﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أي لا تتحمل نفس بريئة حمل نفس مذنبة آثمة أخرى، فقوله:
﴿تَزِرُ﴾ تحمل، والوزر: الحمل الثقيل.
المناسبة:
لما بيّن الله تعالى في هذه السورة دلائل التوحيد، والرد على المشركين ونفاة القضاء والقدر، ختم الكلام بأن الدين القيّم والصراط المستقيم هو ملة إبراهيم القائمة على التوحيد وعبادة الله، ومسئولية كل شخص عن نفسه لا عن غيره، وأن الهداية لا تحصل إلا بالله، وأن الجزاء عند الله على الأعمال التي يقوم بها الإنسان، فهي دليل سعادته أو شقاوته.
التفسير والبيان:
يأمر الله تعالى نبيه ﷺ سيد المرسلين أن يخبر بما أنعم الله عليه من الهداية إلى صراطه المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف، وهو ملّة أبيه إبراهيم الخليل ﵇.
قل أيها الرسول للناس قاطبة ومنهم قومك: إن ربي أرشدني ووفقني إلى طريق مستقيم لا عوج فيه، وهو الدين القيّم المؤدي إلى سعادة الدنيا والآخرة، القائم بالحق، الثابت الأصول، وهو المراد في مناجاة الله تعالى: ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾.
وهو ملة إبراهيم الخليل، فالتزموه، لكونه كان مائلا عن جميع أنواع الشرك والضلالة إلى الدين الحق: دين التوحيد. كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة ١٣٠/ ٢] وقال: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً، قانِتاً لِلّهِ، حَنِيفاً، وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. شاكِراً لِأَنْعُمِهِ، اِجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً، وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ، ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً، وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل ١٢٠/ ١٦ - ١٢٣].
стр. 2417
﴿وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي وما كان إبراهيم من المشركين أبدا، وإنما كان مؤمنا بالله، موحدا إياه، مخلصا له عبادته.
فأما من يعتقد أن الملائكة بنات الله، أو عزيز ابن الله، أو عيسى المسيح ابن الله، فهؤلاء هم المشركون البعيدون عن ملة إبراهيم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ، وَهُوَ مُحْسِنٌ، وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً، وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء ١٢٥/ ٤].
هذا هو الدين الحق دين الإخلاص والعبادة لله وحده، وهو الذي بعث به جميع الأنبياء والرسل، وهذا مخالف لما كان عليه مشركو العرب وزعماء قريش الذين يلقبون أنفسهم «الحنفاء» مدّعين أنهم على ملة إبراهيم، وهو أيضا مخالف لما عليه أهل الكتاب (اليهود والنصارى) الذين يدعون أنهم أتباع ملة إبراهيم وأتباع موسى وعيسى، وذلك بدليل رد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا، وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً، وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران ٦٧/ ٣].
لذا فإن دعوة الإسلام هي ملتقى جميع الأنبياء، وهو الدين المقبول عند الله كما قال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ [آل عمران ١٩/ ٣] وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً، فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [آل عمران ٨٥/ ٣].
ثم يأمر الله نبيه أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله، ويذبحون لغير اسمه: بأنه مخالف لهم في ذلك، فإن صلاته لله، ونسكه على اسم الله وحده لا شريك له، مثل قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر ٢/ ١٠٨] أي أخلص له صلاتك وذبحك، فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره الله بمخالفتهم، وإخلاص القصد والنية والعزم والعمل لله تعالى.
стр. 2418
﴿قُلْ: إِنَّ صَلاتِي..﴾. أي إن كل أنواع صلاتي وعبادتي ودعائي ونسكي أي عبادتي-وقد كثر استعمال النسك في الذبح وأداء شعائر الحج والعمرة وغيرهما-وكل ما آتيه في حياتي، وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح هو لله ، أي أن كل أعمالي ومقاصدي محصورة في طاعة الله ورضوانه، فهي آية جامعة لكل الأعمال الصالحة، وعلى المسلم أن يكون قصده وعمله وكل ما يقدمه من عمل هو وجه الله تعالى، سواء في أثناء حياته، أو ما يعقبه من عمل صالح بعد مماته، هو لله، وإلى الله، وفي سبيل الله، ولطاعة الله تعالى.
وخصص الصلاة بالذكر، مع كونها داخلة في النسك، لكونها روح العبادة التي قد تتلوث بمفاسد الشرك.
والله واحد لا شريك له في ذاته ولا في صفاته، ولا في ربوبيته، فله العبادة وحده، والتشريع منه وحده، بذلك أمرني ربي، وأنا أول المسلمين المنقادين إلى امتثال أوامره واجتناب نواهيه.
وهذا إثبات لتوحيد الألوهية، أعقبه بتوحيد الربوبية، فقال: ﴿قُلْ: أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا..﴾. أي أغير الله أطلب ربا سواه، مع أنه هو مالك كل شيء، خلقه ودبره، وهو مصدر النفع ومنع الضر، فكيف أجعل مخلوقا آخر ربّا لي؟! وما من عمل يكسبه الإنسان إلا عليه جزاؤه دون غيره، ولا تتحمل نفس بريئة أبدا ذنب نفس أخرى، فكل إنسان مجزي بعمله: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور ٢١/ ٥٢] ﴿لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة ٢٨٦/ ٢].
وبما أن كل إنسان مسئول عن عمله، صالحا كان أو سيئا، فإنه سيجزي عنه، إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا. والرجوع في نهاية المصير من الذين يلقبون أنفسهم «الحنفاء» لله وحده دون غيره، فهو الذي يخبركم باختلافكم في
стр. 2419
الأديان، ويجازيكم عليه بحسب علمه وإرادته، كما قال: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ، فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران ٥٥/ ٣].
فقه الحياة أو الأحكام:
تتقابل في أغلب نواحي الحياة واجهتان متعاكستان: التفرق والاتحاد، ولم يسلم دين الله من تأثره بهاتين الواجهتين، فلمّا بيّن تعالى أن الكفار تفرقوا، بين أن الله هدى الأنبياء وخاتمهم رسول الله ﷺ إلى الدين المستقيم، وهو دين إبراهيم ﵈.
والدين الحق القيم يتطلب تسخير كل الطاقات الدينية الإنسانية لله ، فله وحده يتوجه العبد بصلاته وعبادته ومناسكه وذبائحه وجميع قرباته وأعماله في حياته وما أوصى به بعد وفاته، لأنه سبحانه خالق الكون ومدبره ورب جميع العوالم والكائنات. وكل إنسان عاقل يفرده تعالى بالتقرب بأعماله وطاعاته إليه، دون غيره؛ لأنه إله يستحق العبادة لذاته، وهو مصدر خير الإنسان ونفعه ومنع الضرر عنه.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ إلى قوله:
﴿قُلْ: إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ استدل به الشافعي على افتتاح الصلاة بهذا الذكر، فإن الله أمر به نبيه ﷺ ، وأنزله في كتابه.
وفي حديث علي ﵁: أن النبي ﷺ ، كان إذا افتتح الصلاة قال: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً، وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ -إلى قوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾.
وروى مسلم أيضا هذا الحديث عن علي. وجاء فيه بعد قوله: وأنا من المسلمين: اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني
стр. 2420
لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبّيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك».
وأخرجه الدارقطني أيضا وقال في آخره: بلغنا عن النّضر بن شميل، وكان من العلماء باللغة وغيرها قال: معنى قول رسول الله ﷺ : «والشر ليس إليك»: الشر ليس مما يتقرب به إليك.
ولم ير الإمام مالك إيجاب التوجه في الصلاة على الناس، ولا قول:
«سبحانك اللهم وبحمدك» والواجب عليهم التكبير ثم القراءة، بدليل
قوله ﷺ للأعرابي الذي علّمه الصلاة: «إذا قمت إلى الصلاة فكبّر ثم اقرأ» ولم يقل له:
سبّح، كما يقول أبو حنيفة، ولا قل: وجهت وجهي، كما يقول الشافعي.
وقال لأبيّ: «كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟» قال: قلت: الله أكبر، الحمد لله رب العالمين. فلم يذكر توجها ولا تسبيحا.
ويلاحظ أنه ليس أحد بأول المسلمين إلا محمدا ﷺ . فإن قيل: أوليس إبراهيم والنبيون قبله؟ أجاب القرطبي بثلاثة أجوبة:
الأول-أنه أول الخلق أجمع معنى، كما
في حديث أبي هريرة من قوله ﷺ :
«نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة»
وفي حديث حذيفة: «نحن الآخرون من أهل الدنيا، الأوّلون يوم القيامة، المقضي لهم قبل الخلائق».
الثاني-أنه أولهم لكونه مقدما في الخلق عليهم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾
قال قتادة: إن النّبي ﷺ قال فيما رواه ابن سعد: «كنت أول الناس في الخلق، وآخرهم في البعث» فلذلك وقع ذكره هنا مقدّما قبل نوح وغيره.
стр. 2421
الثالث-أول المسلمين من أهل ملّته، كما قال قتادة وابن العربي وغيرهما (١).
وأما قوله تعالى: ﴿قُلْ: أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فسبب نزوله أن الكفار قالوا للنّبي ﷺ : ارجع يا محمد إلى ديننا، واعبد آلهتنا، واترك ما أنت عليه، ونحن نتكفّل لك بكل تباعة تتوقعها في دنياك وآخرتك، فنزلت الآية. وهي استفهام يقتضي التقرير والتوبيخ.
ودل قوله تعالى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاّ عَلَيْها﴾ على أنه لا يؤاخذ بما أتت من المعصية، وركبت من الخطيئة سواها.
واستدل الشافعي بهذه الآية على أن بيع الفضولي لا يصح.
ورد المالكية على ذلك فقالوا: المراد من الآية تحمل الثواب والعقاب دون أحكام الدنيا، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾.
وبيع الفضولي موقوف عند المالكية والحنفية على إجازة المالك، فإن أجازه جاز، بدليل
أن عروة البارقي قد باع للنّبي ﷺ واشترى وتصرف بغير أمره، فأجازه النّبي ﷺ . وفي هذا الحديث دلالة على جواز الوكالة المتفق عليها بين العلماء، وعلى أن الوكيل لو اشترى بالثمن المدفوع له كدينار أو درهم أكثر من المقدار المسمى، كرطل لحم، فاشترى به أربعة أرطال من تلك الصفة، فإن الجميع يلزم الموكل إذا وافق الصفة ومن جنسها؛ لأنه محسن، وهو قول المالكية والصاحبين من الحنفية. وقال أبو حنيفة: الزيادة للمشتري. وحديث عروة حجة عليه.
ودل قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ على تقرير مبدأ المسؤولية الشخصية، وهي مفخرة من مفاخر الإسلام الكبرى، وللآية نظائر
стр. 2422
كثيرة مثل: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور ٢١/ ٥٢] ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر ٣٨/ ٧٤] ﴿قُلْ: لا تُسْئَلُونَ عَمّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ ٢٥/ ٣٤]. وهذا المبدأ المقرر في هذه الآيات رد على ما كان عليه العرب في الجاهلية من مؤاخذة الرجل بجريرة أبيه وابنه وحليفه.
ويؤيد ذلك
ما رواه أبو داود عن أبي رمثة قال: انطلقت مع أبي نحو النّبي ﷺ ، فقال له: «ابنك هذا؟» قال: إي وربّ الكعبة، قال: «حقا» قال: أشهد به، قال: فتبسّم النّبي ﷺ ضاحكا من ثبت (استقرار) شبهي في أبي، ومن حلف أبي علي، ثم قال: «أما إنه لا يجني عليك، ولا تجني عليه» وقرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾.
أما قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت ١٣/ ٢٩] فهو مبيّن في الآية الأخرى في قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل ٢٥/ ١٦] أي أن المضل يتحمّل أيضا إثم أتباعه في الضلالة، فمن كان إماما في الضلالة ودعا إليها وتبعه الناس عليها، فإنه يحمل وزر من أضله من غير أن ينقص من وزر المضلّ شيء.
الاستخلاف في الأرض
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾
стр. 2423
الإعراب:
﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ ﴿دَرَجاتٍ﴾ مفعول ﴿رَفَعَ﴾، بتقدير حذف حرف الجر، وتقديره: ورفع بعضكم فوق بعض إلى درجات، فلما حذف حرف الجر اتصل الفعل به، فنصبه.
المفردات اللغوية:
﴿خَلائِفَ الْأَرْضِ﴾ أي يخلف بعضكم بعضا فيها ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ بالمال والجاه وغير ذلك. ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ ليختبركم ﴿فِي ما آتاكُمْ﴾ أعطاكم، ليظهر المطيع منكم والعاصي. ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ﴾ لمن عصاه ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ﴾ للمؤمنين ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم.
المناسبة:
بعد أن أخبر الله تعالى أن مصير جميع الناس إلى الله للحساب والجزاء، ختم السورة بخاتمة رائعة هي أنهم يخلف بعضهم بعضا، لتستمر الحياة، ويتنافس الناس في الأعمال النافعة.
التفسير والبيان:
جعل الله الناس خلائف في الأرض، يخلف بعضهم بعضا فيها، بأن أهلك من قبلهم من القرون والأمم الخالية، واستخلفهم لعمارة الأرض بعدهم، وجعلهم أيضا خلفاء أرضه يملكونها ويتصرفون فيها: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد ٧/ ٥٧].
ورفع بعضكم فوق بعض درجات في الغنى والفقر، والشرف والجاه، والعلم والجهل، والخلق والشكل، والعقل والرزق. وهذا التفاوت ليس ما عجزا وجهلا وإنما لأجل الابتلاء والاختبار فيما أعطاكم، بأن يعاملكم معاملة المختبر لكم في ذلك، فيختبر الغني مثلا في غناه ويسأله عن شكره، والفقير في فقره، ويسأله عن صبره.
стр. 2424
ثم يكون الجزاء على العمل، فقد يكون الإنسان مقصرا فيما كلف به، أو قائما به، فيأتي الجزاء تابعا للأعمال. ونظير الآية كثير في القرآن مثل:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ، وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾ [محمد ٣١/ ٤٧].
وجاء في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء».
وأمام الناس بعد هذا الابتلاء إما العقاب وإما الثواب: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ، وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وفيه ترهيب وترغيب، فإن حساب الله وعقابه سريع فيمن عصاه وخالف رسله، وهو أيضا شديد العذاب، لا يهمل وإن أمهل.
ووصف العقاب بالسرعة؛ لأن كل ما هو آت قريب، والعقاب إما في الدنيا بإلحاق الضرر في النفس أو العقل أو العرض أو المال، وإما في الآخرة بعذاب جهنم، وقد يكون الأمران معا.
وهو تعالى غفور للتائبين رحيم بالمحسنين المؤمنين الذين اتبعوا الرسل فيما جاؤوا به من تكاليف؛ إذ رحمته سبقت غضبه، ووسعت كل شيء، فجعل الحسنة بعشر أمثالها، وقد يضاعفها أضعافا كثيرة لمن يشاء، والسيئة بسيئة مثلها، وقد يغفرها لمن تاب منها، ويسترها في الدنيا فضلا وكرما وحلما.
قال ابن كثير: وكثيرا ما يقرن الله تعالى في القرآن بين هاتين الصفتين:
المغفرة والعذاب، كقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ﴾ [الرعد ٦/ ١٣] وقوله: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر ٤٩/ ١٥ - ٥٠] إلى غير ذلك من
стр. 2425
الآيات المشتملة على الترغيب والترهيب، فتارة يدعو عباده إليه بالرغبة وصفة الجنة، والترغيب فيما لديه، وتارة يدعوهم إليه بالرهبة وذكر النار وأنكالها وعذابها والقيامة وأهوالها، وتارة بهما لينجع في كل بحسبه (١).
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على ثلاثة أحكام:
الأول-الناس خلفاء الأرض، يخلف بعضهم بعضا، فكل جيل يخلف من قبله من الأمم الماضية والقرون السالفة.
الثاني-الناس في الدنيا درجات في الخلق والرزق، والقوة، والضعف، والبسطة والفضل، والعلم، من أجل الابتلاء أي الاختبار، فيظهر من الناس ما يكون غايته الثواب والعقاب، ويختبر الموسر بالغنى ويطلب منه الشكر، ويختبر المعسر بالفقر ويطلب منه الصبر.
الثالث-الله تعالى سريع العقاب، شديد العذاب للكفار والعصاة، غفور رحيم بالطائعين التائبين. وهذا ترهيب وتحذير من ارتكاب الخطيئة، وترغيب في الطاعة والإنابة والتوبة.
روى الإمام أحمد عن أبي هريرة مرفوعا أن رسول الله ﷺ قال: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة، ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط أحد من الجنة، خلق الله مائة رحمة، فوضع واحدة بين خلقه يتراحمون بها، وعند الله تسعة وتسعون»
وعنه أيضا قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لما خلق الله الخلق كتب في كتاب، فهو عنده فوق العرش، إن رحمتي تغلب غضبي».
стр. 2426
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الأعراف
مكية وهي مائتان وست آيات.
تسميتها:
سميت بسورة الأعراف لورود اسم الأعراف فيها، وهو سور بين الجنة والنار، قال ابن جرير الطبري: الأعراف جمع عرف، وكل مرتفع من الأرض عند العرب يسمى عرفا، وإنما قيل لعرف الديك عرفا لارتفاعه. روى ابن جرير الطبري عن حذيفة أنه سئل عن أصحاب الأعراف، فقال: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة، وخلفت بهم حسناتهم عن النار، فوقفوا هناك على السور حتى يقضي الله فيهم.
صفة نزولها:
هي مكية، إلا ثمان آيات، وهي قوله تعالى: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾.
موضوعها:
نزلت هذه السورة لتفصيل قصص الأنبياء وبيان أصول العقيدة، وهي كسورة الأنعام بل كالبيان لها، لإثبات توحيد الله ، وتقرير البعث والجزاء، وإثبات الوحي والرسالة، ولا سيما عموم بعثة النبي ﷺ .
стр. 2427
ما اشتملت عليه السورة:
تضمنت سورة الأعراف التي هي من أطول السور المكية ما يلي من مبادئ العقيدة الإسلامية:
١ - القرآن كلام الله: افتتحت السورة بالتنويه بالقرآن العظيم معجزة الرسول الخالدة، وأنه نعمة من الله، وأنه يجب اتباع تعاليمه.
٢ - أبوّة آدم ﵇: الناس جميعا من أب واحد، أمر الله الملائكة بالسجود له سجود تعظيم وتحية، لا سجود عبادة وتقديس، والشيطان عدو الإنسان.
وقد أعيد التذكير بقصة آدم مع إبليس، وخروجه من الجنة، وهبوطه إلى الأرض، بسبب وسوسة الشيطان رمز الشر والباطل وصراعه مع الإنسان الذي يدعو إلى عبادة الله وإلى الخير والحق، تأكيدا لما ذكر في سورة البقرة.
٣ - إثبات التوحيد: وهو الإقرار بوحدانية الله، وعبادته وحده، وإخلاص الدين له، والاعتراف بحقه وحده في التشريع والتحليل والتحريم:
﴿اِتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ، وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ﴾.
٤ - الوحي والرسالة: الوحي ثابت يتضمن هنا إنزال القرآن على قلب النبي ﷺ ، وجوهره التكليف بالرسالة الإلهية، وبعثة الرسل إلى الناس:
﴿يا بَنِي آدَمَ إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي﴾.
٥ - تقرير البعث والجزاء في عالم الآخرة: تضمنت السورة الكلام عن البعث والإعادة يوم القيامة: ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ والجزاء والحساب وانقسام الناس بسببه إلى فرق ثلاث: فرقة المؤمنين الناجين أهل الجنة، وفرقة الكافرين الهالكين أهل النار، وأصحاب الأعراف وهو سور بين الجنة والنار.
стр. 2428
٦ - أدلة وجود الله: أقام الله تعالى الأدلة الكثيرة على وجوده مثل خلق السموات والأرض في ستة أيام، وتعاقب الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر والنجوم بأمر الله، وإخراج الثمرات من الأرض ٧ - التهديد بالإهلاك: أهلك الله الأمم الظالمة عبرة لغيرها، وأنذر الناس بإنزال العذاب المماثل، ورغب بالإيمان والعمل الصالح لإفاضته الخيرات والبركات من السماء والأرض على الأمة: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف ٩٦/ ٧] وكذا لإرث الأرض والاستخلاف على الآخرين: ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ: اِسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا، إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ، يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ، وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف ١٢٨/ ٧].
٨ - قصص الأنبياء: أورد الله تعالى مجموعة من قصص الأنبياء: نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وموسى، للتذكير بأحوال المكذبين أنبياءهم، وللعظة والعبرة، ومن أدلّها قصة موسى مع الطاغية فرعون، وعقاب بني إسرائيل بالمسخ قردة وخنازير لما خالفوا أمر الله. وتشبيه عالم السوء بالكلب: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها، وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ، إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ، أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف ١٧٦/ ٧].
٩ - التنديد بعبادة الأصنام، والتهكم بمن عبد ما لا يضر ولا ينفع، ولا يبصر ولا يسمع، من أحجار وهياكل، وذلك كله لتقرير مبدأ التوحيد الذي ختمت به لسورة كما بدئت به.
стр. 2429
اتباع القرآن الكريم
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اِتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٣)﴾
الإعراب:
﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ ﴿كِتابٌ﴾ إما خبر ﴿المص﴾ على قول من جعله مبتدأ، أي أنا الله أفصل، وإما خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هذا كتاب، والثاني أولى.
﴿لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ اللام متعلقة بأنزل، وتقديره: كتاب أنزل إليك لتنذر به، وفصل بينهما بقوله: ﴿فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾. ﴿وَذِكْرى﴾ إما مرفوع عطفا على ﴿كِتابٌ﴾، أو خبر مبتدأ تقديره: هذه ذكرى؛ وإما منصوب عطفا على موضع ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ أي إنذارا وذكرى، أو عطفا على موضع هاء ﴿بِهِ﴾؛ وإما مجرور عطفا على ﴿لِتُنْذِرَ﴾ بمعنى:
للإنذار والذكرى.
﴿قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قَلِيلاً﴾ منصوب بفعل ﴿تَذَكَّرُونَ﴾، و ﴿ما﴾ زائدة، وتقدير النصب من وجهين: إما لأنه صفة لمصدر محذوف تقديره: تذكرون تذكرا قليلا، أو لأنه صفة لظرف زمان محذوف، تقديره: زمانا قليلا.
البلاغة:
﴿حَرَجٌ مِنْهُ﴾ أي ضيق من تبليغه، ففيه حذف مضاف.
﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وصف الربوبية مع الإضافة لضمير المخاطبين فيه إشعار بمزيد اللطف بهم، وترغيب في امتثال الأوامر.
المفردات اللغوية:
﴿المص﴾ تقرأ كما تقرأ الحروف الأبجدية، أي ألف، لام، ميم، صاد، وقد ذكرت في أول سورة البقرة ومثلها آل عمران: أن هذه الحروف المقطعة يراد من افتتاح السور بها الإشارة إلى أن القرآن الكريم مركب من هذه الحروف العربية وأمثالها، فهل يستطيع العرب المعروفون بالفصاحة
стр. 2430
والبلاغة الإتيان بمثله، وبما أنهم قد عجزوا، فيدل ذلك على أنه كلام الله، فحكمتها بيان إعجاز القرآن، وتنبيه السامع إلى ما سيلقى إليه من أحكام.
والغالب أن السور التي بدئت بها وبذكر الكتاب مثل: «مريم والعنكبوت والروم وص ون» هي سور مكية لدعوة المشركين إلى الإسلام وإثبات النبوة والوحي. وأما السور المدنية التي بدئت بها كالبقرة وآل عمران (الزهراوين) فالدعوة فيها موجهة إلى أهل الكتاب.
﴿حَرَجٌ﴾ ضيق ﴿مِنْهُ﴾ من تبليغه، مخافة أن يكذبك الناس ﴿لِتُنْذِرَ﴾ متعلق بأنزل أي للإنذار به ﴿وَذِكْرى﴾ تذكرة نافعة وموعظة حسنة مؤثرة. ﴿قَلِيلاً ما﴾ ﴿ما﴾ حرف يؤكد معنى القلة ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ أصله: تتذكرون.
التفسير والبيان:
بدأ الله تعالى هذه السورة المكية بالحروف الأبجدية المقطعة كغيرها من السور التي نزلت بمكة لإثبات النبوة والوحي.
هذا القرآن كتاب عظيم الشأن، أنزل إليك يا محمد من عند ربك، بقصد الهداية والخير، ووصفه بالإنزال للدلالة على عظيم قدره وقدر من أنزل عليه. فلا يكن في صدرك ضيق من الإنذار به وتبليغه للناس، وتذكير أهل الإيمان به ذكرى تنفعهم وتؤثر فيهم.
ومن المعلوم أن كل نبي ومصلح يلقى عادة إيذاء ومقاومة لدعوته، وصدودا وإعراضا عن رسالته، وما على الداعية إلا الصبر والمثابرة ومتابعة الطريق:
﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف ٣٥/ ٤٦]. لذا كان المراد من هذا النهي شد العزيمة والاجتهاد في مقاومة الصعاب، وتحمل الشدائد، انتظارا لما عند الله على ذلك من وعد بالخير والفضل.
وبما أن هذا الكتاب ذو مهام خطيرة، فقد خاطب الله تعالى العالم بقوله:
اتبعوا أيها الناس ما أنزل إليكم من ربكم رب كل شيء ومليكه وخالقه ومدبره وراعيه، فهو وحده صاحب الحق في التشريع وفرض العبادات والتحليل
стр. 2431
والتحريم؛ لأنه العليم بما هو مصلحة، الخبير بما هو مضرة لكم، فلا يشرع إلا الخير والسداد.
ولا تتبعوا من دون الله أولياء، كأنفسكم أو الشياطين التي توسوس لكم بما فيه الضرر والخطر، والضلال والفساد، والشر والسوء، والإيهام بأن الأصنام شركاء ذات تأثير عند الله، مع أنها أحجار لا تضر ولا تنفع، أي لا تخرجوا عما جاءكم به الرسول إلى غيره، فتكونوا قد عدلتم عن الحق إلى الضلال، وعن حكم الله إلى حكم الشيطان والأهواء. ولكنكم تتذكرون قليلا، وتنسون الواجب عليكم نحو ربكم، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف ١٠٣/ ١٢].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - القرآن كلام الله المنزل على نبيه محمد ﷺ ، والعقل يشهد بأن هذا لا يكون إلا بطريق الوحي من عند الله تعالى؛ لأن الرسول ﷺ أمي لا يقرأ ولا يكتب؛ ولأنه كلام معجز لا يصدر عن بشر؛ ولأن الأحداث ومرور الأزمنة تثبت تفوقه وصلاحه لكل الأوقات، وهذا لا يمكن أن يتصف به تشريع وضعي.
٢ - واجب النبي ﷺ وسائر الأنبياء تبليغ الوحي المنزل، وأما النتائج والآثار وانتصار الدعوات الإلهية فمردها إلى الله تعالى. وقد سرّى الله عن نبيه فنهاه عن أن يضيق صدره لعدم الإيمان به، فإنما عليه البلاغ، وليس عليه سوى الإنذار به، من شيء من إيمانهم أو كفرهم، كقوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ﴾ [الكهف ٦/ ١٨] وقوله: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣/ ٢٦].
стр. 2432
٣ - المقصود بالقرآن إنذار الكافرين والعصاة بسبب إعراضهم عنه، وتذكير المؤمنين به؛ لأنهم المنتفعون به.
٤ - الأمر العام لجميع الناس باتباع ملة الإسلام والقرآن، وإحلال حلاله، وتحريم حرامه، وامتثال أمره، واجتناب نهيه.
واتباع الرسول ﷺ داخل في ذلك؛ لأن الله تعالى أمرنا باتباعه وطاعته بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤/ ١٦] فدلت الآية على وجوب اتباع الكتاب والسنة.
٥ - تحريم اتباع أحد من الخلق في الدين، كما فعل أهل الكتاب في طاعة رهبانهم: ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [التوبة ٣١/ ٩].
٦ - ترك اتباع الآراء الشخصية أو الاجتهادية مع وجود النص الشرعي.
٧ - المنع من عبادة أحد مع الله، واتخاذ من عدل عن دين الله وليا، علما بأن كل من رضي مذهبا فأهل ذلك المذهب أولياؤه.
عاقبة تكذيب الرسل في الدنيا
﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤) فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاّ أَنْ قالُوا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ (٥)﴾
الإعراب:
﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها..﴾. ﴿كَمْ﴾ مبتدأ، وجملة: ﴿أَهْلَكْناها﴾ صفة لقرية.
و ﴿فَجاءَها بَأْسُنا﴾ خبر المبتدأ، ومعنى: ﴿أَهْلَكْناها﴾: قارب إهلاكنا إياها. حتى لا يكون تكرار مع قوله: ﴿فَجاءَها بَأْسُنا﴾. ويجوز أن تكون ﴿كَمْ﴾ في موضع نصب بفعل مقدر دل عليه: ﴿فَجاءَها بَأْسُنا﴾، لا أهلكنا لأن أهلكنا صفة، والصفة لا تعمل في الموصوف.
стр. 2433
و ﴿بَياتاً﴾ منصوب على المصدر في موضع الحال.
﴿أَوْ هُمْ قائِلُونَ﴾ جملة اسمية في موضع نصب على الحال من أهل القرية.
البلاغة:
﴿فَجاءَها﴾ على حذف مضاف تقديره: فجاء أهلها، لقوله: ﴿أَوْ هُمْ قائِلُونَ﴾ ولا حاجة لتقدير المضاف الذي هو الأهل قبل ﴿قَرْيَةٍ﴾ أو قبل الضمير في ﴿أَهْلَكْناها﴾ لأن القرية تهلك كما يهلك أهلها.
﴿بَياتاً..﴾. و ﴿قائِلُونَ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿وَكَمْ﴾ اسم يفيد التكثير، وهي خبرية ﴿قَرْيَةٍ﴾ مكان اجتماع الناس، أو الناس أنفسهم ﴿أَهْلَكْناها﴾ أردنا إهلاكها أو قاربنا إهلاكها. ﴿بَأْسُنا﴾ عذابنا ﴿بَياتاً﴾ ليلا، البينات:
الإغارة على العدو ليلا، والإيقاع به على غرّة ﴿قائِلُونَ﴾ نائمون بالظهيرة، من القيلولة: وهي استراحة نصف النهار، وإن لم يكن معها نوم، أي مرة جاءها ليلا، ومرة جاءها نهارا.
﴿دَعْواهُمْ﴾ قولهم ودعاؤهم.
المناسبة:
لما أمر الله تعالى الرسول ﵊ بالإنذار والتبليغ، وأمر القوم بالقبول والاتباع، ذكر في هذه الآية ما يترتب على المخالفة من عقاب ووعيد، من طريق التذكير بإهلاك الأمم السابقة، لمخالفتهم الرسل وتكذيبهم.
التفسير والبيان:
كثير من القرى وأهلها أهلكناهم بمخالفة رسلنا وتكذيبهم، فجاءهم العذاب أو الهلاك مرة ليلا كقوم لوط، ومرة نهارا كقوم شعيب، أتاهم العذاب على غرّة أو حين القيلولة: وهي الاستراحة وسط النهار، وكلا الوقتين وقت غفلة ولهو، كما قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ. أَوَ أَمِنَ
стр. 2434
أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى، وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف ٩٧/ ٧ - ٩٨] وقال: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ، أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ. أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ، فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ. أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ، فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل ٤٥/ ١٦ - ٤٧].
فما كان قولهم عند مجيء العذاب، إلا أن اعترفوا بذنوبهم، وأنهم حقيقون بهذا، أي لم يصدقوا بشيء عند الإهلاك إلا بالإقرار بأنهم كانوا ظالمين.
قال ابن جرير: في هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة ما جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ من قوله: «ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم».
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآية إلى الآتي:
١ - إن عصيان أوامر الرسل وتكذيبهم موجب للخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة. وعذاب الدنيا يأتي في وقت الغفلة واللهو، إما ليلا أو حين القيلولة نهارا.
٢ - كل مذنب حين توقيع العقاب الدنيوي عليه يعترف بجرمه، ويندم على ما فرط منه.
٣ - المقصود بالآية الإنذار والتخويف والعبرة بما حل بالأمم السابقة، فيحملهم الخوف على إصلاح أمورهم، والإقلاع عن معاصيهم: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد ١١/ ١٣].
٤ - الجزاء أو العقاب الإلهي في الدنيا حق وعدل ومطابق للواقع، ولا يجيء العذاب إلا بعد العصيان وإعذار الناس من أنفسهم.
стр. 2435
عاقبة الكفر في الآخرة والحساب الدقيق على الأعمال
﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنّا غائِبِينَ (٧) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (٩)﴾
الإعراب:
اللام في ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ﴾ و ﴿فَلَنَقُصَّنَّ﴾ لام القسم، المراد بها التوكيد.
﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾: ﴿الْوَزْنُ﴾ مبتدأ، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ خبره.
والحق: مرفوع من ثلاثة أوجه: إما لأنه صفة للوزن، أو لأنه بدل من الضمير المرفوع في الظرف الذي هو خبر للمبتدأ، أو لأنه خبر عن المبتدأ، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف ملغى منصوب بالوزن.
البلاغة:
﴿ثَقُلَتْ﴾ و ﴿خَفَّتْ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ أي الأمم عن إجابتهم الرسل، وعملهم فيما بلغهم ﴿وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ عن الإبلاغ. ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ لنخبرنهم عن علم بما فعلوه ﴿وَما كُنّا غائِبِينَ﴾ عن إبلاغ الرسل، والأمم الخالية فيما عملوا.
﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ﴾ للأعمال يوم القيامة ﴿الْحَقُّ﴾ العدل، صفة الوزن ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ بالحسنات ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزون. ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ بالسيئات ﴿فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بتصييرها إلى النار ﴿يَظْلِمُونَ﴾ يجحدون آيات الله.
المناسبة:
بعد أن أنذر الله تعالى المخالفين رسلهم بعذاب الاستئصال في الدنيا، أتبعه
стр. 2436
بالتهديد بعذاب آخر يوم القيامة، وأبان أنه يسأل جميع الناس عن أعمالهم، سواء أهل العقاب وأهل الثواب. ولما بيّن في الآية الأولى أن من جملة أحوال القيامة:
السؤال والحساب، بيّن أن من جملة أحوال القيامة أيضا وزن الأعمال.
التفسير والبيان:
يسأل الله تعالى الأمم يوم القيامة عما أجابوا رسله فيما أرسلهم به، ويسأل الرسل أيضا عن إبلاغ الرسالات.
فيسأل الله كل فرد من أفراد الأمم في الآخرة عن رسوله إليه وعن تبليغه لآياته، ويسأل الرسل عن تبليغهم وعن مدى إجابة أقوامهم لهم، وعما صدر منهم من إيمان أو كفر، فهي مسئولية تضامنية عامة كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ، فَيَقُولُ: ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص ٦٥/ ٢٨] وقال: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ: ماذا أُجِبْتُمْ؟ قالُوا: لا عِلْمَ لَنا، إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة ١٠٩/ ٥] وقال: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي، وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا؟﴾ [الأنعام ١٣٠/ ٦] ويوضح هذه المسؤولية بين الراعي والرعية
ما رواه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي عن ابن عمر قال:
قال رسول الله ﷺ : «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع في مال سيده وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، وهي مسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع في مال أبيه وهو مسئول عن رعيته، فكلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته».
قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ، وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾: نسأل الناس عما أجابوا المرسلين، ونسأل المرسلين عما بلّغوا.
стр. 2437
والمراد بالسؤال حينئذ تقريع الكفار وتوبيخهم، فلما أقروا بأنهم كانوا ظالمين مقصرين، سئلوا بعد ذلك عن سبب ذلك الظلم والتقصير.
والتوفيق أو الجمع بين قوله: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ وبين قوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن ٣٩/ ٥٥] وقوله: ﴿وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص ٧٨/ ٢٨]: هو أن ليوم القيامة مواقف وأحوالا متعددة، فقد يكون السؤال والجواب في بعضها دون بعض، وقد يكون السؤال لأجل الاسترشاد والاستفادة، وقد يكون لأجل التوبيخ والإهانة.
وقال الرازي: إن القوم لا يسألون عن الأعمال؛ لأن الكتب مشتملة عليها، ولكنهم يسألون عن الدواعي التي دعتهم إلى الأعمال، وعن الصوارف التي صرفتهم عنها (١)، أي الموانع التي حالت بينهم وبين التزام الأحكام الشرعية.
فلنخبرن عن علم ومعرفة وإحاطة تامة الرسل وأقوامهم بكل ما حدث منهم، فلا يغيب عنا شيء قليل أو كثير، وإن كان مثقال ذرة من خردل في صخرة أو في السموات أو في الأرض. قال ابن عباس في آية: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾:
يوضع الكتاب يوم القيامة، فيتكلم بما كان يعملون.
﴿وَما كُنّا غائِبِينَ﴾ عنهم في وقت أو حال، بل كنا معهم نسمع قولهم، ونبصر فعلهم، ونعلم ما يسرون وما يعلنون، ونخبر العباد يوم القيامة بمنا قالوا وبما عملوا من قليل وكثير، وجليل وحقير؛ لأنه تعالى الشهيد على كل شيء لا يغيب عنه شيء، ولا يغفل عن شيء، بل هو العالم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور، كما قال: ﴿وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها، وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ﴾
стр. 2438
﴿الْأَرْضِ، وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام ٥٩/ ٦] فقوله: ﴿وَما كُنّا غائِبِينَ﴾ يعني كنا شاهدين لأعمالهم.
وهذا دليل على أن السؤال ليس للاستعلام والاستفهام عن شيء مجهول عن الله تعالى، بل للإخبار بما حدث منهم توبيخا وتقريعا على تقصيرهم وإهمالهم.
والمخبر به هو المحاسب عنه، وهو الذي يعقبه الجزاء. ثم بيّن تعالى قانون الحساب والجزاء فقال: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ..﴾ ..
أي وزن الأعمال للرسل وأقوامهم والتمييز بين راجحها وخفيفها يوم القيامة يكون على أساس من الحق والعدل التام، فلا يظلم تعالى أحدا، كقوله:
﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ، فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً، وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها، وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء ٤٧/ ٢١] وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها، وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء ٤٠/ ٤].
فمن ثقلت موازينه، أي رجحت موازين أعماله بالإيمان والحسنات على السيئات، فأولئك هم الفائزون بالجنة، الناجون من العذاب. والموازين جمع ميزان أو موزون، أي فمن رجحت أعماله الموزونة التي لها وزن وقدر وهي الحسنات أو ما توزن به حسناتهم.
ومن خفت موازين أعماله بسبب كفره وكثرة سيئاته، فأولئك الذين خسروا أنفسهم، إذ حرموها السعادة والفوز بالنعيم الأبدي، وصيروها إلى عذاب النار.
والفريق الأول وهم المؤمنون على تفاوت درجاتهم في الأعمال هم المفلحون، وإن عذاب بعضهم بقدر ذنوبه، والفريق الثاني وهم الكافرون على تفاوت دركاتهم هم الخاسرون حقا.
стр. 2439
وهذا المعنى مكرر في مواضع كثيرة في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى:
﴿فَأَمّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ، وَأَمّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ، فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ، وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ: نارٌ حامِيَةٌ﴾ [القارعة ٦/ ١٠١ - ١١].
والذي يوضع في الميزان يوم القيامة: هو الأعمال، وهي وإن كانت أعراضا معنوية إلا أن الله تعالى يقلبها يوم القيامة أجساما، كما يروى عن ابن عباس.
جاء في حديث البراء في قصة سؤال القبر: فيأتي المؤمن شاب حسن اللون، طيّب الريح، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح»
وفي حديث آخر أخرجه ابن ماجه والنسائي وابن خزيمة عن ابن مسعود: يتمثل المال الذي لم تؤدّ زكاته لصاحبه بصورة ثعبان شجاع أقرع له زبيبتان، ثم يأخذ بلهزمتيه ويقول:
أنا مالك، أنا كنزك، ونصه: «ما من أحد لا يؤدي زكاة ماله إلا مثّل له يوم القيامة شجاعا أقرع حتى يطوّق به عنقه، ثم قرأ النّبي ﷺ : ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران ١٨٠/ ٣] الآية.
والدليل على أن الأعمال هي التي توزن:
ما أخرجه أبو داود والترمذي عن جابر مرفوعا: «توضع الموازين يوم القيامة، فتوزن الحسنات والسيئات، فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال حبة، دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال حبة، دخل النار، قيل: ومن استوت حسناته وسيئاته؟ قال:
أولئك أصحاب الأعراف».
ونقل القرطبي عن ابن عمر أن التي توزن: صحائف أعمال العباد. وعقب عليه بقوله: وهذا هو الصحيح، وهو الذي
ورد به الخبر وهو: «أن ميزان بعض بني آدم كاد يخف بالحسنات، فيوضع فيه رقّ مكتوب فيه: لا إله إلا الله، فيثقل» فدل على وزن ما كتب فيه الأعمال، لا نفس الأعمال، وأن الله سبحانه يخفّف الميزان إذا أراد، ويثقله إذا أراد بما يوضع في كفّتيه من الصحف التي فيها الأعمال.
стр. 2440
وهل هناك ميزان حقيقة؟ اختلف العلماء، فقال مجاهد والضحاك والأعمش: الوزن والميزان بمعنى العدل والقضاء، وذكر الوزن ضرب مثل؛ كما تقول: هذا الكتاب في وزن هذا وفي وزانه، أي يعادله ويساويه، وإن لم يكن هناك وزن، أي أن المراد ظهور العدل التام في تقدير الجزاء على الأعمال.
وقال الجمهور: هناك وزن حقيقي وميزان، لإظهار علم الله تعالى بأعمال عباده وجزائهم عليها. قال الزجّاج: أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفّتان، ويميل بالأعمال.
والأولى في الغيبيات أن نؤمن بها كما وردت في القرآن والسنة، ونترك البحث عن صورتها وكيفيتها إلى الله .
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية الأولى: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ..﴾. على أن الكفار يحاسبون، جاء في التنزيل: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية ٢٦/ ٨٨] بل إن المسؤولية أو الحساب شيء عام لجميع العباد حتى الرسل: ﴿وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ وسؤال الرسل سؤال استشهاد بهم وإفصاح؛ أي عن جواب القوم لهم، وهو معنى قوله: ﴿لِيَسْئَلَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب ٨/ ٣٣] وسؤال القوم سؤال تقرير وتوبيخ وإفضاح، فهذه الآية تدل على أنه تعالى يحاسب كل عباده؛ لأنهم لا يخرجون عن أن يكونوا رسلا أو مرسلا إليهم.
وأما قوله تعالى في سورة القصص: ﴿وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [٧٨] فهو إذا استقروا في العذاب. والآخرة مواطن: موطن يسألون فيه للحساب، وموطن لا يسألون فيه.
وقوله تعالى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ يدل على أنه تعالى عالم بالعلم، وأن قول من يقول: إنه لا علم لله قول باطل.
стр. 2441
وقوله تعالى: ﴿وَما كُنّا غائِبِينَ﴾ يدل على وجود المراقبة والمشاهدة الإلهية لأعمال الخلائق.
والخلاصة: هذه الآية تثبت وجود السؤال والحساب لكل العباد يوم القيامة.
وأرشدت الآية الثانية إلى وزن أعمال العباد بالميزان، وهو الحق لخبر جابر المتقدم، وقيل: وزن صحائف أعمال العباد، قال القرطبي: وهذا هو الصحيح.
والمراد من الميزان في قول مجاهد والضحاك والأعمش: العدل والقضاء، والمراد به في رأي الجمهور: الميزان الحقيقي لإظهار علم الله تعالى بأعمال عباده وعدله في حسابهم وجزائهم عليها، فمن رجحت حسناته على سيئاته فهو من الناجين، ومن رجحت سيئاته على حسناته، فهو من الهالكين المعذبين. قال ابن عباس: توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان وكفّتان؛ فأما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة، فيوضع في كفة الميزان، فتثقل حسناته على سيئاته؛ فذلك قوله:
﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ويؤتى بعمل الكافر في أقبح صورة، فيوضع في كفّة الميزان، فيخف وزنه حتى يقع في النار.
كثرة نعم الله على عباده
﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (١٠)﴾
الإعراب:
﴿مَعايِشَ﴾ مفعول ﴿جَعَلْنا﴾ وهي جمع معيشة، وأصلها معيشة على وزن مفعلة، إلا أنه نقلت كسرة الياء إلى العين، ولا يجوز همزها؛ لأن الياء فيها أصلية، وأصلها في الواحد أن تكون متحركة. فإن كانت زائدة أصلها في الواحد السكون، نحو كتيبة على فعلية، همزت في الجمع، فيقال: كتائب، ونحو مدائن وصحائف وبصائر. وقد قرأ عبد الرحمن بن هرمز الأعرج «معائش» بالهمز على تشبيه الأصلية بالزائدة، وهي قراءة ضعيفة قياسا.
стр. 2442
المفردات اللغوية:
﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاكُمْ﴾ يا بني آدم، أي جعلنا لكم فيها مكانا وقرارا، أو ملكناكم فيها وأقدرناكم على التصرف فيها ﴿مَعايِشَ﴾ جمع معيشة، وهي ما تكون به العيشة والحياة من المطاعم والمشارب وغيرها ﴿قَلِيلاً ما﴾ ﴿ما﴾ لتأكيد القلة ﴿تَشْكُرُونَ﴾ تلك النعم.
المناسبة:
بعد أن أمر الله تعالى الخلق بمتابعة الأنبياء ﵈ وبقبول دعوتهم، ثم خوفهم بعذاب الدنيا: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها﴾ وبعذاب الآخرة من وجهين: السؤال والحساب: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ.﴾. ووزن الأعمال: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ رغبهم في هذه الآية بقبول دعوة الأنبياء ﵈ عن طريق التذكير بكثرة نعم الله عليهم، وكثرة النعم توجب الطاعة.
التفسير والبيان:
أقسم الله تعالى بقوله: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاكُمْ﴾ ليظهر امتنانه على عبيده بكثرة إنعامه عليهم، بأن جعل الأرض لهم مكانا وقرارا، وسلطهم أو أقدرهم على التصرف فيها، وأباح لهم منافعها، وسخر لهم السحاب والمطر لإخراج أرزاقهم منها، وجعل فيها رواسي وأنهارا.
وجعل لهم فيها معايش من وجهين: إما بخلق الله تعالى ابتداء كخلق الثمار وغيرها، أو بطريق العمل والاكتساب واتخاذ الأسباب والاتجار فيها، وكلاهما في الحقيقة إنما حصل بفضل الله وإقداره وتمكينه، فيكون الكل إنعاما من الله تعالى، وكثرة النعم لا شك أنها توجب الطاعة والانقياد.
ولكن أكثرهم مع هذا قليل الشكر على ذلك: ﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ أي أنتم قليلو الشكر على هذه النعم التي أنعمت بها عليكم، كما قال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها، إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم ٣٤/ ١٤] وقال:
стр. 2443
﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ١٣/ ٣٤].
وشكر النعمة: يكون بمعرفة الله المنعم معرفة تامة، وحمده والثناء عليه بما هو أهله، وأداء حقوق النعم وصرفها فيما خلقت من أجله، بأداء حقوق الله تعالى، واستعمال أعضاء الإنسان في مناحي الخير ورضوان الله وصرفها عن وجوه الشر والمعاصي، وبالشكر بهذا المعنى تدوم النعم ويسعد الإنسان.
فقه الحياة أو الأحكام:
التذكير بنعم الله تعالى موجب للطاعة والانقياد عند أهل الإيمان، لذا قلّ الشاكرون، وكثر الجاحدون.
ومن أجلّ النعم تمكين الإنسان من الاستقرار في الأرض والتصرف بما فيها من خيرات، والانتفاع بمنافعها الكثيرة، وقد أثبتت رحلات الطيران والفضاء، وصعود الإنسان إلى القمر وبعض الكواكب الأخرى في العصر العلمي الحديث مدى تعلق الإنسان بالأرض وحبّه لها وحنينه إليها عند بعده عنها.
ومن هذه النعم: تهيئة أسباب المعيشة في الأرض؛ وتوفير ما يعاش به من ألوان المطاعم والمشارب وغيرها؛ كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [البقرة ٢٩/ ٢].
وهذا يدل على أنه لم تخلق هذه النعم إلا لخير الإنسان، والحفاظ على الحياة البشرية، فردا أو جماعة، فأحرى بنا أن تكون هذه الحياة الجسدية أو المادية سببا أو عونا على تزكية الحياة الروحية وتطهير النفس، وإعدادها للحياة الأخروية الأبدية.
فما أسعد أهل الإيمان والطاعة بالتزام الأوامر الإلهية، واجتناب المعاصي والموبقات؛ لأنه بالإيمان تطمئن النفس؛ وبالطاعة تحفظ الأعضاء والطاقة الجسدية، والكرامة الإنسانية.
стр. 2444
وما أشقى أهل الكفر والفسوق والعصيان؛ لأن الكفر يلازمه القلق والحيرة والاضطراب، ولأن الفسق والمعصية يدمران الإنسان ماديا ومعنويا، فيصبح حائر النفس، ذليلا مهينا على الناس.
تكريم البشرية بالسجود لآدم
وإغواء الشيطان وطرده من الجنة
﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ (١١) قالَ ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ (١٣) قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥) قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧) قالَ اُخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾
الإعراب:
﴿ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ ﴿ما﴾ استفهامية مبتدأ، ﴿مَنَعَكَ﴾ جملة فعلية خبر المبتدأ، و ﴿أَلاّ تَسْجُدَ﴾ في موضع نصب بمنعك، و ﴿أَلاّ﴾ صلة زائدة، والتقدير: ما منعك أن تسجد، كما في آية أخرى: ﴿ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص ٧٥/ ٣٨] وتزاد كثيرا في كلام العرب. وفائدة زيادتها توكيد معنى الفعل الذي تدخل عليه وتحقيقه. ﴿صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ منصوب بفعل ﴿لَأَقْعُدَنَّ﴾ على تقدير حذف حرف الجر، وتقديره: لأقعدن لهم على صراطك، فحذف حرف الجر، فاتصل الفعل به فنصبه.
﴿اُخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً﴾ مذءوما: حال من الضمير المرفوع في ﴿اُخْرُجْ﴾.
стр. 2445
البلاغة:
﴿خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ على حذف مضاف، أي خلقنا أباكم وصورنا أباكم. ﴿ما مَنَعَكَ﴾ السؤال مع علمه تعالى بما منعه من السجود للتوبيخ ولإظهار معاندته وكفره وكبره وافتخاره بأصله وازدرائه بأصل آدم.
﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ استعار الصراط لطريق الهداية الموصل إلى الجنة.
المفردات اللغوية:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ أوجدنا أباكم آدم بتقدير حكيم ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ أي صورناه وأنتم ذرأت في ظهره ﴿اُسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ سجود تحية واحترام ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ﴾ أبا الجن الذي كان بين الملائكة ﴿أَلاّ تَسْجُدَ﴾ لا زائدة لتأكيد السجود ﴿إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ حين الأمر ﴿فَاهْبِطْ مِنْها﴾ أي من الجنة، وقيل: من السموات، والهبوط: الانحدار والسقوط من مكان إلى ما دونه، أو من منزلة إلى ما دونها ﴿أَنْ تَتَكَبَّرَ﴾ أن تجعل نفسك أكبر مما هي عليه ﴿مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ الذليلين من الصغار: وهو الذل والهوان.
﴿أَنْظِرْنِي﴾ أخرني وأمهلني ﴿مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ المؤخرين، وفي آية أخرى: ﴿إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ أي يوم النفخة الأولى ﴿فَبِما أَغْوَيْتَنِي﴾ أي بإغوائك لي، والإغواء: الإيقاع في الغواية: وهي ضد الرشاد، والباء للقسم، وجوابه: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ﴾ أي لبني آدم ﴿صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي على الطريق الموصل إليك.
﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ أي من كل جهة، فأمنعهم من سلوكه، قال ابن عباس: ولا يستطيع أن يأتي من فوقهم لئلا يحول بين العبد وبين رحمة الله تعالى. ﴿مَذْؤُماً﴾ معيبا أو ممقوتا، من ذأم: عاب. ﴿مَدْحُوراً﴾ مبعدا مطرودا عن الرحمة ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ﴾ من الناس، واللام: للابتداء أو موطئة للقسم وهو ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي منك بذريتك ومن الناس، وفيه تغليب الحاضر على الغائب. وفي الجملة معنى جزاء ﴿لَمَنْ﴾ الشرطية أي من تبعك أعذبه.
المناسبة:
رغّب الله تعالى في الآيات السابقة بقبول دعوة الأنبياء ﵈، بالتخويف أولا، ثم بالترغيب ثانيا بالتنبيه على كثرة نعم الله تعالى على الخلق،
стр. 2446
ثم أتبعه ببيان أنه خلق أبانا آدم وكرّمه بأمر الملائكة بالسجود له، والإنعام على الأب إنعام على الابن، لكن قد يتعرض الناس لوسوسة الشيطان وإغوائه، ولا يليق بهم مع هذه النعم العظيمة التمرد والجحود.
التفسير والبيان:
ذكر الله تعالى قصة آدم ﵇ مع قصة إبليس في سبعة مواضع في القرآن: في البقرة، والأعراف (هذه السورة) والحجر، وبني إسرائيل (الإسراء) والكهف، وسورة طه، وسورة ص.
ومضمون القصة هنا: التنبيه على تكريم آدم، وبيان عداوة إبليس لذريته، وحسده لهم ليحذروه ولا يتبعوا طرائقه، وليشكروا الله على نعمه العظيمة.
والمعنى: لقد خلقنا أيها الناس أباكم آدم من الماء والطين اللازب، ثم صورناه بشرا سويا، ونفخنا فيه من روحنا، ثم أمرنا الملائكة بالسجود له سجود تحية.
وظاهر الآية يقتضي أن أمر الملائكة بالسجود لآدم وقع بعد خلق ذريته وتصويرهم، وليس الأمر كذلك، لذا تأول المفسرون الآية تأويلات أربعة، اختار منها الرازي القول الأول وهو: خلقنا أباكم آدم وصورناه، وبعد خلقه وتصويره أمرنا الملائكة بالسجود له، ولم يتأخر هذا الأمر عن خلقنا وتصويرنا، وذلك لأن آدم أصل البشر، فالخطاب لنا من باب الكناية، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ [البقرة ٩٣/ ٢] أي ميثاق أسلافكم من بني إسرائيل في زمان موسى ﵇، وقال تعالى مخاطبا لليهود في زمان محمد ﷺ : ﴿وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة ٤٩/ ٢] ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً﴾ [البقرة ٧٢/ ٢]، والمراد من جميع هذه الخطابات أسلافهم (١).
стр. 2447
فالمراد بذلك كله آدم ﵇، وهو اختيار ابن جرير الطبري أيضا (١).
قال ابن كثير: وإنما قيل ذلك بالجمع لأنه أبو البشر.
وروى الحاكم عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ أنه قال: «خلقوا في أصلاب الرجال، وصوروا في أرحام النساء» وقال أي الحاكم: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه. فيكون معنى الآية: ولقد خلقناكم في ظهر آدم ﵇ أمثال الذّر، ثم صورناكم أي في الأرحام.
قال القرطبي: الصحيح من الأقوال ما يعضده التنزيل، قال الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون ١٢/ ٢٣] يعني آدم. وقال:
﴿وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها﴾ [النساء ١/ ٤] ثم قال: ﴿جَعَلْناهُ﴾ أي جعلنا نسله وذريته ﴿نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون ١٣/ ٢٣] فآدم خلق من طين ثم صوّر وأكرم بالسجود، وذريته صوّروا في أرحام الأمهات بعد أن خلقوا فيها وفي أصلاب الآباء (٢). وهذا موافق لرأي الرازي والطبري، ومبيّن تصوير بني آدم، وهو جمع حسن بين الخلقين.
وأما السجود لآدم فمتفق عليه لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ: اُسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ أي وبعد إتمام خلق آدم أمرنا الملائكة بالسجود له سجود تحية وتكريم له ولذريته لا سجود عبادة؛ إذ لا معبود إلا الله وحده، وذلك حتى يعرفوا نعم الله عليهم، فيشكروها، وليحذروا إبليس ووساوسه بعد ما فعله قديما.
فسجد الملائكة كلهم أجمعون، إلا إبليس الذي كان من الجن لا من الملائكة أبى واستكبر، ولم يكن مع الساجدين.
فسأله الله: ما منعك ألا تسجد؟ أي ما منعك وحال بينك وبين السجود؟
стр. 2448
ولا هنا زائدة للتأكيد بدليل اية أخرى: ﴿ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ [ص ٧٥/ ٣٨].
فأجاب معتذرا متعللا: إني أنا خير منه، خلقتني من النار، وخلقته من الطين، والنار بما فيها من خاصية الارتفاع والعلو والنور أشرف من الطين الذي يتسم بالركود والخمود والذبول، والشريف لا يعظّم من دونه، وإن خالف أمر ربه. هذا قياس إبليس، وهو أول قياس، لكنه باطل، إذ لا يستدل على الخيرية بالطبيعة المادية، وإنما تكون الخيرية بالمعاني والخصائص المفيدة فائدة أكثر، وقد حبا الله آدم من العلوم والمعارف والتكريم ما لا يجهله إبليس نفسه.
وهذا كله مبني على أن الأمر بالسجود أمر تكليف، وأنه قد وقع حوار أو سؤال وجواب بين الله وإبليس، وما علينا إلا الإيمان بما دل عليه ظاهر الكتاب، وندع أمر الغيب والحقيقة لله .
وكان جزاء المخالفة وعصيان الأمر الإلهي أنه تعالى أمر إبليس بالهبوط من الجنة التي خلقه الله فيها، وكانت على مرتفع من الأرض؛ لأن الجنة مكان المخلصين المتواضعين، لا مكان المتمردين المتجبرين، لذا قال تعالى: ﴿فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ أي فما ينبغي لك أن تتكبر في هذه الجنة المعدة للكرامة والإسعاد، لا للتكبر والشقاء والعصيان.
فاخرج من هذا المكان، إنك من الذليلين الحقيرين، معاملة له بنقيض مقصوده، ومكافأة لمراده بضده.
فاستدرك اللعين وسأل الإمهال إلى يوم الدين، قال: ﴿أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أي أمهلني إلى يوم يبعث فيه آدم وذريته، فأكون معهم حال الحياة للأخذ بالثأر من طريق الإغواء، وأشهد انقراضهم وبعثهم.
فأجابه الله إلى مطلبه، فقال له: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ المؤجلين إلى وقت النفخة الأولى حيث تصعق الخلائق، وهي نفخة الفزع لقوله تعالى:
стр. 2449
﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾ [النمل ٨٧/ ٢٧] وتسمى أيضا نفخة الصعق لقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى، فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزّمر ٦٨/ ٣٩].
أي إن إبليس يموت عقب النفخة الأولى، كما قال تعالى: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ، وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ [الحاقة ١٣/ ٦٩ - ١٤].
ولما أنظر إبليس إلى يوم البعث واستوثق بذلك، أخذ في المعاندة والتمرد، فقال: ﴿فَبِما أَغْوَيْتَنِي.﴾. أي كما أغويتني أو أضللتني. لأقعدن لعبادك الذين تخلقهم من ذرية آدم على طريق الحق وسبيل النجاة والسعادة، ولأضلنهم عنها، لئلا يعبدوك ولا يوحدوك، بسبب إضلالك إياي، وذلك بأن أزيّن لهم طرقا أخرى كلها ضلال وانحراف.
ثم لا أدع جهة من الجهات الأربع (اليمين والشمال والأمام والخلف) إلا أتيتهم منها، مترصدا لهم كما يترصد قاطع الطريق للمارّة.
ولا تجد أكثرهم شاكرين لك نعمتك، ولا مطيعين أوامرك، وقول إبليس هذا إنما هو ظن منه وتوهم، وقد وافق في هذا الواقع، وأصاب ما هو حاصل، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ، فَاتَّبَعُوهُ إِلاّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ، وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [سبأ ٢٠/ ٣٤ - ٢١].
ثم أكد تعالى عليه اللعنة والطرد والإبعاد والنفي عن محل الملأ الأعلى بقوله: ﴿اُخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً﴾ أي اخرج من الجنة معيبا ممقوتا، مبعدا مطرودا من رحمة الله.
стр. 2450
وأقسم الله على أن من تبعك من بني آدم فيما تزينه له من الشرك والفسوق والمعصية، لأملأن جهنم منك ومن أتباعك أجمعين. وذلك كما في آية أخرى ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص ٨٥/ ٣٨] وآية: ﴿قالَ:﴾
﴿اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ، فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً. وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ، وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ، وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ، وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُوراً. إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ، وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾ [الإسراء ٦٣/ ١٧ - ٦٥].
واستثنى الله تعالى من إغوائه عباده المخلصين، فقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ، إِلاّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ [الحجر ٤٢/ ١٥] وقال أيضا: ﴿قالَ: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص ٨٢/ ٣٨ - ٨٣].
والمراد من كل هذا بيان طبيعة البشر وطبيعة الشيطان، واختيارهما في أعمالهما.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - تكريم النوع الإنساني بسجود الملائكة لأصل الإنسان وهو آدم أبو البشر.
٢ - الخلق والتصوير لله وحده، ولا يستطيع أحد من البشر فعل شيء منهما.
والخلق لغة: التقدير، وتقدير الله: عبارة عن علمه بالأشياء ومشيئته لتخصيص كل شيء بمقداره المعين. والتصوير: عبارة عن إثبات صور الأشياء في اللوح المحفوظ.
٣ - رفض إبليس أمر الله بالسجود لآدم، تكبرا منه واستعلاء؛ لأنه رأى أن النار المخلوق منها أشرف من الطين الذي خلق منه آدم، لعلوها وصعودها
стр. 2451
وخفتها، ولأنها جوهر مضيء. قال ابن عباس والحسن البصري وابن سيرين:
أول من قاس إبليس، فأخطأ القياس، فمن قاس الدين برأيه قرنه الله مع إبليس. وقال ابن سيرين: وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس أي المقاييس الفاسدة التي منها تفضيل النار على الطين، وهو خطأ، لما يأتي:
أما جوهر الطين ففيه الرزانة والسكون، والوقار والأناة، والحلم، والحياء، والصبر، وهذا ما دعا آدم ﵇ إلى التوبة والتواضع والتضرع.
والنار سبب للعذاب، وهي عذاب الله لأعدائه، وليس التراب سببا للعذاب. وذلك يدل على أن التراب أفضل من النار.
إن قياس إبليس هو القياس الفاسد المصادم للنص، أما القياس الصحيح الموافق للنص فيجب العمل به شرعا؛ لانسجامه مع النصوص. قال الطبري:
الاجتهاد والاستنباط من كتاب الله، وسنة نبيه ﷺ ، وإجماع الأمة، هو الحق الواجب، والفرض اللازم لأهل العلم. وبذلك جاءت الأخبار عن النبي ﷺ ، وعن جماعة الصحابة والتابعين. وقال أبو تمام المالكي: أجمعت الأمة على القياس؛ فمن ذلك أنهم أجمعوا على قياس الذهب والورق في الزكاة.
٤ - إن جزاء الرفض لأمر الله من إبليس استوجب طرده من الجنة، ذليلا معيبا ممقوتا مطرودا مبعدا من رحمته،
قال ﷺ فيما رواه أبو نعيم عن أبي هريرة: «من تواضع لله رفعه الله»
وقال أيضا فيما رواه الديلمي في الفردوس: «من تكبر وضعه الله» وقال بعضهم: لما أظهر الاستكبار ألبس الصغار.
٥ - سأل إبليس النظرة والإمهال إلى يوم البعث والحساب، وطلب ألا يموت؛ لأن يوم البعث لا موت بعده، فأنظره الله إلى النفخة الأولى حيث يموت الخلق كلهم. وكان طلب الإنظار إلى النفخة الثانية، حيث يقوم الناس لرب العالمين؛ فأبى الله ذلك عليه. لكن إنظار الله تعالى إبليس إلى يوم القيامة
стр. 2452
لا يقتضي إغراءه بالقبيح؛ لأنه تعالى كان يعلم منه أنه يموت على أقبح أنواع الكفر والفسق، سواء أعلمه بوقت موته أو لم يعلمه بذلك، فلم يكن ذلك الاعلام موجبا إغراءه بالقبيح.
٦ - للشيطان دور في إغواء بعض الناس من طريق الوسوسة لهم، والإغواء: إيقاع الغي في القلب، والغي: هو الاعتقاد الباطل. ودل قوله تعالى: ﴿فَبِما أَغْوَيْتَنِي﴾ على أن الله تعالى أضلّ إبليس وخلق فيه الكفر، لذا نسب الإغواء إلى الله تعالى، وهو الحقيقة ومذهب أهل السنة، فلا شيء في الوجود إلا وهو مخلوق له، صادر عن إرادته تعالى.
٧ - المراد من قوله تعالى: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: أن الشيطان يواظب على الإفساد مواظبة لا يفتر عنها. وتدل هذه الآية على أن إبليس كان عالما بالدين الحق، والمنهج الصحيح؛ لأن صراطك الله المستقيم هو دينه الحق.
٨ - محاولات إغواء الشياطين لا تقتصر على وجه واحد، وإنما تأتي من كل أوجه الحياة، فينبغي الحذر من الشيطان، لذا ورد في الحديث الاستعاذة من تسلط الشيطان على الإنسان من جهاته كلها،
كما روى الحافظ أبو بكر البزار في مسنده عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يدعو: «اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، واحفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بك اللهم أن أغتال من تحتي» أي من الخسف.
٩ - دلت آية: ﴿اُخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ.﴾. على أن التابع والمتبوع تملأ جهنم منهما، وهذا يشمل الكافر والفاسق، مما يدل قطعا على دخول الفاسق النار، والمذكور في الآية أنه تعالى يملأ جهنم ممن تبعه، وليس في الآية أن كل من تبعه يدخل جهنم. وتدل الآية أيضا على أن جميع أصحاب البدع والضلالات يدخلون جهنم؛ لأنهم كلهم تابعون لإبليس.
стр. 2453
قصة آدم في الجنة وخروجه منها
﴿وَيا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ (١٩) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (٢٠) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ (٢١) فَدَلاّهُما بِغُرُورٍ فَلَمّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) قالَ اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٢٤) قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾
الإعراب:
﴿ما نَهاكُما﴾ ﴿لَهُمَا﴾ نافية ﴿عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ ﴿الشَّجَرَةِ﴾ صفة لهذه، وهي اسم جنس، وأسماء الإشارة توصف بالأجناس.
﴿إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ ﴿لَكُما﴾ متعلق بمحذوف، وتقديره: ناصح لكما لمن الناصحين. ولا يجوز أن يكون متعلقا بالناصحين؛ لأن الألف واللام فيه بمنزلة الاسم الموصول، واسم الفاعل صلة له، والصلة لا تعمل في الموصول، ولا فيما قبله. فإن جعلت الألف واللام للتعريف، لا بمعنى الذين، جاز أن يتعلق بالناصحين، وهو قول أبي عثمان المازني. ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ﴾ ﴿لَمْ﴾:
تردّ الفعل المستقبل إلى معنى الماضي، ودخلت إن الشرطية على ﴿لَمْ﴾ لتردّ الفعل إلى أصله وهو الاستقبال؛ لأن ﴿إِنْ﴾ الشرطية ترد الماضي إلى معنى الاستقبال، فلما صار لفظ الفعل المستقبل بعد ﴿لَمْ﴾ بمعنى الماضي، ردّتها إلى الاستقبال؛ لأنها ترد الماضي إلى الاستقبال.
стр. 2454
البلاغة:
﴿وَيا آدَمُ﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي وقلنا: يا آدم.
﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ عبر عن الأكل بالقرب مبالغة في النهي عن الأكل منها.
﴿وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما﴾ أكد الخبر بالقسم وبأنّ واللام لدفع شبهة الكذب.
﴿فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿اُسْكُنْ أَنْتَ﴾ تأكيد للضمير في ﴿اُسْكُنْ﴾ ليعطف عليه ﴿وَزَوْجُكَ﴾ هي حواء ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ بالأكل منها، وهي الحنطة. ﴿فَوَسْوَسَ﴾ الوسوسة: الصوت الخفي المكرر، والمراد منها هنا: ما يجده البشر في أنفسهم من الخواطر التي تزين ما يضر ﴿وُورِيَ﴾ من المواراة أي ما غطّي وستر ﴿مِنْ سَوْآتِهِما﴾ السوءة: ما يسوء الإنسان ويؤلمه، وسوأة الإنسان:
عورته؛ لأنه يسوؤه ظهورها، قال العلماء: في الآية دليل على أن كشف العورة من عظائم الأمور.
وأنه مستهجن طبعا وعرفا ﴿أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ﴾ أي الذين لا يموتون أبدا؛ لأن الخلود لازم عن الأكل منها، كما في آية أخرى: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ، وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه ١٢٠/ ٢٠].
﴿وَقاسَمَهُما﴾ أقسم لهما بالله بكل تأكيد على ذلك حتى خدعهما، وقد يخدع المؤمن بالله.
قال الألوسي: وإنما عبّر بصيغة المفاعلة للمبالغة؛ لأن من يباري أحدا في فعل يجدّ فيه.
﴿فَدَلاّهُما﴾ حطهما عن منزلتهما في الجنة ﴿بِغُرُورٍ﴾ بخداع منه بالباطل ﴿ذاقَا الشَّجَرَةَ﴾ أي أكلا منها ﴿بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ أي ظهر لكل منهما قبله ودبره، وسمي كل منهما سوأة؛ لأن انكشافه يسوء صاحبه، كما ذكر ﴿وَطَفِقا﴾ أخذا وشرعا ﴿يَخْصِفانِ عَلَيْهِما﴾ يلزقان ويرقعان من ورق الجنة ورقة فوق ورقة ليستترا به ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ بين العداوة. والاستفهام بقوله: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُما﴾ للتقرير.
المناسبة:
الآيات استمرار في الكلام عن النشأة الأولى للبشر ودور شياطين الجن في إغواء الناس. والقصد من القصة إرشاد الناس إلى طرق الهداية، وتحذيرهم من وساوس الشياطين، فإن الشيطان بسبب حسده لآدم وحواء سعى في المكر
стр. 2455
والوسوسة والخديعة، ليسلبهما ما هما فيه من النعمة واللباس الحسن. وقد ذكرت هذه القصة في القرآن في سبعة مواضع، كما بينت في الآيات السابقة.
وكيف وسوس الشيطان لآدم، الذي كان في الجنة، وإبليس أخرج منها؟ قال الحسن البصري: كان يوسوس من الأرض إلى السماء وإلى الجنة بالقوة الفوقية التي جعلها الله تعالى فيه.
التفسير والبيان:
أباح الله تعالى لآدم ﵇ وزوجه حواء المخلوقة منه سكنى الجنة، وأن يأكلا من جميع ثمارها إلا شجرة واحدة، فالأمر هنا أمر إباحة لا أمر تكليف.
وتلك الجنة في رأي الجمهور هي جنة الخلد، وقيل: جنة من جنان السماء، أو جنة من جنان الأرض.
وخاطب الله آدم أولا بطريق الوحي، ثم خاطبه مع زوجته، لتساويهما في الأكل من ثمار الجنة.
وما روي في الصحيحين عن أبي هريرة من قوله ﷺ : «فإن المرأة خلقت من ضلع أعوج» من باب التمثيل المراد به المنع من تقويم المرأة بالشدة والغلظة في المعاملة.
وأباح الله بقوله: ﴿فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما﴾ لهما الأكل من مختلف ثمار الجنة، ونهاهما عن الأكل من شجرة خاصة لم يعينها لنا في كتابه، وقد علل النهي بأنهما إذا أكلا منها كانا من الظالمين لأنفسهما، بفعلهما ما يعاقبان عليه.
وهذا امتحان من الله في إباحة الكثير وتحريم القليل.
فحسدهما الشيطان، وسعى في المكر والوسوسة والخديعة، ليسلبهما ما هما فيه من النعمة واللباس الحسن، فزيّن لهما ما يضرهما ويسوؤهما، بأن تمثّل لهما