فأخذ رسول الله ﵌ بقول أبي بكر، ففاداهم فنزل: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ فقال رسول الله: إن كاد ليمسّنا في خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم، ولو نزل العذاب ما أفلت إلا عمر».
فهذه الروايات تدل بالاتفاق على أن النبي ﵌ أخذ برأي أبي بكر، وقبل الفداء من أسرى بدر، وتذكر الرواية الثانية والرابعة أن القرآن نزل تشريعه موافقا لرأي عمر، وتنفرد الرواية الثانية عند الترمذي أن نزول الآية كان بسبب أخذ الغنائم قبل أن تحل لهم.
وفي رواية خامسة عند ابن أبي شيبة والترمذي وابن مردويه والبيهقي عن الأعمش عن ابن مسعود توضيح أكثر، يجعل الآراء ثلاثة، قال: لما كان يوم بدر وجيء بالأسرى، قال رسول الله ﵌: ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله، قومك وأصلك استبقهم واستأن بهم لعل الله يتوب عليهم. وقال عمر: كذبوك وأخرجوك، فقدمهم فاضرب أعناقهم. وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، انظر واديا كثير الحطب، فأدخلهم فيه، ثم أضرم عليهم نارا، فقال العباس: قطعت رحمك، فسكت رسول الله ﵌ ولم يجبهم.
ثم دخل، فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله، ثم خرج عليهم فقال: إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدّد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة. وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي، وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم ٣٦/ ١٤] وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ، فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة ١١٨/ ٥]. وإن مثلك يا عمر كمثل موسى قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ،
стр. 2977
وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس ٨٨/ ١٠] ومثلك يا عمر كمثل نوح قال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً﴾ [نوح ٢٦/ ٧١].
ثم قال رسول الله ﵌: أنتم اليوم عالة، أنتم اليوم عالة، فلا ينفلتنّ منهم أحد، إلا بفداء أو ضرب عنق؟ قال ابن مسعود: فأنزل الله :
﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآيات (١).
وتنفرد رواية سادسة ذكرها مسلم وأحمد عن عكرمة بن عمارة عن ابن عباس في وصف حال النبي ﵌ وصاحبه أبي بكر بعد نزول الآية، وتصرح بأن الذين اختاروا الفداء كثيرون، قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر والتقوا، فهزم الله المشركين، وقتل منهم سبعون رجلا، وأسر سبعون رجلا، استشار رسول الله ﵌ أبا بكر وعمر وعليا، فقال أبو بكر: يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديهم، فيكونوا لنا عضدا. فقال رسول الله ﵌: ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: قلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أن تمكنني من فلان قريب لعمر فأضرب عنقه، وتمكّن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكّن حمزة من فلان أخيه، فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليس في قلوبنا موادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم، فهوي رسول الله ﵌ ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، فأخذ منهم الفداء.
فلما كان من الغد، قال عمر: غدوت إلى النبي ﵌، فإذا هو قاعد، وأبو بكر الصديق، وإذا هما يبكيان، فقلت: يا رسول الله، أخبرني، ماذا يبكيك أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت؟
стр. 2978
فقال النبي ﵌: أبكي للذي عرض على أصحابك من الفداء، لقد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة، لشجرة قريبة، وأنزل الله : ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أي من الفداء وهذه الرواية أجمع الروايات وأصحها وأولاها بالاحتجاج بها.
والخلاصة: كان الأولى قتل الأسرى، وكان أخذ الفداء باجتهاد النبي ﵌، وكل اجتهاد عرضة للخطأ والصواب، لكن اجتهاد المصطفى لا يقر فيه على الخطأ.
روى ابن المنذر عن قتادة قال: أراد أصحاب محمد الفداء يوم بدر، ففادوهم بأربعة آلاف، أربعة آلاف. وفي مصنف أبي داود عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﵌ جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة.
نزول الآية (٧٠):
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ﴾: روى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال: قال العباس: فيّ والله نزلت حين أخبرت رسول الله ﵌ بإسلامي، وسألته أن يحاسبني بالعشرين أوقية التي وجدت معي، فأعطاني بها عشرين عبدا، كلهم تاجر بمالي في يده، مع ما أرجو من مغفرة الله.
وفي رواية أخرى أكثر إيضاحا،
قال الكلبي في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى﴾ الآية: نزلت في العباس بن عبد المطلب، وعقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث، وكان العباس أسر يوم بدر، ومعه عشرون أوقية من الذهب، كان خرج بها معه إلى بدر ليطعم بها الناس، وكان أحد العشرة الذين ضمنوا إطعام أهل بدر، ولم يكن بلغته التّوبة حتى أسر، فأخذت معه وأخذها رسول الله ﵌ منه، قال:
стр. 2979
فكلمت رسول الله ﵌ أن يجعل لي العشرين أوقية الذهب التي أخذها مني من فدائي، فأبى عليّ وقال: أما شيء خرجت تستعين به علينا فلا، وكفلني فداء ابن أخي عقيل بن أبي طالب عشرين أوقية من فضة، فقلت له: تركتني والله أسأل قريشا بكفي، والناس، ما بقيت. قال: فأين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل مخرجك إلى بدر، وقلت لها: إن حدث بي حدث في وجهي هذا، فهو لك ولعبد الله والفضل وقثم، قال: قلت: وما يدريك؟ قال: أخبرني الله بذلك، قال: أشهد أنك لصادق، وإني قد دفعت إليها ذهبا، ولم يطلع عليها أحد إلا الله، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله.
قال العباس: فأعطاني الله خيرا مما أخذ مني، كما قال: عشرين عبدا، كلهم يضرب بمال كبير، مكان العشرين أوقية، وأنا أرجو المغفرة من ربي (١).
وروى أبو الشيخ ابن حيان عن ابن عباس: أن العباس وأصحابه قالوا للنبي ﵌: آمنا بما جئت به، ونشهد أنك رسول الله، فنزل: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً﴾ الآية.
المناسبة:
الآيات متصلة بما قبلها في بيان الأحكام الحربية بمناسبة غزوة بدر، فهي لتبيان حكم آخر من أحكام الجهاد في حق النبي ﵌، وهو حكم الأسرى في مبدأ قيام الدولة الإسلامية وهو القتل.
التفسير والبيان:
ما صح لنبي وما استقام له وما كان شأنه الذي ينبغي أن يكون له أسرى يختار فيهم إما المنّ أو الفداء في مبدأ أمره حتى يكثر القتل في الكفار ويبالغ
стр. 2980
فيه، لإظهار عزة الإسلام والمسلمين. وإرهاب الدولة أعداءها، واشتداد أمرها، فلا يتجرأ على النيل منها أحد، ولا يقدم على إضعافها والتجسس عليها أحد من الأسرى الذين تركوا يعودون لديارهم بفداء مالي.
فالذين يرون قبول الفداء إنما يريدون الحصول على عرض الدنيا (١) أي حطام الدنيا الفاني، والله يريد لكم ثواب الآخرة الدائم وما هو سبب الجنة بما يشرعه لكم من الأحكام المؤدية إليه، ومنها الإثخان في القتل في الأرض، وإعزاز الدين، والقضاء على الأعداء، لإعلاء كلمة الحق، وإقامة العدل، وإقرار النظام الأصلح للبشرية.
والله عزيز يغلّب أولياءه على أعدائه، ويمكنهم منهم قتلا وأسرا، حكيم في أفعاله وأوامره، يشرع لكل حال ما يليق به، ويخصه به، كالأمر بالإثخان ومنع أخذ الفداء حين كانت الشوكة والقوة للمشركين، وبذلك تتحقق عزة المؤمنين كما قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨/ ٦٣].
لولا كتاب من الله سبق أي لولا حكم من الله سبق إثباته في اللوح المحفوظ (٢): وهو أنه لا يعاقب المخطئ في اجتهاده؛ لأن أصحاب هذا الرأي نظروا ورأوا أن استبقاءهم ربما كان سببا في إسلامهم وتوبتهم، وأن فداءهم يتقوّى به على الجهاد في سبيل الله، وخفي عليهم أن قتلهم أعز للإسلام، وأهيب لمن وراءهم، وأضعف لشوكتهم.
وقيل: إن الحكم الذي سبق هو ألا يعذب أهل بدر فهم مغفور لهم، أو ألا يعذب قوما إلا بعد تأكيد الحجة والبيان، والتصريح المتقدم بالنهي عن الفداء، ولم يكن قد تقدم نهي عن ذلك، أو أنهم استعجلوا في استباحة الغنائم، ولم تكن قد أحلت لهم، والله تعالى سيحلها لهم.
стр. 2981
لولا هذا الحكم الإلهي السابق إبرامه لنالكم أيها المؤمنون فيما أخذتم من الفداء عذاب عظيم وقعة، شديد هوله. وفي هذا تهويل لخطر ما فعلوا.
وبعد أن عاتبهم الله تعالى على أخذ الفداء، أباحه لهم وجعله من جملة الغنائم المباحة التي أبيحت لهم في مطلع السورة، فقال: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ..﴾. أي أبحت لكم الغنائم فكلوا مما غنمتم من الفدية، حال كونه حلالا لكم، طيبا بنفسه لا حرمة فيه لذاته، كحرمة الدم ولحم الخنزير، أو كلوه أكلا حلالا لا شبهة فيه.
والفائدة إزاحة ما وقع في نفوسهم من أكل الفداء بسبب تلك المعاتبة أو حرمة الغنائم على الأولين.
واتقوا الله في مخالفة أوامره، ولا تعودوا لشيء من المخالفة لأمره ونهيه، ولا ترتكبوا المعاصي بعد ذلك، إن الله غفور لذنوبكم بأخذ الفداء، رحيم بكم بإباحته لكم ما أخذتم، ومن رحمته: قبوله التوبة عن عباده وعفوه عن السيئات.
والخلاصة: أن مفاداة الأسرى أو المنّ عليهم بإطلاق سراحهم لا يكون إلا بعد توافر الغلبة والسلطان على الأعداء، وإظهار هيبة الدولة في وجه الآخرين.
وبعد أن أخذ النبي ﵌ الفداء من الأسرى، وشق عليهم أخذ أموالهم منهم، أنزل هذه الآية: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ..﴾. استمالة لهم، وترغيبا لهم في الإسلام ببيان ما فيه من خيري الدنيا والآخرة، وتهديدا وإنذارا لهم إذا بقوا على الكفر.
ومعنى الآية: يا أيها النبي قل لمن وقع في أيديكم من أسرى المشركين الذين أخذتم منهم الفداء: إن يعلم الله في قلوبكم الآن أو في المستقبل إيمانا وإخلاصا وحسن نية وعزما على طاعة الله والرسول في جميع التكاليف، والتوبة عن الكفر، وعن جميع المعاصي، ومنها العزم على نصرة الرسول والتوبة عن محاربته، يؤتكم
стр. 2982
خيرا مما أخذ منكم من الفداء، ويغفر لكم ما كان منكم من الشرك والسيئات، والله غفور لمن تاب عن المعاصي، رحيم بالمؤمنين، فهو يمدهم بعنايته وتوفيقه وإسعاده.
قال ابن عباس: الأسرى في هذه الآية العباس وأصحابه، قالوا للنبي ﵌:
آمنا بما جئت به، ونشهد أنك رسول الله، لننصحنّ لك على قومك، فنزلت هذه الآية.
وفي هذا حض على إعلان الإسلام وقبول دعوته. وإن يريدوا أي الأسرى خيانتك يا محمد بإظهار الإسلام والمسالمة، ثم نقض ما عاهدوك عليه، فلا تخف من خيانتهم، فإنهم قد خانوا الله من قبل بدر بالكفر، ونقض ميثاقه الذي أخذه على البشر في قوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى﴾ [الأعراف ١٧٢/ ٧]، وأقام الأدلة الكونية والعقلية عليه، وآتاهم من العقل الذي يرشد المتأمل بحق إلى الإقرار بوحدانية الله تعالى.
فأمكن منهم، أي فأمكنك منهم يوم بدر، وإن عادوا إلى الخيانة فسيمكّنك منهم، ويسلطك عليهم فتهزمهم.
والله عليهم بنو إياهم، حكيم في تدبيره وصنعه، فينصر المؤمنين على الكافرين.
وفي هذا تسلية للنبي ﵌ بوعده بالنصر، ووعيده لهم بالهزيمة؛ لأن الله مطلع على كل شيء في الوجود، ومهيمن على جميع البشر، وقادر على تحقيق ما يريد.
فقه الحياة أو الأحكام:
آية: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ﴾ نزلت يوم بدر، عتابا من الله لأصحاب
стр. 2983
نبيه ﵌. والمستفاد منها أنه ما كان ينبغي لكم أن تفعلوا هذا الفعل الذي أوجب أن يكون للنبي أسرى قبل الإثخان أي القتل والتخويف الشديد.
وهذه الآية إحدى موافقات الوحي لرأي عمر، وقد بلغت بضعا وثلاثين.
ولقد كان هذا الحكم مناسبا لبدء قيام الدولة الإسلامية، ولا شك أن لكل دولة في بداية تأسيسها أحكاما وظروفا وقتية، تستدعيها المصلحة واستكمال قيام الدولة، وهذا الحكم القتل المشروع للأسرى من الأعداء مجرمي الحرب، وليس التقتيل الداخلي للشعب بعد قيام الثورة مثلا.
ولم يكن فعل النبي ﵌ إلا اجتهادا واختيارا لأحد أمرين مشروعين: هما القتل وأخذ الفداء. فهو فعل لخلاف الأولى، وليس في ذلك مساس أصلا بعصمة الأنبياء ﵈ كما فهم بعضهم؛ لأن المساس بالعصمة يحصل إذا خالف النبي نصا صريحا أو أمرا قائما، ولم يكن هناك نص أو أمر سابق بالقتل، بدليل مشاورة الصحابة، إذ لا يجوز له بحال ترك حكم النص، وطلب الحكم من مشاورة الصحابة.
وأما بكاء النبي ﵌ فيحتمل أن يكون بسبب الخطأ في الاجتهاد، وحسنات الأبرار سيئات المقرّبين، وقد أقدم على البكاء لأجل هذا المعنى، بسبب حرصه الشديد على الإصابة فيما ارتاه، وموافقة اجتهاده حكم الله في المسألة.
وعلى كل حال، فقد قتل بعض أسرى بدر وهم اثنان أو ثلاثة وهم: النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط وطعيمة بن عدي، لكنه لم يحقق الإثخان في الأرض، وحاول بعض المستشرقين الطعن بذلك، فكيف لو قتل جميع الأسرى، وكان عددهم سبعين، فيهم العباس عم النبي وعقيل بن أبي طالب ابن عمه؟!
أسند الطبري وغيره أن رسول الله ﵌ قال للناس: «إن شئتم أخذتم فداء
стр. 2984
الأسارى، ويقتل منكم في الحرب سبعون على عددهم، وإن شئتم قتلوا وسلمتم» فقالوا: نأخذ الفداء، ويستشهد منا سبعون.
وإذا كان التخيير بين القتل وأخذ الفداء، فكيف وقع التوبيخ بقوله:
﴿لَمَسَّكُمْ﴾؟ الجواب: أن التوبيخ وقع أولا لحرصهم على أخذ الفداء، ثم وقع التخيير بعد ذلك.
وأما قوله تعالى: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ﴾ في أنه لا يعذب قوما حتى يبين لهم ما يتقون، فأصح الأقوال-في رأي ابن العربي والقرطبي-في كتاب الله السابق: ما سبق من إحلال الغنائم، فإنها كانت محرمة على من قبلنا، فلما كان يوم بدر، أسرع الناس إلى الغنائم، فأنزل الله : ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ﴾ أي بتحليل الغنائم.
وبما أن هذه الآية في إحلال الغنيمة، واستحقاق العذاب بما اقتحموا فيها مما ليس لهم اقتحامه إلا بشرع، استنبط ابن العربي من ذلك بأن الآية دليل على أن العبد إذا اقتحم ما يعتقده حراما، مما هو في علم الله حلال، إنه لا عقوبة عليه، كالمرأة إذا قالت: هذا يوم حيضتي فأفطر، والصائم إذا قال: هذا يوم نوبتي في سفري فأفطر، ثم حدث الحيض والسفر فعلا، ورجح ابن العربي ألا كفارة في هذه الحالة؛ لأن حرمة اليوم ساقطة عند الله، فصادف هتك حرمة الصوم محلا لا حرمة له في علم الله، فكان بمنزلة ما لو قصد وط ء امرأة قد زفّت إليه، وهو يعتقد أنها ليست بزوجة، فإذا هي زوجة. وهذا رأي أبي حنيفة. ومشهور مذهب المالكية والشافعي أن فيه الكفارة (١).
والمعنى الراجح لقوله: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ﴾ في رأي الرازي: لولا أنه تعالى حكم في الأزل بالعفو عن هذه الواقعة لمسهم عذاب عظيم.
стр. 2985
وظاهر قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ﴾ يقتضي أن تكون الغنيمة كلها ملكا للغانمين، وأن يكونوا مشتركين فيها على السواء؛ إلا أن قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ﴾ المتقدم بيّن وجوب إخراج الخمس منه وصرفه إلى مصارفه المذكورة. وفي الآية أيضا إباحة الغنائم التي كانت محظورة قبل ذلك،
عن أبي هريرة أن النبي ﵌ فيما رواه الترمذي عن أبي هريرة قال: «لم تحل الغنائم لقوم سود الرؤوس من قبلكم».
وأرشدت الآية: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى﴾ إلى أنه يجب على المؤمنين ترغيب الأسرى في الإيمان. وتضمنت بشارة للمؤمنين باستمرار النصر على المشركين، ما داموا آخذين بأسباب النصر المادية والمعنوية.
روى البخاري عن أنس: «أن رجالا من الأنصار استأذنوا رسول الله ﵌ في ترك فداء عمه العباس ﵁، وكان في أسرى المشركين يوم بدر، فقالوا: ائذن لنا، فنترك لابن أختنا (١) العباس فداءه، فقال ﵌: والله لا تذرون منه درهما».
وكان فداء الأسير أربعين أوقية ذهبا، فجعل على العباس مائة أوقية (لأنه كان موسرا) وعلى عقيل ثمانين، فقال له العباس: أللقرابة صنعت هذا؟ قال:
فأنزل الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى: إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ فقال العباس (بعد إسلامه): وددت لو كان أخذ مني أضعافها، لقوله تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾.
وذكر ابن العربي أنه لما أسر من أسر من المشركين، تكلم قوم منهم بالإسلام، ولم يمضوا بذلك عزيمة، ولا اعترفوا به اعترافا جازما. ويشبه أنهم أرادوا أن يقربوا من المسلمين، ولا يبعدوا من المشركين، فنزلت الآية.
стр. 2986
قال المالكية: إن تكلم الكافر بالإيمان في قلبه وبلسانه، ولم يمض به عزيمة لم يكن مؤمنا. وإذا وجد مثل ذلك من المؤمن، كان كافرا إلا ما كان من الوسوسة التي لا يقدر المرء على دفعها، فإن الله قد عفا عنها وأسقطها.
وقد بيّن الله لرسوله الحقيقة فقال: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ﴾ أي إن كان هذا القول منهم خيانة ومكرا ﴿فَقَدْ خانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ﴾ بكفرهم ومكرهم بك وقتالهم لك، فأمكنك منهم، وإن كان هذا القول منهم خيرا ويعلمه الله، فيقبل ذلك منهم، ويعوضهم خيرا مما خرج عنهم، ويغفر لهم ما تقدم من كفرهم وخيانتهم ومكرهم (١).
والمراد بالخير في قوله: ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ يشمل خيري الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فيخلفهم الله أفضل مما أخذ منهم، وأما في الآخرة فيعطيهم الثواب ويدخلهم الجنة. وذلك يشمل كل من أخلص من الأسارى.
أصناف المؤمنين في عهد النبي ﵌ بمقتضى الإيمان والهجرة
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اِسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ (٧٣) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾
стр. 2987
الإعراب:
﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ متعلق ب ﴿جاهَدُوا﴾، ويجوز أن يكون من باب التنازع في العمل بين ﴿هاجَرُوا وَجاهَدُوا﴾ ﴿إِلاّ تَفْعَلُوهُ﴾ الهاء: إما أن تعود على التوارث، وإما أن تعود على التناصر. و ﴿تَكُنْ﴾: تامة بمعنى: تقع لا تفتقر إلى خبر. و ﴿فِتْنَةٌ﴾: فاعل تكن. والمعنى:
إلا تفعلوا ما أمرتكم به من تواصل المسلمين، وتولي بعضهم بعضا حتى في التوارث، تفضيلا لنسبة الإسلام على نسبة القرابة، ولم تقطعوا العلائق بينكم وبين الكفار، ولم تجعلوا قرابتهم كلا قرابة، تحصل فتنة في الأرض ومفسدة عظيمة؛ لأن المسلمين ما لم يصيروا يدا واحدة على الشرك، كان الشرك ظاهرا، والفساد زائدا (الكشاف: ٢٥/ ٢).
المفردات اللغوية:
﴿وَهاجَرُوا﴾ أي تركوا مكة التي كانت دار حرب وكفر، وذهبوا إلى المدينة دار الإسلام ﴿آوَوْا﴾ أنزلوا وأسكنوا النبي ﵌ ﴿وَنَصَرُوا﴾ هم الأنصار ﴿أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ في النصرة والإرث ﴿وَلايَتِهِمْ﴾ أي توليتهم في الميراث، والولاية في الأصل: ملك الأمر والسلطة عليه والقيام به ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ أي فلا إرث بينكم وبينهم ولا نصيب لهم في الغنيمة ﴿حَتّى يُهاجِرُوا﴾ وهذا أي التوارث بالهجرة كان في مبدأ الأمر، ثم نسخ بآخر السورة وأصبح التوارث بقرابة الرحم ﴿مِيثاقٌ﴾ عهد، أي فلا تنصروا المسلمين على المعاهدين وتنقضوا عهدهم. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ في النصرة والإرث، فلا إرث بينكم وبينهم.
﴿إِلاّ تَفْعَلُوهُ﴾ أي تولي المسلمين وقمع الكفار ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ أي تحدث فتنة عظيمة بقوة الكفر وضعف الإسلام ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ في الجنة ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ﴾ بعد السابقين إلى الإيمان والهجرة ﴿فَأُولئِكَ مِنْكُمْ﴾ أيها المهاجرون والأنصار ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ﴾
стр. 2988
ذو القرابات ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ﴾ في الإرث من التوارث بسبب الإيمان والهجرة المذكورة في الآية السابقة ﴿فِي كِتابِ اللهِ﴾ اللوح المحفوظ ﴿إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ومنه حكمة الميراث وتدرجها من التوارث بالهجرة إلى التوارث بالرحم، إلى التوارث بشدة القرابة في سورة النساء.
سبب النزول:
نزول الآية (٧٣):
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أخرج ابن جرير الطبري، وأبو الشيخ ابن حيان عن السّدّي عن أبي مالك قال: قال رجل: نورّث أرحامنا المشركين؟ فنزلت:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ..﴾. الآية.
نزول الآية (٧٥):
﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ﴾: أخرج ابن جرير عن ابن الزبير قال: كان الرجل يعاقد الرجل: ترثني وأرثك، فنزلت: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ﴾.
وأخرج ابن سعد عن عروة قال: آخى رسول الله ﵌ بين الزبير بن العوام وبين كعب بن مالك، قال الزبير: فلقد رأيت كعبا أصابته الجراحة بأحد، فقلت: لو مات، فانقلع عن الدنيا وأهلها، لورثته، فنزلت هذه الآية:
﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ، إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فصارت المواريث بعد للأرحام والقرابات، وانقطعت تلك المواريث في المؤاخاة.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى قواعد الحرب والسلم مع الكفار، وحكم معاملة الأسرى، ختم السورة ببيان قرابة الإسلام ورابطته البديلة عن علاقة الكفر، وهي ولاية المؤمنين بعضهم لبعض بمقتضى الإيمان والهجرة، في مقابلة ولاية الكافرين بعضهم لبعض، ولكن بشرط المحافظة على العهود والمواثيق مع الكفار مدة العهد.
стр. 2989
التفسير والبيان:
جعلت الآيات أصناف المؤمنين في مواجهة الكفار أربعة أقسام:
١ - المهاجرون الأولون قبل غزوة بدر إلى صلح الحديبية.
٢ - الأنصار: أهل المدينة الذين آووا إخوانهم المهاجرين.
٣ - المؤمنون الذين لم يهاجروا.
٤ - المؤمنون الذين هاجروا بعد صلح الحديبية.
أما المصنف الأول
فهم المذكورون في مطلع الآية الأولى وهم الذين آمنوا بالله ورسوله أصحاب الهجرة الأولى قبل غزوة بدر إلى صلح الحديبية سنة ست من الهجرة، الذين خرجوا من ديارهم وأموالهم، وتركوها في مكة، وجاؤوا لنصر الله ورسوله وإقامة دينه، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله. وهذا الصنف هو الأفضل والأكمل. وقد وصفهم الله بالإيمان، أي التصديق بكل ما جاء به النبي ﵌، ووصفهم بالمهاجرة من ديارهم وأوطانهم، فرارا بدينهم من فتنة المشركين، إرضاء لله تعالى ونصرا لرسوله ﵌، ونعتهم بالجهاد في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم.
أما الجهاد بالأموال: فهو إنفاقها في التعاون والهجرة والدفاع عن دين الله، كصرفها للكراع (الخيول) والسلاح، وعلى محاويج المسلمين. فضلا عن سخاء النفس بترك تلك الأموال في وطنهم: مكة.
وأما الجهاد بالنفس فهو قتال الأعداء والاستعلاء عليهم وعدم المبالاة بهم، وما كان قبل ذلك من احتمال المشاق، والصبر على الأذى والشدائد والاضطهاد المتواصل.
وتقديم الجهاد بالأموال على الأنفس؛ لأنه أدفع للحاجة ويتوقف الجهاد بالنفس عليه.
стр. 2990
والخلاصة: وصف المهاجرون الأولون بأربع صفات: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والهجرة، والجهاد، وأولية الإقدام على هذه الأفعال.
وأما الصنف الثاني
فهم المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ أي آووا الرسول والمهاجرين إليهم، ونصروهم، فكانت المدينة عاصمة الإسلام ومنطلق الدعوة في أرجاء الأرض، وملجأ المهاجرين الذين عملوا مع الأنصار على نصرة دين الله والقتال معهم، وشارك هؤلاء أولئك في أموالهم، وآثروهم على أنفسهم، فكانوا في الفضل بعد الصنف الأول.
ثم وصف الله الصنفين بأن بعضهم أولياء بعض، أي يتولي بعضهم أمر الآخر كما يتولي أمر نفسه، ويكون كل منهم أحق بالآخر من كل أحد؛ لأن حقوقهم ومصالحهم مشتركة، ولهذا آخى رسول الله ﵌ بين المهاجرين والأنصار، كل اثنين أخوان، فكانوا يتوارثون بهذا الإخاء إرثا مقدما على القرابة، حتى تقوّى المهاجرون بالتجارة وغيرها، فنسخ الله تعالى ذلك بالمواريث، كما ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس.
وروى الإمام أحمد عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض، والطلقاء من قريش، والعتقاء من ثقيف، بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة» لكن تفرد به أحمد.
فكان الإرث بين المهاجرين والأنصار بالإسلام والهجرة دون القرابة، فالمسلم في غير المدينة لا يرث المسلم الذي في المدينة وما حولها إلا إذا هاجر إليها، فيرث ممن بينه وبينه إخاء.
وهكذا فالولاية بين المهاجرين والأنصار عامة في الحرب والإرث وكل أوجه العلاقة بينهم وبين الكفار. وقال أبو بكر الأصم: الآية محكمة غير منسوخة، والمراد بالولاية: النصرة والمظاهرة.
стр. 2991
وقد أثنى الله ورسوله على المهاجرين والأنصار، في غير ما آية في كتابه، لتضامنهم وتناصرهم، فقال: ﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ، وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ﴾ [التوبة ١٠٠/ ٩] وقال تعالى: ﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة ١١٧/ ٩] وقال : ﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً، وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ، أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ. وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ، يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ، وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا، وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ، وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ [الحشر ٨/ ٥٩ - ٩] أي لا يحسدونهم على فضل ما أعطاهم الله على هجرتهم.
وظاهر الآيات تقديم المهاجرين على الأنصار، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء لا يختلفون في ذلك، كما ذكر ابن كثير. ولهذا روى أبو بكر البزار في مسنده عن حذيفة قال: خيرني رسول الله ﵌ بين الهجرة والنصرة، فاخترت الهجرة».
وأما الصنف الثالث
وهم المؤمنون الذين لم يهاجروا فقد ذكرهم الله بقوله:
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا، ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ أي أن الذين صدّقوا برسالة النبي ﵌، ولم يهاجروا من مكة إلى المدينة، وظلوا مقيمين في أرض الشرك تحت سلطان المشركين أي في دار الحرب والشرك، لا يثبت لهم شيء من ولاية (نصرة) المؤمنين الذين في دار الإسلام. أما من أسره الكفار من أهل دار الإسلام، فله حكم أهل هذه الدار. إن الولاية منقطعة بين أهل الدارين إلا في حالة واحدة ذكرها تعالى بقوله: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ..﴾. وهي مناصرتهم على الكفار إذا قاتلوهم أو اضطهدوهم لأجل دينهم، إلا إذا كان هؤلاء الكفار معاهدين، فيجب الوفاء بعهدهم؛ لأن الإسلام لا يبيح الغدر والخيانة بنقض
стр. 2992
العهود. وهذا أصل من أصول أحكام الإسلام وسياسته الخارجية العادلة الرفيعة المستوى.
وحذر الله تعالى من نقض العهد بقوله: ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي إن الله مطلع على جميع أعمالكم، فالزموا حدوده، ولا تخالفوا أمره، ولا تتجاوزوا ما حدّه لكم، كيلا يحل بكم عقابه.
والخلاصة: ليست المقاطعة تامة، كما في حق الكفار، بين المؤمنين في دار الإسلام وبين المؤمنين الذين لم يهاجروا، فلو استنصروكم فانصروهم ولا تخذلوهم.
ومن أجل دعم الولاية (التناصر والتعاون) بين المهاجرين والأنصار، ذكر الله تعالى حال الكفار في مواجهة المؤمنين، ليكونوا صفا واحدا تجاههم، وليعلموا قطع الموالاة بينهم وبين الكفار، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أي أن الكفار في جملتهم فريق واحد تجاه المسلمين، يوالي بعضهم بعضا في النصرة والتعاون على قتال المسلمين، وإن تعددت مللهم، وعادى بعضهم بعضا، وقد أكد التاريخ ذلك، فكان اليهود مناصرين المشركين في حربهم ضد المؤمنين، حتى إنهم نقضوا عهودهم مع المسلمين، مما استوجب حربهم وإجلاءهم من خيبر، والتاريخ يعيد نفسه، فترى المشركين والماديين الملحدين واليهود والنصارى في كل عصر في خندق معاد للإسلام والمسلمين.
وجعل الكفار في صف والمسلمين في صف آخر مواجه لهم اقتضى امتناع الإرث بسبب اختلاف الدين باتفاق المذاهب الأربعة، فلا يرث المسلم كافرا، ولا الكافر مسلما،
لما رواه الحاكم في مستدركه عن أسامة عن النبي ﵌ قال:
«لا يتوارث أهل ملتين، ولا يرث مسلم كافرا ولا كافر مسلما» ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ، إِلاّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ﴾
وروى الجماعة إلا النسائي عن أسامة بن زيد: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم».
стр. 2993
أما توارث الكفار بعضهم من بعض فجائز في رأي الجمهور؛ لأن الكفر ملة واحدة في الإرث؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾. وقال المالكية: لا يرث كافر كافرا إذا اختلف دينهما من اليهودية والنصرانية؛ لأنهما دينان مختلفان، ولا يرثان من مشرك ولا يرثهما مشرك؛ لعموم
الحديث السابق: «لا يتوارث أهل ملتين شتى» ولأنه لا موالاة بينهم.
وأما اختلاف الدار فهو مانع للإرث عند الحنفية فقط إذا كان بين الكفار، دون المسلمين، لثبوت التوارث بين أهل البغي وأهل العدل (دار الإسلام) فيكون هذا المانع خاصا بغير المسلمين.
وليس اختلاف الدار لدى الشافعية مانعا من موانع الإرث، لكنهم قالوا:
لا توارث بين حربي ومعاهد، وهو يشمل الذمي والمستأمن؛ لانقطاع الموالاة بينهما.
وليس اختلاف الدار مطلقا مانعا للميراث لدى المالكية والحنابلة، فيرث أهل الحرب بعضهم من بعض، سواء اتفقت ديارهم أو اختلفت.
ثم قال تعالى: ﴿إِلاّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ..﴾. أي إن لم تفعلوا ما شرع لكم من موالاة المسلمين وتواصلهم وتناصرهم وتعاونهم تجاه ولاية الكفار بعضهم لبعض، وتجنب موالاة المشركين وعدم الاختلاط بهم، تحصل فتنة عظيمة في الأرض هي ضعف الإيمان وقوة الكفر، وفساد كبير وهو سفك الدماء، فتعم الفتنة وهي التباس الأمر، واختلاط المؤمنين بالكافرين، فيقع بين الناس فساد زائد في الدين والدنيا.
وفي هذا دلالة على حرص الإسلام على الحفاظ على شخصية المسلمين الذاتية، واستقلالهم في ديارهم، وعدم إقامتهم في أوطان الكفار.
روى ابن جرير عن
стр. 2994
رسول الله ﵌ أنه قال: «أنا برئ من كل مسلم بين ظهراني المشركين» ثم قال:
«لا يتراءى ناراهما».
ثم أراد الله تعالى أن يبين فضل المهاجرين والأنصار على غيرهم، ويوضح مالهم في الآخرة، بعد أن ذكر حكمهم في الدنيا فهم متواصلون بينهم، وهذا ثناء عليهم، فلا تكرار، فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ..﴾.
أي إن الله تعالى يخبر عنهم بأنهم هم المؤمنون حق الإيمان وأكمله، دون من لم يهاجر وأقام بدار الشرك، مع حاجة الرسول ﵌ والمؤمنين إلى هجرته، وأنه سبحانه سيجازيهم بالمغفرة التامة والصفح عن ذنوبهم إن كانت، وبالرزق الكريم في الجنة: وهو الحسن الكثير الطيب الشريف، الدائم المستمر الذي لا ينقطع أبدا.
هؤلاء الأصناف الثلاثة هم السابقون المقربون كما قال تعالى: ﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾.
وأما الصنف الرابع
وهم المؤمنون الذين هاجروا بعد صلح الحديبية، فهم المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ..﴾. أي والذين تأخر إيمانهم وهجرتهم عن الهجرة الأولى، وبعد أن قويت شوكة المسلمين، وهاجروا إلى المدينة، وجاهدوا مع السابقين لهم، فأولئك منكم، أي أنهم كالمهاجرين الأولين والأنصار، في الموالاة والتعاون والتناصر والفضل والجزاء، فهؤلاء الأتباع لهم في الدنيا، على ما كانوا عليه من الإيمان والعمل الصالح، النصرة، وهم مع المتقدمين في حسن الجزاء والعاقبة في الآخرة، فهم تبع لمن سبقهم، لذا قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية [الحشر ١٠/ ٥٩]
وفي الحديث المتفق عليه المتواتر من طرق صحيحة عن رسول الله ﵌ أنه قال: «المرء مع من أحب»
وفي الحديث الآخر الذي رواه الطبراني والضياء عن أبي قرصافة: «من أحب قوما فهو منهم»
وفي رواية «حشره الله في زمرتهم».
стр. 2995
وفي جعل الصنف الرابع من جملة الأصناف الثلاثة السابقة بقوله ﴿فَأُولئِكَ مِنْكُمْ﴾ دليل على فضل السابقين على اللاحقين، كما أن في الآية قدرا مشتركا بين الصنف الأول والأخير وهو الهجرة والإيمان، مما يدل على الترغيب فيهما.
ثم ذكر الله تعالى ولاية الرحم والقرابة بعد ولاية الإيمان والهجرة، فقال:
﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ..﴾. أي أصحاب القرابة التي تربط بينهم رابطة الدم، والآية عامة تشمل جميع القرابات، سواء أكانوا من ذوي الفروض أم العصبات (القرابة من جهة الأب) أم الأرحام (القرابة من جهة الأم) في اصطلاح علماء الفرائض، هؤلاء بعضهم أولى ببعض أي أجدر وأحق من المهاجرين والأنصار الأباعد بالتناصر والتعاون والتوارث في دار الهجرة، في كتاب الله، أي في حكم الله الذي كتبه على عباده المؤمنين، وأوجب به عليهم صلة الأرحام.
فولاية الرحم أهم من ولاية الإيمان وولاية الهجرة في عهدها السابق، والقريب المؤمن أولى بقريبه الرحم من المؤمن المهاجر والأنصاري البعيد القرابة، فتكون الآية مخصصة ما سبقها. أما القريب الكافر فيقطع الكفر صلته بقريبه.
وتكون الأخوة في النسب والدم، والأخوة في الله أولى في حكم الله من مجرد الأخوة الدينية.
ثم ختم الله الآية بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي إن الله عليم بكل الأشياء، وعلمه واسع محيط بكل شيء من مصالحكم الدنيوية والأخروية، وبكل ما شرعه في هذه السورة من أحكام في السلم والحرب والغنائم والأسرى والعهود والمواثيق والولاية العامة والخاصة بين المؤمنين وصلة الأرحام، وهو إشارة إلى أن جميع أحكام السورة محكمة غير منسوخة ولا منقوضة وكلها حكمة وصواب وصلاح، وليس فيها شيء من العبث، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ﴾ [الأعراف ٥٢/ ٧].
стр. 2996
لكن آية ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ﴾ نقل عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة وغير واحد: أنها ناسخة للإرث بالحلف والإخاء اللذين كانوا يتوارثون بهما أولا. ويؤيدهم
حديث صحيح متواتر: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث».
فالإرث الذي كان بسبب النصرة والهجرة صار منسوخا، فلا يحصل الإرث إلا بسبب القرابة، وقوله: ﴿فِي كِتابِ اللهِ﴾ المراد منه السهام المذكورة في آيات المواريث في سورة النساء. وهذا ما ذهب إليه الشافعية، فلا إرث لذوي الأرحام بالمعنى الضيق عند علماء الفرائض كالخال والخالة والعمة وأولاد البنات وأولاد الأخوات ونحوهم، وليس لهم نصيب، والعصبات أولى بعضهم ببعض؛ لأن الفروض عينت. وقال الحنفية: يثبت الإرث لذوي الأرحام بنص هذه الآية، وذلك إذا لم يوجد أحد من العصبات.
وأما من نفي كون آية ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ﴾ ناسخة لما تقدمها، فإنه فسر المراد بالولاية بالنصرة والمحبة والتعظيم، وتكون الآية الأولى لبيان أن رابطة الإسلام أقوى من رابطة النسب، والثانية لبيان مكانتهم وأنهم المؤمنون حقا، والثالثة لبيان أن المتأخرين في الإيمان والهجرة لهم حكم من تقدمهم، وأن التناصر بالقرابة أيضا مطلوب.
ويكون المراد من آية أولي الأرحام أن ولاية الإرث إنما تحصل بسبب القرابة إلا ما خصه الدليل، فيكون المقصود من هذا الكلام إزالة الوهم في أن الولاية محتملة للولاية بسبب الإرث، قال الرازي: وهذا أولى؛ لأن تكثير النسخ من غير ضرورة ولا حاجة لا يجوز (١).
стр. 2997
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يلي:
١ - ثبوت ولاية النصرة بين مؤمني دار الإسلام، وبيان فضل المهاجرين السابقين على اللاحقين، وفضل المهاجرين على الأنصار، وجعل المتأخرين في الإيمان والهجرة بمنزلة المتقدمين في تضامنهم معهم.
٢ - ثبوت ولاية النصرة بين مؤمني دار الإسلام ومؤمني دار الحرب في حال مقاتلتهم أو اضطهاد الكفار لهم إلا إذا كان بيننا وبينهم ميثاق صلح وسلام، فلا تمكن مناصرتهم. وفيما عدا حالة المقاتلة لا تثبت ولاية النصرة بين المسلمين في دار الإسلام، والمسلمين في دار الحرب.
٣ - تقديس الوفاء بالعهود والمواثيق في شرعة الإسلام، وإن مس ذلك مصلحة بعض المسلمين.
٤ - الكفار بعضهم أولياء بعض أي نصراء وأعوان.
٥ - إذا لم نحقق ولاية النصرة بيننا، ووالينا الكفار، أدى ذلك إلى ضعفنا، وقوتهم علينا.
٦ - إن كل ما شرعه الله من أحكام صادر عن علم واسع شامل محيط بالمصالح الدينية والدنيوية.
٧ - إرث ذوي الأرحام وهو من لا سهم له في القرآن من قرابة الميت، وليس بعصبة، وبه قال الحنفية والحنابلة محتجين بالآية (١)، فقد اجتمع في ذوي الأرحام سببان: القرابة والإسلام، فهم أولى ممن له سبب واحد وهو الإسلام.
وروى أبو داود والدارقطني عن المقدام قال: قال رسول الله ﵌: «من ترك كلاّ
стр. 2998
فإلي، ومن ترك مالا فلورثته، فأنا وارث من لا وارث له، أعقل عنه وأرثه، والخال وارث من لا وارث له، يعقل عنه ويرثه».
وقال المالكية والشافعية: لا يرث من لا فرض له من ذوي الأرحام، وترد التركة إلى بيت المال؛ لأن الله تعالى ذكر في آيات المواريث نصيب أصحاب الفروض والعصبات، ولم يذكر لذوي الأرحام شيئا، ولو كان لهم حق لبينه:
﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم ٦٤/ ١٩]
وروى الترمذي وغيره من قوله ﵌:
«إن الله أعطى لكل ذي حق حقه».
وأما آية ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ﴾ فهي آية مجملة جامعة، وآيات المواريث مفسّرة، والمفسّر قاض على المجمل ومبيّن.
وروى أبو داود في المراسيل أنه ﵌ سئل عن ميراث العمة والخالة، فقال: «أخبرني جبريل أن لا شيء لهما».
والأصح أن الهجرة انقطعت بفتح مكة؛ لأنها صارت حينئذ بلد إسلام وجزءا من دار الإسلام.
стр. 2999
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة التوبة
مدنية وهي مائة وتسع وعشرون آية. نزلت في غزوة تبوك سنة تسع.
تسميتها:
قال الزمخشري: لها عدة أسماء: براءة، التوبة، المقشقشة، المبعثرة، المشردة، المخزية، الفاضحة، المثيرة، الحافرة، المنكّلة، المدمدمة، سورة العذاب؛ لأن فيها التوبة على المؤمنين، وهي تقشقش من النفاق، أي تبرئ منه، وتبعثر عن أسرار المنافقين، أي تبحث عنها، وتثيرها، وتحفر عنها، وتفضحهم، وتنكلهم، وتشرد بهم، وتخزيهم، وتدمدم عليهم (١). وتسمى أيضا البحوث؛ لأنها تبحث عن أسرار المنافقين.
وعن حذيفة ﵁: إنكم تسمونها سورة التوبة، وإنما هي سورة العذاب، والله ما تركت أحدا إلا نالت منه.
وعن ابن عباس في هذه السورة قال: إنها الفاضحة ما زالت تنزل فيهم، وتنال منهم، حتى خشينا ألا تدع أحدا، وسورة الأنفال نزلت في بدر، وسورة الحشر نزلت في بني النضير.
стр. 3000
السبب في إسقاط التسمية من أولها:
قال ابن عباس: سألت عليا ﵁، لم لم يكتب في براءة ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾؟ قال: لأن ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ أمان، وبراءة نزلت بالسيف ونبذ العهود، وليس فيها أمان (١).
وقال سفيان بن عيينة: إنما لم تكتب في صدر هذه السورة البسملة؛ لأن التسمية رحمة، والرحمة أمان، وهذه السورة نزلت بالمنافقين وبالسيف، ولا أمان للمنافقين (٢).
قال القرطبي نقلا عن القشيري: والصحيح أن التسمية لم تكتب؛ لأن جبريل ﵇ ما نزل بها في هذه السورة. فلم يكتبها الصحابة في المصحف الإمام، مقتدين في ذلك بأمير المؤمنين عثمان ﵁، كما قال الترمذي.
مناسبتها لما قبلها:
هناك شبه بين سورة براءة وسورة الأنفال قبلها، فهي كالمتممة لها في وضع أصول العلاقات الدولية الخارجية والداخلية، وأحكام السلم والحرب، وأحوال المؤمنين الصادقين والكفار والمنافقين، وأحكام المعاهدات والمواثيق، إلا أن في الأنفال بيان العهود والوفاء بها وتقديسها، وفي براءة نبذ العهود، وذكر في السورتين صدّ المشركين عن المسجد الحرام، والترغيب في إنفاق المال في سبيل الله، وتفصيل الكلام في قتال المشركين وأهل الكتاب وبيان أوضاع المنافقين.
وبالرغم من هذا الشبه الموضوعي في السورتين، وأنهما تدعيان القرينتين، وأنهما نزلتا في القتال، فإنهما في الأصح سورتان مستقلتان، فليست براءة جزءا
стр. 3001
من الأنفال، بدليل كثرة أسمائها المميزة لها، وفصلها عما سبقها، واستقر على ذلك ترتيب السور والآيات، وتناقل المسلمون هذا الفصل في المصحف من عهد الصحابة لما كتبوا المصحف في خلافة عثمان.
قال عثمان ﵁: قبض رسول الله ﵌، ولم يبين لنا أنها منها. وفي قوله هذا دليل على أن السور كلها انتظمت بقوله وتبيينه، وأن براءة وحدها ضمّت إلى الأنفال من غير عهد من النبي ﵌؛ لما عاجله من الحمام قبل تبيينه ذلك. وكانتا تدعيان القرينتين، فوجب أن تجمعا وتضم إحداهما إلى الأخرى؛ للوصف الذي لزمهما من الاقتران، ورسول الله ﵌ حيّ (١).
قال ابن العربي: هذا دليل على أن القياس أصل في الدين، ألا ترى إلى عثمان وأعيان الصحابة كيف لجؤوا إلى قياس الشّبه عند عدم النص، ورأوا أن قصة براءة شبيهة بقصة الأنفال فألحقوها بها، فإذا كان الله قد بيّن دخول القياس في تأليف (أي جمع) القرآن، فما ظنك بسائر الأحكام (٢)؟!
تاريخ نزولها:
كانت الأنفال من أوائل ما أنزل بعد الهجرة، وبراءة من آخر ما نزل من القرآن، نزلت في السنة التاسعة من الهجرة، وهي السنة التي حدثت فيها غزوة تبوك، وهي آخر غزواته ﵌، خرج فيها لغزو الروم، وقت القيظ والحر الشديد، زمن العسرة، حين طابت الثمار، فكانت ابتلاء لإيمان المؤمنين، وافتضاحا لنفاق المنافقين.
وقد نزل أولها بعد فتح مكة، فأرسل النبي ﵌ عليا ليقرأها على المشركين في موسم الحج.
стр. 3002
روى البخاري عن البراء بن عازب قال: آخر آية نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ، قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ وآخر سورة نزلت: براءة.
ما اشتملت عليه السورة:
افتتحت السورة بالبراءة من المشركين، ومنحهم مدة أمان أربعة أشهر، ثم إعلان الحرب عليهم بسبب جرائمهم، ثم منعهم من دخول المسجد الحرام إلى الأبد.
ثم مجاهدة أهل الكتاب حتى يؤدوا الجزية أو يسلموا. وتضمنت السورة في قسمها الأول حتى نهاية الآية [٤١] الحث على الجهاد والنفير العام في سبيل الله بالأموال والأنفس. ثم تحدثت عن أوصاف المنافقين ومخاطرهم في القسم الثاني إلى آخر السورة، وتخلل ذلك الإشارة إلى تخلف الأعراب عن الجهاد، وعدم قبول تخلف أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب عن المشاركة في الجهاد، وختمت السورة بمقارنات واضحة تميز بين المؤمنين والمنافقين، وجعل الجهاد فرض كفاية، وتخصيص فئة أخرى للتفقه في الدين.
فكان محور السورة يدور حول أمرين:
الأول-أحكام جهاد المشركين وأهل الكتاب.
الثاني-تمييز المؤمنين عن المنافقين بصدد غزوة تبوك.
أما أحكام الجهاد فقد مهد لها القرآن الكريم في هذه السورة بنبذ العهود والأمان بالنسبة للمشركين، وإنهاء المعاهدات التي كانت قائمة بين المسلمين وأهل الكتاب؛ لأن كلا من المشركين والكتابيين نقضوا العهود، وتواطأت طوائف اليهود من بني النضير وبني قريظة وبني قينقاع مع المشركين على محاربة المسلمين ومحاولة القضاء عليهم. وتحدثت حوالي عشرون آية عن أحقاد اليهود ودسائسهم ومؤامراتهم، وخبثهم وكيدهم، فلا عهد ولا أمان، ولا سلم ولا مصالحة بعد انتهاء أمد الأمان، ونقض العهود من غير المسلمين.
стр. 3003
وأما الأمر الثاني فكان بسبب استنفار المسلمين لغزو الروم في غزوة تبوك، وقد أوضحت الآيات في القسم الأعظم من هذه السورة نفسيات المسلمين، وظهور عوارض التثاقل والتخلف والتثبيط، ومراوغة المنافقين، ودسائسهم الماكرة، واتخاذهم ما أطلق عليه (مسجد الضرار) الذي نزل بشأنه أربع آيات، وكرا للتآمر والتخريب، وتعريتهم بشكل فاضح، حتى سميت السورة (الفاضحة) لأنها فضحت المنافقين، ولم تدع لهم سترا إلا هتكته.
والخلاصة: كانت هذه السورة سورة الحسم الكامل لأوضاع غير المسلمين، وربما كانت أخطر سورة حشدت جيش الإيمان وأعدته للمعركة الفاصلة النهائية بين المسلمين وغيرهم، سواء في داخل الدولة بتصفية جذور النفاق، والقضاء على مكر اليهود، أو في خارج الدولة بالتصدي لغطرسة الروم في غزوة تبوك التي أرهبتهم، وجمّدت كل تحركاتهم المشبوهة للقضاء على الإسلام والمسلمين.
وكان لهذه التصفية المقدّر والمخطط لها من قبل الله تعالى على الصعيد الداخلي والخارجي الأثر الأكبر في استقرار الدولة الإسلامية، والحفاظ على كيانها الدولي وإظهار هيبتها ومنعة وجودها، بعد انتقال مؤسسها وقائدها النبي ﵌ إلى الرفيق الأعلى.
أضواء من التاريخ على صلح الحديبية:
عقد النبي ﵌ معاهدة صلح الحديبية سنة ست من الهجرة مع المشركين على وضع الحرب أوزارها، وعلى السلم والأمان مدة عشر سنوات، بشروط متسامح فيها عن قوة وعزة، لا عن ضعف وذلة. ثم نقضت قريش المعاهدة بإعانة حليفتها قبيلة بني بكر على قبيلة خزاعة حليفة النبي ﵌ بالسلاح والرجال، فاستغاث عمرو بن سالم الخزاعي على رأس وفد بالنبي ﵌، فأغاثه قائلا:
стр. 3004
«نصرت يا عمرو بن سالم، لا نصرت إن لم أنصر بني كعب» فكان ذلك سبب عودة حالة الحرب مع قريش.
فأمر رسول الله ﵌ الناس بالتأهب للقتال، وسار لفتح مكة سرا، ففتحها في السنة الثامنة من الهجرة.
ولما بلغ هوازن فتح مكة، جمعهم أميرهم مالك بن عوف النصري لقتال المسلمين، وكانت غزوة حنين التي شهدها دريد بن الصّمّة في شوال في السنة الثامنة، ثم حاصر النبي بعدها الطائف بضعا وعشرين ليلة، وقاتلهم قتالا شديدا، ورماهم بالنبل والمنجنيق.
ثم خرج النبي ﵌ في رجب سنة تسع إلى غزوة تبوك، وهي آخر غزواته، وفيها نزلت أكثر آيات سورة براءة.
ولما رجع رسول الله ﵌ من غزوة تبوك أراد الحج، ولكنه تذكر أن المشركين يحضرون عامهم هذا الموسم على عادتهم، ويطوفون بالبيت عراة، فكره مخالطتهم، وبعث أبا بكر الصديق ﵁ أميرا على الحج تلك السنة، ليقيم للناس مناسكهم ويعلم المشركين ألا يحجوا بعد عامهم هذا، وأن ينادي في الناس: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾.
فلما قفل أتبعه بعلي بن أبي طالب، ليكون مبلّغا عن رسول الله ﵌، لكونه عصبة له. وقال له: «أخرج بهذه القصة من صدر براءة فأذن بذلك في الناس إذا اجتمعوا».
فخرج علي راكبا العضباء ناقة الرسول ﵌، فأدرك أبا بكر في ذي الحليفة، وأمّ أبو بكر الناس في الحج، وقرأ عليّ على الناس صدر سورة براءة (١).
стр. 3005
وذلك يوم النحر بمنى سنة تسع.
روى الإمام أحمد والترمذي في التفسير عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﵌ بعثه ببراءة مع أبي بكر، فلما بلغ ذا الحليفة قال: «لا يبلّغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي» فبعث بها مع علي بن أبي طالب ﵁.
وروى البخاري أن النبي ﵌ بعث عليا سنة تسع، فأذن يوم النحر بمنى بصدر سورة براءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
وروى أحمد والترمذي والنسائي عن زيد بن يثيغ رجل من همدان قال:
سألنا عليا بأي شيء بعثت؟ يعني يوم بعثه النبي ﵌ مع أبي بكر في الحجة، قال: «بعثت بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي ﵌ عهد فعهده إلى مدته، ولا يحج المشركون بعد عامهم هذا».
نقض عهود المشركين وإعلان الحرب عليهم والبراءة منهم
﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاِعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (٢) وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)﴾
стр. 3006
الإعراب:
﴿بَراءَةٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي هذه براءة، ويكون ﴿مِنَ اللهِ﴾ في موضع رفع؛ لأنه وصف براءة وتقديره: براءة كائنة من الله. ويجوز أن تكون ﴿بَراءَةٌ﴾ مبتدأ وخبره: ﴿إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾. و ﴿مِنَ اللهِ﴾ وصف لبراءة، و ﴿مِنَ﴾ لابتداء الغاية متعلق بمحذوف.
﴿وَأَذانٌ﴾ معطوف على ﴿بَراءَةٌ﴾، ورفعه مثل الوجهين المذكورين في ﴿بَراءَةٌ﴾ من أنه خبر مبتدأ محذوف، أو أنه مبتدأ، ويكون خبره ﴿إِلَى النّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ﴾. و ﴿مِنَ اللهِ﴾ وصف لأذان. و ﴿يَوْمَ الْحَجِّ﴾: العامل فيه الصفة. ولا يجوز أن يكون ﴿أَذانٌ﴾ لأنه وصف، والمصدر إذا وصف لم يعمل عمل الفعل.
﴿أَنَّ اللهَ﴾ في موضع نصب بتقدير حذف حرف الجر أي بأن ﴿وَرَسُولِهِ﴾ بالرفع والنصب، فالرفع من وجهين: أحدهما-أنه مبتدأ وخبره محذوف، أي ورسوله بريء، وحذف لدلالة الأول عليه. والثاني-أنه معطوف على الضمير المرفوع في ﴿بَرِيءٌ﴾ وجاز العطف على الضمير المرفوع وإن لم يؤكد، لوجود الفصل بالجار والمجرور؛ لأنه يقوم مقامه. أو معطوف على محل: إن واسمها في قراءة من كسرها إجراء للأذان مجرى القول. وأما بالنصب فهو عطف على اسم ﴿أَذانٌ﴾ أو لأن الواو بمعنى مع.
ولا تكرار لمعنى ﴿بَراءَةٌ﴾ لأن قوله ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ﴾ إخبار بثبوت البراءة و ﴿بَرِيءٌ﴾ إخبار بوجوب الاعلام بذلك، ولذلك علقه بالناس، ولم يخص بالمعاهدين.
البلاغة:
﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ تنوين ﴿بَراءَةٌ﴾ للتفخيم، وتقييدها بأنها ﴿مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ لزيادة التهويل. ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أسلوب تهكمي؛ لأن البشارة بالعذاب، وهي تكون عادة بما هو مفرح.
المفردات اللغوية:
﴿بَراءَةٌ﴾ أي تبرؤ من الله ورسوله، يقال: برئ من العهد أو المرض: خلص منه، وبرئ من الذنب: تركه وتباعد عنه، وبرئ من الدين: أسقط عنه. ﴿عاهَدْتُمْ﴾ المعاهدة: عقد العهد بين فريقين على شروط يلتزمونها. وكانت توثق بالأيمان بوضع كل فريق يمينه في يمين الآخر، فسميت أيمانا في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ﴾ أي لا عهود لهم. والمراد من المعاهدين هنا:
ذوي العهود المطلقة غير المؤقتة، أو من له عهد دون أربعة أشهر، فيكمل له أربعة أشهر، وكذا من
стр. 3007
كان له عهد فوقها ونقض العهد. أما من له عهد مؤقت فأجله إلى مدته مهما كان، لقوله تعالى:
﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ﴾ الآية،
وللحديث: «ومن كان بينه وبين رسول الله ﵌ عهد، فعهده إلى مدته» قال ابن كثير: وهذا أحسن الأقوال وأقواها.
﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ سيروا آمنين أيها المشركون في الأرض مدة أربعة أشهر، والمراد حرية الانتقال مع الأمان هذه المدة دون قتال فيها، وأولها شوال، بدليل قول الزهري: إن براءة نزلت في شوال. ولا أمان لكم بعدها. والسياحة والسيح: الانتقال في الأرض بحرية ﴿غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ﴾ أي لا تفوتونه من عذابه بالهرب والتحصن ﴿وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ﴾ مذلّهم في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار، والخزي: الذل والفضيحة بما هو عار.
﴿وَأَذانٌ﴾ إعلام ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ هو يوم العيد الأكبر وهو يوم النحر الذي تنتهي فيه فرائض الحج، ويجتمع فيه الحجيج لإتمام مناسكهم، وإنما قيل: الأكبر من أجل قول الناس عن العمرة: الحج الأصغر ﴿أَنَّ اللهَ﴾ أي بأن الله بريء من عهود المشركين ﴿وَرَسُولِهِ﴾ بريء أيضا ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾ من الكفر ﴿وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ عن الإيمان ﴿وَبَشِّرِ﴾ أخبر ﴿بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ مؤلم وهو القتل والأسر في الدنيا، والنار في الآخرة. ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً﴾ من شروط العهد والميثاق، فلم يقتلوا أحدا ولم يضروه. ﴿وَلَمْ يُظاهِرُوا﴾ يعاونوا ﴿عَلَيْكُمْ أَحَداً﴾ من الكفار ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ﴾ أي إلى انقضاء مدتهم التي عاهدتم عليها ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ بإتمام العهود.
المناسبة:
كان هناك عهد عام بين النبي ﵌ ومشركي مكة وغيرهم على ألا يصدّ عن البيت الحرام أحد من الطرفين، ولا يزعج أحد في الأشهر الحرم، وكانت هناك أيضا عهود بينه ﵊ وبين كثير من قبائل العرب إلى آجال معينة، فنقض كثير من المشركين عهودهم مع النبي ﵌، مما اقتضى نزول البراءة من عهودهم.
التفسير والبيان:
نزلت آيات ﴿بَراءَةٌ﴾ الأولى في أهل مكة في السنة التاسعة، بعد أن عاهدهم النبي ﵌ في صلح الحديبية سنة ست هجرية، فنقضوا العهد، إلا بني ضمرة وبني كنانة، فأمر المسلمون بالتبرؤ من عهود المشركين وإمهالهم أربعة
стр. 3008
أشهر، فإذا انتهت هذه المدة قاتلوهم.
والمراد بالعهود: العهود المطلقة غير المؤقتة بزمن، ومن كان له عهد دون أربعة أشهر فتكمل له هذه المدة، وأما من عهده مؤقت بمدة فوق ذلك فأجله إلى مدته، مهما كان؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ﴾ [براءة ٤/ ٩].
هذا أصح الأقوال الذي اختاره الطبري وابن كثير وغيرهما. قال الكلبي: إنما كانت الأربعة الأشهر لمن كان بينه وبين رسول الله ﵌ عهد دون أربعة أشهر؛ ومن كان عهده أكثر من أربعة أشهر، فهو الذي أمر الله أن يتم له عهده بقوله:
﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ﴾.
وقد أمّر النّبي ﵌-كما أوضحت-أبا بكر في السّنة التّاسعة أميرا على الحجّ، فلما سافر نزلت سورة براءة متضمّنة نقض عهد المشركين، فأرسل عليّا ليبلّغ ذلك النّاس يوم الحجّ الأكبر قائلا: «لا يؤدّي عني إلا رجل من أهل بيتي». فلما اجتمع الناس بمنى يوم النّحر، قرأ عليهم علي آيات من أول سورة براءة، ثم قال-فيما رواه التّرمذي والنسائي وأحمد-: بعثت بأربع:
ألا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النّبيّ ﵌ عهد فهو إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا.
ومعنى الآية: ﴿بَراءَةٌ﴾ أي تبرؤ وتخلص، وهي براءة صادرة من الله ورسوله، واصلة إلى الذين عاهدتم من المشركين. وإنما نسبت البراءة لله ولرسوله لأنها تشريع جديد من الله، وأمر لرسوله بتنفيذه، وتنويه بمقامه ومكانته.
ونسبت المعاهدة بقوله: ﴿عاهَدْتُمْ﴾ للمؤمنين؛ لأنهم هم الذين ينفذون أحكام المعاهدات، مع أن الرّسول ﵌ هو الذي عقد العهد بوصفه قائد الأمّة. قال الجصّاص: البراءة: هي قطع الموالاة، وارتفاع العصمة، وزوال الأمان.
стр. 3009
براءة إلى أهل العهد المشركين، وهم أهل مكة وخزاعة ومدلج ومن كان له عهد أو غيرهم من العرب، أي إن الله ورسوله قد برئا من العهد الذي عاهدتم به المشركين، وأنه منبوذ إليهم؛ لأنهم ما عدا ناسا منهم وهم بنو ضمرة وبنو كنانة نكثوا العهد، فنبذ العهد إلى الناكثين، وأمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين أين شاؤوا، لا يتعرض لهم.
وقوله: ﴿فَسِيحُوا﴾ عدول من الخبر إلى الخطاب، أي قل لهم: سيحوا، أي سيروا في الأرض آمنين غير خائفين أحدا من المسلمين. وتبيّن بالآية أن هذه البراءة وهذا النّبذ إليهم، إنما هي بعد أربعة أشهر، وأن عهد المعاهدين باق إلى آخر هذه المدّة (١).
وحددت لهم هذه المدّة ليفكروا في أمرهم، فيختاروا إما الإسلام وإما القتال، ولتكون لديهم فرصة للاستعداد للقتال، إذا أصرّوا على شركهم وعداوتهم. وهذا منتهى التّسامح والإنذار، حتى لا يتهم المسلمون بأخذهم فجأة على غرّة.
والأربعة الأشهر في رأي السيوطي هي: شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرّم؛ لأنه روي عن الزّهري: أن براءة نزلت في شوال.
وقال آخرون كالزّمخشري والرّازي والقرطبي وابن كثير: هي الأشهر الحرم في قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ وذلك لصيانة الأشهر الحرم من القتل والقتال فيها، وهي عشرون من ذي الحجة والمحرّم وصفر وشهر ربيع الأول وعشر من ربيع الآخر، وهذا هو القول الأصحّ في تقديري؛
لأن الإمام علي ﵁ قرأ أوائل سورة براءة على الناس يوم النّحر في منى.
стр. 3010
وليس المراد بالأشهر الأربعة هي الأشهر الحرم المعروفة، وهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرّم ورجب كما ارتأى ابن جرير نقلا عن ابن عباس؛ لأن ذلك مخلّ بالنّظم القرآني، مخالف للإجماع؛ لأن حرمة هذه الأشهر قد نسخت، ومثل هذا القول يقتضي بقاء حرمة الأشهر الحرم. وإنما المراد أشهر التّسيير الأربعة المذكورة آنفا.
والحكمة في إعطاء براءة لعليّ ﵁ لتبليغها: أن براءة تضمّنت نقض العهد الذي كان عقده النّبي ﵌، وكانت سيرة العرب ألا يحلّ العقد إلا الذي عقده، أو رجل من أهل بيته، فأراد النّبي ﵌ أن يقطع ألسنة العرب بالحجة، ويرسل ابن عمه الهاشمي من بيته ينقض العهد، حتى لا يبقى لهم متكلّم.
وتضمّنت الآية جواز قطع العهد بيننا وبين المشركين، وذلك في حالتين:
حالة انقضاء مدّة المعاهدة، فنؤذنهم أي نخبرهم بالحرب، وحالة نقض العهد منهم، أو خوف الغدر منهم، فننبذ إليهم عهدهم.
ثم قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ..﴾. أي واعلموا علم اليقين أنكم لن تفلتوا من عذاب الله بالهرب والتّحصن إن بقيتم على شرككم وعداوتكم، وإن أمهلكم، وهو مخزيكم أي مذلّكم في الدّنيا بالقتل، والآخرة بالعذاب في النّار، كما قال تعالى في مشركي مكة وأمثالهم: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، فَأَذاقَهُمُ اللهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزّمر ٢٥/ ٣٩ - ٢٦].
وبعد أن أعلن الله براءته من المشركين، أمر بإعلان هذه البراءة للناس قاطبة، فقال: ﴿وَأَذانٌ مِنَ اللهِ..﴾. أي وإعلام من الله ورسوله بالبراءة من عهود المشركين إلى الناس جميعا، يوم الحجّ الأكبر وهو يوم النّحر الذي تنتهي
стр. 3011
فيه فرائض الحجّ، وأفضل أيام المناسك، ويجتمع فيه الحجاج في منى لإتمام مناسكهم.
فليس بين البراءتين تكرار؛ لأن البراءة الأولى مختصة بالمعاهدين والنّاكثين العهد منهم، وأما الأذان بالبراءة فعام لجميع الناس، من عاهد ومن لم يعاهد، ومن نكث من المعاهدين، ومن لم ينكث.
وسمّي الأكبر لأنه حجّ فيه أبو بكر، ونبذت فيه العهود. ويوم الحجّ الأكبر في رأي ابن عباس في رواية عنه، وابن مسعود وابن أبي أوفى والمغيرة بن شعبة، وهو مذهب مالك: هو يوم النّحر؛ لأن يوم النّحر فيه الحجّ كله؛ لأن الوقوف بعرفة في ليلته، والرّمي والنّحر والحلق والطّواف في صبيحته.
وهو في رأي عمر وعثمان، وابن عباس في رواية أخرى، وطاوس ومجاهد، ومذهب أبي حنيفة والشافعي: يوم عرفة؛
لحديث مخرمة أنّ النّبي ﵌ قال:
«يوم الحج الأكبر: يوم عرفة».
وروي عن عطاء ومجاهد: الحجّ الأكبر الذي فيه الوقوف بعرفة، والأصغر: العمرة. أي أنّ العمرة تسمّى الحجّ الأصغر.
وكان علي هو المخبر بنقض العهد، مع بقاء إمارة الحج لأبي بكر، كما تقدّم، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: «بعثني أبو بكر في تلك الحجّة في مؤذنين بعثهم يوم النّحر يؤذّنون بمنى: ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان» ثم أردف رسول الله ﵌ بعلي بن أبي طالب، وأمره أن يؤذّن ببراءة، وألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
ثم أكّد الله تعالى الاعلام أو التّبليغ الفوري فقال: ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ..﴾. أي قولوا لهم: فإن تبتم عن الشرك فهو خير لكم، أي أنفع لكم في الدّنيا والآخرة.
стр. 3012
وإن توليتم عن الإيمان، وأعرضتم عن الإسلام، فاعلموا أنكم غير معجزي الله، أي فائتي عذابه، فلن تفلتوا منه، فإنه محيط بكم، ومنزل عقابه عليكم، ولا طاقة لكم بحربه في الدّنيا، ووعده لرسله وللمؤمنين بالنّصر عليكم.
وبشّر أيها الرّسول من أنكر رسالتك، ولم يؤمن بالله وملائكته بعذاب مؤلم شديد الألم في الآخرة. وهذا أسلوب تهكّمي واستهزاء إذ استخدم البشارة بالسّوء محل الإنذار.
ثم استثنى الله تعالى من مدّة التّأجيل بأربعة أشهر لأصحاب العهود المطلقة غير المؤقتة: من له عهد مؤقت، فأجله إلى انتهاء مدة عهده التي عوهد عليها، فقال: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ..﴾. أي إن الإخبار بنقض العهد يسري على جميع المشركين إلا المعاهدين الذين عاهدتموهم، ثم لم ينقصوكم شيئا من شروط العهد، ولم يظاهروا-يعاونوا-عليكم عدوا، كبني ضمرة وبني كنانة ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ﴾ وإن كانت أكثر من أربعة أشهر، بشرط ألا ينقض المعاهد عهده، ولم يظاهر على المسلمين أحدا، أي يمالئ عليهم من سواهم، فهذا الذي يوفى له بذمّته وعهده، وأكّد تعالى وجوب الوفاء بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ أي الموفين بعهدهم.
قال ابن عباس: بقي لحي من كنانة من عهدهم تسعة أشهر، فأتمّ إليهم عهدهم.
وهذا دليل قاطع على حرمة المعاهدات في الإسلام، وأن الوفاء بالعهد من فرائض الإسلام ما دامت مدّة المعاهدة قائمة، وأن العهد المؤقّت لا ينقض إلا بانتهاء وقته، وأن مراعاة شروط المعاهد من مظاهر التّقوى ومشتملاتها.
стр. 3013
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيات على ما يلي:
١ - نقض معاهدات المشركين المطلقة غير المؤقّتة بزمن؛ لأنهم نكثوا العهد وأخلّوا بشروط التّعاهد.
٢ - من كان له عهد دون أربعة أشهر، تكمل له مدّة أربعة أشهر.
٣ - مدة الأمان وحريّة الانتقال والتّأمل في المصير، إما باعتناق الإسلام أو بالدّخول في القتال: هي أربعة أشهر، تبدأ بعد عيد الأضحى أو يوم النحر، وتنتهي في عاشر شهر ربيع الآخر سنة عشر. وهي دليل واضح على حرص الإسلام على تسوية العلاقات الخارجية مع الأعداء على أساس من السّلم والأمن والتّفاهم.
٤ - من كان له عهد مؤقّت، فيبقى على عهده إلى انتهاء مدّته، مهما كان، ما لم ينقض العهد، أو يخلّ بشرط من شروطه.
٥ - الإسلام يقدّس العهود ويوجب الوفاء بها ويجعل احترامها نابعا من الإيمان، وملازما لتقوى الله تعالى.
٦ - لن يعجز الله أحد من الكفار ولن يفوت من العقاب في الدّنيا، وللكافرين عذاب أليم في الآخرة، كيلا يظن أحد أنّ عذاب الدّنيا لما فات وزال، فقد تخلّص من العذاب، بل العذاب الشّديد معدّ له يوم القيامة.
٧ - إن افتتاح السورة بالبراءة وبدون بسملة يدخل في النّفس الرّهبة الشّديدة والخوف الأشدّ.
٨ - لا يأس في شرعة القرآن، فقد فتح الله باب التوبة والأمل أمام الكفار، وهددهم بالعذاب إن تولوا عن الإسلام.
стр. 3014
فرضية قتال مشركي العرب في أي مكان وجدوا
﴿فَإِذَا اِنْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاُحْصُرُوهُمْ وَاُقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾
الإعراب:
﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ إما منصوب بتقدير حذف حرف الجرّ، أي على كل مرصد وهو المنصوب بنزع الخافض، وإما منصوب على الظرف.
البلاغة:
﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ فيه استعارة، شبّه انقضاء الشّهر بالانسلاخ الواقع بين الحيوان وجلده.
المفردات اللغوية:
﴿فَإِذَا انْسَلَخَ﴾ خرج وانقضى، شبّه مضي الزّمان بانسلاخ الجلد المحيط بالشّاة، لانتهاء تعلقه به. ﴿الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ جمع حرام، وهي آخر مدّة التّأجيل، وهي الأشهر التي أبيح للناكثين أن يسيحوا في الأرض، ويحرّم فيها قتالهم، وهي يوم النّحر إلى العاشر من ربيع الآخر، كما تقدّم.
﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ في حلّ أو حرم. ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ أي أسروهم، والأخيذ: الأسير.
﴿وَاحْصُرُوهُمْ﴾ امنعوهم من الخروج والتّنقل في البلاد، واحبسوهم وحاصروهم في القلاع والحصون حتى يضطروا إلى القتل أو الإسلام. ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ أي اقعدوا لهم على كل مرصد، أي ممرّ وطريق يجتازونه في أسفارهم.
﴿فَإِنْ تابُوا﴾ من الكفر. ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ اتركوهم ولا تتعرّضوا لهم. ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لمن استغفره وتاب، يستر ذنوبه، ويرحم شأنه.
стр. 3015
المناسبة:
هذه الآية مفرعة على ما قبلها، فبعد أن أعلن تعالى البراءة من عهود المشركين، وأعطاهم مهلة أمان، أربعة أشهر، ذكر ما يجب على المؤمنين فعله:
وهو قتالهم في أي مكان في الحلّ أو الحرم.
التفسير والبيان:
هذه هي آية السّيف، إذ جاء الأمر فيها بالقتال، ومعناها: إذا انقضت الأشهر الأربعة الحرم التي حرم فيها القتل والقتال بين المسلمين والمشركين، من يوم النّحر إلى العاشر من ربيع الآخر، على الرّاجح لدى المفسّرين، وأجلناهم فيها، فافعلوا معهم ما يحقق المصلحة الحربية التي ترونها من اتّخاذ أحد التدابير الآتية:
أن تقتلوهم في أي مكان وجدوا فيه، من حلّ أو حرم.
أو تأخذوهم أسرى إن شئتم، والأسر إنما يكون للقتل أو الفداء أو المنّ على ما يراه الإمام.
أو تحاصروهم في مواقعهم من القلاع والحصون، وتمنعوهم من الخروج حتى يسلموا، ويرضخوا لما تملونه عليهم من الشروط، إلا أن تأذنوا لهم، فيدخلوا إليكم بأمان.
أو تقعدوا لهم في كل مرصد، أي تراقبوهم في كل موضع أو طريق أو ممرّ يجتازونه في أسفارهم، حتى تضطروهم إلى الإسلام أو القتل، وحتى تملؤوا قلوبهم خوفا ورهبة منكم. والمرصد: الموضع الذي يرقب فيه العدو، وهو موضع الغرّة والمباغتة.