فيه فرائض الحجّ، وأفضل أيام المناسك، ويجتمع فيه الحجاج في منى لإتمام مناسكهم.
فليس بين البراءتين تكرار؛ لأن البراءة الأولى مختصة بالمعاهدين والنّاكثين العهد منهم، وأما الأذان بالبراءة فعام لجميع الناس، من عاهد ومن لم يعاهد، ومن نكث من المعاهدين، ومن لم ينكث.
وسمّي الأكبر لأنه حجّ فيه أبو بكر، ونبذت فيه العهود. ويوم الحجّ الأكبر في رأي ابن عباس في رواية عنه، وابن مسعود وابن أبي أوفى والمغيرة بن شعبة، وهو مذهب مالك: هو يوم النّحر؛ لأن يوم النّحر فيه الحجّ كله؛ لأن الوقوف بعرفة في ليلته، والرّمي والنّحر والحلق والطّواف في صبيحته.
وهو في رأي عمر وعثمان، وابن عباس في رواية أخرى، وطاوس ومجاهد، ومذهب أبي حنيفة والشافعي: يوم عرفة؛
لحديث مخرمة أنّ النّبي ﵌ قال:
«يوم الحج الأكبر: يوم عرفة».
وروي عن عطاء ومجاهد: الحجّ الأكبر الذي فيه الوقوف بعرفة، والأصغر: العمرة. أي أنّ العمرة تسمّى الحجّ الأصغر.
وكان علي هو المخبر بنقض العهد، مع بقاء إمارة الحج لأبي بكر، كما تقدّم، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: «بعثني أبو بكر في تلك الحجّة في مؤذنين بعثهم يوم النّحر يؤذّنون بمنى: ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان» ثم أردف رسول الله ﵌ بعلي بن أبي طالب، وأمره أن يؤذّن ببراءة، وألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
ثم أكّد الله تعالى الاعلام أو التّبليغ الفوري فقال: ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ..﴾. أي قولوا لهم: فإن تبتم عن الشرك فهو خير لكم، أي أنفع لكم في الدّنيا والآخرة.
стр. 3012
وإن توليتم عن الإيمان، وأعرضتم عن الإسلام، فاعلموا أنكم غير معجزي الله، أي فائتي عذابه، فلن تفلتوا منه، فإنه محيط بكم، ومنزل عقابه عليكم، ولا طاقة لكم بحربه في الدّنيا، ووعده لرسله وللمؤمنين بالنّصر عليكم.
وبشّر أيها الرّسول من أنكر رسالتك، ولم يؤمن بالله وملائكته بعذاب مؤلم شديد الألم في الآخرة. وهذا أسلوب تهكّمي واستهزاء إذ استخدم البشارة بالسّوء محل الإنذار.
ثم استثنى الله تعالى من مدّة التّأجيل بأربعة أشهر لأصحاب العهود المطلقة غير المؤقتة: من له عهد مؤقت، فأجله إلى انتهاء مدة عهده التي عوهد عليها، فقال: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ..﴾. أي إن الإخبار بنقض العهد يسري على جميع المشركين إلا المعاهدين الذين عاهدتموهم، ثم لم ينقصوكم شيئا من شروط العهد، ولم يظاهروا-يعاونوا-عليكم عدوا، كبني ضمرة وبني كنانة ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ﴾ وإن كانت أكثر من أربعة أشهر، بشرط ألا ينقض المعاهد عهده، ولم يظاهر على المسلمين أحدا، أي يمالئ عليهم من سواهم، فهذا الذي يوفى له بذمّته وعهده، وأكّد تعالى وجوب الوفاء بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ أي الموفين بعهدهم.
قال ابن عباس: بقي لحي من كنانة من عهدهم تسعة أشهر، فأتمّ إليهم عهدهم.
وهذا دليل قاطع على حرمة المعاهدات في الإسلام، وأن الوفاء بالعهد من فرائض الإسلام ما دامت مدّة المعاهدة قائمة، وأن العهد المؤقّت لا ينقض إلا بانتهاء وقته، وأن مراعاة شروط المعاهد من مظاهر التّقوى ومشتملاتها.
стр. 3013
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيات على ما يلي:
١ - نقض معاهدات المشركين المطلقة غير المؤقّتة بزمن؛ لأنهم نكثوا العهد وأخلّوا بشروط التّعاهد.
٢ - من كان له عهد دون أربعة أشهر، تكمل له مدّة أربعة أشهر.
٣ - مدة الأمان وحريّة الانتقال والتّأمل في المصير، إما باعتناق الإسلام أو بالدّخول في القتال: هي أربعة أشهر، تبدأ بعد عيد الأضحى أو يوم النحر، وتنتهي في عاشر شهر ربيع الآخر سنة عشر. وهي دليل واضح على حرص الإسلام على تسوية العلاقات الخارجية مع الأعداء على أساس من السّلم والأمن والتّفاهم.
٤ - من كان له عهد مؤقّت، فيبقى على عهده إلى انتهاء مدّته، مهما كان، ما لم ينقض العهد، أو يخلّ بشرط من شروطه.
٥ - الإسلام يقدّس العهود ويوجب الوفاء بها ويجعل احترامها نابعا من الإيمان، وملازما لتقوى الله تعالى.
٦ - لن يعجز الله أحد من الكفار ولن يفوت من العقاب في الدّنيا، وللكافرين عذاب أليم في الآخرة، كيلا يظن أحد أنّ عذاب الدّنيا لما فات وزال، فقد تخلّص من العذاب، بل العذاب الشّديد معدّ له يوم القيامة.
٧ - إن افتتاح السورة بالبراءة وبدون بسملة يدخل في النّفس الرّهبة الشّديدة والخوف الأشدّ.
٨ - لا يأس في شرعة القرآن، فقد فتح الله باب التوبة والأمل أمام الكفار، وهددهم بالعذاب إن تولوا عن الإسلام.
стр. 3014
فرضية قتال مشركي العرب في أي مكان وجدوا
﴿فَإِذَا اِنْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاُحْصُرُوهُمْ وَاُقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾
الإعراب:
﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ إما منصوب بتقدير حذف حرف الجرّ، أي على كل مرصد وهو المنصوب بنزع الخافض، وإما منصوب على الظرف.
البلاغة:
﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ فيه استعارة، شبّه انقضاء الشّهر بالانسلاخ الواقع بين الحيوان وجلده.
المفردات اللغوية:
﴿فَإِذَا انْسَلَخَ﴾ خرج وانقضى، شبّه مضي الزّمان بانسلاخ الجلد المحيط بالشّاة، لانتهاء تعلقه به. ﴿الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ جمع حرام، وهي آخر مدّة التّأجيل، وهي الأشهر التي أبيح للناكثين أن يسيحوا في الأرض، ويحرّم فيها قتالهم، وهي يوم النّحر إلى العاشر من ربيع الآخر، كما تقدّم.
﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ في حلّ أو حرم. ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ أي أسروهم، والأخيذ: الأسير.
﴿وَاحْصُرُوهُمْ﴾ امنعوهم من الخروج والتّنقل في البلاد، واحبسوهم وحاصروهم في القلاع والحصون حتى يضطروا إلى القتل أو الإسلام. ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ أي اقعدوا لهم على كل مرصد، أي ممرّ وطريق يجتازونه في أسفارهم.
﴿فَإِنْ تابُوا﴾ من الكفر. ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ اتركوهم ولا تتعرّضوا لهم. ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لمن استغفره وتاب، يستر ذنوبه، ويرحم شأنه.
стр. 3015
المناسبة:
هذه الآية مفرعة على ما قبلها، فبعد أن أعلن تعالى البراءة من عهود المشركين، وأعطاهم مهلة أمان، أربعة أشهر، ذكر ما يجب على المؤمنين فعله:
وهو قتالهم في أي مكان في الحلّ أو الحرم.
التفسير والبيان:
هذه هي آية السّيف، إذ جاء الأمر فيها بالقتال، ومعناها: إذا انقضت الأشهر الأربعة الحرم التي حرم فيها القتل والقتال بين المسلمين والمشركين، من يوم النّحر إلى العاشر من ربيع الآخر، على الرّاجح لدى المفسّرين، وأجلناهم فيها، فافعلوا معهم ما يحقق المصلحة الحربية التي ترونها من اتّخاذ أحد التدابير الآتية:
أن تقتلوهم في أي مكان وجدوا فيه، من حلّ أو حرم.
أو تأخذوهم أسرى إن شئتم، والأسر إنما يكون للقتل أو الفداء أو المنّ على ما يراه الإمام.
أو تحاصروهم في مواقعهم من القلاع والحصون، وتمنعوهم من الخروج حتى يسلموا، ويرضخوا لما تملونه عليهم من الشروط، إلا أن تأذنوا لهم، فيدخلوا إليكم بأمان.
أو تقعدوا لهم في كل مرصد، أي تراقبوهم في كل موضع أو طريق أو ممرّ يجتازونه في أسفارهم، حتى تضطروهم إلى الإسلام أو القتل، وحتى تملؤوا قلوبهم خوفا ورهبة منكم. والمرصد: الموضع الذي يرقب فيه العدو، وهو موضع الغرّة والمباغتة.
стр. 3016
فإن تابوا عن الكفر أو الشرك الذي حملهم على قتالكم وعداوتكم، ودخلوا في الإسلام بأن أعلنوا الشّهادتين، وأقاموا حدوده، والتزموا أركانه، من إقامة الصلاة، وإيتاء الزّكاة، فخلّوا سبيلهم، واتركوهم وشأنهم، واعلموا أن الله غفور لمن استغفره، رحيم بمن تاب إليه.
وقد نبّه على إقامة الصّلاة التي هي حقّ الله بعد أداء الشّهادتين؛ لأنها أشرف أركان الإسلام بعد الشّهادتين، وبعدها أداء الزّكاة التي هي أشرف الأفعال المتعلّقة بالمخلوقين، وتؤدّي إلى تحقيق التّكافل الاجتماعي في الإسلام، وتساهم في حلّ مشكلة الفقر، ونفع الفقراء، ولهذا كثيرا ما يقرن الله بين الصلاة والزّكاة.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآية على ما يأتي:
١ - وجوب قتال المشركين العرب حتى يسلموا؛ إذ لا يقبل منهم باعتبارهم حملة رسالة الدّعوة الإسلامية إلى العالم إلا الإسلام أو القتل.
٢ - إنّ إقامة الصّلاة أو إيتاء الزّكاة دليل على الإسلام، وأنهما يعصمان الدّم والمال، ويوجبان لمن يؤدّيهما حقوق المسلمين من حفظ دمه وماله إلا بحق الإسلام، كارتكاب ما يوجب القتل من قتل النفس البريئة، وزنى الزّاني المحصن، والرّدّة إلى الكفر بعد الإيمان،
قال النّبي ﵌ فيما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود وغيره: «لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس».
وروى الشّيخان وغيرهما عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﵌ أنه قال-وهو حديث متواتر-: «أمرت أن أقاتل الناس-أي مشركي العرب
стр. 3017
بالإجماع-حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدا رسول الله، ويقيموا الصّلاة، ويؤتوا الزّكاة، فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلاّ بحقّ الإسلام، وحسابهم على الله».
واشتراط الأمور الثلاثة للتّحقق من إسلام المشركين؛ لأن النّطق بالشّهادتين يدلّ على ترك عبادة غير الله، وطاعة الرّسول فيما يبلّغه عن ربّه، وإقامة الصّلاة خمس مرات في اليوم والليلة، أمارة على الانخراط في سلك الرّابطة الدّينية الاجتماعية بين المسلمين، وأداء الزّكاة دليل على احترام النّظام المالي الاجتماعي في الإسلام.
٣ - احتجّ الشّافعي بهذه الآية على أنّ تارك الصّلاة يقتل؛ لأنه تعالى أباح دماء الكفار بجميع الحالات، ثم حرّمها عند مجموع هذه الثلاثة: وهي التوبة عن الكفر، وإقامة الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، فإذا لم يوجد هذا المجموع، وجب أن يبقى إباحة الدّم على الأصل.
ورأى الجصّاص الحنفي أن المراد من قوله تعالى: ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ﴾ قبول لزومهما والتزام فرضهما دون فعلهما (١).
٤ - نقل عن أبي بكر الصّدّيق ﵁ أنه كان يقول في مانعي الزّكاة:
«لا أفرّق بين ما جمع الله» وقال أيضا: «لأقاتلنّ من فرّق بين الصّلاة والزّكاة؛ فإن الزّكاة حقّ المال». وقال ابن عباس: رحم الله أبا بكر ما كان أفقهه.
ولا خلاف بين المسلمين أن من ترك الصّلاة وسائر الفرائض مستحلاّ كفر، ومن ترك السّنن متهاونا فسق، ومن ترك النّوافل لم يحرج؛ إلا أن يجحد فضلها
стр. 3018
فيكفر؛ لأنه يصير رادّا على الرّسول ﵊ ما جاء به وأخبر عنه (١).
واختلف العلماء فيمن ترك الصّلاة كسلا من غير جحد لها ولا استحلال؛ فقال مالك والشّافعي: من آمن بالله، وصدّق المرسلين، وأبى أن يصلّي قتل.
وقال أبو حنيفة: يسجن ويضرب، ولا يقتل؛ لأنه إذا زال حكم القتل بزوال سمة الشّرك، فالحصر والحبس باق لترك الصّلاة ومنع الزّكاة، فمن ترك الصّلاة ومنع الزّكاة حبسه الإمام، فاستفيد الحبس من الآية.
٥ - هذه الآية دالّة على أنّ من قال: قد تبت، أنه لا يجتزأ بقوله حتى ينضاف إلى ذلك أفعاله المحقّقة للتّوبة؛ لأن الله شرط هنا مع التّوبة إقامة الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، ليحقّق بهما التّوبة. وقال في آية الرّبا: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ﴾ [البقرة ٢٧٩/ ٢]، وقال: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة ١٦٠/ ٢].
٦ - قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ عام في كل مشرك وفي كل من كفر بالله، كما ذكر ابن العربي، لكن السّنّة خصّت منه المرأة والصّبي والرّاهب، وخصّ من القتل المثلة للنّهي عنها في السّنّة، وعن قتل الصّبر بالنّبل ونحوه،
وقال النّبي ﵌ فيما رواه أبو داود وابن ماجه عن ابن مسعود: «أعفّ الناس قتلة: أهل الإيمان»، و
قال فيما رواه الجماعة عن شدّاد بن أوس: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة».
والمراد بالآية: اقتلوا المشركين الذين يحاربونكم (٢). فيقتل مشركو العرب أو يسلموا. وخصّت الآية أيضا بأهل الكتاب بإقرارهم على الجزية فيخيرون بين الإسلام أو الجزية أو القتل، كما سيأتي في آية: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة ٢٩/ ٩]
стр. 3019
وفي حديث بريدة الذي رواه مسلم: «إذا لقيتم المشركين فادعوهم إلى الإسلام، فإن أبوا فادعوهم إلى أداء الجزية، فإن فعلوا فخذوا منهم وكفوا عنهم» وهذا الحديث وإن كان عامّا في سائر المشركين إلا أنه استثني منه مشركو العرب بالآية.
وصار قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ خاصّا في مشركي العرب دون غيرهم (١).
٧ - دلّ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ على أنه يغفر لهم ما سلف من الكفر والغدر.
مشروعيّة الأمان
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اِسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (٦)﴾
الإعراب:
﴿وَإِنْ أَحَدٌ﴾: ارتفع ﴿أَحَدٌ﴾ بفعل الشرط المقدر الذي دلّ عليه الظاهر وفسّره، تقديره: وإن استجارك أحد، ولا يرتفع بالابتداء؛ لأن ﴿إِنْ﴾ من حروف الشرط، لا تدخل إلا على الفعل، فوجب تقديره، فارتفع الاسم بعده؛ لأنه فاعله.
المفردات اللغوية:
﴿اِسْتَجارَكَ﴾ طلب جوارك، أي حمايتك وأمانك واستأمنك من القتل. ﴿فَأَجِرْهُ﴾ أمّنه. ﴿كَلامَ اللهِ﴾ أي القرآن. ﴿مَأْمَنَهُ﴾ مكان أمنه، وهو مسكنه الذي يأمن فيه، أو دار قومه، إن لم يؤمن، لينظر في أمره. ﴿ذلِكَ﴾ المذكور. ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ الإسلام أو دين
стр. 3020
الله وحقيقته، فلا بدّ لهم من إعطاء الأمان، لسماع القرآن، وفهم الحقّ، ليعلموا، ولا يبقى لهم معذرة.
المناسبة:
بعد أن أوجب الله تعالى قتال المشركين بعد مهلة الأمان التي هي أربعة أشهر حرم، لنقضهم العهود، أبان تعالى أن المطالبة بالإسلام أو القتل لا يعني عدم تمكين المشركين من سماع أدلّة الإيمان، فلو طلب أحد من المشركين الدّليل والحجّة، أو جاء طالبا استماع القرآن، فإنه يجب إمهاله، ويحرم قتله، ويجب إيصاله إلى مأمنه، ليكون على بيّنة وعلم من أمره.
التّفسير والبيان:
بالرّغم من نزول آية السّيف الشّديدة الوطأة على مشركي العرب، ونظرا لأن الإسلام يحرص على نشر دعوته بالوسائل السلمية، وبالإقناع والحجة والبرهان، وأنه ليس الهدف من تشريع الجهاد سفك الدّماء، وإنما المهم الوصول إلى الإيمان وترك الجحود، وقبول الدّين والإقرار بالتّوحيد، بالرّغم من كلّ ذلك وتقديرا لأسباب مشروعية القتال، وتأكيد الحرص على السّلام، أرشد الله المؤمنين إلى وجوب قبول الأمان ومنحه لمن استأمن المسلم من المشركين.
والمعنى: وإن جاءك أحد من المشركين الذين نقضوا العهد بعد انقضاء مهلة السياحة في الأرض بحرية مطلقة وهي الأشهر الأربعة، يطلب الأمان ليسمع كلام الله ويتدبّره، ويفهم حقيقة الدّين والأمر، فيجب تأمينه وحمايته حتى يصل إلى غايته، ويحرم قتله والتّعدّي عليه.
ومتى أراد العودة لبلاده يجب منحه الأمان حتى يصل إلى وطنه الذي يأمن فيه أو داره وبلاده ومأمنه، ثم قاتله بعدئذ إن شئت من غير غدر ولا خيانة.
стр. 3021
وهذا الحكم ثابت في كلّ وقت، قال الحسن ﵁: هي محكمة إلى يوم القيامة.
وعن سعيد بن جبير: جاء رجل من المشركين إلى علي ﵁ فقال: إن أراد الرجل منا أن يأتي محمدا بعد انقضاء هذا الأجل يسمع كلام الله، أو يأتيه لحاجة قتل؟ قال: لا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ﴾.
وروي عن السّدّي والضّحّاك ﵄: هي منسوخة بقوله تعالى:
﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾. وردّ القرطبي: والصّحيح أن الآية محكمة، بدليل ما قاله الإمام علي ﵁ فيما رواه عنه ابن جبير من الكلام السابق.
ثم قال تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ يعني أن ذلك التّسامح المفهوم من الأمر بإجارة المستجير في قوله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ﴾ وإبلاغه مأمنه، بسبب أن هؤلاء المشركين قوم جهلة، لا يعلمون حقيقة الإسلام وما يدعو إليه، ومن جهل شيئا عاداه، فلا بدّ من إعطائهم الأمان حتى يسمعوا ويفهموا الحق.
وبناء عليه كان رسول الله ﵌ يعطي الأمان لمن جاءه مسترشدا أو حاملا رسالة، كما جاءه يوم الحديبية جماعة من الرّسل من قريش، منهم عروة بن مسعود، ومكرز بن حفص، وسهيل بن عمرو وغيرهم، واحدا بعد واحد، يتردّدون في القضيّة بينه وبين المشركين، فرأوا من إعظام رسول الله ﵌ ما بهرهم، وما لم يشاهدوه عند ملك ولا قيصر، فرجعوا إلى قومهم وأخبروهم بذلك. وكان ذلك من أكبر أسباب هداية أكثرهم.
ولما قدم رسولا مسيلمة الكذّاب على رسول الله ﵌ قال لهما: أتشهدان أن مسيلمة رسول الله؟ قالا: نعم، فقال رسول الله ﵌ فيما رواه أحمد وأبو داود عن نعيم بن مسعود: «والله لولا أنّ الرّسل لا تقتل، لضربت أعناقكما».
والآية تفيد عموم حكم الأمان لأهداف دينيّة أو سياسيّة أو تجاريّة، قال
стр. 3022
ابن كثير: والغرض أنّ من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام في أداء رسالة أو تجارة أو طلب صلح أو مهادنة أو حمل جزية أو نحو ذلك من الأسباب، وطلب من الإمام أو نائبه أمانا، أعطي أمانا، ما دام متردّدا في دار الإسلام، وحتى يرجع إلى مأمنه ووطنه (١).
ونص الحنفيّة والشافعيّة وغيرهم على أن الحربي إذا دخل دار الإسلام مستجيرا لغرض شرعي كسماع كلام الله، أو دخل بأمان للتّجارة، وجب تأمينه وحماية نفسه وماله، إلى أن يبلغ داره التي يأمن فيها، فإن دخل الحربي دار الإسلام بلا أمان، كان مغنوما مع ماله. وقال ابن العربي: الآية إنما هي فيمن يريد سماع القرآن والنّظر في الإسلام، فأما الإجارة لغير ذلك فإنما هي لمصلحة المسلمين ومنفعتهم (٢).
ولا يقتصر الأمر على مجرد كون المستجير طالبا لسماع القرآن، كما صرّحت الآية، وإنما يلحق به كونه طالبا لسماع الأدلّة على كون الإسلام حقّا، وكونه طالبا الجواب عن الشّبهات التي عنده؛ لأن كلّ هؤلاء يطلبون العلم ويسترشدون عن الحقّ.
والمراد بالسّماع: أن يسمع ما تقوم به الحجّة، ويتبيّن به بطلان الشّرك وحقيقة التّوحيد والبعث وصدق الرّسول في تبليغه عن الله، وكلّ ما يدلّ على أنّ الإسلام حقّ، سواء أكان سورة براءة أو جميع القرآن، أو غير ذلك من الأدلّة العقليّة والبراهين العلميّة.
стр. 3023
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآية ما يأتي:
١ - مشروعيّة الأمان، أي جواز تأمين الحربي إذا طلبه من المسلمين، ليسمع ما يدلّ على صحّة الإسلام، وفي هذا سماحة وتكريم في معاملة الكفار، ودليل على إيثار السّلم.
٢ - يجب علينا تعليم كلّ من التمس منّا تعلّم شيء من أحكام الدّين.
٣ - يجب على الإمام حماية الحربي المستجير، وصون دمه وماله ونفسه من الأذى، ومنع التّعرّض له بأي شيء من ألوان الإيذاء.
٤ - يجب على الإمام تبليغه مأمنه، أي وطنه وبلاده بعد قضاء حاجته، فلا يجوز تمكينه من الإقامة في دار الإسلام إلا بمقدار قضاء حاجته، عملا بالآية:
﴿فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ (١)، قال العلماء: لا يجوز أن يمكّن من الإقامة في دار الإسلام سنة، ويجوز أن يمكّن من إقامة أربعة أشهر (٢).
ونصّ الحنفيّة على أنه يجب على الإمام أن يأمره بالخروج متى انتهت حاجته، وأن يعلمه بأنه إن أقام بعد الأمر بالخروج سنة في دار الإسلام، صار ذميّا مواطنا، وتفرض عليه الجزية (٣).
٥ - دلّ قوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ على أن التّقليد في الدّين غير مقبول، وأنه لا بدّ من تكوين الاعتقاد والإيمان بالنّظر والاستدلال، بدليل إمهال الكفار وتأمينه وتبليغه مأمنه لسماع أدلّة الإيمان، فلا بدّ من الحجّة والبرهان.
стр. 3024
٦ - قوله تعالى: ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ دليل على أن كلام الله مسموع عند قراءة القارئ لكلامه. ويدلّ عليه إجماع المسلمين على أنّ القارئ إذا قرأ فاتحة الكتاب أو سورة قالوا: سمعنا كلام الله. لكن ذلك كما قال ابن العربي بواسطة اللغات، وبدلالة الحروف والأصوات، أما القدوس فلا مثل له ولا لكلامه.
واستدلّ المعتزلة بهذه الآية على أنّ كلام الله الذي يسمعه كلّ الناس ليس إلا هذه الحروف والأصوات، وهذه ليست قديمة، فدلّ هذا على أنّ كلام الله محدث مخلوق غير قديم.
وأجابهم الرّازي بأن الذي نسمعه ليس عين كلام الله على مذهبكم، وإنما نسمع حروفا وأصواتا فعلها الإنسان. وهذا لا شكّ حادث، وأما الكلام الأصلي الصادر عن الله فهو قديم قدم الله تعالى.
وهل كلّ أمان من المسلم للحربي نافذ؟ لا شكّ أن أمان السّلطان جائز؛ لأنه قائم للنّظر في مصالح الأمة وأحوالها، نائب عن الجميع في جلب المنافع والمضارّ. وأما أمان غير الخليفة فمختلف في بعض حالاته، فقال الجمهور: يجوز أمان الحرّ والعبد، والكبير والصّبي، والرّجل والمرأة؛
لقوله ﵌ فيما رواه أحمد والنسائي وأبو داود عن علي: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم».
وقال أبو حنيفة: لا أمان للعبد والمرأة والصّبي؛ لأنه لا يسهم لهم في الغنيمة.
стр. 3025
أسباب البراءة من عهود المشركين وقتالهم
﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اِسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ (٨) اِشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠)﴾
الإعراب:
﴿كَيْفَ يَكُونُ﴾ كيف: محلها النصب على التشبيه بالظرف أو الحال. ويكون إما تامة أو ناقصة، وعهد: اسمها، وخبرها إما ﴿كَيْفَ﴾ أو ﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أو ﴿عِنْدَ اللهِ﴾.
﴿إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ هم المستثنون من قبل، ومحله النصب على الاستثناء، أو الجر على البدل أو الرفع على أن الاستثناء منقطع، أي ولكن الذين عاهدتم فاستقيموا لهم.
﴿فَمَا اسْتَقامُوا﴾ ما: شرطية أو مصدرية.
﴿وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ جملة الشرط حال، أي حالهم أنهم لا يراعوا حلفا.
المفردات اللغوية:
﴿كَيْفَ يَكُونُ﴾ أي لا يكون، وهو استفهام في معنى الاستنكار والاستبعاد لأن يكون لهم عهد وهم أعداء حاقدون. ﴿لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ وهم كافرون بالله ورسوله غادرون. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ يوم الحديبية وهم قريش المستثنون من قبل.
﴿فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ﴾ أقاموا على العهد ولم ينقضوه. ﴿فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ على الوفاء بالعهد.
стр. 3026
﴿كَيْفَ﴾ يكون لهم عهد، تكرار لاستبعاد ثبات المشركين على العهد، وحذف الفعل لكونه معلوما. ﴿وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ يظفروا بكم ويغلبوكم. ﴿لا يَرْقُبُوا﴾ لا يراعوا، ومنه: فلان لا يرقب الله في أموره، أي لا ينظر إلى عقابه. ﴿إِلاًّ﴾ الإل: الحلف، وقيل: القرابة، واشتقاق الإلّ بمعنى الحلف؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا، رفعوا به أصواتهم وشهروه، من الإل: وهو الجؤار.
وسميت به القرابة لأن القرابة عقدت بين الرجلين ما لا يعقده الميثاق. ﴿وَلا ذِمَّةً﴾ الذمة والذمام:
العهد، الذي يلزم من ضيّعه الذمّ. ﴿فاسِقُونَ﴾ المراد به هنا ناقضون للعهد والميثاق، متجاوزون ما يوجبه الصدق والوفاء. والعهد: ما يتفق طرفان من الناس على التزامه بينهما لمصلحتهما المشتركة، فإن أكداه بما يقتضي زيادة العناية بحفظه والوفاء به سمي ميثاقا، وإن أكداه باليمين خاصة سمي يمينا.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى براءة الله ورسوله من عهود المشركين، وإعلان الحرب عليهم بعد أربعة أشهر إلا من يستجير أو يستأمن لسماع كلام الله أو للرسالة أو للتجارة، أبان سبب البراءة من المشركين وإمهاله إياهم أربعة أشهر، ثم مناجزتهم بكل أنواع القتال، وهو نقضهم العهود ومعاملتهم بالمثل.
التفسير والبيان:
كيف يكون للمشركين الناكثين للعهد عهد محترم عند الله وعند رسوله؟ وهذا استفهام بمعنى الإنكار والاستبعاد لأن يكون لهم عهد، وهم في الواقع أعداء الداء حاقدون مضمرون الغدر، مشركون بالله، كافرون به وبرسوله، يعني محال أن يثبت لهم عهد، فلا تطمعوا في ذلك. وهذا بيان حكمة البراءة وسببها.
ثم استدرك واستثنى الذين عاهدتم عند المسجد الحرام، وهم بنو بكر وبنو ضمرة الذين لم ينقضوا عهودهم المعقودة معهم يوم الحديبية، أي ليس العهد إلا لهؤلاء الذين لم ينقضوا ولم ينكثوا، وهم المستثنون من قبل في قوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً﴾.
стр. 3027
والمراد بالمسجد الحرام: جميع الحرم كما هي عادة القرآن، إلا ما استثني، فالعندية فيه على حذف مضاف أي قرب المسجد الحرام.
فهؤلاء حكمهم أنهم ما استقاموا لكم فاستقيموا لهم، أي فما أقاموا على الوفاء بعهدكم، فأقيموا لهم على مثل ذلك. فأما من لا عهد له فقاتلوه حيث وجدتموه إلا أن يتوب. وهو كقوله: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ﴾ غير أن الكلام هنا مطلق، والآية النظير مقيدة. وأعيد ذكرهم هنا لبيان أنه يجب أن تكون الاستقامة على العهد مرعية من الطرفين المتعاقدين إلى نهاية المدة، وأما غيرهم فينبذ عهدهم.
ثم أكد الله تعالى ضرورة الوفاء لهم بالعهد بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ أي يرضى عن الذين يوفون بالعهد، ويتقون الغدر ونقض العهد. وهذا تعليل لوجوب الامتثال، وتبيين بأن مراعاة العهد من باب التقوى، وإن كان المعاهد مشركا.
ثم كرر الله تعالى قوله: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا﴾ لاستبعاد ثبات المشركين على العهد، أي كيف يكون لغير الذين يوفون بعهدهم عهد مشروع محترم واجب الوفاء عند الله وعند رسوله؟ والحال أنهم إن يظفروا بكم، لم يراعوا حلفا ولا قرابة ولا عهدا. وهذا تحريض للمؤمنين على معاداتهم والتبري منهم، وتبيان أنهم لا يستحقون أن يكون لهم عهد، لشركهم بالله تعالى وكفرهم برسوله، ولأنهم إن تغلبوا على المسلمين لم يبقوا ولم يذروا، ولا يراعوا فيهم إلاّ ولا ذمة أي حلفا وعهدا.
ومن خبثهم وضغينتهم أنهم قوم مخادعون يظهرون الكلام الحسن بأفواههم، وقلوبهم مملوءة حقدا وحسدا وكراهية: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح ١١/ ٤٨] وأكثرهم فاسقون أي متمردون لا عقيدة تزعهم ولا مروءة تردعهم،
стр. 3028
خارجون من أصول الدين والمروءة والأخلاق، متجاوزون حدود الصدق والوفاء، متحللون من قيود العهد والميثاق. وقال: ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ لأن نقض العهد كان من الأكثرين، وهناك أقلية حافظت على الوفاء بالعهد، استثناهم تعالى وأمر بالوفاء بعهدهم.
ثم ذكر تعالى سببين آخرين للبراءة والقتال وهما:
١ - إنهم اشتروا أي اعتاضوا واستبدلوا بآيات الله الدالة على الحق والخير والتوحيد ثمنا قليلا حقيرا من متاع الدنيا، وهو اتباع الأهواء والشهوات، والالتهاء بأمور الدنيا الخسيسة، فصدوا عن سبيله، أي عدلوا بسبب هذا الشراء الخسيس أنفسهم عن الإسلام وأخلاقه، وصرفوا أيضا غيرهم عنه، فمنعوا الناس من اتباع الدين الحق، إنهم ساء ما كانوا يعملون، أي بئس العمل عملهم، وقبح ما ارتضوه لأنفسهم من الكفر والضلالة والصدّ عن دين الله، بدلا من الإيمان والهدى، واتباع شرع الله. روي أن أبا سفيان لما أراد إقناع قريش وحلفائها بنقض عهد الحديبية، صنع لهم طعاما استمالهم به، فأجابوه إلى ما طلب.
٢ - وهم من أجل كفرهم لا يراعون في شأن مؤمن قدروا على الفتك به حلفا ولا قرابة ولا عهدا على الإطلاق، وأولئك هم المعتدون، أي المجاوزون الغاية في الظلم والشر، فهم لا يفهمون بغير لغة السيف، والخضوع للقوة لا للعهد والذمة، وقد أثبت التاريخ أنهم كذلك في الواقع. وقد أجمل القرآن صفاتهم بأنهم أولا هم الفاسقون، وثانيا بأنهم المعتدون، فكيف يحترمون العهود؟ وقوله هنا: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً﴾ ليس تكرارا؛ لأن الأول لجميع المشركين، والثاني لليهود خاصة، بدليل قوله: ﴿اِشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ يعني اليهود، فلو أريد بالثاني المشركون كان تكرارا للتأكيد والتفسير.
стр. 3029
فقه الحياة أو الأحكام:
أوضحت الآيات أسباب البراءة من المشركين وحكمة الأمر بقتالهم بعد مهلة الأربعة الأشهر: وهي أنهم نقضوا العهد، ولا يرعون في المؤمنين إلاّ ولا ذمة أي حلفا وقرابة وعهدا وأمانا، ومخادعون يقولون بألسنتهم ما يرضي في الظاهر وقلوبهم تغلي حقدا وحسدا وكراهية، وأكثرهم فاسقون في دينهم وعند أقوامهم، مما يوجب المبالغة في الذم، أي ناقضون العهد، وأنهم استبدلوا بالقرآن متاع الدنيا، ومنعوا أنفسهم وغيرهم عن سبيل الله: سبيل التوحيد والحق والخير، وأنهم معتدون، أي مجاوزون الحلال إلى الحرام بنقض العهد.
واستفيد من الآيات بالنسبة للمؤمنين: أن العهد المحترم عند الله وعند الرسول هو عهد غير الناكثين، وأن من استقام على عهده نعامله بمقتضاه، ففي الحالين معاملة بالمثل، وأن مراعاة العهد وتنفيذ شروطه من تقوى الله التي يرضاها لعباده.
مصير المشركين إما التوبة وإما القتال
﴿فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢)﴾
الإعراب:
﴿فَإِخْوانُكُمْ﴾ أي فهم إخوانكم، خبر لمبتدأ محذوف.
﴿أَئِمَّةَ﴾ مفعول به، جمع إمام، وأصله «أأممة» على أفعلة، فألقيت حركة الميم الأولى على الهمزة الساكنة قبلها، وأدغمت الميم الأولى في الثانية، وأبدل من الهمزة المكسورة ياء مكسورة.
стр. 3030
﴿لا أَيْمانَ﴾ ﴿لا﴾ نافية للجنس، و ﴿أَيْمانَ﴾: اسمها، وهي جمع يمين، أي لا عهود لهم. وتقرأ بالكسر، أي لا إيمان، وهو مصدر بمعنى التصديق تأكيدا لقوله تعالى: ﴿أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ وإما مصدر أمنته إيمانا من الأمن، لئلا يكون تكرارا لقوله: ﴿أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾.
البلاغة:
﴿فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ وضع أئمة الكفر موضع الضمير، للدلالة على أنهم صاروا بذلك ذوي الرياسة والتقدم في الكفر، أحقّاء بالقتل. وقيل: المراد بالأئمة: رؤساء المشركين، فالتخصيص لأن قتلهم أهم وهم أحق به.
المفردات اللغوية:
﴿وَنُفَصِّلُ﴾ نبين. ﴿يَعْلَمُونَ﴾ يتدبرون. ﴿نَكَثُوا﴾ نقضوا العهد، وأصل النكث:
نقض الحبل. ﴿أَيْمانَهُمْ﴾ مواثيقهم. ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾ عابوه. ﴿أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ رؤساء الكفر، فيه وضع الظاهر موضع الضمير. ﴿لا أَيْمانَ﴾ لا عهود. ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ عن الكفر.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى حال المشركين من أنهم لا يرقبون في مؤمن إلاّ ولا ذمة، وينقضون العهد، ويضمرون النفاق، ويتعدون ما حدّ لهم، بيّن حالهم بعد ثبوت عداوتهم للإسلام، فهم بين أمرين: التوبة أو القتال.
التفسير والبيان:
هذا مصير الكفار المشركين بعد إعلان عداوتهم للإسلام، فهم بين أمرين:
أحدهما-التوبة الصادقة عن الكفر ونقض العهد والصدّ عن سبيل الله: أي إن تابوا عن شركهم بالله، وآمنوا بالله ربا واحدا لا شريك له، وأقاموا الصلاة، أي أدّوها بشروطها وأركانها باعتبارها عماد الدين، وآتوا الزكاة المفروضة عليهم الدالة على التكافل بين المسلمين وصدق الاعتقاد، إن فعلوا ذلك فهم إخوانكم في
стр. 3031
الدين، لهم مالكم، وعليهم ما عليكم. ووصفهم بالإخوة دليل على أن أخوة الدين أعلى وأخلد وأقوى من أخوة النسب. واستحقوا هذا الوصف بالأمور الثلاثة المتقدمة المتلازمة مع بعضها: وهي التوبة عن الكفر ونقض العهد، والإنابة إلى الله والإيمان به، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة.
﴿وَنُفَصِّلُ الْآياتِ﴾، أي نبين الأدلة والبراهين على وجودنا الحق، ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ما نبين لهم، فيفهمون ويتفقهون. وهذا اعتراض قصد به الحث على تأمل ما فصّل من أحكام المعاهدين، وعلى المحافظة عليها.
والثاني-القتال بعد نقضهم العهود: أي إن نقض هؤلاء المشركون ما أبرم معهم من عهود، وطعنوا في دينكم، أي عابوا القرآن والنبي ﵌، واستهزءوا بالمؤمنين، كما كان يفعل شعراؤهم وزعماء الكفر فيهم، فهم أئمة الكفر وقادته ورؤساؤه، فقاتلوهم قتالا عنيفا، إنهم لا عهود لهم ولا ذمة؛ لأنهم لما لم يفوا بها صارت كأن لم تكن، وذلك لتكون المقاتلة سببا في انتهائهم ورجوعهم عما هم فيه من الكفر والعناد والضلال. وهذا من غاية كرم الله وفضله على الإنسان.
فقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ أي عن كفرهم وباطلهم وإيذائهم المسلمين.
قال قتادة: أئمة الكفر كأبي جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف وآخرين.
وليس المراد بالآية هنا هؤلاء؛ لأنها لما نزلت، كان هؤلاء قد قتلوا في بدر.
وخصّ الأئمة والسادة منهم بالذكر؛ لأنهم هم الذين يحرضون الأتباع على الأعمال الباطلة.
وفيه دليل على أن الذمي إذا طعن في الإسلام، فقد نكث عهده، وعلى أن القتال ليس بقصد المنافع الدنيوية أو الغنائم، أو إظهار الاستعلاء، وحب السيطرة، وإرادة الانتقام، وإنما هو من أجل التمكين من قبول دعوة الإسلام؛ وما الحرب إلا ضرورة يقتصر فيها على قدر الضرورة.
стр. 3032
قال ابن كثير: والصحيح أن الآية عامة، وإن كان سبب نزولها مشركي قريش، فهي عامة لهم ولغيرهم (١).
فقه الحياة أو الأحكام:
حضت الآية على التوبة الصادقة عن الشرك والتزام أحكام الإسلام، وعلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فلا تفرقة بين هذه الأمور الثلاثة.
روى الحافظ أبو بكر البزار عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﵌:
«من فارق الدنيا على الإخلاص لله وعبادته، لا يشرك به، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، فارقها، والله عنه راض».
فإن أعرض المشركون عن قبول دعوة الإسلام وطعنوا في الدين، استحقوا القتل والقتال، وأصبحت عهودهم لا قيمة لها وكأنها لم تكن. وربما كان القتال سبيلا لقبول الإسلام، والتخلص من الوثنية والشرك.
واستدل أبو حنيفة ﵀ بهذه الآية ﴿إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ﴾ على أن يمين الكافر ليست يمينا، قال البيضاوي: وهو استدلال ضعيف؛ لأن المراد نفي الوثوق عليها، لا أنها ليست بأيمان؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ﴾.
وعند الشافعي ﵀: يمينهم يمين، ومعنى هذه الآية عنده: أنهم لما لم يفوا بها، صارت أيمانهم كأنها ليست بأيمان. والدليل على أن أيمانهم أيمان: أنه تعالى وصفها بالنكث في قوله: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ﴾ ولو لم يكن منعقدا، لما صحّ وصفها بالنكث.
واستدل بعض العلماء بهذه الآية على وجوب قتل كل من طعن في الدّين؛ إذ هو كافر. والطعن: أن ينسب إليه ما لا يليق به، أو يعترض بالاستخفاف على
стр. 3033
ما هو من الدين؛ لما ثبت من الدليل القطعي على صحة أصوله واستقامة فروعه (١). وقال ابن المنذر: أجمع عامة أهل العلم على أن من سبّ النبي ﵌ عليه القتل. وممن قال ذلك: مالك والليث وأحمد وإسحاق، وهو مذهب الشافعي. وقد حكي عن أبي حنيفة أنه قال: لا يقتل من سبّ النبي ﵌ من أهل الذمّة، وإنما يقتل بالحرابة والقتال.
وينتقض عهد الذمي إذا طعن في الدين في المشهور من مذهب مالك، وهو مذهب الشافعي؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ﴾ فأمر بقتلهم وقتالهم.
وقال أبو حنيفة: إنه يستتاب ويعزر، وإن مجرد الطعن لا ينقض به العهد إلا مع وجود النّكث (٢)؛ لأن الله إنما أمر بقتلهم بشرطين: أحدهما- نقضهم العهد، والثاني-طعنهم في الدين. ورد الجمهور بأن ذكر الأمرين لا يقتضي توقف قتاله على وجودهما، فإن النكث يبيح لهم ذلك بانفراده عقلا وشرعا.
وإذا حاربنا الذمي نقض عهده، وكان ماله وولده فيئا معه.
وأكثر العلماء على أن من سبّ النبي ﵌ من أهل الذمة، أو عرّض، أو استخف بقدره، أو وصفه بغير الوجه الذي كفر به، فإنه يقتل؛ فإنا لم نعطه الذمة أو العهد على هذا.
ورأى أبو حنيفة والثوري أنه لا يقتل، ما هو عليه من الشرك أعظم، ولكن يؤدّب ويعزّر. والحجة عليهما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا﴾ الآية.
وقتل كعب بن الأشرف لإيذائه النبي وكان معاهدا.
стр. 3034
وإذا سبّه ثم أسلم تقيّة من القتل، يسقط إسلامه قتله في مشهور مذهب مالك؛ لأن الإسلام يجبّ ما قبله، بخلاف المسلم إذا سبّه ثم تاب، قال الله : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا: إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨/ ٨].
قال القرطبي في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾: وذلك يقتضي أن يكون الغرض من قتالهم دفع ضررهم، لينتهوا عن مقاتلتنا ويدخلوا في ديننا.
التحريض على قتال المشركين الناكثين أيمانهم وعهودهم
﴿أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥)﴾
الإعراب:
﴿فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾: فيه ثلاثة أوجه:
الأول-أن يكون ﴿فَاللهُ﴾ مبتدأ، و ﴿أَنْ تَخْشَوْهُ﴾: بدل منه، و ﴿أَحَقُّ﴾ خبر المبتدأ.
الثاني-أن يكون ﴿فَاللهُ﴾ مبتدأ، و ﴿أَحَقُّ﴾: خبره، و ﴿أَنْ تَخْشَوْهُ﴾: في موضع نصب بتقدير حذف حرف الجر، تقديره: فالله أحق من غيره بأن تخشوه، أي بالخشية.
الثالث-أن يكون ﴿فَاللهُ﴾ مبتدأ، و ﴿أَنْ تَخْشَوْهُ﴾: مبتدأ ثان، و ﴿أَحَقُّ﴾: خبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره: خبر المبتدأ الأول.
стр. 3035
البلاغة:
﴿أَلا﴾ تحريض على القتال؛ لأن الهمزة دخلت على النفي للإنكار، فأفادت المبالغة في الفعل. ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾ استفهام للإنكار والتوبيخ.
﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ذكر لفظ الجلالة مكان الضمير لغرس الهيبة والرهبة في القلب.
المفردات اللغوية:
﴿أَلا﴾ للحض. ﴿نَكَثُوا﴾ نقضوا. ﴿أَيْمانَهُمْ﴾ عهودهم. ﴿وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ﴾ من مكة، لما تشاوروا في شأنه بدار الندوة. ﴿وَهُمْ بَدَؤُكُمْ﴾ بالقتال. ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ حيث قاتلوا مع بني بكر خزاعة حلفاءكم، فما يمنعكم أن تقاتلوهم. ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾ أتخافونهم. ﴿أَنْ تَخْشَوْهُ﴾ في ترك قتالهم.
﴿يُعَذِّبْهُمُ اللهُ﴾ يقتلهم. ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾ يذلهم بالأسر والقهر. ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني خزاعة. ﴿غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ كربها، أي ويذهب الغيظ عنهم.
سبب النزول:
نزول الآية (١٤):
﴿قاتِلُوهُمْ﴾ أخرج أبو الشيخ ابن حيان الأنصاري عن قتادة قال: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في خزاعة حين جعلوا يقتلون بني بكر بمكة. وأخرج عن عكرمة قال: نزلت هذه الآية في خزاعة. وأخرج عن السدّي: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ قال: هم خزاعة حلفاء النبي ﵌، يشف صدورهم من بني بكر.
المناسبة:
بعد أن قال الله تعالى: ﴿فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ أتبعه بذكر السبب الذي يبعث على مقاتلتهم، وهو نقضهم العهد، واعتداؤهم على المؤمنين، وبدؤهم لهم بالقتال، وهمهم بإخراج الرسول من بلده، وأما قتالهم فلأجل تطهير الجزيرة العربية من الشرك والوثنية.
стр. 3036
التفسير والبيان:
هذا حض وتحريض على قتال المشركين الناكثين أيمانهم وعهودهم، وذلك لأسباب ثلاثة ذكرها الله تعالى في هذه الآية:
١ - نكثهم العهد: إنهم نقضوا عهودهم التي أقسموا عليها. قال ابن عباس والسدي والكلبي: نزلت في كفار مكة الذين نكثوا أيمانهم بعد عهد الحديبية، وأعانوا بني بكر على خزاعة. وهذا يدل على أن قتال الناكثين أولى من قتال غيرهم من الكفار، ليكون ذلك زجرا لغيرهم.
والعهد الذي نقضوه: هو-كما تبين-صلح الحديبية، لمناصرة قريش حلفاءهم بني بكر على خزاعة حلفاء النبي ﵌، ليلا بالقرب من مكة، على ماء يسمى (الهجير). فسار إليهم رسول الله ﵌ وفتح مكة سنة ثمان هجرية في العشرين من رمضان.
٢ - إخراج الرسول ﵌ من مكة: فقد هموا بإخراج الرسول من مكة، أو حبسه حتى لا يراه أحد، أو قتله بيد عصابة من أفراد القبائل ليذهب دمه هدرا، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ، أَوْ يَقْتُلُوكَ، أَوْ يُخْرِجُوكَ، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ، وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ [الأنفال ٣٠/ ٨] وقال تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ﴾ [الممتحنة ١/ ٦٠] وقال : ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ، لِيُخْرِجُوكَ مِنْها﴾ [الإسراء ٧٦/ ١٧].
٣ - بدؤهم بالقتال: إنهم بدؤوا بقتال المؤمنين يوم بدر، حين قالوا بعد العلم بنجاة العير: لا ننصرف حتى نستأصل محمدا ومن معه. وكذلك في أحد والخندق وغيرها.
стр. 3037
وبعد أن ذكر الله تعالى هذه الأسباب الثلاثة التي تستدعي الإقدام على القتال زاد أربعة أخرى: أولها-تعداد موجبات القتال وتفصيلها، وثانيها- التحميس بالإغارة والتحريك، كما لو قال شخص لآخر: أتخشى خصمك وتخافه؟ وثالثها-كون الله أحق بالخشية؛ لأنه صاحب القدرة المطلقة التي تدفع الضرر المتوقع وهو القتل، ورابعها-إن كنتم مؤمنين، فالإيمان قوة دافعة على الإقدام. فهذه أمور سبعة تبعث على مقاتلة أولئك الكفار الناكثين.
وبعد بيان هذه الأسباب أنكر الله تعالى عليهم الخشية من المشركين ووبخهم عليها، فقال: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾؟ أي أبعد هذا تتركون قتالهم خشية وخوفا منهم؟ فإن كنتم تخشونهم، فالله أحق بالخشية، أي لا تخشوهم واخشون، فأنا أحق بالخشية منهم، إن كنتم مؤمنين بي، إذ شرط الإيمان الخوف من الله وحده دون سواه؛ لأن بيده النفع والضرّ.
وفي هذا دلالة على أن المؤمن الذي يخشى الله وحده يجب أن يكون أشجع الناس وأجرأهم على القتال.
وبعد أن ذكر الله تعالى مسوغات القتال وحكمته، أمر به المؤمنين أمرا صريحا، فقال: ﴿قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ..﴾. أي قاتلوهم أيها المؤمنون، وهذا عام في المؤمنين كلهم، فإن قاتلتموهم يعذبهم الله بأيديكم، ويخزهم بالقتل والأسر والهزيمة، وينصركم عليهم، ويشف صدور قوم مؤمنين امتلأت غيظا من أفعال المشركين بهم في مكة، وهم بنو خزاعة حلفاء رسول الله ﵌، كما قال مجاهد.
ويذهب غيظ قلوبهم أي قلوب هؤلاء المؤمنين على المشركين من غدرهم وظلمهم وشدة إيذائهم. أو يذهب غيظ قلوبكم لما لقيتم من شدة المكروه منهم. والفرق بين شفاء الصدور وإذهاب غيظ القلوب: أن الأول إحداث للسرور بتحقيق النصر الذي ينتظرونه بعد وعد الله لهم به، وأن الثاني: إزالة لآثار الواقع.
стр. 3038
وقال ابن عباس ﵄: هم بطون من اليمن وسبأ قدموا مكة، فأسلموا، فلقوا من أهلها أذى شديدا، فبعثوا إلى رسول الله ﵌ يشكون إليه،
فقال: «أبشروا، فإن الفرج قريب».
ثم قال تعالى: ﴿وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ﴾ وهذا ابتداء كلام وإخبار بأن بعض أهل مكة يتوب عن كفره، وقد حدث ذلك فعلا، فأسلم أناس منهم وحسن إسلامهم، مثل أبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل وسليم بن أبي عمرو.
والسبب في جعل هذه الجملة استئناف كلام جديد هو أن التوبة لا يكون سببها القتال؛ إذ قد توجد بغير قتال لمن شاء الله أن يتوب عليه في كل حال.
والله عليم بما يصلح عباده، حكيم في أفعاله وأقواله الكونية والشرعية، فيفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وهو العادل الحكيم الذي لا يجور أبدا، ولا يفعل إلا ما اقتضته الحكمة، ويجازي كل إنسان على ما قدم من خير أو شر في الدنيا والآخرة.
وهذا دليل على أن من سنته تعالى تفاوت البشر في قابلية التحول من حال إلى حال بأسباب ومؤثرات تقتضيها المقادير الإلهية.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على أن قتال المشركين الناكثين العهد كان لأسباب كثيرة أهمها نقضهم العهد، والتصميم على طرد النبي ﵌ من موطنه، أو حبسه أو قتله، وبدؤهم المؤمنين بالعدوان والقتال، إلى آخر الأسباب السبعة الداعية للقتال.
فبالرغم من التحريض على القتال بقوله تعالى: ﴿أَلا تُقاتِلُونَ﴾ فإنه تعالى أثار في المؤمنين روح الشجاعة والإقدام من طريق أنهم لا يخشون أحدا إلا الله، ومن إيمانهم الحق الصادق بالله، فإن من لا يخشى غير الله، وآمن بالله إيمانا
стр. 3039
صادقا، هانت عليه الصعاب، وأقدم على المقاتلة بنفس متحمسة لا تعرف التردد والخوف والجبن.
ونقل عن ابن عباس أنه قال: قوله تعالى: ﴿أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً﴾ ترغيب في فتح مكة. وهذه الأوصاف مناسبة لفتح مكة.
وقال أبو بكر الأصم: دلت هذه الآية على أنهم كرهوا هذا القتال، لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة ٢١٦/ ٢] فآمنهم الله تعالى بهذه الآيات.
ودلت هذه الآية على أن المؤمن ينبغي أن يخشى ربه، وألا يخشى أحدا سواه.
وتضمن قوله تعالى: ﴿وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ﴾ الإخبار بأن بعض المشركين يتوب عن كفره، وقد حدث ذلك فعلا، وهذا من معجزات القرآن، لتأييد النبي ﵌ في دعوته، ودفع الناس إلى الإيمان برسالته، ما دام قد ظهر لهم صدقه.
فالآية دالة على المعجزة؛ لأنه تعالى أخبر عن حصول هذه الأحوال، وقد وقعت موافقة لهذه الأخبار، فيكون ذلك إخبارا عن الغيب، والإخبار عن الغيب معجز.
وهذه الآية تدل على كون الصحابة مؤمنين في علم الله تعالى إيمانا حقيقيا؛ لأنها تدل على أن قلوب الصحابة كانت مملوءة بالحمية لأجل الدين، والرغبة الشديدة في إعلاء شأن الإسلام (١).
وأرشدت الآية إلى خمس منافع من هذا القتال: وهي تعذيب المشركين
стр. 3040
بأيدي المؤمنين بالقتل والأسر، وخزيهم وإذلالهم بعد قتلهم، وتحقيق النصر عليهم، وشفاء الصدور من انتظار الفتح الذي وعدهم الله به، وإذهاب غيظ القلوب.
اختبار المسلمين واتخاذ البطانة
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٦)﴾
الإعراب:
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا﴾: أن وصلتها: في موضع نصب بحسب، وسدت مع الصلة مسد المفعولين.
﴿وَلَمّا﴾ معناها التوقع.
﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا﴾ معطوف على ﴿جاهَدُوا﴾ داخل في حيز الصلة، كأنه قيل: ولما يعلم الله المجاهدين منكم والمخلصين غير المتخذين وليجة من دون الله. والوليجة: الدخيلة.
البلاغة:
﴿أَمْ﴾ منقطعة، ومعنى الهمزة فيها التوبيخ على وجود الحسبان.
المفردات اللغوية:
﴿أَمْ﴾ بمعنى همزة الإنكار، والمعنى: أنكم لا تتركون على ما أنتم عليه حتى يتبين الخلّص منكم، وهم الذين جاهدوا في سبيل الله، لوجه الله. ﴿وَلِيجَةً﴾ أي بطانة من قوم ليس منهم، والمراد هنا: من الذين يضادون رسول الله ﵌ والمؤمنين رضوان الله عليهم. ﴿وَلَمّا﴾ أي لم، ومعناها التوقع، أي إن تبين ذلك وإيضاحه متوقع كائن، وإن الذين لم يخلصوا دينهم لله، يميز بينهم وبين المخلصين. والمراد بقوله: ﴿وَلَمّا يَعْلَمِ﴾ نفي المعلوم الموجود لا نفي العلم. وقال السيوطي: المراد علم ظهور. والمعنى: ولم يظهر المخلصون وهم الموصوفون بما ذكر من غيرهم.
стр. 3041
المناسبة:
كانت الآيات المتقدمة مرغبة في جهاد المشركين الناقضين العهد، وهذه الآية ترغيب جديد زائد عما سبق لتمييز المجاهدين المخلصين عن غيرهم.
التفسير والبيان:
الآية مرتبطة بما قبلها، والمعنى: ألا تقاتلون أولئك المشركين الذين نقضوا العهود واعتدوا عليكم إلى آخر الأسباب السبعة التي يوجب كل واحد منها الإقدام على القتال، أم حسبتم أيها المؤمنون أن تتركوا وشأنكم مهملين بغير اختبار بأمور يظهر فيها أهل العزم الصادق من الكاذب، من طريق الجهاد الذي يتبين فيه الخلّص من المجاهدين منكم بالأموال والأنفس، والذين لم يتخذوا بطانة من الكفار أولياء يسرّون إليهم بأحوال المسلمين وأمورهم وأسرارهم، بل هم في الظاهر والباطن على النصح لله ولرسوله، ويتميزوا من المنافقين الذين يطلعون الولائج على أسرار الأمة وسياستها، وقد اكتفى بأحد القسمين عن الآخر، للعلم به ضمنا.
قال الجصاص: قوله: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا﴾ ... ﴿وَلِيجَةً﴾ يقتضي لزوم اتباع المؤمنين وترك العدول عنهم، كما يلزم اتباع النبي ﵌، وفيه دليل على لزوم حجة الإجماع، وهو كقوله: ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ.﴾. (١) [النساء ١١٥/ ٤].
والله خبير في كل وقت بأعمالكم، فيجازيكم عليها. ومن المعروف أن التكليف الشاق على الأنفس هو الذي يحقق الاختبار، ويظهر المخلص من المنافق.
وليس المقصود بقوله تعالى: ﴿وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ﴾ نفي علم الله، وأنه تعالى -كما فهم هشام بن عبد الحكم من ظاهر الآية-لا يعلم الشيء إلا حال وجوده، وإنما المراد منه نفي المعلوم الموجود في الواقع وإظهاره على مسرح الحياة، ليكون
стр. 3042
دليلا ملموسا على الناس يوم القيامة، يقصد منه أن يصدر الجهاد عنهم فعلا، ويظهر المجاهدون ويتميزوا عن المنافقين، بدليل قوله تعالى في آخر الآية:
﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أي عالم، مطلع على كل شيء، محيط به علما، وما لا يعلم الله وجوده فلا وجود له.
ونظير الآية في الاختبار قوله تعالى: ﴿الم. أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا: آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا، وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت ١/ ٢٩ - ٣].
ونظير الآية في اتخاذ الوليجة أو البطانة قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ، لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً، وَدُّوا ما عَنِتُّمْ، قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ، وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران ١١٨/ ٣].
والخلاصة: أن الله تعالى لما شرع لعباده الجهاد، بيّن حكمته، وهي اختبار عبيده، من يطيعه ممن يعصيه، وهو تعالى قبل ذلك وبعده العالم بما كان، وما يكون، وما لم يكن.
فقه الحياة أو الأحكام:
تبين من الآية أن المكلف لا يتخلص من العقاب إلا بأمرين:
الأول-أن يعلم الله الذين جاهدوا منكم، عن طريق إظهارهم في الواقع، وتمييزهم بين الناس.
الثاني-أن يكون المجاهد مخلصا، باطنه وظاهره سواء، لا منافقا، باطنه خلاف ظاهره، وهو الذي يتخذ بطانة أو وليجة من المشركين، يخبرهم بأسرار المسلمين، ويعلمهم بأمورهم، فليس كل مجاهد مخلصا، وليس الغرض من إيجاب القتال القتال نفسه فقط، بل الغرض الإتيان به على وفق أمر الله وحكمه.
стр. 3043
وتبين من الآية أيضا أن الله عالم بالنيات والأغراض، مطلع عليها، لا يخفى عليه منها شيء، فعلى الإنسان التركيز على أمر النية وجعلها خالصة لوجه الله تعالى.
عمارة المساجد
﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النّارِ هُمْ خالِدُونَ (١٧) إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾
الإعراب:
﴿شاهِدِينَ﴾ حال من الواو في ﴿يَعْمُرُوا﴾.
﴿وَفِي النّارِ هُمْ خالِدُونَ﴾ إما عطف على جملة ﴿حَبِطَتْ﴾ على أنها خبر آخر لأولئك، وإما مستأنفة كجملة ﴿أُولئِكَ حَبِطَتْ﴾ وفائدتهما تقرير النفي السابق، الأولى: من جهة نفي استتباع الثواب، والثانية: من جهة نفي استدفاع العذاب.
﴿أُولئِكَ﴾ عبر به للاستبعاد.
البلاغة:
﴿وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ﴾ تخصيص الصلاة والزكاة بالذكر توضيح لأهميتهما وحث على القيام بهما.
المفردات اللغوية:
﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ما صح لهم وما استقام وما ينبغي لهم. ﴿أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ﴾ عمارة المسجد لغة: لزومه والإقامة فيه وعبادة الله فيه، وبناؤه وترميمه. وعمارة المساجد نوعان:
حسية، ومعنوية، فالحسية: بالتشييد والبناء والترميم والتنظيف والفرش والتنوير بالمصابيح والدخول إليها والقعود فيها، والمعنوية: بالصلاة وذكر الله والاعتكاف والزيارة للعبادة فيها، وذلك
стр. 3044
يشمل العمرة، ومن الذكر: درس العلم، بل هو أجله وأعظمه وصيانتها مما لم تبن له المساجد من أحاديث الدنيا، فضلا عن فضول الحديث، كما قال الزمخشري. والمساجد فيها وجهان: أحدهما-أن يراد المسجد الحرام، وإنما قيل: مساجد؛ لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها، فعامره كعامر جميع المساجد، ولأن كل بقعة منه مسجد. والثاني-أن يراد جنس المساجد، وتشمل المسجد الحرام، وإذا لم يصلحوا لأن يعمروا جنسها، فلأن لا يعمروا المسجد الحرام آكد. والمعنى: ما استقام للمشركين أن يجمعوا بين أمرين متنافيين: عمارة متعبّدات الله، مع الكفر بالله وبعبادته. والمساجد في الأصل: جمع مسجد، وهو مكان السجود، ثم صار اسما للبيت المخصص للعبادة. ومن قرأ:
مسجد الله، فأراد به المسجد الحرام أشرف المساجد في الأرض.
﴿شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ معنى هذه الشهادة: ظهور كفرهم، وأنهم نصبوا أصنامهم حول البيت، وكانوا يطوفون عراة، ويقولون: لا نطوف عليها بثياب قد أصبنا فيها المعاصي، وكلما طافوا بها شوطا سجدوا لها. ﴿حَبِطَتْ﴾ بطلت. ﴿أَعْمالُهُمْ﴾ لعدم شرطها وهو الإيمان.
سبب النزول:
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال العباس حين أسر يوم بدر: إن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحجاج، ونفكّ العاني (أي الأسير) فأنزل الله: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ﴾ الآية.
وفي رواية أخرى: قد أقبل المهاجرون والأنصار على أسارى بدر، فعيّروهم بالشرك، فطفق علي بن أبي طالب ﵁ يوبخ العباس بقتال رسول الله ﵌، وقطيعة الرحم، وأغلظ له في القول، فقال العباس: تذكرون مساوينا، وتكتمون محاسننا؟ فقال: أو لكم محاسن؟ قالوا: نعم، ونحن أفضل منكم أجرا، إنا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفك العاني، فنزلت (١). والمراد أن الآية تضمنت الرد على العباس وأمثاله، لا أنها نزلت عقب قوله.
стр. 3045
المناسبة:
بعد أن ذكر الله في أول السورة البراءة عن الكفار، وذكر أنواع فضائحهم وقبائحهم الموجبة تلك البراءة، احتجوا بأن هذه البراءة غير جائزة، وأنه يجب أن تكون المخالطة والمناصرة حاصلة؛ لأنهم موصوفون بصفات حميدة وخصال مرضية، ومن جملتها كونهم عامرين للمسجد الحرام، كما ورد في سبب النزول.
وكذلك ناسب أن يذكر بعد نبذ العهود منع عبادة الشرك من المسجد الحرام، وإبطال حق المشركين في الإشراف عليه وخدمته، وذلك مناسب لنقض عهودهم.
التفسير والبيان:
ما ينبغي للمشركين بالله، وما صح لهم وما استقام أن يعمروا مساجد الله التي منها المسجد الحرام بالإقامة فيه للعبادة، أو للخدمة والولاية عليه، ولا أن يدخلوه حجاجا أو عمّارا، وهم شاهدون على أنفسهم بالكفر، أي بشهادة الحال والمقال، بأن يعبدوا الأصنام، وأن يطوفوا بالبيت عراة، وكلما طافوا بالكعبة شوطا سجدوا لها. وقيل: هو قولهم: «لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك تملكه وما ملك» فهذه شهادتهم بالكفر ثابتة قولا وعملا، أما القول فهذا، وأما العمل فهو عبادة الأصنام.
فهم بهذا جمعوا بين الضدين، وبين أمرين متنافيين لا يعقل الجمع بينهما على وجه صحيح: عمارة بيت الله مع الكفر به.
أولئك المشركون بالله حبطت أعمالهم أي بشركهم، وبطلت فلا ثواب لهم، وهم في نار جهنم خالدون لعظم ما ارتكبوه أي ماكثون مقيمون إقامة خلود وبقاء، فإن الكفر محبط للعمل ولا ثواب لصاحبه في الآخرة، بدليل آيات كثيرة في القرآن الكريم منها: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
стр. 3046
[الأنعام ٨٨/ ٦]، ومنها: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ، وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [الزّمر ٦٥/ ٣٩] ومنها:
﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ، فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان ٢٣/ ٢٥].
وبعد أن نفى أهليتهم لعمارة المساجد، أبان من هم أهل لهذه المهمة، فقال:
﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ..﴾. أي إنما يستحق عمارة المساجد وتستقيم منه العمارة، ويكون أهلا لها من اتصف بالإيمان بالله تعالى إيمانا صحيحا، على النحو المبيّن في القرآن من الإقرار بوجود الله والاعتراف بوحدانيته، وتخصيصه بالعبادة، والتوكل عليه، وآمن باليوم الآخر الذي يحاسب الله فيه العباد، ويجزي فيه بالثواب للمحسنين وبالعقاب للمسيئين، وأقام الصلاة المفروضة على الوجه المستكمل لأركانها وشروطها وتدبر تلاوتها وأذكارها، وخشوع القلب لله وخشيته، وآتى الزكاة لمستحقيها المعروفين كالفقراء والمساكين وأبناء السبيل، ولم يخش في قوله وعمله إلا الله وحده، دون غيره من الأصنام والعظماء الذين لا ينفعون ولا يضرون في الحقيقة، وإنما النفع والضر بيد الله. أما إنه لم يذكر الإيمان بالرسول فلأنه دل عليه ما ذكر من إقامة الصلاة وغيرها؛ لأنه مما جاء به الرسول، فإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة إنما يصح من المؤمن بالرسول.
هؤلاء الموصوفون بهذه الصفات هم الذين يقتصر عليهم عمارة المساجد الحسية بالبناء والتشييد والترميم، والمعنوية بالعبادة والأذكار وحضور دروس العلم، فلا يعمر بيوت الله غيرهم، وهؤلاء هم الذين يرجى بحق أن يكونوا من المهتدين إلى الخير دائما، وإلى ما يحب الله ويرضيه، المستحقون الثواب على أعمالهم، لا أولئك المشركون الضالون الذين يجمعون بين الأضداد، فيشركون بالله ويكفرون بما جاء به رسوله، ويسجدون للطواغيت (الأصنام) ثم يقدمون بعض الخدمات للمسجد الحرام.
стр. 3047
وليس المراد من الرجاء المستفاد من (عسى) حقيقته، فذلك لا يصح أن يكون صادرا من الله؛ لأنه ظن بحصول أمر وقعت أسبابه. وإنما عبر بكلمة (عسى) إشارة إلى قطع أطماع الكفار من الانتفاع بأعمالهم التي افتخروا بها وتأملوا عاقبتها، أي إذا كان جزاء المؤمنين على أعمالهم منوطا بالرجاء منهم، فليس للكفار أي دور، أو إذا كان حصول الاهتداء للمؤمنين دائرا بين-لعل وعسى-فما بال هؤلاء المشركين يقطعون بأنهم مهتدون ويجزمون بفوزهم بالخير من عند الله تعالى؟! ويؤكد استحقاق عمارة المساجد من قبل المتصفين بالأوصاف السابقة أحاديث نبوية كثيرة، منها في البناء المادي أو الحسي:
ما رواه الشيخان والترمذي عن عثمان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «من بنى لله مسجدا يبتغي به وجه الله، بنى الله له بيتا في الجنة».
ومنها ما رواه أحمد عن ابن عباس مرفوعا:
«من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة لبيضها، بنى الله له بيتا في الجنة» والمفحص:
موضع البيض. وروى الحارث بن أبي أسامة وأبو الشيخ بسند ضعيف عن أنس ﵁: «من أسرج في مسجد سراجا، لم تزل الملائكة وحملة العرش تستغفر له، ما دام في ذلك المسجد ضوء من ذلك السراج».
ومنها في العمارة المعنوية:
ما رواه الشيخان والحافظ أبو بكر البزار وعبد بن حميد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﵌: «إنما عمّار المساجد هم أهل الله».
ومنها ما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﵌ قال: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد، فاشهدوا له بالإيمان. قال الله تعالى: ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
ومنها قوله ﵊ فيما رواه الطبراني في الكبير عن ابن مسعود وهو ضعيف: قال الله تعالى: إن بيوتي في أرضي المساجد، وإن زواري فيها عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته، ثم زارني في بيتي، فحق على المزور أن يكرم زائره».
стр. 3048
وحذر النبي ﵌ من الإخلال بحرمة المساجد، فقال فيما رواه الطبراني في الكبير عن ابن مسعود وهو ضعيف: «يأتي في آخر الزمان ناس من أمتي، يأتون المساجد، فيقعدون فيها حلقا، ذكرهم الدنيا، وحب الدنيا، لا تجالسوهم، فليس لله بهم حاجة».
وفي حديث آخر: «الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش» (١).
فقه الحياة أو الأحكام:
استنبط من الآيات ما يأتي:
١ - لا ثواب للمشركين في الآخرة على أعمال البر التي تصدر عنهم في الدنيا.
٢ - المتصفون بالإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر، والمقيمون الصلاة، والمؤتون الزكاة، والذين لا يخشون أحدا سوى الله، هم الجديرون بعمارة المساجد، وأصحاب هذه الصفات الأربعة هم الذين يعمرون المساجد، وهم أهل الاهتداء إلى الخير والصراط المستقيم.
٣ - دل قوله: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ﴾ على أنه ينبغي لمن بنى مسجدا أن يخلص لله في بنائه، وألا يقصد الرياء والسمعة.
والأصح أنه يجوز استخدام الكافر في بناء المساجد، والقيام بأعمال لا ولاية له فيها، كنحت الحجارة والبناء والنجارة، فهذا لا يدخل في المنع المذكور في الآية، إنما المنع موجه إلى الولاية على المساجد والاستقلال بالقيام بمصالحها، مثل تعيينه ناظر المسجد أو ناظر أوقافه. وقيل: إن الكفار ممنوعون من عمارة مساجد المسلمين مطلقا.
ولا مانع أيضا من قيام الكافر ببناء مسجد أو المساهمة في نفقاته، بشرط ألا
стр. 3049
يتخذ أداة للضرر، وإلا كان حينئذ كمسجد الضرار. ولكن ليس للكافر ترميم المساجد، حفاظا على تعظيمها، ولأن تطهير المساجد واجب لقوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ﴾ والكافر نجس الاعتقاد، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة ٢٨/ ٩] ولأنه لا يحترز من النجاسات، فدخوله في المسجد ربما يؤدي إلى تلويثه، فتفسد عبادة المسلمين.
٤ - الترغيب بعمارة المساجد الحسية والمعنوية، كما دلت الآية والأحاديث.
٥ - قال الواحدي: يمنع الكافر من دخول المساجد، وإن دخل بغير إذن مسلم، استحق التعزير، وإن دخل بإذن لم يعزر، والأولى تعظيم المساجد، ومنعهم منها، وقد أنزل رسول الله ﵌ وفد ثقيف في المسجد، وهم كفار، وشد ثمامة بن أثال الحنفي في سارية من سواري المسجد الحرام، وهو كافر.
٦ - دل قوله: ﴿وَفِي النّارِ هُمْ خالِدُونَ﴾ على أن الكفار مخلدون في النار.
٧ - قوله تعالى في بدء الآية: ﴿إِنَّما يَعْمُرُ﴾ وتعبيره بكلمة ﴿إِنَّما﴾ التي تفيد الحصر، دليل على أن المسجد يجب صونه عن غير العبادة، من فضول الحديث، وإصلاح مهمات الدنيا، وكما أوضحت الأحاديث المتقدمة.
٨ - قال الجصاص: اقتضت الآية منع الكفار من دخول المساجد، ومن بنائها، وتولي مصالحها والقيام بها؛ لانتظام اللفظ -أي العمارة-للأمرين، وهما الدخول والبناء. فإن عمارة المسجد تكون بمعنيين: أحدهما-زيارته والكون فيه، والآخر-ببنائه وتجديد ما استرم منه (١).
٩ - دلت الآية على أن عمارة المسجد لا تكون بالكفر، وإنما تكون بالإيمان والعبادة وأداء الطاعة.
стр. 3050
فضل الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله
﴿أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾
الإعراب:
﴿أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ..﴾. في الكلام حذف مضاف إما من أول الكلام تقديره: أجعلتم أصحاب سقاية الحاج وأصحاب عمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله. وإما من آخر الكلام تقديره:
أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كإيمان من آمن بالله. وإنما وجب تقدير الحذف ليصح المعنى.
﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حال ﴿لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾: مبتدأ وصفة، و ﴿لَهُمْ﴾: خبر المبتدأ، والجملة صفة لجنات. وضمير ﴿فِيها﴾ يعود إلى الجنات أو الرحمة أو البشرى. وكذلك ضمير ﴿فِيها﴾ الثانية حال
البلاغة:
﴿أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ﴾ استفهام إنكاري لمن يسوي بين هذا أو ذاك.
﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ في الجملة حصر، أي هم الفائزون لا غيرهم.
﴿بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ﴾ تنكير الكلمتين للتفخيم والتعظيم، أي برحمة ورضوان لا يوصفان.