﴿أَخَذَ الْأَلْواحَ﴾ التي ألقاها ﴿وَفِي نُسْخَتِها﴾ أي ما نسخ أو كتب فيها ﴿هُدىً﴾ بيان للحق من الضلالة ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ بالإرشاد إلى الخير والصلاح. ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ يخافون، والرهبة:
أشد الخوف.
المناسبة:
لما بيّن الله تعالى لنا ما كان من موسى حال الغضب، وانقسام قومه قسمين:
مصر على عبادة العجل، وتائب إلى الله من ذلك، بيّن في هذه الآية ما كان منه عند سكوت الغضب، وسكون النفس وهدأة البال. وإذا كان موسى سريع الغضب حاد الطبع، فهو أيضا سريع العودة إلى الحلم حينما يعود الحق إلى نصابه، ويعدل الظالم عن ظلمه.
وهذا هو الفصل الرابع والأخير من قصة عبادة العجل.
التفسير والبيان:
ولما سكن غضب موسى على قومه، وهدأت نفسه بتوبة أكثرهم، أخذ الألواح التي كتبت فيها التوراة، والتي كان ألقاها من شدة الغضب على عبادتهم العجل، غيرة لله وغضبا له، فوجد فيها هدى للحيارى، ورحمة بالعصاة التائبين الذين يخافون من ربهم أشد الخوف على ما يصدر منهم من ذنوب، ويخشون عذابه وحسابه. وقد ضمن الرهبة معنى الخضوع، فعداها باللام.
ذكر ابن عباس: أنه لما تكسرت الألواح صام موسى أربعين يوما، فردّت عليه، وأعيدت له تلك الألواح في لوحين، ولم يفقد منها شيئا. قال القشيري:
فعلى هذا: ﴿وَفِي نُسْخَتِها هُدىً﴾ أي وفيما نسخ من الألواح المتكسرة، ونقل إلى الألواح الجديدة هدى ورحمة. وقال عطاء: وفيما بقي منها. وذلك أنه لم يبق منها إلا سبعها، وذهب ستة أسباعها. ولكن لم يذهب من الحدود والأحكام شيء.
стр. 2697
فقه الحياة أو الأحكام:
الحلم سيد الأخلاق، فحينما هدأت نفس موسى ﵇، وعاد إلى أناته وحلمه، أخذ يتدارس الألواح التي كتبت فيها التوراة، فوجد فيها بيان الحق من الضلال، والهدى من الانحراف، والرحمة من العذاب، ببيان وجه الرشاد وسلوك طريق الخير والصلاح، لمن كان يخاف ربه ويخشى عقابه.
وفي ضوء ما وجد فيها من حدود وأحكام، أخذ يرشد قومه إلى ما فيها، ويحملهم على العمل بها؛ لأنها شريعة الله لبني إسرائيل. وتلك هي فترة الاستقرار في حياة موسى على ما يظهر لنا، بعد أن مرّ بتقلبات وأحوال شديدة التأثير، كاد بها يخسر إيمان قومه برسالته إلى الأبد، لولا عودته إلى النصح والإرشاد بما نزل في التوراة.
اختيار موسى سبعين رجلا لميقات الكلام والرؤية
ومناجاته ربه
﴿وَاِخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَاِرْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (١٥٥)﴾
الإعراب:
﴿وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً﴾: ﴿قَوْمَهُ﴾، و ﴿سَبْعِينَ﴾: منصوبان باختار، إلا أنه تعدى إلى ﴿سَبْعِينَ﴾ من غير تقدير حذف حرف جر، وتعدى إلى ﴿قَوْمَهُ﴾ بتقدير حذف حرف جر، والتقدير فيه: واختار موسى من قومه سبعين رجلا، فحذف حرف الجر، فتعدي الفعل إليه.
стр. 2698
البلاغة:
﴿تُضِلُّ﴾ و ﴿تَهْدِي﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ أي اصطفى من قومه ﴿سَبْعِينَ رَجُلاً﴾ أي ممن لم يعبدوا العجل في رأي أكثر المفسرين، اختارهم بأمره تعالى ﴿لِمِيقاتِنا﴾ للوقت الذي وعدناه بإتيانهم فيه، ليعتذروا من عبادة أصحابهم العجل ﴿فَلَمّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أي فخرج بهم، فلما أصابتهم الصاعقة أو الزلزلة الشديدة التي هزت القلوب والأبدان ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي قبل خروجي بهم، ليعاين بنو إسرائيل ذلك ولا يتهموني.
﴿أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ استفهام استعطاف، أي لا تعذبنا بذنب غيرنا. ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ﴾ أي ما هي أي الفتنة التي وقع فيها السفهاء إلا اختبارك وابتلاؤك وامتحانك ﴿مَنْ تَشاءُ﴾ إضلاله ﴿مَنْ تَشاءُ﴾ هدايته ﴿أَنْتَ وَلِيُّنا﴾ متولي أمورنا.
المناسبة:
هذه الآية استمرار في بيان ما حدث لموسى ﵇ أثناء مناجاة ربه، فقد بدأ الله تعالى قصة ميقات الكلام وطلب الرؤية بقوله: ﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ [الآية: ١٤٣] ثم استطرد لبيان قصة عبادة العجل، ثم عاد لإتمام ما حدث في ذلك الميقات، فهو ميقات الكلام والرؤية نفسه، وليس ميقاتا آخر، كما رجح الرازي؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ ثم قال:
﴿وَاخْتارَ مُوسى﴾ .. ﴿لِمِيقاتِنا﴾ فدل على أن المراد بهذا الميقات هو عين ذلك الميقات (١).
التفسير والبيان:
أوحى الله إلى موسى أن يختار معه لميقات الكلام والرؤية سبعين رجلا من
стр. 2699
قومه بني إسرائيل، ففعل، وأتى بهم للميقات الذي وقّته الله تعالى وهو مكان في جبل الطور: طور سيناء حيث ناجى ربه، وقد أمرهم أن يصوموا، ويتطهروا، ويطهروا ثيابهم.
والظاهر من ترتيب سرد الآيات أن اختيار هذا العدد كان عند طلب موسى رؤية الله قبل اتخاذ عبادة العجل، وذلك ليكون سماعهم مناجاة موسى ربه دليلا على صدقه، فلما أتوا ذلك المكان قالوا: يا موسى، لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فإنك قد كلمته فأرناه، فأخذتهم رجفة الجبل وصعقوا حينما ألحوا في طلب الرؤية.
ولم تكن تلك الرجفة موتا، ولكن القوم لما رأوا تلك الحالة المهيبة، أخذتهم الرعدة ورجفوا، وخاف موسى ﵇ الموت، فعند ذلك بكى ودعا، فكشف الله عنهم تلك الرجفة. قال وهب: ما ماتوا، ولكن أخذتهم الرجفة من الهيبة حتى كادت أن تبين مفاصلهم، وخاف موسى عليهم الموت.
ولما أخذتهم الرجفة قال موسى: رب أتمنى لو كانت مشيئتك قد سبقت بإهلاكهم قبل هذا الوقت وقبل خروجهم معي إلى هذا المكان، أي حين طلب الرؤية، وأهلكتني معهم كذلك قبل أن أرى ما رأيت من رعدتهم، كيلا أحرج مع قومي، فيقولوا: قد ذهبت بخيارنا لإهلاكهم.
ثم أردف موسى قائلا: ﴿أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ أي حيث طلبوا الرؤية لك جهارا لسماعهم كلامك، وهو قولهم: ﴿أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً﴾ أي لا تهلكنا بما فعل السفهاء منا من العناد وسوء الأدب.
وما هي إلا فتنتك أي ابتلاؤك واختبارك وامتحانك حين كلمتني، فسمعوا كلامك وطلبوا الرؤية، فليس الأمر إلا أمرك، وما الحكم إلا لك، فما شئت كان، تضل بالمحنة من تشاء من عبادك وهم الجاهلون غير المتثبتين في معرفتك،
стр. 2700
ولست بالظالم لهم أبدا في تقديرك، بل هذا موافق لطبعهم وكسبهم واختيارهم، وتهدي بالمحنة أيضا من تشاء من عبادك، وهم المؤمنون المتثبتون في معرفتك، ولست بالمحابي لهم في توفيقك للهداية، بل هذا متفق مع طبعهم وكسبهم واختيارهم، ولو ترك الفريقان وشأنهم لاختار كل منهم ما هو فيه وما قدر له.
وإنما استفاد ذلك موسى ﵇ من قوله تعالى له: ﴿فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾ [طه ٨٥/ ٢٠] وجعل ذلك إضلالا من الله وهدى منه؛ لأن محنته لما كانت سببا لأن ضلوا واهتدوا، فكأنه أضلهم بها وهداهم، على الاتساع في الكلام.
أنت ولينا، أي المتولي أمورنا والمهيمن علينا، فاغفر لنا أي استر ذنوبنا ولا تؤاخذنا بها، وارحمنا وإن قصرنا وفرطنا، وأنت خير الغافرين، أي الساتر ذنوب العباد، العافي عن السيئات، ورحمتك وسعت كل شيء، ومغفرتك ورحمتك بلا سبب ولا علة ولا لمصلحة ولا لعوض، أما غيرك فإنما يغفر لأغراض عديدة كحب الثناء وطلب النفع أو لدفع الضرر، وأنت تغفر لمحض الفضل والجود والكرم، فهو حقا وقطعا خير الغافرين.
قال ابن كثير: والرحمة إذا قرنت مع الغفر، يراد بها ألا يوقع العبد في مثل الذنب في المستقبل (١).
وقوله: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنا﴾ يفيد الحصر، ومعناه أنه لا ولي لنا ولا ناصر ولا هادي إلا أنت.
وقيل: في تفسير الآية وطلب موسى إهلاكهم وقوله ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ﴾:
أن الفتنة يراد بها عبادة العجل، وأن طلب الإهلاك حينما عبدوا العجل، وأن الذين عبدوه هم السفهاء وهم الأكثرون، وأما عقلاء بني إسرائيل فلم يعبدوه.
стр. 2701
فقه الحياة أو الأحكام:
على المؤمن أن يلتزم الأدب مع الله وألا يسلك مسلك العناد، فطلب القوم رؤية الله قياسا منهم على سماع كلامه، أدى بهم إلى إنزال الصاعقة أي الزلزلة الشديدة في الجبل الذي كانوا عليه.
وإذا كان هذا سبب الرجفة، فإن عبادة العجل تستحق عذابا أشد وأنكى.
والمراد بالإضلال في قوله: ﴿تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ﴾ ليس الإجبار أو الإكراه على الوقوع في الضلال كما تقول الجبرية؛ لأنه لم يقل: تضل بها من تشاء من عبادك عن الدين، ولأنه تعالى قال: ﴿تُضِلُّ بِها﴾ أي بالرجفة، ومعلوم أن الرجفة لا يضل الله بها، فوجب التأويل، وتأويل ذلك أنك تعاقب من تشاء بشرط ألا يؤمن، أو تهلك من تشاء بهذه الرجفة.
وكذلك الهداية في قوله: ﴿وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ﴾ يراد بها التوفيق والإرشاد إلى وجوه الهداية ومسالكها.
ولا شك أن خالق الداعية إلى الإيمان والكفر إنما هو الله تعالى، والعبد بقدرته الصالحة للإيمان والكفر يرجح أحد الجانبين على الآخر لما خلق الله فيه، وحينئذ تكون الهداية من الله تعالى، والإضلال من الله تعالى (١)، أي بالخلق والإيجاد، لا بالكسب والتحصيل، فالأول فعل الله والثاني فعل الإنسان.
فبنو إسرائيل هم الذين أظهروا العناد، فطلبوا رؤية الله جهرة، وهم الذين اخترعوا عبادة العجل.
стр. 2702
بقية دعاء موسى عند مشاهدة الرجفة
وربط الإيمان برسالته برسالة النبي ﵌
﴿وَاُكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاِتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾
البلاغة:
﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ وكذا ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ﴾ فيهما ما يسمى بالمقابلة: وهي الإتيان بمعنيين فأكثر، ثم الإتيان بما يقابلها بالترتيب.
﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ استعار الإصر والأغلال لتكاليفهم الثقيلة أو الشاقة، فالإصر والأغلال مثل لما كان في شرائعهم من الأشياء الشاقة.
المفردات اللغوية:
﴿وَاكْتُبْ﴾ أوجب ﴿حَسَنَةً﴾ الحسنة في الدنيا: الصحة والغنى عن الناس، والاستقلال، والحسنة في الآخرة: الجنة ونيل الرضوان ﴿هُدْنا﴾ رجعنا وتبنا، فهو هائد، وقوم هود ﴿مَنْ
стр. 2703
أَشاءُ﴾ تعذيبه ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ عمت كل شيء في الدنيا ﴿فَسَأَكْتُبُها﴾ أحكم بها في الآخرة، أي سأوجب حصول رحمتي، منّة مني وإحسانا إليهم، كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام ٦/ ٥٤].
﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أي سأجعلها للمتصفين بهذه الصفات، وهم أمة محمد ﵌، وهم الذين يتقون الشرك والعظائم من الذنوب ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ أي يخرجون زكاة الأموال التي تتزكى بها نفوسهم.
﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ النبي لغة مأخوذ من النبوة وهي الارتفاع، ومن النبأ: وهو الخبر المهم العظيم الشأن، وفي الشرع: هو من أوحى الله إليه بشرع ولم يأمره بتبليغه. والرسول: هو من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه. ولا يشترط الاستقلال بالشرع أو بالكتاب، بل قد يكون تابعا لشرع غيره كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يتبعون التوراة. والأمي: الذي لم يقرأ ولم يكتب، ولقب العرب بالأميين كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢/ ٦٢] وحكى تعالى عن أهل الكتاب: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا: لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران ٧٥/ ٣] والنبي الأمي: هو محمد ﵌.
﴿مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ باسمه ووصفه ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ ما تعارفت العقول السليمة والفطر النقية على حسنه، وذلك موافق لما ورد الأمر به في الشرع.
﴿الْمُنْكَرِ﴾ ما تنكره النفوس والشرائع لمصادمته للفطرة والمصلحة.
﴿الطَّيِّباتِ﴾ ما تستطيبه الأنفس والطباع السليمة من الأطعمة، ومعنى قوله: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ﴾ أي مما حرم في شرعهم ﴿الْخَبائِثَ﴾ ما تستخبثه الطباع السليمة وتنفر منه كالميتة والدم المسفوح، أو يكون سببا في الضرر البدني كالخنزير الذي يسبب أكله الدودة الوحيدة وغيرها من المضار، أو الضرر الديني كالمذبوح الذي يتقرب به لغير الله. والخبيث من الأموال: ما يؤخذ بغير حق كالربا والرشوة والسرقة والغضب ونحو ذلك من المكاسب الخبيثة.
﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ الإصر: الثقل الذي يأصر صاحبه أي يحبسه من الحركة لثقله، مثل اشتراط قتل الأنفس بالتقاتل في صحة توبتهم ﴿وَالْأَغْلالَ﴾ الشدائد أو التكاليف الشاقة، والأغلال جمع غل: وهو القيد الذي تربط به يد الجاني إلى عنقه. والمراد هنا: ما كان في شرائعهم من الأشياء الشاقة، مثل إيجاب القصاص في القتل مطلقا، عمدا كان أو خطأ، من غير شرع الدية، وقطع الأعضاء الخاطئة، وقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب، وإحراق الغنائم، وتحريم العروق في اللحم، وتحريم السبت أي تحريم العمل فيه.
﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ منهم ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ أي أعانوه ومنعوه حتى لا يقوى عليه عدو، أي
стр. 2704
حاموا عنه ﴿النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ أي القرآن، وإنما أنزل مع جبريل، فالمراد: أنزل مع نبوته، وصارت نبوته مصحوبة بالقرآن.
التفسير والبيان:
هذا من تتمة دعاء موسى ﵇ عند مشاهدة الرجفة، فأعلن أولا أنه لا ولي إلا الله بقوله: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنا﴾ والمتوقع من الولي والناصر أمران: دفع الضرر، وتحصيل النفع، ولما كان دفع الضرر مقدما على تحصيل النفع، بدأ بطلب دفع الضرر، فقال: ﴿فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا﴾ ثم أتبعه بطلب تحصيل النفع بقوله: ﴿وَاكْتُبْ﴾.
أي أوجب لنا وأثبت لنا بفضلك ورحمتك حسنة، أي حياة طيبة في الدنيا بتوفير نعمة الصحة والعافية، وسعة الرزق، والتوفيق في العمل، والاستقلال في الأمور العامة، ومثوبة حسنة في الآخرة بدخول جنتك والظفر برضوانك وفيض إحسانك، وذلك كقوله تعالى: ﴿رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة ٢٠١/ ٢].
﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾ أي تبنا ورجعنا وأنبنا إليك، أي ندمنا على ما طلبه قومنا من اتخاذ الآلهة وعبادة العجل ورؤية الله جهرة ونحو ذلك من فعل السفهاء، ورجعنا إلى الإيمان المقرون بالعمل.
قال الله: ﴿عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ﴾ من الكفار والعصاة، أما رحمتي فقد وسعت كل شيء في العالمين، والعذاب مما يترتب على صفة العدل، ولكن الرحمة أشمل، ولولا عموم الرحمة لهلك الكفار والعصاة عقب كفرهم وعصيانهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر ٤٥/ ٣٥] وقال : ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ، لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ، بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً﴾ [الكهف ٥٨/ ١٨].
стр. 2705
والمراد من آية العذاب هنا: أني أفعل ما أشاء وأحكم ما أريد، ولي الحكمة والعدل في كل ذلك. ثم قرن ذلك بما يطمئن العباد وهو أن الرحمة تسبق الغضب، وهي أعم وأشمل منه، فهذه آية عظيمة الشمول والعموم، كقوله تعالى عن حملة العرش ومن حولهم أنهم يقولون: ﴿رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً﴾ [غافر ٧/ ٤٠].
ثم وصف الله تعالى مستحقي الرحمة وذكر من تثبت لهم: وهم الذين يتصفون بهذه الصفات وهم أمة محمد ﵌ وهي:
١ - الذين يتقون الشرك والمعاصي أو الذنوب.
٢ - والذين يؤتون الزكاة التي تتزكى بها نفوسهم، وتشمل زكاة الأنفس وزكاة الأموال. وخصت الزكاة بالذكر لعلاج مرض الماديين النفعيين وهم اليهود وأمثالهم، ولأن النفوس شحيحة بها غالبا.
٣ - والذين يؤمنون، أي يصدّقون بآياتنا الدالة على توحيدنا، وكفاية شريعتنا وسموها وصلاحيتها للعمل والتطبيق، وصدق رسلنا.
وهؤلاء الموصوفون بهذه الصفات الثلاث هم متبعو ملة محمد ﵌، وها هي صفاته في كتب الأنبياء، بشروا أممهم ببعثته، وأمروهم بمتابعته، وأوصافه عندهم سبعة وهي:
١ - الرسول النبي الأمي: أي الذي لم يقرأ ولم يكتب، فالأمية آية من آيات نبوته، وأن القرآن المعجز منزل عليه من عند الله، فهو مع أميته أتى بأكمل العلوم وأجداها في العقيدة والعبادة والسياسة والاجتماع والاقتصاد والأخلاق والأعمال. واتباعه: باعتقاد نبوته والعمل برسالته. وهذه الصفة يمكن أن تتنوع إلى صفات ثلاث: هي الرسول: أي المرسل من الله إلى الخلق لتبليغ التكاليف.
والنبي وهو يدل على كونه رفيع القدر عند الله تعالى، والأمي.
стр. 2706
٢ - وهو الذي يجدون اسمه وصفته كتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم، لذا آمن به بعض علماء اليهود مثل عبد الله بن سلام، وبعض علماء النصارى مثل تميم الداري. فأما المستكبرون فكانوا يكتمون البشارات به في كتبهم، ويؤولونها.
روى الإمام أحمد عن أبي صخر العقيلي قال: حدثني رجل من الأعراب قال: جلبت جلوبة إلى المدينة في حياة رسول الله ﵌، فلما فرغت من بيعي قلت: لألقين هذا الرجل فلأسمعن منه، قال:
فتلقاني بين أبي بكر وعمر يمشون، فتبعتهم حتى أتوا على رجل من اليهود ناشر التوراة يقرؤها، يعزي بها نفسه عن ابن له في الموت، كأجمل الفتيان وأحسنها، فقال رسول الله ﵌: «أنشدك بالذي أنزل التوراة، هل تجد في كتابك هذا صفتي ومخرجي؟» فقال برأسه هكذا، أي لا، فقال ابنه: إي، والذي أنزل التوراة، إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك، وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله فقال: «أقيموا اليهودي عن أخيكم» ثم تولى كفنه والصلاة عليه (١).
وجاء في الباب الثالث والثلاثين في التوراة من سفر تثنية الاشتراع: «جاء الرب من سينا، وأشرق من ساعير، واستعلى من جبال فاران ومعه ألوف الأطهار، في يمينه قبس من نار» ومجيئه من سينا: إعطاؤه التوراة لموسى ﵇، وإشراقه من ساعير: إعطاؤه الإنجيل لعيسى عليه، واستعلاؤه من جبال فاران: إنزاله القرآن؛ لأن فاران من جبال مكة.
وجاء في الباب الخامس عشر من إنجيل يوحنا: «فأما إذا جاء الفارقليط الذي أرسله أنا إليكم من الأب روح الحق الذي من الأب ينبثق، فهو يشهد لي، وأنتم تشهدون لأنكم معي من الابتداء» والفارقليط بالعبرية: معناه أحمد، كما
стр. 2707
قال تعالى حكاية عن عيسى ﵇: ﴿مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ، وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف ٦/ ٦١].
٤، ٣ - إنه يأمر بالمعروف: وهو ما تعرفه العقول الرشيدة وتألفه الطباع السليمة، وقد ورد به الشرع، وهو ينهاهم عن المنكر: وهو ما تنكره النفوس الصافية. فهو ﵊ لا يأمر إلا بالخير، ولا ينهى إلا عن الشر، كما قال عبد الله بن مسعود: إذا سمعت الله يقولها: يا أيها الذين آمنوا، فأرعها سمعك، فإنه خير تؤمر به، أو شر تنهى عنه.
ومن أهم ما أمر الله به: عبادة الله وحده لا شريك له؛ ومن أهم ما نهى عنه: عبادة ما سواه، كما أرسل به جميع الرسل قبله، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ، وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل ٣٦/ ١٦].
٦، ٥ - وإنه يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث: أي يحل لهم ما تستطيبه الأنفس من الأطعمة: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة ١٧٢، ٥٧/ ٢، والأعراف ١٦٠/ ٧، وطه ٨١/ ٢٠] ويحل لهم ما كانوا حرموه على أنفسهم من البحائر والسوائب والوصائل والحام ونحو ذلك مما كانوا ضيقوا به على أنفسهم، ويحرم عليهم ما تأباه النفوس، كالميتة والخنزير والدم المسفوح، وما يؤخذ من الأموال بغير حق كالربا والرّشوة والغصب والخيانة. قال ابن عباس: الخبائث كلحم الخنزير والربا وما كانوا يستحلونه من المحرمات من المآكل التي حرمها الله تعالى. قال بعض العلماء: فكل ما أحل الله تعالى من المآكل، فهو طيب نافع في البدن والدين، وكل ما حرمه فهو خبيث ضار في البدن والدين.
٧ - وإنه يضع عنهم الإصر والأغلال: أي يرفع عنهم التكاليف الشاقة، كالقصاص في القتل، العمد أو الخطأ، من غير شرع الدية، وقتل النفس عند التوبة، أي التقاتل وإهدار الدماء، وقطع الأعضاء المذنبة، وقرض موضع
стр. 2708
النجاسة من الجلد والثوب، وتحريم السبت.
أي إنه جاء بالتيسير والسماحة، كما
ورد في الحديث الذي رواه الخطيب عن جابر: «بعثت بالحنيفية السمحة»
وقال ﵌ لمعاذ وأبي موسى الأشعري لما بعثهما إلى اليمن: «بشّرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، وتطاوعا ولا تختلفا».
ومن مظاهر التيسير:
قوله ﵌ في الكتب الستة عن أبي هريرة: «إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تتكلم به، أو تعمل به،
وقوله فيما رواه الطبراني عن ثوبان: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه».
ولهذا أرشد الله هذه الأمة أن يقولوا: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا، رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً، كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا، رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ، وَاعْفُ عَنّا، وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا، أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٨٦/ ٢]. وثبت في صحيح مسلم أن الله تعالى قال بعد كل سؤال من هذه: قد فعلت، قد فعلت.
أما اليهود فقد شدد الله عليهم في الأحكام الشرعية في العبادة والمعاملة والعقوبة، ثم خفف المسيح ﵇ في بعض الأمور المادية، وشدد في الأحكام الروحية.
فالذين آمنوا بالنبي الأمي وبرسالته، وعزروه أي منعوه من الأعداء، ونصروه أي عظموه ووقروه، وأيدوه باللسان والسّنان، واتبعوا النور الذي أنزل معه، أي القرآن والوحي الذي جاء به مبلّغا إلى الناس، أولئك هم المفلحون في الدنيا والآخرة، الناجون الفائزون بالرحمة والرضوان، دون من سواهم من حزب الشيطان الذين يخذلهم الله في الدنيا والآخرة. ويدخل في ذلك قوم موسى الذين يتحقق فيهم هذا الوصف العام.
стр. 2709
فقه الحياة أو الأحكام:
بعد أن أقر موسى بأن لا إله إلا الله تعالى، أعلن أن الله ولينا أي القائم بأمورنا والمتولي شؤوننا، والولي يدفع الضر ويجلب النفع، لذا طلب منه المغفرة والرحمة لدفع الضر، المقدم على تحصيل النفع، ثم طلب منه تحقيق النفع وهو سؤاله الحسنة في الدنيا والآخرة.
ويناسب هذه الأشياء اشتغال العبد بالتوبة والخضوع والخشوع، لذا قال موسى ﵇: ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾ أي تبنا ورجعنا إليك.
فتحقق بهذا مجموع أمرين لا بد منهما: وهما تقرير عزة الربوبية، أي كون الله تعالى إلها وربا ووليا، والاعتراف بذل العبودية أي كون العباد له تائبين خاضعين خاشعين.
ثم أجاب الله موسى مبينا أن عذابي أعذب به من أشاء، وليس لأحد على اعتراض؛ لأن الكل ملكي، ومن تصرف في خالص ملكه، فليس لأحد أن يعترض عليه.
وأما رحمتي فهي عامة لا نهاية لها، ولا حد لسعتها، وسعت كل شيء، حتى إن البهيمة لها رحمة وعطف على ولدها.
روى الإمام أحمد وأبو داود عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ قال: جاء أعرابي، فأناخ راحلته، ثم عقلها (ربطها بالحبل) ثم صلى خلف رسول الله ﵌، فلما صلى رسول الله ﵌ أتى راحلته، فأطلق عقالها (حبلها)، ثم ركبها، ثم نادى: اللهم ارحمني ومحمدا، ولا تشرك في رحمتنا أحدا، فقال رسول الله ﵌: «أتقولون: هذا أضل أم بعيره، ألم تسمعوا ما قال؟» قالوا: بلى، قال: «لقد حظّرت رحمة واسعة، إن الله خلق مائة
стр. 2710
رحمة، فأنزل رحمة يتعاطف بها الخلق جنّها وإنسها وبهائمها، وأخّر عنده تسعا وتسعين رحمة، أتقولون: هو أضل أم بعيره».
وروى مسلم عن سلمان الفارسي عن النبي ﵌ قال: «إن الله مائة رحمة، فمنها رحمة يتراحم بها الخلق، وبها تعطف الوحوش على أولادها، وأخر تسعة وتسعين إلى يوم القيامة».
ثم ذكر الله تعالى أوصافا ثلاثة لمن يستحق رحمته، وهم المتقون، المؤتون الزكاة، المؤمنون بآيات الله تعالى.
قال بعض المفسرين: طمع في هذه الآية-أي ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ كل شيء حتى إبليس، فقال: أنا شيء؛ فقال الله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ فقالت اليهود والنصارى: نحن متقون؛ فقال الله تعالى:
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ الآية. فخرجت الآية عن العموم.
وهذه الأوصاف الثلاثة التي خصصت بها الآية شملت كل ما يصدر عن الإنسان وهو التروك والأفعال، أما التروك فهي الأشياء التي يجب على الإنسان تركها، والاحتراز عنها والاتقاء منها، وأما الأفعال فهي إما متوجهة على مال الإنسان أو على نفسه، الأول-الزكاة، والثاني-الإيمان، وهو يدخل فيه ما يجب على الإنسان علما وعملا، أما العلم فالمعرفة بالله، وأما العمل فبالإقرار باللسان والعمل بالأركان، ويدخل فيها الصلاة.
وأما صفات محمد ﵌ المقررة في التوراة والإنجيل فهي:
١ - كونه رسولا نبيا أميا: والرسول أخص من النبي، وقدم الرسول اهتماما بمعنى الرسالة، وإلا فمعنى النبوة هو المتقدم، وكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا؛ لأن الرسول والنبي قد اشتركا في أمر عام وهو النبأ، وافترقا في أمر خاص وهي الرسالة.
стр. 2711
وأميته لإبطال دعاوى اختلاق القرآن من عند نفسه، فكانت من المعجزات، كما قال تعالى: ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ، إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت ٤٨/ ٢٩] ومع أنه ﵊ ما كان يكتب وما كان يقرأ، كان يتلو كتاب الله بتعليم الله من غير زيادة ولا نقصان ولا تغيير، فكان ذلك أيضا معجزة، كما قال تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى ٦/ ٨٧].
وكانت أمة العرب أميّة،
روي في الصحيح عن ابن عمر عن النبي ﵌ قال:
«إنا أمة أميّة، لا نكتب ولا نحسب».
٢ - صفاته موجودة في التوراة والإنجيل: وهذا يدل على أن نعته وصحة نبوته مكتوب في التوراة والإنجيل؛ لأن ذلك لو لم يكن مكتوبا، لكان ذكر هذا الكلام من أعظم المنفّرات لليهود والنصارى عن قبول قوله؛ لأن الإصرار على الكذب والبهتان من أعظم المنفرات، ويترفع عنه العاقل، وذلك من أعظم الدلائل على صحة نبوته.
٤، ٣ - مهمته الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: قال عطاء: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بخلع الأنداد (الشركاء)، ومكارم الأخلاق، وصلة الأرحام.
﴿وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ عبادة الأصنام، وقطع الأرحام.
ويجمع الأمر بالمعروف
قوله ﵊: «التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله» والنهي عن المنكر يشمل النهي عن عبادة الأوثان، والقول في صفات الله بغير علم، والكفر بما أنزل الله على النبيين، وقطع الرحم، وعقوق الوالدين.
٥ - ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ﴾: قيل: المراد بالطيبات: الأشياء التي حكم الله بحلها. ومذهب مالك: أن الطيبات هي المحلّلات، فكأنه وصفها بالطيب؛
стр. 2712
إذ هي لفظة تتضمن مدحا وتشريفا. ورد الرازي على ذلك باستبعاد هذا القول؛ لأنه يترتب عليه التكرار، فتصير الآية: ويحل لهم المحللات، وبه تخرج الآية عن الفائدة؛ لأنا لا ندري أن الأشياء التي أحلها الله ما هي وكم هي؟ بل الواجب أن يكون المراد من الطيبات: الأشياء المستطابة بحسب الطبع، وذلك لأن تناولها يفيد اللذة، والأصل في المنافع الحل فكانت هذه الآية دالة على أن الأصل في كل ما تستطيبه النفس ويستلذه الطبع السليم الحل، إلا لدليل. وهذا مذهب الشافعي أن الطيبات هي من جهة الطعم.
واحتج بهذه الآية بعض العلماء الذين ذهبوا إلى أن المرجع في حل المآكل التي لم ينص على تحليلها ولا تحريمها إلى ما استطابته العرب في حال رفاهيتها. وكذا في جانب التحريم إلى ما استخبثته.
٦ - ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ﴾: أي يمنعهم من اقتراب المستخبثات وهي كل ما يستخبثه الطبع وتستقذره النفس، ويكون تناوله سببا للألم، والأصل في المضار الحرمة. ومقتضاه: أن كل ما يستخبثه الطبع فالأصل فيه الحرمة إلا لدليل.
والخبائث في مذهب مالك هي المحرمات، ويقتضي ذلك أنه أحل المتقذرات كالحيات والعقارب والخنافس ونحوها. وقد عرفنا وجه الضعف في ذلك، وأن مذهب الشافعي هو تحريم المحرمات والمتقذرات، فتحرم العقارب والخنافس والوزغ ونحوها.
٧ - ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أي يرفع عن بني إسرائيل التكاليف والأحكام الشاقة التي كانت مقررة عليهم، مثل تحريم الغنائم، وتحريم مجالسة الحائض وقرض موضع النجاسة، والقصاص من القاتل بلا دية، وقتل النفس علامة للتوبة، فكانوا إذا جمعوا الغنائم نزلت نار من السماء
стр. 2713
فأكلتها، وإذا حاضت المرأة لم يقربوها، وإذا أصاب ثوب أحدهم بول قرضة، وروي: وجلد أحدهم، فأحل النبي ﵌ الغنائم، وأباح مجالسة الحائض ومؤاكلتها ومضاجعتها، ورخص بغسل البول، وشرع الدية، وقيّد القصاص في القتل العمد، وجعل التوبة باللسان والقلب مع الله. ودلت الآية على أن من آمن بالنبي ﵌ وأيده وحماه وعظمه واتبع القرآن فهو من المفلحين أي الفائزين بالمطلوب في الدنيا والآخرة.
عموم الرسالة الإسلامية
﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ وَاِتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾
المفردات اللغوية:
﴿قُلْ﴾ خطاب للنبي ﵌. ﴿وَكَلِماتِهِ﴾ القرآن. ﴿تَهْتَدُونَ﴾ ترشدون.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى وجود صفات النبي ﵌ في التوراة والإنجيل، وذكر أن من يتبعه، فله سعادة الدنيا والآخرة، أوضح مزية الرسالة الإسلامية وهي أنها عامة شاملة، وأن بعثته ﵌ للناس كافة، يدعوهم فيها إلى الإيمان به وبرسالته، وأن كل من يتبعه تشمله تلك السعادة.
стр. 2714
التفسير والبيان:
قل يا محمد لجميع البشر من عرب وغيرهم، بيض أو سود: إني رسول الله إليكم جميعا، لا إلى قومي العرب خاصة، وإلى كل وقت وزمن إلى يوم القيامة، وهذا يقتضي أن يكون مبعوثا إلى جميع الناس، كما قال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧/ ٢١] وقال: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ [سبأ ٢٨/ ٣٤] وقال: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام ١٩/ ٦] أي وأنذر كل من بلغه. ومطلع سورة الفرقان يؤكد عالمية الرسالة.
وجاءت الأحاديث الثابتة مؤكدة عموم الرسالة النبوية،
مثل حديث الصحيحين والنسائي عن جابر بن عبد الله عن النبي ﵌: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرّعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلّ، وأحلّت لي الغناء ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة».
﴿إِنِّي رَسُولُ اللهِ﴾ الذي له الملك التام والتصرف الكامل في السموات وفي الأرضين جميعها، وله القدرة التامة على الإحياء والإماتة.
وقد تضمنت هذه الآية عناصر العقيدة الثلاثة: وهي توحيد الربوبية بالإيمان، وتوحيد الألوهية بالإيمان والعمل، أي بعبادة الله وحده، ثم الإيمان برسالة النبي محمد ﵌، ثم الإيمان بالبعث بعد الموت، وذلك معنى الإحياء والإماتة.
ورتب على ما سبق الدعوة إلى الإيمان فقال: ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ..﴾. أي فصدقوا أيها الناس قاطبة بالله الواحد الأحد الفرد الصمد في ربوبيته وألوهيته، وآمنوا برسوله النبي الأمي الذي بعثه إلى الخلق أجمعين.
стр. 2715
وهو النبي الذي يؤمن بوحدانية الله وكلماته التشريعية التي أنزلها الله لهداية البشر، وكلماته التكوينية الدالة على قدرته وإرادته وحكمته، ويصدق قوله عمله، ويؤمن بما أنزل إليه من ربه. فالمراد من كلماته: ما تضمنته كتبه من التوراة والإنجيل والقرآن من أحكام وإرشادات وأدلة على وجود الله تعالى ووحدانيته وقدرته.
وهذا أمر بالإيمان أتبعه بالأمر بالإسلام، أي اتبعوا منهج هذا النبي، واسلكوا طريقه في كل ما جاء به، لتهتدوا إلى الطريق المستقيم الذي لا عوج فيه، أو رجاء أن تهتدوا بالإيمان واتباع الشرع إلى ما فيه سعادتكم في الدنيا والآخرة.
والحق أنه لأهدي صحيحا ثابتا إلا في القرآن، ولا خير إلا في الدين، ولا سعادة إلا باتباع شريعة خاتم النبيين، وبمقدار الالتزام بالشريعة يكون النجاح في الدنيا والآخرة.
روى مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﵌: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي رجل من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار».
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على أن محمد ﵌ مبعوث إلى جميع الخلق، وأن رسالته عامة للناس أجمعين، بل لكل العالمين من الإنس والجن.
والمراد بالناس: هم المكلفون أي البالغون العقلاء؛
لقوله ﵊ فيما رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن علي وعمر: «رفع القلم عن ثلاث:
عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق».
стр. 2716
والمقصود بالناس أيضا كل من وصل إليه خبر وجوده وخبر معجزاته وشرائعه، وقلّ أن تجد قوما لم يبلغهم خبر ظهور محمد ﵊.
ودلت الآية أيضا على ما يثبت كونه ﵊ رسولا إلى الناس جميعا، وهو أنه مرسل من خالق العالم المتصف بالحياة والعلم والقدرة والوحدانية، المنزه عن الشريك والوالد والولد، القادر على الحشر والنشر والبعث والقيامة، مالك السموات والأرضين، المتصرف في الكون كيفما يشاء، وأن الخلق كلهم عبيده، وهو المنعم عليهم بأعظم النعم، وأنه المجازي لهم بعد موتهم، مما يقتضي تكليف الخلق بما يريد.
وما على الخلق إلا الإيمان بوحدانية الله وبربوبيته، واتباع كلماته أي تشريعاته، وليس من التشريع أمور الدنيا العادية من تدبير شؤون الزراعة والصناعة والتجارة المباحة والعلوم النافعة، فتلك متروكة لعقول الناس ومعارفهم وخبراتهم،
لما ورد في الحديث الصحيح عند الشيخين: «أنتم أعلم بأمور دنياكم».
ومن كلمات الله: المعجزات الدالة على كونه نبيا حقا؛ لأن كل شيء غريب يسمى كلمة، والمعجزات نوعان:
معجزات ظهرت في ذاته ﵊، وأشرفها وأهمها كونه رجلا أميا، لم يتعلم من أستاذ، ولم يطالع كتابا، ولم يجالس أحدا من العلماء.
ومعجزات صدرت عنه مثل انشقاق القمر، ونبوع الماء من بين أصابعه.
وبه يكون المراد بقوله: ﴿يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ﴾ أي يؤمن بالله وبجميع المعجزات التي أظهرها الله عليه، وبما أنزل عليه وعلى من تقدمه من الرسل من كتبه ووحيه.
стр. 2717
اتباع الحق لدى بعض قوم موسى ونعم الله على بني إسرائيل في
صحراء التيه
﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩) وَقَطَّعْناهُمُ اِثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اِسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اِثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠)﴾
الإعراب:
﴿وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً﴾: إنما أنث اثنتي عشرة على تقدير أمة، وتقديره:
اثنتا عشرة أمة. و ﴿اِثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾: حال. و ﴿أَسْباطاً﴾: بدل منصوب من ﴿اِثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾. ولا يجوز أن يكون ﴿أَسْباطاً﴾ منصوبا على التمييز؛ لأنه جمع، والتمييز لما عدا العشرة إنما يكون مفردا. و ﴿أُمَماً﴾: صفة لقوله: ﴿أَسْباطاً﴾ كما ذكر ابن الأنباري. وقال الزمخشري عن كلمة «أمما»: بدل من ﴿اِثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ بمعنى: وقطعناهم أمما؛ لأن كل سبط كان أمة عظيمة وجماعة كثيفة العدد. وقال: ﴿أَسْباطاً﴾ تمييز، ووجه كونه مجموعا أنه وضع ﴿أَسْباطاً﴾ موضع قبيلة؛ وكل قبيلة أسباط لا سبط.
المفردات اللغوية:
﴿أُمَّةٌ﴾ جماعة. ﴿يَهْدُونَ﴾ يرشدون الناس ويدلونهم. ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ في الحكم، أي يحكمون بين الناس بالعدل. ﴿قَطَّعْناهُمُ﴾ فرقنا بني إسرائيل وصيرناهم فرقا وقطعا. ﴿أَسْباطاً﴾ قبائل، والأسباط: أولاد الأولاد، جمع سبط وهو عندهم كالقبيلة في ولد إسماعيل. وأسباط بني إسرائيل: سلائل أولاده العشرة ما عدا لاوى، وسلائل ولدي ابنه يوسف وهما إفرايم ومنس؛ لأن سلائل لاوى قامت بخدمة الدين في جميع الأسباط.
стр. 2718
﴿إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ﴾ طلبوا منه الماء للسقيا في التيه. ﴿فَانْبَجَسَتْ﴾ انفجرت. ﴿اِثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً﴾ بعدد الأسباط. ﴿كُلُّ أُناسٍ﴾ سبط منهم. ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ﴾ جعلنا الغمام يظلهم في التيه، والغمام: سحاب رقيق أو أبيض أو السحاب مطلقا. ﴿الْمَنَّ﴾ مادة بيضاء تنزل على ورق الشجر وغيره كالندى، حلوة المذاق كالعسل. ﴿وَالسَّلْوى﴾ طير يشبه السّماني، لكنه أكبر منه.
المناسبة:
بعد أن رغب الله سبحانه بني إسرائيل باتباع ملة محمد ﵌ عن طريق إنزال الرحمة عليهم ووصفهم بأنهم المفلحون، ذكر ثلاثة أحوال لهم، الحال الأولى: أن بعضهم اتبعوا موسى بحق واتبعوا أيضا محمدا ﵌، والتزموا الحق وقضوا به، والحال الثانية: قسمتهم اثنتي عشرة فرقة بعدد أسباطهم الاثني عشر، والحال الثالثة: انفجار الحجر اثنتي عشرة عينا بقدر عدد الأسباط لما طلبوا السقيا من موسى ﵇، وتظليلهم بالغمام، وإنزال المن والسلوى عليهم.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى بأن طائفة من بني إسرائيل يتبعون الحق ويعدلون به، وهم المؤمنون التائبون من بني إسرائيل، آمنوا بموسى ﵇، وآمنوا بمحمد ﵌، فهم جماعة قوموا أنفسهم بالإيمان، وأرشدوا الناس إليه ودلوهم عليه، وهدوهم بالحق الذي جاءهم من عند الله، ويعدلون بالحق بينهم في الحكم، لا يجورون، كما قال تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ، يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ، وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران ١١٣/ ٣] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلّهِ..﴾. الآية [آل عمران ١٩٩/ ٣] وقال : ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً﴾ [آل عمران ٧٥/ ٣].
стр. 2719
والخلاصة: الخبر في هذه الآية متعلق بجماعة مؤمنة من بني إسرائيل في عصر موسى، وبعد عصره، وهم أصناف ثلاثة: صنف أدركوا النبي ﵌ وآمنوا به، وهم المشار إليهم في آية: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ، أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة ١٢١/ ٢]. وصنف آمنوا بموسى واتبعوا من بعده من الأنبياء، وهم المذكورون في الآية هنا، وصنف محتمل للقسمين، كما في الآية المتقدمة:
﴿يَتْلُونَ آياتِ اللهِ..﴾ ..
وهذه شهادة عظيمة من الله تعالى تثبت وجود أهل الحق والعدل في كل أمة، وهذه هي الحال الأولى لبني إسرائيل.
والحال الثانية: أنه تعالى صيّر قوم موسى اثنتي عشرة فرقة أو قبيلة تسمى أسباطا، أي أمما وجماعات، تمتاز كل جماعة منهم بنظام خاص بها في المعيشة وممارسة شؤون الحياة.
والحال الثالثة: حال الأسباط إزاء نعم الله تعالى عليهم، والنعمة الأولى:
إغاثة الله لهم، حينما طلبوا من موسى السقيا، وقد عطشوا في التيه، فأوحى الله إلى موسى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ﴾، فضربه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا من الماء بقدر عدد أسباطهم، كل سبط له عين خاصة به ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ﴾ أي سبط مشربهم منه. والفرق بين الانبجاس والانفجار أن الأول:
خروج الماء بقلة، والثاني: خروجه بكثرة.
والنعمة الثانية: تظليل الغمام، فكانوا إذا اشتد عليهم الحر في الصحراء، يسخر الله تعالى لهم الغمام أي السحاب، يظلهم بظله الظليل، رحمة من الله.
والنعمة الثالثة: إنزال المن والسلوى: فكان الطعام الشهي ينزل عليهم بسهولة، دون عناء ولا مشقة، وهو المن الذي كان يقوم مقام الخبز عندهم وهو
стр. 2720
مادة حلوة الطعم يجتمع كالندى على ورق الشجر وغيره صباحا، والسلوى: يقوم مقام سائر اللحوم، وهو طير أكبر من السّمانى.
ثم قيل لهم: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾، فهي نعم خصصناها بكم، فما عليكم إلا شكر النعمة.
﴿وَما ظَلَمُونا﴾ بكفرهم بهذه النعم، ولكنهم ظلموا أنفسهم وأضروها بهذا الجحود والإنكار؛ لأن المكلف إذا أقدم على المعصية، فهو ما أضر إلا نفسه، حيث عرّض نفسه للعقاب الشديد، ومن ظلم نفسه كان لغيره أظلم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية الأولى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ.﴾. على أن الإسلام لا عصبية فيه. وأن الله تعالى يعلمنا طريق الحكم على الناس والأشياء، وهو طريق الحق والعدل، فهو الحكم الموضوعي المجرد، وهو الحكم الأبقى والأخلد. إنها شهادة عظيمة من الله تعالى لجماعة من بني إسرائيل أنهم التزموا الحق والعدل في أنفسهم ومع غيرهم، فآمنوا بالنبي موسى ﵇ وبمن بعده من الأنبياء، وقضوا بين الناس بالعدل، ودعوا الناس إلى الهداية بالحق.
وهذه المزية أيضا قائمة في أمة النبي ﵌، فقد أنزل الله على نبيه محمد ﵌ ليلة الإسراء بعد رجوعه إلى الدنيا: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف ١٨١/ ٧] يعني أمة محمد ﵊، فالله يعلمه أن الذي أعطيت موسى في قومه أعطيتك في أمتك.
ودلت آية ﴿وَقَطَّعْناهُمُ﴾ على قسمة بني إسرائيل اثنتي عشرة فرقة؛ لأنهم كانوا من اثني عشر رجلا من أولاد يعقوب، فميزهم وفعل بهم ذلك، لئلا يتحاسدوا، فيقع بينهم الهرج والمرج. ولا شك أن القسمة تريح من عناء
стр. 2721
الاختلاف والنزاع في استيفاء المنافع، وليكون أمر كل سبط معروفا من جهة رئيسهم، فيخف الأمر على موسى.
وأرشد قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى..﴾. إلى النعم العظمى التي أنعم الله بها على بني إسرائيل، وهي: أولا-الشرب في التيه من ينابيع تفجرت اثنتي عشرة عينا بعدد الأسباط، بضرب موسى الحجر، وهذه معجزة خارقة له، كمعجزة العصا واليد وفلق البحر لإنجائهم من فرعون وقومه. وثانيا-تظليل الغمام. وثالثا-إنزال المن والسلوى، وقد أباح الله لهم تلك الطيبات، وسهل لهم الطعام والشراب.
ولكن بني إسرائيل لم يشكروا تلك النعم العظيمة، وجحدوا بها، وظلموا أنفسهم بارتكاب المعاصي، وكانوا فاسقين لخروجهم عن طاعة الله تعالى.
أمر بني إسرائيل بسكنى القرية (بيت المقدس)
﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اُسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَاُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢)﴾
الإعراب:
﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ﴾ هذا مفعول به منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ومن قرأ يغفر وتغفر، رفع خطيئاتكم على أنه نائب فاعل. ومن قرأ يغفر بالياء بالتذكير فلوجود الفصل ب ﴿لَكُمْ﴾. ومن قرأ بالتاء بالتأنيث فعلى الأصل، ولم يعتبر الفصل.
стр. 2722
المفردات اللغوية:
﴿وَإِذْ قِيلَ﴾ واذكر إذ قيل ﴿الْقَرْيَةَ﴾ بيت المقدس ﴿حِطَّةٌ﴾ أي أمرنا حطة أي حط عنا أوزارنا وخطايانا ﴿الْبابَ﴾ أي باب القرية ﴿سُجَّداً﴾ سجود انحناء ﴿سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ بالطاعة ثوابا ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا..﴾. فقالوا: حبة في شعرة، ودخلوا يزحفون على أستاههم ﴿رِجْزاً﴾ عذابا.
المناسبة:
بعد أن عدد الله تعالى أحوال بني إسرائيل وأصناف النعم التي أنعم بها عليهم، وجحودهم لها وظلمهم أنفسهم، ناسب أن يذكر نوعا آخر من أنواع العصيان أو الظلم ومخالفة أمر الله، وهو دخول القرية بقول معين (حطة) وهيئة معينة (ساجدين) فالمناسبة بين الآيات واضحة وهي تبيان أحوال الظلم من هؤلاء القوم، لذا ختمت الآيتان بإثبات صفة الظلم فيهم.
التفسير والبيان:
سبق بيان هذه القصة في سورة البقرة في الآيتين (٥٩، ٥٨) مع اختلاف في الألفاظ فقط، ليتناسب ذلك مع بلاغة القرآن وكمال الإعجاز؛ لأن تكرار اللفظ نفسه غير بليغ، والبلاغة تقتضي إبراز المعنى الواحد بأساليب مختلفة وألفاظ متنوعة.
وقد ذكر الرازي ثمانية وجوه للمخالفة في الألفاظ بين السورتين (١)، وهي ما يأتي، علما بأنه لا بأس باختلاف العبارتين إذا لم يكن هناك تناقض، ولا تناقض فيهما:
١ - هنا قال: ﴿اُسْكُنُوا﴾ وهناك قال ﴿اُدْخُلُوا﴾ والفائدة هنا أتم؛
стр. 2723
لأن السكنى تستلزم الدخول دون العكس، فمن يسكن يدخل قطعا، وليس العكس.
٢ - قال هنا: ﴿وَكُلُوا﴾ وهناك قال: ﴿فَكُلُوا﴾ لأن بدء الأكل يكون عقب الدخول، فيحسن ذكر فاء التعقيب بعده. وأما الواو فيدل على أن الأكل حاصل مع السكنى لا بعده.
٣ - وصف الأكل هناك بقوله: ﴿رَغَداً﴾ أي واسعا هنيئا، ولم يذكر الوصف هنا؛ لأن الأكل للقادم في أول الدخول يكون ألذ وأمتع، وتهفو النفس إليه عادة، أما بعد طول المقام والانتظار فلا يحدث إلا عند الحاجة الشديدة وتكامل اللذة، فترك قوله: ﴿رَغَداً﴾ فيه.
٤ - قدم هنا قول ﴿حِطَّةٌ﴾ على الدخول، وعكس الأمر هناك، ولا فرق بين التعبيرين؛ لأن الواو لا تقتضي الترتيب، فسواء دعوا أولا ثم أظهروا الخضوع بالسجود أي تنكيس الرؤوس، أو أعلنوا التواضع والخضوع أولا ثم دعوا بقولهم:
﴿حِطَّةٌ﴾؛ لأن المقصود تعظيم الله تعالى، وإظهار الخضوع والخشوع.
٥ - قال هنا: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ﴾ وقال هناك: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ﴾ وكلا الجمعين سواء، وفيهما إشارة إلى أن مغفرة الذنوب تشمل القليل والكثير.
٦ - قال هنا: ﴿سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ بدون واو، وهناك ذكر الواو:
﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ بالعطف، والمعنى واحد، لكن ترك الواو الذي يفيد الاستئناف أدل على أن زيادة الإحسان مستقلة عن المغفرة بعد الدعاء، تفضلا من الله تعالى، وأن الموعود به شيئان: المغفرة وزيادة الحسنة.
٧ - قال هنا: ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً﴾ وقال هناك في سورة البقرة
стр. 2724
﴿فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ والإنزال لا يشعر بالكثرة، والإرسال يشعر بها، فكأنه تعالى بدأ بإنزال العذاب القليل، ثم جعله كثيرا.
٨ - قال هنا: ﴿بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ وقال هناك: ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ إشارة إلى حصول الوصفين منهم، فهم ظالمو أنفسهم، وهم فاسقون خارجون عن طاعة الله تعالى، ثم إن الظلم فيه معنى الاعتداء على الغير، والفسق فيه معنى الخروج عن الدين.
وزيد هنا كلمة ﴿مِنْهُمْ﴾ في قوله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ ولم تذكر هناك، وزيادتها تأكيد في البيان. ومعنى التبديل أنهم تجرؤوا على المخالفة التامة بالقول والفعل، دون اجتهاد ولا تأويل.
والمعنى العام للآية: أن الله تعالى يذكّر بني إسرائيل المعاصرين للنبي ﵌ بما حصل من أسلافهم، وهم ملومون مثلهم لرضاهم بأفعال الأسلاف، فقد أمرهم الله بأن يدخلوا القرية وهي بيت المقدس أو قرية غيرها، والعرب تسمي المدينة قرية، داعين الله أن يغفر ذنوبهم، ومظهرين الخضوع والخشوع لله تعالى، وقد وعدهم الله بشيئين: الغفران وزيادة الإحسان. ولكن طبيعة اليهود التي يغلب عليها العصيان والتمرد أبت عليهم إلا تحدي الأمر الإلهي، والتنكر له، والتجرؤ على المخالفة بالقول والفعل، فقالوا: حبّة في شعرة، بدل حطة وزحفوا على أستاههم، بدل تنكيس رؤوسهم وخشوعهم وتواضعهم لله، شكرا له على نعمه عند دخول القرية، والتنعم بخيراتها من طعام وفاكهة وشراب.
وماذا كانت النتيجة المنتظرة؟ النتيجة أن الله تعالى صب عليهم عذابا من السماء صبا، بسبب ظلمهم أنفسهم وغيرهم، وفسقهم وخروجهم عن طاعة الله تعالى إلى طاعة أهوائهم وشياطينهم، ولسخريتهم من أوامر الله تعالى.
стр. 2725
فقه الحياة أو الأحكام:
إن العبرة واضحة من هذه الواقعة أو القضية، وهي أن الله تعالى يعاقب الناس على ذنوبهم في الدنيا قبل الآخرة، فما عليهم إلا الابتعاد عن الظلم والفسق؛ فقد عاقب الله بني إسرائيل على ظلمهم وفسقهم، بالرغم من فضائلهم، ككثرة الأنبياء فيهم، وتفضيلهم على العالمين، أي عالمي زمانهم.
حيلة اليهود على صيد الأسماك يوم السبت
وعقاب المخالفين
﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (١٦٦)﴾
الإعراب:
﴿إِذْ يَعْدُونَ﴾ يتعلق بسأل، وتقديره: سلهم عن وقت عدولهم في السبت، وهو مجرور بدل من القرية، و ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ﴾: بدل من ﴿إِذْ﴾ الأولى، ويجوز نصبه بيعدون، و ﴿شُرَّعاً﴾: منصوب على الحال من ﴿حِيتانُهُمْ﴾، والعامل فيه: ﴿تَأْتِيهِمْ﴾.
﴿مَعْذِرَةً﴾ مفعول لأجله، فكأنهم لما قالوا: لم تعظون؟ ﴿قالُوا: مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ﴾ أي لمعذرة إلى ربكم. وقرئ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وتقديره: موعظتنا معذرة.
﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ على وزن فعيل، مصدر «بيس» وتقديره: بعذاب ذي بيس، أي: ذي بوس، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
стр. 2726
المفردات اللغوية:
﴿وَسْئَلْهُمْ﴾ يا محمد توبيخا عما وقع لأهل القرية ﴿عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ هي أيلة، وخليج أيلات معروف اليوم وقيل: مدين، وقيل: طبرية، والمراد بالقرية: أهلها، والعرب تسمى المدينة قرية، وعن أبي عمرو بن العلاء: ما رأيت قرويين أفصح من الحسن والحجاج، يعني رجلين من أهل المدن ﴿حاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ قريبة مجاورة للبحر الأحمر (بحر القلزم) على شاطئه، وهي أيلة ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ يعتدون ويتجاوزون حد الله فيه، وهو اصطيادهم في يوم السبت، وقد نهوا عنه. و ﴿السَّبْتِ﴾: مصدر سبتت اليهود: إذا عظمت سبتها بترك الصيد وغيره من الأعمال، والاشتغال بالعبادة، والمعنى: يعدون في تعظيم السبت. وكذلك قوله: ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾ معناه يوم تعظيمهم أمر السبت.
﴿حِيتانُهُمْ﴾ سمكهم، وأكثر ما تستعمل العرب الحوت في معنى السمكة ﴿شُرَّعاً﴾ ظاهرة على الماء ﴿وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ﴾ لا يعظمون السبت أي سائر الأيام ﴿لا تَأْتِيهِمْ﴾ ابتلاء من الله ﴿كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ أي مثل ذلك البلاء الشديد نبلوهم بسبب فسقهم، ومعنى ﴿نَبْلُوهُمْ﴾ نختبرهم.
ولما صادوا السمك يوم السبت بحيلة حجزه وراء حواجز يوم الجمعة، افترقت القرية أثلاثا: ثلث صادوا معهم، وثلث نهوهم، وثلث أمسكوا عن الصيد والنهي.
﴿وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ﴾ معطوف على ﴿إِذْ﴾ قبله، والأمة منهم: الجماعة منهم وهي التي لم تصد ولم تنه كمن نهى ﴿قالُوا: مَعْذِرَةً﴾ أي موعظتنا معذرة نعتذر بها إلى الله، لئلا ننسب إلى تقصير في ترك النهي، أي قياما منا بعذر أنفسنا عند ربنا بقصد التنصل من الذنب ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ الصيد.
﴿فَلَمّا نَسُوا﴾ تركوا ﴿ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ وعظوا به، أي تركوه ترك الناس، وأعرضوا عنه إعراضا تاما، فلم يرجعوا عن المخالفة ﴿السُّوءِ﴾ العمل الذي تسوء عاقبته ﴿بَئِيسٍ﴾ شديد، مأخوذ من البأس وهو الشدة، أو من البؤس وهو المكروه ﴿يَفْسُقُونَ﴾ يخرجون عن الطاعة.
﴿عَتَوْا﴾ تكبروا عن ترك ما نهوا عنه ﴿خاسِئِينَ﴾ صاغرين. أما الفرقة الساكتة فقال ابن عباس: ما أدري ما فعل بالفرقة الساكتة. وقال عكرمة: لم تهلك؛ لأنها كرهت ما فعلوه، وقالت:
﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾؟ وروى الحاكم عن ابن عباس: أنه رجع إلى قول عكرمة وأعجبه.
المناسبة:
تذكر الآيات نوعا آخر من مخالفات اليهود وعصيانهم، فبعد أن ذكرت قصتهم في دخول القرية، ذكرت قصة احتيالهم على صيد الأسماك. وقد ذكرت
стр. 2727
هذه القصة في سورة البقرة إجمالا في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ [٦٥] وأشير إليها في سورة النساء أيضا في الآيتين [١٥٤، ٤٧]. وذكرت قبل ذلك هنا في سورة الأعراف التي نزلت بمكة قبل ملاقاة النبي ﵌ أحدا من اليهود، للدلالة على الإعجاز؛ لأن النبي ﵌ كان رجلا أميا، لم يتعلم علما، ولم يطالع كتابا، فإخباره بالقصة معجز، ودليل على أن ذلك من إخبار الله وكلامه.
وهناك فائدة أخرى من إيراد القصة: وهو التنبيه على أن الكفر بمحمد ﵌ وبمعجزاته ليس شيئا جديدا حادثا في هذا الزمان، وإنما كان الكفر والإصرار حاصلا في أسلافهم من الزمان القديم.
أضواء من التاريخ على القصة:
روي أن اليهود أمروا باليوم الذي أمرنا به، وهو يوم الجمعة، فتركوه، واختاروا يوم السبت، فابتلوا به، وحرّم عليهم فيه الصيد وأمروا بتعظيمه، فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شرّعا بيضا سمانا، كأنها المخاض، لا يرى الماء من كثرتها، ﴿وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾، فكانوا كذلك برهة من الدهر، ثم جاءهم إبليس، فقال لهم: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت، فاتخذوا حياضا تسوقون الحيتان إليها يوم السبت، فلا تقدر على الخروج منها، وتأخذونها يوم الأحد.
وأخذ رجل منهم حوتا، وربط في ذنبه خيطا إلى خشبة في الساحل، ثم شواه يوم الأحد، فوجد جاره ريح السمك، فتطلع في تنوره، فقال له: إني أرى الله سيعذبك، فلما لم يره عذب، أخذ في السبت القادم حوتين، فلما رأوا أن العذاب لا يعاجلهم، صادوا وأكلوا، وملّحوا، وباعوا، وكانوا نحوا من سبعين ألفا.
فصار أهل القرية أثلاثا: ثلث نهوا وكانوا نحوا من اثني عشر ألفا، وثلث قالوا: لم تعظون قوما؟ وثلث هم أصحاب الخطيئة.
стр. 2728
فلما لما ينتهوا، قال المسلمون: إنا لا نساكنكم، فقسموا القرية بجدار، للمسلمين باب، وللمعتدين باب، ولعنهم داود ﵇، فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم، ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا: إن للناس شأنا، فنظروا، فإذا هم قردة، ففتحوا الباب، ودخلوا عليهم، فعرفت القرود أنسباءهم من الإنس، والإنس لا يعرفون أنسباءهم من القرود، فجعل القرد يأتي نسيبه، فيشم ثيابه ويبكي، فيقول: ألم ننهك؟ فيقول برأسه: بلى. وقيل: صار الشباب قردة والشيوخ خنازير.
وعن الحسن البصري: أكلوا والله أوخم أكلة أكلها أهلها، أثقلها خزيا في الدنيا، وأطولها عذابا في الآخرة، هاه، وايم الله، ما حوت أخذه قوم فأكلوه، أعظم عند الله من قتل رجل مسلم، ولكن الله جعل موعدا، ﴿وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ﴾ (١).
التفسير والبيان:
واسأل يا محمد يهود عصرك عن قصة أصحابهم الذين خالفوا أمر الله، ففاجأتهم نقمته على صنيعهم واعتدائهم واحتيالهم في المخالفة، والسؤال للتوبيخ والتقريع، وبيان أن كفر المعاصرين للنبي ﵌ ليس جديدا، بل هو موروث، فإن أسلافهم ارتكبوا الذنب العظيم، وخالفوا أوامر الله تعالى.
وحذرهم من مخالفتك لئلا يحل بهم ما حل بسلفهم.
اسألهم عن أهل المدينة التي كانت قريبة من البحر على شاطئه، وهي أيلة على شاطئ البحر الأحمر، بين مدين والطور، حين اعتدوا حدود الله، وتجاوزوها يوم السبت الذي يعظمونه، بترك العمل فيه، وتخصيصه للعبادة،
стр. 2729
فخالفوا أمر الله فيه بالوصية لهم به إذ ذاك، واصطادوا السمك فيه، وقد نهوا عنه.
فكان السمك يأتيهم كثيرا على سطح الماء يوم تعظيم السبت، ولا يحتاج صيده إلى عناء.
ويوم لا يسبتون، في سائر الأيام غير السبت، تختفي الأسماك ولا تظهر، ولا تأتيهم كما كانت تأتيهم يوم السبت.
فاحتالوا على صيدها بإقامة الأحواض حيث يأتي المد بالسمك ثم إذا انحسر الماء بالجزر، تبقى الأسماك في الأحواض، فيأخذونها يوم الأحد.
مثل ذلك البلاء بظهور السمك يوم السبت المحرم عليهم صيده، وإخفائه عنهم في الأيام التي يحل لهم صيده، نبلو أي نختبر السابقين والمعاصرين، ونعاملهم معاملة من يختبر حالهم، ليجازى كل واحد على عمله، بسبب فسقهم المستمر وخروجهم عن طاعة الله؛ لأن من سنة الله أن من أطاعه، سهل له أمور الدنيا، وأثابه في الآخرة، ومن عصاه، ابتلاه بأنواع المحن والمصائب.
وحين ظهور المعصية فيهم، انقسم أهل تلك القرية فرقا ثلاثا، هي فرقة المؤيدين، وفرقة المعارضين الواعظين، وفرقة المحايدين الذين لم يجدوا فائدة من الوعظ ولاموا الواعظين قائلين لهم: لم تعظون قوما قد قضى الله بإهلاكهم وإفنائهم، وقد علمتم أن الله سيهلكهم ويعاقبهم في الدنيا والآخرة.
فأجابهم الواعظون: نعظهم لنبرئ أنفسنا من السكوت عن المنكر، ونعتذر إلى ربكم بأننا أدينا واجبنا في الإنكار عليهم، ونحن لا نيأس من صلاحهم وعودتهم إلى الحق، ولعلهم بهذا الإنكار يتقون ما هم فيه ويتركونه، ويرجعون إلى الله تائبين، فإذا تابوا تاب الله عليهم ورحمهم.
стр. 2730
﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي فلما أبى الفاعلون قبول النصيحة، أنجينا الناهين عن السوء وهم فريق الواعظين وفريق اللائمين، إلا أن الفريق الأول كانوا أحزم وأقوى؛ لأنهم أنكروا بالقول والفعل، لذا صرح القرآن بنجاة الناهين، والفريق الثاني أنكر بالقلب فقط، لذا سكت القرآن عن الساكتين، فهم لا يستحقون مدحا فيمدحوا، ولا ارتكبوا ذنبا، فيذموا.
وعذبنا الظالمين الذين ارتكبوا المعصية بعذاب شديد.
وذلك العذاب أنهم لما عتوا أي تمردوا وتكبروا عن ترك ما نهوا عنه، وأبوا سماع نصيحة الواعظين، جعلهم الله قردة صاغرين أذلاء منبوذين مبعدين عن الناس. هذا عذاب الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.
والظاهر وهو رأي الجمهور أنهم مسخوا قردة على الحقيقة؛ لمخالفتهم الأوامر وتماديهم في العصيان، لا لمجرد اصطياد الحيتان. وهل هذه القردة من نسلهم أو هلكوا وانقطع نسلهم؟ لا دلالة في الآية عليه.
وقال مجاهد: أصبحوا كالقردة في سوء الطباع والطيش والشر والإفساد، بسبب جناياتهم.
والراجح رأي العلماء الذين قالوا: إن الساكتين كانوا من الناجين؛ لرجوع ابن عباس إلى رأي عكرمة في نجاة الساكتين، وقد رجح ابن كثير هذا الاتجاه، قائلا: وهذا أولى من القول بأنهم من الهالكين؛ لأنه تبين حالهم بعد ذلك.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات في هذه القصة على ما يأتي:
١ - الإخبار بالقصة علامة لصدق النبي ﵌؛ إذ أطلعه الله على تلك الأمور من غير تعلم. وكانوا يقولون: ﴿نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة ١٨/ ٥]؛ لأنا
стр. 2731
من سبط خليله إبراهيم، ومن سبط إسرائيل، ومن سبط موسى كليم الله، ومن سبط ولده عزيز، فنحن من أولادهم، فقال الله لنبيه: سلهم يا محمد عن هذه القرية: أما عذبتهم بذنوبهم؟ ٢ - إبطال الحيل الممنوعة المؤدية لتعطيل شرع الله، وهدم مبادئه، وتجاوز أحكامه، ومخالفة أوامره.
٣ - القول بسدّ الذرائع، أي تحريم كل وسيلة تؤدي إلى الممنوع أو المحظور شرعا، فما أدى إلى الحرام فهو حرام.
٤ - إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واعتزال أهل الفساد ومجانبتهم، وأن من جالسهم، كان مثلهم.
٥ - دل قوله: ﴿كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ على أن من أطاع الله تعالى، خفف الله عنه أحوال الدنيا والآخرة، ومن عصاه ابتلاه بأنواع البلاء والمحن. وهذا يعني أن المعاصي سبب النقمة.
٦ - واحتج أهل السنة بالآية على أنه تعالى لا يجب عليه رعاية الصلاح والأصلح، لا في الدين ولا في الدنيا؛ لأنه تعالى علم أن تكثير الحيتان يوم السبت، ربما يحملهم على المعصية والكفر، فلو وجب عليه رعاية الصلاح والأصلح، لوجب أن لا يكثر هذه الحيتان في ذلك اليوم، صونا لهم عن ذلك الكفر والمعصية.
٧ - الفرقة التي عصت أوامر الله، وتمادت في معصية الله، كانت هالكة، والفرقة التي أنكرت العصيان ووعظت العصاة، كانت ناجية. وأما الفرقة الساكتة فكانت على الراجح من الناجين، لإنكارها بالقلب، ويأسها من الإصلاح.
стр. 2732
٨ - قد لا يأتي العذاب الشديد فجأة، وإنما بالتدريج، فقد عاقب الله بني إسرائيل أولا بتنكيل البابليين، ثم النصارى بهم، وسلبوا ملكهم. ومن ألوان عذاب الدنيا: المسخ قردة وخنازير بسبب التمادي في العصيان، ثم يأتي عذاب الآخرة.
رفع الجبل فوق اليهود وإذلالهم إلى يوم القيامة وتفريقهم في
الأرض واستثناء الصالحين
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧) وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠) وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاُذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)﴾
стр. 2733
الإعراب:
﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ﴾ دون: صفة لموصوف محذوف، وتقديره: ومنهم جماعة دون ذلك، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، وهو منصوب على الظرف. ﴿أُمَماً﴾ مفعول ثان أو حال ﴿مِنْهُمُ الصّالِحُونَ﴾ صفة أو بدل منه.
﴿وَرِثُوا الْكِتابَ﴾: جملة فعلية في موضع رفع؛ لأنها صفة ﴿فَخَلَفَ﴾.
﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من واو ﴿وَرِثُوا﴾.
﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ الجملة حال من ﴿وَيَقُولُونَ.﴾ ..
﴿وَيَقُولُونَ: سَيُغْفَرُ لَنا﴾ معطوف على ﴿يَأْخُذُونَ﴾.
﴿وَدَرَسُوا﴾ معطوف على ﴿وَرِثُوا الْكِتابَ﴾.
﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ اعتراض وقع بين: ورثوا ودرسوا. ﴿أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ عطف بيان لميثاق الكتاب.
﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ﴾ في موضع رفع لأنه مبتدأ، وخبره: ﴿إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ وتقديره: إنا لا نضيع أجر المصلحين منهم، ليعود من الخبر إلى المبتدأ عائد. ويجوز أن يكون ذكر ﴿الْمُصْلِحِينَ﴾ من قبيل وضع المظهر موضع المضمر أي أجرهم، تنبيها على أن الإصلاح كالمانع من التضييع.
﴿وَإِذْ نَتَقْنَا﴾ وإذ: في موضع نصب بتقدير فعل، وتقديره: واذكر إذ نتقنا.
﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ في موضع نصب على الحال من ﴿الْجَبَلَ﴾. وقيل: في موضع رفع بتقدير مبتدأ محذوف.
البلاغة:
﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب، لزيادة لتوبيخ.
المفردات اللغوية:
﴿تَأَذَّنَ﴾ مثل أذّن: أي أعلم ونادى للإعلام ﴿لَيَبْعَثَنَّ﴾ ليسلطن ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أي على اليهود ﴿يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ﴾ يذيقهم سوء العذاب بالذل وأخذ الجزية، فبعث عليهم سليمان، وبعده البابليين المجوس بقيادة بختنصر، فقتلهم وسباهم وضرب عليهم الجزية، ثم النصارى، ثم
стр. 2734
المسلمين، ثم الألمان في العصر الحديث ﴿لَسَرِيعُ الْعِقابِ﴾ لمن عصاه ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ﴾ لأهل طاعته ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم.
﴿وَقَطَّعْناهُمْ﴾ فرقناهم ﴿فِي الْأَرْضِ أُمَماً﴾ أي جماعات وفرقا ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ﴾ أي ناس منحطون عنهم وهم الكفار والفساق ﴿وَبَلَوْناهُمْ﴾ اختبرناهم ﴿بِالْحَسَناتِ﴾ بالنّعم ﴿وَالسَّيِّئاتِ﴾ النقم ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ عن فسقهم. ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ بسكون اللام:
من يخلف غيره في الشر، ومنه قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ..﴾.
[مريم ٥٩/ ١٩] وبفتح اللام: من يخلف غيره بالخير، والخلف: مصدر نعت به، ولذلك يقع على الواحد والجمع، وقيل: جمع ﴿وَرِثُوا الْكِتابَ﴾ التوراة عن آبائهم ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى﴾ العرض: متاع الدنيا وحطامها، والأدنى: الشيء الدني وهو الدنيا، والمراد يأخذون المال أو هذا الشيء الدنيء من حلال وحرام.
﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ الجملة حال، أي يرجون المغفرة، وهم عائدون إلى ما فعلوه، مصرون عليه، وليس في التوراة وعد المغفرة مع الإصرار، وإنما غفران الذنوب لا يصح إلا بالتوبة، والمصرّ لا غفران له.
﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ﴾ استفهام تقرير ﴿مِيثاقُ الْكِتابِ﴾ الإضافة بمعنى في، وهو قوله في التوراة:
من ارتكب ذنبا عظيما، فإنه لا يغفر له إلا بالتوبة. ﴿وَدَرَسُوا ما فِيهِ﴾ عطف على: ﴿يُؤْخَذْ﴾ أي قرءوه وفهموه، فهم عارفون الحكم ذاكرون له. فلم كذبوا عليه بنسبة المغفرة مع الإصرار ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الحرام. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أو بالياء: أنها خير، فتؤثروها على الدنيا.
﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ﴾ بالتشديد والتخفيف أي يتمسكون به ويعملون ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ كعبد الله بن سلام وأصحابه.
﴿وَإِذْ نَتَقْنَا﴾ واذكر إذ رفعنا الجبل من أصله ﴿ظُلَّةٌ﴾ أي مظلة وهي كل ما أظلك من سقف أو سماء أو جناح طائر ﴿وَظَنُّوا﴾ أيقنوا ﴿أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ﴾ ساقط عليهم، بإنذار الله لهم بوقوعه إن لم يقبلوا أحكام التوراة، وكانوا أبوها لثقلها، فقبلوا. ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ﴾ أي قلنا لهم:
خذوا ما آتيناكم بجد واجتهاد. ﴿وَاذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ بالعمل به.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى بعض قبائح اليهود وعقابهم عليها بالمسخ قردة، ذكر في هذه الآية أنه تعالى حكم عليهم بالذل والصغار إلى يوم القيامة، عقابا على
стр. 2735
أفعالهم، ثم ذكر أنه فرقهم جماعات مشردين في الأرض، وأن خلفهم جماعة ماديون تهمهم الدنيا فقط، وأن أسلافهم قبلوا الأخذ بالتوراة بعد إنذارهم بإسقاط الجبل عليهم. وهذا كله للعبرة، فكل أمة تفسق عن أمر الله وتخالف أحكام الدين مهددة بمثل هذا العقاب.
التفسير والبيان:
واذكر يا محمد حين أعلم ربك أسلاف اليهود على لسان أنبيائهم أنه قضى عليهم في علمه وأوجب على نفسه، ليسلطنّ عليهم إلى يوم القيامة من يذيقهم العقاب الشديد، ويلحق بهم الذل والصغار، ويفرض عليهم الجزية، ويبدد ملكهم، ويفرق شملهم، حتى يصبحوا أذلة مشردين.
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ﴾ لمن عصاه وخالف شرعه، وإنه لغفور لمن تاب إليه وأناب، ورحيم بأهل الطاعة والإنابة.
وقد تحقق مدلول الآية، فكان موسى ﵇ أول من فرض الخراج عليهم، وألزمهم به، ثم قهرهم اليونانيون والكشدانيون والكلدانيون والبابليون، ثم الروم النصارى، أخذوا منهم الجزية والخراج، ثم المسلمون الذين أخذوا منهم الجزية والخراج، ثم الألمان بقيادة هتلر في العصر الحديث، الذي قتلهم وشردهم في البلاد.
والآية بمعنى قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً﴾ إلى أن قال: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء ٤/ ١٧ - ٨] أي وإن عدتم إلى الإفساد بعد المرة الآخرة، عدنا إلى التعذيب والإذلال.
وأما وجود اليهود في فلسطين الآن فهو أمر عارض مؤقت زائل بإذن الله، لثقتنا بوعد الله وكلامه.