التمثال: فلا بد أن يكون مثالا لشيء حقيقي، فإن عبد فهو صنم. وقد يتخذ التمثال للزينة كالمتخذ على جدران الأبنية أو في مداخل الجسور، وقد يكون التمثال لتذكر سيرة بعض القادة بقصد التعظيم غير الديني، كتماثيل بعض الزعماء والعلماء في الساحات العامة.
﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهاً﴾ صنما نعبده. ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ حيث قابلتم نعمة الله عليكم بما قلتموه.
﴿مُتَبَّرٌ﴾ هالك، والتتبير: الإهلاك والتدمير. ﴿وَباطِلٌ﴾ زائل لا بقاء له. ﴿أَبْغِيكُمْ إِلهاً﴾ مثل أبتغيكم: أي أطلب لكم.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى أنواع نعمه على بني إسرائيل، بأن أهلك عدوهم، وأورثهم أرضهم وديارهم، أتبع ذلك بالنعمة العظمى: وهي أن الله جاوز بهم البحر مع السلامة. وهذا تكملة الفصل العاشر من قصة موسى مع فرعون.
ثم ارتدوا وجهلوا وطلبوا من موسى عبادة الأصنام. وفي هذا تسلية للنبي ﵌ عما رآه من يهود المدينة، فقد فعلوا ما هو أعظم مع نبيهم موسى ﵇. وفي بيان ذلك تذكير للمؤمنين أن يشكروا نعمة الله، وألا يكونوا مثل بني إسرائيل.
التفسير والبيان:
أنقذ الله بني إسرائيل من كيد فرعون وملئه، فعبروا البحر آمنين بالسير في أرضه دون سفن، بعد أن أوحى الله لنبيه موسى بضرب البحر فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم، ثم أغرق الله فرعون وقومه حينما لحقوا بهم، وفي وسط البحر أطبق عليهم الماء، كما وصف تعالى هذا الحادث العجيب بقوله: ﴿فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ، فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ. وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ. وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ. ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٦٣/ ٢٦ - ٦٧].
стр. 2662
وبعد أن جاوز بنو إسرائيل البحر، وقد رأوا من آيات الله وعظيم سلطانه ما رأوا، وشاهدوا أنه تعالى أهلك فرعون وجنوده، وخصهم بالنجاة والسلامة، كانوا في غاية الجهالة والضلالة وجحود النعمة، إذ طلبوا من موسى اتخاذ إله من الأصنام، تأثرا بما رأوه من بعض العرب أو من غيرهم يعبدون الأصنام ويعظمونها ويلازمونها ويقبلون عليها، وتشبها بالمصريين الذين كانوا يعبدون التماثيل. وكأنهم لم يدركوا معنى التوحيد الذي دعاهم إليه موسى ﵇.
أما القوم الذين رأوهم فهم من الكنعانيين (وهم الذين أمر موسى ﵇ بقتالهم) وقيل: كانوا من لخم. قال الطبري: وكانوا يعبدون أصناما على صور البقر، فلهذا أثار ذلك شبهة لهم في عبادتهم العجل بعدئذ.
فقالوا: ﴿يا مُوسَى، اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، أي اجعل لنا صنما نعكف عليه ونلازمه، ﴿كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ أصنام يعكفون عليها، والمراد أنهم طلبوا منه أن يعين لهم أصناما. وهذا يدل على تأثرهم بالبيئة المصرية وحنينهم لها، وعلى نزعتهم المادية بتجسيد الإله في صورة معدن أو حجر.
فأجابهم موسى تعجبا من قولهم على أثر ما رأوا من الآية العظمى والمعجزة الكبرى، فوصفهم بالجهل المطلق وأكده؛ لأنه لا جهل أعظم مما رأى منهم ولا أشنع، فإنهم جهلوا مقام التوحيد، وما يجب من إفراد الله بالعبادة بلا واسطة من إنسان أو مادة، جهلوا عظمة الله وجلاله وما يجب أن ينزه عنه من الشريك والمثيل.
واتخاذ الواسطة إلى الله بهذه الأصنام كفر؛ فقد أجمع كل الأنبياء ﵈ على أن عبادة غير الله تعالى كفر، سواء اعتقد في ذلك الغير كونه إلها للعالم، أو اعتقدوا أن عبادته تقربهم إلى الله تعالى؛ لأن العبادة نهاية التعظيم،
стр. 2663
ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الإنعام والإكرام (١).
وهذه طريقة السذّج والجهلة، وقد حدث في عهد النبي ﵌ مثل ذلك،
روى أحمد والنسائي عن أبي واقد الليثي قال: «خرجنا مع رسول الله ﵌ قبل حنين، فمررنا بسدرة، فقلت: يا رسول الله، اجعل لنا هذه ذات أنواط (٢)، كما للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة، ويعكفون حولها، فقال: الله أكبر، كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، إنكم تركبون سنن من قبلكم».
وتتمة ردّ موسى: إن هؤلاء يعني عبدة تلك التماثيل مدمّر مكسّر ما هم فيه، وزائل ما كانوا يعملون من عبادتها فيما سلف، فكل ما عملوه مضمحل الأثر، لا ينتفعون به، بل يعاقبون عليه، وإن كان في زعمهم تقربا إلى الله، كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ، فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان ٢٣/ ٢٥].
وفي عبارة القرآن: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ﴾ إشارة إلى أن عبدة الأصنام هم المعرضون للهلاك، وأن عملهم إلى زوال، وهذا بشارة بزوال عهد الوثنية من تلك الأرض.
ثم قال لهم موسى: أغير الله خالق السموات والأرض المنعم عليكم بهذه النعم أطلب لكم معبودا؟ وهو الذي ﴿فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾، أي عالمي زمانهم بالتوحيد وهداية الدين وتجديد ملة إبراهيم ﵇.
ثمّ ذكّرهم موسى ﵇ نعم الله العظمى عليهم، من إنقاذهم من أسر
стр. 2664
فرعون وقهره وما كانوا فيه من الهوان والذلة، وما صاروا إليه من العزّة والسيادة وخلافة الملك والسلطان، والاشتفاء أو الانتقام من عدوهم والنظر إليه وقت هلاكه وغرقه ودماره، بعد أن كان يسومكم سوء العذاب، بتقتيل أبنائكم، وترك نسائكم أحياء، وتسخيركم للخدمة. وفي ذلكم المذكور من الإنجاء من فرعون وعمله، والإنعام عليكم بهذه النعم بلاء عظيم، أي أن النعمة أو المحنة اختبار مهم جدا، فأنتم أجدر الناس بعبادة ربكم الذي منحكم نعمة الحياة والإنقاذ والعزة، وأولى من غيركم بشكر تلك النعم الجليلة، وهل هناك عجب أشد من هذا العجب أن تطلبوا جعل آلهة مزيفة عاجزة خسيسة ضعيفة واسطة بينكم وبين الله الذي فضلكم عليها وعلى من يعبدونها.
والمراد بقوله: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ﴾ أي اذكروا ذلك الوقت، والقصد ذكر ما حصل فيه، حتى يشكروا الله عليه.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية الأولى: ﴿وَجاوَزْنا﴾ على جهالة بني إسرائيل بحقيقة التوحيد الذي جاء موسى ﵇ من أجل إرشادهم إليه، فقد طلبوا منه أن يعين لهم أصناما وتماثيل يتقربون بعبادتها إلى الله تعالى، وهذا تماما مشابه لفعل عبدة الأوثان حيث قالوا: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾ [الزمر ٣/ ٣٩].
قال قتادة: كان أولئك القوم من لخم، وكانوا نزولا بالرّقة. وقيل: كانت أصنامهم تماثيل بقر؛ ولهذا أخرج لهم السامري عجلا.
ونظيره قول جهال الأعراب في عصر النبي ﵌، وقد رأوا شجرة خضراء للكفار تسمى «ذات أنواط» (١) يعظمونها في كل سنة يوما: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط.
فقال ﵊ كما
стр. 2665
تقدم-: «الله أكبر، قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى: ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهاً، كَما لَهُمْ آلِهَةٌ، قالَ: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، لتركبنّ سنن من قبلكم حذو القذّة (١) بالقذّة، حتى إنهم لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه» وكان هذا في مخرجه إلى حنين.
وإن طلب إله آخر هو في غاية الجهل؛ لأن المعبود المستحق للعبادة والتعظيم هو القادر على خلق الأجساد والحياة والقدرة والعقل، وخلق الأشياء المنتفع بها، ولا يقدر على ذلك غير الله تعالى، فلا تليق العبادة إلا به.
ودلت آية: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ﴾ على أن عبدة الأصنام هم المعرضون للهلاك، وأن عملهم إلى زوال، وأن عهد الوثنية من الأرض سينتهي، لمناقضته العقل والفطرة.
وقد ندد موسى ﵇ بطلب بني إسرائيل من نواح أربع:
أولها-أنه حكم عليهم بالجهل، فقال: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾.
وثانيها-أنه قال: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ﴾ أي سبب للخسران والهلاك.
وثالثها-أنه قال: ﴿وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي هذا العمل الشاق لا يفيدهم نفعا في الدنيا والدين.
ورابعها-التعجب منهم على وجه يوجب الإنكار والتوبيخ فقال: ﴿أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ أي أن الإله ليس شيئا يطلب ويلتمس ويتخذ، بل الإله هو الله الذي يكون قادرا على الإنعام بالإيجاد وإعطاء الحياة
стр. 2666
وجميع النعم، وهو المراد من قوله: ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ أي على عالمي زمانهم.
ومن المعروف أن بني إسرائيل يجحدون نعم الإله عليهم، فالله أنعم عليهم بتفضيلهم على عالمي زمانهم، وهي نعمة عظيمة، فكيف يليق بهم الاشتغال بعبادة غير الله تعالى؟! وأنعم عليهم بالعزة بعد الذلة، وبالسلطان والحكم والخلافة في الأرض بعد العبودية والاستعمار والتبعة، وبالنجاة من ظلم فرعون الذي كان يقتل أبناءهم ويبقي نساءهم أحياء. والخطاب وإن كان ليهود عصر النبي ﵌، فهو تذكير لهم بإنجاء أسلافهم.
مناجاة موسى لربه
أو مكالمة موسى ربه وطلبه رؤية الله وإنزال التوراة عليه
﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢) وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اِسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) قالَ يا مُوسى إِنِّي اِصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (١٤٥)﴾
стр. 2667
الإعراب:
﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً﴾ أي تمام ثلاثين ليلة، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وهو في موضع المفعول الثاني لواعدنا. ولا يجوز أن يكون ﴿ثَلاثِينَ﴾ منصوبا على الظرف؛ لأن الوعد لم يكن في الثلاثين.
و ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾: حال، كأنه قال: فتم ميقات ربه معدودا أربعين ليلة، وليلة:
تمييز.
و ﴿هارُونَ﴾ مجرور على البدل من ﴿لِأَخِيهِ﴾ أو على عطف البيان.
﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ إما منصوب على المصدر من: دككت الأرض دكّا، إذا جعلتها مستوية.
وإما أن يكون منصوبا على المفعول، وفيه حذف مضاف؛ لأن الفعل الذي قبله ليس من لفظه وهو «جعل» وتقديره: فجعله ذا دكّ، أي ذا استواء.
﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ بدل من الجار والمجرور قبله وهو ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
البلاغة:
﴿سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ﴾ فيه التفات من الغيبة أي (سأريهم) إلى الخطاب، للمبالغة في الحض على انتهاج طريق الصالحين.
المفردات اللغوية:
﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً﴾ أي وعدناه بأن نكلمه عند انتهائها، وبعد أن يصومها، وهي ذو القعدة، فصامها، فلما تمت أنكر خلوف-رائحة-فمه، فاستاك، فأمره الله بعشرة أخرى، ليكلمه، بسبب إزالة خلوف فمه ﴿وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ﴾ من ذي الحجة. ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ﴾ وقت وعده بكلامه إياه، والميقات: ما قدر فيه عمل من الأعمال، كمواقيت الصلاة والصوم والحج. أما
стр. 2668
الوقت: فهو وقت للشيء قدر فيه عمل أو لم يقدر. ﴿وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ﴾ عند ذهابه للجبل للمناجاة ﴿اُخْلُفْنِي﴾ كن خليفتي ﴿وَأَصْلِحْ﴾ أمرهم ﴿وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ بموافقتهم على المعاصي.
﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ أي للوقت الذي وعدناه للكلام فيه ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ بلا واسطة كلاما سمعه من كل جهة ﴿لَنْ تَرانِي﴾ لن تقدر على رؤيتي، والتعبير به دون (لن أرى) يفيد إمكان رؤيته تعالى.
﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ﴾ ثبت ﴿فَسَوْفَ تَرانِي﴾ أي تثبت لرؤيتي، وإلا فلا طاقة لك ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ﴾ انكشف وظهر نوره، قدر نصف أنملة الخنصر، كما في حديث صححه الحاكم ﴿دَكًّا﴾ مدكوكا مستويا بالأرض ﴿صَعِقاً﴾ مصعوقا مغشيا عليه لهول ما رأى ﴿أَفاقَ﴾ عاد إليه رشده وعقله وفهمه ﴿سُبْحانَكَ﴾ تنزيها لك ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ من سؤال ما لم أؤمر به ﴿أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في زماني.
﴿اِصْطَفَيْتُكَ﴾ اخترتك ﴿عَلَى النّاسِ﴾ أهل زمانك ﴿وَبِكَلامِي﴾ أي تكليمي إياك ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ﴾ من الفضل ﴿وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ لأنعمي ﴿الْأَلْواحِ﴾ أي ألواح التوراة، وكانت سبعة أو عشرة، وهي من سدر الجنة، أو زبرجد أو زمرّد ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يحتاج إليه في الدين ﴿وَتَفْصِيلاً﴾ تبيينا ﴿بِقُوَّةٍ﴾ أي يجد وعزيمة واجتهاد ﴿سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ﴾ فرعون وأتباعه، وهي مصر، لتعتبروا بها.
المناسبة:
بعد أن عدد الله تعالى طائفة من النعم على بني إسرائيل، كإنجائهم من عبودية فرعون، وجعلهم أمة مستقلة، ذكر هنا كيفية نزول التوراة على موسى، التي هي دستور حياتهم، وتبيان شريعتهم والأحكام التي أمر ربهم بها.
وسبب الآيات: هو ما روي أن موسى ﵇ وعد بني إسرائيل وهو بمصر: إن أهلك الله عدوهم، أتاهم بكتاب من عند الله، فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب، فهذه الآيات في بيان كيفية نزول التوراة (١).
стр. 2669
وموضوع الآيات: تحديد موعد لموسى لمكالمة ربه، واستخلاف هارون على بني إسرائيل في غياب موسى، وطلب موسى رؤية الله ، وإنزال التوراة المتضمنة أصول الشريعة.
التفسير والبيان:
امتن الله على بني إسرائيل بما ظفروا به من الهداية، بتكليمه موسى ﵇، وإعطائه التوراة وفيها أحكامهم وتفاصيل شرعهم.
والمعنى: وعد الله تعالى موسى مكالمته، في تمام ثلاثين ليلة، وأمره بصومها، فصامها، وهي شهر ذي القعدة، فلما تمت أنكر موسى رائحة فمه، فاستاك بلحاء شجرة، فأمره الله تعالى أن يكمل صيام عشرة أيام أخرى من ذي الحجة، وأن يلقى الله صائما، فأصبح موعد اللقاء في تمام أربعين ليلة، ذكرت في سورة البقرة مجملة، وفصلت هنا.
وإنما قال: ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ إزالة لتوهم أن ذلك العشر من الثلاثين: لأنه يحتمل أتممناها بعشر من الثلاثين، كأنه كان عشرين، ثم أتمه بعشر، فصار ثلاثين، فأزال هذا الإيهام (١).
روي عن أبي العالية أنه قال في بيان زمان الموعد: يعني ذا القعدة وعشرا من ذي الحجة، فمكث على الطور ليلة، وأنزل عليه التوراة في الألواح، فقرّبه الرب نجيا، وكلمه وسمع صريف القلم.
قال ابن كثير: فعلى هذا يكون قد كمل الميقات يوم النحر، وحصل فيه التكليم لموسى ﵇، وفيه أكمل الله الدين لمحمد ﵌، كما قال تعالى:
стр. 2670
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة ٣/ ٥] (١).
وقال موسى حين أراد الذهاب إلى الطور لميقات ربه لأخيه هارون الأكبر منه سنا: كن خليفتي في القوم مدة غيابي، وأصلح أمر دينهم، ولا تتبع سبيل أهل الفساد والضلال، وهو يشمل مشاركتهم في أعمالهم الفاسدة. وهذا تنبيه وتذكير وتأكيد، وإلا فهارون ﵇ نبي شريف كريم على الله.
وكان هارون وزيرا لموسى بسؤاله ربه: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي، هارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه ٢٩/ ٢٠ - ٣٢]. وكانت الرياسة في بني إسرائيل لموسى ﵇.
ولما جاء موسى لميقات الله تعالى المحدد له للكلام مع ربه وإعطائه الشريعة، وكلمه ربه بلا واسطة كلاما سمعه من كل جهة وسمعه السبعون المختارون للميقات، رغب في الجمع بين فضيلتي الكلام والرؤية، فقال: أرني ذاتك المقدسة، وقوّني على النظر إليك، فقال الله له: لن تراني الآن ولا في المستقبل في الدنيا؛ إذ ليس لبشر القدرة على النظر إلى في الدنيا،
لقوله ﵌ فيما رواه مسلم: «حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه-أنواره- ما انتهى إليه بصره من خلقه».
ثم أبان له أنه لا يطيق الرؤية فقال مستدركا: ولكن انظر إلى الجبل، فإن ثبت مكانه عند التجلي الأعظم عليه، فسوف تراني. وإذا كان الجبل في قوته وثباته لم يستطع أن يثبت، فكيف أنت يا موسى؟ فلما تجلى ربه للجبل، وما تجلى منه إلا قدر الخنصر، جعله ترابا مدكوكا، وخرّ-سقط -موسى مغشيا عليه.
стр. 2671
فلما أفاق من إغماءته وغشيانه أو صعقته، قال: سبحانك، أي تنزيها وتعظيما وإجلالا أن يراك أحد في الدنيا إلا مات.
إني تبت إليك من طلب الرؤية أي أن أسألك الرؤية، وأنا أول المؤمنين في زماني من بني إسرائيل بعظمتك وجلالك، وفي رواية عن ابن عباس: وأنا أول المؤمنين أنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة.
ثم طيب الله خاطره وأبان له مكانته، فقال له: يا موسى إني اخترتك على ناس زمانك وآثرتك عليهم بتكليمي إياك وبإعطائك رسالاتي المتنوعة، فخذ ما أعطيتك من الشريعة وهي التوراة، وكن من جماعة الشاكرين نعمي، المظهرين لإحساني إليك وفضلي عليك.
﴿مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ الموعظة: تشمل كل ما يوجب الرغبة في الطاعة والنفرة من المعصية، والتفصيل: بيان أقسام الأحكام، أي وأعطيناه ألواحا كتبنا له فيها أنواع الهداية والمواعظ المؤثرة، والأحكام المفصلة المبينة للحلال والحرام وأصول العقيدة والآداب، وكانت هذه الألواح مشتملة على التوراة، وهي أول ما أوتيه من التشريع.
﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ﴾ أي فقلنا له: خذها عطفا على ﴿كَتَبْنا﴾ أي فخذها بقوة وجد وعزيمة، أي وعزم على الطاعة ونية صادقة، ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها﴾، أي يعملوا بالأوامر ويتركوا النواهي، ويتدبروا الأمثال والمواعظ.
ومعنى ﴿بِأَحْسَنِها﴾ أي بحسنها وكلها حسن كالقصاص والعفو والانتصار والصبر، فليأخذوا بما فيه الحسن والصواب، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر ٥٥/ ٣٩].
﴿سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ﴾ أي سترون عاقبة من خالف أمري، وخرج عن طاعتي، وكيف يصير إلى الهلاك والدمار.
стр. 2672
قيل: أراد بها مصر، أي سأريكم ديار القبط ومساكن فرعون خالية منهم.
وقال قتادة: سأريكم منازل الكفار التي سكنوها قبلكم من الجبابرة والعمالقة ليعتبروا بها؛ يعني الشام وأهل الشام، أي منازل عاد وثمود والشعوب التي أهلكها الله بسبب الفسق، وتمرون عليها في أسفاركم. قال ابن كثير: وهذا هو الأولى؛ لأن هذا كان بعد انفصال موسى وقومه عن بلاد مصر، وهو خطاب لبني إسرائيل قبل دخولهم التيه.
وإذا كان المراد مصر فإن الله تعالى لما أغرق فرعون، أوحى إلى البحر أن اقذف بأجسادهم إلى الساحل، ففعل؛ فنظر إليهم بنو إسرائيل، فأراهم هلاك الفاسقين. وهذا رأي أكثر المفسرين.
قال ابن جرير الطبري: وإنما قال: ﴿سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ﴾ كما يقول القائل لمن يخاطبه: سأريك غدا إلى ما يصير إليه حال من خالف أمري، على وجه التهديد والوعيد لمن عصاه وخالف أمره. أي أن في آية ﴿سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ﴾ وجهين: إما التهديد الوعيد على مخالفة أمر الله تعالى، وإما الاعتبار بمن أهلكهم الله، وهم إما فرعون وجنوده، وإما منازل عاد وثمود والقرون الذين أهلكهم الله.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - تعظيما لشأن الميقات أو الموعد بتكليم الله أمر الله موسى أن يصوم ثلاثين يوما وأن يعمل فيها ما يقربه إلى الله تعالى، ثم أنزلت التوراة عليه في العشر البواقي في رأي، أو أنه أزال خلوف فمه بنهاية صوم الثلاثين يوما وهو شهر ذي القعدة في رأي الكثيرين، فأمره الله تعالى أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة. فهذا هو فائدة تفصيل الأربعين إلى الثلاثين وإلى العشرة.
стр. 2673
٢ - إنه تعالى كلّم موسى ﵇، وكلام الله تعالى في قول أكثر أهل السنة والجماعة صفة أزلية قديمة، مغايرة للحروف والأصوات، فليس كلام الله حرفا ولا صوتا، وقد سمع موسى ﵇ تلك الصفة الحقيقية الأزلية التي ليست بحرف ولا صوت، وإلا كان كلامه محدثا.
٣ - قد سمع السبعون المختارون للميقات أيضا كلام الله تعالى؛ لأن الغرض بإحضارهم أن يخبروا قوم موسى ﵇ عما يجري هناك، وهذا المقصود لا يتم إلا عند سماع الكلام، ثم إن حادثة التكليم معجزة لموسى، فلا بد من اطلاع غيره عليها.
٤ - أنزل الله تعالى على موسى في هذه المكالمة الألواح وفيها التوراة المشتملة على أصول العقيدة والأخلاق والآداب والشريعة والأحكام المفصلة المبينة للحلال والحرام، عن مقاتل: كتب في الألواح: «إني أنا الله الرحمن الرحيم، لا تشركوا بي شيئا، ولا تقطعوا السبيل، ولا تحلفوا باسمي كاذبين، فإن من حلف باسمي كاذبا، فلا أزكيه، ولا تقتلوا، ولا تزنوا، ولا تعقّوا الوالدين».
٥ - يجب تلقي الشريعة بحزم وجد وعزم على الطاعة وتنفيذ ما ورد فيها من الصلاح والإصلاح ومنع الفساد والإفساد، وتكوين الأمة تكوينا جديدا.
والأخذ بأحسن ما في التوراة وكل ما فيها حسن وهو الأخذ بالفرائض والنوافل، دون المباح الذي لا حمد فيه ولا ثواب (١).
٦ - اعتز شعب إسرائيل حين أقام شريعته، فلما غلب عليه الغرور، وظن أنه شعب الله المختار، وظلم وفسق، سلط الله عليه البابليين، فأزالوا ملكه، ثم تاب فعاد إليه بعض ملكه، ثم ظلم وأفسد، فسلط عليه النصارى، فهزموه وشتتوه.
стр. 2674
وكذلك المسلمون لما عصوا كتاب ربهم وأهملوه، سلط الله عليهم الأعداء من كل جانب، فأفسدوا أفكارهم وعقيدتهم وأخلاقهم، وأوقعوا الشقاق والنزاع بينهم.
والخلاصة: أن الأمة تكون عزيزة الجانب مرهوبة ما دامت متمسكة بدينها، فإذا أهملته انهارت وضاعت ولا يغترن أحد بدول أوربا وأمريكا وروسيا واليهود، فإن ذلك لأجل محدود، ولحكمة يعلمها الله تعالى.
٧ - الآراء في رؤية الله : استدل المعتزلة بهذه الآية: ﴿لَنْ تَرانِي﴾ وبقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ﴾ [الأنعام ١٠٣/ ٦] على نفي رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة، وما كان طلب موسى ﵇ الرؤية إلا تبكيت السفهاء الذين طلبوا الرؤية، فأراد أن يسمعوا النص من عند الله بامتناع ذلك.
وأثبت أهل السنة إمكان رؤية الله في الآخرة، بقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢/ ٧٥ - ٢٣] وبالأحاديث الصحيحة المتواترة عن رسول الله ﵌، ومنها:
ما أخرجه أحمد والشيخان وأصحاب السنن الأربعة عن جرير أن رسول الله ﵌ قال: «إنكم سترون ربّكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته...»
ومنها ما أخرجه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي ﵌ قال: «قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» وهي المعبر عنها بقولهم: إنها رؤية بلا كيف.
أما الآية هنا: ﴿لَنْ تَرانِي﴾ فتدل على أنه تعالى جائز الرؤية؛ لأنه تعالى لو كان مستحيل الرؤية لقال: لا أرى؛ ولأنه تعالى علق رؤيته على أمر جائز وهو استقرار الجبل، وما علق على جائز الوجود فهو جائز؛ ولأن موسى عليه
стр. 2675
السلام سأل الرؤية، ولا يسأل إلا الجائز، فلو كانت الرؤية ممتنعة على الله تعالى لما سألها، وحيث سألها، علمنا أن الرؤية جائزة على الله تعالى.
ثم إن التجلي في قوله تعالى: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ هو إما ظهور بالرؤية أو الدلالة، وبما أن الرؤية غير مقدورة للإنسان، فكان المراد ظهور آياته التي أحدثها لحاضري الجبل، أي أن المقصود تقرير أن الإنسان لا يطيق رؤية الله تعالى، بدليل أن الجبل مع عظمته لما رأى الله تعالى اندك وتفرقت أجزاؤه.
وفي نهاية الحادثة تسلية موسى ﵇ عن منع الرؤية، وكأنه قال له:
إن كنت قد منعتك الرؤية فقد أعطيتك من النعم العظيمة كذا وكذا، فلا يضيق صدرك بسبب منع الرؤية. وهذا أيضا يدل على أن الرؤية جائزة على الله تعالى (١).
عقوبة التكبر والكفر بصرف المتكبرين عن فهم أدلة العظمة الإلهية
﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٤٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)﴾
стр. 2676
الإعراب:
﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ فيه وجهان: أن يكون حالا، بمعنى يتكبرون غير محقين؛ لأن التكبر بالحق لله وحده، وأن يكون صلة لفعل التكبر، أي يتكبرون بما ليس بحق.
﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ ﴿ذلِكَ﴾: في محل الرفع مبتدأ، على معنى: ذلك الصرف بسبب تكذيبهم أو في محل النصب، على معنى: صرفهم الله ذلك الصرف بسببه.
﴿وَلِقاءِ الْآخِرَةِ﴾ يجوز أن يكون من إضافة المصدر إلى المفعول به، أي ولقائهم الآخرة ومشاهدتهم أحوالها، أو من إضافة المصدر إلى الظرف، بمعنى ولقاء ما وعد الله في الآخرة.
المفردات اللغوية:
﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ﴾ بالطبع على قلوب المتكبرين وخذلانهم، ومنعهم فهم الحجج والأدلة الدالة على عظمتي وشريعتي وأحكامي، فلا يفكرون فيها، ويتكبرون عن طاعتي. وآياتي: دلائل قدرتي من المصنوعات وغيرها ﴿يَتَكَبَّرُونَ﴾ أي يتكبرون عن طاعتي، ويتكبرون على الناس بغير حق. والتكبر: غمط الحق بعدم الخضوع له، مع احتقار الناس غالبا. ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ﴾ طريق ﴿الرُّشْدِ﴾ الهدى الذي جاء من عند الله، والصلاح والاستقامة، وضده الغي والسفه، والرّشد والرّشد في اللغة: أن يظفر الإنسان بما يريد، وهو ضد الخيبة.
﴿الغَيِّ﴾ الضلال ﴿ذلِكَ﴾ الصرف ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أي الآيات المنزلة من عندنا المشتملة على الهدى وتزكية النفوس. فالآيات هنا غير الآيات الأولى التي هي الدلائل والبينات.
﴿وَلِقاءِ الْآخِرَةِ﴾ البعث وغيره ﴿حَبِطَتْ﴾ بطلت ﴿أَعْمالُهُمْ﴾ ما عملوه في الدنيا من خير كصلة رحم وصدقة، فلا ثواب لهم لانعدام شرط القبول وهو الإيمان.
﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي ما يجزون إلا جزاء عملهم من التكذيب والمعاصي.
المناسبة:
هذه الآيات تتحدث عن طبائع المتكبرين القدامى والمعاصرين، فبعد أن بيّن الله تعالى ما لحق بفرعون وقومه من الهلاك بسبب استكباره وظلمه، ذكر أن امتناع قريش عن الإيمان إنما هو بسبب التكبر أيضا، وهذا يدل على أن منشأ
стр. 2677
الإعراض عن الإيمان والإصرار عن الكفر هو التكبر، والكبر يصرف الإنسان عادة عن النظر في الحق ويؤدي إلى التكذيب به، ويجعل المتكبر غافلا عن آيات الله الدالة عليه.
التفسير والبيان:
سأمنع قلوب المتكبرين عن طاعتي والمتكبرين على الناس بغير حق من فهم الدلائل الدالة على عظمتي وشريعتي، كما قال تعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥/ ٦١]. والمراد بآياتي هنا: الأدلة والبينات.
وهذا خطاب شامل كل أمة وفرد، مثل فرعون وقومه الذين منعهم الله من فهم آيات موسى، وقد يفهمون بعض الآيات ويجحدونها غرورا وتعاليا وتكبرا مثل قوم فرعون الذين قال الله فيهم: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا﴾ [النمل ١٤/ ٢٧] ومثل كفار قريش الذين حجبهم الكبر عن النظر في الآيات مع يقينهم بصدق محمد.
هؤلاء المتكبرون من صفاتهم أولا-أنهم لا يؤمنون بأي آية تدل على الحق وتثبته؛ إذ لا تفيد الآيات إلا من كان مستعدا للفهم وقبول الحق، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ، وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس ٩٦/ ١٠ - ٩٧].
وثانيا-أنهم يبتعدون عن طريق الهدى والرشاد، وهي الطريق الممهدة المؤدية إلى النجاة، فإذا رأى أحدهم هذه السبيل لا يسلكها ويسلك غيرها، وهذا عن تعمد وعناد، وقد يكون بعضهم عن جهل، وحكم الفريقين واحد.
وثالثا-أنهم إذا ظهر لهم سبيل الغي والضلال والفساد، بادروا إليه مسرعين، بما تزينه لهم أهواؤهم ونفوسهم الأمارة بالسوء، وهذا سلوك شر مما سبقه.
стр. 2678
ثم علل مصيرهم إلى هذه الحال بعلة ثابتة وهي تكذيبهم بآيات الله المنزلة على رسله، وغفلتهم عن النظر بما فيها، وإعراضهم عن العمل بها.
ومجمل حال هؤلاء المتكبرين أن الله لم يخلقهم مطبوعين على الكفر والضلال، ولم يجبرهم عليه، بل حدث ذلك باختيارهم؛ إذ أنهم كذبوا بالآيات، وانغمسوا بأهوائهم وشهواتهم في بؤر الضلال والانحراف، وحجبوا أفهامهم عن إدراك الحق والهدى وسلوك سبيل السعادة والنجاة، فهم كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها، وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها، أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ، أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ [الأعراف ١٧٩/ ٧].
ثم أوضح الله تعالى مآل ما قد يعملونه من أعمال خيّرة في الدنيا: وهو إحباطها وإبطالها وتلاشي آثارها، وعدم ترتيب الثواب عليها، فقال: والذين كذبوا بآياتنا المنزلة على رسلنا، ولم يؤمنوا بها، ولم يصدقوا بالآخرة والبعث وما فيه من جزاء على الأعمال ثوابا على الخير وعقابا على الشر، واستمروا على وضعهم هذا إلى الممات، بطلت أعمالهم، وذهبت سدى، لفقد شرط القبول وهو الإيمان، ولأن من سنته تعالى جعل الجزاء في الآخرة بحسب أعمالهم التي أسلفوها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وكما تدين تدان.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه أحوال المتكبرين عن طاعة الله وعلى الناس، الظانين أنهم أفضل الخلق، وهو ظن باطل، لقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ فلا يتبعون نبيا، ولا يصغون إليه لتكبرهم.
يصرفهم الله تعالى عن التفكير في آيات الله الدالة على عظمته وشريعته
стр. 2679
وأحكامه، بالطبع على قلوبهم، وإلقاء الغفلة على نفوسهم، وشغلهم بأهوائهم وشهواتهم، وهم في تركهم تدبر الحق كالغافلين عنه.
إنهم يمنعون في معاداة الأنبياء، ويكذبون بالآيات المنزلة على الرسل، وينكرون وجود الآخرة، ولا يصدقون بكل آية، ويتركون طريق الرشاد، ويتبعون سبيل الغي والضلال، أي يتخذون الكفر دينا.
واحتج أهل السنة بآية ﴿سَأَصْرِفُ﴾ على أنه تعالى قد يمنع عن الإيمان ويصد عنه.
وقالت المعتزلة: لا يمكن حمل الآية على ذلك، فليس المراد منها صرفهم عن الإيمان بآيات الله ولا خلق الكفر فيهم؛ لأن قوله: ﴿سَأَصْرِفُ﴾ يتناول المستقبل، والكفر حدث منهم في الماضي، مما يدل على أنه ليس المراد من هذا الصرف الكفر بالله، وإنما المراد العقوبة على التكبر والكفر.
ولأنه لو صرفهم عن الإيمان وصدهم عنه، فكيف يمكن أن يقول مع ذلك:
﴿فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾؟ ﴿فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾؟ ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا﴾؟ [الانشقاق ٢٠/ ٨٤، المدثر ٤٩/ ٧٤، الإسراء ٩٤/ ١٧] (١).
ودل قوله تعالى: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ على أن الجزاء من جنس العمل، فمن آمن وعمل الصالحات فله الجنة، ومن كفر وعمل السيئات فله النار.
стр. 2680
قصة اتخاذ السامري العجل
﴿وَاِتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اِتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ (١٤٨) وَلَمّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (١٤٩)﴾
الإعراب:
﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾ جار ومجرور متعلق بفعل ﴿وَاتَّخَذَ﴾ والحلي: جمع حلي، وأصله حلوي على فعول، نحو فلس وفلوس، فاجتمعت الواو والياء، والسابق منهما ساكن، فقلبوا الواو ياء، وجعلوهما ياء مشددة. ومفعول (اتخذ) الثاني محذوف أي إلها.
البلاغة:
﴿وَلَمّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ كناية عن شدة الندم؛ لأن النادم يعض على يده عادة ألما وحزنا.
قال في (تاج العروس): هذا نظم لم يسمع قبل القرآن ولا عرفته العرب. وذكرت اليد؛ لأن الندم يحدث في القلب، وأثره يظهر فيها بالعضّ أو بالضرب بها على اليد الأخرى، كما قال سبحانه في النادم: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها﴾ [الكهف ٤٢/ ١٨].
المفردات اللغوية:
﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي بعد ذهابه إلى جبل الطور للمناجاة ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾ حلي القبط الذي كانوا استعاروه منهم لعرس فبقي عندهم، والحلي: ما يتخذ للحلية من ذهب أو فضة ﴿عِجْلاً﴾ صنع لهم السامري عجلا من الحلي بعد إذابته، والعجل: ولد البقرة كالمهر لولد الفرس، والحوار لولد الناقة ﴿جَسَداً﴾ جسما ﴿لَهُ خُوارٌ﴾ صوت يسمع، بوضع التراب الذي أخذه من حافر فرس جبريل في فمه. والخوار: صوت البقر كالرّغاء لصوت الإبل ﴿اِتَّخَذُوهُ﴾ إلها ﴿وَكانُوا ظالِمِينَ﴾ باتخاذه.
стр. 2681
﴿وَلَمّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ ندموا على عبادته ﴿وَرَأَوْا﴾ علموا ﴿أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا﴾ بها بعد رجوع موسى.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى قصة مناجاة موسى لربه وإنزال التوراة عليه، ذكر هنا ما حدث أثناء المناجاة من اتخاذ قومه على يد السامري عجلا مصوغا من الحلي (الذهب والفضة) تقليدا للمصريين في عهد الفراعنة الذين كانوا يعبدون الأصنام والأوثان من شمس وغيرها، ثم عبدوه من دون الله.
وهذا هو الفصل الأول من قصة عبادة العجل.
التفسير والبيان:
اتخذ بنو إسرائيل بعد خروج موسى إلى جبل الطور، لمناجاة ربه، على حسب الموعد الذي وعده الله به، اتخذوا من حلي القبط الذي كانوا استعاروه منهم، ﴿عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ﴾، أي تمثالا بصورة العجل وصوته، ثم عبدوه.
وكان بقاء حلي القبط في أيدي بني إسرائيل بعد أن أغرق الله القبط، وأهلك قوم فرعون.
وقد جمع موسى السامري تلك الحلي، وكان رجلا مطاعا فيهم، وصاغ لهم عجلا، واتخذوه إلها لهم، ثم عبدوه. وإنما نسب إليهم جميعا؛ لأنه عمل برأي جمهورهم، ولم ينكر عليه أحد، فصاروا مجمعين عليه، مريدين لاتخاذه، راضين به.
وكانوا قد سألوا موسى ﵇ أن يجعل لهم إلها يعبدونه، كما لغيرهم من المصريين والشعوب التي مروا بها في فلسطين آلهة.
واختلف المفسرون على قولين في هذا العجل، هل صار لحما ودما له خوار،
стр. 2682
أو استمر على كونه من ذهب، إلا أنه يدخل فيه الهواء، فيصوت كالبقر (١)؟.
قال جماعة مثل قتادة والحسن البصري بالرأي الأول: وهو أن السامري رأى جبريل حين جاوز ببني إسرائيل البحر راكبا فرسا، ما وطئ بها أرضا إلا حلّت فيها الحياة، واخضرّ نباتها، فأخذ كفا من أثرها، فألقاها في جوف ذلك العجل، فانقلب لحما ودما، وظهر منه الخوار مرة واحدة، فقال السامري: هذا إلهكم وإله موسى!.
وقال أكثر مفسري المعتزلة بالرأي الثاني: إنه كان قد جعل ذلك العجل مجوّفا، ووضع في جوفه أنابيب على شكل مخصوص، وكان قد وضع ذلك التمثال على مهب الرياح، فكانت الريح تدخل في جوف الأنابيب، ويظهر منه صوت مخصوص يشبه خوار العجل.
ورأى آخرون أن ذلك الخوار كان تمويها يشبه عمل السحرة (الحواة) وذاك أنه جعل التمثال أجوف، وجعل تحته في الموضع الذي نصب فيه العجل من ينفخ فيه من حيث لا يشعر به الناس، فسمعوا الصوت من جوفه كالخوار، والناس يفعلون مثل هذا في النافورات التي تقذف المياه (٢).
ثم رد الله على اتخاذهم العجل إلها بقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا.﴾. أي ألم ينظروا أنه فاقد لمقومات الإله، فلا يكلمهم ولا يرشدهم إلى خير، ولا يهديهم سبيل السعادة، فهو تعالى ينكر عليهم ضلالهم وذهولهم عن خالق السموات والأرض أن عبدوا معه عجلا فاقدا صفة الإله الحق، وهي الكلام الذي يصدر عنه الهداية والإرشاد، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً﴾ [طه ٨٩/ ٢٠] ولكن الجهل والعمى حجبهم عن إدراك الحقيقة،
روى الإمام أحمد وأبو داود عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﵌: «حبّك
стр. 2683
الشيء يعمي ويصمّ». لذا قال تعالى مؤكدا ضلالهم: ﴿اِتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ﴾ أي إنهم اتخذوه إلها بلا دليل ولا برهان، بل عن جهل وتقليد لغيرهم، كالمصريين الذين يعبدون العجل: «أبيس» والأقوام العاكفين على عبادة الأصنام في فلسطين، فكانوا بذلك ظالمين لأنفسهم؛ إذ عبدوا ما لا ينفعهم، وإنما يضرهم.
ولما عاد موسى من مناجاة ربه أو من الميقات، وكان قد أخبره الله تعالى، وهو على الطور، باتخاذ قومه عبادة العجل كما قال تعالى: ﴿قالَ: فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ، وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ [طه ٨٥/ ٢٠] لما عاد، ندم بنو إسرائيل على ما فعلوا، وهذا هو معنى قوله: ﴿وَلَمّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ ورأوا أنهم قد ضلوا ضلالا بعيدا بعبادة العجل، فتابوا واستغفروا ربهم، وقالوا: إن لم يرحمنا ربنا بقبول توبتنا، ومغفرة ذنبنا، لنكونن من الهالكين، ومن الذين خسروا سعادة الدنيا وهي الحرية والاستقلال في أرض الموعد، وخسروا سعادة الآخرة وهي الإقامة في جنات النعيم.
وهذا اعتراف منهم بذنبهم والتجاء إلى الله .
فقه الحياة أو الأحكام:
يتبين من الآية أن بني إسرائيل يصعب عليهم الاستقرار على حال واحدة، وإن كانت هذه الحال من أسعد الأحوال، فهم قوم متناقضون، مترددون، متحيرون لا يدرون ماذا يفعلون، كثيرو الشكوى والضجر، قليلو الحمد والشكر على النعمة، نظرتهم أحيانا سطحية ساذجة، وتفكيرهم بدائي متأثر بالتقليد، والتقليد داء يسري في الأمة كما يسري في الفرد من حيث لا يشعر، أرادوا تقليد المصريين الذين عاشوا معهم في عبادة الأصنام والأوثان، وأكد حنينهم للوثنية ما وجدوه من عكوف على الأصنام عند الأقوام الذين سبقوهم في فلسطين.
ووجد موسى السامري رغبتهم باتخاذ العجل إلها، فصاغه لهم بذكائه من الحلي، ولكنهم لم يفكروا في جدارة العجل للألوهية، وظلموا أنفسهم؛ إذ إن هذا
стр. 2684
العجل لا يمكنه أن يكلمهم، ولا يمكنه أن يهديهم إلى الصواب والرشد، فهو إما جماد وإما حيوان عاجز، وفي الحالين فإنه لا يصلح للألوهية.
ثم تابوا وندموا على سوء فعلهم، واستغفروا ربهم، وطلبوا منه قبول التوبة والمغفرة على ذنبهم العظيم، وتأكدوا كونهم من الخاسرين إن لم يغفر الله لهم.
وهذا إقرار واضح بالعبودية، واعتراف بألوهية الإله الحق، وفي قراءة حمزة والكسائي: لئن لم ترحمنا ربنا وتغفر لنا معنى الاستغاثة والتضرع والابتهال في السؤال والدعاء. وفي ذلك أيضا دلالة على اعترافهم بعظيم الجرم الذي أقدموا عليه، وأنه لا ملجأ من الله في إقالة عثرتهم إلا إليه.
واحتج أهل السنة بآية: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ..﴾. على أن من لا يكون متكلما ولا هاديا إلى السبيل، لم يكن إلها؛ لأن الإله هو الذي له الأمر والنهي، وذلك لا يحصل إلا إذا كان متكلما، فمن لا يكون متكلما لم يصح منه الأمر والنهي. وبما أن العجل عاجز عن الأمر والنهي لم يكن إلها.
وبمناسبة اتخاذ السامري العجل إلها لبني إسرائيل يذكر علماء التوحيد مقارنة لطيفة تدل على أن السعادة والشقاوة في علم الله من الأزل، فموسى بن عمران ﵇ ربّاه فرعون، فكان مؤمنا بإلهام من الله تعالى، وموسى السامري ربّاه جبريل وكان في النهاية كافرا، وقال بعضهم:
إذا المرء لم يخلق سعيدا من الأزل... فقد خاب من ربّى وخاب المؤمّل
فموسى الذي ربّاه جبريل كافر... وموسى الذي رباه فرعون مرسل
وهذا لا يعني أن التربية والتوجيه لا أثر لهما، وإنما للبيئة كما هو معروف
في حديث «كلّ مولود يولد على الفطرة» (١) تأثير كبير، وللتربية دور مهم جدا،
стр. 2685
فلولا المربي ما عرفت ربي، ولكن الإرادة الإلهية فوق كل شيء، والله غالب على أمره، ولله في خلقه شؤون، وله الحكمة العليا، وقد تجنح نفس الإنسان إلى السوء والفساد والانحراف، بالرغم من حسن التربية ورقابة المربي، كما نشاهد في بعض أولاد العلماء والصلحاء والأشراف.
غضب موسى وتعنيفه هارون لاتخاذ العجل إلها
﴿وَلَمّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ اِبْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اِسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (١٥٠) قالَ رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ (١٥١)﴾
الإعراب:
﴿اِبْنَ أُمَّ﴾ أمّ: تقرأ بكسر الميم وفتحها، فمن كسر الميم فعلى الأصل؛ لأن الأصل فيه:
أمّي، وتكون فتحة ﴿اِبْنَ﴾ فتحة إعراب؛ لأنه منادى مضاف.
ومن فتح الميم بنى ابن مع أم، وجعلهما بمنزلة اسم واحد، كخمسة عشر، وتكون فتحة ﴿اِبْنَ﴾ فتحة بناء، وليست بإعراب.
المفردات اللغوية:
﴿غَضْبانَ﴾ بسبب فعل قومه ﴿أَسِفاً﴾ شديد الحزن، ومن استعمال الأسف بمعنى الحزن قول يعقوب: ﴿وَقالَ: يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف ٨٤/ ١٢] وقد يستعمل الأسف بمعنى الغضب مثل: ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف ٥٥/ ٤٣] قال أبو الدرداء: الأسف: أشد الغضب.
стр. 2686
﴿بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي﴾ أي بئس خلافة خلفتمونيها من بعد خروجي إلى ميقات ربي لمناجاته.
﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ استعجلتم، والعجلة: التقدم بالشيء قبل وقته أما السرعة فهي عمل الشيء في أول أوقاته ﴿وَأَلْقَى الْأَلْواحَ﴾ طرح ألواح التوراة غضبا لربه، فتكسرت ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ﴾ أي بشعره بيمينه، ولحيته بشماله ﴿يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ غضبا على وجه المعاتبة لا على وجه الإهانة ﴿اِبْنَ أُمَّ﴾ ذكر الأم أعطف لقلبه ﴿وَكادُوا﴾ قاربوا ﴿فَلا تُشْمِتْ﴾ تفرح، والشماتة: الفرح بالمصيبة، ولا تشمت بي الأعداء: بإهانتك إياي. ﴿وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ بعبادة العجل في المؤاخذة.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى قصة السامري باتخاذ العجل إلها لبني إسرائيل، ذكر أثر ذلك ووقعة على موسى؛ إذ أنه في حال رجعته، كان غضبان أسفا، واشتد أساه وحزنه حين رأى الواقع المؤلم من ضلال قومه وغيهم، فبادر إلى تعنيف أخيه هارون بسبب عبادة قومه العجل، ولامه على سكوته على قومه. وهذا هو الفصل الثاني من قصة عبادة العجل.
التفسير والبيان:
أخبر الله موسى بفعل بني إسرائيل، وهو على الطور، بقوله: ﴿قالَ: فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ، فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً، قالَ: يا قَوْمِ: أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً، أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ، أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ، فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ [طه ٨٥/ ٢٠ - ٨٦].
فكان موسى أثناء رجوعه من الميقات غضبان أسفا، أي ساخطا شديد الحزن والأسى، وقال لقومه: بئسما فعلتم من بعد غيبتي، وبئست الخلافة التي خلفتموها من بعد ذهابي إلى جبل الطور لمناجاة ربي، حيث عبدتم العجل واتبعتم السامري، وتركتم عبادة الله وتوحيده، وقد كنت أوضحت لكم عقيدة التوحيد، وغرست في قلوبكم تلك العقيدة، وطهرت نفوسكم من الشرك والوثنية، وحذرتكم من ضلال القوم الذين كانوا يعكفون على أصنام لهم من
стр. 2687
تماثيل البقر. وكان موسى في ذلك كله شديد الشكيمة، قوي العزيمة، لقنهم التوحيد الخالص، وأنكر عليهم حين طلبوا منه أن يجعل لهم إلها كغيرهم.
وقال موسى: أعجلتم أمر ربكم؟ أي استعجلتم ميعاد ربكم فلم تصبروا له، وهو ما وعدكم من الأربعين، وذلك لأنهم قدروا أنه لما لم يأت على رأس الثلاثين، فقد مات (١)، أي تعجلتم في الحكم علي. قال الزمخشري: المعنى: أعجلتم عن أمر ربكم، وهو انتظار موسى حافظين لعهده، وما وصاكم به، فبنيتم الأمر على أن الميعاد قد بلغ آخره ولم أرجع إليكم، فحدثتم أنفسكم بموتي، فغيرتم كما غيرت الأمم بعد أنبيائهم. وروي أن السامري قال لهم حين أخرج لهم العجل: ﴿هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى﴾ [طه ٨٨/ ٢٠] إن موسى لن يرجع وأنه قد مات (٢).
وطرح موسى الألواح من يده، لما اعتراه من فرط الدهشة، وشدة الضجر عند استماعه حديث العجل، غضبا لله، وحمية لدينه، وكان في نفسه حديدا (ذا حدة) شديد الغضب، وكان هارون ألين منه جانبا، ولذلك كان أحب إلى بني إسرائيل من موسى.
وروي أن التوراة كانت سبعة أسباع، فلما ألقى الألواح تكسرت، فرفع منها ستة أسباعها، وبقي منها سبع واحد، وكان فيما رفع تفصيل كل شيء، وفيما بقي الهدى والرحمة.
روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﵌: «يرحم الله موسى، ليس المعاين كالمخبر، أخبره ربه أن قومه فتنوا بعده، فلم يلق الألواح، فلما رآهم وعاينهم ألقى الألواح».
وأخذ بشعر رأس أخيه يجره إليه بذؤابته، لشدة ما استفزه من الأمر،
стр. 2688
وذهب بفطنته، وظنا بأخيه أنه قصر في خلافته، وفرط في كفّ القوم عن عبادة العجل، ومن حق الخليفة اتباع سيرة سلفه: ﴿قالَ: يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلاّ تَتَّبِعَنِ، أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه ٩٢/ ٢٠] أي أن تتبعني إلى جبل الطور.
ولقد كان موسى ﵇ معذورا فيما فعل فهو غضب للحق، فقد كان نبينا ﵊ لا يغضب لنفسه، فإذا انتهكت حرمات الله، كان أشد ما يكون غضبا لله.
فأجابه هارون قائلا: يا ابن أمي، لا تتعجل بلومي وتعنيفي واتهامي بالتقصير في واجبي نحو الله تعالى، فإني أنكرت عليهم، ونصحتهم، ولكن القوم استضعفوني فوجدوني فردا واحدا، ولم يلتفتوا إلى كلامي، بل قاربوا أن يقتلوني.
يا ابن أمي ﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ﴾، أي لا تفعل بي ما هو أمنيتهم من الاستهانة بي والإساءة إلى، ولا تجعلني في حنقك علي، وعقوبتك لي قرينا لهم وصاحبا، أو ولا تعتقد أني واحد من زمرة الظالمين لأنفسهم، يعني الذين عبدوا العجل، مع براءتي منهم ومن ظلمهم.
ولما اعتذر إليه أخوه واستعطف قلبه قال موسى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ ما قد فرط مني من قول أو فعل فيهما غلظة وجفوة لأخي، واغفر لأخي ما قد فرط أثناء خلافته عني، من مؤاخذة القوم على ما ارتكبوه من جرم وإثم، و ﴿أَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ﴾ الواسعة، فأنت أرحم الراحمين، أي اجعل رحمتك ملازمة لنا لا تفارقنا في الدنيا والآخرة.
دعا موسى بهذا الدعاء ليرضي أخاه، ويظهر لأهل الشماتة رضاه عنه، فلا يشمتون به.
стр. 2689
ودل ذلك على أن هارون كان دون موسى في شدة العزيمة وقوة الإرادة وأخذ الأمور بالحزم.
وأرشد اعتذار هارون أنه بريء من جريمة اتخاذ العجل إلها، وأنه لم يقصر في نصحهم والإنكار عليهم، وقد غفر الله له. وهذا مخالف لما في التوراة أن هارون هو الذي صنع العجل لهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
تختلف أحوال الناس وطبائعهم في سياسة الآخرين والاحتكاك بهم، فمنهم الحاد الطبع، السريع الانفعال كموسى ﵇، الذي غضب للحق، وهو محق فيما فعل، ومتوقع منه كل ما فعل، ومنهم الهادي الطبع، اللين العريكة، الحليم مثل هارون ﵇ الذي لم يأل جهده في الإنكار على قومه، ولكنهم لم يرعووا لنصحه وهمّوا بقتله.
ولم يغضب موسى لخبر ربه غضبا مماثلا لما شاهده من الواقع المر؛ لأنه ليس الخبر كالعيان، والشاهد يتألم ويتأثر عادة أكثر مما يتأثر به الغائب؛ لأن الشاهد يرى ما لا يراه الغائب.
وكل هذه أحوال نفسية فطرية، لا سلطان للإنسان عليها، ومن المعروف أن الأمور الجبليّة من غضب وسرور ونحوهما لسنا مكلفين بها.
أما إلقاء موسى الألواح فكان بسبب دهشته واستفزازه ومن غير شعور منه تأثرا بما رأى، ففعل ما فعل، ولم يدر ما صنع. ولم يتعمد كسر الألواح، بل كان في غيبة وانفعال شديد، حتى لو كان بين يديه بحر من نار لخاضه.
وأما أخذه برأس أخيه يجره إليه من شعره ولحيته فلا يتنافى مع عصمة الأنبياء؛ لأنه لم يفعل ذلك على سبيل الإهانة والإذلال والاستخفاف، وإنما على
стр. 2690
سبيل الإكرام والتعظيم، كما تفعل العرب عادة من قبض الرجل على لحية أخيه إكراما وتعظيما. ولكن هارون كره ذلك لئلا يظن بنو إسرائيل أنه إهانة.
وكان هارون أكبر من موسى ﵉ بثلاث سنين، وأحب إلى بني إسرائيل من موسى؛ لأنه كان ليّن الغضب. ثم إن موسى فعل ذلك بأخيه؛ لظنه أو توهمه أن هارون مائل مع بني إسرائيل فيما فعلوه من أمر العجل، ومثل هذا الميل لا يجوز على الأنبياء.
وزال الإشكال باعتذار هارون أن عبدة العجل استضعفوه، وقاربوا يقتلونه، فقبل موسى عذره ودعا له ولأخيه بالمغفرة وطلب الرحمة، المغفرة له على ما كان من الغضب الذي ألقيت من أجله الألواح، والمغفرة لأخيه لما ظنه أنه مقصّر في الإنكار عليهم، وإن لم يقع منه تقصير، أي اغفر لي طرح الألواح، ولأخي إن قصر.
قال الحسن البصري: عبد كلهم العجل غير هارون، إذ لو كان ثمّ مؤمن غير موسى وهارون، لما اقتصر على قوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي﴾، ولدعا لذلك المؤمن أيضا.
وإنما أقام هارون ولم يتبع أخاه موسى إلى الطور، خوفا على نفسه من القتل، فدلت الآية على أن من خشي القتل على نفسه عند تغيير المنكر له أن يسكت.
قال ابن العربي: هذا دليل على أن الغضب لا يغير الأحكام، كما زعم بعض الناس، فإن موسى ﵇ لم يغيّر غضبه شيئا من أفعاله، بل اطّردت على مجراها من إلقاء لوح، وعتاب أخ، وصكّ ملك (١). قال المهدوي: لأن غضبه كان لله ، وسكوته عن بني إسرائيل خوفا أن يتحاربوا ويتفرقوا.
стр. 2691
وكان موسى لشدة حدته فيما رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة، أنه لما أرسل ملك الموت إليه، صكّه صكّة، ففقأ بها عينه، فرجع إلى ربه، فقال:
أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، فقال: ارجع إليه، فقل له: يضع يده على متن ثور، فله بكل شعرة سنة، قال: أي رب، ثم ماذا؟ قال: الموت، قال:
فالآن... الحديث.
جزاء الظالمين باتخاذ العجل وقبول توبة التائبين
﴿إِنَّ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣)﴾
الإعراب:
﴿اِتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ المفعول الثاني محذوف، والتقدير: اتخذوا العجل إلها ومعبودا.
﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا..﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾: مبتدأ مرفوع، والجملة من ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ باسمها وخبرها في موضع رفع، خبر المبتدأ.
المفردات اللغوية:
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ إلها ﴿سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ﴾ عذاب وهو ما أمروا به من قتل أنفسهم، أي قتل بعضهم بعضا، كما تقدم في سورة البقرة. ﴿وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ شعور بهوانهم على الناس، واحتقارهم لهم، وخروجهم من ديارهم ﴿وَكَذلِكَ﴾ أي كما جزيناهم ﴿نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ على الله بالإشراك وغيره ﴿ثُمَّ تابُوا﴾ رجعوا عن السيئات ﴿وَآمَنُوا﴾ بالله ﴿مِنْ بَعْدِها﴾ أي التوبة ﴿لَغَفُورٌ﴾ لهم ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم.
стр. 2692
المناسبة:
الربط بين هذه الآيات وما قبلها واضح، فبعد أن ذكر تعالى عتاب موسى لأخيه هارون ﵉، ثم استغفاره لنفسه ولأخيه، ذكر جزاء الظالمين باتخاذ العجل إلها ومعبودا، وقبول توبة التائبين. وهذا هو الفصل الثالث من قصة عبادة العجل.
التفسير والبيان:
إن الذين اتخذوا العجل من بني إسرائيل إلها ومعبودا بعد غيبة رسولهم موسى ﵇، وبقوا على تأليهه واستمروا على عبادته كالسامري وأتباعه، سيصيبهم عذاب شديد من ربهم، وهو المذكور في سورة البقرة، وهو أن الله تعالى لن يقبل توبتهم حتى يقتتلوا، ويقتل بعضهم بعضا: ﴿فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ، فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ، فَتابَ عَلَيْكُمْ، إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ٥٤/ ٢].
وسينالهم أيضا ذلة وصغار في الحياة الدنيا، بخروجهم من ديارهم وتشردهم، وهوانهم على الناس واحتقارهم لهم، وتهالكهم على حب الدنيا، فهم الماديون المنبوذون المكروهون في كل أمة، وتلك هي ذلة عظيمة المعنى، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ [البقرة ٦١/ ٢] والذلة بمعناها القريب والبعيد. وأما قيام دولتهم في فلسطين فهي محنة للمسلمين، فربما أناس سلّط عليهم من هو شر لهم، وقد أثبتت الدراسات العلمية أن بقاء دولة الصهاينة في فلسطين شيء مستحيل، ولا تؤيده الظروف والقرائن المشاهدة، وقد بشرت الأحاديث النبوية بقتلهم وطردهم منها، ولكل أجل كتاب.
ومثل ذلك الجزاء الذي نزل بالظالمين من بني إسرائيل في الدنيا نجزي القوم
стр. 2693
المفترين على الله في كل زمان، والمعنى: أن كل مفتر في دين الله جزاؤه غضب الله والذلة في الدنيا.
ويشمل ذلك كل من افترى بدعة وخالف الرشاد، وقال الحسن البصري:
إن ذل البدعة على أكتافهم، وإن هملجت بهم البغلات، وطقطقت بهم البراذين (١).
وروى عن أبي قلابة الجرمي أنه قرأ هذه الآية: ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ فقال: هي والله لكل مفتر إلى يوم القيامة.
وقال سفيان بن عيينة: كل صاحب بدعة ذليل (٢).
ومن عادة القرآن مقابلة الأشياء بأضدادها، فبعد أن ذكر جزاء الظالمين، فتح باب الأمل أمام التائبين، فنبه الله تعالى عباده وأرشدهم إلى أنه يقبل توبتهم من أي ذنب كان، حتى ولو كان من كفر أو شرك أو نفاق أو شقاق، فقال:
﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ..﴾. أي والذين ارتكبوا الأعمال السيئة والمعاصي المنكرة شرعا وعلى رأسها الكفر والشرك، ثم تابوا أي رجعوا من بعدها إلى الله، بأن آمن الكافر، وأقلع العاصي عن عصيانه، واستقام المؤمن على منهج ربه، وآمنوا إيمانا خالصا من الشوائب، وقرنوا الإيمان بالعمل الصالح، إن ربك يا محمد من بعد تلك الفعلة لغفور لهم، ستار لذنوبهم، رحيم بهم يجزي بالحسنة عشر أمثالها، ويكافئ على القليل بالجليل الكثير.
سئل ابن مسعود عن الرجل يزني بالمرأة ثم يتزوجها، فتلا هذه الآية:
﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ، ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها، وَآمَنُوا، إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فتلاها عبد الله عشر مرات، فلم يأمرهم بها ولم ينههم عنها.
стр. 2694
وهذا يفيد أن من عمل السيئات فلا بد وأن يتوب عنها أولا، وذلك بأن يتركها ويرجع عنها، ثم يؤمن بعد ذلك، يؤمن بالله تعالى، ويصدق بأنه لا إله غيره. وهذه الآية تدل على أن جميع السيئات قابلة للغفران بالتوبة، وهذه بشارة عظمي للمذنبين.
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيتان مبدأين مهمين: مبدأ العدل في العقاب، ومبدأ الرحمة بالعصاة التائبين.
أما المبدأ الأول-وهو عدالة العقاب فهو ما قامت عليه شريعة الله، فمن أشرك بالله إلها آخر، كما فعل بنو إسرائيل في غيبة موسى ﵇، فهو ظالم لنفسه، يستحق غضب الإله عليه، ومصاحبة الذلة والهوان له في الحياة الدنيا.
ومن ابتدع شيئا ليس في دين الله فهو مفتر يناله من الجزاء مثل جزاء الظالمين الكافرين؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ أي المبتدعين، قال الإمام مالك ﵀: ما من مبتدع إلا وتجد فوق رأسه ذلّة.
وينطبق ذلك على الناس كلهم في الماضي والحاضر والمستقبل، فهو يشمل فعلة بني إسرائيل في عهد موسى ﵇، وكل من رضي بفعلهم كاليهود في زمن النبي ﵌، وفي كل زمن على ممر الأجيال.
وأما المبدأ الثاني-مبدأ الرحمة بالعصاة التائبين فهو فضل عظيم من الله تعالى على هذه الأمة المسلمة وعلى الأمم كلها، ففي الآية خبر قاطع وقرار حاسم وحكم دائم وهو أن الله يقبل توبة التائب من الشرك وغيره من المعاصي؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ يشمل الكفر وسائر المعاصي. ورحمة الله سبقت غضبه، ورحمته وسعت كل شيء، فمن آمن بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، وبالقرآن دستورا، وتاب من كفره أو معصيته، وعمل صالحا فإن الله من بعد توبته غفور له رحيم به.
стр. 2695
نهاية قصة اتخاذ العجل إلها
﴿وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤)﴾
الإعراب:
﴿وَلَمّا سَكَتَ﴾ ﴿لَمّا﴾: ظرف زمان، ويفتقر إلى جواب، وجوابها ﴿أَخَذَ الْأَلْواحَ﴾ وهو العامل فيها.
﴿وَفِي نُسْخَتِها هُدىً﴾ مبتدأ وخبر في موضع نصب على الحال من ﴿الْأَلْواحَ﴾ والعامل فيه ﴿أَخَذَ﴾.
﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ أدخل اللام على المفعول لتقدمه.
البلاغة:
﴿وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ استعارة مكنية، شبه الغضب بإنسان ثائر يرعد بصوته، طالبا الانتقام، ثم حذف المشبه به، وصرح بشيء من لوازمه وهو: ﴿سَكَتَ﴾ أي اختفى الصوت. وهو تشبيه لطيف رائع بليغ.
المفردات اللغوية:
﴿سَكَتَ﴾ سكن، والسكون لغة: ترك الكلام، نسب إلى الغضب على طريقة تصويره بصورة شخص ثائر يأمر وينهى. قال الزمخشري: هذا مثل كأن الغضب كان يغريه على ما فعل، ويقول له: قل لقومك كذا، وألق الألواح، وجرّ برأس أخيك إليك، فترك النطق بذلك وقطع الإغراء.
стр. 2696
﴿أَخَذَ الْأَلْواحَ﴾ التي ألقاها ﴿وَفِي نُسْخَتِها﴾ أي ما نسخ أو كتب فيها ﴿هُدىً﴾ بيان للحق من الضلالة ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ بالإرشاد إلى الخير والصلاح. ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ يخافون، والرهبة:
أشد الخوف.
المناسبة:
لما بيّن الله تعالى لنا ما كان من موسى حال الغضب، وانقسام قومه قسمين:
مصر على عبادة العجل، وتائب إلى الله من ذلك، بيّن في هذه الآية ما كان منه عند سكوت الغضب، وسكون النفس وهدأة البال. وإذا كان موسى سريع الغضب حاد الطبع، فهو أيضا سريع العودة إلى الحلم حينما يعود الحق إلى نصابه، ويعدل الظالم عن ظلمه.
وهذا هو الفصل الرابع والأخير من قصة عبادة العجل.
التفسير والبيان:
ولما سكن غضب موسى على قومه، وهدأت نفسه بتوبة أكثرهم، أخذ الألواح التي كتبت فيها التوراة، والتي كان ألقاها من شدة الغضب على عبادتهم العجل، غيرة لله وغضبا له، فوجد فيها هدى للحيارى، ورحمة بالعصاة التائبين الذين يخافون من ربهم أشد الخوف على ما يصدر منهم من ذنوب، ويخشون عذابه وحسابه. وقد ضمن الرهبة معنى الخضوع، فعداها باللام.
ذكر ابن عباس: أنه لما تكسرت الألواح صام موسى أربعين يوما، فردّت عليه، وأعيدت له تلك الألواح في لوحين، ولم يفقد منها شيئا. قال القشيري:
فعلى هذا: ﴿وَفِي نُسْخَتِها هُدىً﴾ أي وفيما نسخ من الألواح المتكسرة، ونقل إلى الألواح الجديدة هدى ورحمة. وقال عطاء: وفيما بقي منها. وذلك أنه لم يبق منها إلا سبعها، وذهب ستة أسباعها. ولكن لم يذهب من الحدود والأحكام شيء.
стр. 2697
فقه الحياة أو الأحكام:
الحلم سيد الأخلاق، فحينما هدأت نفس موسى ﵇، وعاد إلى أناته وحلمه، أخذ يتدارس الألواح التي كتبت فيها التوراة، فوجد فيها بيان الحق من الضلال، والهدى من الانحراف، والرحمة من العذاب، ببيان وجه الرشاد وسلوك طريق الخير والصلاح، لمن كان يخاف ربه ويخشى عقابه.
وفي ضوء ما وجد فيها من حدود وأحكام، أخذ يرشد قومه إلى ما فيها، ويحملهم على العمل بها؛ لأنها شريعة الله لبني إسرائيل. وتلك هي فترة الاستقرار في حياة موسى على ما يظهر لنا، بعد أن مرّ بتقلبات وأحوال شديدة التأثير، كاد بها يخسر إيمان قومه برسالته إلى الأبد، لولا عودته إلى النصح والإرشاد بما نزل في التوراة.
اختيار موسى سبعين رجلا لميقات الكلام والرؤية
ومناجاته ربه
﴿وَاِخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَاِرْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (١٥٥)﴾
الإعراب:
﴿وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً﴾: ﴿قَوْمَهُ﴾، و ﴿سَبْعِينَ﴾: منصوبان باختار، إلا أنه تعدى إلى ﴿سَبْعِينَ﴾ من غير تقدير حذف حرف جر، وتعدى إلى ﴿قَوْمَهُ﴾ بتقدير حذف حرف جر، والتقدير فيه: واختار موسى من قومه سبعين رجلا، فحذف حرف الجر، فتعدي الفعل إليه.
стр. 2698
البلاغة:
﴿تُضِلُّ﴾ و ﴿تَهْدِي﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ أي اصطفى من قومه ﴿سَبْعِينَ رَجُلاً﴾ أي ممن لم يعبدوا العجل في رأي أكثر المفسرين، اختارهم بأمره تعالى ﴿لِمِيقاتِنا﴾ للوقت الذي وعدناه بإتيانهم فيه، ليعتذروا من عبادة أصحابهم العجل ﴿فَلَمّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أي فخرج بهم، فلما أصابتهم الصاعقة أو الزلزلة الشديدة التي هزت القلوب والأبدان ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي قبل خروجي بهم، ليعاين بنو إسرائيل ذلك ولا يتهموني.
﴿أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ استفهام استعطاف، أي لا تعذبنا بذنب غيرنا. ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ﴾ أي ما هي أي الفتنة التي وقع فيها السفهاء إلا اختبارك وابتلاؤك وامتحانك ﴿مَنْ تَشاءُ﴾ إضلاله ﴿مَنْ تَشاءُ﴾ هدايته ﴿أَنْتَ وَلِيُّنا﴾ متولي أمورنا.
المناسبة:
هذه الآية استمرار في بيان ما حدث لموسى ﵇ أثناء مناجاة ربه، فقد بدأ الله تعالى قصة ميقات الكلام وطلب الرؤية بقوله: ﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ [الآية: ١٤٣] ثم استطرد لبيان قصة عبادة العجل، ثم عاد لإتمام ما حدث في ذلك الميقات، فهو ميقات الكلام والرؤية نفسه، وليس ميقاتا آخر، كما رجح الرازي؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ ثم قال:
﴿وَاخْتارَ مُوسى﴾ .. ﴿لِمِيقاتِنا﴾ فدل على أن المراد بهذا الميقات هو عين ذلك الميقات (١).
التفسير والبيان:
أوحى الله إلى موسى أن يختار معه لميقات الكلام والرؤية سبعين رجلا من
стр. 2699
قومه بني إسرائيل، ففعل، وأتى بهم للميقات الذي وقّته الله تعالى وهو مكان في جبل الطور: طور سيناء حيث ناجى ربه، وقد أمرهم أن يصوموا، ويتطهروا، ويطهروا ثيابهم.
والظاهر من ترتيب سرد الآيات أن اختيار هذا العدد كان عند طلب موسى رؤية الله قبل اتخاذ عبادة العجل، وذلك ليكون سماعهم مناجاة موسى ربه دليلا على صدقه، فلما أتوا ذلك المكان قالوا: يا موسى، لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فإنك قد كلمته فأرناه، فأخذتهم رجفة الجبل وصعقوا حينما ألحوا في طلب الرؤية.
ولم تكن تلك الرجفة موتا، ولكن القوم لما رأوا تلك الحالة المهيبة، أخذتهم الرعدة ورجفوا، وخاف موسى ﵇ الموت، فعند ذلك بكى ودعا، فكشف الله عنهم تلك الرجفة. قال وهب: ما ماتوا، ولكن أخذتهم الرجفة من الهيبة حتى كادت أن تبين مفاصلهم، وخاف موسى عليهم الموت.
ولما أخذتهم الرجفة قال موسى: رب أتمنى لو كانت مشيئتك قد سبقت بإهلاكهم قبل هذا الوقت وقبل خروجهم معي إلى هذا المكان، أي حين طلب الرؤية، وأهلكتني معهم كذلك قبل أن أرى ما رأيت من رعدتهم، كيلا أحرج مع قومي، فيقولوا: قد ذهبت بخيارنا لإهلاكهم.
ثم أردف موسى قائلا: ﴿أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ أي حيث طلبوا الرؤية لك جهارا لسماعهم كلامك، وهو قولهم: ﴿أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً﴾ أي لا تهلكنا بما فعل السفهاء منا من العناد وسوء الأدب.
وما هي إلا فتنتك أي ابتلاؤك واختبارك وامتحانك حين كلمتني، فسمعوا كلامك وطلبوا الرؤية، فليس الأمر إلا أمرك، وما الحكم إلا لك، فما شئت كان، تضل بالمحنة من تشاء من عبادك وهم الجاهلون غير المتثبتين في معرفتك،
стр. 2700
ولست بالظالم لهم أبدا في تقديرك، بل هذا موافق لطبعهم وكسبهم واختيارهم، وتهدي بالمحنة أيضا من تشاء من عبادك، وهم المؤمنون المتثبتون في معرفتك، ولست بالمحابي لهم في توفيقك للهداية، بل هذا متفق مع طبعهم وكسبهم واختيارهم، ولو ترك الفريقان وشأنهم لاختار كل منهم ما هو فيه وما قدر له.
وإنما استفاد ذلك موسى ﵇ من قوله تعالى له: ﴿فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾ [طه ٨٥/ ٢٠] وجعل ذلك إضلالا من الله وهدى منه؛ لأن محنته لما كانت سببا لأن ضلوا واهتدوا، فكأنه أضلهم بها وهداهم، على الاتساع في الكلام.
أنت ولينا، أي المتولي أمورنا والمهيمن علينا، فاغفر لنا أي استر ذنوبنا ولا تؤاخذنا بها، وارحمنا وإن قصرنا وفرطنا، وأنت خير الغافرين، أي الساتر ذنوب العباد، العافي عن السيئات، ورحمتك وسعت كل شيء، ومغفرتك ورحمتك بلا سبب ولا علة ولا لمصلحة ولا لعوض، أما غيرك فإنما يغفر لأغراض عديدة كحب الثناء وطلب النفع أو لدفع الضرر، وأنت تغفر لمحض الفضل والجود والكرم، فهو حقا وقطعا خير الغافرين.
قال ابن كثير: والرحمة إذا قرنت مع الغفر، يراد بها ألا يوقع العبد في مثل الذنب في المستقبل (١).
وقوله: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنا﴾ يفيد الحصر، ومعناه أنه لا ولي لنا ولا ناصر ولا هادي إلا أنت.
وقيل: في تفسير الآية وطلب موسى إهلاكهم وقوله ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ﴾:
أن الفتنة يراد بها عبادة العجل، وأن طلب الإهلاك حينما عبدوا العجل، وأن الذين عبدوه هم السفهاء وهم الأكثرون، وأما عقلاء بني إسرائيل فلم يعبدوه.