← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

فيقولون: لو شاء الله منا ألا نكفر لمنعنا عن هذا الكفر، وحيث لم يمنعنا عنه، ثبت أنه مريد لذلك، فإذا أراد الله ذلك منا، امتنع منا تركه، فكنا معذورين فيه. وهذا حكاية عن لسان حالهم أو عما سيقولونه؛ لأن الله محيط علمه بكل شيء سيقولونه، فهو من إخباره بالمغيبات قبل وقوعها. التفسير والبيان: هذه شبهة تشبّث بها المشركون في شركهم وتحريم ما حرموا، فإن الله مطلع على ما هم فيه من الشرك، والتحريم لما حرموه، فأخبر بما سوف يقولونه. إنهم يقولون: إن شركهم، وشرك آبائهم، وتحريمهم ما أحل الله من الحرث والأنعام، هو بمشيئة الله وإرادته، ولولا مشيئته لم يكن شيء من ذلك، كمذهب الجبرية بعينه. ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا: لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا، وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ، كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النحل ٣٥/ ١٦] وقوله : ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ، ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ، إِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف ٢٠/ ٤٣]. فردّ الله عليهم شبهتهم بقوله: ﴿كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ..﴾. أي مثل ذلك التكذيب الذي صدر من مشركي العرب وأهل مكة للنبي ﷺ فيما جاء به من إثبات الوحدانية والربوبية لله تعالى، وقصر التشريع والتحليل والتحريم عليه، وإبطال الشرك، كذب الذين من قبلهم رسلهم تكذيبا غير مبني على أساس من العلم والعقل. وذلك لأنهم كذبوا ما جاءت به الرسل، ولم ينظروا فيها، وإنما أعرضوا

стр. 2382

عنها، ولأن قولهم لو كان صحيحا لما عاقبهم الله تعالى على كفرهم؛ لأن الله عادل، فلو كانت أعمالهم المكفّرة صادرة عنهم بإجبار أو إكراه وقهر، لما استحقوا العقاب عليها، ولما كرر تعالى قوله في القرآن مثلا: أخذناهم بذنوبهم، وأهلكناهم بظلمهم وكفرهم. وهو معنى قوله: ﴿حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ أي حتى أنزلنا عليهم العذاب بتكذيبهم، مما يدل على أن كفرهم وتحليلهم وتحريمهم كان باختيارهم وإرادتهم، وإن كان الله تعالى قادرا على تغيير موقفهم، بأن يلهمهم الإيمان، ويحول بينهم وبين الكفر، وأن ذلك الموقف هو أيضا بإرادة الله؛ لأنه لا يقع شيء في الكون بدون مشيئة الله وإرادته. ثم أمر الله تعالى رسوله أن يطالبهم بالبرهان على ما زعموا فقال: ﴿قُلْ:﴾ ﴿هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ..﴾. أي هل لديكم أمر معلوم وبرهان واضح يصح الاحتجاج به فيما قلتم، فتخرجوه لنا أي تظهرونه وتبينونه لنا لنفهمه؟ وهذا الاستفهام تهكم وإظهار بأن مثل قولهم محال أن يكون له حجة، وتوبيخ لهم على ما يزعمون. وحقيقة حالهم هي ما قال تعالى: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ..﴾. أي لا حجة ولا برهان على ما تقولون، وما تتبعون إلا الوهم والخيال والاعتقاد الفاسد، وما أنتم إلا تكذبون على الله فيما ادعيتموه. ثم أثبت الله تعالى لذاته الإتيان بالدليل الساطع المبين للدين الحق فقال: ﴿قُلْ: فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ.﴾. أي قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين الجاهلين بعد إفلاسهم وعجزهم عن الإتيان بدليل مقنع: لله تعالى الحجة التامة الكاملة على ما أراد من إثبات الحقائق وإبطال الباطل، وتقرير أصول الاعتقاد، وتشريع الأحكام الصائبة، وإلغاء ما تذهبون إليه بالآيات الكثيرة والمعجزات التي أيد بها الرسل.

стр. 2383

ولو شاء تعالى أن يهديكم وغيركم وجميع الناس بغير التعليم والإرشاد والنظر والاستدلال، لفعل، فجعلكم تؤمنون بالفطرة كالملائكة، فلا يكون لكم دور في الاختيار، والإرادة، والتمييز بين الخير والشر، والحق والباطل، ويكون موقف مخالفيكم أيضا بمشيئة الله، فلا يصح أن تعادوهم، وعليكم أن توافقوهم ولا تخالفوهم؛ لأن المشيئة تجمع بين ما أنتم عليه وبين ما هم عليه. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى﴾ [الأنعام ٣٥/ ٦] وقوله : ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً، أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس ٩٩/ ١٠]. ثم أمر الله رسوله بمطالبة المشركين بأن يأتوا بشهود يشهدون على صحة ما يدعونه من تحريم الله هذه المحرمات، فقال: ﴿قُلْ: هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ..﴾. أي أحضروا شهداءكم الذين يشهدون لكم عن عيان أن الله حرم عليكم هذا الذي زعمتم تحريمه وكذبتم وافتريتم على الله فيه. فإن شهدوا على سبيل الفرض، فلا تصدقهم، ولا تسلم لهم، ولا تقبل لهم شهادة؛ إذ لو سلم لهم، فكأنه شهد معهم مثل شهادتهم، وكان واحدا منهم، لأنهم إنما يشهدون والحالة هذه كذبا وزورا، فهم شهود زور كاذبون. ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآيات الله الدالة على وحدانيته وربوبيته ومنها حقه في التشريع والتحليل والتحريم، ولا تتبع هؤلاء الجاهلين المتبعين لأهوائهم الذين لا يوقنون بمجيء الآخرة، حتى يحملهم الإيمان على سماع الدليل إذا ذكر لهم، وهم يشركون بربهم، ويجعلون له عديلا يشاركه في جلب الخير ودفع الضر، والحساب والجزاء. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يلي:

стр. 2384

١ - إن اعتذار الكافرين عن كفرهم بما يشبه قول الجبرية: لو شاء الله منا ألا نشرك لم نشرك اعتذار مرفوض لم يقبله الله تعالى؛ لأنه سبحانه أعطاهم عقولا كاملة، وأفهاما وافية، وأقدرهم على الخير والشر، وأزال الموانع بالكلية عنهم، فإن شاؤوا عملوا الخيرات، وإن شاؤوا عملوا المعاصي والمنكرات. وقد أعانهم الله على حسن الاختيار بإنزاله الكتب، وإرساله الرسل والأنبياء، وإرشاده إلى التوحيد لله بالنظر في المخلوقات، وتأييده الرسل بالمعجزات، وتلك هي الحجة البالغة على أن الله واحد لا شريك له. فأما علم الله تعالى وإرادته وكلامه فغيب لا يطلع عليه الإنسان إلا من ارتضى من رسول. ويكفي في التكليف أن يكون العبد بحيث لو أراد أن يفعل ما أمر به لأمكنه، ولا مانع يمنعه، فهو مستطيع الإيمان، قادر على نبذ الكفر. ولو كان الإنسان مجبرا على الكفر والمعصية كالريشة في مهب الرياح كما يزعم الجبرية، لما اقتضى العدل الإلهي تكليفه بشيء، وإثابته وعقابه في الآخرة. وقد تبين بهذا بطلان شبهات الكافرين، ودحض حججهم أمام الحجج الإلهية القاطعة. فإن شهد بعضهم لبعض على صحة ما يقولون، فلا تصدق شهادتهم إلا من كتاب إلهي أو على لسان نبي، وليس معهم شيء من ذلك، وما هم إلا شهود كاذبون مبطلون فيما يخبرون. والمطلوب الإتيان بشهود الحق لا شهود الزور والباطل، فإن قيل: كيف أمر الله نبيه باستحضار شهدائهم الذين يشهدون أن الله حرم ما زعموه محرما، ثم أمره بأن لا يشهد معهم؟ أجيب: أمره باستحضارهم، وهم شهداء بالباطل، ليلزمهم الحجة، ويظهر زيف شهادتهم، فيحق الحق، ويبطل الباطل.

стр. 2385

المحرّمات العشر أو الوصايا العشر ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ الإعراب: ﴿أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ ﴿ما﴾ اسم موصول بمعنى الذي، مفعول ﴿أَتْلُ﴾، و ﴿حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾: صلته، والعائد محذوف، وتقديره: حرّمه ربكم، فحذف الهاء العائدة للتخفيف. ويكون ﴿أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ بدلا منصوبا من الهاء أو من ﴿ما﴾. و ﴿أَلاّ﴾ زائدة، وتقديره: حرّم أن تشركوا. ويجوز أن تكون ﴿أَلاّ تُشْرِكُوا﴾ خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو ألا تشركوا. ويجوز أن تكون «أن» بمعنى أي، و «لا» نهي، وتقديره: أي لا تشركوا. ويجوز أن تكون ﴿ما﴾ استفهامية في موضع نصب بحرّم، وتقديره: أي شيء حرم ربكم؟ ويجوز الوقوف على قوله: ﴿رَبُّكُمْ﴾. ثم تبتدئ وتقرأ: عليكم ألا تشركوا، أي عليكم ترك الإشراك، فيكون ﴿أَلاّ تُشْرِكُوا﴾ في موضع نصب على الإغراء بعليكم. ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً﴾ ﴿أَنَّ﴾ في موضع نصب على تقدير حذف حرف الجر، وتقديره: ول. ن هذا صراطي. ويجوز قراءة أن مخفة من الثقلية. ويحوز قراءة إن بالكسر، على الابتداء، و ﴿مُسْتَقِيماً﴾ حال مؤكدة من ﴿صِراطِي﴾؛ لأن صراط الله لا يكون إلا مستقيما.

стр. 2386

البلاغة: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ فيه استعارة السبل للبدع والضلالات. ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْساً﴾ التنكير لإفادة العموم. ﴿وَبِعَهْدِ اللهِ﴾ الإضافة للتشريف والتعظيم. ﴿ظَهَرَ﴾ و ﴿بَطَنَ﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿تَعالَوْا﴾ أقبلوا. ﴿أَتْلُ﴾ أقرأ وأقص. «أن» مفسرة. ﴿إِمْلاقٍ﴾ أي فقر. ﴿الْفَواحِشَ﴾ الكبائر، أي ما عظم جرمه وذنبه كالزنى. ﴿ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ﴾ أي علانيتها وسرها. ﴿إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ كالقود (القصاص) وحدّ الردة، ورجم المحصن. ﴿تَعْقِلُونَ﴾ تتدبرون. ﴿إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي ما فيه صلاحه. ﴿حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ بأن يحتلم أو يكبر، و ﴿أَشُدَّهُ﴾: كمال رجولته ومعرفته. ﴿بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل وترك البخس. ﴿إِلاّ وُسْعَها﴾ طاقتها في ذلك، فإن أخطأ في الكيل والوزن، والله يعلم نيته، فلا مؤاخذة عليه، كما ورد في الحديث. ﴿وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ أي إذا قلتم في حكم أو غيره فاعدلوا في القول. ﴿وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ ولو كان المقول له أو عليه ذا قرابة. ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ تتعظون. ﴿السُّبُلَ﴾ الطرق المخالفة له. ﴿فَتَفَرَّقَ﴾ تميل. ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ دينه. المناسبة: بعد أنّ بيّن الله تعالى المحرّمات من المطعومات، ردّا على المشركين الذين حرموا على أنفسهم ما لم يحرمه الله عليهم، أردفه ببيان أصول المحرمات المعنوية (الأدبية) والمادية قولا وفعلا. قال ابن مسعود: من أراد أن ينظر إلى وصية رسول الله ﷺ التي عليها خاتمة، فليقرأ هؤلاء الآيات: ﴿قُلْ: تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿تَتَّقُونَ﴾. وقال ابن عباس: في الأنعام آيات محكمات هن أم الكتاب ثم قرأ: ﴿قُلْ: تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ..﴾. الآيات. وروى الحاكم عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : «أيكم يبايعني على ثلاث؟» ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿قُلْ: تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ حتى فرغ من

стр. 2387

الآيات، ثم قال: «فمن وفى فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله به في الدنيا، كانت عقوبته، ومن أخّر إلى الآخرة، فأمره إلى الله إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه» ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. التفسير والبيان: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله، وحرموا ما رزقهم الله، وقتلوا أولادهم، وحرموا وحللوا لأنفسهم بأهوائهم ووسوسة الشياطين لهم: هلموا وأقبلوا أقرأ وأقص عليكم وأخبركم بما حرم ربكم حقا وفعلا، ووحيا وأمرا من عنده، لا تخرصا وظنا، فلله وحده حق التشريع والتحريم، وأنا رسوله المبلغ عنه ما أنزل، وهي الوصايا العشر: خمسة بصيغة النهي، وخمسة بصيغة الأمر. وخص التحريم بالذكر، مع أن الوصايا أعم؛ لأن بيان المحرمات يستلزم حلّ ما عداها. وقد بدأها بالشرك بالله؛ لأنه أعظم المحرمات وأكبرها إثما. وتلك الوصايا هي ما يأتي: ١ - نبذ الشرك بالله: ﴿أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾: في الكلام محذوف وتقديره: وأوصاكم (١) ألا تشركوا به شيئا من الأشياء، وإن عظم خلقا كالشمس والقمر والكواكب، أو قدرا ومكانة كالملائكة والنبيين والصالحين، فكل ذلك مخلوق لله وعبيد له: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً﴾ [مريم ٩٣/ ١٩]. فيجب عليكم أن تخصوه وحده بالعبادة والتعظيم، وتتركوا ما شرعتم من العبادة بالأهواء.

стр. 2388

٢ - الإحسان إلى الوالدين: ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً﴾ أي أحسنوا إلى الوالدين إحسانا كاملا صادرا من القلب. وكثيرا ما يقرن الله تعالى بين حظر الشرك وطاعته وبرّ الوالدين، لأن الله تعالى مصدر الخلق والرزق، والأبوان واسطة، يقومان بعبء التربية ودفع الأذى والضرر عن الولد، قال تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ، وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً﴾ [الإسراء ٢٣/ ١٧] وقال : ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ. وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان ١٤/ ٣١ - ١٥] لذا كان عقوق الوالدين من الكبائر، وبرّهما والإحسان إليهما من أفضل الأعمال، روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «سألت رسول الله ﷺ ، أيّ العمل أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها، قلت: ثم أيّ؟ قال: برّ الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله». وروى الحافظ ابن مردويه عن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت، كل منهما يقول: أوصاني خليلي رسول الله ﷺ : «أطع والديك، وإن أمراك أن تخرج لهما من الدنيا فافعل» (١). والإحسان إلى الوالدين: معاملتهما معاملة كريمة نابعة من العطف والمحبة، لا من الخوف والرهبة. وكما يفعل الولد مع والديه يفعل أولاده معه ولو بعد حين، روى الطبراني في الأوسط عن ابن عمر عن النّبي ﷺ قال: «بروا آباءكم تبركم أبناؤكم، وعفوا تعف نساؤكم». ٣ - تحريم وأد البنات: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾: لما أوصى تعالى ببرّ الوالدين والأجداد،

стр. 2389

عطف على ذلك الإحسان إلى الأبناء والأحفاد، فذكر: ومما أوصاكم به ربكم ألا تقتلوا أولادكم خشية فقر يحل بكم، فإن الله يرزقكم وإياهم، أي يرزقهم تبعا لكم، فلا تخافوا الفقر الحاضر، ولا تخشوا الفقر المتوقع، فإن الله تعالى تكفل برزق العباد، ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ، نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيّاكُمْ، إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً﴾ [الإسراء ٣١/ ١٧]. والفرق بين التعبيرين: أن تعبير سورة الأنعام يراد به: لا تقتلوهم من فقركم الحاصل، فبدأ برزق الآباء؛ لأنه الأهم بسبب وجود الفقر الحاصل، وأما تعبير سورة الإسراء فيراد: لا تقتلوهم خوفا من الفقر في الآجل المستقبل، فبدأ برزق الأولاد للاهتمام بهم، أي لا تخافوا من فقركم بسبب رزقهم، فهو على الله. وفي هذا إيماء إلى ضرورة الحفاظ على النوع الإنساني، بتحريم إيذاء الأصول (الآباء) والفروع (الأنباء) ورعاية كل منهما، ثم تحريم قتل النفس الإنسانية مطلقا المنصوص عليه في الوصية الخامسة. ٤ - تحريم اقتراف الفواحش: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ﴾: أي إياكم من الاقتراب من الفواحش وهي كل ما عظم جرمه وإثمه وقبحه من الأقوال والأفعال، كالزنى وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، سواء في الظاهر المعلن أو الباطن السري، وكان العرب في الجاهلية لا يرون بأسا في الزنى سرا، ويعدون الزنى علانية قبيحا، فحرم الله النوعين، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ: إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ، ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ، وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً، وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ٣٣/ ٧]. و ورد في الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن» وقال سعد بن عبادة فيما رواه الشيخان: لو رأيت مع امرأتي رجلا لضربته بالسيف غير مصفح (١)، فبلغ ذلك

стр. 2390

رسول الله ﷺ فقال: «أتعجبون من غيرة سعد؟ فو الله لأنا أغير من سعد، والله أغير مني، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن». وقيل: الظاهر: ما تعلق بأعمال الجوارح، والباطن: ما تعلق بأعمال القلوب كالكبر والحسد. روى أبو الشيخ ابن حيان الأنصاري عن عكرمة: قال: ما ظهر منها: ظلم الناس، وما بطن منها: الزنى والسرقة، أي لأن الناس يأتونهما في الخفاء. ٥ - منع قتل النفس بغير الحق: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ خصص النهي عن القتل تأكيدا واهتماما به، بالرغم من أنه داخل في النهي عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، أي حرم الله عليكم قتل النفس التي حرم الاعتداء عليها بالإسلام، أو بالعهد بين المسلمين وغيرهم كأهل الكتاب المقيمين في دار الإسلام بعهد وأمان. روى الشيخان عن عبد الله بن عمر ﵁ عن النّبي ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله». وروى الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة عن النّبي ﷺ قال: «من قتل معاهدا له ذمة الله وذمة رسوله، فقد أخفر بذمة الله، فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا». وروى البخاري عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النّبي ﷺ مرفوعا: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما». وأما القتل بحق فله ثلاث حالات ورد بيانها في حديث الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا

стр. 2391

بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» وفي لفظ: «كفر بعد إيمان، وزنى بعد إحصان، وقتل نفس بغير حق». وما ذلك التحريم للقتل إلا لأنه جريمة كبري في حق الإنسانية، واعتداء على صنع الخالق، الذي أوجد وأتقن كل شيء خلقه. ذلكم المحرم مما ذكر وصاكم به لعلكم تعقلون عن الله أوامره ونواهيه، أي ليعدكم لأن تعقلوا الخير والمصلحة في فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه. والوصية: أن يعهد إلى إنسان بعمل خير أو ترك شر. وتذييل الآية بهذه الخاتمة يدلّ على أن ما هم عليه من الشرك وتحريم بعض الأنعام مما لا تعقل له فائدة. ٦ - المحافظة علي مال اليتيم: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي لا تأخذوا شيئا من مال الأيتام الذين تتولون الإشراف عليهم، إلا بما فيه مصلحة ونفع لهم، في حفظ المال وتنميته، وحمايته من المخاطر، والإنفاق منه بحسب الحاجة، وذلك كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً، إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً، وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء ١٠/ ٤]. والنهي عن القرب عن الشيء أبلغ من النهي عن الشيء نفسه: لأن الأول يتضمن النهي عن الأسباب والوسائل المؤدية إليه، وعن الشبهات التي هي مظنّة التأويل، كأن يأكل شيئا من ماله أثناء أداء عمل له فيه ربح. وقد نهى الله تعالى عن الأكل من مال اليتيم إلا لضرورة أو حاجة، فقال: ﴿وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا، وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ، وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء ٦/ ٤].

стр. 2392

وتسلّم الأموال إلى اليتامى حين بلوغهم سن الرشد، لذا قال تعالى: ﴿حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ أي لا تقربوا مال اليتيم حتى يبلغ مبلغ الرجال في الحنكة والقوة واكتمال الملكات والمدارك العقلية، وذلك كما قال الشعبي ومالك وجماعة من السلف: حتى يحتلم، والاحتلام يكون عادة بين الخامسة عشرة والثامنة عشرة: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ﴾ [النساء ٦/ ٤]. والمراد من الآية: حفظ مال اليتيم وعدم تبذيره أو إضاعته حتى البلوغ. ٧ و ٨ - إيفاء الكيل والميزان بالقسط: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ﴾ أي أتموا الكيل إذا كلتم للناس، ولا تزيدوا فيه إذا اكتلتم لأنفسكم، وأتموا الميزان إذا وزنتم لأنفسكم فيما تشترون أو لغيركم فيما تبيعون، فلا يكون فيه زيادة ولا نقص، وإنما تمام بالعدل، من غير تطفيف، كما قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ١ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين ١/ ٨٣ - ٣] أي أن إيفاء الحق يكون في الحالتين: البيع والشراء. وقوله: ﴿بِالْقِسْطِ﴾ يوجب تحري العدل حال البيع والشراء بقدر المستطاع، لذا قال: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ أي لا يكلف الله نفسا إلا ما يسعها فعله، بأن تأتيه بلا عسر ولا حرج أي بقدر الطاقة والجهد، فإذا أخطأ الشخص بدون قصد فلا مؤاخذة، روى ابن مردويه عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله ﷺ في الآية: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ، لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾: «من أوفى على يده في الكيل والميزان، والله يعلم صحة نيته بالوفاء فيهما، لم يؤاخذ، وذلك تأويل: وسعها» وهو حديث مرسل غريب.

стр. 2393

وعاقبة تطفيف الكيل والميزان وخيمة جدا ومنذرة بعقاب أليم، كما حكى الله تعالى عن قوم شعيب ﵇: ﴿وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ، وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ، وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ الآيات [هود ٨٥/ ١١]. ٩ - العدل في القول أو الحكم: ﴿وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ أي فاعدلوا في القول في الشهادة أو الحكم، ولو كان المقول له أو عليه ذا قرابة منكم؛ إذ بالعدل تصلح شؤون الأمم والأفراد، وهو أساس الملك، وركن العمران، وقاعدة الحكم، كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ، شُهَداءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ، أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء ١٣٥/ ٤] وهذا عدل بالقول، كالعدل المطلوب سابقا في الفعل كالكيل والوزن. ١٠ - الوفاء بالعهد: ﴿وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا﴾ أي وأوفوا بعهد الله، وذلك بإنجازه وتنفيذه، وإطاعة الله فيما أمر ونهى، والعمل بكتاب الله وسنة رسوله. وهو يشمل: ما عهده الله إلى الناس على ألسنة الرسل، وما آتاهم الله من العقل والفطرة السليمة كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ، إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس ٦٠/ ٣٦]، وما عاهده الناس عليه، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ﴾ [النحل ٩١/ ١٦]، وما تعاهد عليه الناس مع بعضهم بعضا، كما قال تعالى في صفة المؤمنين: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا﴾ [البقرة ١٧٧/ ٢]. ﴿ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي وصاكم الله بهذا رجاء أن تتعظوا وتنتهوا عما كنتم فيه قبل هذا، وليذكر بعضكم بعضا في التعليم والتواصي الذي أمر الله به: ﴿وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر ٣/ ١٠٣].

стр. 2394

ثم ختم الله تعالى هذه الوصايا ببيان أن هذا هو منهج الحق وطريق الاستقامة، فقال: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي..﴾. أي ولأن هذا هو الطريق المستقيم، فاتبعوه ولا تتبعوا الطرق المختلفة ذات المذاهب والأهواء والبدع والضلالات، فيؤدي بكم إلى التفرق والاختلاف، والانحراف عن دين الله الحق، ومنهجه الأمثل. قال ابن عباس في قوله: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والتفرقة، وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلكم بالمراء والخصومات في دين الله. وأوضح النّبي ﷺ الصراط المستقيم، روى الإمام أحمد، والنسائي وأبو الشيخ ابن حيان والحاكم عن عبد الله بن مسعود قال: خط رسول الله ﷺ خطأ بيده، ثم قال: «هذا سبيل الله مستقيما» وخط عن يمينه وشماله، ثم قال: «هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه» ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ، وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ، فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. وروى أحمد والترمذي والنسائي عن النّواس بن سمعان عن رسول الله ﷺ قال: «ضرب الله مثلا: صراطا مستقيما، وعن جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتّحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس، هلّم ادخلوا الصراط المستقيم جميعا ولا تفرقوا، وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد إنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال: ويحك، لا تفتحه، فإنك إن فتحته تلجه. فالصراط: الإسلام، والسوران: حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوق الصراط: واعظ الله في قلب كل مسلم».

стр. 2395

فقه الحياة أو الأحكام: هذه الآيات أمر من الله تعالى لنبيه ﷺ بأن يدعو جميع الخلق إلى سماع تلاوة ما حرم الله، ويجب على من بعده من العلماء أن يبلّغوا الناس ويبينوا لهم ما حرّم الله عليهم مما أحلّ، قال الله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران ١٨٧/ ٣]. وقد تضمنت الوصايا العشر: خمسة منها بصيغة النهي، وخمسة بصيغة الأمر، ولما وردت الأوامر مع النواهي، وتقدّمهن جميعا فعل التحريم، واشتركن في الدخول تحت حكمه، علم أن التحريم راجع إلى أضدادها: وهي الإقرار بوجود الله وتوحيده، والإساءة إلى الوالدين، وبخس الكيل والميزان، وترك العدل في القول، ونكث عهد الله... إلخ. قال كعب الأحبار: هذه الآية مفتتح التوراة: بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ..﴾. الآية. وقال ابن عباس: هذه الآيات المحكمات التي ذكرها الله في سورة (الأنعام) أجمعت عليها شرائع الخلق، ولم تنسخ قط في ملّة. وقد قيل: إنها العشر كلمات المنزلة على موسى. أما الشرك بالله: فهو وكر الخرافات والأباطيل، ومبعث الأهواء والشهوات، وهو مصادم لمقتضيات العقل السليم والفكر الصحيح. وأما الإحسان إلى الوالدين: فواجب تقتضيه الفطرة؛ لأنهما كانا سبب وجود الإنسان، وقد ربياه وأحسنا إليه صغيرا وكبيرا، ومحبتهما جزاء ومكافأة لهما، وعقوقهما مفسد تكوين الأولاد، ومساعد على الغلظة والشذوذ في كل مسالك الحياة.

стр. 2396

وقد جاء الأمر بالإحسان إلى الوالدين عقب الأمر بتوحيد الله؛ لأن أعظم أنواع النعم على الإنسان نعمة الله تعالى، ويتلوها نعمة الوالدين؛ لأن المؤثر الحقيقي في وجود الإنسان هو الله سبحانه، وفي الظاهر هو الأبوان، ونعم الوالدين على الإنسان عظيمة وهي نعمة التربية والشفقة والحفظ عن الضياع والهلاك في وقت الصغر. وقتل الأولاد: مسبّة وعار، وقسوة وغلظة، وانحدار في مستوى الإنسانية، ولون من ألوان الهمجية، ومصادمة لإرادة الله تعالى. وقد استدل الظاهرية بآية: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ﴾ على منع العزل؛ لأن وأد الأولاد يرفع الموجود والنّسل؛ والعزل بإلقاء الماء خارج المحل منع أصل النسل، فتشابها، إلا أن قتل النفس أعظم وزرا وأقبح فعلا. لكن جمهور العلماء أباحوه، لقوله ﷺ : «لا عليكم ألا تفعلوا فإنما هو القدر» (١) أي ليس عليكم جناح في ألا تفعلوا. واشترط مالك والشافعي كون العزل عن الحرة بإذنها، فلا يجوز بغير إذنها، لأن الإنزال من تمام لذتها، ومن حقها في الولد. وتحريم الفواحش ذاتها وتحريم وسائلها وأسبابها: ضرورة صحية وإنسانية واجتماعية، فما من فاحشة أو حرام أو منكر إلا وهو ضار ضررا محضا بصحة الإنسان، ومهدد لوجوده، ومفسد للمجتمع في جميع أحواله ونظامه وتطلعاته. والنهي عن اقتراف الفواحش في الآية نهي عام عن جميع أنواع الفواحش وهي المعاصي. وقتل النفس مؤمنة كانت أو معاهدة بغير مسوغ شرعي أو إلا بالحق الذي يوجب قتلها: جريمة كبري، واعتداء شنيع على صنع الخالق. والعاصم من القتل: الإسلام، والسلام أو الأمان، والعهد. والمسوغ الشرعي أو القتل بالحق

стр. 2397

مثل منع الزكاة وترك الصلاة، والدفاع عن النفس، والمحاربة (قطع الطريق)، والقصاص، والردة، وزنى المحصن. وأجاز بعضهم القتل بسبب اللواط عملا بما روى أبو داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به». وأكل مال اليتامى: ظلم واعتداء على حقوق الضعفاء، واستغلال لحاجتهم وصغرهم. لكن يجوز الأخذ من مال اليتيم بالتي هي أحسن، أي بما فيه صلاحه وتنميته، وذلك بحفظ أصوله وتثمير فروعه، بالاتجار فيه ونحوه من وسائل التنمية. ويدفع المال إلى اليتيم ببلوغ سن الرشد وهو توافر الخبرة المالية، وذهب أبو حنيفة إلى أن أقصى مدة لمنع المال عن اليتيم هي خمس وعشرون سنة. وقد فسّر بلوغ الأشد أي القوة وهي قوة البدن والمعرفة باية أخرى في سورة النساء وهي: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ، فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً، فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ﴾ [٦] فجمع بين قوة البدن وهو بلوغ النكاح، وبين قوة المعرفة وهو إيناس الرشد. وإيفاء الكيل والميزان بالقسط أي بالاعتدال في الأخذ والعطاء عند البيع والشراء: فيه حفاظ على الحقوق المالية. والقول بالعدل في الأحكام والشهادات ولو على النفس والأقارب: فيه إنصاف للحق، وإظهار له، ومن المعلوم أن الإسلام هو دين الحق والعدل. والوفاء بعهد الله، أي بجميع ما عهده الله إلى عباده، ويشمل جميع ما انعقد بين إنسانين: أمر يوجبه شكر المنعم الخالق، وتقتضيه المدنية، وتقره الأعراف السليمة؛ لأنه فيما يمس الوعود والعقود بين الناس يوفر الخير والعطاء للجماعة

стр. 2398

كلها، ويحقق معنى النظام واحترام الوقت. وأضيف العهد إلى الله من حيث أمر بحفظه والوفاء به. والسبب في جعل خاتمة الآية الأولى بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وخاتمة الآية الثانية بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾: هو كما أوضح الرازي أن المحرّمات الخمسة المذكورة في الآية الأولى (وهي الشرك، وعقوق الوالدين، وقتل الأولاد، وقربان الزنى، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق) أمور ظاهرة جلية القبح، فنهاهم الله عنها، لعلهم يعقلون قبحها، فيتركوها. وأما التكاليف الخمسة المذكورة في الآية الثانية (وهي حفظ مال اليتيم، وإيفاء الكيل والميزان، والعدل في القول في الأحكام والشهادات، والوفاء بالعهد) فهي أمور خفية غامضة، وكانوا يفعلونها ويفتخرون بالاتصاف بها، فأمر الله تعالى بها لعلهم يذكرون إن نسوها، وليجتهدوا ويفكروا فيها ليقفوا على موضع الاعتدال. وقال أبو حيان: كرر الوصية على سبيل التوكيد، ولما كان الصراط المستقيم هو الجامع للتكاليف، وقد أمر الله سبحانه باتباعه، ونهى عن اتباع غيره من الطرق، ختم الآية الثالثة بالتقوى التي هي اتقاء النار؛ إذ من اتبع صراطه نجا النجاة الأبدية، وحصل على السعادة السرمدية (١). قال ابن عطية: ومن حيث كانت المحرّمات الأول لا يقع فيها عاقل قد نظر بعقله، جاءت العبارة: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ والمحرّمات الأخر شهوات، وقد يقع فيها من العقلاء من لم يتذكر، فجاءت العبارة: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. وركوب الجادة تتضمن فعل الفضائل، وتلك درجة التقوى، فجاءت العبارة: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وأما آية ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً﴾ فأرشدت إلى أن كل ما بيّنه

стр. 2399

الرسول ﷺ من دين الإسلام هو المنهج القويم، والصراط المستقيم. وأرشدت أيضا إلى وجوب الاتحاد بين المؤمنين والتلاقي بينهم على ما أمر الله به، والتحذير من الاختلاف والفرقة، واتباع غير سبيل الله، وأن الله أهلك الأمم السابقة بالمراء والخصومات، ودلت الآية أيضا على أن كل ما كان حقا فهو واحد. السبب في إنزال التوراة والقرآن ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤) وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاِتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧)﴾ الإعراب: ﴿تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ ﴿تَماماً﴾ منصوب على المصدر أو على أنه مفعول لأجله. و ﴿أَحْسَنَ﴾ فعل ماض صلة ﴿الَّذِي﴾، وفيه ضمير مقدر يعود على ﴿الَّذِي﴾ وتقديره: تماما على المحسن هو. ومن قرأ أحسن بالرفع كان خبر مبتدأ محذوف وتقديره: على الذي هو أحسن. والجملة من المبتدأ والخبر صلة ﴿الَّذِي﴾. ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ ﴿أَنْزَلْناهُ﴾ جملة فعلية في موضع رفع صفة ﴿كِتابٌ﴾، و ﴿مُبارَكٌ﴾ وصف ثان. ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ متعلق بأنزلناه، وتقديره: كراهة أن تقولوا، أو لئلا تقولوا. ﴿وَإِنْ

стр. 2400

كُنّا﴾: إن مخففة من الثقيلة عند البصريين واسمها محذوف، وتقديره: وإنا كنا، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية. وذهب الكوفيون إلى أنها بمعنى «ما» واللام بمعنى: إلا، وتقديره: وما كنا عن دراستهم إلا غافلين. البلاغة: ﴿يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا﴾ وضع الظاهر موضع الضمير: عنها لتبيان قباحة طغيانهم. المفردات اللغوية: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ التوراة، و ﴿ثُمَّ﴾ لترتيب الأخبار. ﴿تَماماً﴾ للنعمة. ﴿عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ بالقيام به. ﴿وَتَفْصِيلاً﴾ بيانا. ﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ يحتاج إليه في الدين. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أي بني إسرائيل. ﴿بِلِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ بالبعث. ﴿وَهذا﴾ القرآن. ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ يا أهل مكة بالعمل بما فيه. ﴿وَاتَّقُوا﴾ الكفر. ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ لئلا تقولوا. ﴿طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا﴾ هم اليهود والنصارى. ﴿وَإِنْ كُنّا﴾ إن: مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي إنا كنا، والأصل: وإنه كنا عن دراستهم غافلين، على أن الهاء ضمير الشأن. ﴿عَنْ دِراسَتِهِمْ﴾ قراءتهم وعلمهم أي لم نعرف مثل دراستهم. ﴿لَغافِلِينَ﴾ لعدم معرفتنا لها؛ إذ ليست بلغتنا. ﴿لَكُنّا أَهْدى مِنْهُمْ﴾ لحدة أذهاننا، وثقابة أفهامنا، وغزارة حفظنا لأيام العرب، ووقائعها. وخطبها، وأشعارها، وأسجاعها، على أنا أميون. ﴿بَيِّنَةٌ﴾ البيان والبيّنة: ما به يظهر الحق. ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةٌ﴾ لمن اتبعه. ﴿فَمَنْ﴾ أي لا أحد. ﴿وَصَدَفَ عَنْها﴾ أعرض ومنع الناس عنها. ﴿سُوءَ الْعَذابِ﴾ أي أشده. المناسبة: بعد أن ذكر الله الوصايا العشر، أخبر عن الغاية من إنزال التوراة على موسى ﵇؛ لاشتهارها عند مشركي العرب وسماعهم أخبارها، ثم ذكر مكانة القرآن وكونه كتاب هداية، وأعمل بوجوب اتباعه، ورد على عذر المشركين بعدم الانقياد له، مما لا يصلح عذرا بعد جعل القرآن مباركا كثير الخير والفضل. التفسير والبيان: في الكلام شيء محذوف تقديره: لفظ «قل» أي قل يا محمد الرسول لهؤلاء

стр. 2401

الناس: إنا آتينا موسى الكتاب، وهو معطوف على بداية الكلام عن الوصايا العشر، بكلمة ﴿ثُمَّ﴾ أي ثم قل: إن آتينا موسى الكتاب، ويصبح مجموع الكلام المقول للمشركين: تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ووصاكم به وهو كذا وكذا، ثم قل لهم وأعلمهم: أننا آتينا موسى الكتاب.. إلخ أي أخبرهم بما أوحي إليك، وبما آتينا موسى. وقد تكرر ذكر التوراة في القرآن؛ لأنها أشبه بالقرآن من الإنجيل والزبور، لاشتمالها على جميع الأحكام التشريعية، فكل منهما شريعة كاملة، بعكس الإنجيل والزبور، فإن الإنجيل كتاب عظات وأمثال وتاريخ، والزبور كتاب ثناء ومناجاة وتراتيل. وكان كثير من عقلاء العرب يتمنى أن يكون لهم كتاب كالتوراة، وأنه لو جاءهم لكانوا أهدى من اليهود وأعظم انتفاعا به، لامتيازهم بحدة الذكاء وحصافة العقل والفهم. ولما أخبر الله عن القرآن بقوله: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾ عطف عليه الكلام بمدح التوراة ورسولها، فقال: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾. وكثيرا ما يقرن سبحانه بين ذكر التوراة والقرآن كما بينت، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً، وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا﴾ [الأحقاف ١٢/ ٤٦] وقوله أول هذه السورة: ﴿قُلْ: مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾. والوصايا العشر التي ذكرت في الآيات الثلاث، والتي لها نظير في سورة الإسراء، كانت أول ما نزل بمكة قبل تشريع أحكام العبادات والمعاملات، وكانت أول ما نزل على موسى من أصول دينه، وهي أيضا أصول الأديان على ألسنة الرسل؛ لقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ، وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾

стр. 2402

[الشورى ١٣/ ٤٢] والقدر المشترك من الدين الذي أوصى به جميع الرسل: هو التوحيد، ومكارم الأخلاق، والبعد عن الفواحش والمنكرات. ﴿تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ أي آتينا موسى الكتاب تماما للكرامة والنعمة على الذي أحسن في اتباعه والاهتداء به، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا﴾ [الأنبياء ٧٣/ ٢١]. ويجوز أن يكون المعنى: وآتينا موسى الكتاب تماما أي تاما كاملا جامعا لكل ما يحتاجه الناس من التشريع، وعلى أحسن ما تكون عليه الكتب، أي على الوجه والطريق الذي هو أحسن. لكن يضعف هذا المعنى ما يأتى بعده وهو: ﴿وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أي وآتيناه الكتاب الذي أنزلناه إليه تماما كاملا جامعا لما يحتاج إليه في شريعته، كقوله تعالى عن موسى: ﴿وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف ١٤٥/ ٧]. ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةً﴾ أي وهو كتاب هداية إلى الحق، وسبب رحمة لمن اهتدى به واتبعه، وقال الرازي: معنى ﴿رَحْمَةً﴾: أنه نعمة في الدين. ﴿لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ أي آتيناه الكتاب بمشتملاته المذكورة، لكي يؤمن قومه بلقاء ربهم، أي لقاء ما وعدهم الله به من ثواب وعقاب، وإذا آمنوا بذلك آمنوا بالله وحده لا شريك له. ثم انتقل إلى وصف القرآن الكريم فقال: ﴿وَهذا كِتابٌ..﴾. أي وهذا القرآن كتاب عظيم الشأن، كثير الخير والنفع في الدين والدنيا، ثابت لا ينسخ، جامع لأسباب الهداية الدائمة والنجاة والفلاح، فاتبعوا ما هداكم إليه، واتقوا النار والكفر بما نهاكم عنه ومنعكموه، لتظفروا برحمة الله الواسعة في الدنيا والآخرة. وفي هذا دعوة صريحة إلى اتباع القرآن، من طريق التدبر بآياته. والعمل

стр. 2403

هذا كتاب أنزلناه لئلا تقولوا وهو خطاب لأهل مكة: إنما اقتصر إنزال الكتاب على من قبلنا من اليهود والنصارى، أي لينقطع عذركم، ولئلا تقولوا: إنا كنا عن معرفة الكتب السابقة غافلين، لا ندري ما هي؛ لأنها ليست بلغتنا، ولأننا قوم أميون لا نعرف ما يعرفه ويدرسه غيرنا. ولئلا تقولوا أيضا لو أنزل علينا ما أنزل عليهم، لكنا أهدى منهم فيما أوتوه؛ لأننا أكثر ذكاء وفهما، وأعمق بصيرة، وأمضى عزيمة، كقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ، لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ، لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ [فاطر ٤٢/ ٣٥] أي أهدى من إحدى الأمم المجاورة من أهل الكتاب. فرد الله عليهم بما يقطع كل تعلل واعتذار بقوله: ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ.﴾. أي فقد جاءكم على لسان رسولنا النبي العربي محمد ﷺ قرآن عظيم، فيه بيان للحلال والحرام، وهدى لما في القلوب، ورحمة من الله لعباده الذين يتبعونه، ويقتفون ما فيه، وهو يشتمل على الحق المؤيد بالحجج والبراهين في العقيدة والآداب والأحكام. ثم أبان الله سوء عاقبة من كذب بالقرآن، فقال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ.﴾. أي لا أحد أظلم ممن كذب بآيات الله، بعد ما عرف صحتها وصدقها، أو تمكن من معرفة ذلك، وأعرض عنها، ومنع الناس عن التفكير فيها، كما كان يفعل زعماء مكة، كقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام ٢٦/ ٦]. ثم أتبع الله ذلك بالتهديد والوعيد والعقاب لكل معرض عن القرآن، كما هو الشأن الغالب بعد بيان أسباب الهداية، فقال: ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ.﴾. أي سنجازي المعرضين عن آياتنا أشد العذاب بسبب حجب عقولهم ونفوسهم وغيرهم عن هداية الله، والإعراض عنها؛ لأنهم يتحملون وزرهم ووزر من

стр. 2404

منعوهم عن الحق، وحالوا بينهم وبين هداية الله، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل ٨٨/ ١٦] أي زدناهم عذابا غير عذابهم بسبب إفسادهم وصدهم عن سبيل الحق. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على أن القرآن مثل التوراة في أصولها الصحيحة الأولى التي فقدت وضاعت، ثم كتب عنها بديل محرّف مشوّه، مما لم يبق منهجا للبشرية وكتابا للإنسانية غير القرآن الكريم، ففيه الهداية الكاملة، والبيان الواضح المؤيد بالبراهين والأدلة العقلية، والنقلية (السمعية)، ولم يبق لأحد عذر بعد مجيء محمد ﷺ ، وتأييده بالمعجزة الخالدة الباقية من غير تبديل ولا تحريف، فإن كذب به أحد، فلا أظلم منه، وسيلقى جزاء إعراضه وتكذيبه. ودل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْها﴾ على تعظيم كفر من كذب بآيات الله، ومنع عنها نفسه وغيره من الإيمان بها؛ لأن الأول ضلال، والثاني منع عن الحق وإضلال. إنذار أخير للكفار بسوء العذاب ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ اِنْتَظِرُوا إِنّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾ الإعراب: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها، لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ جملة: ﴿لَمْ تَكُنْ﴾ صفة النفس.

стр. 2405

البلاغة: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ معنى الاستفهام: النفي. ﴿قُلِ: اِنْتَظِرُوا﴾ أمر تهديد ووعيد. ﴿لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها.﴾. قال أحمد الإسكندري في حاشية الكشاف: ٥٣٧/ ١: اشتمل هذا الكلام على النوع المعروف من علم البيان والبلاغة باللف، وأصل الكلام: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا لم تكن مؤمنة قبل: إيمانها بعد، ولا نفسا لم تكسب في إيمانها خيرا قبل: ما تكسبه من الخير بعد، إلا أنه لفّ الكلامين، فجعلهما كلاما واحدا بلاغة واختصارا وإعجازا. ومبدأ أهل السنة: لا ينفع بعد ظهور الآيات اكتساب الخير، وإن نفع الإيمان المتقدم في السلامة من الخلود في النار. المفردات اللغوية: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ ينتظرون أي ما ينتظر المكذبون. ﴿إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ لقبض أرواحهم. ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ أي أمره، بمعنى عذابه. ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ أي علاماته الدالة على الساعة. ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ وهي طلوع الشمس من مغربها، كما في حديث الصحيحين. ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها﴾ أي: أو نفسا لم تكن كسبت في إيمانها طاعة، أي لا تنفعها توبتها، كما في الحديث. المناسبة: هذه الآية إنذار للكفار بعد إنذار بسوء العذاب، فلما بيّن الله تعالى أنه إنما أنزل الكتاب إزالة للعذر، وإزاحة للعلة، بيّن أنهم لا يؤمنون البتة، أي لا أمل في إيمانهم. التفسير والبيان: يتوعد الله تعالى الكافرين والمخالفين لرسله والمكذبين بآياته والصادين عن سبيله، فهم ما ينتظرون ولا يؤمنون إلا إذا جاءهم أحد أمور ثلاثة: وهي مجيء الملائكة، أو مجيء الرب، أو مجيء الآيات القاهرة من الله تعالى.

стр. 2406

ومعنى مجيء الملائكة هو مجيئهم لقبض أرواحهم. ومعنى إتيان الله: إتيان ما وعد به من نصر أنصاره وأوعد به من تعذيب أعدائه في الدنيا، والمراد من مجيء بعض آيات الله: حدوث بعض الحوادث القاهرة الموجبة للإيمان الاضطراري. وكان مشركو مكة قد طلبوا نزول الملائكة وإتيان الله أو رؤيته، كما حكى القرآن: ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ، أَوْ نَرى رَبَّنا﴾ [الفرقان ٢١/ ٢٥]. ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً﴾ [الإسراء ٩٢/ ١٧] وطلبوا أيضا إنزال بعض آيات الله مثل ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً﴾ [الإسراء ٩٢/ ١٧]. وقوله ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ هل يدل على جواز المجيء والغيبة على الله؟ أجيب بأن هذا حكاية عن الكفار، واعتقاد الكافر ليس بحجة، أو أن هذا مجاز، مثل قوله تعالى. ﴿فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ﴾ [النحل ٢٦/ ١٦] وذلك لقيام الدلائل القاطعة على أن المجيء والغيبة على الله تعالى محال. وفي هذه الآية إيماء إلى تماديهم في تكذيب آيات الله، وعدم الاعتداد بها. ثم وجّه الحق تعالى إنذارا أخيرا لهم بقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ..﴾. أي يوم تأتي الآيات الملجئة للإيمان الاضطراري لا ينفع حينئذ الإيمان مثل إيمان فرعون حينما أحدق به الغرق، كما لا ينفعها توبة لم تكن حدثت في وقت السعة قبل الغرغرة. وبعض هذه الآيات قد يحدث قبل خروج الروح، أو قبيل يوم القيامة حين ظهور أمارات الساعة وأشراطها، كما قال البخاري في تفسير هذه الآية، فيما أخرجه هو والجماعة إلا الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال

стр. 2407

رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن من عليها، فذلك حين ﴿لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾». وفي لفظ: «فإذا طلعت ورآها الناس، آمنوا أجمعون، وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل» ثم قرأ هذه الآية. وأخرج أحمد والترمذي عن أبي هريرة مرفوعا: «ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض». ﴿قُلِ: اِنْتَظِرُوا إِنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ أي قل لهم يا محمد: انتظروا ما تتوقعون حدوثه من دحر الإسلام، وقتل النبي، وزوال الدين، إنا منتظرون وعد ربنا الصادق لنا بالنصر ووعيده المتحقق لأعدائنا، مثل قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاّ مِثْلَ أَيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ، قُلْ: فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [يونس ١٠٢/ ١٠]. وهذا تهديد شديد للكافرين ووعيد اكيد لمن أرجأ إيمانه وتوبته إلى وقت لا ينفعه ذلك، كما قال تعالى: ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا: آمَنّا بِاللهِ وَحْدَهُ، وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ [غافر ٨٤/ ٤٠ - ٨٥]. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية على أمور ثلاثة: الأول-إنه لا أمل في إيمان الكفار المعاندين، لتماديهم في تكذيب آيات الله. الثاني-لا ينفع الإيمان الاضطراري عند رؤية العذاب في الدنيا، أو عند مجيء بعض علامات القيامة.

стр. 2408

الثالث-وعيد الكفار وتهديدهم وإنذارهم بإنزال العذاب عليهم إذا لم يؤمنوا. عاقبة الاختلاف في الدين ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩)﴾ المفردات اللغوية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ باختلافهم فيه، فأخذوا بعضه وتركوا بعضه. وفي قراءة: فارقوا: أي تركوا دينهم الذي أمروا به، وهم اليهود والنصارى. ﴿وَكانُوا شِيَعاً﴾ فرقا في ذلك. ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ أي فلا تتعرض لهم. ﴿إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ﴾ يتولاه. ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ يخبرهم في الآخرة عن أفعالهم، فيجازيهم عليها. المناسبة: بعد أن أوعد الله الكفار وأنذرهم بسوء العذاب، وبما ينتظر من الحوادث الرهيبة في آخر الزمان، حذّر الله المؤمنين من التفرق في الدين، كما يفعل أهل البدع والشبهات، وحث على توحيد كلمة المسلمين. التفسير والبيان: روى أبو هريرة عن النبي ﷺ في هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾: هم أهل البدع والشبهات، وأهل الضلالة من هذه الأمة. وهذا ما قاله مجاهد. وقال أبو أمامة في قوله: ﴿وَكانُوا شِيَعاً﴾ هم الخوارج. وقيل عن جماعة (قتادة والضحاك والسدي): نزلت هذه الآية في اليهود والنصارى؛ إذ فرقوا دين إبراهيم وموسى وعيسى، فجعلوه أديانا مختلفة ومذاهب شتى.

стр. 2409

وقيل: الآية عامّة في جميع الكفار، قال ابن كثير: والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله، وكان مخالفا له (١). وهذا ما صوبه بعض المحدثين، مثل صاحب تفسير المنار (٢)، فقال: والصواب هو الجمع بين الرأيين، فإن الله تعالى، بعد أن أقام حجج الإسلام في هذه السورة، وأبطل شبهات الشرك، ذكر أهل الكتاب وشرعهم؛ وأمر المستجيبين لدعوة الإسلام بالوحدة وعدم التفرق، كما تفرق من قبلهم، كما جاء في سورة آل عمران: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا، وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ، وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [١٠٥]. والمعنى: إن الذين فرقوا دينهم، فآمنوا ببعض وأخذوا به، وتركوا بعضه الآخر، وتأولوا نصوصه على وفق أهوائهم، وصاروا فرقا، كل فرقة تأخذ برأي وتتعصب لمذهب، لا تتعرض لهم يا محمد ودعهم وشأنهم ولا تقاتلهم، وإنما عليك تبليغ الرسالة، ومناصرة شعائر الدين الحق، أنت بريء منهم ومن أفعالهم، وبعيد من أقوالهم ومذاهبهم، والله يتولى أمرهم وحسابهم، ثم ينبئهم في الآخرة ويجازيهم على تجزئة الدين. قال الرازي: المراد من الآية الحث على أن تكون كلمة المسلمين واحدة، وألا يتفرقوا في الدين، ولا يبتدعوا البدع (٣). وقد استنكر الله تعالى في موضع آخر هذه التجزئة، فقال عن أهل الكتاب: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ، وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة ٨٥/ ٢]. وحذر النّبي ﷺ من تفرق المسلمين، روى أبو داود عن معاوية بن أبي سفيان ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: «ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملّة (أي فرقة) وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي

стр. 2410

الجماعة» (١) وروى أبو داود، والترمذي-واللفظ له-عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، أو اثنتين وسبعين، والنصارى مثل ذلك. وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» (٢) فيكون المراد من قوله: ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ اختلفوا فيه كما اختلفت اليهود والنصارى. وقيل: فرقوا دينهم، فآمنوا ببعض، وكفروا ببعض. وأسباب الاختلاف والتفرق كثيرة، من أهمها: حب السيطرة والسلطة، والتعصب للجنس والقوم، أو للرأي والهوى، والإصغاء لدسائس أعداء الدين ومكائدهم، والجهل والتخلف، واتباع الآخرين في العادات والتقاليد، وتخلي بعض الدول أو أكثرها عن الدين في الفكر والاعتقاد، والسياسة والمنهج، والنظام والقانون. فقه الحياة أو الأحكام: إن شرع الله واحد وكل لا يتجزأ، فلا يصح أخذ بعضه، وترك بعضه، وتعطيل حكم أو ادعاء عدم صلاحيته للعصر، فمن اعتقد ذلك فهو كافر. والتفرق في الدين، والابتداع واتباع الشبهات والشهوات خطر عظيم وجرم كبير وضلال مبين. وما على الأمة إلا جمع كلمتها، وتوحيد رأيها، والحذر من الانزلاق في مهاوي الابتداع مما لم يأذن به الله ورسوله في العبادة والأخلاق والتشريع. وإن هجر تشريع الله بدأ بالتخلي عن بعض أحكامه تدريجيا، حتى أصبح منعزلا عن الحياة.

стр. 2411

بل إنه مع الأسف امتد التجزؤ والتجميد إلى بعض نصوص القرآن، فلا يقرأ بعضها في الإذاعات. والآية عامة في كل من فارق الدين وكان مخالفا له، سواء أكان من أهل الكتاب (اليهود والنصارى) أم من المسلمين (أهل البدع والشبهات). روى بقيّة بن الوليد بسنده عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لعائشة: «إن الذين فرقوا دينهم، وكانوا شيعا: إنما هم أصحاب البدع، وأصحاب الأهواء، وأصحاب الضلالة من هذه الأمة، يا عائشة، إن لكل صاحب ذنب توبة غير أصحاب البدع وأصحاب الأهواء، ليس لهم توبة، وأنا بريء منهم، وهم منا برآء». جزاء الحسنة والسيئة ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ الإعراب: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾: من قرأ بالتنوين ﴿عَشْرُ﴾ كان ﴿عَشْرُ﴾ مبتدأ، و ﴿أَمْثالِها﴾ صفة له، و ﴿فَلَهُ﴾ خبر مبتدأ مقدم عليه. ومن قرأ بالإضافة كان في حذف الهاء من ﴿عَشْرُ﴾ وهو مذكر ثلاثة أوجه ذكرها ابن الأنباري ٣٥٠/ ١: الأول-أن يكون التقدير فيه: عشر حسنات أمثالها، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه. وهذا مذهب سيبويه. وهذا أوجه الوجوه. والثاني-أنه حمل ﴿أَمْثالِها﴾ على المعنى؛ لأن الأمثال في معنى حسنات، فكأنه قال: عشر حسنات. والثالث-أن يكون اكتسى المضاف التأنيث من المضاف إليه، كقوله تعالى: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ﴾ [يوسف ١٠/ ١٢] في قراءة التاء، وكقولهم: ذهبت بعض أصابعه.

стр. 2412

البلاغة: ﴿بِالْحَسَنَةِ﴾ و ﴿بِالسَّيِّئَةِ﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ أي جزاء عشر حسنات. ﴿إِلاّ مِثْلَها﴾ أي جزاء واحد مماثلا لها ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ لا ينقصون من جزائهم شيئا. قال بعضهم: الحسنة: قول: لا إله إلا الله، والسيئة: هي الشرك. قال الرازي: وهذا بعيد، بل يجب أن يكون محمولا على العموم (١). المناسبة: بعد أن بين الله تعالى في السورة أصول الإيمان، وألزم باتباع الوصايا العشر في الفضائل والآداب. وندد بالكفار وأهل البدع، أوضح هنا الجزاء على العمل، سواء أكان من الحسنات: وهي الإيمان والأعمال الصالحة، أم من السيئات: وهي الكفر والمعاصي أو الفواحش. التفسير والبيان: من جاء يوم القيامة بالخصلة الحسنة والفعلة الطيبة من الطاعات، فله جزاؤها عشر حسنات أمثالها، وهذا من قبيل العدل والفضل المحدود، ولكن قد تضاعف الحسنة بعد ذلك إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ، فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ، وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ، وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٦١/ ٢]. وقال : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً، فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً﴾ [البقرة ٢٤٥/ ٢] ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ﴾ [التغابن ١٧/ ٦٤].

стр. 2413

وهذا التفاوت مرده إلى الله تعالى، وإلى اقتران العمل بما يرفعه عند الله، كالإخلاص في النية، واحتساب الأجر عند الله، وإخفاء الفعل الطيب، وإبداؤه أحيانا للاقتداء به، وتحري منفعة الأمة. ومن ارتكب سيئة أو اقترف ذنبا، فله عقوبة سيئة مماثلة لها. ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ أي كل من المحسن والمسيء لا ينقص من عمله شيء، فلا ينقص من ثواب المحسنين، ولا يزاد على عقاب المسيئين. وجاء الحديث النبوي موضحا معيار التفاضل في الحسنات، وطريق الجزاء على السيئات، روى أحمد والبخاري ومسلم والنسائي عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال فيما يروي عن ربه ﵎: «إن ربكم رحيم، من همّ بحسنة فلم يعملها، كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة. ومن همّ بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها، كتبت له واحدة، أو يمحوها الله ، ولا يهلك على الله إلا هالك» والكتابة تكون بواسطة الملائكة، بأمر الله لهم. فقه الحياة أو الأحكام: هذا التفاوت بين جزاء الحسنة وجزاء السيئة بفضل من الله ورحمة منه؛ لأن الثواب-في رأي أهل السنة-تفضل من الله تعالى في الحقيقة، فمن فعل حسنة طيبة، كان له من الجزاء عشرة أضعاف مما يجب له. وتجوز المضاعفة إلى سبعمائة ضعف وإلى أضعاف كثيرة، حسبما تقتضي الإرادة والمشيئة والحكمة الإلهية، وبقدر ما يقترن به العمل الصالح من قصد حسن وإخلاص لله تعالى. ومن اقترف فعلة سيئة، لم يكن له من الجزاء إلا ما يساويها ويوازيها. روى أبو ذر أن النّبي ﷺ قال: «إن الله تعالى قال: الحسنة عشر أو أزيد، والسيئة واحدة أو عفو، فالويل لمن غلب آحاده أعشاره» وقال ﷺ في الحديث المتقدم: «يقول الله:

стр. 2414

إذا همّ عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة، وإن لم يعملها، فإن عملها فعشر أمثالها، وإن همّ بسيئة فلا تكتبوها، وإن عملها فسيئة واحدة». وفصل العلماء في شأن تارك السيئة فقالوا: تارك السيئة الذي لا يعملها على ثلاثة أقسام: ١ - تارة يتركها لله: فهذا تكتب له حسنة، لكفّه عنها لله تعالى، وهذا عمل ونية، ولهذا جاء: أنه يكتب له حسنة، كما جاء في بعض ألفاظ الصحيح: «فإنما تركها من جرائي» أي من أجلي. ٢ - وتارة يتركها نسيانا وذهولا عنها: فهذا لا له ولا عليه؛ لأنه لم ينو خيرا ولا فعل شرا. ٣ - وتارة يتركها عجزا وكسلا عنها بعد السعي في أسبابها والتلبس بما يقرب منها، فهذا بمنزلة فاعلها، كما جاء في الحديث الصحيح عن النّبي ﷺ أنه قال: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه» (١). اتباع ملة إبراهيم في التوحيد والعبادة والتبعة الشخصية ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤)﴾

стр. 2415

الإعراب: ﴿دِيناً﴾ منصوب بفعل مقدر دل عليه: ﴿هَدانِي﴾، وتقديره: هداني دينا. وقال الزمخشري: نصب على البدل من محل ﴿إِلى صِراطٍ﴾ لأن معناه: هداني صراطا، بدليل قوله: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ [الفتح ٢٠/ ٤٨]، و ﴿قِيَماً﴾ صفة ﴿دِيناً﴾ أي دينا ذا استقامة، وقرئ: قيما بالتشديد من قام كسيّد من ساد، وهو أبلغ من القائم. ﴿مِلَّةَ إِبْراهِيمَ﴾ عطف بيان و ﴿حَنِيفاً﴾ حال من إبراهيم. ﴿مَحْيايَ﴾ بفتح الياء، عملا بالأصل وهو أن من حق الياء أن تكون متحركة مفتوحة، أو حركت لاجتماع ساكنين. ومن قرأ بسكون الياء فلأن حرف العلة يستثقل عليه حركات البناء. ﴿أَغَيْرَ اللهِ﴾ غير: منصوب لأنه مفعول ﴿أَبْغِي﴾ و ﴿رَبًّا﴾ تمييز منصوب، والتقدير: أأبغي غير الله من ربّ، فحذف من، فانتصب على التمييز. البلاغة: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾: استعار أثقال الحمل على الظهور لأثقال الذنوب والآثام. المفردات اللغوية: ﴿دِيناً قِيَماً﴾ مصدر بمعنى القيام، أي ذا استقامة، أي أنه قائم مستقيم لا عوج فيه، وقرئ ﴿قِيَماً﴾ بالتشديد، أي مستقيما، ودين القيّمة بالتأنيث: أي دين الملة الحنيفية، وكل ذلك يعني انه دين يقوم به أمر الناس ونظامهم في الدنيا والآخرة، وهو منهاج مستقيم. ﴿حَنِيفاً﴾ مائلا عن الأديان الباطلة إلى الدين الحق وهو دين الإسلام. ﴿وَنُسُكِي﴾ عبادتي من حج وغيره ﴿مَحْيايَ وَمَماتِي﴾ أي ما آتيه في حياتي، وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح، كله لله رب العالمين. ﴿أَبْغِي رَبًّا﴾ لا أطلب غيره ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مالكه ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ ذنبا

стр. 2416

﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أي لا تتحمل نفس بريئة حمل نفس مذنبة آثمة أخرى، فقوله: ﴿تَزِرُ﴾ تحمل، والوزر: الحمل الثقيل. المناسبة: لما بيّن الله تعالى في هذه السورة دلائل التوحيد، والرد على المشركين ونفاة القضاء والقدر، ختم الكلام بأن الدين القيّم والصراط المستقيم هو ملة إبراهيم القائمة على التوحيد وعبادة الله، ومسئولية كل شخص عن نفسه لا عن غيره، وأن الهداية لا تحصل إلا بالله، وأن الجزاء عند الله على الأعمال التي يقوم بها الإنسان، فهي دليل سعادته أو شقاوته. التفسير والبيان: يأمر الله تعالى نبيه ﷺ سيد المرسلين أن يخبر بما أنعم الله عليه من الهداية إلى صراطه المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف، وهو ملّة أبيه إبراهيم الخليل ﵇. قل أيها الرسول للناس قاطبة ومنهم قومك: إن ربي أرشدني ووفقني إلى طريق مستقيم لا عوج فيه، وهو الدين القيّم المؤدي إلى سعادة الدنيا والآخرة، القائم بالحق، الثابت الأصول، وهو المراد في مناجاة الله تعالى: ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. وهو ملة إبراهيم الخليل، فالتزموه، لكونه كان مائلا عن جميع أنواع الشرك والضلالة إلى الدين الحق: دين التوحيد. كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة ١٣٠/ ٢] وقال: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً، قانِتاً لِلّهِ، حَنِيفاً، وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. شاكِراً لِأَنْعُمِهِ، اِجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً، وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ، ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً، وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل ١٢٠/ ١٦ - ١٢٣].

стр. 2417

﴿وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي وما كان إبراهيم من المشركين أبدا، وإنما كان مؤمنا بالله، موحدا إياه، مخلصا له عبادته. فأما من يعتقد أن الملائكة بنات الله، أو عزيز ابن الله، أو عيسى المسيح ابن الله، فهؤلاء هم المشركون البعيدون عن ملة إبراهيم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ، وَهُوَ مُحْسِنٌ، وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً، وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء ١٢٥/ ٤]. هذا هو الدين الحق دين الإخلاص والعبادة لله وحده، وهو الذي بعث به جميع الأنبياء والرسل، وهذا مخالف لما كان عليه مشركو العرب وزعماء قريش الذين يلقبون أنفسهم «الحنفاء» مدّعين أنهم على ملة إبراهيم، وهو أيضا مخالف لما عليه أهل الكتاب (اليهود والنصارى) الذين يدعون أنهم أتباع ملة إبراهيم وأتباع موسى وعيسى، وذلك بدليل رد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا، وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً، وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران ٦٧/ ٣]. لذا فإن دعوة الإسلام هي ملتقى جميع الأنبياء، وهو الدين المقبول عند الله كما قال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ [آل عمران ١٩/ ٣] وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً، فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [آل عمران ٨٥/ ٣]. ثم يأمر الله نبيه أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله، ويذبحون لغير اسمه: بأنه مخالف لهم في ذلك، فإن صلاته لله، ونسكه على اسم الله وحده لا شريك له، مثل قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر ٢/ ١٠٨] أي أخلص له صلاتك وذبحك، فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره الله بمخالفتهم، وإخلاص القصد والنية والعزم والعمل لله تعالى.

стр. 2418

﴿قُلْ: إِنَّ صَلاتِي..﴾. أي إن كل أنواع صلاتي وعبادتي ودعائي ونسكي أي عبادتي-وقد كثر استعمال النسك في الذبح وأداء شعائر الحج والعمرة وغيرهما-وكل ما آتيه في حياتي، وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح هو لله ، أي أن كل أعمالي ومقاصدي محصورة في طاعة الله ورضوانه، فهي آية جامعة لكل الأعمال الصالحة، وعلى المسلم أن يكون قصده وعمله وكل ما يقدمه من عمل هو وجه الله تعالى، سواء في أثناء حياته، أو ما يعقبه من عمل صالح بعد مماته، هو لله، وإلى الله، وفي سبيل الله، ولطاعة الله تعالى. وخصص الصلاة بالذكر، مع كونها داخلة في النسك، لكونها روح العبادة التي قد تتلوث بمفاسد الشرك. والله واحد لا شريك له في ذاته ولا في صفاته، ولا في ربوبيته، فله العبادة وحده، والتشريع منه وحده، بذلك أمرني ربي، وأنا أول المسلمين المنقادين إلى امتثال أوامره واجتناب نواهيه. وهذا إثبات لتوحيد الألوهية، أعقبه بتوحيد الربوبية، فقال: ﴿قُلْ: أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا..﴾. أي أغير الله أطلب ربا سواه، مع أنه هو مالك كل شيء، خلقه ودبره، وهو مصدر النفع ومنع الضر، فكيف أجعل مخلوقا آخر ربّا لي؟! وما من عمل يكسبه الإنسان إلا عليه جزاؤه دون غيره، ولا تتحمل نفس بريئة أبدا ذنب نفس أخرى، فكل إنسان مجزي بعمله: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور ٢١/ ٥٢] ﴿لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة ٢٨٦/ ٢]. وبما أن كل إنسان مسئول عن عمله، صالحا كان أو سيئا، فإنه سيجزي عنه، إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا. والرجوع في نهاية المصير من الذين يلقبون أنفسهم «الحنفاء» لله وحده دون غيره، فهو الذي يخبركم باختلافكم في

стр. 2419

الأديان، ويجازيكم عليه بحسب علمه وإرادته، كما قال: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ، فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران ٥٥/ ٣]. فقه الحياة أو الأحكام: تتقابل في أغلب نواحي الحياة واجهتان متعاكستان: التفرق والاتحاد، ولم يسلم دين الله من تأثره بهاتين الواجهتين، فلمّا بيّن تعالى أن الكفار تفرقوا، بين أن الله هدى الأنبياء وخاتمهم رسول الله ﷺ إلى الدين المستقيم، وهو دين إبراهيم ﵈. والدين الحق القيم يتطلب تسخير كل الطاقات الدينية الإنسانية لله ، فله وحده يتوجه العبد بصلاته وعبادته ومناسكه وذبائحه وجميع قرباته وأعماله في حياته وما أوصى به بعد وفاته، لأنه سبحانه خالق الكون ومدبره ورب جميع العوالم والكائنات. وكل إنسان عاقل يفرده تعالى بالتقرب بأعماله وطاعاته إليه، دون غيره؛ لأنه إله يستحق العبادة لذاته، وهو مصدر خير الإنسان ونفعه ومنع الضرر عنه. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ: إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ استدل به الشافعي على افتتاح الصلاة بهذا الذكر، فإن الله أمر به نبيه ﷺ ، وأنزله في كتابه. وفي حديث علي ﵁: أن النبي ﷺ ، كان إذا افتتح الصلاة قال: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً، وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ -إلى قوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. وروى مسلم أيضا هذا الحديث عن علي. وجاء فيه بعد قوله: وأنا من المسلمين: اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني

стр. 2420

لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبّيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك». وأخرجه الدارقطني أيضا وقال في آخره: بلغنا عن النّضر بن شميل، وكان من العلماء باللغة وغيرها قال: معنى قول رسول الله ﷺ : «والشر ليس إليك»: الشر ليس مما يتقرب به إليك. ولم ير الإمام مالك إيجاب التوجه في الصلاة على الناس، ولا قول: «سبحانك اللهم وبحمدك» والواجب عليهم التكبير ثم القراءة، بدليل قوله ﷺ للأعرابي الذي علّمه الصلاة: «إذا قمت إلى الصلاة فكبّر ثم اقرأ» ولم يقل له: سبّح، كما يقول أبو حنيفة، ولا قل: وجهت وجهي، كما يقول الشافعي. وقال لأبيّ: «كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟» قال: قلت: الله أكبر، الحمد لله رب العالمين. فلم يذكر توجها ولا تسبيحا. ويلاحظ أنه ليس أحد بأول المسلمين إلا محمدا ﷺ . فإن قيل: أوليس إبراهيم والنبيون قبله؟ أجاب القرطبي بثلاثة أجوبة: الأول-أنه أول الخلق أجمع معنى، كما في حديث أبي هريرة من قوله ﷺ : «نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة» وفي حديث حذيفة: «نحن الآخرون من أهل الدنيا، الأوّلون يوم القيامة، المقضي لهم قبل الخلائق». الثاني-أنه أولهم لكونه مقدما في الخلق عليهم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ قال قتادة: إن النّبي ﷺ قال فيما رواه ابن سعد: «كنت أول الناس في الخلق، وآخرهم في البعث» فلذلك وقع ذكره هنا مقدّما قبل نوح وغيره.
следующие страницы →