← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

وننزلهم درجة بعد درجة إلى دركات العذاب، وندنيهم من الهلاك شيئا فشيئا ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ نمهلهم ونؤخرهم ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أي إن تدبيري الخفي شديد قوي لا يطاق. ﴿ما بِصاحِبِهِمْ﴾ محمد ﵌ ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾ جنون ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ بيّن الإنذار، والإنذار: التعليم والإرشاد مع التخويف ﴿مَلَكُوتِ﴾ ملك ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ بيان لما، فيستدلوا به على قدرة صانعه ووحدانيته ﴿قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ قرب أجلهم، فيموتوا كفارا، فيصيروا إلى النار، فيبادروا إلى الإيمان ﴿مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ مجموع العالم ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ الحديث: كلام الله، وهو القرآن، وبعده: بعد القرآن ﴿وَيَذَرُهُمْ﴾ يتركهم ﴿فِي طُغْيانِهِمْ﴾ الطغيان: تجاوز الحد في الكفر والشر والظلم ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يترددون تحيرا. سبب النزول: نزول الآية (١٨٤): ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾: أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ابن حيان الأنصاري عن قتادة بن دعامة قال: ذكر لنا أن النبي ﵌ قام على «صفا» فدعا قريشا، فجعل يدعوهم فخذا فخذا، يا بني فلان، يحذرهم بأس الله ووقائعه، فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون، بات يصوت (١) إلى الصباح، أو حتى أصبح، فأنزل الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ، إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. المناسبة: أخبر الله تعالى في الآيات السابقة أنه خلق لجهنم كثيرا من الخلق؛ لأنهم أهملوا طاقات المعرفة لديهم من العقل والحواس، ثم أرشد إلى ما يصلح الناس ويقوي إيمانهم من الدعاء بأسمائه الحسنى، ثم ذكر هنا انقسام أمة الدعوة المحمدية فريقين: فريق المهتدين الذين يقضون بالحق والعدل، وفريق المكذبين الضالين. ولفت النظر إلى وجوب التفكر والنظر في عالم السموات والأرض، للتوصل إلى فهم الأمور الدالة على وحدانية الله وصدق الرسول ﵌.

стр. 2767

التفسير والبيان: من بعض الأمم أمة قائمة بالحق قولا وعملا، يرشدون الناس ويدعونهم إليه، ويعملون بالحق، ويقضون بالعدل، دون ميل ولا جور، وهم أمة محمد ﵌، بدليل ما جاء في الأحاديث الكثيرة التي منها: ما رواه الشيخان في الصحيحين عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله ﵌: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة» وفي رواية «حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك». ومنها: ما قاله الربيع بن أنس في قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ..﴾. قال رسول الله ﵌: «إن من أمتي قوما على الحق، حتى ينزل عيسى بن مريم متى ما نزل». ومنها: ما أخرجه ابن جرير الطّبري وابن المنذر وأبو الشيخ ابن حيان عن ابن جريج في قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ قال: ذكر لنا النّبي ﵌ قال: «هذه أمّتي بالحقّ يحكمون ويقضون، ويأخذون ويعطون». وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قال في هذه الآية: بلغنا أنّ النّبي ﵌ كان يقول إذا قرأها: وهذه لكم وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾. وأخرج أبو الشيخ ابن حيان عن علي بن أبي طالب قال: لتفترقنّ هذه الأمّة على ثلاث وسبعين فرقة كلّها في النّار إلا فرقة، يقول الله: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ، وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ فهذه هي التي تنجو من هذه الأمّة. والخلاصة: لما ذكر تعالى في قصّة موسى قوله: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ثم أعاد الله تعالى هذا الكلام، حمله أكثر المفسّرين

стр. 2768

على أنّ المراد منه أمّة محمد ﵌، بدليل ما روي عن ابن عباس وقتادة وابن جريج وغيرهم. هذا هو الفريق الأوّل من أمّة الدّعوة المحمّدية، ثمّ ذكر تعالى الفريق الثّاني بقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا..﴾. أي والذين كذبوا بالقرآن وهم أهل مكة نتركهم في ضلالهم، ونستدرجهم إلى العذاب من حيث لا يعلمون ما يراد بهم، ونقرّبهم إلى ما يهلكهم، بإمدادهم بالنّعم، وفتح أبواب الرّزق والخير، وتيسير سبل المعاش، كلّما ارتكبوا ذنبا أو فعلوا جرما، فيزدادون بطرا وانغماسا في الفساد، وتماديا في الغي، وتدرّجا في المعاصي، بسبب متابعة تلك النّعم والخيرات، كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ، نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ، بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون ٥٥/ ٢٣ - ٥٦]، وقال تعالى أيضا: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ، فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ، حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا، أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً، فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ. فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا، وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الأنعام ٤٤/ ٦ - ٤٥]، وروى الشيخان عن أبي موسى: «إنّ الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته». وقد تحقّق ذلك بكفار قريش الذين هزموا في بدر والخندق وفتح مكة وغيرها من المعارك، وأظهر الله رسوله عليهم. قال عمر لما حملت إليه كنوز كسرى: «اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجا، فإني سمعتك تقول: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾». ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾، أي سأملي وأطوّل لهم ما هم فيه وأمهل هؤلاء المكذّبين المستدرجين، إنّ مكري أو تدبيري الخفي شديد قوي. والخلاصة: إنّ الإمداد بالنّعم والخيرات والأرزاق ليس دليلا على صلاح الإنسان، وإنما قد يكون استدراجا كما يستدرج العدو إلى مكان للقضاء عليه،

стр. 2769

فالظالم إذا لم يعاقب فورا، عليه ألا ينخدع بذلك، فقد يكون تركه طعما للتّعرّف على المزيد من بغيه وجوره، كما تفعل أجهزة الأمن اليوم في كثير من حالات مراقبة تحرّكات المشبوهين، ثم يقع ذلك الظالم في قبضة الحكام لعقابه الدّنيا، أو تنزل به المصائب والدّواهي، ثم يعاقبه الله بالعذاب الشديد الآخرة. والاستدراج: هو الإدناء قليلا قليلا إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم. وبعد أن هدّد الله المعرضين عن آياته، عاد إلى الجواب عن شبهاتهم، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا..﴾. أي أولم يتفكّر هؤلاء المكذّبون بآياتنا ما بصاحبهم يعني محمدا ﵌ من جنون، فقد كانوا يقولون: شاعر مجنون، مع أنهم يعرفون حاله من بدء نشأته، ويعلمون حقيقة دعوته، ودلائل رسالته، فهو رسول الله حقّا، دعا إلى حقّ. والتّعبير: ﴿بِصاحِبِهِمْ﴾ للتّذكير بأنهم يعرفون سيرته معرفة كاملة في سنّ الصّبا وعهد الشّباب والكهولة وبعد النّبوة. إنهم إن تفكّروا في شأنه، وتجرّدوا عن عصبيّتهم وأهوائهم، عرفوا الحقّ، وأدركوا صدقه، وأنه ليس مجنونا ولا شاعرا، كما حكى القرآن افتراءهم: ﴿وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير ٢٢/ ٨١]، ﴿قُلْ: إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلّهِ مَثْنى وَفُرادى، ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ، إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لَكُمْ، بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ ٤٦/ ٣٤]، ﴿أَمْ يَقُولُونَ: بِهِ جِنَّةٌ، بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ، وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [المؤمنون ٧٠/ ٢٣]، ﴿وَقالُوا: يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ: إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر ٦/ ١٥]، ﴿وَيَقُولُونَ: أَإِنّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصّافات ٣٦/ ٣٧]. إنه ليس بمجنون، بل هو منذر ناصح، ومبلّغ أمين، فهو ينذركم ما يحلّ بكم من عذاب الدّنيا والآخرة إذا لم تؤمنوا بدعوته. وبعد أن حكى الله عن هؤلاء المكذّبين موقفهم، فذكر: أكذّبوا الرّسول، ولم

стр. 2770

يتفكّروا في شأنه وشأن دعوته؟ لفت نظرهم إلى ما يدعوهم إلى الإيمان بوحدانية الله، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ أي أكذّبوا الرّسول، ولم ينظروا في عالم السموات والأرض، ففي ملكوت السماء والأرض دلائل على وجود الصانع الحكيم القديم، والملكوت: من صيغ المبالغة ومعناه: الملك العظيم، فإذا نظر هؤلاء المكذّبون بآياتنا في ملك الله وسلطانه ونظامه البديع في السموات والأرض، وفي كل ما خلق الله من كبير وصغير، لأداهم النّظر الصحيح إلى وجود الله تعالى ووحدانيته، وألم ينظروا في احتمال مجيء الموت فربّما يموتون عمّا قريب، فليسارعوا إلى النّظر وطلب الحقّ قبل مفاجأة الأجل وحلول العقاب، وليؤمنوا برسول الله، وينيبوا إلى طاعته. وقوله: ﴿وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ تنبيه على أن دلائل التوحيد غير مقصورة على السّموات والأرض، بل كلّ ذرة من ذرأت الأجسام والأرواح التي خلقها الله برهان قاهر على التّوحيد. وقوله: ﴿وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ معناه: أو لم ينظروا في أن الشّأن والحديث عسى أن يموتوا عما قريب أي لينظروا في آجالهم التي ربّما اقتربت، وهذا ترغيب شديد في الإتيان بهذا النّظر والتّفكر، وتحذير لهم أن تكون آجالهم قد اقتربت، فيهلكوا على كفرهم، ويصيروا إلى عذاب الله وأليم عقابه. والخلاصة: لعلّ أجلهم قد اقترب فما لهم لا يبادرون إلى الإيمان بالقرآن قبل فوات الأوان. قال ابن عباس: أراد باقتراب الأجل يوم بدر، ويوم أحد. فبأي كلام أو حديث بعد القرآن يؤمنون إذا لم يؤمنوا به؟ وبأي تخويف وتحذير وترهيب بعد تحذير محمد ﵌ وترهيبه الذي أتاهم به من عند الله في كتابه، يصدّقون إن لم يصدّقوا بهذا الحديث الذي جاءهم به محمد ﵌ من عند الله ؟ وبأي حديث أحقّ من القرآن أن يؤمنوا به؟

стр. 2771

ثم قال تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ..﴾. مقرّرا لما سبق، ومعلّلا له، وهو أنّ من يضلّه الله فلا هادي له، أي أنّ من فقد الاستعداد للإيمان بالنّبي ﵌ والعمل بالقرآن، فإن الله يتركه متردّدا في ضلاله، حائرا في سبيله، بسبب تجاوزه الحدّ في الظّلم والطّغيان والفجور، ولن يجد لنفسه هاديا أو مرشدا آخر غير الله. وليس معنى إضلال الله لهم أنه أجبرهم على الضّلال، بل المقصود أنهم لما تأصّل الكفر في قلوبهم، وأسرفوا في طغيانهم، فقدوا باختيارهم ما يدعوهم إلى الهدى والإيمان، وأصبحت نفوسهم غير متهيّئة لدعوة الحقّ، وخلقهم الله على هذا النحو الذي علمه منهم قبل إيجادهم فكانوا هم الضّالين. فقه الحياة أو الأحكام: أخبر الله تعالى في هذه الآيات عن أمة الدّعوة المحمّديّة، وجعلهم كغيرهم من أقوام الأنبياء فريقين: فريق المؤمنين المهتدين، وفريق الضّالين المكذّبين. أما المهتدون فوصفهم الله بأنهم يرشدون الناس إلى الحق، ويقضون بالحق والعدل، وهذا كما وصف بعض قوم موسى بالوصفين ذاتهما، وفي ذلك غاية التّجرّد والموضوعيّة والحياد وإنصاف الحقائق. ودلّت الآية-كما ذكر القرطبي-على أنّ الله لا يخلّي الدّنيا في وقت من الأوقات من داع يدعو إلى الحقّ. وأما المكذّبون بآيات الله وقرآنه وهم أهل مكة: فقد أخبر تعالى أنه سيستدرجهم بإدنائهم وتقريبهم إلى ما يهلكهم، ويضاعف عقابهم من حيث لا يعلمون ما يراد بهم، عن طريق إمدادهم بالنّعم والخيرات والأرزاق، كلما أتوا بجرم، أو أقدموا على ذنب. وأنه سيطيل لهم المدّة، ويمهلهم مع إصرارهم على الكفر، ولا يعاجلهم

стр. 2772

بالعقوبة، وإنما يؤخّر عقوبتهم، لإعطائهم فرصة للعودة إلى الحقّ، والاستجابة لدعوة الإيمان، وتصديق النّبي المصطفى ﵊. وفي فترة إمهالهم أنذرهم أنهم إن داموا على المعصية والكفر، فإن كيد الله، أي تدبيره شديد قوي محكم. قيل: نزلت في المستهزئين من قريش، قتلهم الله في ليلة واحدة، بعد أن أمهلهم مدة، كما قال تعالى: ﴿حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأنعام ٤٤/ ٦]. وتضمّنت آية ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ دعوة المكذّبين إلى إصدار الأحكام بالاعتماد على العقل والتّفكير والموازنة والنّظر إلى واقع النّبي ﵌ وسيرته، فهو ليس كما تقوّلت ألسنتهم بمجنون، وإنما هو داعية حقّ، ونذير خير، وناصح أمة، ومرشد قوم إلى ما فيه صلاحهم ونجاتهم. ثم دعاهم الله تعالى إلى إعمال فكرهم وتسديد نظرهم في ملكوت السموات والأرض، وفي المخلوقات والأشياء العديدة، وفي آجالهم التي عسى أن تكون قد قربت، للتّوصّل إلى معرفة الإله الحقّ، والإيمان بوجود الصانع الحكيم القدير القديم، الذي لا ندّ له ولا شريك ولا نظير، ومعرفة كمال قدرته. وإذا لم يؤمنوا بالقرآن، فبأي قرآن غير ما جاء به محمد ﵌ يصدّقون؟! وفي هذا دلالة على أن القرآن هو مصدر الهداية. وقد استدلّ العلماء بآية ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ وأمثالها الكثيرة في القرآن الكريم (١)، على وجوب النظر في آيات الله، والاعتبار بمخلوقاته. وقد ذمّ الله تعالى من لم ينظر، وسلبهم الانتفاع بحواسهم، فقال: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها..﴾. الآية [الأعراف ١٧٩/ ٧]، قال الجصاص: في

стр. 2773

قوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ حثّ على النّظر والاستدلال والتّفكر في خلق الله وصنعه وتدبيره، فإنه يدلّ عليه وعلى حكمته وجوده وعدله (١). وذلك يدلّ على أنّ التّقليد في العقائد غير جائز، ولا بدّ من النّظر والاستدلال. واتّجه أكثر العلماء إلى أن النّظر والاستدلال أوّل الواجبات على الإنسان. وذهب بعضهم إلى أنّ أوّل الواجبات الإيمان بالله وبرسوله وبجميع ما جاء به، والإيمان: هو التّصديق الحاصل في القلب، الذي ليس من شرط صحته المعرفة، ثم النظر والاستدلال المؤدّيان إلى معرفة الله تعالى، فيتقدّم وجوب الإيمان بالله تعالى على المعرفة بالله. وقالوا-ومنهم القرطبي (٢) -: هذا أقرب إلى الصواب وأرفق بالخلق؛ لأن أكثرهم ومنهم العامة والمقلّدون لا يعرفون حقيقة المعرفة والنّظر والاستدلال. ولأن النّبي ﵌ في الحديث المتواتر الذي رواه أصحاب الكتب الستّة عن أبي هريرة قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك، عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلا بحقّها، وحسابهم على الله». ومن الطّريف أن العلماء قالوا: لا يكون النّظر والاعتبار في الوجوه الحسان من المرد والنّسوان، فذلك متابعة الهوى، ومخادعة العقل، ومخالفة العلم، ولم يحلّ الله النّظر إلا على صورة لا ميل للنّفس إليها، ولا حظّ للهوى فيها. وإنما النظر يكون في المخلوقات والجمادات، أما المخلوقات فكثيرة، ينظر في السموات كيف بنيت وزيّنت من غير شقوق، ورفعت بغير عمد، وفي الأرض كيف وضعت فراشا، ووطئت مهادا، وفي أصناف المخلوقات والحيوانات في البر والبحر، وفي البحار التي هي أعظم المخلوقات عبرة. وأما الجمادات فينظر في أصنافها واختلاف أنواعها وأجناسها.

стр. 2774

وهل التّفكّر أفضل أو الصّلاة ؟ يرى الصّوفيّة: أنّ الفكرة أفضل، فإنها تثمر المعرفة، وهي أفضل المقامات الشّرعيّة. ويرى الفقهاء: أن الصّلاة والذّكر أفضل، لما روي في ذلك من الحثّ والدّعاء إليها، والتّرغيب فيها. وتوسّط ابن العربي، فرأى أن التّفكر أفضل للعالم المفكّر القوي النّظر، القادر على الاستدلال، وأما غيره فالأعمال أقوى لنفسه، وأثبت لشأنه (١). ودلّ قوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ..﴾. على أن الهدى والضّلال من الله، بمعنى أن الله هو الخالق لأفعال العباد، سواء في حال الخير أو في حال الشّر، وأنه جعل القرآن أعظم أسباب الهداية للمتّقين، لا للجاحدين المعاندين. وفي ذلك ردّ على القدريّة الذين يقولون: إن الإنسان يخلق أفعال نفسه، والمعاصي لا يريدها الله. وهي ردّ أيضا على المعتزلة أيضا الذين يقولون: إنّ العبد خالق لأفعاله، ولكنهم نزّهوا الله عن العجز، فقالوا: إن هذا بقدرة أودعه الله إياها وخلقها. ولا إجبار من الله على الضّلال، وإنما نسب الضّلال إلى الله في الآية من قبيل النّسبة إلى النّظام الذي وضعه والسّنّة التي قضى بها في خلق الإنسان، وربط أعماله بأسباب تترتّب عليها مسبباتها، فإذا اختار العبد الضّلالة، فلن يجد غير الله هاديا له، ولا يهديه أحد سوى الله. ومن سنّته تعالى أنه يترك هؤلاء الضّالّين يتردّدون حيرة في متاهات ضلالهم، ولا يجدون سبيلا للخروج مما هم فيه. فكما أن من اختار أصل الهداية يزيده الله هدى ويوفّقه لمتابعة طريق الهدى، ويمكّنه

стр. 2775

من الوصول إلى هدفه، كذلك من اختار طريق الضّلالة، يتركه الله في ضلاله، ويزيده ضلالا، ويحجب عنه النّور الذي يؤدّي به إلى الخير، ويلقي على قلبه حجابا كثيفا يمنع نفاذ الخير إليه، فلا يهتدي إلى الحقّ والخير أبدا، كما قال: ﴿كَلاّ، بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤/ ٨٣]. علم السّاعة عند الله ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ الإعراب: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها﴾: الكاف في الفعل في موضع نصب؛ لأنه المفعول الأوّل. و ﴿عَنِ السّاعَةِ﴾: في موضع المفعول الثاني. و ﴿أَيّانَ مُرْساها﴾ مبتدأ وخبر، ﴿مُرْساها﴾ مبتدأ، و ﴿أَيّانَ﴾ خبره، وهو ظرف مبني بمعنى متى؛ لأنه تضمّن معنى حرف الاستفهام، وبني على حركة لالتقاء الساكنين، وكان الفتح أولى؛ لأنه أخفّ الحركات، وموضع الجملة من المبتدأ والخبر: نصب؛ لأنه يتعلق بمدلول السؤال، والتّقدير: قائلين أيّان مرساها. ﴿لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً﴾ ﴿بَغْتَةً﴾: منصوب على المصدر في موضع الحال. البلاغة: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ تشبيه مرسل مجمل، لذكر أداة التّشبيه وهي الكاف، وحذف وجه الشّبه. المفردات اللغوية: ﴿يَسْئَلُونَكَ﴾ أي أهل مكّة. ﴿عَنِ السّاعَةِ﴾ القيامة، وهو الوقت الذي ينتهي فيه العالم

стр. 2776

ويموت أهل الأرض جميعا عند النفخة الأولى للصوّر. وهذا اصطلاح شرعي، ويستعمل عادة بأل، فإذا ذكر بدون «أل» في القرآن فمعناه الساعة الزّمانية، وهو لغة: جزء قليل غير معيّن من الزّمن. وعند الفلكيين: جزء من أربع وعشرين جزءا متساوية من اليوم. ﴿أَيّانَ مُرْساها﴾ متى زمن إرسائها واستقرارها وحصولها، ومنه: إرساء السّفينة أي إيقافها بالمرساة التي تلقى في البحر، فتمنعها من الجريان. ﴿لا يُجَلِّيها﴾ لا يظهرها ولا يكشفها. ﴿لِوَقْتِها﴾ اللام بمعني في، أي في وقتها، كما يقال: كتبت هذا لغرّة المحرّم أي في غرّته. ﴿ثَقُلَتْ﴾ عظمت. ﴿بَغْتَةً﴾ فجأة على غفلة، من غير توقّع ولا انتظار، كما قال ﵊ فيما ذكر قتادة: «إنّ الساعة تهيج بالناس، والرّجل يصلح حوضه، والرّجل يسقي ماشيته، والرّجل يقيم سلعته في السّوق، ويخفض ميزانه ويرفعه» (١). ﴿حَفِيٌّ عَنْها﴾ عالم بها أو مبالغ في السؤال عنها، من حفي عن الشيء: إذا سأل عنه، فإن من بالغ في السؤال عن الشيء والبحث عنه، استحكم علمه به، ولذلك عدي بعن. والحفيّ: المستقصي في السؤال عن الشيء المعتني بأمره، قال الأعشى: فإن تسألي عنّي، فيا ربّ سائل... حفيّ عن الأعشى به حيث أصعدا والإحفاء: الاستقصاء، ومنه: إحفاء الشّارب. وحفي عن الشيء: إذا بحث للتعرّف عن حاله. سبب النزول: كانت اليهود تقول للنّبي ﵌: «إن كنت نبيّا فأخبرنا عن الساعة متى تقوم؟». وأخرج ابن جرير الطّبري عن قتادة أن المشركين قالوا ذلك، لفرط الإنكار (٢). و أخرج الطّبري أيضا وغيره عن ابن عباس قال: قال خمل بن قشير وسموءل بن زيد لرسول الله ﵌: أخبرنا متى الساعة، إن كنت نبيّا كما تقول، فإنّا نعلم ما هي، فأنزل الله: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها﴾. ورجّح ابن كثير أنها نزلت في قريش؛ لأن الآية مكّية، وكانوا يسألون عن

стр. 2777

وقت السّاعة، استبعادا لوقوعها وتكذيبا بوجودها (١)، كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ: مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [سبأ ٢٩/ ٣٤]، وقال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها، وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها، وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ، أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى ١٨/ ٤٢]. المناسبة: لما تكلّم الله تعالى في التّوحيد والنّبوة والقضاء والقدر، أتبعه بالكلام عن المعاد. وكذلك لما قال تعالى في الآية المتقدّمة عن أجل الإنسان: ﴿وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ بقصد الحثّ على التوبة والإصلاح، وهو الساعة الخاصة، قال بعده: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ للإرشاد إلى النظر والتّفكر في أمر الساعة العامة التي تنتهي بها الدّنيا كلّها، ويموت بها جميع النّاس، ولبيان أن وقت السّاعة مكتوم عن الخلق. التفسير والبيان: يسألونك يا محمد عن وقت الساعة، متى يكون؟ ومتى يحصل ويستقرّ؟ كما قال تعالى: ﴿يَسْئَلُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ﴾ [الأحزاب ٦٣/ ٣٣]. وفي التعبير بالإرساء الدّال على الاستقرار إشارة إلى أن قيام الساعة إنهاء لحركة العالم، وانقضاء عمر الأرض. قل لهم: إن علم الساعة مقصور على الله وحده، فلا يطّلع عليه أحد من الخلق، فإنه هو الذي يعلم جلية أمرها، ومتى يكون على التّحديد، ولا يظهرها في وقتها المحدود إلا الله، ولا يعلم بها أحد حتى ولو كان ملكا مقرّبا أو نبيّا مرسلا، كما قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ، وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها﴾

стр. 2778

[فصلت ٤٧/ ٤١]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ..﴾. [لقمان ٣٤/ ٣١]. فكلّ من الساعة العامة (القيامة)، والساعة الخاصّة (أجل الإنسان) من الغيبيات التي اختص الله بعلمها، لتكون فترة الاختبار صحيحة وعامة غير متأثرة بدافع العلم بها أو بقصد النّفعية، ولا مختصّة بزمن معيّن يطلع عليه الخلق، ولتبقى رهبتها مهيمنة على النّفوس. وفي التّعبير بقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّي﴾ إشارة إلى أن ما هو شأن الرّب لا يكون للمخلوق، وأنّ مهمة النّبي الإنذار بوقوعها، لا بتحديد زمنها، حتى لا يضطرب شأن العالم، فلو علمت لاضطرب الناس واختلّ العمران. لذا قال تعالى: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي خفي علمها على أهل السّموات والأرض، ولم يعلم أحد من الملائكة المقرّبين والأنبياء المرسلين متى يكون حدوثها ووقوعها، وكلّ ما خفي علمه فهو ثقيل على الفؤاد. وقيل عن الحسن وغيره: كبر مجيئها على أهل السّموات والأرض، وعظم أمرها، فهم لا يدرون متى تفاجئهم، ويتوقعون دائما وقوعها، ويخافون منها لشدّة وقعها وعظم أهوالها. وقضى الله أنها لا تأتي إلا بغتة أي فجأة على غفلة، والناس مشغولون في شأن الدّنيا ومصالحها. وهذا تأكيد لما تقدّم وتقرير لعنصر المفاجأة في إتيانها. روى البخاري عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﵌ قال: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشّمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرا. ولتقومنّ الساعة، وقد نشر الرّجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومنّ الساعة، وقد انصرف الرّجل بلبن لقحته (١) فلا يطعمه، ولتقومنّ

стр. 2779

الساعة والرّجل يليط (١) حوضه، فلا يسقي فيه، ولتقومنّ الساعة، والرّجل قد رفع أكلته إلى فيه، فلا يطعمها». ﴿يَسْئَلُونَكَ﴾ عن الساعة ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ﴾ مبالغ في السؤال عنها، ومهتم بشأن زمنها، وعالم بها. قل لهم: لست أعلمها، ﴿إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ﴾ الذي يعلم الغيب في السّموات والأرض. و ﴿أَيّانَ﴾ معناه الاستفهام عن زمان المجيء، بمعنى متى. وتكرار هذا الجواب: ﴿عِلْمُها عِنْدَ اللهِ﴾ بعد تكرار السؤال مبالغة في التأكيد، بل ليس هذا تكريرا، ولكن أحد العلمين لوقوعها، وهو الجواب الأول عن سؤالهم عن وقت قيام الساعة، والآخر لكنهها، وهو الجواب الثاني عن سؤالهم عن كنه ثقل الساعة وشدّتها ومهابتها. فالسؤال الأوّل عن وقت قيام الساعة، والثاني عن مقدار شدّتها ومهابتها. وعبّر هنا بلفظ الجلالة الله إشارة إلى استئثار الله بعلمها لذاته، كما عبّر هناك بلفظ ربي للتّنبيه على أنّ الساعة من شؤون ربوبيّته. ونقل عن ابن عباس تفسير ﴿حَفِيٌّ عَنْها﴾ بأنه حفيّ ببرّهم وفرح بسؤالهم، وكأن بينك وبينهم مودّة، وكأنك صديق لهم؛ لأنهم قالوا: بيننا وبينك قرابة، فأسرّ إلينا بوقت الساعة. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنه العالم بها، وأنه المختصّ بالعلم بها، وسرّ إخفائها، أو سبب عدم معرفة الخلق وقتها المعيّن، وحكمة ذلك، وإنما يعلم ذلك القليلون، وهم المؤمنون بالقرآن وبما أخبر به النّبي ﵌ فيما رواه الشيخان عن عمر ﵁ حينما سأله جبريل عن الساعة، فقال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» أي أنا وأنت سواء في جهل هذا الأمر. ولكن النّبي ﵌ أخبر عن قرب

стр. 2780

وقوع الساعة، فقد أخرج الترمذي وصححه عن أنس مرفوعا: «بعثت أنا والساعة كهاتين» وقرن بين أصبعيه: السبابة والتي تليها. قال الرّازي: السبب في إخفاء الساعة عن العباد: هو أن يكونوا على حذر منها، فيكون ذلك أدعى إلى الطاعة، وأزجر عن المعصية (١). وقال الألوسي: وإنما أخفى سبحانه أمر الساعة لاقتضاء الحكمة التّشريعية ذلك، فإنه أدعى إلى الطاعة، وأزجر عن المعصية، كما أن إخفاء الأجل الخاص للإنسان كذلك (٢). وهذا هو السّر أيضا في إخفاء ليلة القدر وساعة الإجابة، لينشط الناس في طلبها والعمل لها في وقت أطول، وليظلّ الإنسان ملازما حال الاستقامة والدّعاء والعبادة. فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآية على أحكام عديدة مستنبطة من كلّ جملة فيها، وهي ما يأتي: ١ - لا يعلم وقت قيام الساعة، ولا مقدار شدّتها ومهابتها، ولا يعرف كنهها وحقيقتها إلا الله ، لقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لقمان ٣٤/ ٣١]، وهي محققة المجيء والحدوث؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها﴾ [غافر ٥٩/ ٤٠]، وقريبة الوقوع؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها﴾ [طه ١٥/ ٢٠]، وتقع كلمح البصر أو أقرب؛ لقوله سبحانه: ﴿وَما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل ٧٧/ ١٦]. ٢ - إنّ يوم السّاعة عظيم الثّقل على القلوب، بسبب أنّ الخلق يصيرون

стр. 2781

بعدها إلى البعث والحساب والسؤال، ولكون الخوف من الله في ذلك اليوم شديدا على الخلائق. ٣ - لا تجيء الساعة إلا بغتة فجأة، على حين غفلة من الخلق، روى الحسن البصري عن النّبي ﵌ أنه قال: «والذي نفس محمد بيده لتقومنّ الساعة، وإنّ الرّجل ليرفع اللقمة إلى فيه، حتى تحول الساعة بينه وبين ذلك». وسمّيت القيامة بالسّاعة لوقوعها بغتة، أو لأن حساب الخلق يقضى فيها في ساعة واحدة، أو لأنها على طولها كساعة واحدة عند الخلق. ٤ - لم يكن النّبي ﵌ عالما بالسّاعة ولا كثير السؤال عنها. ٥ - الحكمة التّشريعية في كون وقت السّاعة مكتوما عن الخلق: هو حمل المكلّفين على المسارعة إلى التوبة، وأداء الواجبات، وسداد الحقوق إلى أصحابها. وللسّاعة أشراط أو علامات ثلاث: ١) -ما وقع بالفعل منذ زمان مثل قتال اليهود وفتح بيت المقدس والقسطنطينية. ٢) -ما حدث بعضه ويتوالى ظهوره مثل كثرة الفتن، وكثرة الدّجالين، وكثرة الزّنا، وكثرة النّساء وتشبههن بالرّجال، والمجاهرة بالكفر والإلحاد والشرك. ٣) -ما سيقع قبيل قيام الساعة من علامات صغرى وكبري، مثل أن تلد الأمة ربّتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشّاء يتطاولون في البنيان، ومثل طلوع الشّمس من مغربها.

стр. 2782

الأمور كلّها بيد الله وحده وعلم الغيب مختصّ بالله تعالى وحقيقة الرّسالة ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاّ ما شاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ المفردات اللغوية: ﴿الْغَيْبَ﴾ هو ما غاب عنّا، وهو إما حقيقي: لا يعلمه أحد إلا الله، وإما إضافي نسبي يعلمه بعض الخلق بتعليم الله كالأنبياء والرّسل. ﴿الْخَيْرِ﴾ ما يرغب الناس فيه عادة من المنافع المادية كالمال، والمعنوية كالعلم. ﴿السُّوءُ﴾ ما يرغب عنه الناس لضرره كالفقر وغيره. ﴿إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ﴾ أي ما أنا إلا منذر بالنّار للكافرين، والإنذار: التّبليغ المقترن بالتّخويف من العقاب على الكفر والمعاصي. والتّبشير: التّبليغ المقترن بالتّرغيب في الثّواب مع الإيمان والعمل الصالح. والبشير: المبشر بالجنّة للمؤمنين. سبب النزول: روي أن أهل مكة قالوا: يا محمد، ألا يخبرك ربّك بالرّخص والغلاء حتى نشتري فنربح، وبالأرض التي تجدب لنرتحل إلى الأرض الخصبة، فأنزل الله تعالى هذه الآية. المناسبة: بعد أن أخبر الله تعالى عن أنّ وقت الساعة (القيامة) لا يعلمه إلا الله وحده، أمر رسوله ﵌ أن يبيّن للناس أنّ كلّ الأمور بيده تعالى وحده، وأنّ علم الغيب كله عنده، وأنه لا يدّعي علم الغيب، ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ﴾ وبشير، كما قال تعالى في سورة يونس: ﴿وَيَقُولُونَ: مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، قُلْ:

стр. 2783

لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً، إِلاّ ما شاءَ اللهُ، لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ [٤٨/ ١٠ - ٤٩]. التفسير والبيان: أمر الله تعالى رسوله أن يفوّض الأمور إليه، وأن يخبر عن نفسه أنه لا يعلم الغيب المستقبل، ولا اطلاع له على شيء من ذلك إلا بما أطلعه الله عليه، كما قال تعالى: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً. إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ..﴾. [الجنّ ٢٦/ ٧٢ - ٢٧]. قل أيها الرّسول للناس: إنّي لا أملك لنفسي ولا لغيري جلب أي نفع، ولا أستطيع دفع ضرر عنّي ولا عن غيري، إلا بمشيئة الله وقدرته، فيلهمني إيّاه ويوفّقني له. وهذا يدلّ على إظهار العبودية، والتّبرّي من ادّعاء العلم بالغيوب، ومنصب الرّسالة لا يقتضي علم الساعة وغيرها من علم الغيب، فالغيب لله وحده. وإنما وظيفة الرّسالة تبليغ الوحي المنزل، والتّعليم والإرشاد، وفيما عدا ذلك فإنّ الرّسول بشر كسائر الناس: ﴿قُلْ: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ..﴾. [الكهف ١١٠/ ١٨]. ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ كالمال ونحوه من المنافع، ولما أصابني السّوء، أي لاجتنبت ما يكون من الشّرّ قبل أن يكون، وتوقيت المضارّ قبل أن تقع. وليس لي مزية عن البشر إلا بتبليغ الوحي عن الله بالإنذار والتّبشير، فما أنا إلا عبد مرسل للإنذار والبشارة، نذير من العذاب، وبشير للمؤمنين بالجنّات، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ، وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا﴾ [مريم ٩٧/ ١٩].

стр. 2784

وكوني المنذر والمبشر للمؤمنين: لأنهم هم المنتفعون بالإنذار والتّبشير. فقه الحياة أو الأحكام: هذه آية من أصول العقيدة والدّين، بيّنت حقيقة الرّسالة، وميّزتها عن الرّبوبية، وهدمت قواعد الشّرك والوثنية. فما الرّسول إلا بشر مبلّغ عن الله ما يوحيه إليه، وهو قدوة صالحة للنّاس في العمل بما جاء به من عند الله، وليس له شيء من صفات الله وأفعاله، ولا سلطان له بالتأثير في الأشياء، لا نفعا ولا ضرّا، ولا خيرا ولا شرّا، ولا إيمانا ولا كفرا. وبما أنّ الإيمان نفع والكفر ضرّ، فإنهما لا يحصلان إلا بمشيئة الله سبحانه، فهو الخالق للإيمان والكفر، والمريد لهما، والعبد هو الموجد ما خلق الله عنده من قدرة إما إلى الإيمان والخير، وإما إلى الكفر والشّرّ. وليس أدلّ على الإقناع بعدم علم الرّسول بالغيب من أنه لو كان عالما بالغيب، لحقّق لنفسه منافع الدّنيا وخيراتها، من مال ومجد، وعظمة دولة، ونصر حربي، وتفوّق دائم، وأرباح ومكاسب كثيرة، ولدفع عن نفسه آفات الدّنيا ومضارّها، كالفقر والمرض والجرح والهزيمة ونحوها من ألوان السّوء والشّرّ، ولحذر من مكر الأعداء ومكائدهم، ولاستطاع التّمييز بين من تؤثر فيه الدّعوة إلى الدّين الحقّ ومن لا تؤثّر فيه.

стр. 2785

التذكير بالنشأة الأولى والأمر بالتوحيد واتباع القرآن والنهي عن الشرك ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١٩٣)﴾ الإعراب: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً﴾ صالحا صفة المفعول الثاني المحذوف، وتقديره: ابنا صالحا، والمفعول الأول: (نا) في الفعل. ﴿شُرَكاءَ﴾ جمع شريك، وفيه حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أي جعل أولادهما له شركاء. وكذلك ﴿فِيما آتاهُما﴾ أي آتى أولادهما، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَتَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ حيث جمع الضمير، وآدم وحواء بريئان من الشرك. ومعنى إشراكهم فيما آتاهم الله: تسميتهم أولادهم بعبد العزى، وعبد مناة، وعبد شمس وما أشبه ذلك، مكان عبد الله وعبد الرحمن وعبد الرحيم. البلاغة: ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ التغشي: كناية عن الجماع.

стр. 2786

المفردات اللغوية: ﴿مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ أي من آدم، أو من جنس واحد ﴿وَجَعَلَ﴾ خلق زوجها حواء ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْها﴾ ليأنس بها ويطمئن إليها ويألفها ﴿تَغَشّاها﴾ جامعها، مثل غشيها ﴿حَمَلَتْ﴾ علقت منه ﴿حَمْلاً خَفِيفاً﴾ هو النطفة، والحمل بفتح الحاء: ما كان في بطن أو على شجرة، وبالكسر: ما كان على ظهر ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ استمرت حاملة له إلى وقت ميلاده ﴿فَلَمّا أَثْقَلَتْ﴾ صار الحمل ثقيلا وقرب وضعها ﴿صالِحاً﴾ أي ولدا أو نسلا صالحا أي سويا سليما في الجسم والفطرة ﴿فَتَعالَى اللهُ﴾ تعاظم وتنزه عن الشريك والولد ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أي أهل مكة به من الأصنام. وأجريت الأصنام مجرى العقلاء أولي العلم في قوله: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ بناء على اعتقادهم فيها وتسميتهم إياها آلهة. والمعنى: أيشركون ما لا يقدر على خلق شيء كما يخلق الله وهم يخلقون. وجملة ﴿فَتَعالَى..﴾. عطف على ﴿خَلَقَكُمْ﴾ وما بينهما اعتراض. المناسبة: موضوع الآيات عود على بدء، فقد بدئت السورة بالكلام عن التوحيد واتباع القرآن، ثم ختمت بالكلام عن التوحيد وعن القرآن، والتذكير بالنشأة الأولى، كما ذكّر بها سابقا، لترسيخ العقيدة بوجود الله ووحدانيته، والامتناع عن الشرك، والعهد عن وسوسة الشيطان. التفسير والبيان: الله هو الذي خلقكم في الأصل من نفس واحدة، قال جمهور المفسرين: المراد بالنفس الواحدة: آدم ﵇، ثم خلق منه زوجته حواء، ثم انتشر الناس منهما، كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى، وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا﴾ [الحجرات ١٣/ ٤٩] وقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ، وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها، وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً﴾ [النساء ١/ ٤]. ورأى بعض المفسرين أن المعنى: خلقكم من جنس واحد وطبيعة واحدة،

стр. 2787

وجعل زوجه من جنسه، ليسكن إليها، ويطمئن بها، كما خلق من كل الأنواع زوجين اثنين، كما قال : ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ، لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات ٤٩/ ٥١]. وقوله: ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْها﴾ أي ليأنس بها ويطمئن ويألفها، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً، لِتَسْكُنُوا إِلَيْها، وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم ٢١/ ٣٠] وهذا التآلف قائم في أعماق كل من الرجل والمرأة، ففي عهد الشباب لا تسكن النفس إلا بالاقتران بزوج آخر، ولا نجد ألفة بين روحين أعظم مما بين الزوجين، والجنس ميال بطبيعته إلى جنسه، والتعاون على شؤون الحياة يحتاج إلى التزاوج، وبقاء النوع الإنسان مرهون بهذا الترابط بين الجنسين: الذكر والأنثى. ثم ذكر الله تعالى ثمرة هذا التزاوج بين الرجل والمرأة فقال: ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ وهو كناية عن الوقاع، أي فلما حدث الوط ء أو الوقاع أو الجماع بين الجنسين، بدأ تكون الجنين، وحدث الحمل الخفيف، وهو أول الحمل الذي لا تجد فيه المرأة ثقلا ولا ألما، إنما هي النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة، ويرتفع الحيض عادة ببدء الحمل، وتستمر المرأة في متابعة أعمالها المعتادة دون مشقة، وهذا هو المراد من قوله: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ أي استمرت بذلك الحمل الخفيف. فلما أثقلت المرأة الحامل أي صارت ذات ثقل بحملها بسبب كبر الولد في بطنها، وحان وقت الوضع، ﴿دَعَوَا اللهَ رَبَّهُما﴾، أي دعا الزوجان وهما آدم وحواء مقسمين: لئن آتيتنا ولدا صالحا، أي بشرا سويا، تام الخلق، سليم الفطرة، لنكونن لك من الشاكرين نعمتك، المشتغلين بشكر تلك النعمة. فلما آتاهما الله ما طلبا، ورزقهما ولدا صالحا سويا كامل الخلقة، جعل الزوجان لله شركاء أي شريكا فيما آتاهما وأعطاهما، فتعالى أي تعاظم وتنزه ﴿اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ وينسبون له من الولد والشريك.

стр. 2788

ومن المراد بقوله ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾؟ ذكر بعض المفسرين كالسيوطي أن المراد آدم وحواء، بالاعتماد على حديث ضعيف في الترمذي وغيره، وهو ما رواه سمرة عن النبي ﵌ قال: لما ولدت حواء، طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد، فقال: سميه عبد الحارث -وكان اسم إبليس حارثا بين الملائكة-فإنه يعيش، فسمته، فعاش، فكان ذلك من وحي الشيطان وأمره. وتؤيده روايات إسرائيلية كثيرة لاثبات لها، فلا يعول عليها، وأمثال ذلك لا يليق بالأنبياء. والواقع-على افتراض أن المراد بالنفس الواحدة: آدم-أن نسبة هذا الجعل إلى آدم وحواء يراد به بعض أولادهما، قال الحسن البصري: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادا، فهوّدوا ونصّروا (١). وأيّد ابن كثير هذا التأويل عن الحسن ﵁، فقال: وهو من أحسن التفاسير، وأولى ما حملت عليه الآية... وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري ﵀ في هذا، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته، ولهذا قال الله: ﴿فَتَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أي بصيغة الجمع. فذكر آدم وحواء أولا كالتوطئة لما بعدهما من الوالدين، وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس، كقوله: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ، وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك ٥/ ٦٧] ومعلوم أن المصابيح وهي النجوم التي زينت بها السماء ليست هي التي يرمى بها، وإنما هذا استطراد من شخص المصابيح إلى جنسها، ولهذا نظائر في القرآن (٢).

стр. 2789

والخلاصة: إن الشرك نسب إلى آدم وحواء، والمراد به أولادهما، كاليهود والنصارى والمشركين؛ لأن آدم وزوجته لم يكونا مشركين. قال الزمخشري في قوله: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ أي جعل أولادهما له شركاء، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذلك ﴿فِيما آتاهُما﴾ أي آتى أولادهما، وقد دل على ذلك قوله: ﴿فَتَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ حيث جمع الضمير، وآدم وحواء بريئان من الشرك. ومعنى إشراكهم فيما آتاهم الله: تسميتهم أولادهم بعبد العزى، وعبد مناة، وعبد شمس، وما أشبه ذلك، مكان عبد الله، وعبد الرحمن، وعبد الرحيم (١). وقد ذكر الرازي هذا التأويل. وذكر أيضا أي الرازي تأويلا آخر للآية وهو أن قوله: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ ورد بمعنى الاستفهام على سبيل الإنكار والتبعيد، وتقريره: فلما آتاهما صالحا، اجعلا له شركاء فيما آتاهما؟ ثم قال: ﴿فَتَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أي تعالى الله عن شرك هؤلاء المشركين الذين يقولون بالشرك، وينسبونه إلى آدم ﵇ (٢). وهذا كله على تسليم أن القصة من أولها إلى آخرها في حق آدم وحواء. وهناك من جعل الخطاب في الآية لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله ﵌، وهم آل قصي، إذ سمّى قصي وزوجته القرشيان أولادهما الأربعة بعبد مناف، وعبد العزى، وعبد قصي، وعبد اللات. وقال القفال: إنه تعالى ذكر هذه القصة على سبيل ضرب المثل، وبيان أن هذه الحالة صورة حالة هؤلاء المشركين في جهلهم، وقولهم بالشرك، على أساس أن المراد بالزوجين الجنس أي خلق كل واحد منكم من نفس واحدة أو جنس

стр. 2790

واحد، وجعل من جنسها زوجها إنسانا يساويه في الإنسانية. ثم فنّد الله تعالى آراء المشركين، ونقض الشرك من جذوره، فقال: ﴿أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً..﴾. أي أيشركون بالله شيئا لا يستطيع إطلاقا خلق أي شيء؟ أو أيشركون به من المعبودات ما لا يخلق شيئا، ولا يستطيع ذلك؟ وإنما الله هو الخالق لهم ولأولادهم ولكل مخلوق، كما قال: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ، إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً، وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ، وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ، ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج ٧٣/ ٢٢]. وهذه الأصنام مخلوقة مصنوعة، كما قال تعالى: ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً، وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [النحل ٢٠/ ١٦]. وهم لا يستطيعون لعابديهم تحقيق أي معونة أو نصر، بل إنهم لا يستطيعون نصر أنفسهم على من يعتدي عليهم بإهانة أو سب أو أخذ شيء مما عندهم من طيب أو حلي، فلا نصر لأنفسهم ممن أرادهم بسوء. وقال: يخلقون لأنهم اعتقدوا أن الأصنام تضر وتنفع، فأجريت مجرى الناس. فهذا كله إنكار من الله على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره من الأنداد والأصنام والأوثان، وهي مخلوقة لله، مربوبة، مصنوعة لا تملك شيئا من الأمر، ولا تضر ولا تنفع، ولا تسمع ولا تبصر، ولا تنتصر لعابديها، بل هي جماد لا تتحرك، وعابدوها أكمل منها بسمعهم وبصرهم وبطشهم. ثم ذكر الله تعالى أن هذه الأصنام لا تصلح تبعا فضلا عن أن تكون متبوعة، فقال: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى..﴾. أي وإن تدعوا هذه الأصنام إلى ما هو هدى ورشاد، أو إلى أن يهدوكم إلى ما تريدون تحقيقه، لا يستجيبون لكم ولا ينفعونكم، فهم في الحالين عديمو النفع، فإن تطلبوا منهم كما تطلبون من الله

стр. 2791

الخير والهدى، لا يتبعوكم إلى مرادكم وطلبكم، ولا يجيبوكم كما يجيبكم الله، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الأعراف ١٩٤/ ٧]. سواء لديكم دعاؤكم إياهم، أو سكوتكم عن دعائهم في أنه لا فلاح معهم، ولا خير يرتجى منهم، إذ هم لا يفهمون الدعاء، ولا يسمعون الأصوات، ولا يعقلون الكلام. ومثل من كانت هذه صفته، لا يصلح ربا معبودا، وإنما الرب الموجود المعبود هو السميع البصير، العليم الخبير، الناصر القادر، النافع من يعبده، الضار من يعصيه، الهادي إلى الرشاد، المنقذ من الردى، المجيب المضطر إذا دعاه. وعبر بالجملة الاسمية المفيدة للدوام والاستمرار: ﴿أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ﴾ بدلا عن الجملة الفعلية المشعرة بالتجدد المتكرر: «أم صمتم» لأنهم كانوا إذا حزبهم أمر، دعوا الله دون أصنامهم، كقوله: ﴿وَإِذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ﴾ فكانت حالهم المستمرة أن يكونوا صامتين عن دعوتهم، فقيل لهم: إن دعوتموهم، لم تفترق الحال بين إحداثكم دعاءهم، وبين ما أنتم عليه من الاستمرار على سكوتكم ومن عادة صمتكم عن دعائهم (١). أي فلا فرق بين تجديد دعاء الأصنام بفعل متجدد وبين الاستمرار والثبات على حال الصمت وعدم دعائها، وبذلك صلح عطف الجملة الاسمية على الجملة الفعلية الذي لا يجوز إلا لفائدة وحكمة. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - الناس في الأصل مخلوقون من نفس واحدة، المشهور أنها نفس آدم.

стр. 2792

وحواء مخلوقة من نفس آدم: وخلق منها زوجها على معنى أنه تعالى خلقها من ضلع من أضلاع آدم، وحكمة ذلك أن الجنس أميل إلى الجنس، والجنسية علة الضم واللقاء والألفة بين الرجل والمرأة. واستشكل الرازي هذا الكلام؛ فإن الله قادر على أن يخلق حواء خلقا مستقلا كما خلق آدم ابتداء، فلماذا يقال: إنه تعالى خلق حواء من جزء من أجزاء آدم؟ ثم رجح أن المراد من كلمة «من» في قوله: ﴿وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها﴾ خلق حواء من نوع آدم ومن جنسه في الإنسانية، وجعل زوج آدم إنسانا مثله (١). ٢ - من رحمة الله تعالى بالأم أن جعل خلق الجنين واكتمال الحمل على مراحل متدرجة من الأخف إلى الأثقل، كيلا تشعر بالثقل المفاجئ، ولتظل قائمة بأعمالها المعتادة دون إرهاق. ٣ - يفهم من ظاهر قوله تعالى: ﴿دَعَوَا اللهَ رَبَّهُما﴾ أن الحمل مرض من الأمراض، ولأجل عظم الأمر جعل موتها شهادة، كما ورد في حديث تعداد الشهداء الذي رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم: «الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغريق شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد، وصاحب الحريق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجمع شهيدة» أي تموت وفي بطنها ولد. فيكون حال الحامل في رأي الإمام مالك حال المريض في أفعاله بعد مضي ستة أشهر من الحمل، أي المريض مرض الموت، وهو الذي لا تنفذ تبرعاته من هبة ومحاباة في بيع إلا في ثلث ماله. وقال الأئمة الثلاثة: إنما يكون ذلك في الحامل بحال الطّلق، فأما قبل ذلك فلا؛ لأن الحمل عادة، والغالب فيه السلامة. ورد المالكية بقولهم: كذلك أكثر الأمراض غالبة السلامة، وقد يموت من لم يمرض.

стр. 2793

ويعد الزاحف في الصف للقتال والمحبوس للقتل في قصاص بمنزلة الحامل والمريض المخوف عليه، ما كان بتلك الحال، في رأي الإمام مالك، فلا يتبرع إلا في الثلث. ٤ - الأوثان لا تصلح للألوهية؛ لأنها مخلوقة، وغير قادرة على خلق شيء أو إيجاد نفع أو ضر فكيف يعبد ما لا يقدر على أن يخلق شيئا؟! والمقصود من الآية إقامة الحجة على أن الأوثان لا تصلح للألوهية. ٥ - ليس المراد من قوله تعالى: ﴿فَتَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ما ذكر من قصة إبليس مع آدم ﵇ السابق ذكرها؛ إذ لو كان المراد ذلك، لكانت هذه الآية غريبة عن تلك القصة غرابة كلية، وأدى الأمر إلى إفساد النظم والترتيب، وإنما المراد بها الرد على عبدة الأوثان، كما ذكر القفال، فهي بيان لخلق الرجل والمرأة من جنس واحد ومن أصل واحد في الإنسانية، ثم التنديد بفعل بعض الأزواج، فلما تغشى الزوج زوجته (واقعها) وظهر الحمل، دعا الزوجان ربهما لئن آتيتنا ولدا صالحا سويا، ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ نعمائك، فلما آتاهما الله ولدا صالحا سويا، جعلا لله ﴿شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾؛ لأن الأزواج تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع، كما هو قول الطبيعيين، وتارة إلى الكواكب، كما هو قول الفلكيين، وتارة إلى الأصنام والأوثان، كما هو قول عبدة الأصنام. ٦ - احتج أهل السنة بقوله: ﴿أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً، وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ على أن العبد لا يخلق ولا يوجد أفعاله، وإنما الذي يخلق هو الإله، فلو كان العبد خالقا لأفعال نفسه، كان إلها. ٧ - دل قوله: ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً..﴾. على أن الأصنام لا تنصر من أطاعها، ولا تنتصر ممن عصاها. والمعبود يجب أن يكون قادرا على إيصال النفع، ودفع الضرر، وهذه الأصنام عاجزة عن ذلك، فكيف يليق بالعاقل عبادتها؟!

стр. 2794

٨ - ودل قوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ على أنه أيضا لا علم للأصنام بشيء من الأشياء، فلا يتصور منها الاتباع إذا دعيت إلى الخير، فكيف تصلح أن تكون معبودة؟! والخلاصة: إن هذه الأصنام لا تسمع دعاء من دعاها، وسواء لديها من دعاها ومن أهملها، كما قال إبراهيم: ﴿يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ [مريم ٤٢/ ١٩]. واقع الأصنام والأوثان المعبودة ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ اُدْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (١٩٨)﴾ الإعراب: ﴿عِبادٌ أَمْثالُكُمْ﴾ عباد خبر ﴿إِنَّ﴾ مرفوع، و ﴿أَمْثالُكُمْ﴾: صفة، وجاز أن يكون وصفا للنكرة، وإن كان مضافا إلى المعرفة؛ لأن الإضافة في نية الانفصال، وأنه لا يتعرف بالإضافة، للشيوع الذي فيه. وقرأ سعيد بن جبير: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ﴾ بتخفيف ﴿إِنَّ﴾

стр. 2795

ونصب: ﴿عِبادٌ أَمْثالُكُمْ﴾، والمعنى: ما الذين ﴿تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ عبادا أمثالكم، على إعمال: إن عمل ما الحجازية، وهو مذهب المبرد. وأما مذهب سيبويه فهو إهمالها. البلاغة: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ هذا إطناب يراد به زيادة التقريع والتوبيخ. والاستفهام في المواضع المختلفة استفهام إنكار، أي ليس لهم شيء من ذلك مما هو لكم، فكيف تعبدونهم وأنتم أتم حالا منهم؟! المفردات اللغوية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ أي تعبدونهم وتسمونهم آلهة ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾. وأصل الدعاء: النداء، ويقصد به غالبا دفع ضرر أو جلب خير. ﴿عِبادٌ﴾ مملوكة لله ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ دعاءكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في أنها آلهة ﴿يَبْطِشُونَ﴾ يضربون ويصولون بها. ﴿اُدْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ إلى هلاكي ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ تمهلون، فإني لا أبالي بكم. ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ﴾ أي متولي أموري ﴿نَزَّلَ الْكِتابَ﴾ القرآن ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ﴾ من عباده بحفظه فضلا عن أنبيائه ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ﴾ أي الأصنام ﴿وَتَراهُمْ﴾ أي الأصنام يا محمد ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ أي يقابلونك كالناظر، فهم يشبهون الناظرين إليك؛ لأنهم صوروا بصورة من ينظر إلى من يواجهه. المناسبة: هذه الآيات تأكيد لما سبق بيانه أن الأصنام لا تصلح للألوهية، بقصد غرس التوحيد في القلوب، واستئصال جذور الشرك من النفوس. التفسير والبيان: إن تلك الأصنام التي تعبدونها وتسمونها آلهة من دون الله، وتدعونها لدفع الضر أو جلب النفع هم عباد أو عبيد مثل عابديها، في كونهم مخلوقات لله مثلهم، خاضعون لإرادته وقدرته، بل الأناس أكمل منها؛ لأنها تسمع وتبصر وتبطش، وتلك لا تفعل شيئا من ذلك. وإذا كانت على هذا النحو فكيف يصح عقلا

стр. 2796

تقديسها وعبادتها من مخلوق مثلها، بل أسمى وأكمل منها؟ وإنما الذي يستحق العبادة هو الرب الخالق الذي خضعت له جميع الكائنات، ودانت له الأسباب. وكيف تترك رسالة بشر خصه بالعلم والمعرفة، وازدانت عقيدته بالحق والنور والفائدة العظمى، وتعبد حجارة من دون الله، لا تضر ولا تنفع؟ وإن كنتم صادقين في تأليههم، واستحقاقهم العبادة، والتماس النفع أو الضر منهم، فادعوهم واطلبوا منهم طلبا ما، فليستجيبوا لكم دعاءكم، إما بأنفسهم، وإما بتوسطهم عند الله. ومعنى هذا الدعاء: طلب المنافع، وكشف المضار من جهتهم. واللام في قوله ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا﴾ لام الأمر، على معنى التعجيز، والمعنى أنه لما ظهر لكل عاقل أنها لا تقدر على الإجابة، ظهر أنها لا تصلح للعبادة. وقوله: ﴿عِبادٌ أَمْثالُكُمْ﴾ استهزاء بهم، أي قصارى أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء، فإن ثبت ذلك، فهم عباد أمثالكم، لا تفاضل بينكم. وصفت الأصنام بأنها عباد، وأشير إليها بضمير العقلاء في قوله: ﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ ولم يقل: التي، مع أنها جمادات غير عاقلة، إنزالا لها منزلة العقلاء بحسب اعتقاد المشركين أنها تضر وتنفع، فتكون عاقلة فاهمة، فوردت الألفاظ على وفق معتقداتهم. ثم ترقى القرآن في الجواب عليهم، وأبطل أن يكونوا عبادا أمثالهم، وأثبت أنهم ليسوا أمثالهم، بل أدنى منهم رتبة، فذكر أعضاء أربعة هي الأرجل والأيدي والأعين والآذان، وكلها معطلة القوة والحركة والإدراك، مع أن هذه الأعضاء إن كان فيها هذه القوى فهي وسائل الكسب في الحياة. فليس للأصنام أرجل يمشون بها إلى جلب نفع أو دفع ضر، وليس لهم أيد يبطشون بها ويصولون بها لتحقيق ما ترجون منهم من خير، أو تخافون من شر، وليس لهم أعين يبصرون بها أحوالكم، ولا آذان يسمعون بها نداءكم وكلامكم وفهم

стр. 2797

مطالبكم، فهم ليسوا مثلكم، بل دونكم في التكوين والصفات والقوى، ومن يخلو من منافع هذه الأعضاء، لا يستحق العبادة، فإن الإنسان أفضل بكثير من هذه الأصنام، بل لا تصح المقارنة بين مزايا الإنسان وهذه الأصنام، إذ هم حجارة صماء، أو طين وماء، أو عجوة أو حلاوة كصنم بني حنيفة. أكلت حنيفة ربها... عام التقحم والمجاعة ومع كل هذا أمر النبي ﵌ بأن يتحداهم، ويدعوهم للاختبار العملي، فقيل له: قل يا محمد الرسول لهؤلاء الوثنيين: نادوا شركاءكم وآلهتكم من دون الله، واستنصروا بها علي، وتعاونوا على كيدي، فلا تؤخروني طرفة عين، وابذلوا جهدكم، وأوقعوا الضرر بي كيف شئتم، ولا تمهلون ساعة من نهار، أنتم وشركاؤكم، فلا أبالي بكم. ولا يقول هذا إلا واثق بعصمة الله، وكانوا قد خوفوه آلهتهم. وهذا رد على تهديدهم وقولهم: إنا نخاف عليك من آلهتنا!! ثم أعلن الرسول ثقته الكبرى بالله وتحقيره هذه المعبودات، مع قلة الأعوان والنصراء في مكة فقال بتعليم الله: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ..﴾. أي الله حسبي وكافيني، وهو نصيري وناصري عليكم، ومتولي أمري في الدنيا والآخرة، وعليه اتكالي، وإليه ألجأ، وهو الذي نزل علي القرآن الذي يدعو إلى التوحيد، وينبذ الشرك، وأعزني برسالته، وهو الذي يتولى كل صالح بعدي، وهو كل من صلحت عقيدته، وسلمت من الخرافات والأوهام، وصلحت أعماله، ومن عادته تعالى أن ينصر الصالحين من عباده وأنبيائه، ولا يخذلهم. أما المشرك فوليه الشيطان: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ﴾ [البقرة ٢٥٧/ ٢]. ومناسبة هذه الآية: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ﴾ لما قبلها أنه تعالى لما بيّن في الآيات المتقدمة أن هذه

стр. 2798

الأصنام لا قدرة لها على النفع والضر، بيّن بهذه الآية أن الواجب على كل عاقل عبادة الله تعالى؛ لأنه هو الذي يتولى تحصيل منافع الدين ومنافع الدنيا، أما الأولى فبسبب إنزال الكتاب وأما الثانية فبسبب تولي الصالحين. ثم أكد تعالى ما تقدم من خيبة الأصنام في تحقيق النصر فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ..﴾. بصيغة الخطاب، وذاك بصيغة الغيبة، أي إن الذين تعبدونهم وتدعونهم من دون الله لنصركم ودفع الضر عنكم عاجزون، لا يستطيعون نصركم، ولا نصر أنفسهم ضد من يحقرهم أو يسلبهم شيئا مما يوضع عليهم من طيب أو حلي، أو يريدهم بسوء. فقد كسّر إبراهيم ﵇ الأصنام وأهانها غاية الإهانة فما دفعت عن نفسها الأذى ولا انتقمت منه، كما أخبر تعالى عنه في قوله: ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات ٩٣/ ٣٧] وقال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلاّ كَبِيراً لَهُمْ، لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء ٥٨/ ٢١]. وروي عن معاذ بن جبل ومعاذ بن عمرو بن الجموح ﵄-وكانا شابين من الأنصار قد أسلما، لمّا قدم رسول الله ﵌ المدينة-أنهما كانا يعدوان في الليل على أصنام المشركين يكسرانها ويتلفانها ويتخذانها حطبا للأرامل، ليعتبر قومهما بذلك، ويرتئوا لأنفسهم رأيا آخر. وكان لعمرو بن الجموح-وكان سيد قومه-صنم يعبده ويطيبه، فكانا يجيئان في الليل، فينكسانه على رأسه، ويلطخانه بالعذرة، فيجيء عمرو بن الجموح، فيرى ما صنع به، فيغسله ويطيبه، ويضع عنده سيفا، ويقول له: انتصر، ثم يعودان لمثل ذلك، ويعود إلى صنيعه أيضا، حتى أخذاه مرة، فقرناه مع كلب ميت، ودلياه في حبل في بئر هناك، فلما جاء عمرو، ورأى ذلك نظر فعلم أن ما كان عليه من الدّين باطل، وقال:

стр. 2799

تالله لو كنت إلها مستدن... لم تك والكلب جميعا في قرن ثم أسلم وحسن إسلامه، وقتل يوم أحد شهيدا ﵁ (١). وكما هم عاجزون عن النصرة عاجزون عن الإرشاد والهداية، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا﴾ أي وإن تدعوا هذه الأصنام إلى أن يهدوكم إلى سواء السبيل وتحقيق النصر، لا يسمعوا دعاءكم، فضلا عن المساعدة والمعونة والإمداد، وتراهم أيها المخاطب المتأمل يقابلونك بعيون مصوّرة صناعية، وهي جماد لا تبصر شيئا، ولا تدرك المرئي؛ لأن لهم صورة الأعين، وهم لا يرون بها شيئا، فهم فاقدو السمع والبصر، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ، وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر ١٤/ ٣٥]. وإذ فقدوا السّمع والبصر، فكيف يرجى منهم نصر أو عون، وكيف يخاف منهم إحداث ضرر أو أذى لمن يحتقرهم، وكيف يليق بكم أن تتخذوهم آلهة؟! فقه الحياة أو الأحكام: الآيات محاجّة في عبادة الأصنام، وتأكيد لما سبق من بيان عدم أي جدوى من تلك العبادة، وقد دلّت على ما يأتي: ١ - يقبح من الإنسان العاقل أن يشتغل بعبادة هذه الأصنام المعطلة القوى المحركة والمدركة، لفقدها الأرجل والأيدي والأعين والآذان؛ لأن المعبود يتّصف بهذه القوى وغيرها، والإنسان الذي يعبدها أفضل منها بكثير، بل لا مجال للمقارنة بينه وبينها أصلا، فكيف يليق بالأفضل الأكمل الأشرف أن يشتغل بعبادة الأخس الأدون، الذي لا يحس منه فائدة البتة، لا في جلب المنفعة، ولا في دفع المضرة؟! فهي ليست عبادا أمثال الإنسان، وإنما هي حجارة وخشب، فأنتم تعبدون ما أنتم أشرف منه.

стр. 2800

٢ - الإنسان أفضل وأكمل حالا من الصنم؛ لأن له رجلا ماشية، ويدا باطشة، وعينا باصرة، وأذنا سامعة، وليس للصنم شيء من ذلك. ٣ - كيف تحسن عبادة من لا يقدر على النفع والضرر؟! فليس للأصنام قدرة على النفع والضرر، لا لنفسها ولا لغيرها، ولا تستطيع نصرة أحد. ٤ - إن تخويف المشركين الرّسول ﵌ بآلهتهم عبث وهدر، فقد دعاهم إلى مكايدته وإضراره دون إمهال، فخابوا وخسروا هم وشركاؤهم. ٥ - إن متولي أمور النّبي ﵌ في الدنيا والآخرة بنصره وحفظه هو الله تعالى الذي يتولّى الصّالحين من عباده ويحفظهم. جاء في صحيح مسلم عن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﵌ جهارا غير سرّ يقول: «ألا إنّ آل أبي-يعني فلانا-ليسوا لي بأولياء، إنما وليّي الله وصالح المؤمنين». ٦ - الواجب على العاقل عبادة الله تعالى؛ لأنه هو الذي يحقق له منافع الدين بإنزال الكتاب المشتمل على العلوم العظيمة في الدّين، ومنافع الدّنيا بتولّي الصالحين من عباده وحفظه لهم ونصرته إياهم، فلا تضرّهم عداوة من عاداهم. وما أروع ذلك الموقف العملي للخليفة العادل عمر بن عبد العزيز بالاستدلال بهذه الآية، فإنه ما كان يدّخر لأولاده شيئا، فقيل له فيه، فقال: ولدي إما أن يكون من الصالحين، أو من المجرمين، فإن كان من الصالحين فوليّه الله، ومن كان الله له وليّا، فلا حاجة له إلى مالي، وإن كان من المجرمين، فقد قال تعالى: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ومن ردّه الله لم أشتغل بإصلاح مهماته. ٧ - كرر الله تعالى وصف الأصنام بأنها عاجزة عن نصر عابديها، ونصر أنفسها، وفائدة التكرار أن المعنى الأول مذكور على جهة التقريع، وهذا مذكور على جهة

стр. 2801

الفرق بين من تجوز له العبادة، وبين من لا تجوز، فالإله المعبود هو الذي يتولّى الصالحين، أي يحفظهم، وهذه الأصنام لا تتولى أحدا، فلا تصلح للألوهية. ٨ - الأصنام جمادات مصنوعة، ركبت لها حدق عيون من معادن أو جواهر برّاقة، كأنها ناظرة، وهي جماد لا تبصر، فلذلك قال: ﴿وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ وقد عاملها معاملة من يعقل وعبّر عنها بضمير العاقل؛ لأنها على صورة مصورة كالإنسان. وقال السّدي ومجاهد: المراد بهذا المشركون. قال ابن كثير: والأول أولى، وهو قول قتادة، واختاره ابن جرير. أصول الأخلاق الاجتماعية ومقاومة الشيطان ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) إِنَّ الَّذِينَ اِتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾ الإعراب: ﴿وَإِمّا﴾ فيه إدغام نون: إن الشرطية في «ما» المزيدة. ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ فعل أمر، وهو جواب الشرط، وجواب الأمر محذوف، أي يدفعه عنك. ﴿إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ﴾ فعل وفاعل، و ﴿طائِفٌ﴾: اسم فاعل من طاف. وقرئ: طيف مخففا من طيّف، وهو فعل من طاف، كما خفف سيّد وميّت. ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ فعل مضارع من «مدّ» وهو ثلاثي، وقرئ بالضم على جعله مضارعا. أمد وهو رباعي. وقيل: مدّ في الخير والشّر، وأمدّ في الشّرّ خاصة.

стр. 2802

﴿وَإِخْوانُهُمْ﴾ جمع الضمير في هذه الكلمة والشيطان مفرد؛ لأن المراد به الجنس، كقوله: ﴿أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾. البلاغة: ﴿يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ النزغ: إدخال الإبرة ونحوها في الجلد، وفيه استعارة؛ لأنه شبّه وسوسة الشيطان وإغراءه الناس على المعاصي بالنزغ. المفردات اللغوية: ﴿الْعَفْوَ﴾ اليسر من أخلاق الناس، ولا تبحث عنها، والمعنى: خذ ما عفا وتيسر من أخلاق الناس. ﴿بِالْعُرْفِ﴾ المعروف. ﴿يَنْزَغَنَّكَ﴾ يصيبنّك، أو يصرفنّك، والنزغ كالنّخس: إصابة الجسم بشيء محدد كالإبرة ونحوها، والمراد منه هنا: وسوسة الشيطان. ﴿فَاسْتَعِذْ﴾ أي الجأ إليه وتذكره. ﴿مَسَّهُمْ طائِفٌ﴾ أصابهم شيء ألم بهم، أي وسوسة ما. ﴿تَذَكَّرُوا﴾ عقاب الله وثوابه. ﴿فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ الحق من غيره، فيرجعون. ﴿وَإِخْوانُهُمْ﴾ أي الشياطين من الكفار. ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ﴾ يعاونهم الشياطين في الضلال. ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ لا يكفّون عن إغوائهم، بالتّبصر كما تبصّر المتقون. والإقصار: التقصير. المناسبة: لما بيّن الله تعالى فيما سبق أن الله هو الذي يتولّى نبيّه والمؤمنين الصالحين بالحفظ والتّأييد، وأن الأصنام وعابديها لا يقدرون على الإيذاء والإضرار، بيّن في هذه الآية ما هو المنهج القويم والصراط المستقيم في معاملة الناس، وهي آية تشمل أصول الفضائل، فهي من أسس التشريع التي تلي أصول عقيدة التّوحيد المبيّنة بأتمّ بيان. ثم أعقب ذلك بوصية وقائية، وهي اتّقاء وساوس الشياطين من الجنّ، بعد الأمر بالإعراض عن الجاهلين السفهاء، اتّقاء لشرّ الفريقين.

стр. 2803

التفسير والبيان: جمعت الآية الأولى أصول الفضائل الثلاث وهي: ١ - الأخذ بالعفو: وهو السّهل من أخلاق الناس وأعمالهم، دون تكليفهم بما يشق عليهم ومن غير تجسّس، وإنما يؤخذ بالسّمح السّهل، واليسر دون العسر، كما ورد في الحديث الذي أخرجه أحمد والشّيخان والنّسائي عن أنس بن مالك عن النّبي ﵌: «يسّروا ولا تعسّروا، وبشّروا ولا تنفّروا». ويدخل في العفو: صلة القاطعين أرحامهم، والعفو عن المذنبين، والرّفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطيعين. وهذا هو الصّنف الأول من الحقوق التي تستوفي من الناس وتؤخذ منهم بطريق المساهلة والمسامحة، ويشمل ترك التّشدد في كل ما يتعلّق بالحقوق المالية، والتّخلّق مع الناس بالخلق الطّيّب، وترك الغلظة والفظاظة، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران ١٥٩/ ٣] ومن هذا القسم: الدّعوة إلى الدّين الحق بالرّفق واللطف، كما قال تعالى: ﴿وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النّحل ١٢٥/ ١٦]. والخلاصة: إن المراد بالعفو: الأخذ باليسر والسّماحة ودفع الحرج والمشقة عن الناس في الأقوال والأفعال، وما خيّر ﵌ بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما، كما أخرج الترمذي ومالك. ٢ - الأمر بالعرف وهو المعروف والجميل من الأفعال: وهو كل ما أمر به الشرع، وتعارفه الناس من الخير، واستحسنه العقلاء، فالمعروف: اسم جامع لكل خير من طاعة وبرّ وإحسان إلى الناس. وهذا هو النوع الثاني من الحقوق التي لا يجوز التّساهل والتّسامح فيه، ويراد به ما هو معهود بين الناس في المعاملات والعادات. ولا يذكر المعروف في القرآن إلا في الأحكام المهمة، مثل

стр. 2804

قوله تعالى في وصف الأمّة الإسلامية: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران ١٠٤/ ٣]. وفي تبيان الحقوق الزّوجية: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة ٢٢٨/ ٢]، وفي الحفاظ على رباط الزّوجية: ﴿فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ﴾ [البقرة ٢٢٩/ ٢]، ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة ٢٣١/ ٢]. ٣ - الإعراض عن الجاهلين: ويتمثل بعدم مقابلة السّفهاء والجهّال بمثل فعلهم، وترك معاشرتهم وصيانة النّفس عنهم، وعدم مماراتهم والحلم عنهم، والصّبر على سوء أخلاقهم والغضّ على ما يسوءك منهم. فإذا تكلّم الجاهل الأحمق بما يسوء الإنسان، فليعرض عنه، ويقابله بالعفو والصّفح، لقوله تعالى في وصف المؤمنين: ﴿وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ، وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ، وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران ١٣٤/ ٣]، وقوله تعالى في فضيلة العفو: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى، وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة ٢٣٧/ ٢]. هذه المبادئ الثلاثة هي أصول الفضائل ومكارم الأخلاق فيما يتعلّق بمعاملة الإنسان مع الغير. قال عكرمة: لما نزلت هذه الآية، قال ﵊: «يا جبريل، ما هذا؟ قال: إنّ ربّك يقول: هو أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك». وروى الطّبري وغيره عن جابر مثل ذلك. وقال جعفر الصادق ﵁: «أمر الله نبيّه ﵊ بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها». وقال عبد الله بن الزّبير: والله ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق النّاس. وقد روي عن النّبي ﵌ أنه قال فيما رواه الترمذي: «أثقل شيء في الميزان: خلق حسن تام».

стр. 2805

وناسب الأمر بالإعراض عن الجاهلين وهم السّفهاء اتّقاء لشرّهم، الأمر بالاستعاذة من الشّياطين، تجنّبا للوقوع في مفاسدهم وشرورهم، فقال تعالى: ﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ..﴾. أي وإما يعرض لك الشّيطان بوسوسته، وينخس في قلبك بحملك على خلاف ما أمرت به، ويحاول إيقاعك في المعاصي، أو يغضبنك من الشيطان غضب يصدّك عن الإعراض عن الجاهل، ويحملك على مجازاته، بجعلك ثائرا هائجا، فالجأ إلى الله واطلب النّجاة من ذلك بالله، واستجر بالله من نزغه، واذكر الله في القلب واللسان، يصرف عنك وسوسة الشيطان، والله سميع للقول من جهل الجاهلين والاستعاذة بالله من نزغ الشيطان (وسوسته) ولغير ذلك من كلام خلقه، لا يخفى عليه منه شيء، عليم بالفعل، وبما يذهب عنك نزغ الشيطان وغير ذلك من أمور خلقه. والاستعاذة مطلوبة عند تلاوة القرآن في قوله تعالى: ﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا، وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النّحل ٩٨/ ١٦ - ٩٩]. والخطاب في آية ﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ ونحوها موجّه إلى كلّ المكلّفين، وأوّلهم الرّسول ﵌. ويدأب الشّيطان على إلقاء وساوسه في قلب كلّ إنسان، روى مسلم عن عائشة وابن مسعود أنّ النّبي ﵌ قال: «ما منكم من أحد إلا وقد وكّل به قرينه من الجنّ، قالوا: وإيّاك يا رسول الله؟ قال: وإيّاي إلا أن الله أعانني عليه، فأسلم منه». ثم أوضح الله تعالى طريق التخلّص من وساوس الشّيطان، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا..﴾. أي إن عباد الله المتقين، الذين أطاعوه فيما أمر، وتركوا عنه ما زجر، إذا أصابهم طائف من الشيطان، أي ألّمت بهم لمّة منه، تذكّروا ما أمر الله به ونهى عنه، وذكروا عقاب الله وجزيل ثوابه، ووعده ووعيده، فأبصروا السّداد، وعرفوا طريق الحقّ والخير، ودفعوا ما وسوس به الشّيطان إليهم، ولم
следующие страницы →