← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

من سبط خليله إبراهيم، ومن سبط إسرائيل، ومن سبط موسى كليم الله، ومن سبط ولده عزيز، فنحن من أولادهم، فقال الله لنبيه: سلهم يا محمد عن هذه القرية: أما عذبتهم بذنوبهم؟ ٢ - إبطال الحيل الممنوعة المؤدية لتعطيل شرع الله، وهدم مبادئه، وتجاوز أحكامه، ومخالفة أوامره. ٣ - القول بسدّ الذرائع، أي تحريم كل وسيلة تؤدي إلى الممنوع أو المحظور شرعا، فما أدى إلى الحرام فهو حرام. ٤ - إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واعتزال أهل الفساد ومجانبتهم، وأن من جالسهم، كان مثلهم. ٥ - دل قوله: ﴿كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ على أن من أطاع الله تعالى، خفف الله عنه أحوال الدنيا والآخرة، ومن عصاه ابتلاه بأنواع البلاء والمحن. وهذا يعني أن المعاصي سبب النقمة. ٦ - واحتج أهل السنة بالآية على أنه تعالى لا يجب عليه رعاية الصلاح والأصلح، لا في الدين ولا في الدنيا؛ لأنه تعالى علم أن تكثير الحيتان يوم السبت، ربما يحملهم على المعصية والكفر، فلو وجب عليه رعاية الصلاح والأصلح، لوجب أن لا يكثر هذه الحيتان في ذلك اليوم، صونا لهم عن ذلك الكفر والمعصية. ٧ - الفرقة التي عصت أوامر الله، وتمادت في معصية الله، كانت هالكة، والفرقة التي أنكرت العصيان ووعظت العصاة، كانت ناجية. وأما الفرقة الساكتة فكانت على الراجح من الناجين، لإنكارها بالقلب، ويأسها من الإصلاح.

стр. 2732

٨ - قد لا يأتي العذاب الشديد فجأة، وإنما بالتدريج، فقد عاقب الله بني إسرائيل أولا بتنكيل البابليين، ثم النصارى بهم، وسلبوا ملكهم. ومن ألوان عذاب الدنيا: المسخ قردة وخنازير بسبب التمادي في العصيان، ثم يأتي عذاب الآخرة. رفع الجبل فوق اليهود وإذلالهم إلى يوم القيامة وتفريقهم في الأرض واستثناء الصالحين ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧) وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠) وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاُذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)﴾

стр. 2733

الإعراب: ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ﴾ دون: صفة لموصوف محذوف، وتقديره: ومنهم جماعة دون ذلك، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، وهو منصوب على الظرف. ﴿أُمَماً﴾ مفعول ثان أو حال ﴿مِنْهُمُ الصّالِحُونَ﴾ صفة أو بدل منه. ﴿وَرِثُوا الْكِتابَ﴾: جملة فعلية في موضع رفع؛ لأنها صفة ﴿فَخَلَفَ﴾. ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من واو ﴿وَرِثُوا﴾. ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ الجملة حال من ﴿وَيَقُولُونَ.﴾ .. ﴿وَيَقُولُونَ: سَيُغْفَرُ لَنا﴾ معطوف على ﴿يَأْخُذُونَ﴾. ﴿وَدَرَسُوا﴾ معطوف على ﴿وَرِثُوا الْكِتابَ﴾. ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ اعتراض وقع بين: ورثوا ودرسوا. ﴿أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ عطف بيان لميثاق الكتاب. ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ﴾ في موضع رفع لأنه مبتدأ، وخبره: ﴿إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ وتقديره: إنا لا نضيع أجر المصلحين منهم، ليعود من الخبر إلى المبتدأ عائد. ويجوز أن يكون ذكر ﴿الْمُصْلِحِينَ﴾ من قبيل وضع المظهر موضع المضمر أي أجرهم، تنبيها على أن الإصلاح كالمانع من التضييع. ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا﴾ وإذ: في موضع نصب بتقدير فعل، وتقديره: واذكر إذ نتقنا. ﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ في موضع نصب على الحال من ﴿الْجَبَلَ﴾. وقيل: في موضع رفع بتقدير مبتدأ محذوف. البلاغة: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب، لزيادة لتوبيخ. المفردات اللغوية: ﴿تَأَذَّنَ﴾ مثل أذّن: أي أعلم ونادى للإعلام ﴿لَيَبْعَثَنَّ﴾ ليسلطن ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أي على اليهود ﴿يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ﴾ يذيقهم سوء العذاب بالذل وأخذ الجزية، فبعث عليهم سليمان، وبعده البابليين المجوس بقيادة بختنصر، فقتلهم وسباهم وضرب عليهم الجزية، ثم النصارى، ثم

стр. 2734

المسلمين، ثم الألمان في العصر الحديث ﴿لَسَرِيعُ الْعِقابِ﴾ لمن عصاه ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ﴾ لأهل طاعته ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم. ﴿وَقَطَّعْناهُمْ﴾ فرقناهم ﴿فِي الْأَرْضِ أُمَماً﴾ أي جماعات وفرقا ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ﴾ أي ناس منحطون عنهم وهم الكفار والفساق ﴿وَبَلَوْناهُمْ﴾ اختبرناهم ﴿بِالْحَسَناتِ﴾ بالنّعم ﴿وَالسَّيِّئاتِ﴾ النقم ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ عن فسقهم. ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ بسكون اللام: من يخلف غيره في الشر، ومنه قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ..﴾. [مريم ٥٩/ ١٩] وبفتح اللام: من يخلف غيره بالخير، والخلف: مصدر نعت به، ولذلك يقع على الواحد والجمع، وقيل: جمع ﴿وَرِثُوا الْكِتابَ﴾ التوراة عن آبائهم ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى﴾ العرض: متاع الدنيا وحطامها، والأدنى: الشيء الدني وهو الدنيا، والمراد يأخذون المال أو هذا الشيء الدنيء من حلال وحرام. ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ الجملة حال، أي يرجون المغفرة، وهم عائدون إلى ما فعلوه، مصرون عليه، وليس في التوراة وعد المغفرة مع الإصرار، وإنما غفران الذنوب لا يصح إلا بالتوبة، والمصرّ لا غفران له. ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ﴾ استفهام تقرير ﴿مِيثاقُ الْكِتابِ﴾ الإضافة بمعنى في، وهو قوله في التوراة: من ارتكب ذنبا عظيما، فإنه لا يغفر له إلا بالتوبة. ﴿وَدَرَسُوا ما فِيهِ﴾ عطف على: ﴿يُؤْخَذْ﴾ أي قرءوه وفهموه، فهم عارفون الحكم ذاكرون له. فلم كذبوا عليه بنسبة المغفرة مع الإصرار ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الحرام. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أو بالياء: أنها خير، فتؤثروها على الدنيا. ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ﴾ بالتشديد والتخفيف أي يتمسكون به ويعملون ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ كعبد الله بن سلام وأصحابه. ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا﴾ واذكر إذ رفعنا الجبل من أصله ﴿ظُلَّةٌ﴾ أي مظلة وهي كل ما أظلك من سقف أو سماء أو جناح طائر ﴿وَظَنُّوا﴾ أيقنوا ﴿أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ﴾ ساقط عليهم، بإنذار الله لهم بوقوعه إن لم يقبلوا أحكام التوراة، وكانوا أبوها لثقلها، فقبلوا. ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ﴾ أي قلنا لهم: خذوا ما آتيناكم بجد واجتهاد. ﴿وَاذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ بالعمل به. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى بعض قبائح اليهود وعقابهم عليها بالمسخ قردة، ذكر في هذه الآية أنه تعالى حكم عليهم بالذل والصغار إلى يوم القيامة، عقابا على

стр. 2735

أفعالهم، ثم ذكر أنه فرقهم جماعات مشردين في الأرض، وأن خلفهم جماعة ماديون تهمهم الدنيا فقط، وأن أسلافهم قبلوا الأخذ بالتوراة بعد إنذارهم بإسقاط الجبل عليهم. وهذا كله للعبرة، فكل أمة تفسق عن أمر الله وتخالف أحكام الدين مهددة بمثل هذا العقاب. التفسير والبيان: واذكر يا محمد حين أعلم ربك أسلاف اليهود على لسان أنبيائهم أنه قضى عليهم في علمه وأوجب على نفسه، ليسلطنّ عليهم إلى يوم القيامة من يذيقهم العقاب الشديد، ويلحق بهم الذل والصغار، ويفرض عليهم الجزية، ويبدد ملكهم، ويفرق شملهم، حتى يصبحوا أذلة مشردين. ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ﴾ لمن عصاه وخالف شرعه، وإنه لغفور لمن تاب إليه وأناب، ورحيم بأهل الطاعة والإنابة. وقد تحقق مدلول الآية، فكان موسى ﵇ أول من فرض الخراج عليهم، وألزمهم به، ثم قهرهم اليونانيون والكشدانيون والكلدانيون والبابليون، ثم الروم النصارى، أخذوا منهم الجزية والخراج، ثم المسلمون الذين أخذوا منهم الجزية والخراج، ثم الألمان بقيادة هتلر في العصر الحديث، الذي قتلهم وشردهم في البلاد. والآية بمعنى قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً﴾ إلى أن قال: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء ٤/ ١٧ - ٨] أي وإن عدتم إلى الإفساد بعد المرة الآخرة، عدنا إلى التعذيب والإذلال. وأما وجود اليهود في فلسطين الآن فهو أمر عارض مؤقت زائل بإذن الله، لثقتنا بوعد الله وكلامه.

стр. 2736

هذا هو العقاب الأول على معاصي اليهود المتكررة وتمردهم على أحكام الله، وهو تسليط الأمم عليهم لإذلالهم وتعذيبهم. والعقاب الثاني: هو تفريقهم وتمزيقهم جماعات وطوائف وفرقا في أنحاء الأرض، فلا يخلو منهم قطر من الأقطار، فيهم الصالح وغير ذلك. فمنهم الصالحون المحسنون الذين يؤمنون بالأنبياء بعد موسى، ويؤمنون بمحمد ﵌، ويؤثرون الآخرة على الدنيا، مثل أولئك الذين نهوا عن الاعتداء في السبت، ومثل عبد الله بن سلام وأصحابه الذين أسلموا. ومنهم من هو دون غيره في الصلاح، ومنهم الفسقة الفجرة الكفرة الذين كانوا يقتلون الأنبياء بغير حق، ومنهم السماعون للكذب الأكّالون للسّحت كالرشا والربا لتبديل الأحكام والقضاء بغير ما أنزل الله. وفي الجملة: معنى ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ﴾ أي منحطون عن الصلاح، وهم كفرتهم وفسقتهم. والله يعامل الفريقين كما يعامل غيرهم، فيختبرهم بالحسنات أي بالنعم وبالسيئات أي بالنقم، لعلهم يرجعون عن ذنبهم، ويشكروا النعمة، ويصبروا على النقمة. ثم ظهر من الصالحين ومن دونهم خلف ورثوا التوراة عن أسلافهم، أي تلقفوا ما فيها من الأحكام وقرءوها واطلعوا على ما فيها. وهم الذين كانوا في عصر النبي ﵌، ولكنهم هجروها وآثروا الدنيا ومتاعها وزينتها وتفانوا في جمع حطامها، لا يبالون، حلالا كان أو حراما أي من غير طريق شرعي، كالسحت والرشوة والمحاباة في الحكم والاتجار في الدين وتحريف الكلم عن مواضعه، وزعموا أن الله سيغفر لهم ولا يؤاخذهم على أفعالهم وسيئاتهم، قائلين: إننا أبناء الله وأحباؤه، وسلائل أنبيائه، وهم مقيمون على المعاصي، مصرون على الذنوب، لا يتورعون عن ضم الحرام إلى غيره، فإن يأتهم عرض آخر من عروض الدنيا مثل

стр. 2737

الذي أخذوه أولا بالباطل، يأخذوه بلهف دون تعفف، وهم يعلمون أن وعد الله بالمغفرة مخصوص بالتائبين الذين يقلعون عن ذنوبهم. فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ..﴾. أي أن الله تعالى ينكر عليهم صنيعهم هذا؛ لأنه قد أخذ عليهم العهد والميثاق ألا يقولوا على الله غير الحق، فيما يتمنون على الله من غفران ذنوبهم التي يصرون عليها ولا يتوبون منها، وهذا هو المذكور في التوراة: من ارتكب ذنبا عظيما فإنه لا يغفر له إلا بالتوبة، ومن جملة الميثاق أن يبينوا للناس الحق ولا يكتمونه، وألا يحرفوا الكلم ولا يغيروا الشرائع لأجل أخذ الرشوة، وهم قد درسوا الكتاب (التوراة) وفهموا ما فيه، من تحريم أكل مال الغير بالباطل والكذب على الله. ثم رغبهم الله في جزيل ثوابه، وحذرهم من وبيل عقابه، فقال: ألم يعلموا أن الدار الآخرة وما فيها من نعيم خالد خير للذين يتقون المعاصي ومحارم الله، ويتركون هوى نفوسهم، ويقبلون على طاعة ربهم، إنها خير من حطام الدنيا الفاني الذي يؤخذ بطريق الحرام كالرّشا والسحت وغير ذلك، أفلا تعقلون؟ أي أفليس لهؤلاء الذين اعتاضوا بعرض الدنيا عما عندي من ثواب عقل يردعهم عماهم فيه من السفه والتبذير؟! والخلاصة: أن الدار الآخرة خير من ذلك العرض الخسيس. وفي هذا إيماء إلى أن الطمع في متاع الدنيا هو الذي أفسد بني إسرائيل، وفي هذا عبرة للمسلمين الذين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة. ثم أثنى الله تعالى على من تمسك بكتابه الذي يقوده إلى اتباع رسوله محمد ﵌، كما هو مكتوب فيه، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ..﴾. أي والذين يستمسكون بأوامر الكتاب الإلهي، ويعتصمون به، ويقتدون بمنهجه، ويتركون زواجره، وأقاموا الصلاة، وخصها بالذكر مع أن الكتاب يشتمل على كل عبادة،

стр. 2738

ومنها إقامة الصلاة؛ إظهارا لعلو مرتبتها، وأنها أعظم العبادات بعد الإيمان، وأنها عماد الدين، والفارقة بين الكفر والإيمان. ﴿إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ أي لا نضيع أجرهم؛ لأن المصلحين في معنى ﴿الَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ﴾، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ [الكهف ٣٠/ ١٨]. وبعد أن بيّن الله تعالى مخالفة بني إسرائيل لأحكام دينهم ذكّر ببدء حالهم في إنزال الكتاب عليهم، فقال: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ..﴾. أي واذكر أيها النبي إذ رفعنا فوقهم جبل الطور لقوله: ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ [البقرة ٦٣/ ٢ - ٩٣] ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ [النساء ١٥٤/ ٤]، وأصبح كأنه سقيفة، لما أبوا أن يقبلوا التوراة لثقلها، وعلموا وأيقنوا أنه ساقط عليهم؛ لأن الجبل لا يثبت في الجو، ولأنهم كانوا يوعدون به، وقلنا لهم: خذوا ما أعطيناكم من أحكام الشريعة بجد واجتهاد، وحزم وعزم على احتمال المشاق والتكاليف. واذكروا ما فيه من الأوامر والنواهي، ولا تنسوه، أو: واذكروا ما فيه من الإعداد للثواب والعقاب، فترغبوا في الثواب العظيم، وترهبوا من العقاب الشديد، رجاء أن تتحقق التقوى في قلوبكم، فتصبح أعمالكم متفقة مع الدين، وفي ذلك الفلاح لكم، أو لتتقوا ما أنتم عليه، فإن قوة العزيمة في إقامة الدين تزكي النفوس وتهذيب الأخلاق، كما أن التهاون في احترام الدين يغري النفوس على اتباع الشهوات، كما قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ [الشمس ٩/ ٩١ - ١٠]. فقه الحياة أو الأحكام: هذه الآيات واردة في حق اليهود الذين بقوا على الكفر واليهودية، فأما الذين آمنوا بمحمد ﵌ فخارجون عن هذا الحكم.

стр. 2739

وقد دلت الآيات على ما يلي: ١ - إعلام اليهود الأسلاف ومن باب أولى الخلف أنهم إن غيروا نصوص التوراة، ولم يؤمنوا بالنبي الأمي، بعث الله عليهم من يعذبهم إلى يوم القيامة. وهذا تنصيص على أن ذلك العذاب مستمر إلى يوم القيامة، وهو يقتضي أن العذاب إنما يحصل في الدنيا. وللعذاب ألوان ومظاهر، فهو إما أخذ الجزية، وإما الاستخفاف والإهانة والإذلال لقوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا﴾ [آل عمران ١١٢/ ٣] وإما الإخراج والإبعاد من الوطن. وقد أذاقهم العذاب أمم كثيرة في الماضي من عهد بختنصّر، إلى العهد الإسلامي، وإلى العصر الحديث. وأما دولة إسرائيل فلا يحسد موقفها فهي تبع لإمريكا والغرب، وتعيش في قلق واضطراب ومخاوف، فلا تنعم بالأمن والاستقرار، ولا تهدأ ساحتها، لا في الداخل ولا في الخارج، وزوالها محقق مع الزمن، كما يثبت أهل العلم، فإن مرور الزمان ليس في صالحهم إطلاقا. ٢ - اليهود أمة مشتتة ممزقة مفرقة في أنحاء الأرض، لا يخلو منهم قطر، منهم الصلحاء ومنهم الكفرة الفسقة الفجرة، وقد اختبرهم الله بأنواع عديدة من الاختبارات، أو عاملهم معاملة المختبر، فأمدهم بالحسنات أي بالخصب والعافية، والسيئات، أي الجدب والشدائد، ليرجعوا عن كفرهم ويتوبوا من فسقهم. قال أهل المعاني: وكل واحد من الحسنات والسيئات يدعو إلى الطاعة، أما النعم فلأجل الترغيب، وأما النقم فلأجل الترهيب. ٣ - أولاد الذين فرّقهم الله في الأرض، ورثوا التوراة كتاب الله، فقرءوه وعلموه، وكانوا خلف سوء، خالفوا أحكامه وارتكبوا محارمه، مع دراستهم له، فاستحقوا التوبيخ والتقريع من الله تعالى. ومن قبائحهم: ماديتهم الطاغية، وربما هم الذين علّموا أوربا وأمريكا

стр. 2740

النزعة المادية الشديدة، فهم كانوا يأخذون ما يعرض لهم من متاع الدنيا من حلال أو حرام، لشدة حرصهم ونهمهم: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى﴾ ويزعمون أنه سيغفر لهم مع بقائهم على المعاصي، بل إنهم لا يتوبون، وقد ذمهم الله على اغترارهم بقولهم: ﴿سَيُغْفَرُ لَنا﴾ مع أنهم مصرون على الذنوب. وإن جاءتهم عروض أخرى دنيوية وهي الرّشا والمكاسب الخبيثة، أخذوها أيضا. وفي هذا دلالة على أن الطمع في الدنيا هو سبب فساد اليهود. قال الحسن البصري: هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا، وأنهم لا يستمتعون منها (١). وقال القرطبي: وهذا الوصف الذي ذمّ الله تعالى به هؤلاء موجود فينا، أسند الدارمي أبو محمد عن معاذ بن جبل قال: «سيبلى القرآن في صدور أقوام كما سيبلى الثوب فيتهافت، يقرءونه لا يجدون له شهوة ولا لذة، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، أعمالهم طمع لا يخالطه خوف، إن قصّروا قالوا: سنبلغ، وإن أساؤوا قالوا: سيغفر لنا، إنا لا نشرك بالله شيئا» (٢). ٤ - أخذ الله العهد والميثاق على بني إسرائيل في التوراة وفي جميع الشرائع على اتباع قول الحق في الشرع والأحكام، وألا يميل الحكام بالرّشا إلى الباطل. وهذا عهد أيضا على المسلمين في كتاب ربنا وسنة نبينا. ثم خالف اليهود الميثاق، مع أنهم قرءوا التوراة، وهم قريبو عهد بها. قال ابن زيد: كان يأتيهم المحقّ برشوة، فيخرجون له كتاب الله، فيحكمون له به، فإذا جاء المبطل أخذوا منه الرشوة، وأخرجوا له كتابهم الذي كتبوه بأيديهم، وحكموا له.

стр. 2741

٥ - المتمسكون بكتاب الله، والمقيمو الصلاة، لهم أجرهم الجزيل عند ربهم، لا يضيع من حسناتهم شيء. ٦ - من قبائح اليهود أنهم رفضوا الأخذ بالتوراة لغلظها وثقلها، ولم يعودوا للعمل بما فيها إلا بتهديدهم بإسقاط جبل الطور عليهم. وقد سبق بيان قصة الجبل في سورة البقرة (٩٣، ٦٣) وفي سورة النساء (١٥٤). الميثاق العام المأخوذ على بني آدم ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)﴾ الإعراب: ﴿وَإِذْ أَخَذَ﴾ إذ: في موضع نصب؛ لأنه يتعلق بقولهم: ﴿قالُوا: بَلى﴾ وقيل: بتقدير: اذكر. و ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾: بدل من ﴿بَنِي آدَمَ﴾ بإعادة الجار، وهو بدل بعض من كل، وتقديره: وإذ أخذ ربك من ظهورهم من بني آدم ذرياتهم. ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ في موضع نصب على المفعول له أي لأجله، وتقديره: لئلا يقولوا، أو كراهة أن تقولوا. البلاغة: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ فيه التفات من المتكلم إلى المخاطب، والأصل: وإذ أخذنا، والمقصود تعظيم شأن الرسول بتوجيه الخطاب له. والإضافة إلى ضميره ﵊: ﴿رَبُّكَ﴾ فيها تكريم وتشريف.

стр. 2742

المفردات اللغوية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ﴾: واذكر حين أخذ أي أخرج، وإنما عبّر به، لما فيه من الاصطفاء والانتقاء ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ جمع ظهر: وهو ما فيه العمود الفقري للإنسان ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ سلالتهم ذكورا وإناثا، بأن أخرج بعضهم من صلب بعض، من صلب آدم، نسلا بعد نسل، كنحو ما يتوالدون كالذر ﴿وَأَشْهَدَهُمْ﴾ أخذ منهم شهادة على أنفسهم، والشهادة: إما قولية، كما قال: ﴿شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا﴾ [الأنعام ١٣٠/ ٦] أو حالية، كما قال: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ، شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة ١٧/ ٩] أي حالهم شاهدة عليهم بذلك، لا قائلين. ﴿بَلى شَهِدْنا﴾ أي بلى أنت ربنا، شهدنا بذلك ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ أي أن الإشهاد لئلا تقولوا أيها الكفار ﴿عَنْ هذا﴾ التوحيد ﴿غافِلِينَ﴾ لا نعرفه. ﴿وَكُنّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي فاقتدينا بهم؛ لأن التقليد عند قيام الدليل والتمكن من العلم به لا يصلح عذرا ﴿أَفَتُهْلِكُنا﴾ تعذبنا ﴿بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ من آبائنا بتأسيس الشرك. المعنى: لا يمكنهم الاحتجاج بذلك مع إشهادهم على أنفسهم بالتوحيد. والتذكير به على لسان النبي ﵌ قائم مقام ذكره في النفوس. ﴿وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ مثل ذلك البيان للميثاق نبينها، ليتدبروها ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ عن كفرهم أو عن التقليد واتباع الباطل. المناسبة: لما شرح الله تعالى قصة موسى ﵇ مع توابعها، ذكر في هذه الآية ما هو حجة على جميع المكلفين. وبعد أن ذكر الميثاق الخاص على اليهود بقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ [البقرة ٦٣/ ٢] وقوله: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ ذكر هنا الميثاق العام الذي أخذه على بني آدم جميعا وهم في صلب آدم. والمقصود من هذا الكلام هاهنا إلزام اليهود بمقتضى الميثاق العام بعد ما ألزمهم بالميثاق المخصوص بهم، والاحتجاج عليهم بالحجج النقلية والعقلية، ومنعهم عن التقليد، وحملهم على النظر والاستدلال.

стр. 2743

التفسير والبيان: واذكر يا محمد للناس جميعا ما أخذه الله على البشر كافة من ميثاق يتضمن الاعتراف على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا الله، وذلك حين أخذ ربك من ظهور بني آدم ذريتهم كما تثبت الآية، ومن آدم نفسه كما ثبت في الخبر (١)، أي استخرج من بني آدم ذريتهم أو سلالتهم، وخلقهم على فطرة التوحيد والإسلام. وأشهد كل واحد على نفسه من هؤلاء الذرية قائلا لهم قول إرادة وتكوين، لا قول وحي وتبليغ: ألست بربكم؟ فقالوا بلسان الحال، لا بلسان المقال: بلى أنت ربنا المستحق وحدك للعبادة. وسبب هذا الإشهاد هو ألا يعتذروا يوم القيامة إذا أشركوا: إنا كنا عن التوحيد غافلين، أي لم ينبهنا إليه أحد، فلا عذر لكم بعد إقامة الأدلة على وحدانية الله، ووجود العقل، وتكوين الفطرة. وخلق الناس على فطرة التوحيد مقرر في آية أخرى هي قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً، فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ [الروم ٣٠/ ٣٠] وفي الصحيحين ما يؤيد ذلك عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «كل مولود يولد على الفطرة» وفي رواية: «على هذه الملة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تلد البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسّون فيها من جدعاء» وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله ﵌: «يقول الله: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم». والجمعاء: السليمة الخلقة، والجدعاء: المقطوعة بعض الأعضاء.

стр. 2744

وقد اختلف العلماء في هذه الآية آية ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ..﴾. على رأيين: رأي السلف، ورأي الخلف. أما السلف من المفسرين فقالوا: إن الله خلق آدم وأخرج من ظهره ذريته كالذر، وأحياهم وجعل لهم عقلا وإدراكا، وألهمهم ذلك الحديث وتلك الإجابة، وأخذ عليهم العهد بأنه ربهم، فأقروا بذلك، وقد روي هذا المعنى عن النبي ﵌ من طرق كثيرة لا يخلو بعضها من ضعف وانقطاع، وقال به جماعة من الصحابة (١). وأما الخلف فقالوا: هذا من قبيل التمثيل والتصوير، والمجاز والاستعارة فلا سؤال ولا جواب، وإنما أقام الله الأدلة الكونية على وحدانيته وربوبيته للكون كله، وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم، وجعلها مميزة بين الضلالة والهدى، فكأنه قال للخلق: أقروا بأني ربكم، ولا إله غيري، وكأنه أشهدهم على أنفسهم، وقال لهم: ألست بربكم؟ فقالوا: بلى (٢). وهذا ما اختاره الزمخشري وأبو حيان وأبو السعود والبيضاوي. وقال عنه الرازي: لا طعن فيه البتة. وحدد ابن كثير دلالة الأحاديث، فقال: هذه الأحاديث دالة على أن الله استخرج ذرية آدم من صلبه، وميّز بين أهل الجنة وأهل النار، وأما الإشهاد عليهم هناك بأنه ربهم، فما هو إلا في حديث ابن عباس، وفي حديث عبد الله بن عمرو، وهما موقوفان لا مرفوعان، ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف: إن المراد بهذا الإشهاد، إنما هو فطرهم على التوحيد، كما تقدم في حديث أبي هريرة وعياض بن حمار المجاشعي، وقد فسر الحسن الآية بذلك. قالوا: ولهذا قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ ولم يقل: من آدم،

стр. 2745

﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ ولم يقل: من ظهره ذرياتهم أي جعل نسلهم جيلا بعد جيل، وقرنا بعد قرن. ثم قال: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا:﴾ ﴿بَلى﴾ أي أوجدهم شاهدين بذلك، قائلين له حالا وقالا، والشهادة تكون بالقول، كقوله: ﴿قالُوا: شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا﴾ الآية، وتارة تكون حالا، كقوله تعالى: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ، شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة ١٧/ ٩] أي حالهم شاهد عليهم بذلك، لا أنهم قائلون ذلك، وكذا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات ٧/ ١٠٠]. فالمراد من الآية أن الله تعالى جعل الفطرة التي فطروا عليها من الإقرار بالتوحيد حجة مستقلة عليهم، ولهذا قال: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ أي لئلا تقولوا يوم القيامة: ﴿إِنّا كُنّا عَنْ هذا﴾ أي التوحيد ﴿غافِلِينَ﴾ أي لم ننبه إليه ﴿أَوْ تَقُولُوا: إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا﴾ الآية. وإني لميّال لهذا الرأي، وهو أولى الآراء بالصواب. ﴿أَوْ تَقُولُوا: إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا..﴾. أي إن سبب الإشهاد لمنع اعتذارهم يوم القيامة بغفلتهم عن التوحيد، أو بادعائهم التقليد، وقولهم: إن آباءنا أشركوا من قبلنا، ونحن خلف لهم، نجهل بطلان شركهم، وقد قلدناهم في أعمالهم واعتقادهم، مع حسن الظن بهم، ولم نهتد إلى التوحيد. أفتهلكنا بالعذاب وتؤاخذنا بما فعله المبطلون من آبائنا؟! ولكن الله لا يقبل عذرهم أبدا؛ لأن التقليد في الاعتقاد وأصول الدين لا يجوز. ومثل ذلك التفصيل البليغ الواضح للميثاق، نفصل للناس الآيات البينات، ليتدبروها بعقل وبصيرة، ولعلهم يرجعون بها عن شركهم، وجهلهم، وتقليدهم الآباء والأجداد.

стр. 2746

فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - خلق الله البشر على فطرة التوحيد أي الإقرار بأن الله ربهم وأنه واحد لا شريك له. ٢ - لا يعذر الإنسان بالجهل بخالقه، لما يرى من الدلائل، فمن لم تبلغه دعوة رسول لا يعذر يوم القيامة في الشرك بالله، ولا بفعل الفواحش التي تنفر منها الطباع السليمة وتدرك ضررها العقول الرشيدة. ٣ - إن من مات صغيرا دخل الجنة لإقراره في الميثاق الأول، ومن بلغ عاقلا لم يغنه الميثاق الأول، وبناء عليه: أطفال المشركين في الجنة. ٤ - إبطال حجة المشركين يوم القيامة بأنه لم يأتهم رسول ينبههم إلى التوحيد، وإبطال التقليد للآباء والأجداد في أصول العقيدة والدين، فكما لا يقبل الاعتذار بالجهل لقيام الأدلة على التوحيد، لا يقبل الاعتذار بالتقليد، بعد قيام الأدلة الفطرية والعقلية على معرفة الله ووحدانيته. ٥ - في كتاب الله تعالى وهو القرآن تفصيل كل شيء، فكما فصل الله في الآية بناء الإنسان على فطرة التوحيد، بيّن سائر الآيات ليتدبرها الناس، فيرجعوا إلى الحق، ويعرضوا عن الباطل.

стр. 2747

قصة بلعم بن باعوراء وأمثاله الضالين المكذبين ﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاِتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)﴾ الإعراب: ﴿يَلْهَثْ﴾ في الموضعين، حال، أي لاهثا ذليلا بكل حال. ﴿ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ﴾: فاعل ﴿ساءَ﴾ مقدر فيها، وتقديره: ساء المثل مثلا. و ﴿الْقَوْمُ﴾: أي مثل القوم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وارتفع بما كان يرتفع به «مثل». وهو يرتفع إما لأنه مبتدأ وما قبله خبره، وإما لأنه خبر مبتدأ محذوف، كقولهم: بئس رجلا زيد، أي هو زيد، و ﴿مَثَلاً﴾: منصوب على التمييز. ﴿وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ إما معطوف على قوله ﴿كَذَّبُوا﴾ فيصير المعنى أنهم جمعوا بين التكذيب بآيات الله وظلم أنفسهم، وإما كلام منقطع بمعنى: وما ظلموا إلا أنفسهم بالتكذيب. البلاغة: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ تشبيه تمثيلي، شبه حاله التي هي مثل في السوء كحال أخس الحيوانات، وهي حالة الكلب في دوام لهثه، سواء في حالة التعب أو الراحة، والتشبيه التمثيلي: هو حالة انتزاع الصورة من متعدد. ﴿أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ﴾ تشبيه مرسل مجمل.

стр. 2748

المفردات اللغوية: ﴿وَاتْلُ﴾ اقرأ ﴿نَبَأَ﴾ خبر مهم ﴿فَانْسَلَخَ مِنْها﴾ خرج من الآيات بكفره، كما تخرج الحية من جلدها، وهو بلعم بن باعوراء من علماء بني إسرائيل، الذي دعا على موسى مقابل هدية من اليهود. وعبر بالانسلاخ للدلالة على كمال مباينته للآيات، بعد أن كان بينهما كمال الاتصال، كما قال أبو السعود. ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ أدركه ولحقه فصار قرينه ﴿الْغاوِينَ﴾ الراسخين في الغواية والضلالة، بعد أن كان من المهتدين ﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ لو شئنا لرفعناه إلى منازل العلماء، بأن نوفقه للعمل ﴿أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ ركن إلى الدنيا ومال إليها ﴿وَاتَّبَعَ هَواهُ﴾ في دعائه إليها، فأصبح من الحقيرين ﴿فَمَثَلُهُ﴾ صفته ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾ تشد عليه بالطرد والزجر ﴿يَلْهَثْ﴾ للهث: التنفس الشديد مع إخراج اللسان. والقصد: التشبيه في الخسة والحقارة. ﴿ذلِكَ﴾ المثل ﴿مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ بعد أخذ الميثاق عليهم وعلى الناس ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾ على اليهود ﴿ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ﴾ أي بئس وقبح، والمثل: الصفة ﴿يَظْلِمُونَ﴾ بالتكذيب. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى أخذ الميثاق على الناس قاطبة، وإقرارهم بأن الله ربهم، ضرب المثل للمكذبين بآياته المنزلة على رسوله، ومضمون هذا المثل أن العالم بآيات الله غير العامل بها كالحية تنسلخ من جلدها وتتركه على الأرض. قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد ﵏: نزلت هذه الآية في بلعم بن باعوراء. التفسير والبيان: واقرأ أيها الرسول على اليهود خبر الذي علمناه آياتنا، ولكنه لم يعمل بها، وتركها وراءه، وتجرد منها إلى الأبد، فلحقه الشيطان وأدركه وصار قرينا له، وتمكن من الوسوسة له، فأصغى إليه، فصار من الظالمين الكافرين، لميله إلى الدنيا واتباع الهوى والشيطان.

стр. 2749

وهو عالم من علماء بني إسرائيل، وقيل: من الكنعانيين، وروي عن ابن عباس أنه رجل من اليمن، اسمه بلعم بن باعوراء، أوتي علم بعض كتب الله، فانسلخ منها، وكفر بآيات الله، ونبذها وراء ظهره. وذلك أن موسى ﵇ قصد بلده الذي هو فيه، وغزا أهله وكانوا كفارا، فطلبوا منه أن يدعو على موسى ﵇ وقومه، وكان مجاب الدعوة، وعنده اسم الله الأعظم، فامتنع منه، فما زالوا يطلبونه منه، حتى دعا عليه، فاستجيب له، ووقع موسى وبنو إسرائيل في التيه بدعائه (١). وقال مالك بن دينار: كان من علماء بني إسرائيل، وكان مجاب الدعوة، يقدمونه في الشدائد، بعثه نبي الله موسى ﵇ إلى ملك مدين، يدعوه إلى الله، فأقطعه وأعطاه، فتبع دينه، وترك دين موسى ﵇ (٢). ﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ﴾ بالآيات، وجعلنا له منزلة عظيمة من منازل العلماء الأبرار، بأن نوفقه للهداية والعمل بالآيات. ولكنه ركن إلى الدنيا ومال إليها ورغب فيها واهتم بلذائذها، واتبع هواه، فلم يوجه همّه إلى نعيم الآخرة، ولم يهتد بآياتنا، ولم ترق نفسه إلى سلّم الكمال الروحي، ولم يحترم نعمة الله عليه باستعمالها في مرضاته. وأصبح مثله أو صفته في الذلة والحقارة، والخسة والدناءة كمثل الكلب أو صفته في أخس أحوالها وأذلها، وهي حال دوام اللهث به، سواء حمل عليه أي شد عليه وطرد، أو ترك دون طرد. وهذه الصفة هي أقبح حالات الكلب وأخسها، وقد شبّه بها حال عجيبة غريبة، هي حال ذلك الذي تجرد من معرفة آيات الله تعالى.

стр. 2750

ذلك المثل الغريب هو مثل هؤلاء القوم الذين كذبوا بآيات الله، واستكبروا عنها، ولم تنفعهم الموعظة، وهم اليهود بعد ما قرءوا نعت رسول الله ﵌ في التوراة، وبشروا الناس باقتراب مبعثه، وكانوا يستنصرون أو يستفتحون به، وجاء القرآن المعجز كاشفا هذه الحقيقة التي أنكرها اليهود بعد بعثة النبي ﵌. فاقصص أيها الرسول قصص ذلك الرجل الذي تشبه حاله حال المكذبين بآياتنا، لعل بني إسرائيل العالمين بحال بلعم وما جرى له في إضلال الله إياه وإبعاده من رحمته، بسبب استعماله نعمة الله في تعليمه الاسم الأعظم-الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب-في غير طاعة ربه، بل دعا به على حزب الرحمن، لعلهم يتفكرون فيحذروا أن يكونوا مثله، فإن الله أعلمهم بصفة محمد ﵌، فهم أحق الناس وأولاهم باتباعه ومناصرته ومؤازرته. ساء مثلا مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله، أي قبحت أشد القبح صفة المعرضين عن النظر في آيات الله أن شبهوا بالكلاب التي لا هم لها إلا تحصيل أكلة أو شهوة، وهم بهذا الإعراض كانوا ظالمين لأنفسهم بالتكذيب، فما ظلمهم الله، ولكن هم ظلموا أنفسهم بإعراضهم عن اتباع الهدى، وطاعة المولى. وقد ذكر سوء هذا المثل في السنة، فقد ثبت في الصحيح وفي الكتب الستة عن ابن عباس أن رسول الله ﵌ قال: «ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه». فقه الحياة أو الأحكام: الهدف من هذه القصة ضرب مثل لجميع الكفار، المعرضين عن الإيمان بالله والرسول بعد ما عرفوا الحق، فمن آتاه الله العلم والدين، فمال إلى الدنيا، و ﴿أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾، كان مشبّها بأخس الحيوانات، وهو الكلب اللاهث، حيث واظب على العمل الخسيس والفعل القبيح، لا لحاجة أو ضرورة.

стр. 2751

وشبّه حال كل كافر بحال رجل عرف آيات الله، ثم تركها وراء ظهره، وهذا ينطبق على بلعم بن باعوراء أو غيره ممن اتصف بهذه الصفة، فلم تعين الآية اسم من ضرب به المثل، وحينئذ لا يهم سواء أكان ذلك مطابقا لبعض الروايات بأنه رجل من بني إسرائيل أم الكنعانيين أم أهل اليمن، أم من غيرهم. وتكون الآية تحذيرا للناس عن اتباع أهوائهم، وركونهم إلى الدنيا وشهواتها، واتباع الأغراض الدنيئة، وترك ما أرشدتهم إليه آيات الله من الإيمان بالله وبرسوله وبالآخرة. والآية واضحة الدلالة على أن المعرض عن آيات الله، واقع في الضلالة والغواية، بسبب سوء فعله، واختياره العمل بما هو قبيح شرعا ومروءة. وعلى الإنسان الاعتبار بهذه القصة، والتأمل والتفكر في آيات الله بعين البصيرة والعقل، لا بالهوى والحقد والعداوة. وفي إيراد هذا المثل والتشبيه بالصورة الواقعية إشارة إلى أن للأمثال تأثيرا قويا في إقناع السامعين، وأنها أقوى أثرا من إيراد الحجج والبراهين. وفيها إشارة أيضا إلى أهمية التفكر، وأنه مبدأ الوصول إلى الحقيقة والعلم والمعرفة الصحيحة، كما قال تعالى في مناسبات كثيرة في كتابه، مثل: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر ٤٢/ ٣٩] ومثل: ﴿كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس ٢٤/ ١٠]. وهذه الآية-كما قال الرازي-من أشد الآيات على أصحاب العلم، فإن العالم إذا لم يعمل بعمله، حرم بركة العلم، وكان بعده عن الله أعظم، كما نقل عنه ﵊ أنه قال فيما رواه الديلمي في الفردوس عن علي ﵁: «من ازداد علما، ولم يزدد زهدا، لم يزدد من الله إلا بعدا» أو كما قال.

стр. 2752

أسباب الهداية والضلالة ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٧٨) وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩)﴾ الإعراب: ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ حمل على اللفظ ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ حمل على المعنى، والقصد من الإفراد في الأول والجمع في الثاني: هو التنبيه على أن المهتدين كواحد؛ لاتحاد طريقهم، بخلاف الضالين. البلاغة: ﴿أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ﴾ التشبيه هنا مرسل مجمل. المفردات اللغوية: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا﴾ خلقنا وأوجدنا ﴿الْجِنِّ﴾ مخلوقات خفية لا تدرك بالحواس ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ أي لا يفهمون بها الحق، والقلب هنا هو الذي يسمونه أحيانا (الضمير) ويراد به هنا العقل أو الوجدان أي محل الحكم على الأشياء المدركة، وسبب هذا الاستعمال أن آثار الأحداث من خوف أو سرور تنعكس عليه، فيحدث الانقباض أو الانشراح. وكثيرا ما يستعمل في القرآن بمعنى دقة الفهم والتعمق في العلم. ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها﴾ دلائل قدرة الله، بصر عظة واعتبار ﴿وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ الآيات والمواعظ سماع تدبر واتعاظ ﴿أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ﴾ في عدم الفهم والبصر والاعتبار ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ من الأنعام؛ لأنها تحرص على ما ينفعها، وتهرب مما يضرها، وهؤلاء يقدمون على النار معاندة ﴿الْغافِلُونَ﴾ الكاملون في الغفلة.

стр. 2753

المناسبة: بعد أن ضرب الله المثل للمنسلخ من الدين الخارج منه، ليتعظ أولئك الضالون، ويتركوا ضلالهم، ويعودوا إلى الحق، بيّن أسباب الهدى والضلال، من استعمال العقل والحواس، واستخدام هداية الفطرة في سلوك أحد السبيلين: الخير والشر، كما قال تعالى: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠/ ٩٠]. التفسير والبيان: من يوفقه الله للإيمان والخير واتباع الشرع والقرآن باستعمال عقله وحواسه، فهو المهتدي حقا لا سواه، ومن يخذله ولا يوفقه، ولا يهديه إلى الخير واتباع القرآن، بسبب تعطيل عقله وحواسه في فهم آياته الكونية والشرعية، فهو الخاسر البعيد عن الهدى، الذي خسر الدنيا والآخرة. وبما أن الهداية الإلهية نوع واحد والضلالة أنواع متعددة، أفرد الله المهتدي، وجمع الخاسرين، فقال: ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ ثم قال: ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾. ثم أوضح تعالى ما أجمله بالنسبة لأهل الضلالة فقال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا﴾ أي أن الله تعالى يقسم بأنه خلق أو أوجد خلقا ﴿كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ مستعدين لعمل يستحق دخول جهنم، وخلق أيضا خلقا آخرين مستعدين لعمل يدخلهم الجنة، كما قال في بيان مآل الفريقين: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى ٧/ ٤٢] وقال في بيان مصيرهم يوم القيامة: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود ١٠٥/ ١١]. وأسباب استحقاق أهل النار دخول جهنم: هي أنهم لا يستعملون عقولهم استعمالا صحيحا للوصول إلى حقيقة الإيمان، وإدراك لذة السعادة الدنيوية

стр. 2754

والأخروية، وأن الخير فيما أمر الله به، وأن الشر فيما نهى عنه الله، وإنما نظرتهم ظاهرية، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا، وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾ [الروم ٧/ ٣٠] فهم بمنزلة من لا يفقه؛ لأنهم لا ينتفعون بقلوبهم الواعية، ولا يعقلون ثوابا ولا يخافون عقابا. وهم أيضا لا ينظرون بأعينهم نظر تبصر واعتبار وإمعان في آيات الله الكونية وآياته القرآنية التي ترشدهم إلى ما فيه سعادتهم. ولا يسمعون بآذانهم سماع تدبر وإصغاء آيات الله المنزلة على أنبيائه، ولا يسمعون أخبار التاريخ والأمم الغابرة، وكيف كان مصيرهم بسبب إعراضهم عن هداية الله وإرشاد الرسل. وليس الغرض من نفي السمع والبصر نفي الإدراكات عن حواسهم، وإنما المقصود بيان حجبها عن إبصار الهدى وسماع المواعظ. ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ، أَفَلا يَسْمَعُونَ. أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ، فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ، أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة ٢٦/ ٣٢ - ٢٧]. أولئك الموصوفون بما ذكر من تعطيل عقولهم وحواسهم هم كالأنعام (البقر والإبل والغنم) لا همّ لهم إلا الأكل والشرب والتمتع بلذات الحياة والدنيا، ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ منها؛ لأن الأنعام تحرص على ما ينفعها، وتنفر مما يضرها، ولا تسرف في أكلها وشربها، وهؤلاء يقدمون على النار معاندة، وهم مسرفون في جميع اللذات، ولا يهتدون إلى ثواب، ولا قدرة للحيوانات على تحصيل الفضائل، وأما الإنسان فأعطي القدرة على تحصيلها. أولئك هم كاملو الغفلة عن آيات الله وعن استعمال مشاعرهم وعقولهم فيما

стр. 2755

خلقت من أجله، وهو الاستفادة من المسموعات، والانتفاع من المبصرات، وهم الأغبياء الجاهلون الذين لا ينظرون إلى المستقبل، وإنما انصرفوا إلى الحياة الدنيا، وتركوا الاشتغال بما يؤهلهم للخلود في نعيم الحياة الآخرة. وعلى هذا تكون غفلتهم بمعنى ترك التدبر، والإعراض عن الجنة والنار. أما العقلاء الفطنون فهم الذين عملوا للآخرة، ولم يهملوا ما تتطلبه الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدّارَ الْآخِرَةَ، وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا، وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ، وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ، إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص ٧٧/ ٢٨]. فقه الحياة أو الأحكام: يرى المعتزلة أن الهداية والضلالة باختيار الإنسان، وأما هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ فهي في المطبوع على قلوبهم الذين علم الله أنه لا لطف لهم، ونظرا لإيغالهم في الكفر وإصرارهم عليه، وأنه لا يأتي منهم إلا أفعال أهل النار، جعلهم الله مخلوقين للنار، فالآية تدل على توغلهم في موجبات النار، وتمكنهم فيما يؤهلهم لدخولها (١). ويرى أهل السنة أن الآية تدل على أن الهداية من الله، وأن الضلال من الله تعالى، فمن هداه الله، فإنه لا مضل له، ومن أضله فقد خاب وخسر لا محالة، فإنه تعالى ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولهذا جاء في حديث ابن مسعود الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن وغيرهم: «إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده

стр. 2756

لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله» (١). قال البيضاوي عن قوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي، وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾: تصريح بأن الهدى والضلال من الله، وأن هداية الله تختص ببعض دون بعض (٢). وأما قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا﴾ فيدل في رأي أهل السنة على أن الله تعالى خلق الأفعال أو الأعمال، فإن أولئك الكفار استعملوا عقولهم وحواسهم في مصالح الدنيا، ولم يستخدموها في مصالح الدين، فما كانوا يفقهون بقلوبهم ما يحقق مصالح الدين، وما كانوا يبصرون ويسمعون ما يرجع إلى مصالح الدين. والمعنى أن الله خلق في المؤمن القدرة على الإيمان، وخلق في الكافر القدرة على الكفر (٣)، والعبد وجّه تلك القدرة إما إلى الإيمان وإما إلى الكفر، ولم يجبره تعالى على اختيار أحد الأمرين، وإلا لما كان عدلا حسابه وعقابه. قال ابن كثير في تفسير آية: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا﴾ أي خلقنا وهيأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس، وبعمل أهلها يعملون، فإنه تعالى لما أراد أن يخلق الخلق علم ما هم عاملون قبل كونهم، فكتب ذلك عنده في كتاب قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، كما ورد في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﵌ قال: «إن الله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء». والخلاصة: يرى المعتزلة أن الإنسان يخلق أفعال نفسه، وأن الإنسان مخيّر مطلقا، ويرى أهل السنة والجماعة أن الله تعالى هو الذي يخلق أفعال العبد، وأن

стр. 2757

للإنسان تخييرا وكسبا في أمور ما عدا الحياة والموت والعز والذل والرزق ونحوها من الأصول؛ وذلك لأن الله هو خالق الخلق ومتصف بالعدل، فيخلق أفعال الإنسان، ومن الظلم أن يحاسبه على فعل أكره عليه أو قهر عليه، والهداية من الله لها مفهومان: الدلالة، والتمكين من الوصول إلى الغاية، أي أن تعالى أرشد الإنسان ودلّه على طرق الخير: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠/ ٩٠] ثم وفقه لهدفه ومكنه من الوصول إليه بهداية أخرى، فمن سأل شرطيا عن طريق فدله عليه، فتلك الهداية الأولى، وإذا ركب معه في سيارته، وأوصله إلى المكان المطلوب فذلك هو التمكين من الهداية الثانية، والإنسان هو الذي يوجّه ما خلق الله فيه من قدرات في الخير والشر إلى كل منهما، وبهذا التوجيه يحاسب وعليه يعاقب. واستدل العلماء بقوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ [الأعراف ١٧٩/ ٧] على أن محل العلم هو القلب؛ لأنه تعالى نفى الفقه والفهم عن قلوبهم في معرض الذم، مما يدل على أن محل الفهم والفقه هو القلب. أسماء الله الحسنى ﴿وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ المفردات اللغوية: ﴿الْأَسْماءُ﴾ جمع اسم: وهو ما يدل على الذات أو هو كل لفظ جعل للدلالة على المعنى إن لم يكن مشتقا، فإن كان مشتقا فهو صفة ﴿الْحُسْنى﴾ مؤنث الأحسن ﴿فَادْعُوهُ بِها﴾ سمّوه ونادوه بها للثناء عليه أو لطلب الحاجات منه ﴿وَذَرُوا﴾ اتركوا ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ﴾ يميلون عن الحق، حيث اشتقوا منها أسماء لآلهتهم، كاللات من الله، والعزى من العزيز، ومناة: من المنان.

стр. 2758

صل الإلحاد في كلام العرب: العدول عن القصد، والميل والجور والانحراف. ومنه اللحد في القبر انحرافه إلى جهة القبلة ﴿سَيُجْزَوْنَ﴾ سيلقون في الآخرة جزاء أعمالهم. المناسبة: لما وصف الله تعالى المخلوقين لجهنم بأنهم هم الغافلون، لتعطيل عقولهم ومشاعرهم في فهم آيات الله وتزكية نفوسهم بالإيمان والعلم النافع، أمر بعده بذكر لله تعالى، فهو الدواء لتلك الغفلة، فقال: ﴿وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها﴾ وهو كالتنبيه على أن الموجب لدخول جهنم هو الغفلة عن ذكر الله تعالى، والمخلّص عن عذاب جهنم هو ذكر الله تعالى. وقد ذكرت أسماء الله تعالى الحسنى في سور أربعة: أولها: هذه السورة، وثانيها: في آخر سورة الإسراء (بني إسرائيل) في قوله: ﴿قُلِ: اُدْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ، أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ [الإسراء ١٧/ ١١٠]، وثالثها: في أول طه، وهو قوله: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ [طه ٨/ ٢٠]، ورابعها: في آخر الحشر، وهو قوله: ﴿هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ [الحشر ٥٩/ ٢٤]. سبب النزول: روي أن بعض المسلمين دعا الله أو الرحيم في صلاته، ودعا الرحمن مرة أخرى فقال المشركون: محمد وأصحابه يزعمون أنهم يعبدون ربا واحدا، فما بال هذا يدعو اثنين، فأنزل الله هذه الآية، أي أن هذه الأسماء إله واحد، وليست بآلهة متعددة. التفسير والبيان: لله دون غيره جميع الأسماء المشتملة على أحسن المعاني، فنادوه بها إما للثناء عليه، مثل: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة ٢/ ٢٥٥] ومثل: ﴿هُوَ

стр. 2759

اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر ٢٢/ ٥٩] وإما للسؤال وطلب الحاجات. وأسماء الله الحسنى تسع وتسعون، جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «إن لله تسعا وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر» ومعنى «أحصاها» عدها وحفظها وتفكر في مدلولها. وقد ذكر الترمذي والحاكم هذه الأسماء من طريق الوليد بن مسلم عن شعيب، فقال بعد قوله: «يحب الوتر»: «هو الله الذي لا إله إلا هو، الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصوّر، الغفار، القهار، الوهّاب، الرزّاق، الفتّاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعزّ، المذلّ، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الأحد، الفرد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدّم، المؤخّر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البرّ، التواب، المنتقم، العفوّ، الرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المانع (١)، الضارّ، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور» (٢).

стр. 2760

والمراد من الأسماء في الآية والحديث: التسميات بلا خلاف، وهي عبارات عن كون الله تعالى على أوصاف شتى، منها ما يستحقه لنفسه، ومنها ما يستحقه لصفة تتعلق به، ومنها صفات لذاته، ومنها صفات أفعال. وهذه الأسماء عند العلماء توقيفية، فلا يسمى باسم لم يرد في القرآن والسنة كالرفيق والسخي والعاقل. ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ﴾ أي اتركوا أولئك الذين يلحدون في أسمائه بالميل بألفاظها أو معانيها عن الحق، إلى سبل أخرى من تحريف أو تأويل، أو شرك، أو تكذيب، أو زيادة أو نقصان، أو ما ينافي وصفها بالحسنى. والإلحاد يكون بثلاثة أوجه: أحدها-بالتغيير فيها كما فعله المشركون، وذلك أنهم عدلوا بها عما هي عليه، فسمّوا بها أوثانهم، فاشتقوا اللاّت من الله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان. الثاني-بالزيادة فيها، أي التشبيه، فالمشبهة وصفوه بما لم يأذن فيه. الثالث-بالنقصان منها أي التعطيل، فالمعطلة سلبوه ما اتصف به، كما يفعل الجهال الذين يخترعون أدعية يسمون فيها الله تعالى بغير أسمائه، ويذكرونه بغير ما يذكر من أفعاله، إلى غير ذلك مما لا يليق به. والسبب في تركهم أنهم سيلقون جزاء عملهم، ويعاقبون في الدنيا قبل الآخرة.

стр. 2761

فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية على ما يأتي: ١ - الأسماء الحسنى ليست إلا لله تعالى؛ لأن قوله ﴿وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ يفيد الحصر. ٢ - أسماء الله ليست إلا لله، والصفات الحسنى ليست إلا لله، فيجب كونها موصوفة بالحسن والكمال، وهذا يفيد أن كل اسم لا يفيد في المسمى صفة كمال وجلال، فإنه لا يجوز إطلاقه على الله سبحانه. والأسماء: ألفاظ دالة على المعاني، فهي إنما تحسن بحسن معانيها ومفهوماتها، ولا معنى للحسن في حق الله تعالى إلا ذكر صفات الكمال ونعوت الجلال، وهي محصورة في نوعين: عدم افتقاره إلى غيره، وثبوت افتقار غيره إليه. وأسماء الله تعالى يجوز إطلاقها كلها على غير الله تعالى، ما عدا اسمي: الله والرحمن. وهذه الأسماء منها ما يمكن ذكره وحده، مثل: يا الله، يا رحمن، يا حكيم. ومنها ما لا يجوز إفراده بالذكر، بل يجب أن يقال: يا محيي يا مميت، يا ضار يا نافع. ولا يجوز إطلاق اسم على الله غير وارد في القرآن والسنة، فهي أسماء توقيفية، ولا تنحصر في تسع وتسعين، بدليل ما رواه الإمام أحمد، وأبو حاتم بن حبان البستي في صحيحة عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﵌ أنه قال: «ما أصاب أحدا قط همّ ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته

стр. 2762

أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله حزنه وهمه، وأبدل مكانه فرجا» فقيل: يا رسول الله، أفلا نتعلمها؟ فقال: «بلى ينبغي لكل من سمعها أن يتعلمها». وقد أورد ابن العربي مائة وستة وأربعين اسما من أسماء الله للتضرع والابتهال، وذكر في موضع آخر زيادة ثلاثين اسما (١). فصار المجموع مائة وستة وسبعين، مثل الطيّب والمعلّم والجميل: وهو الذي لا يشبهه شيء. ٣ - لله أسماء حسنة، يجب على الإنسان أن يدعو الله بها، وهذا يدل على أن أسماء الله توقيفية لا اصطلاحية، كما تبين، فيجوز أن يقال: يا جواد، ولا يجوز أن يقال: يا سخي، يا عاقل، يا طبيب، يا فقيه. ٤ - الاسم غير المسمى؛ لأن أسماء الله كثيرة، ولا شك أن الله واحد منها، فلزم القطع بأن الاسم غير المسمى. لذا قال جماعة من العلماء: المراد بهذه الأسماء التسميات؛ لأنه سبحانه واحد، والأسماء جمع. ذكر ابن عطية في تفسيره أن الأسماء في الآية بمعنى التسميات إجماعا من المتأولين لا يجوز غيره. فمعنى قوله: ﴿وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ أي التسميات الحسنى التي يدعى بها لا بغيرها. وقيل: ولله الصفات. والاسم هو المسمى، أو صفة له تتعلق به، وهو غير التسمية. ٥ - سمى الله سبحانه أسماءه بالحسنى؛ لأنها حسنة في الأسماع والقلوب؛ فإنها تدل على توحيده وجوده ورحمته وإفضاله.

стр. 2763

٦ - ليس للإنسان أن يدعو ربه إلا بتلك الأسماء الحسنى، وهذه الدعوة تتطلب فهم معاني تلك الأسماء. وقد ذكر ابن العربي في أحكام القرآن (١) وغيره تلك المعاني، فيطلب بكل اسم ما يليق به، يقول: يا رحيم ارحمني، يا حكيم احكم لي، يا رزاق ارزقني، يا هادي اهدني. وإن دعا باسم عام قال: يا مالك ارحمني، يا عزيز احكم لي، يا لطيف ارزقني، وإن دعا بالاسم الأعظم قال: يا الله، فهو متضمن لكل اسم، قال ابن العربي: وهكذا، رتّب دعاءك تكن من المخلصين. ٧ - يجب تنزيه الله تعالى عن الإلحاد في أسمائه، وذلك على ثلاثة أوجه: الأول-إطلاق أسماء الله المقدسة الطاهرة على غير الله، كتسمية الكفار الأوثان آلهة، وتسمية أصنام لهم باللات والعزى ومناة، من الإله، والعزيز، والمنان. وكان مسيلمة الكذاب لقب نفسه بالرحمن. والثاني-أن يسمى الله بما لا يجوز تسميته به، مثل تسميته أبا للمسيح، وقول النصارى: الأب، والابن، وروح القدس. والثالث-أن يذكر العبد ربه بلفظ لا يعرف معناه، ولا يتصور مسماه، فإنه ربما كان مسماه أمرا غير لائق بجلال الله تعالى. وقد ختمت الآية بقوله تعالى: ﴿سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وهو تهديد ووعيد لمن ألحد في أسماء الله تعالى. قالت المعتزلة: الآية قد دلت على إثبات العمل للعبد، وعلى أن الجزاء مفرع على عمله وفعله.

стр. 2764

والدعاء مشروع وعبادة، قال تعالى: ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي، فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ﴾ [البقرة ١٨٦/ ٢]. ولا يكون الدعاء لغير الله تعالى من أي مخلوق حي أو ميت، فالله وحده هو الذي يقصد في الدعاء، فهو الصمد أي الذي لا يقصد في المطالب غيره، وقال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ، وَيَكْشِفُ السُّوءَ، وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ، أَإِلهٌ مَعَ اللهِ﴾ [النمل ٦٢/ ٢٧] أي لا يجيب المضطر إلا هو، فهو المستحق وحده للعبادة، المقصود بالدعاء. وفوائد الأمر بذكر الله في الآية: ﴿فَادْعُوهُ بِها﴾ كثيرة: منها ترسيخ معالم الإيمان وتنميته، وتحقيق مراقبة الله والخشوع له، والرغبة فيما عنده، وتهوين شأن الدنيا ولذاتها، روى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي: «من نزل به غم أو كرب أو أمر مهمّ، فليقل: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات والأرض، ورب العرش الكريم». وروى الحاكم في المستدرك عن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﵌ لفاطمة: «ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به؟ أن تقولي إذا أصبحت، وإذا أمسيت: يا حيّ، يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين».

стр. 2765

المهتدون والمكذبون من أمة الدعوة الإسلامية ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اِقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)﴾ الإعراب: ﴿وَيَذَرُهُمْ﴾ بالرفع على تقدير مبتدأ، وتقديره: هو يذرهم. ويقرأ بالجزم بالعطف على موضع الفاء في ﴿فَلا هادِيَ لَهُ﴾ وموضعه الجزم على جواب الشرط، أي أن الرفع على سبيل الاستئناف، والجزم عطف على محل ما بعد الفاء. ﴿وَأَنْ عَسى﴾ أي في أنه عسى، وأن: مخففة من الثقيلة، والأصل: وأنه عسى، على أن الضمير ضمير الشأن، والمعنى: أو لم ينظروا في أن الشأن والحديث، عسى أن يكون أجلهم قرب، ولعلهم يموتون عما قريب، فيسارعوا إلى النظر وطلب الحق قبل مفاجأة الموت والعقاب. وقوله: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ﴾ متعلق بقوله: ﴿وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ﴾. المفردات اللغوية: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ﴾ هم أمة محمد ﵌ كما في الحديث المتواتر «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق...». ويهدون: يرشدون الناس إلى الحق والخير ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ أي وبالحق يحكمون وكما عند الشيخين عن المغيرة بالعدل دون ميل لأحد الجانبين المتخاصمين. ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ القرآن، من أهل مكة ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ سنأخذهم قليلا قليلا،

стр. 2766

وننزلهم درجة بعد درجة إلى دركات العذاب، وندنيهم من الهلاك شيئا فشيئا ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ نمهلهم ونؤخرهم ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أي إن تدبيري الخفي شديد قوي لا يطاق. ﴿ما بِصاحِبِهِمْ﴾ محمد ﵌ ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾ جنون ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ بيّن الإنذار، والإنذار: التعليم والإرشاد مع التخويف ﴿مَلَكُوتِ﴾ ملك ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ بيان لما، فيستدلوا به على قدرة صانعه ووحدانيته ﴿قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ قرب أجلهم، فيموتوا كفارا، فيصيروا إلى النار، فيبادروا إلى الإيمان ﴿مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ مجموع العالم ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ الحديث: كلام الله، وهو القرآن، وبعده: بعد القرآن ﴿وَيَذَرُهُمْ﴾ يتركهم ﴿فِي طُغْيانِهِمْ﴾ الطغيان: تجاوز الحد في الكفر والشر والظلم ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يترددون تحيرا. سبب النزول: نزول الآية (١٨٤): ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾: أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ابن حيان الأنصاري عن قتادة بن دعامة قال: ذكر لنا أن النبي ﵌ قام على «صفا» فدعا قريشا، فجعل يدعوهم فخذا فخذا، يا بني فلان، يحذرهم بأس الله ووقائعه، فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون، بات يصوت (١) إلى الصباح، أو حتى أصبح، فأنزل الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ، إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. المناسبة: أخبر الله تعالى في الآيات السابقة أنه خلق لجهنم كثيرا من الخلق؛ لأنهم أهملوا طاقات المعرفة لديهم من العقل والحواس، ثم أرشد إلى ما يصلح الناس ويقوي إيمانهم من الدعاء بأسمائه الحسنى، ثم ذكر هنا انقسام أمة الدعوة المحمدية فريقين: فريق المهتدين الذين يقضون بالحق والعدل، وفريق المكذبين الضالين. ولفت النظر إلى وجوب التفكر والنظر في عالم السموات والأرض، للتوصل إلى فهم الأمور الدالة على وحدانية الله وصدق الرسول ﵌.

стр. 2767

التفسير والبيان: من بعض الأمم أمة قائمة بالحق قولا وعملا، يرشدون الناس ويدعونهم إليه، ويعملون بالحق، ويقضون بالعدل، دون ميل ولا جور، وهم أمة محمد ﵌، بدليل ما جاء في الأحاديث الكثيرة التي منها: ما رواه الشيخان في الصحيحين عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله ﵌: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة» وفي رواية «حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك». ومنها: ما قاله الربيع بن أنس في قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ..﴾. قال رسول الله ﵌: «إن من أمتي قوما على الحق، حتى ينزل عيسى بن مريم متى ما نزل». ومنها: ما أخرجه ابن جرير الطّبري وابن المنذر وأبو الشيخ ابن حيان عن ابن جريج في قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ قال: ذكر لنا النّبي ﵌ قال: «هذه أمّتي بالحقّ يحكمون ويقضون، ويأخذون ويعطون». وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قال في هذه الآية: بلغنا أنّ النّبي ﵌ كان يقول إذا قرأها: وهذه لكم وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾. وأخرج أبو الشيخ ابن حيان عن علي بن أبي طالب قال: لتفترقنّ هذه الأمّة على ثلاث وسبعين فرقة كلّها في النّار إلا فرقة، يقول الله: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ، وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ فهذه هي التي تنجو من هذه الأمّة. والخلاصة: لما ذكر تعالى في قصّة موسى قوله: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ثم أعاد الله تعالى هذا الكلام، حمله أكثر المفسّرين

стр. 2768

على أنّ المراد منه أمّة محمد ﵌، بدليل ما روي عن ابن عباس وقتادة وابن جريج وغيرهم. هذا هو الفريق الأوّل من أمّة الدّعوة المحمّدية، ثمّ ذكر تعالى الفريق الثّاني بقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا..﴾. أي والذين كذبوا بالقرآن وهم أهل مكة نتركهم في ضلالهم، ونستدرجهم إلى العذاب من حيث لا يعلمون ما يراد بهم، ونقرّبهم إلى ما يهلكهم، بإمدادهم بالنّعم، وفتح أبواب الرّزق والخير، وتيسير سبل المعاش، كلّما ارتكبوا ذنبا أو فعلوا جرما، فيزدادون بطرا وانغماسا في الفساد، وتماديا في الغي، وتدرّجا في المعاصي، بسبب متابعة تلك النّعم والخيرات، كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ، نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ، بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون ٥٥/ ٢٣ - ٥٦]، وقال تعالى أيضا: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ، فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ، حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا، أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً، فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ. فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا، وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الأنعام ٤٤/ ٦ - ٤٥]، وروى الشيخان عن أبي موسى: «إنّ الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته». وقد تحقّق ذلك بكفار قريش الذين هزموا في بدر والخندق وفتح مكة وغيرها من المعارك، وأظهر الله رسوله عليهم. قال عمر لما حملت إليه كنوز كسرى: «اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجا، فإني سمعتك تقول: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾». ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾، أي سأملي وأطوّل لهم ما هم فيه وأمهل هؤلاء المكذّبين المستدرجين، إنّ مكري أو تدبيري الخفي شديد قوي. والخلاصة: إنّ الإمداد بالنّعم والخيرات والأرزاق ليس دليلا على صلاح الإنسان، وإنما قد يكون استدراجا كما يستدرج العدو إلى مكان للقضاء عليه،

стр. 2769

فالظالم إذا لم يعاقب فورا، عليه ألا ينخدع بذلك، فقد يكون تركه طعما للتّعرّف على المزيد من بغيه وجوره، كما تفعل أجهزة الأمن اليوم في كثير من حالات مراقبة تحرّكات المشبوهين، ثم يقع ذلك الظالم في قبضة الحكام لعقابه الدّنيا، أو تنزل به المصائب والدّواهي، ثم يعاقبه الله بالعذاب الشديد الآخرة. والاستدراج: هو الإدناء قليلا قليلا إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم. وبعد أن هدّد الله المعرضين عن آياته، عاد إلى الجواب عن شبهاتهم، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا..﴾. أي أولم يتفكّر هؤلاء المكذّبون بآياتنا ما بصاحبهم يعني محمدا ﵌ من جنون، فقد كانوا يقولون: شاعر مجنون، مع أنهم يعرفون حاله من بدء نشأته، ويعلمون حقيقة دعوته، ودلائل رسالته، فهو رسول الله حقّا، دعا إلى حقّ. والتّعبير: ﴿بِصاحِبِهِمْ﴾ للتّذكير بأنهم يعرفون سيرته معرفة كاملة في سنّ الصّبا وعهد الشّباب والكهولة وبعد النّبوة. إنهم إن تفكّروا في شأنه، وتجرّدوا عن عصبيّتهم وأهوائهم، عرفوا الحقّ، وأدركوا صدقه، وأنه ليس مجنونا ولا شاعرا، كما حكى القرآن افتراءهم: ﴿وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير ٢٢/ ٨١]، ﴿قُلْ: إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلّهِ مَثْنى وَفُرادى، ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ، إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لَكُمْ، بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ ٤٦/ ٣٤]، ﴿أَمْ يَقُولُونَ: بِهِ جِنَّةٌ، بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ، وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [المؤمنون ٧٠/ ٢٣]، ﴿وَقالُوا: يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ: إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر ٦/ ١٥]، ﴿وَيَقُولُونَ: أَإِنّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصّافات ٣٦/ ٣٧]. إنه ليس بمجنون، بل هو منذر ناصح، ومبلّغ أمين، فهو ينذركم ما يحلّ بكم من عذاب الدّنيا والآخرة إذا لم تؤمنوا بدعوته. وبعد أن حكى الله عن هؤلاء المكذّبين موقفهم، فذكر: أكذّبوا الرّسول، ولم

стр. 2770

يتفكّروا في شأنه وشأن دعوته؟ لفت نظرهم إلى ما يدعوهم إلى الإيمان بوحدانية الله، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ أي أكذّبوا الرّسول، ولم ينظروا في عالم السموات والأرض، ففي ملكوت السماء والأرض دلائل على وجود الصانع الحكيم القديم، والملكوت: من صيغ المبالغة ومعناه: الملك العظيم، فإذا نظر هؤلاء المكذّبون بآياتنا في ملك الله وسلطانه ونظامه البديع في السموات والأرض، وفي كل ما خلق الله من كبير وصغير، لأداهم النّظر الصحيح إلى وجود الله تعالى ووحدانيته، وألم ينظروا في احتمال مجيء الموت فربّما يموتون عمّا قريب، فليسارعوا إلى النّظر وطلب الحقّ قبل مفاجأة الأجل وحلول العقاب، وليؤمنوا برسول الله، وينيبوا إلى طاعته. وقوله: ﴿وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ تنبيه على أن دلائل التوحيد غير مقصورة على السّموات والأرض، بل كلّ ذرة من ذرأت الأجسام والأرواح التي خلقها الله برهان قاهر على التّوحيد. وقوله: ﴿وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ معناه: أو لم ينظروا في أن الشّأن والحديث عسى أن يموتوا عما قريب أي لينظروا في آجالهم التي ربّما اقتربت، وهذا ترغيب شديد في الإتيان بهذا النّظر والتّفكر، وتحذير لهم أن تكون آجالهم قد اقتربت، فيهلكوا على كفرهم، ويصيروا إلى عذاب الله وأليم عقابه. والخلاصة: لعلّ أجلهم قد اقترب فما لهم لا يبادرون إلى الإيمان بالقرآن قبل فوات الأوان. قال ابن عباس: أراد باقتراب الأجل يوم بدر، ويوم أحد. فبأي كلام أو حديث بعد القرآن يؤمنون إذا لم يؤمنوا به؟ وبأي تخويف وتحذير وترهيب بعد تحذير محمد ﵌ وترهيبه الذي أتاهم به من عند الله في كتابه، يصدّقون إن لم يصدّقوا بهذا الحديث الذي جاءهم به محمد ﵌ من عند الله ؟ وبأي حديث أحقّ من القرآن أن يؤمنوا به؟
следующие страницы →