وعداوتكم لي، فإني ثابت على الإسلام وعلى مصابرتكم (١).
فسوف تعلمون أينا تكون له العاقبة المحمودة، أنحن أم أنتم؟ وعاقبة الدار:
العاقبة الحسنى التي خلق الله تعالى هذه الدار لها.
وهذا-كما قال الزمخشري-طريق من الإنذار، لطيف المسلك، فيه إنصاف في المقال، وأدب حسن، مع تضمن شدة الوعيد، والوثوق بأن المنذر محق، والمنذر مبطل. وهو على طريقة قوله: ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت ٤٠/ ٤١] وقوله: ﴿وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ ٢٤/ ٣٤].
وهو دليل على أن أحوال الأمم مرتبة بحسب أعمالها، وأن عاقبة كل عمل نتيجة حتمية له، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
إنه لا يفلح الظالمون أي لا يسعد ولا ينجح الظالمون أنفسهم بالكفر بنعم الله، واتخاذ الشركاء له في ألوهيته، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم ١٤/ ١٤].
ومما نحمد الله عليه أن أنجز الله موعده لرسوله، فمكّنه في البلاد، ونصره على مشركي العرب، ودانت له الجزيرة العربية واليمن والبحرين في حياته، ثم فتحت الأمصار والأقاليم بعد وفاته في أيام خلفائه، وانتشر الإسلام في المشارق والمغارب، وتعاقبت دول الإسلام قوية عزيزة منيعة عدة قرون من الزمان، كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي، إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة ٢١/ ٥٨] وقال: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ، يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ، وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ، وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ [غافر ٥١/ ٤٠ - ٥٢].
стр. 2347
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على صفات عظيمة لله وهي الغنى المطلق عن خلقه وعن أعمالهم، والرحمة الشاملة لعباده، ولا سيما أولياؤه وأهل طاعته، والقدرة الكاملة على الإماتة والاستئصال بالعذاب، والإحياء والإنشاء واستخلاف خلق آخر أمثل وأطوع.
وقال المعتزلة: هذه الآية إشارة إلى الدليل الدال على كونه عادلا منزها عن فعل القبيح، وعلى كونه رحيما محسنا بعباده.
ودلت الآيات أيضا على أن وعد الله محقق منجز، وأن الإيعاد بعذاب الآخر كائن حتما لا محالة، والجزاء أمر لازم لأهل الخير والشر.
وتضمنت الآيات إنذارين: إنذارا في الدنيا لتصحيح الأعمال بالتهديد بعذاب الاستئصال، وإنذارا في الآخرة للرهبة من الحساب وعذاب النار.
ولا شك بأن المصير مختلف بين أهل الطاعة وأهل المعصية، فالعاقبة الحسنة المحمودة لمن آمن بالإسلام وأطاع الله، والمصير المشؤوم لمن كفر بالله وعصاه ورفض أوامره وتحدى رسله.
شريعة الجاهلية
في الزروع والثمار والأنعام وقتل الأولاد
﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللهِ وَما كانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (١٣٦) وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١٣٧) وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اِسْمَ اللهِ عَلَيْهَا اِفْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللهُ اِفْتِراءً عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾
стр. 2348
الإعراب:
﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ﴿مِمّا﴾ في موضع رفع؛ لأنه فاعل ﴿ساءَ﴾.
﴿زَيَّنَ﴾ فعل مبني لمعلوم، وفاعله: ﴿شُرَكاؤُهُمْ﴾ و ﴿قَتْلَ﴾ مفعول به وهو مصدر أضيف إلى المفعول. وقرئ زين بالبناء للمجهول، وقتل بالضم نائب الفاعل، و ﴿شُرَكاؤُهُمْ﴾ فاعل مرفوع بفعل مقدر دل عليه ﴿زَيَّنَ﴾ كأنه قيل: لما قيل: زين لهم قتل أولادهم: من زينه؟ فقيل: زينه لهم شركاؤهم. وقرأ ابن عامر بنصب: أولادهم، وجر:
شركائهم بالفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، ولا يضر كما قال السيوطي، وهو وجه سائغ لغة، بدليل أنها قراءة متواترة.
﴿مَنْ نَشاءُ﴾ ﴿مَنْ﴾ فاعل مرفوع لفعل: يطعم.
стр. 2349
﴿ما فِي بُطُونِ﴾ ﴿ما﴾ اسم موصول، بمعنى الذي مبتدأ مرفوع، و ﴿فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ﴾ صلته. و ﴿خالِصَةٌ﴾ خبر المبتدأ، وأنث خالصة، حملا على معنى ﴿ما﴾ لأن المراد بما في بطون هذه الأنعام: الأجنة، وذكّر: ﴿مُحَرَّمٌ﴾ حملا على لفظ ﴿ما﴾ ويجوز أن يكون ﴿خالِصَةٌ﴾ بدلا مرفوعا من ﴿ما﴾ بدل بعض من كل، و ﴿لِذُكُورِنا﴾ الخبر. ومن قرأ خالصة بالنصب كان منصوبا على الحال من الضمير المرفوع في قوله ﴿فِي بُطُونِ﴾. وخبر المبتدأ الذي هو ﴿ما﴾: ﴿لِذُكُورِنا﴾.
﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾ اسم ﴿يَكُنْ﴾ ضمير مضمر فيها، و ﴿مَيْتَةً﴾ خبرها. و ﴿يَكُنْ﴾ محمول على لفظ ﴿ما﴾ وتقديره: وإن يكن ما في بطون هذه الأنعام ميتة. ومن رفع ميتة فلأن تأنيث الميتة ليس بحقيقي. ومن قرأ: تكن بالتاء، وجعل كان تامة بمعنى: حدث ووقع، ورفع ميتة لأنه فاعل، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ [النساء ٤٠/ ٤] في قراءة الرفع. ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ منصوب بنزع الخافض أي بوصفهم. ﴿سَفَهاً﴾ إما منصوب على المصدر، وإما على أنه مفعول لأجله.
البلاغة:
﴿ما رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِراءً عَلَى اللهِ﴾ إظهار لفظ الجلالة الثاني، لبيان كمال عتوهم وضلالهم.
المفردات اللغوية:
﴿وَجَعَلُوا﴾ أي كفار مكة ﴿ذَرَأَ﴾ خلق وأبدع ﴿الْحَرْثِ﴾ الزرع، جعلوا لله نصيبا يصرفونه إلى الضيفان والمساكين، ولشركائهم نصيبا يصرفونه إلى سدنتها ﴿فَقالُوا: هذا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا﴾ أي الأوثان التي يتقربون بعبادتها إلى الله تعالى، فكانوا إذا سقط في نصيب الله شيء من نصيبها التقطوه، أو في نصيبها شيء من نصيبه تركوه، وقالوا: إن الله غني عن هذا، كما قال تعالى: ﴿فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللهِ﴾ أي لجهته وهي سدنة الآلهة وخدمها. ﴿ساءَ﴾ بئس ﴿ما يَحْكُمُونَ﴾ حكمهم هذا.
﴿قَتْلَ أَوْلادِهِمْ﴾ بالوأد ﴿شُرَكاؤُهُمْ﴾ من الجن ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ يهلكوهم بالإغواء ﴿وَلِيَلْبِسُوا﴾ يخلطوا ﴿حِجْرٌ﴾ أي حرام ممنوع، والحجر: أصله المنع، ومنه سمي العقل حجرا لمنعه صاحبه ﴿إِلاّ مَنْ نَشاءُ﴾ من خدمة الأوثان وغيرهم ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ أي لا حجة لهم فيه ﴿وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ فلا تركب، كالسوائب والحوامي ﴿وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا﴾ عند ذبحها بل يذكرون اسم أصنامهم، ونسبوا ذلك إلى الله ﴿ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ﴾ المحرمة وهي السوائب والبحائر ﴿خالِصَةٌ﴾ حلال ﴿أَزْواجِنا﴾ النساء ﴿وَصْفَهُمْ﴾ أي سيجزيهم جزاء وصفهم ذلك بالتحليل والتحريم ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ﴾ في صنعه ﴿عَلِيمٌ﴾ بخلقه ﴿سَفَهاً﴾ جهلا.
стр. 2350
المناسبة:
بعد أن ندد الله تعالى بفساد عقائد المشركين، ومنها إنكار القيامة والبعث والجزاء، ذكر هنا أنواعا وصورا من جهالاتهم وأحكامهم المفتراة في تحليل وتحريم بعض الزروع والثمار والأنعام، ووأد البنات.
التفسير والبيان:
هذه ألوان من شرائع الجاهلية العربية قبل الإسلام التي ابتدعها المشركون، واخترعوها بأهوائهم وآرائهم الفاسدة، وتأثرا بوساوس الشيطان.
النوع الأول:
﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ..﴾. أي وجعلوا لله نصيبا مما خلق من الزرع والثمار والأنعام، وخصصوا له جزءا وقسما من الغلة والثمرة والنتاج، وجعلوا نصيبا آخر لشركاء لله المزعومين من الأوثان والأصنام.
وقالوا في النصيب الأول: ﴿هذا لِلّهِ﴾، نتقرب به إليه، وفي النصيب الثاني: ﴿هذا لِشُرَكائِنا﴾ أي لمعبوداتنا نتقرب به إليها.
وجعل الأوثان شركاءهم؛ لأنهم جعلوا لها نصيبا من أموالهم ينفقونه عليها، وأطاعوها طاعة إذعان وخضوع في التحليل والتحريم مما هو من خصائص الله تعالى. وقوله: ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ أي بتقولهم الذي لا بينة لهم عليه ولا هدى من الله، فيزعمون أنهم يحرمونه قربة لله، والقربة يجب أن تكون خالصة له وحده، وبإذنه؛ لأنه دين، والدين لله ومن الله وحده.
ونصيب الله كانوا يجعلونه للضيوف وإكرام الصبيان والتصدق على المساكين، ونصيب آلهتهم لسدنتها وخدمها ومصالحها.
стр. 2351
وما عينوه لشركائهم لا يصرف منه شيء إلى الوجوه التي جعلوها لله، بل يجعلونه للسدنة وخدمة الأصنام والأوثان وذبح القرابين.
وما جعلوه لله فقد يصرف للتقرب به إلى الأوثان.
﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أي بئس الحكم الذي يحكمون أو يقسمون ويصنعون، بإيثارهم المخلوق العاجز على الخالق القادر على كل شيء، فهي قسمة جائرة؛ لأن الله تعالى هو رب كل شيء ومليكه وخالقه، وحينما قسموا جاروا فلم يصرفوا له حقوقه، أو جعلوا له الصنف الأضعف، كما قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَناتِ، سُبْحانَهُ، وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ﴾ [النحل ٥٧/ ١٦] وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً، إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف ١٥/ ٤٣] وقال :
﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى. تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم ٢١/ ٥٣ - ٢٢].
إنهم بهذا الصنع القبيح اعتدوا على حق الله في التشريع، وأشركوا به غيره وعبدوا معه إلها آخر، وفضلوه ورجحوه عليه بجعل ما لله لشركائهم، ولم يستندوا في حكمهم على سند صحيح من عقل أو هداية من شرع إلهي.
قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: «إن أعداء الله كانوا إذا حرثوا حرثا، أو كانت لهم ثمرة، جعلوا لله منه جزءا، وللوثن جزءا، فما كان من حرث أو ثمرة أو شيء من نصيب الأوثان، حفظوه وأحصوه، وإن سقط منه شيء فيما سمي للصّمد، ردوه إلى ما جعلوه للوثن، وإن سبقهم الماء الذي جعلوه للوثن، فسقى شيئا، جعلوه لله، جعلوا ذلك للوثن، وإن سقط شيء من الحرث والثمرة الذي جعلوه لله، فاختلط بالذي جعلوه للوثن، قالوا: هذا فقير، ولم يردوه إلى ما جعلوه لله، وإن سبقهم الماء الذي جعلوه لله، فسقى ما سمي للوثن، تركوه للوثن.
وكانوا يحرّمون من أموالهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، فيجعلونه
стр. 2352
للأوثان، ويزعمون أنهم يحرمونه قربة لله تعالى».
النوع الثاني:
﴿وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ..﴾. أي ومثل ذلك التزيين بقسمة الحرث والأنعام بين الله والأوثان، زيّن لكثير من المشركين شركاؤهم (سدنة الآلهة وخدمها) أن يقتلوا أولادهم، وقال مجاهد: شركاؤهم: شياطينهم يأمرونهم أن يئدوا أولادهم خشية العلية (الفقر) وقال السدي: أمرتهم الشياطين أن يقتلوا البنات، إما ليردوهم فيهلكوهم، وإما ليلبسوا عليهم دينهم، أي فيخلطوا عليهم دينهم.
وسبب هذا التزيين: أن الشياطين خوفوهم الفقر في الحال أو في المستقبل، كما وصف تعالى ونهى عن فعله فقال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيّاكُمْ﴾ [الإسراء ٣١/ ١٧].
وخوفوهم العار، فقتلوا البنات خوف العار والفقر والزواج من غير كفء، وقد سنح الله تعالى عليهم بقوله: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير ٨/ ٨١].
وأوهموهم أن قتل الأولاد يقربهم إلى الله، كما فعل عبد المطلب حين نذر قتل ابنه عبد الله،
وأشار إليه النبي ﷺ بقوله: «أنا ابن الذبيحين».
وذكر تعالى علة تزيين المنكرات فقال: ﴿لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ أي زيّن هؤلاء الشياطين لهم هذه المنكرات، ومنها قتل أولادهم، ليردوا المشركين ويهلكوهم بالإغواء، ويفسدوا عليهم فطرتهم، وليخلطوا عليهم أمر دينهم الذي يدّعونه وهو دين إسماعيل وملة إبراهيم.
ولو شاء الله ما فعلوا هذا أبدا، وكل هذا واقع بمشيئة الله تعالى وإرادته
стр. 2353
واختياره لذلك بمقتضى الحكمة التامة، قال أهل السنة: إنه يدل على أن كل ما فعله المشركون، فهو بمشيئة الله تعالى.
وقالت المعتزلة: إنه محمول على مشيئة الإلجاء، أي إن مشيئة الله تعالى أن يتركهم واختيارهم، فيأخذوا بما يرونه دون جبر ولا قهر، علما بأن الله قادر على أن يجعلهم مؤمنين، بأن يخلقهم مطبوعين على الاستعداد للإيمان كالملائكة، أو يخلق فيهم بواعث الإيمان ودواعيه، فينقادوا لدعوة الإيمان عند ظهورها، وبمجرد مجيء الرسول الذي يقنعهم بضرورة الإيمان، والإقرار بوجود الله ووحدانيته.
فاتركهم أيها الرسول وما يدينون، وما عليك إلا التبليغ.
النوع الثالث:
﴿وَقالُوا: هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ..﴾. أي إنهم لشركهم وجاهليتهم المشوهة قسموا أنعامهم وزروعهم ثلاثة أقسام:
١ - أنعام وأقوات ممنوعة الانتفاع على أحد، ومخصصة لمعبوداتهم وأوثانهم، ويقولون: هي حجر أي محتجرة للآلهة لا تعطى لغيرهم، ويقولون: لا يطعمها إلا من نشاء أي لا يأكل منها إلا خدم الأوثان، والرجال دون النساء. وذلك قول صادر عن زعمهم الخالي من الحجة والبرهان.
٢ - أنعام حرّمت ظهورها، فلا تركب ولا يحمل عليها، وهي البحائر والسوائب والحوامي، التي تقدم ذكرها وتفسيرها في سورة المائدة: ﴿ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ.﴾. [١٠٣].
٣ - أنعام لا يذكرون اسم الله عليها عند الذبح، وإنما يذكرون عليها أسماء الأصنام، ولا ينتفعون بها حتى في الحج.
стр. 2354
وقد قسموا تلك القسمة مفترين على الله، كاذبين عليه، فهو لم يشرعه لهم، وما كان لهم أن يحللوا أو يحرموا شيئا لم يأذن الله به، كما قال تعالى: ﴿قُلْ:﴾
﴿أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ، فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً، قُلْ: آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس ٥٩/ ١٠].
والله سيجزيهم الجزاء الذي يستحقونه بما كانوا يفترون. وهذا وعيد وتهديد لهم.
ثم ذكر الله تعالى نوعا آخر من التحليل والتحريم بزعمهم وسخفهم فقال:
﴿وَقالُوا: ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ.﴾. أي إن أجنة وألبان هذه البحائر (أي المشقوقة الآذان) والسوائب المسيّبة للآلهة فلا يتعرض لها أحد: هو حلال خاص برجالنا، ومحرم على إناثنا، فلبنها للذكور ومحرم على الإناث، وإذا ولدت ذكرا جعلوه خالصا للذكور لا تأكل منه الإناث، وإذا ولدت أنثى تركت للنتاج فلم تذبح، وإذا كان المولود ميتا اشترك فيه الذكور والإناث.
سيجزيهم جزاء وصفهم أي قولهم الكذب في ذلك، كما قال تعالى:
﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ: هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ، لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ، إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل ١١٦/ ١٦].
ثم ندد الله بوأد البنات وتحريم ما أحل الله فقال: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ..﴾. أي خسر الذين قتلوا أولادهم، فوأدوا البنات خسرانا مبينا، وحرموا ما رزقهم الله من الطيبات.
إنهم قتلوا أولادهم سفها أي خفة مذمومة، وحماقة مفضوحة، خوفا من ضرر موهوم وهو الفقر، وجهلا بما ينفع ويضر ويحسن ويقبح، ولا شك أن الجهل أعظم المنكرات والقبائح، وحرموا الطيبات افتراء وكذبا على الله، ولقد ضلوا ضلالا مبينا لعدم توصلهم إلى مصالح الدنيا والدين، ولم يكونوا مهتدين إلى شيء
стр. 2355
من الحق والصواب، وفائدة قوله: ﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ لبيان أنه لم يحصل منهم اهتداء قط.
أخرج البخاري عن ابن عباس قال: «إذا سرّك أن تعلم جهل العرب، فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً﴾ إلى قوله: ﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة أنه قال في هذه الآية: هذا صنع أهل الجاهلية، كان أحدهم يقتل ابنته مخافة السّباء والفاقة، ويغذو كلبه.
فقه الحياة أو الأحكام:
تلك شرائع العرب في جاهليتهم الجهلاء، مصدرها وهم وسخف، وقصور عقل، وهوى فاسد، روي أن رجلا قال لعمرو بن العاص: إنكم على كمال عقولكم، ووفور أحلامكم، عبدتم الحجر! فقال عمرو: تلك عقول كادها باريها.
هذا الذي أخبر الله سبحانه من سخافة العرب وجهلهم أمر أذهبه الإسلام، وأبطله الله ببعثة الرسول ﷺ ، فبئس الحكم حكمهم.
قال ابن زيد: كانوا إذا ذبحوا ما الله، ذكروا عليه اسم الأوثان، وإذا ذبحوا ما لأوثانهم لم يذكروا عليه اسم الله.
إنهم لم يعدلوا في قسمتهم الزروع والثمار والأنعام، فما جعلوه لله بزعمهم صرفوه لأوثانهم، وما جعلوه لأوثانهم قدموه لها.
وقد ارتكبوا ظلما عظيما بوأد البنات: وهو دفن البنت حية مخافة السّباء والحاجة، ولعدم ما حرمن من النصرة، أي أنهم لا يستطيعون الغزو والقتال.
وشركاؤهم وهم الذين كانوا يخدمون الأوثان، أو الغواة من الناس أو
стр. 2356
الشياطين هم الذين زينوا لهم قتل أولادهم ليهلكوهم، وليخلطوا عليهم دينهم الذي ارتضى لهم، أي يأمرونهم بالباطل ويشككونهم في دينهم. وكانوا على دين إسماعيل.
وقد صنفوا أموالهم وأقواتهم ثلاثة أصناف، صنف لمعبوداتهم وأوثانهم، وصنف حرّمت ظهورها، وصنف لا يذكرون اسم الله عليها عند الذبح، افتراء وكذبا على الله بما لم يشرعه، وسيلقون جزاء افترائهم.
وخصصوا ألبان الأنعام وذكورها لذكورهم الرجال، وحرموها على الإناث، وجعلوا الميتة شركة بين الذكور والإناث، وتركوا الأنثى للنتاج، سيجزيهم الله وصفهم، أي كذبهم وافتراءهم، أي يعذبهم على ذلك.
وكان أشد أنواع عاداتهم وأحكامهم ظلما وجرما قتلهم الأولاد أي البنات وتحريم ما أحل الله، بدليل أنه كرر الله توبيخهم عليه في هذه الآيات، وحكم عليهم بسبعة أمور (١):
١ - الخسران: لأن الولد نعمة عظيمة من الله على العبد.
٢ - السفاهة: وهي الخفة المذمومة؛ لأن قتل الولد لخوف الفقر، والفقر وإن كان ضررا، إلا أن القتل أعظم منه ضررا، والفقر موهوم والقتل ضرر حتمي.
٣ - الجهل وعدم العلم: لأن هذه السفاهة تولدت من عدم العلم، ولا شك أن الجهل أعظم المنكرات والقبائح.
٤ - تحريم ما أحل الله لهم، وهو من أعظم أنواع الحماقة، لأنه يمنع نفسه تلك المنافع والطيبات.
стр. 2357
٥ - الافتراء على الله: ومن المعلوم أن الجرأة على الله والافتراء عليه أعظم الذنوب والكبائر.
٦ - الضلال عن الرشد في مصالح الدين ومنافع الدنيا.
٧ - إنهم ما كانوا مهتدين، وهو وصف لازم دائم لهم.
روي أن رجلا من أصحاب النّبي ﷺ كان لا يزال مغتما بين يدي رسول الله ﷺ ، فقال له: «مالك تكون محزونا؟» فقال: يا رسول الله، إني أذنبت ذنبا في الجاهلية، فأخاف ألا يغفره الله لي، وإن أسلمت! فقال له: «أخبرني عن ذنبك» فقال: يا رسول الله، إني كنت من الذين يقتلون بناتهم، فولدت لي بنت، فتشفّعت إليّ امرأتي أن أتركها، فتركتها حتى كبرت وأدركت، وصارت من أجمل النساء، فخطبوها؛ فدخلتني الحميّة ولم يحتمل قلبي أن أزوجها أو أتركها في البيت بغير زوج، فقلت للمرأة: إني أريد أن أذهب إلى قبيلة كذا وكذا في زيارة أقربائي فابعثيها معي، فسرّت بذلك وزينتها بالثياب والحلّي، وأخذت على المواثيق بألا أخونها، فذهبت بها إلى رأس بئر، فنظرت في البئر، ففطنت الجارية أني أريد أن ألقيها في البئر؛ فالتزمتني وجعلت تبكي وتقول: أيش تريد أن تفعل بي! فرحمتها، ثم نظرت في البئر فدخلت عليّ الحميّة، ثم التزمتني وجعلت تقول: يا أبت لا تضيع أمانة أمّي؛ فجعلت مرة أنظر في البئر، ومرة أنظر إليها فأرحمها، حتى غلبني الشيطان، فأخذتها وألقيتها في البئر منكوسة، وهي تنادي في البئر: يا أبت، قتلتني.
فمكثت هناك حتى انقطع صوتها فرجعت، فبكى رسول الله ﷺ وأصحابه وقال: لو أمرت أن أعاقب أحدا بما فعل في الجاهلية لعاقبتك (١).
стр. 2358
الأدلة الواضحة على قدرة الله تعالى
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١) وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢) ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اِثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اِثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اِثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اِثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصّاكُمُ اللهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (١٤٤)﴾
الإعراب:
﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ﴾ معطوف بالنصب على ﴿جَنّاتٍ﴾، و ﴿جَنّاتٍ﴾: منصوب بأنشأ ﴿مُخْتَلِفاً﴾ حال مقدرة، أي سيكون كذلك، لأنها في أول ما تخرج لا أكل فيها، وإنما توصف باختلاف الأكل وقت إطعامها.
﴿حَمُولَةً وَفَرْشاً﴾ منصوب بالعطف على ﴿جَنّاتٍ﴾، وتقديره: وأنشأ من من الأنعام حمولة وفرشا.
стр. 2359
﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ منصوب من خمسة أوجه: إما بفعل مقدر، أي وأنشأ ثمانية أزواج، وإما بفعل تقديره: كلوا لحم ثمانية، أو بدل من قوله: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشاً﴾ أو بدل من ﴿مِمّا﴾ في قوله: ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾، أو بدل من ما في قوله: ﴿وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللهُ﴾ أي حرموا ثمانية أزواج.
و ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ بدل من ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ أي اثنتين من الضأن، واثنتين من المعز، واثنتين من الإبل، واثنتين من البقر.
﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ﴾ منصوب بحرم، و ﴿الْأُنْثَيَيْنِ﴾ معطوف على ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾. و ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ﴾: معطوف على ﴿الْأُنْثَيَيْنِ﴾.
البلاغة:
﴿حَمُولَةً وَفَرْشاً﴾ بينهما طباق، لأن الأولى كبار، والثانية صغار ﴿خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ استعارة للتحذير من طاعة الشيطان.
المفردات اللغوية:
﴿أَنْشَأَ﴾ خلق وأوجد بالتدريج ﴿جَنّاتٍ﴾ بساتين مزدانة بالأشجار وسميت جنات؛ لأنها تجن الأرض، أي تسترها ﴿مَعْرُوشاتٍ﴾ مرفوعات على العرائش والدعائم لتمتد عليها الأغصان كالكروم، يقال: سقف البيت: عرشه ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ﴾ متروكات على وجه الأرض لم تعرش أو مستغنية بسوقها وأغصانها عن التعريش ﴿مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ﴾ أي يختلف ثمره وحبه في الهيئة والطعم ﴿مُتَشابِهاً﴾ في النظر ﴿وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ في الطعم ﴿وَآتُوا حَقَّهُ﴾ زكاته يوم حصاده أي قطافه من العشر أو نصفه ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ بإعطاء كله، فلا يبقى لعيالكم شيء ﴿الْمُسْرِفِينَ﴾ المتجاوزين ما حد لهم.
﴿حَمُولَةً﴾ هي الكبار التي تطيق الحمل والعمل، وتصلح لهما، كالإبل والبقر الكبار وغيرها ﴿وَفَرْشاً﴾ هي الصغار التي لا تصلح للحمل والعمل، كصغار الإبل وغيرها ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أي طرائقه من التحريم والتحليل، ومعنى الخطوة: المسافة بين القدمين ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أي بيّن العداوة.
﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ أصناف ﴿مِنَ الضَّأْنِ﴾ ﴿الضَّأْنِ﴾ الغنم ذوات الصوف، و ﴿الْمَعْزِ﴾ ذوات الأشعار ﴿اِثْنَيْنِ﴾ زوجين اثنين: ذكر وأنثى ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ﴾ قل يا محمد لمن حرم ذكور
стр. 2360
الأنعام تارة وإناثها أخرى، ونسب ذلك إلى الله: آلذكرين حرم الله عليكم أم حرم الأنثيين منهما والاستفهام للإنكار. ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ هي الأجنة. ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أخبروني عن كيفية تحريم ذلك، إن كنتم صادقين فيه، فمن أين جاء التحريم؟ فإن كان من قبل الذكورة فجميع الذكور حرام، وإن كان من قبل الأنوثة فجميع الإناث حرام، وإن كان مما اشتملت عليه الأرحام فهي تشتمل على الصنفين: الذكر والأنثى، فمن أين جاء التخصيص؟ ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ حضورا ﴿إِذْ وَصّاكُمُ اللهُ بِهذا﴾ التحريم، فاعتمدتم ذلك، لا، بل أنتم كاذبون فيه ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ أي لا أحد.
سبب النزول:
نزول الآية (١٤١):
﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾: أخرج ابن جرير الطبري عن أبي العالية قال: كانوا يعطون شيئا سوى الزكاة، ثم تسارفوا، فنزلت هذه الآية:
﴿وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ وروي عنه أنه قال: كانوا يعطون يوم الحصاد شيئا سوى الزكاة، ثم تباروا فيه وأسرفوا، فقال الله: ﴿وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
وأخرج الطبري أيضا عن ابن جريج قال: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس: جذ نخلا فقال: لا يأتين اليوم أحد إلا أطعمته، فأطعم حتى أمسى، وليست له ثمرة، فقال الله: ﴿وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (١).
المناسبة:
عرف مما سبق أن مدار القرآن الكريم على إثبات أصول الدين وهي التوحيد والنبوة، والبعث (المعاد) والقضاء والقدر. وقد أثبتها تعالى، وندد بمن أنكر شيئا منها، ولما أتم المطلوب منها، عاد إلى المقصود الأصلي وهو إقامة الدلائل على تقرير توحيد الله، بإثبات الألوهية والربوبية له، وإفراده بالعبادة وحق
стр. 2361
التشريع، فلا إله غيره، ولا رب سواه، ولا خالق عداه، ولا مشرّع في عبادة وتحليل وتحريم غيره، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ﴾.
وفي ثنايا إبراز مظاهر القدرة الإلهية امتن الله على المشركين وغيرهم بما يسره لهم من الرزق، وندد بما افتروه على الله من الكذب من الشرك وعدم الإيمان بالقضاء والقدر.
التفسير والبيان:
يبين الله تعالى أنه الخالق لكل شيء من الزروع والثمار، والأنعام التي تصرف فيها المشركون بآرائهم الفاسدة وقسموها، فجعلوا منها حراما وحلالا، فقال:
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنّاتٍ..﴾ ..
أي إن الله هو الذي أوجد البساتين والكروم المشجرة، سواء منها المعروش أي الذي يحمل على العرش: وهو عيدان تصنع كهيئة السقف ويوضع الكرم عليها، وغير المعروش: وهو الملقى على وجه الأرض، أو المستغني باستوائه على سوقه عن التعريش كبقية أشجار الفاكهة، حتى بعض كروم العنب نفسها، منها المعروش وغير المعروش. وخلق أيضا النخل والزرع المختلف الطعم واللون والرائحة والشكل. وأفرد النخل بالذكر لكثرته عند العرب، ولجماله، ولما له من منافع كثيرة بكل أجزائه، ولبقاء ورقه دون سقوط في مختلف الفصول، حتى شبّه المؤمن في الحديث النبوي به.
وأنشأ سبحانه الزرع المختلف الأنواع والأكل: وهو الثمر المأكول، والذي به حياة بني آدم، وهو يشمل كل ما يزرع صيفا وشتاء، وأفرده الله بالذكر كالنخل، كما فيهما من الفضيلة.
وقد ذكرت هذه الأنواع على طريق الترقي من الأدنى في التغذية واقتيات الناس إلى الأعلى والأعم، فإن الحبوب هي الغذاء الأساسي.
стр. 2362
وأنشأ الزيتون والرمان متشابها في المنظر وغير متشابه في الطعم والأكل.
وكل هذه الأنواع يسقي بماء واحد وفي تربة واحدة، ولكن كل نوع يختلف عن الآخر طعما ولونا ورائحة ووقت نضج يتناسب مع حاجة الإنسان في زمن البرد والحر والاعتدال، مما يدل على قدرة الخالق عليها، وإبداع المنشئ المكون لأصنافها، وذلك هو الله الواحد الأحد المتفرد بإمداد الرزق وبالتشريع المناسب.
وقد أباحها الله الإنسان وامتن بإنعامه بها عليه، فقال: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ﴾ أي كلوا من ثمرات ما أنبت الله إذا أثمر ولو لم ينضج، وفائدة التقييد بقوله: ﴿إِذا أَثْمَرَ﴾ الترخيص للمالك في الأكل منه قبل أداء حق الله تعالى وهو الزكاة.
ثم جاء التكليف الواجب فيها وهو الزكاة المفروضة، فقال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ أي وأخرجوا الزكاة المفروضة فيه يوم الحصاد: وهو وقت قطعه بعد تمام نضجه، ويتبعه زمن الدوس، لفصل الحب عن التبن، ويدخل في الحصاد: جني العنب وصرم النخل وقطف الفاكهة. والحق المفروض: هو العشر فيما سقي بالمطر، ونصف العشر فيما سقي بالنهر والبئر ونحوهما من الينابيع. ويعطى الحق المقرر شرعا للمستحقين وهم ذوو القربى واليتامى والمساكين.
وللعلماء رأيان في الحق الواجب في الثمر، فقال ابن عباس: إنه الزكاة المفروضة، وهي العشر أو نصفه.
وروي عن ابن عباس أيضا وهو قول سعيد بن جبير: إنه ما كان يتصدق به على المساكين يوم الحصاد. وكان ذلك واجبا من غير تعيين المقدار؛ لأن هذه
стр. 2363
الآية مكية، والزكاة إنما فرضت بالمدينة، فنسخ هذا الواجب بافتراض العشر ونصف العشر، وهو الزكاة.
وقيل: إن الآية مدنية، والحق أن المراد بها هو الزكاة المفروضة، والمعنى:
واعزموا على إيتاء الحق واقصدوه واهتموا به يوم الحصاد، حتى لا تؤخروه عن أول وقت يمكن فيه الإيتاء.
ثم نبّه القرآن إلى منهجه المعروف وهو الوسطية والتوسط في الأمور والاعتدال في كل شيء، فقال تعالى: ﴿وَلا تُسْرِفُوا..﴾. أي كلوا مما رزقكم الله من غير إسراف في الأكل، كما قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف ٣١/ ٧] ولا تسرفوا أيضا في الصدقة، كما روي عن ثابت بن قيس بن شماس أنه صرم خمسمائة نخلة، ففرق ثمرها كله، ولم يدخل شيئا إلى منزله، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾ [الإسراء ٢٩/ ١٧].
وقال الزّهري: المعنى: لا تنفقوا في معصية الله، وروي نحوه عن مجاهد فقد أخرج عنه ابن أبي حاتم أنه قال: لو كان أبو قبيس-جبل بمكة-ذهبا، فأنفقه رجل في طاعة الله تعالى، لم يكن مسرفا، ولو أنفق درهما في معصية الله تعالى كان مسرفا. ومن هذا الاتجاه قول بعض الحكماء: لا سرف في الخير، ولا خير في السّرف.
والحق: أن الإسراف في كل شيء خيرا كان أو غيره خطأ، سواء في الأكل أو التّصدق؛ لأن على الإنسان واجب الإنفاق على نفسه وعلى أهله وذويه وأولاده، حتى إنه إن لم يكن له أولاد، فادّخار شيء من دخله أمر محمود، لإنفاقه في حوائج المستقبل، وحتى لا يصبح عالة على الآخرين، ولذا يحجر على السّفيه المبذر شرعا، ولو كان الإنفاق في سبل الخير. جاء في صحيح البخاري تعليقا:
«كلوا واشربوا والبسوا من غير إسراف ولا مخيلة».
стр. 2364
ومن تمام فضل الله ونعمته ورحمته أنه أنشأ لكم أيها الناس من الأنعام (وهي الإبل والبقر والغنم) كبارا صالحة للحمل، وصغارا كالفصلان، والغنم والمعز، هي كالفرش المفروش عليها، تفرش على الأرض للذّبح، ويتّخذ من شعرها ووبرها الفرش واللباس. وهذا مثل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ. وَذَلَّلْناها لَهُمْ، فَمِنْها رَكُوبُهُمْ، وَمِنْها يَأْكُلُونَ﴾ [يس ٧١/ ٣٦ - ٧٢]، وقوله: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً، نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشّارِبِينَ﴾ [النحل ٦٦/ ١٦].
ثم كرر الله تعالى إباحة الأكل من الأنعام كإباحته من الزّرع، فقال: ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ أي كلوا من هذه الأنعام، كما تأكلون من الثمار والزّروع، فكلها خلقها الله، وجعلها رزقا لكم، وانتفعوا بها بسائر أنواع الانتفاع المباحة شرعا.
ولا تتبعوا خطوات الشّيطان، أي طريقه وأوامره، كما اتّبعها المشركون الذين حرّموا ما رزقهم الله من الثّمار والزّروع والأنعام، افتراء على الله، وإيّاكم أن تحرّموا ما لم يحرّمه الله عليكم، فذلك إغواء من الشّيطان، والله قد أباحها لكم، والله مصدر التّشريع والتّحريم والتّحليل؛ لأنه هو الخالق المبدع لجميع الكائنات، وهو المتصرّف فيها، فليس لغيره أن يحرّم أو يحلّل برأيه.
إن الشّيطان لكم أيها الناس عدوّ مبين، أي بيّن ظاهر العداوة، لا يأمر إلا بالسّوء والفحشاء والمنكر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ، فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا، إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ، لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر ٦/ ٣٥]، وقال:
﴿إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ، وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ١٦٩/ ٢].
والأنعام التي هي حمولة وفرش ثمانية أصناف، فإنّ الحمولة: إما إبل وإما بقر، والفرش: إما ضأن وإما معز، وكلّ قسم من هذه الأربعة: إما ذكر وإما
стр. 2365
أنثى، وقد أنشأ الله من الضّأن زوجين اثنين: الكبش والنّعجة، ومن المعز زوجين اثنين: التّيس والعنزة، ومن الإبل اثنين: الجمل والنّاقة، ومن البقر اثنين: الثّور والبقرة.
قال لمشركي العرب أيّها الرّسول إنكارا لصنعهم بتقسيم الأنعام إلى بحيرة وسائبة ووصيلة وحام وغير ذلك مما ابتدعوا فيها: أحرم الله الذّكرين من الكبش والتّيس؟ أم حرّم الأنثيين من النّعجة والعنز؟ أم حرّم ما حملت إناث النّوعين؟ يعني هل يشتمل الرّحم إلا على ذكر أو أنثى، فلم تحرمون بعضا وتحلّون بعضا؟ أخبروني عن يقين، كيف حرّم الله عليكم ما زعمتم تحريمه من البحيرة والسّائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك؟ أخبروني ببيّنة تدلّ على هذا التّحريم من كتاب الله، أو خبر نبي من الأنبياء إن كنتم صادقين في ادّعاء التّحريم.
والحقيقة أنه لا منطق في تقسيم العرب في الجاهلية قبل الإسلام لأنواع الأنعام، فمنها الحرام ومنها الحلال، فإن كان المحرّم منها الذّكر، وجب أن يكون كلّ ذكورها حراما، وإن كان المحرّم منها الأنثى، وجب أن يكون كلّ إناثها حراما، وإن كان المحرّم منها ما حملته الأجنّة في بطون الإناث، وهي تشتمل على الذّكر والأنثى، وجب تحريم الأولاد كلّها.
والله تعالى ما حرّم عليهم شيئا من هذه الأنواع، وإنهم لكاذبون في دعوى التّحريم، ولا أحد في الدّنيا أظلم ممن يفتري الكذب على الله، فيدّعي أنه حرّم شيئا ولم يحرّمه، ونسب إليه تحريم ما لم يحرم، من أجل إضلال النّاس، وهو عمرو بن لحيّ بن قمعة الذي بحر البحائر، وسيّب السّوائب، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي، وغيّر دين الأنبياء، إن الله لا يهدي إلى الحقّ والخير القوم الظالمين الذين ظلموا أنفسهم، فشرعوا ما لم يشرع الله تعالى.
ثمّ شدّد الله تعالى الإنكار عليهم والتّهكم بهم فقال: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ.﴾.
стр. 2366
أي هل كنتم حضورا شاهدتم ربّكم، فوصّاكم بهذا التّحريم؟ وأمركم فيما ابتدعتموه وافتريتموه من تحريم ما لم يحرّمه الله، وإنما هو محض الافتراء والكذب على الله، ولا أحد أظلم ممن افترى على الله الكذب، بقصد الإضلال عن جهل تام، والله تعالى، جزاء لهذا الظلم، لا يوفق للرّشاد من افترى عليه الكذب، ولا يهديه إلى الحقّ والعدل، بل يحجبه عن إدراك الصواب وما فيه المصلحة.
فقه الحياة أو الأحكام:
الله تعالى خالق الكائنات هو مصدر شيئين أساسيين في هذه الحياة: فهو مصدر بقاء الناس بإمدادهم بالنّعم الكثيرة الوفيرة، ومصدر التّشريع الصالح لكل زمان ومكان، إبقاء على النظام الأصلح، وحفاظا على مصالح البشر، أفرادا وجماعات.
والمقصود من ذلك تقرير التّوحيد، وإثبات الألوهيّة والرّبوبيّة لله ، فإن في آية: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ.﴾. ثلاثة أدلّة:
أحدها-أن المتغيّرات لا بدّ لها من مغيّر.
الثاني-المنّة من الله سبحانه علينا، فلو شاء إذ خلقنا ألا يخلق لنا غذاء، وإذ خلقه ألا يكون جميل المنظر طيّب الطّعم، وإذ خلقه كذلك ألا يكون سهل الجني، فلم يكن عليه أن يفعل ذلك في ابتداء الخلق؛ لأنه لا يجب عليه شيء.
الثالث-إظهار القدرة الإلهيّة في أشياء كثيرة، منها صعود الماء (النسغ) في الشّجر من الأدنى إلى الأعلى، مع أن من شأن الماء الانحدار والهبوط، ومنها تعدّد أنواع الثّمار والأشجار والزّروع، وتنوّع أصنافها وألوانها وطعومها وأشكالها.
ودلّت آية ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ على وجوب الزّكاة المفروضة في الزّروع والثّمار: العشر ونصف العشر.
وقال جماعة: هو حقّ في المال سوى الزّكاة، أمر الله به ندبا.
стр. 2367
وقد تمسّك أبو حنيفة بهذه الآية وبعموم
الحديث النّبوي الذي رواه البخاري وأبو داود عن ابن عمر: «فيما سقت السّماء العشر، وفيما سقي بنضح (١) أو دالية (٢) نصف العشر» في إيجاب الزّكاة في كلّ ما تنبت الأرض طعاما كان أو غيره، إلا الحطب والحشيش والقضب (البرسيم) والتين، والسّعف (٣) وقصب الذريرة (٤)، وقصب السّكر.
ورأى الجمهور أن الحديث لا يدلّ على ذلك، وإنّما المقصود منه بيان ما يؤخذ منه العشر وما يؤخذ منه نصف العشر.
قال ابن عبد البر: لا اختلاف بين العلماء فيما علمت أنّ الزّكاة واجبة في الحنطة والشعير والتّمر والزّبيب.
فيكون للعلماء رأيان في زكاة ما تخرجه الأرض:
الرّأي الأول لأبي حنيفة: تجب الزّكاة في قليل ما أخرجته الأرض إلا ما استثني سابقا، ودليله ظاهر الآية والحديث المتقدّم.
الرّأي الثاني للجمهور ومنهم صاحبا أبي حنيفة: لا تجب زكاة الزّروع والثّمار إلا فيما يقبل الاقتيات والادّخار، وعند الحنابلة: فيما ييبس ويبقى ويكال، ولم يوجب الشّافعي الزّكاة في الثّمار غير العنب والتّمر؛
لأن الرّسول ﷺ أخذ الزّكاة منهما،
ولا زكاة في الخضروات والفواكه؛ لأنّ الرّسول ﷺ عفا عنها وقال فيما رواه التّرمذي عن معاذ في الخضروات: «ليس فيها شيء»، ولا بدّ من بلوغ
стр. 2368
النّاتج خمسة أوسق (٦٥٣ كغ)
لقول النبي ﷺ فيما رواه مسلم عن جابر: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة».
وإنما لا يشترط مضي الحول (العام الزّكوي) في زكاة النّاتج من الأرض؛ لأنه يكمل نماؤه باستحصاده، لا ببقائه، واشترط الحول في غيره من الزّكوات؛ لأنه مظنّة لكمال النّماء في سائر الأموال.
والصّحيح وهو رأي أبي حنيفة وجوب الزّكاة وقت الجذاذ، لقوله تعالى:
﴿يَوْمَ حَصادِهِ﴾ والمشهور من مذهب المالكية يوم الطّيب؛ لأن ما قبل الطّيب يكون علفا لا قوتا ولا طعاما، فإذا طاب وحان الأكل الذي أنعم الله به، وجب الحق الذي أمر الله به.
والمعتمد عند الشافعية والحنابلة: وجوب الزّكاة في الثّمار: ببدو صلاح الثّمر؛ لأنه حينئذ ثمرة كاملة، وهو قبل ذلك حصرم وبلح، وفي الحبوب: ببدو اشتداد الحبّ؛ لأنه كما قال المالكية حينئذ طعام، وهو قبل ذلك بقل.
لكن خرص الثّمار أي تخمينها وتقديرها يكون بعد الطيب؛
لحديث عائشة فيما أخرجه الدّارقطني قالت: كان رسول الله ﷺ يبعث ابن رواحة إلى اليهود، فيخرص عليهم النّخل حين تطيب أوّل الثمرة، قبل أن يؤكل منها، ثم يخيّر يهودا يأخذونها بذلك الخرص أو يدفعونها إليه.
وإنما كان أمر رسول الله ﷺ بالخرص لكي تحصى الزّكاة، قبل أن تؤكل الثّمار وتفرّق.
ودلّت آية ﴿وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً﴾ على مقدار نعمة الله بتسخير الأنعام للإنسان للرّكوب والحمل والعمل، وللاستفادة من لحومها وأوبارها وأصوافها وأشعارها. والأنعام كما قال أحمد بن يحيى وهو الأصحّ: كلّ ما أحلّه الله عزّ وجلّ
стр. 2369
من الحيوان؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة ١/ ٥].
ومن أجل بقاء نوع الحيوان جعل فيه كالإنسان صنفي الذّكر والأنثى، للتّوالد والتّكاثر والتّكامل، لذا كان تحريم الذّكور دون الإناث أو بالعكس معارضا لحكمة الشّرع.
وآية ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ.﴾. احتجاج على المشركين فيما حرّموه اعتباطا من البحائر والسّوائب والوصائل والحام وغيرها، كما قالوا: ﴿ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا﴾ [الأنعام ١٣٩/ ٦].
وذلك دليل على إثبات المناظرة في العلم؛ لأن الله تعالى أمر نبيّه ﵊ بأن يناظرهم، ويبيّن لهم فساد قولهم.
وفي هذه الآية أيضا إثبات القول بالنظر والقياس.
وفيها دليل على أنّ القياس إذا ورد به النّص بطل القول به، ويروى: «إذا ورد عليه النّقض» لأن الله تعالى أمرهم بالمقايسة الصّحيحة، وأمرهم بأن تكون علّة القياس مطّردة في جميع الأشباه والنّظائر. وهذا مستفاد من معنى الآية: قل لهم: إن كان الله حرّم الذّكور فكلّ ذكر حرام، وإن كان حرّم الإناث فكلّ أنثى حرام، وإن كان حرّم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين يعني من الضّأن والمعز، فكلّ مولود حرام، ذكرا كان أو أنثى، لأن كلها مولود، فكلّها إذن حرام، لوجود العلّة فيها، فبيّن تعالى بهذه المناظرة أو المناقشة ورود الانتقاض عليهم وفساد قولهم، لأن ما فعلوه من ذلك افتراء على الله، فمن أين هذا التحريم المزعوم؟ ولا علم عندهم؛ لأنهم لا يقرءون الكتب، وهل شاهدتم الله قد حرّم هذا. ولما لزمتهم الحجّة أخذوا في الافتراء، فقالوا: كذا أمر الله، فردّ الله
стр. 2370
عليهم: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً، لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ وهو دليل على أنهم كذبوا، إذ قالوا ما لم يقم عليه دليل.
المطعوم المحرّم على المسلمين والمحرّم على اليهود
﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥) وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اِخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنّا لَصادِقُونَ (١٤٦) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧)﴾
الإعراب:
﴿طاعِمٍ﴾ اسم فاعل من طعم يطعم، وأكثر ما يجيء اسم الفاعل من فعل يفعل إذا كان لازما على فعل، ويجيء على فاعل إذا كان متعدّيا كعلم يعلم فهو عالم. و ﴿يَطْعَمُهُ﴾ مضارع طعم. ﴿مَيْتَةً﴾ خبر ﴿يَكُونَ﴾، واسمها ضمير مستتر، وتقديره: إلا أن يكون المأكول ميتة، ومن قرأ بالرّفع جعل ﴿يَكُونَ﴾ تامّة، و ﴿مَيْتَةً﴾ فاعل مرفوع بها، ولا تفتقر إلى خبر.
﴿أَوِ الْحَوايا﴾ إما مرفوع عطفا على قوله: ﴿ظُهُورُهُما﴾، وإما منصوب عطفا على ﴿شُحُومَهُما﴾ في قوله: ﴿إِلاّ ما حَمَلَتْ﴾. و ﴿شُحُومَهُما﴾ في موضع نصب على الاستثناء من الشحوم، وهو استثناء من موجب، أو منصوب عطفا على قوله: ﴿شُحُومَهُما﴾ وتقديره: حرّمنا عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت ظهورهما.
﴿ذلِكَ جَزَيْناهُمْ﴾ ﴿ذلِكَ﴾: في موضع نصب، لأنه مفعول ثان لجزيناهم، وتقديره:
جزيناهم ذلك ببغيهم.
стр. 2371
البلاغة:
﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ من صيغ المبالغة، أي كثير المغفرة والرّحمة.
﴿رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ، وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ فرّق بين الجملتين، فجعل الأولى جملة اسميّة؛ لأنها أبلغ من الفعليّة، ليناسب وصف الرّحمة، وجعل الثانية فعليّة: ﴿وَلا يُرَدُّ﴾ لتكون أقل في الإخبار عن وصف العقاب.
المفردات اللغوية:
﴿مُحَرَّماً﴾ شيئا محظورا أو ممنوعا. ﴿طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ أكل يأكله. ﴿مَيْتَةً﴾ بهيمة ماتت حتف أنفها. ﴿أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾ سائلا يجري ويتدفّق من المذبوح، بخلاف غيره كالكبد والطّحال. ﴿رِجْسٌ﴾ قذر قبيح حرام نجس. ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ ذبح على غير اسم الله، للأصنام، والإهلال: رفع الصّوت. ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أي دعته ضرورة إلى تناول شيء منه كجوع شديد أو عطش شديد أو غصص. ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ أي غير قاصد له. ﴿وَلا عادٍ﴾ أي متجاوز قدر الضرورة.
﴿الَّذِينَ هادُوا﴾ اليهود، لقولهم: ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٥٦/ ٧] أي رجعنا وتبنا. ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ وهو ما لم تفرق أصابعه كالإبل والنّعام، والظفر للإنسان وغيره مما لا يصيد، والمخلب: لما يصيد. ﴿شُحُومَهُما﴾ الشّحم: ما يكون على الأمعاء والكرش والكلى من الدّهن. ﴿إِلاّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ أي علقت بها. ﴿أَوِ الْحَوايا﴾ أي حملته الأمعاء، جمع حاوية وحاوياء.
﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ منه أي من الشّحم، وهو شحم الألية، فإنه أحل لهم. ﴿ذلِكَ﴾ التحريم. ﴿جَزَيْناهُمْ﴾ به. ﴿بِبَغْيِهِمْ﴾ أي بسبب ظلمهم. ﴿وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ في أخبارنا ومواعيدنا. ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ فيما جئت به ﴿فَقُلْ﴾ لهم: ﴿رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ حيث لم يعاجلكم بالعقوبة، وفيه تلطّف بدعوتهم إلى الإيمان. ﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾ أي عذابه إذا جاء.
سبب النزول:
نزول الآية (١٤٥):
﴿قُلْ: لا أَجِدُ.﴾.: أخرج عبد بن حميد عن طاوس قال: إن أهل الجاهلية كانوا يحرّمون أشياء، ويستحلّون أشياء، فنزلت: ﴿قُلْ: لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً﴾ الآية.
стр. 2372
المناسبة:
ردّ الله تعالى في الآيات السابقة على المشركين الذين كانوا يحرّمون ويحلّلون من الأنعام بحسب أهوائهم، وأبان أن التّحريم والتّحليل لا يثبت إلا بالوحي، ثم أوضح هنا أنّ المطعومات المحرّمات على الآكلين هي أربعة فقط: الميتة، والدّم المسفوح، ولحم الخنزير فإنه رجس، والفسق: وهو الذي أهل به لغير الله.
التفسير والبيان:
بيّن الله تعالى في هذه السّورة المكيّة أنه لا محرّم إلا هذه الأربعة، وأتى بها بصيغة الحصر، مبالغة في بيان أنه لا يحرم إلا هذه الأربعة، وأكّد ذلك في سورة النّحل فقال: ﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ، فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ، فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النّحل ١١٥/ ١٦].
وكلمة ﴿إِنَّما﴾ تفيد الحصر، فدلّت آيتان مكيّتان على حصر المحرّمات في هذه الأربعة، وكذلك دلّت آية مدنيّة في سورة البقرة أنه لا محرّم إلا هذه الأربعة، فقال: ﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾ [البقرة ١٧٣/ ٢]، وكلمة ﴿إِنَّما﴾ التي تفيد الحصر مطابقة لقوله: ﴿قُلْ:﴾
﴿لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً﴾.
ثم ذكر الله تعالى في سورة المائدة قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة ١/ ٥]، وأجمع المفسّرون على أن المراد بقوله ﴿إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ هو ما ذكره بعد هذه الآية بقليل، وهو قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ، وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ، وَالْمُنْخَنِقَةُ، وَالْمَوْقُوذَةُ، وَالْمُتَرَدِّيَةُ، وَالنَّطِيحَةُ، وَما أَكَلَ السَّبُعُ، إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ﴾ وكل هذه الأشياء من أنواع الميتة، وأنه تعالى إنما أعادها بالذّكر؛ لأنهم كانوا يحكمون عليها بالتّحليل، فثبت أن الشريعة من أولها إلى آخرها كانت مستقرة على هذا الحكم وعلى هذا الحصر.
стр. 2373
والقصد هو الرّد على مشركي العرب؛ لأنه لما ثبت أنه لا طريق إلى معرفة المحرّمات والمحللات إلا بالوحي، وثبت أنه لا وحي من الله تعالى إلا إلى محمد ﵊، ولم ينزل في الموضوع غير هذه الآية ونظائرها، كان هذا مبالغة في بيان انحصار التّحريم في هذه الأربعة فقط.
المعنى: يقول الله تعالى آمرا رسوله: قل يا محمد لهؤلاء الذين حرّموا ما رزقهم الله، افتراء على الله: لا أجد محرّما على آكل يأكله سوى هذه الأمور الأربعة وهي ما يلي:
الميتة:
وهي التي ماتت حتف أنفها بغير ذبح شرعي، وذلك يشمل المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع ونحوها. وتحريمها لمضرّتها، وانحباس الدم فيها، مما يؤدي إلى تسممها، وتفسّخ لحمها، وإيذاء من تناول شيئا منها.
والدّم المسفوح:
أي الدّم المهراق السائل الذي يجري ويتدفق من عروق المذبوح. وهذا يدلّ على أنّ المحرّم من الدّم ما كان سائلا، قال ابن عباس: يريد ما خرج من الأنعام وهي أحياء، وما يخرج من الأوداج عند الذّبح، فلا يدخل فيه الدّم الجامد كالكبد والطّحال لجمودهما، ولا الدّم المختلط باللحم في المذبح، ولا ما يبقى في العروق من أجزاء الدّم، فإن ذلك كله ليس بسائل. وقال عكرمة في قوله: ﴿أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾: لولا هذه الآية لتتبع الناس ما في العروق كما تتبعه اليهود.
وجاء في الحديث الذي يرويه البيهقي في سننه والحاكم عن ابن عمر: «أحلّت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد-أو السمك والجراد-وأما الدّمان: فالكبد والطحال». وسبب تحريم الدّم المسفوح: اشتماله على أنواع الجراثيم والميكروبات؛ لأن الدّم بيئة صالحة لتفريخ الميكروبات ومباءة للجراثيم.
ولحم الخنزير:
ومثله شحمه وسائر أجزاء جسده، ومثله أيضا الكلب،
стр. 2374
فكلّ ذلك كالميتة والدّم رجس وقذر، تعافه النفوس الطيبة والطباع السليمة، وهو ضار بالبدن.
واستدلّ الشافعية بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ على نجاسة الخنزير، بناء على عود الضمير إليه؛ لأنه أقرب مذكور.
والفسق:
وهو ما أهل لغير الله أي ما ذبح لغير الله ولم يذكر عليه اسم الله، أي ما يتقرب به إلى غير الله تعبّدا، ويذكر اسمه عليه عند ذبحه، وهو المذبوح على النّصب وعند الأوثان، أو بعد المقاسمة عليه بالأزلام أي القمار.
ثم استثنى الله تعالى حال الضرورة، فقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ.﴾. أي فمن كان في حال ضرورة الجوع الملجئة بسبب فقدان الحلال، مما دعاه إلى أكل شيء من هذه المحرّمات، حال كونه غير قاصد له، ولا متجاوز حدّ الضرورة، فإن الله يغفر له ويرحمه حفاظا على حقّ الحياة، فلا يؤاخذه بأكل ما يسدّ به الرّمق، ويدفع عنه ضرر الهلاك.
والخلاصة: إنّ الغرض من هذه الآية الكريمة الرّد على المشركين الذين ابتدعوا تحريم المحرّمات على أنفسهم بآرائهم الفاسدة، من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك، فأمر الله رسوله أن يخبرهم أنه لا يجد فيما أوحاه الله إليه أن ذلك محرّم، وإنّما حرّم أربعة أشياء هي: الميتة، والدّم المسفوح، ولحم الخنزير، وما أهلّ لغير الله به، لما فيها من الضّرر المادي أو المعنوي الذي يمسّ العقيدة وعبادة الله، ولأن لحومها خبيثة، ومن مهام هذا النّبي إباحة الطّيبات وتحريم الخبائث: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ، وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف ١٥٧/ ٧].
لكن الحصر المستفاد من هذه الآية وأمثالها أمر نسبي لا مطلق، وهذه الآية مخصوصة بالآيات والأخبار الدّالّة على تحريم ما حرّم من غير الأربعة، مثل قوله
стр. 2375
تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ﴾ فهو يقتضي تحريم كلّ الخبائث المستقذرة كالنّجاسات وهو أم الأرض، ومثل
ما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما عن جابر ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية»،
وما روياه عن أبي ثعلبة الخشني: «أن النّبي ﷺ نهى عن أكل كل ذي ناب من السّباع»، وفي رواية ابن عباس: «وأكل كل ذي مخلب من الطّير»، و
ما روياه عن عائشة وحفصة وابن عمر من قوله ﷺ : «خمس فواسق من الدّواب كلّهن فاسق، يقتلن في الحلّ والحرام: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأر، والكلب العقور»، ففي الأمر بقتلهنّ دلالة على تحريم أكلهنّ، لأن القتل إنما يكون بغير ذبح شرعي، فثبت أنها غير مأكولة، ولأن ما يؤكل لا ينهى عن قتله.
وخصّص الشافعية الآية أيضا بما
روي عنه ﷺ أنه قال: «واستخبثته العرب، فهو حرام»، ومضمون رأيهم أن الحيوان الذي لم يرد فيه نص بخصوصه بالتّحليل أو التّحريم، ولم يؤمر بقتله، ولم ينه عن قتله، فإن استطابته العرب، فهو حلال، وإن استخبثته العرب فهو حرام. ودليلهم قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ، وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ﴾ [الأعراف ١٥٧/ ٧]، وقوله تعالى:
﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ، قُلْ: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ [المائدة ٤/ ٥]، قالوا:
وليس المراد بالطّيب هنا: الحلال؛ إذ لا معنى له، لأن تقديره: أحلّ لكم الحلال، وإنما المراد بالطّيّبات: ما يستطيبه العرب. والمراد بالخبائث:
ما يستخبثونه، ويراعى في ذلك عاداتهم العامة في الاستيطاب والاستخباث، ولا ينظر إلى الأعراف الخاصة؛ لأنه يؤدي إلى اختلاف الأحكام في الحلال والحرام.
واحتجّ كثير من السّلف بظاهر الآية، فأباحوا ما عدا المذكور فيها، فقد أخرج أبو داود عن ابن عمر ﵄ أنه سئل عن أكل القنفذ، فقرأ الآية.
стр. 2376
وأخرج ابن أبي حاتم وغيره بسند صحيح عن عائشة أنها كانت إذا سئلت عن أكل كل ذي ناب من السّباع ومخلب من الطّير، قالت: ﴿قُلْ:﴾
﴿لا أَجِدُ..﴾. إلخ.
وروي عن ابن عباس أنه قال: ليس من الدّواب شيء حرام إلا ما حرّم الله تعالى في كتابه: ﴿قُلْ: لا أَجِدُ﴾ الآية. واستدلّ بقوله سبحانه: ﴿عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ على أنه إنما حرّم من الميتة ما يأتي فيه الأكل منها، فلم يتناول الجلد المدبوغ والشعر ونحوه، وقد فهم النّبي ﷺ من النّظم الكريم ذلك، أخرج أحمد وغيره عن ابن عباس قال: ماتت شاة لسودة بنت زمعة،
وفي رواية: لميمونة، فقال رسول الله ﷺ : «لو أخذتم مسكها-جلدها-»، فقالت: نأخذ مسك شاة قد ماتت، فقال ﷺ : «إنما قال الله تعالى: ﴿قُلْ: لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ، إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ وإنّكم لا تطعمونه، إن تدبغوه تنتفعوا به».
ثم أخبر الله سبحانه عما حرّمه على بني إسرائيل خاصة، عقوبة لهم، على سبيل المقارنة بما شرعه القرآن للمسلمين، فقال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا.﴾. أي وحرّمنا على اليهود دون غيرهم كل ذي ظفر: وهو كلّ ما ليس منفرج الأصابع، أو مشقوق الأصابع من البهائم والطير، كالإبل والنّعام والإوزّ والبط، كما قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير.
وحرّمنا عليهم من البقر والغنم دون غيرهما شحومهما الزائدة التي تنتزع بسهولة، لعدم اختلاطها بلحم ولا عظم، وهي ما على الكرش والكلى فقط، أما شحوم الظّهر والذّيل فحلال؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ وإلا ﴿الْحَوايا﴾: ما حملته الأنعام، وإلا ﴿مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾، فكل هذه الشحوم أحللناه لهم.
стр. 2377
ذلك التّحريم الذي حرّمناه عليهم بسبب بغيهم، وعقوبة لهم، لقتلهم الأنبياء بغير حقّ، وصدّهم عن سبيل الله، وأخذهم الرّبا، واستحلالهم أموال النّاس بالباطل.
وفي ذكر هذا تكذيب لليهود في قولهم: إن الله لم يحرّم علينا شيئا، وإنما حرمنا على أنفسنا ما حرّمه إسرائيل على نفسه.
ولما كان هذا إخبارا عمّا حكم الله به على اليهود في الماضي، ولم يكن لأحد به علم، وردّا على قولهم: لم يحرّم علينا شيء، قال تعالى: ﴿وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ قال الطبّري: أي لصادقون في إخبارنا بهذه الأخبار من تحريمنا ذلك عليهم لا كما زعموا، من أن إسرائيل هو الذي حرّمه على نفسه، ومن أصدق من الله حديثا، وقال ابن كثير: أي وإنا لعادلون فيما جازيناهم به.
فإن كذّبوك يا محمد بعد هذا أي اليهود، كما قال مجاهد والسّدي، أو مشركو مكة، والصواب: فإن كذّبك يا محمد مخالفوك من المشركين واليهود وأشباههم في ادّعاء النّبوة والرّسالة، وفي تبليغ الأحكام ﴿فَقُلْ: رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ وهذا ترغيب لهم في ابتغاء رحمة الله الواسعة واتّباع رسوله، ﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي لا يردّ عذابه عن كلّ مجرم، وهذا ترهيب لهم من مخالفتهم الرّسول خاتم النّبيين ﷺ .
وكثيرا ما يقرن الله تعالى بين التّرغيب والتّرهيب في القرآن، كما قال تعالى في آخر هذه السّورة ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت آية: ﴿قُلْ: لا أَجِدُ.﴾. على تحريم أربعة أشياء، هي: الميتة، والدّم المسفوح، ولحم الخنزير، والمذبوح للأصنام تعبّدا، وبما أن الآية مكية فمعناها وما يستفاد منها مقصور على هذه الأربعة، أي ﴿قُلْ﴾ يا محمد،
стр. 2378
﴿لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ إلا هذه الأشياء، لا ما تحرّمونه بشهوتكم، ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقت محرّم غير هذه الأشياء، كما قال القرطبي، ثم نزلت سورة [المائدة] بالمدينة. وزيد في المحرّمات من أصناف الميتة المنخنقة والموقوذة والمتردّية والنّطيحة ونحوها، كما زيد تحريم الخمر.
وحرّم رسول الله ﷺ بالمدينة أكل كل ذي ناب من السّباع وكلّ ذي مخلب من الطّير.
وأكثر أهل العلم أن كل محرّم حرّمه رسول الله ﷺ ، أو جاء في القرآن مضموما إلى هذه المحرّمات، فهو زيادة حكم من الله على لسان نبيّه ﵊. مثل زواج المرأة على عمّتها وعلى خالتها، مع قوله تعالى:
﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ﴾ [النساء ٢٤/ ٤]، وحكمه ﵊ باليمين مع الشاهد مع قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ﴾ [البقرة ٢٨٢/ ٢]. وآية: ﴿قُلْ: لا أَجِدُ..﴾. هي جواب لمن سأل عن شيء بعينه، فوقع الجواب مخصوصا.
وقال مالك: لا حرام بيّن إلا ما ذكر في هذه الآية، ولهذا قال بعض المالكية: إن لحوم السباع وسائر الحيوان ما سوى الإنسان والخنزير مباح.
ودلّت الآية أيضا على حكم استثنائي وهو حال الضرورة، فعند الاضطرار يزول تحريم المحرمات، لدفع خطر الهلاك، وحفاظا على حقّ الحياة.
وأما آية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا﴾ فتدلّ على أنّ الله تعالى حرّم على اليهود عقوبة لهم أشياء أخرى سوى هذه الأربعة المذكورة في الآية السابقة، وهي نوعان، ولم يحرمهما على المسلمين.
النّوع الأوّل-كل ذي ظفر غير مشقوق الأصابع، كالإبل والنّعام والإوزّ والبط.
стр. 2379
والنّوع الثاني-شحوم البقر والغنم: وهي الشحوم الرقيقة التي تكون على الكرش والكلى. واستثنى الله تعالى من الشحوم ثلاثة أنواع لم يحرمها عليهم وهي: ما علق بالظهر ﴿ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾، و ﴿الْحَوايا﴾: قال الواحدي: وهي المباعر والمصارين، والمختلط بالعظم ﴿مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾:
وهو شحم الألية في قول جميع المفسّرين. قال ابن جريج: حرّم عليهم كلّ شحم غير مختلط بعظم أو على عظم، وأحلّ لهم شحم الجنب والألية؛ لأنه على العصعص.
وقد احتجّ الشافعي بهذه الآية في أن من حلف ألاّ يأكل الشحم، حنث بأكل شحم الظّهور؛ لاستثناء الله ما على ظهورهما من جملة الشّحم.
والصحيح مذهب عامة العلماء: أن اليهود لو ذبحوا أنعامهم، فأكلوا ما أحلّ الله لهم في التّوراة، وتركوا ما حرّم عليهم، لم يكن عليهم بأس؛ فإنها محلّلة لنا؛ لأن الله رفع ذلك التّحريم بالإسلام، واعتقادهم فيه لا يؤثر؛ لأنه اعتقاد فاسد، ويؤيده
أنّ النّبي ﷺ أقرّ عبد الله بن مغفّل على الأكل من جراب شحم أصابه يوم خيبر.
وقيل في رواية عن مالك: هي محرّمة؛ لأنهم يدينون بتحريمها، ولا يقصدونها عند الذّكاة (الذّبح الشّرعي) فكانت محرّمة كالدّم. وهو مذهب كبراء أصحاب مالك.
نسبة المشركين الشرك والتحريم إلى الله تعالى
وإقامة الحجة عليهم
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾
стр. 2380
الإعراب:
﴿هَلُمَّ﴾ اسم فعل أمر بمعنى هاتوا، يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث عند الحجازيين، وبنو تميم تؤنث وتجمع.
البلاغة:
﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ وضع الظاهر موضع المضمر بأن يقال: ولا تتبع أهواءهم، للدلالة على أن من كذب بآيات الله وعدل به غيره، فهو متبع للهوى لا غير؛ لأنه لو اتبع الدليل، لم يكن إلا مصدّقا بالآيات، موحدا لله تعالى.
المفردات اللغوية:
﴿ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ﴾ أي أن إشراكنا وتحريمنا بمشيئة الله، فهو راض به. ﴿كَذلِكَ﴾ كما كذب هؤلاء ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ رسلهم. ﴿بَأْسَنا﴾ عذابنا. ﴿هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ﴾ بأن الله راض بذلك. ﴿فَتُخْرِجُوهُ لَنا﴾ أي لا علم عندكم. ﴿إِنْ﴾ ما.
﴿تَتَّبِعُونَ﴾ في ذلك. ﴿تَخْرُصُونَ﴾ تكذبون، وأصل معنى الخرص: الحزر والتخمين.
﴿الْحُجَّةُ﴾ الدليل المبين الحق. ﴿الْبالِغَةُ﴾ التامة.
﴿هَلُمَّ﴾ أحضروا. ﴿يَعْدِلُونَ﴾ يتخذون له عدلا مساويا، والمراد: يشركون.
المناسبة:
لما حكى الله تعالى عن أهل الجاهلية إقدامهم على الحكم في دين الله بغير حجة ولا دليل، حكى عنهم عذرهم في كل ما يقدمون عليه من أنواع الكفر أو الشرك،
стр. 2381
فيقولون: لو شاء الله منا ألا نكفر لمنعنا عن هذا الكفر، وحيث لم يمنعنا عنه، ثبت أنه مريد لذلك، فإذا أراد الله ذلك منا، امتنع منا تركه، فكنا معذورين فيه.
وهذا حكاية عن لسان حالهم أو عما سيقولونه؛ لأن الله محيط علمه بكل شيء سيقولونه، فهو من إخباره بالمغيبات قبل وقوعها.
التفسير والبيان:
هذه شبهة تشبّث بها المشركون في شركهم وتحريم ما حرموا، فإن الله مطلع على ما هم فيه من الشرك، والتحريم لما حرموه، فأخبر بما سوف يقولونه.
إنهم يقولون: إن شركهم، وشرك آبائهم، وتحريمهم ما أحل الله من الحرث والأنعام، هو بمشيئة الله وإرادته، ولولا مشيئته لم يكن شيء من ذلك، كمذهب الجبرية بعينه.
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا: لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا، وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ، كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النحل ٣٥/ ١٦] وقوله : ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ، ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ، إِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف ٢٠/ ٤٣].
فردّ الله عليهم شبهتهم بقوله: ﴿كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ..﴾. أي مثل ذلك التكذيب الذي صدر من مشركي العرب وأهل مكة للنبي ﷺ فيما جاء به من إثبات الوحدانية والربوبية لله تعالى، وقصر التشريع والتحليل والتحريم عليه، وإبطال الشرك، كذب الذين من قبلهم رسلهم تكذيبا غير مبني على أساس من العلم والعقل.
وذلك لأنهم كذبوا ما جاءت به الرسل، ولم ينظروا فيها، وإنما أعرضوا
стр. 2382
عنها، ولأن قولهم لو كان صحيحا لما عاقبهم الله تعالى على كفرهم؛ لأن الله عادل، فلو كانت أعمالهم المكفّرة صادرة عنهم بإجبار أو إكراه وقهر، لما استحقوا العقاب عليها، ولما كرر تعالى قوله في القرآن مثلا: أخذناهم بذنوبهم، وأهلكناهم بظلمهم وكفرهم.
وهو معنى قوله: ﴿حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ أي حتى أنزلنا عليهم العذاب بتكذيبهم، مما يدل على أن كفرهم وتحليلهم وتحريمهم كان باختيارهم وإرادتهم، وإن كان الله تعالى قادرا على تغيير موقفهم، بأن يلهمهم الإيمان، ويحول بينهم وبين الكفر، وأن ذلك الموقف هو أيضا بإرادة الله؛ لأنه لا يقع شيء في الكون بدون مشيئة الله وإرادته.
ثم أمر الله تعالى رسوله أن يطالبهم بالبرهان على ما زعموا فقال: ﴿قُلْ:﴾
﴿هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ..﴾. أي هل لديكم أمر معلوم وبرهان واضح يصح الاحتجاج به فيما قلتم، فتخرجوه لنا أي تظهرونه وتبينونه لنا لنفهمه؟ وهذا الاستفهام تهكم وإظهار بأن مثل قولهم محال أن يكون له حجة، وتوبيخ لهم على ما يزعمون.
وحقيقة حالهم هي ما قال تعالى: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ..﴾. أي لا حجة ولا برهان على ما تقولون، وما تتبعون إلا الوهم والخيال والاعتقاد الفاسد، وما أنتم إلا تكذبون على الله فيما ادعيتموه.
ثم أثبت الله تعالى لذاته الإتيان بالدليل الساطع المبين للدين الحق فقال:
﴿قُلْ: فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ.﴾. أي قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين الجاهلين بعد إفلاسهم وعجزهم عن الإتيان بدليل مقنع: لله تعالى الحجة التامة الكاملة على ما أراد من إثبات الحقائق وإبطال الباطل، وتقرير أصول الاعتقاد، وتشريع الأحكام الصائبة، وإلغاء ما تذهبون إليه بالآيات الكثيرة والمعجزات التي أيد بها الرسل.
стр. 2383
ولو شاء تعالى أن يهديكم وغيركم وجميع الناس بغير التعليم والإرشاد والنظر والاستدلال، لفعل، فجعلكم تؤمنون بالفطرة كالملائكة، فلا يكون لكم دور في الاختيار، والإرادة، والتمييز بين الخير والشر، والحق والباطل، ويكون موقف مخالفيكم أيضا بمشيئة الله، فلا يصح أن تعادوهم، وعليكم أن توافقوهم ولا تخالفوهم؛ لأن المشيئة تجمع بين ما أنتم عليه وبين ما هم عليه.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى﴾ [الأنعام ٣٥/ ٦] وقوله : ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً، أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس ٩٩/ ١٠].
ثم أمر الله رسوله بمطالبة المشركين بأن يأتوا بشهود يشهدون على صحة ما يدعونه من تحريم الله هذه المحرمات، فقال: ﴿قُلْ: هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ..﴾. أي أحضروا شهداءكم الذين يشهدون لكم عن عيان أن الله حرم عليكم هذا الذي زعمتم تحريمه وكذبتم وافتريتم على الله فيه.
فإن شهدوا على سبيل الفرض، فلا تصدقهم، ولا تسلم لهم، ولا تقبل لهم شهادة؛ إذ لو سلم لهم، فكأنه شهد معهم مثل شهادتهم، وكان واحدا منهم، لأنهم إنما يشهدون والحالة هذه كذبا وزورا، فهم شهود زور كاذبون. ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآيات الله الدالة على وحدانيته وربوبيته ومنها حقه في التشريع والتحليل والتحريم، ولا تتبع هؤلاء الجاهلين المتبعين لأهوائهم الذين لا يوقنون بمجيء الآخرة، حتى يحملهم الإيمان على سماع الدليل إذا ذكر لهم، وهم يشركون بربهم، ويجعلون له عديلا يشاركه في جلب الخير ودفع الضر، والحساب والجزاء.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يلي:
стр. 2384
١ - إن اعتذار الكافرين عن كفرهم بما يشبه قول الجبرية: لو شاء الله منا ألا نشرك لم نشرك اعتذار مرفوض لم يقبله الله تعالى؛ لأنه سبحانه أعطاهم عقولا كاملة، وأفهاما وافية، وأقدرهم على الخير والشر، وأزال الموانع بالكلية عنهم، فإن شاؤوا عملوا الخيرات، وإن شاؤوا عملوا المعاصي والمنكرات.
وقد أعانهم الله على حسن الاختيار بإنزاله الكتب، وإرساله الرسل والأنبياء، وإرشاده إلى التوحيد لله بالنظر في المخلوقات، وتأييده الرسل بالمعجزات، وتلك هي الحجة البالغة على أن الله واحد لا شريك له.
فأما علم الله تعالى وإرادته وكلامه فغيب لا يطلع عليه الإنسان إلا من ارتضى من رسول.
ويكفي في التكليف أن يكون العبد بحيث لو أراد أن يفعل ما أمر به لأمكنه، ولا مانع يمنعه، فهو مستطيع الإيمان، قادر على نبذ الكفر.
ولو كان الإنسان مجبرا على الكفر والمعصية كالريشة في مهب الرياح كما يزعم الجبرية، لما اقتضى العدل الإلهي تكليفه بشيء، وإثابته وعقابه في الآخرة.
وقد تبين بهذا بطلان شبهات الكافرين، ودحض حججهم أمام الحجج الإلهية القاطعة. فإن شهد بعضهم لبعض على صحة ما يقولون، فلا تصدق شهادتهم إلا من كتاب إلهي أو على لسان نبي، وليس معهم شيء من ذلك، وما هم إلا شهود كاذبون مبطلون فيما يخبرون.
والمطلوب الإتيان بشهود الحق لا شهود الزور والباطل، فإن قيل: كيف أمر الله نبيه باستحضار شهدائهم الذين يشهدون أن الله حرم ما زعموه محرما، ثم أمره بأن لا يشهد معهم؟ أجيب: أمره باستحضارهم، وهم شهداء بالباطل، ليلزمهم الحجة، ويظهر زيف شهادتهم، فيحق الحق، ويبطل الباطل.
стр. 2385
المحرّمات العشر أو الوصايا العشر
﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾
الإعراب:
﴿أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ ﴿ما﴾ اسم موصول بمعنى الذي، مفعول ﴿أَتْلُ﴾، و ﴿حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾: صلته، والعائد محذوف، وتقديره: حرّمه ربكم، فحذف الهاء العائدة للتخفيف. ويكون ﴿أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ بدلا منصوبا من الهاء أو من ﴿ما﴾.
و ﴿أَلاّ﴾ زائدة، وتقديره: حرّم أن تشركوا. ويجوز أن تكون ﴿أَلاّ تُشْرِكُوا﴾ خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو ألا تشركوا. ويجوز أن تكون «أن» بمعنى أي، و «لا» نهي، وتقديره:
أي لا تشركوا. ويجوز أن تكون ﴿ما﴾ استفهامية في موضع نصب بحرّم، وتقديره: أي شيء حرم ربكم؟ ويجوز الوقوف على قوله: ﴿رَبُّكُمْ﴾. ثم تبتدئ وتقرأ: عليكم ألا تشركوا، أي عليكم ترك الإشراك، فيكون ﴿أَلاّ تُشْرِكُوا﴾ في موضع نصب على الإغراء بعليكم.
﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً﴾ ﴿أَنَّ﴾ في موضع نصب على تقدير حذف حرف الجر، وتقديره: ول. ن هذا صراطي. ويجوز قراءة أن مخفة من الثقلية. ويحوز قراءة إن بالكسر، على الابتداء، و ﴿مُسْتَقِيماً﴾ حال مؤكدة من ﴿صِراطِي﴾؛ لأن صراط الله لا يكون إلا مستقيما.