. 2339
قال قتادة في تفسير الآية: إنما يولي الله الناس بأعمالهم، فالمؤمن ولي المؤمن أين كان، وحيث كان، والكافر ولي الكافر أينما كان وحيثما كان، ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي. واختاره الطبري، ويكون معنى الآية: وكما جعلنا بعض هؤلاء المشركين من الجن والإنس أولياء بعض، يستمتع بعضهم ببعض، كذلك نجعل بعضهم أولياء بعض في كل الأمور، بما كانوا يكسبون من معاصي الله ويعملون (١).
وقال السيوطي في الإكليل: الآية في معنى
حديث «كما تكونوا يولّى عليكم» (٢) وقال الفضيل بن عياض: إذا رأيت ظالما ينتقم من ظالم، فقف وانظر متعجبا. وروى أبو الشيخ ابن حيان عن منصور بن أبي الأسود، قال: سألت الأعمش عن قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضاً﴾ ما سمعتهم يقولون فيه؟ قال: سمعتهم يقولون: إذا فسد الناس أمّر عليهم شرارهم، أي أن الولاية والإمارة تكون لأشرارهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها، فَفَسَقُوا فِيها، فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ، فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً﴾ [الإسراء ١٦/ ١٧].
أي أن التولية بين الظالمين إما بالتعاطف والتناصر فيما بينهم، وإما بتسلط بعضهم على بعض وتأمّرهم عليهم، فما من ظالم إلا سيبلى بأظلم منه. والظلم عام يشمل الظالمين لأنفسهم، والظالمين للناس من الحكام وغيرهم، فكل فريق يتولى شبهه في الخلق والعمل، وينصره على غيره. قال ابن عباس: «إذا رضي الله على قوم ولى أمرهم خيارهم، وإذا سخط على قوم ولى أمرهم شرارهم».
وهذا تهديد عام لكل ظالم في الحكم والسلطة أو غير ذلك.
стр. 2340
وتابع الله تقريع الظالمين وتهديد كافري الجن والإنس، وبيان حالهم يوم القيامة، حيث يسألهم، وهو أعلم، هل بلّغتهم الرسل رسالاته، وهذا استفهام تقرير وتقريع وتوبيخ، فقال: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ..﴾. أي يا جماعة الجن والإنس، ألم يأتكم رسل منكم؟ أي من جملتكم، والرسل من الإنس فقط، وليس من الجن رسل، كما قرر جمهور السلف والخلف، وقد عبر بذلك من باب التغليب، كما قال تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ [الرحمن ٢٢/ ٥٥] واللؤلؤ والمرجان إنما يستخرجان في عرف المتقدمين من المالح، لا من الحلو، ثم ثبت أن بعض الأنهار الحلوة الماء قد استخرج منها اللؤلؤ.
ويمكن أن يكون المراد رسل الإنس المعروفين، ورسل الجن: وهم الذين كانوا يستمعون إلى النبي ﷺ ، ثم يذهبون لإنذار قومهم بما سمعوا: ﴿وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف ٢٩/ ٤٦] ﴿قُلْ: أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ، فَقالُوا: إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً..﴾. [الجن ١/ ٧٢].
ومهمة هؤلاء الرسل: أنهم يتلون على أقوامهم آيات الإيمان والأحكام والآداب، وينذرونهم لقاء يوم الحشر وما فيه من الحساب والجزاء لمن يكفر بها ويجحدها.
فأجابوا عن السؤال، وقالوا يوم القيامة: أقررنا بأن الرسل قد بلغونا رسالاتك، وأنذرونا لقاءك، وأن هذا اليوم كائن لا محالة، ونظير الآية قوله تعالى: ﴿قالُوا: بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ، فَكَذَّبْنا وَقُلْنا: ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك ٩/ ٦٧].
وخدعتهم الحياة الدنيا بزينتها ومتاعها من الشهوات والأموال والأولاد وحب السلطة ورفعة الجاه، ففرطوا في حياتهم الدنيا، وهلكوا بتكذيبهم الرسل، وإنكار المعجزات، كبرا وعنادا.
стр. 2341
وشهدوا على أنفسهم يوم القيامة أنهم كانوا كافرين في الدنيا، بما جاءتهم به الرسل ﵈.
ذلك أي إرسال الرسل وإنذارهم الناس، وإنزال الكتب، بسبب أن من سنة الله ألا يؤاخذ أحد بظلمه إذا لم تبلغه الدعوة، وألا تهلك الأمم بعذاب الاستئصال، إلا بعد إرسال الرسل إليهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤/ ٣٥] وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ، وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل ٣٦/ ١٦] وقال :
﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء ١٥/ ١٧].
وقوله تعالى: ﴿بِظُلْمٍ﴾ يحتمل-كما ذكر الطبري-وجهين: الأول-بشرك ونحوه، أي أن الظلم فعل للكفار. والثاني-لا يكون الهلاك ظلما بغير حق دون التنبيه والتذكير بالرسل والآيات والعبرة، أي أن ذلك عائد إلى فعل الله تعالى والوجه الأول أقوى، كما قال الطبري (١) والرازي وغيرهما، والخلاصة: إن الله لا يظلم أحدا من خلقه، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، فكل ما نزل وينزل بالمسلمين إنما هو لسوء أعمالهم، وتركهم دينهم، والعيب فيهم لا في نظام شرعهم.
ولكل عامل في طاعة الله أو معصيته مراتب ومنازل من عمله، يبلغه الله إياها، ويثيبه بها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
والله مطلع على كل الأعمال، فما من عمل لهم إلا يعلمه، وهو محصيه ومثبته لهم عنده، ليجازيهم عليها عند لقائهم إياه، ومعادهم إليه.
وهذا دليل على أن مناط السعادة والشقاء: هو عمل الإنسان ومشيئته، أو كسبه وإرادته واختياره.
стр. 2342
فقه الحياة أو الأحكام:
تدل آية: ﴿وَكَذلِكَ نُوَلِّي.﴾. على أن الرعية متى كانوا ظالمين، فالله تعالى يسلط عليهم ظالما مثلهم، فإن أرادوا التخلص من ذلك الأمير الظالم، فليتركوا الظلم.
وتدل الآية أيضا على أنه لا بد للناس من أمير وحاكم؛ لأنه تعالى إذا كان لا يخلي أهل الظلم من أمير ظالم، فبأن لا يخلي أهل الصلاح من أمير يحملهم على زيادة الصلاح، كان أولى.
قال علي ﵁: «لا يصلح للناس إلا أمير عادل، أو جائر» فلما أنكروا قوله: «أو جائر» قال: نعم يؤمن السبيل، ويمكن من إقامة الصلوات، وحج البيت».
وتذكر الآية سنة من سنن الله في الناس، وهي أنه لما كان تعالى ولي المؤمنين أي حافظهم وحارسهم ومعينهم وناصرهم وأن لهم دار السلام، أبان أن أهل النار بعضهم أولياء بعض، أي أن نصراءهم من يشبههم في الظلم والخزي والنكال.
ومهمة الرسل ﵈: تلاوة الآيات الإلهية وتأويلها وتوضيحها، وإنذار الناس وتخويفهم عذاب يوم القيامة.
ولم يجد الكفار بدا من الاعتراف بذلك، ولكن الحياة الدنيا خدعتهم وظنوا أنها تدوم، وخافوا زوالها عنهم إن آمنوا، واعترفوا بكفرهم.
والله عادل أتم العدل وأكمله، لذا فإن عذاب الكفار عدل وحق وواجب، فلا يعذبهم إلا بعد بيان وإنذار، ولا يعاقبهم إلا بعد بعثة الأنبياء والرسل إليهم.
وإرسال الرسل أمر حتمي ضروري، لأن من خصائص الله وصفاته أنه لا يهلك أهل القرى بشركهم قبل إرسال الرسل إليهم، فيقولوا: ما جاءنا من بشير ونذير.
стр. 2343
ولكل العاملين لمن الجن والإنس مراتب بحسب أعمالهم، فلمن عمل بطاعة الله درجات في الثواب، ولمن عمل بمعصيته دركات في العقاب، والله ليس بغافل ولا لاه ولا ساه عن كل عمل، قليل أو كثير.
ودلت آية: ﴿ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ﴾ على أنه لا تكليف ولا إيجاب قبل ورود الشرع، وأن العقل المحض لا يدل على التكليف والإيجاب أصلا.
التهديد بعذاب الاستئصال والإنذار بعذاب القيامة
﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣) إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤) قُلْ يا قَوْمِ اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ (١٣٥)﴾
الإعراب:
﴿إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ ﴿ما﴾ اسم موصول بمعنى الذي في موضع نصب اسم ﴿إِنَّ﴾.
و ﴿تُوعَدُونَ﴾ صلة، والعائد إليه محذوف، تقديره: إن الذي توعدونه لآت، مثل قوله تعالى:
﴿أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً﴾ [الفرقان ٤١/ ٢٥] أي بعثه.
﴿مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ ﴿مَنْ﴾ إما استفهامية مبتدأ، وما بعدها خبره، والجملة في موضع نصب بتعلمون، وإما أن تكون بمعنى «الذي» خبرا، فتكون في موضع نصب تعلمون.
البلاغة:
﴿إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ عبر بالفعل المضارع المفيد للاستقبال، للدلالة على الاستمرار المتجدد. والجملة مؤكدة بمؤكدين: إن، واللام، للرد على منكري البعث.
стр. 2344
المفردات اللغوية:
﴿يُذْهِبْكُمْ﴾ يهلككم يا أهل مكة ﴿وَيَسْتَخْلِفْ﴾ أي ينشئ الخلف وهو الذرية والنسل ﴿كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ أذهبهم ولكنه أبقاكم رحمة لكم، وقوله ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ﴾ أي من نسل قوم ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ فائتين عذابنا، فالله قادر غير عاجز على إدراككم.
﴿مَكانَتِكُمْ﴾ حالتكم ﴿عاقِبَةُ الدّارِ﴾ العاقبة المحمودة أو عاقبة الخير في الدار الآخرة، إذ لا اعتداد بعاقبة الشر؛ لأن الله جعل الدنيا مزرعة الآخرة. ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ﴾ يسعد ﴿الظّالِمُونَ﴾ الكافرون.
المناسبة:
لما بيّن الله تعالى ثواب أهل الطاعة وعقاب أهل المعصية، وذكر أن لكل قوم درجة مخصوصة ومرتبة معينة، بيّن أنّه غير محتاج إلى طاعة المطيعين، ولا ينتقص بمعصية المذنبين، فإنه تعالى غني لذاته عن جميع العالمين، ولكنه أيضا ذو رحمة عامة كاملة، ثم بيّن أنه قادر على وضع الرحمة في هذا الخلق، أو في خلق جديد بديل عنهم، ثم فوض الأمر إلى خلقه على سبيل التهديد.
التفسير والبيان:
وربك يا محمد هو الغني عن جميع خلقه وعن عبادتهم من جميع الوجوه، وهم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، وهو مع ذلك ذو الرحمة الشاملة بهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج ٦٥/ ٢٢] وقال في بيان غناه:
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ، وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر ١٥/ ٣٥].
وجملة ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ تفيد الحصر، بمعنى أنه لا غني إلا هو، ولا رحمة إلا منه، لأنه واجب الوجود لذاته، وغيره ممكن لذاته، والممكن محتاج، فثبت أنه لا غني إلا هو، وكل ما سوى الله منه، فثبت أنه لا رحمة إلا من الحق، فكل ما عداه محتاج إليه في وجوده وبقائه، ومحتاج إلى الأسباب التي هي قوام وجوده وحياته.
стр. 2345
إن يشأ يذهبكم أيها الكافرون المعاندون كأهل مكة، كما أهلك من عاند الرسل كعاد وثمود، ويأت بخلق جديد غيركم أفضل منكم وأطوع، فهو قادر على أن يستخلف من بعدكم ما يشاء من الأقوام، كما قدر على إنشائكم من ذرية قوم آخرين، أي أنه قادر على الإهلاك والإنشاء معا، وقد حق ذلك، فأهلك زعماء الشرك المعاندين، واستخلف من بعدهم قوما آخرين وهم المهاجرون والأنصار وأتباعهم الذين كانوا مظهر رحمة الله للبشر في سلمهم وحربهم، حتى قال غوستاب لوبون: «ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب».
وبعد أن وجه لهم هذا الإنذار بالإهلاك في الدنيا، أتبعه إنذارا آخر في الآخرة، فقال: ﴿إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ.﴾. أي أخبرهم يا محمد أن الذي توعدون به من الجزاء الأخروي كائن لا محالة، وما أنتم بمعجزين، أي لا تعجزون بهرب ولا امتناع مما يريد، فهو القادر على إعادتكم، وإن صرتم ترابا رفاتا وعظاما، وهو القاهر فوق عباده.
روى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النّبي ﷺ أنه قال: «يا بني آدم إن كنتم تعقلون، فعدّوا أنفسكم من الموتى، والذي نفسي بيده، إنما توعدون لآت، وما أنتم بمعجزين».
ثم أردف الله تعالى ذلك بتهديد آخر شديد ووعيد أكيد فقال: ﴿قُلْ:﴾
﴿يا قَوْمِ، اِعْمَلُوا..﴾. أي أخبرهم يا محمد بقولك: استمروا على طريقتكم وحالتكم التي أنتم عليها إن كنتم تظنون أنكم على هدى، فأنا مستمر على طريقتي ومنهجي، كقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ: اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ، إِنّا عامِلُونَ، وَانْتَظِرُوا إِنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [هود ١٢١/ ١١ - ١٢٢].
قال الزمخشري في قوله: ﴿اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾: يحتمل وجهين: اعملوا على تمكنكم من أمركم، وأقصى استطاعتكم، وإمكانكم؛ أو اعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها، إني عامل على مكانتي التي أنا عليها، والمعنى: اثبتوا على كفركم
стр. 2346
وعداوتكم لي، فإني ثابت على الإسلام وعلى مصابرتكم (١).
فسوف تعلمون أينا تكون له العاقبة المحمودة، أنحن أم أنتم؟ وعاقبة الدار:
العاقبة الحسنى التي خلق الله تعالى هذه الدار لها.
وهذا-كما قال الزمخشري-طريق من الإنذار، لطيف المسلك، فيه إنصاف في المقال، وأدب حسن، مع تضمن شدة الوعيد، والوثوق بأن المنذر محق، والمنذر مبطل. وهو على طريقة قوله: ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت ٤٠/ ٤١] وقوله: ﴿وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ ٢٤/ ٣٤].
وهو دليل على أن أحوال الأمم مرتبة بحسب أعمالها، وأن عاقبة كل عمل نتيجة حتمية له، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
إنه لا يفلح الظالمون أي لا يسعد ولا ينجح الظالمون أنفسهم بالكفر بنعم الله، واتخاذ الشركاء له في ألوهيته، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم ١٤/ ١٤].
ومما نحمد الله عليه أن أنجز الله موعده لرسوله، فمكّنه في البلاد، ونصره على مشركي العرب، ودانت له الجزيرة العربية واليمن والبحرين في حياته، ثم فتحت الأمصار والأقاليم بعد وفاته في أيام خلفائه، وانتشر الإسلام في المشارق والمغارب، وتعاقبت دول الإسلام قوية عزيزة منيعة عدة قرون من الزمان، كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي، إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة ٢١/ ٥٨] وقال: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ، يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ، وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ، وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ [غافر ٥١/ ٤٠ - ٥٢].
стр. 2347
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على صفات عظيمة لله وهي الغنى المطلق عن خلقه وعن أعمالهم، والرحمة الشاملة لعباده، ولا سيما أولياؤه وأهل طاعته، والقدرة الكاملة على الإماتة والاستئصال بالعذاب، والإحياء والإنشاء واستخلاف خلق آخر أمثل وأطوع.
وقال المعتزلة: هذه الآية إشارة إلى الدليل الدال على كونه عادلا منزها عن فعل القبيح، وعلى كونه رحيما محسنا بعباده.
ودلت الآيات أيضا على أن وعد الله محقق منجز، وأن الإيعاد بعذاب الآخر كائن حتما لا محالة، والجزاء أمر لازم لأهل الخير والشر.
وتضمنت الآيات إنذارين: إنذارا في الدنيا لتصحيح الأعمال بالتهديد بعذاب الاستئصال، وإنذارا في الآخرة للرهبة من الحساب وعذاب النار.
ولا شك بأن المصير مختلف بين أهل الطاعة وأهل المعصية، فالعاقبة الحسنة المحمودة لمن آمن بالإسلام وأطاع الله، والمصير المشؤوم لمن كفر بالله وعصاه ورفض أوامره وتحدى رسله.
شريعة الجاهلية
في الزروع والثمار والأنعام وقتل الأولاد
﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللهِ وَما كانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (١٣٦) وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١٣٧) وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اِسْمَ اللهِ عَلَيْهَا اِفْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللهُ اِفْتِراءً عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾
стр. 2348
الإعراب:
﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ﴿مِمّا﴾ في موضع رفع؛ لأنه فاعل ﴿ساءَ﴾.
﴿زَيَّنَ﴾ فعل مبني لمعلوم، وفاعله: ﴿شُرَكاؤُهُمْ﴾ و ﴿قَتْلَ﴾ مفعول به وهو مصدر أضيف إلى المفعول. وقرئ زين بالبناء للمجهول، وقتل بالضم نائب الفاعل، و ﴿شُرَكاؤُهُمْ﴾ فاعل مرفوع بفعل مقدر دل عليه ﴿زَيَّنَ﴾ كأنه قيل: لما قيل: زين لهم قتل أولادهم: من زينه؟ فقيل: زينه لهم شركاؤهم. وقرأ ابن عامر بنصب: أولادهم، وجر:
شركائهم بالفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، ولا يضر كما قال السيوطي، وهو وجه سائغ لغة، بدليل أنها قراءة متواترة.
﴿مَنْ نَشاءُ﴾ ﴿مَنْ﴾ فاعل مرفوع لفعل: يطعم.
стр. 2349
﴿ما فِي بُطُونِ﴾ ﴿ما﴾ اسم موصول، بمعنى الذي مبتدأ مرفوع، و ﴿فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ﴾ صلته. و ﴿خالِصَةٌ﴾ خبر المبتدأ، وأنث خالصة، حملا على معنى ﴿ما﴾ لأن المراد بما في بطون هذه الأنعام: الأجنة، وذكّر: ﴿مُحَرَّمٌ﴾ حملا على لفظ ﴿ما﴾ ويجوز أن يكون ﴿خالِصَةٌ﴾ بدلا مرفوعا من ﴿ما﴾ بدل بعض من كل، و ﴿لِذُكُورِنا﴾ الخبر. ومن قرأ خالصة بالنصب كان منصوبا على الحال من الضمير المرفوع في قوله ﴿فِي بُطُونِ﴾. وخبر المبتدأ الذي هو ﴿ما﴾: ﴿لِذُكُورِنا﴾.
﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾ اسم ﴿يَكُنْ﴾ ضمير مضمر فيها، و ﴿مَيْتَةً﴾ خبرها. و ﴿يَكُنْ﴾ محمول على لفظ ﴿ما﴾ وتقديره: وإن يكن ما في بطون هذه الأنعام ميتة. ومن رفع ميتة فلأن تأنيث الميتة ليس بحقيقي. ومن قرأ: تكن بالتاء، وجعل كان تامة بمعنى: حدث ووقع، ورفع ميتة لأنه فاعل، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ [النساء ٤٠/ ٤] في قراءة الرفع. ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ منصوب بنزع الخافض أي بوصفهم. ﴿سَفَهاً﴾ إما منصوب على المصدر، وإما على أنه مفعول لأجله.
البلاغة:
﴿ما رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِراءً عَلَى اللهِ﴾ إظهار لفظ الجلالة الثاني، لبيان كمال عتوهم وضلالهم.
المفردات اللغوية:
﴿وَجَعَلُوا﴾ أي كفار مكة ﴿ذَرَأَ﴾ خلق وأبدع ﴿الْحَرْثِ﴾ الزرع، جعلوا لله نصيبا يصرفونه إلى الضيفان والمساكين، ولشركائهم نصيبا يصرفونه إلى سدنتها ﴿فَقالُوا: هذا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا﴾ أي الأوثان التي يتقربون بعبادتها إلى الله تعالى، فكانوا إذا سقط في نصيب الله شيء من نصيبها التقطوه، أو في نصيبها شيء من نصيبه تركوه، وقالوا: إن الله غني عن هذا، كما قال تعالى: ﴿فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللهِ﴾ أي لجهته وهي سدنة الآلهة وخدمها. ﴿ساءَ﴾ بئس ﴿ما يَحْكُمُونَ﴾ حكمهم هذا.
﴿قَتْلَ أَوْلادِهِمْ﴾ بالوأد ﴿شُرَكاؤُهُمْ﴾ من الجن ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ يهلكوهم بالإغواء ﴿وَلِيَلْبِسُوا﴾ يخلطوا ﴿حِجْرٌ﴾ أي حرام ممنوع، والحجر: أصله المنع، ومنه سمي العقل حجرا لمنعه صاحبه ﴿إِلاّ مَنْ نَشاءُ﴾ من خدمة الأوثان وغيرهم ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ أي لا حجة لهم فيه ﴿وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ فلا تركب، كالسوائب والحوامي ﴿وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا﴾ عند ذبحها بل يذكرون اسم أصنامهم، ونسبوا ذلك إلى الله ﴿ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ﴾ المحرمة وهي السوائب والبحائر ﴿خالِصَةٌ﴾ حلال ﴿أَزْواجِنا﴾ النساء ﴿وَصْفَهُمْ﴾ أي سيجزيهم جزاء وصفهم ذلك بالتحليل والتحريم ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ﴾ في صنعه ﴿عَلِيمٌ﴾ بخلقه ﴿سَفَهاً﴾ جهلا.
стр. 2350
المناسبة:
بعد أن ندد الله تعالى بفساد عقائد المشركين، ومنها إنكار القيامة والبعث والجزاء، ذكر هنا أنواعا وصورا من جهالاتهم وأحكامهم المفتراة في تحليل وتحريم بعض الزروع والثمار والأنعام، ووأد البنات.
التفسير والبيان:
هذه ألوان من شرائع الجاهلية العربية قبل الإسلام التي ابتدعها المشركون، واخترعوها بأهوائهم وآرائهم الفاسدة، وتأثرا بوساوس الشيطان.
النوع الأول:
﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ..﴾. أي وجعلوا لله نصيبا مما خلق من الزرع والثمار والأنعام، وخصصوا له جزءا وقسما من الغلة والثمرة والنتاج، وجعلوا نصيبا آخر لشركاء لله المزعومين من الأوثان والأصنام.
وقالوا في النصيب الأول: ﴿هذا لِلّهِ﴾، نتقرب به إليه، وفي النصيب الثاني: ﴿هذا لِشُرَكائِنا﴾ أي لمعبوداتنا نتقرب به إليها.
وجعل الأوثان شركاءهم؛ لأنهم جعلوا لها نصيبا من أموالهم ينفقونه عليها، وأطاعوها طاعة إذعان وخضوع في التحليل والتحريم مما هو من خصائص الله تعالى. وقوله: ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ أي بتقولهم الذي لا بينة لهم عليه ولا هدى من الله، فيزعمون أنهم يحرمونه قربة لله، والقربة يجب أن تكون خالصة له وحده، وبإذنه؛ لأنه دين، والدين لله ومن الله وحده.
ونصيب الله كانوا يجعلونه للضيوف وإكرام الصبيان والتصدق على المساكين، ونصيب آلهتهم لسدنتها وخدمها ومصالحها.