← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

[الأنعام ٨٨/ ٦]، ومنها: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ، وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [الزّمر ٦٥/ ٣٩] ومنها: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ، فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان ٢٣/ ٢٥]. وبعد أن نفى أهليتهم لعمارة المساجد، أبان من هم أهل لهذه المهمة، فقال: ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ..﴾. أي إنما يستحق عمارة المساجد وتستقيم منه العمارة، ويكون أهلا لها من اتصف بالإيمان بالله تعالى إيمانا صحيحا، على النحو المبيّن في القرآن من الإقرار بوجود الله والاعتراف بوحدانيته، وتخصيصه بالعبادة، والتوكل عليه، وآمن باليوم الآخر الذي يحاسب الله فيه العباد، ويجزي فيه بالثواب للمحسنين وبالعقاب للمسيئين، وأقام الصلاة المفروضة على الوجه المستكمل لأركانها وشروطها وتدبر تلاوتها وأذكارها، وخشوع القلب لله وخشيته، وآتى الزكاة لمستحقيها المعروفين كالفقراء والمساكين وأبناء السبيل، ولم يخش في قوله وعمله إلا الله وحده، دون غيره من الأصنام والعظماء الذين لا ينفعون ولا يضرون في الحقيقة، وإنما النفع والضر بيد الله. أما إنه لم يذكر الإيمان بالرسول فلأنه دل عليه ما ذكر من إقامة الصلاة وغيرها؛ لأنه مما جاء به الرسول، فإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة إنما يصح من المؤمن بالرسول. هؤلاء الموصوفون بهذه الصفات هم الذين يقتصر عليهم عمارة المساجد الحسية بالبناء والتشييد والترميم، والمعنوية بالعبادة والأذكار وحضور دروس العلم، فلا يعمر بيوت الله غيرهم، وهؤلاء هم الذين يرجى بحق أن يكونوا من المهتدين إلى الخير دائما، وإلى ما يحب الله ويرضيه، المستحقون الثواب على أعمالهم، لا أولئك المشركون الضالون الذين يجمعون بين الأضداد، فيشركون بالله ويكفرون بما جاء به رسوله، ويسجدون للطواغيت (الأصنام) ثم يقدمون بعض الخدمات للمسجد الحرام.

стр. 3047

وليس المراد من الرجاء المستفاد من (عسى) حقيقته، فذلك لا يصح أن يكون صادرا من الله؛ لأنه ظن بحصول أمر وقعت أسبابه. وإنما عبر بكلمة (عسى) إشارة إلى قطع أطماع الكفار من الانتفاع بأعمالهم التي افتخروا بها وتأملوا عاقبتها، أي إذا كان جزاء المؤمنين على أعمالهم منوطا بالرجاء منهم، فليس للكفار أي دور، أو إذا كان حصول الاهتداء للمؤمنين دائرا بين-لعل وعسى-فما بال هؤلاء المشركين يقطعون بأنهم مهتدون ويجزمون بفوزهم بالخير من عند الله تعالى؟! ويؤكد استحقاق عمارة المساجد من قبل المتصفين بالأوصاف السابقة أحاديث نبوية كثيرة، منها في البناء المادي أو الحسي: ما رواه الشيخان والترمذي عن عثمان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «من بنى لله مسجدا يبتغي به وجه الله، بنى الله له بيتا في الجنة». ومنها ما رواه أحمد عن ابن عباس مرفوعا: «من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة لبيضها، بنى الله له بيتا في الجنة» والمفحص: موضع البيض. وروى الحارث بن أبي أسامة وأبو الشيخ بسند ضعيف عن أنس ﵁: «من أسرج في مسجد سراجا، لم تزل الملائكة وحملة العرش تستغفر له، ما دام في ذلك المسجد ضوء من ذلك السراج». ومنها في العمارة المعنوية: ما رواه الشيخان والحافظ أبو بكر البزار وعبد بن حميد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﵌: «إنما عمّار المساجد هم أهل الله». ومنها ما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﵌ قال: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد، فاشهدوا له بالإيمان. قال الله تعالى: ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. ومنها قوله ﵊ فيما رواه الطبراني في الكبير عن ابن مسعود وهو ضعيف: قال الله تعالى: إن بيوتي في أرضي المساجد، وإن زواري فيها عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته، ثم زارني في بيتي، فحق على المزور أن يكرم زائره».

стр. 3048

وحذر النبي ﵌ من الإخلال بحرمة المساجد، فقال فيما رواه الطبراني في الكبير عن ابن مسعود وهو ضعيف: «يأتي في آخر الزمان ناس من أمتي، يأتون المساجد، فيقعدون فيها حلقا، ذكرهم الدنيا، وحب الدنيا، لا تجالسوهم، فليس لله بهم حاجة». وفي حديث آخر: «الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش» (١). فقه الحياة أو الأحكام: استنبط من الآيات ما يأتي: ١ - لا ثواب للمشركين في الآخرة على أعمال البر التي تصدر عنهم في الدنيا. ٢ - المتصفون بالإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر، والمقيمون الصلاة، والمؤتون الزكاة، والذين لا يخشون أحدا سوى الله، هم الجديرون بعمارة المساجد، وأصحاب هذه الصفات الأربعة هم الذين يعمرون المساجد، وهم أهل الاهتداء إلى الخير والصراط المستقيم. ٣ - دل قوله: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ﴾ على أنه ينبغي لمن بنى مسجدا أن يخلص لله في بنائه، وألا يقصد الرياء والسمعة. والأصح أنه يجوز استخدام الكافر في بناء المساجد، والقيام بأعمال لا ولاية له فيها، كنحت الحجارة والبناء والنجارة، فهذا لا يدخل في المنع المذكور في الآية، إنما المنع موجه إلى الولاية على المساجد والاستقلال بالقيام بمصالحها، مثل تعيينه ناظر المسجد أو ناظر أوقافه. وقيل: إن الكفار ممنوعون من عمارة مساجد المسلمين مطلقا. ولا مانع أيضا من قيام الكافر ببناء مسجد أو المساهمة في نفقاته، بشرط ألا

стр. 3049

يتخذ أداة للضرر، وإلا كان حينئذ كمسجد الضرار. ولكن ليس للكافر ترميم المساجد، حفاظا على تعظيمها، ولأن تطهير المساجد واجب لقوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ﴾ والكافر نجس الاعتقاد، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة ٢٨/ ٩] ولأنه لا يحترز من النجاسات، فدخوله في المسجد ربما يؤدي إلى تلويثه، فتفسد عبادة المسلمين. ٤ - الترغيب بعمارة المساجد الحسية والمعنوية، كما دلت الآية والأحاديث. ٥ - قال الواحدي: يمنع الكافر من دخول المساجد، وإن دخل بغير إذن مسلم، استحق التعزير، وإن دخل بإذن لم يعزر، والأولى تعظيم المساجد، ومنعهم منها، وقد أنزل رسول الله ﵌ وفد ثقيف في المسجد، وهم كفار، وشد ثمامة بن أثال الحنفي في سارية من سواري المسجد الحرام، وهو كافر. ٦ - دل قوله: ﴿وَفِي النّارِ هُمْ خالِدُونَ﴾ على أن الكفار مخلدون في النار. ٧ - قوله تعالى في بدء الآية: ﴿إِنَّما يَعْمُرُ﴾ وتعبيره بكلمة ﴿إِنَّما﴾ التي تفيد الحصر، دليل على أن المسجد يجب صونه عن غير العبادة، من فضول الحديث، وإصلاح مهمات الدنيا، وكما أوضحت الأحاديث المتقدمة. ٨ - قال الجصاص: اقتضت الآية منع الكفار من دخول المساجد، ومن بنائها، وتولي مصالحها والقيام بها؛ لانتظام اللفظ -أي العمارة-للأمرين، وهما الدخول والبناء. فإن عمارة المسجد تكون بمعنيين: أحدهما-زيارته والكون فيه، والآخر-ببنائه وتجديد ما استرم منه (١). ٩ - دلت الآية على أن عمارة المسجد لا تكون بالكفر، وإنما تكون بالإيمان والعبادة وأداء الطاعة.

стр. 3050

فضل الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾ الإعراب: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ..﴾. في الكلام حذف مضاف إما من أول الكلام تقديره: أجعلتم أصحاب سقاية الحاج وأصحاب عمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله. وإما من آخر الكلام تقديره: أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كإيمان من آمن بالله. وإنما وجب تقدير الحذف ليصح المعنى. ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حال ﴿لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾: مبتدأ وصفة، و ﴿لَهُمْ﴾: خبر المبتدأ، والجملة صفة لجنات. وضمير ﴿فِيها﴾ يعود إلى الجنات أو الرحمة أو البشرى. وكذلك ضمير ﴿فِيها﴾ الثانية حال البلاغة: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ﴾ استفهام إنكاري لمن يسوي بين هذا أو ذاك. ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ في الجملة حصر، أي هم الفائزون لا غيرهم. ﴿بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ﴾ تنكير الكلمتين للتفخيم والتعظيم، أي برحمة ورضوان لا يوصفان.

стр. 3051

المفردات اللغوية: ﴿سِقايَةَ الْحاجِّ﴾ سقي الحجيج الماء، والسقاية في اللغة: موضع السقي أو إناء السقي. وكانت قريش تسقي الحجاج من الزبيب المنبوذ في الماء، وكان يتولى هذا العباس بن عبد المطلب في الجاهلية والإسلام. وفي الآية حذف مضاف: أي أجعلتم أهل ذلك. لا يستوون عند الله في الفضل. ﴿الظّالِمِينَ﴾ الكافرين. ﴿دَرَجَةً﴾ رتبة. ﴿الْفائِزُونَ﴾ الظافرون بالخير. ﴿نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ دائم. ﴿خالِدِينَ فِيها أَبَداً﴾ ماكثين فيها على الدوام، أكد الخلود بالتأييد؛ لأنه قد يستعمل للمكث الطويل. ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ يستحقر دونه ما استوجبوه لأجله أو نعم الدنيا. سبب النزول: أخرج مسلم وابن حبان وأبو داود عن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله ﵌ في نفر من أصحابه، فقال رجل منهم: ما أبالي أن لا أعمل لله عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم، فزجرهم عمر، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﵌، وذلك يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة، دخلت على رسول الله ﵌، فاستفتيته فيما اختصمتم، فأنزل الله: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ﴾ -إلى قوله- ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾. وأخرج الفريابي عن ابن سيرين قال: قدم علي بن أبي طالب مكة، فقال للعباس: أي عم؟ ألا تهاجر؟ ألا تلحق برسول الله ﵌، فقال: أعمر المسجد، وأحجب البيت، فأنزل الله: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ﴾ الآية. والحجابة: هي سدانة البيت وخدمته. والسقاية والحجابة أفضل مآثر قريش، وقد أقرهما الإسلام، جاء في الحديث الوارد في خطبة حجة الوداع عن جابر: «إن مآثر الجاهلية تحت قدمي إلا سقاية الحاج وسدانة البيت» ومآثر العرب: مكارمها ومفاخرها التي تؤثر عنها، أي تروى وتذكر.

стр. 3052

وأخرج عبد الرزاق عن الشعبي نحوه. وأخرج ابن جرير الطبري عن محمد بن كعب القرظي قال: افتخر طلحة بن شيبة والعباس وعلي بن أبي طالب، فقال طلحة: أنا صاحب البيت معي مفتاحه، وقال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها، فقال علي: لقد صليت إلى القبلة قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد، فأنزل الله: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ﴾ الآية كلها. والخلاصة: أن الأصح في سبب النزول ما ذكره النعمان بن بشير، والروايات الأخرى عن الحسن والشعبي والقرظي وابن سيرين تفصيل لمجمل رواية النعمان. المناسبة: هذه الآية مرتبطة بما قبلها، ومكملة لها، فالآية السابقة أوضحت أن عمارة المسجد الحرام مقبولة إذا كانت صادرة عن إيمان، فهي للمسلمين دون المشركين، وهذه الآية أبانت أن الإيمان والجهاد أفضل مما كان يفخر به المشركون من عمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج. التفسير والبيان: هذه الآية خطاب للمؤمنين بحسب حديث النعمان بن بشير، وقيل: هي خطاب للمشركين بدليل السياق، والأصح أنها تضمنت المفاضلة التي جرت بين المسلمين والكافرين، لقوله تعالى: ﴿كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ فإن العباس-كما تقدم- احتج على فضائل نفسه بأنه عمر المسجد الحرام وسقى الحاج. والمعنى: أجعلتم أهل السقاية وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر، وجاهد في سبيل الله سواء في الفضيلة والدرجة؟ فإن السقاية والعمارة، وإن كانتا من أعمال الخير، فأصحابهما لا يساوون في المنزلة أهل الإيمان والجهاد. وهذا معنى قوله: ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ﴾ أي لا تساوي أبدا بين الفريقين

стр. 3053

لا في الصفة ولا في العمل، في حكم الله وفي إثابته، في الدنيا والآخرة. ثم بين عدم تساويهم بقوله: ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أي لا يهدي القوم الكافرين في أعمالهم إلى ما هو الأفضل والأرقى رتبة؛ إذ قد طمس على قلوبهم. والمعنى: إنكار أن يشبه المشركون وأعمالهم المحبطة بالمؤمنين وأعمالهم المثبتة، وأن يسوى بينهم، وجعل تسويتهم ظلما، بعد ظلمهم بالكفر. فالإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس أفضل وأعظم درجة عند الله من أعمال السقاية والسدانة أو العمارة. ثم بين الله تعالى مراتب التفاضل بين المؤمنين أنفسهم، فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا.﴾. أي أن المؤمنين بالله ورسوله، المهاجرين من مكة إلى المدينة، المجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ولإعلاء كلمة الله، هم أعظم درجة وأرفع مقاما ومكانة من القائمين بأعمال أخرى كالسقاية والعمارة. وأولئك المؤمنون المهاجرون المجاهدون هم الفائزون بفضل الله وكرامته ومثوبته. وهذا الفوز هو أنه تعالى يبشرهم في كتابه المنزل على رسوله برحمة واسعة، ورضوان كامل، وجنات لهم فيها نعيم دائم، وهم في هذا النعيم خالدون على الدوام إلى ما شاء الله تعالى. وإن الله عنده الثواب العظيم على الإيمان والعمل الصالح ومنه الهجرة، والجهاد في سبيله ومن أجل مرضاته، كما قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، خالِدِينَ فِيها، وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ، وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ، ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة ٧٢/ ٩].

стр. 3054

والرضوان: نهاية الإحسان، وهو شيء روحي، والنعيم في الجنة شيء مادي، فهو لين العيش ورغده. وروى الشيخان والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﵌: «إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، فيقولون: ربنا، وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا». فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية على أن الجهاد مع الإيمان أفضل عند الله من أي عمل آخر من أعمال الخير والبر؛ لأنه بذل للنفس أو المال، بقصد إعلاء كلمة الله. وأما السقاية وعمارة المسجد الحرام فهما وإن كانا عملين طيبين، إلا أنهما ليسا في الدرجة مثل الجهاد. روى عبد الرزاق عن الحسن البصري قال: نزلت آية ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ..﴾. في علي وعباس وعثمان وشيبة، تكلموا في ذلك، فقال العباس: ما أراني إلا أني تارك سقايتنا؟ فقال رسول الله ﵌: «أقيموا على سقايتكم، فإن لكم فيها خيرا». والآية إنكار أن يشبه المشركون وأعمالهم المحبطة بالمؤمنين وأعمالهم المثبتة وأن يسوى بينهم، وجعل تسويتهم ظلما بعد ظلمهم بالكفر. ومراتب فضل المجاهدين كثيرة، فهم أعظم درجة عند الله من كل ذي درجة، فلهم المزية والمرتبة العلية، وهم الفائزون الظافرون الناجون، وهم الذين يبشرهم ربهم، أي يعلمهم في الدنيا ما لهم في الآخرة من الثواب الجزيل

стр. 3055

والنعيم المقيم، وهم الخالدون إلى الأبد وإلى ما شاء الله في جنان الخلد، ولهم ثواب عظيم أعده الله لهم في دار كرامته. هؤلاء هم أعظم درجة عند الله من أهل السقاية والعمارة، وهم المختصون بالفوز دون غيرهم. ولاية الآباء والإخوان الكافرين وتفضيل الإيمان والجهاد على ثمانية أشياء ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اِسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (٢٣) قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اِقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٢٤)﴾ البلاغة: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ أمر يراد به الوعيد، مثل ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت ٤٠/ ٤١]. المفردات اللغوية: ﴿اِسْتَحَبُّوا﴾ اختاروا، وهو بمعنى: أحبوا ﴿الظّالِمُونَ﴾ الظلم: وضع الشيء في غير موضعه. ﴿وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ أقرباؤكم ذوو القرابة القريبة ﴿اِقْتَرَفْتُمُوها﴾ اكتسبتموها ﴿كَسادَها﴾ عدم رواجها أو عدم نفادها، وبوارها ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾ أي أحب إليكم

стр. 3056

من طاعة الله وطاعة رسوله ومن المجاهدة في سبيل الله، فقعدتم لأجله عن الهجرة والجهاد ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ انتظروا ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ تهديد لهم، والأمر: العقوبة العاجلة أو الآجلة. سبب النزول: نزلت الآيتان فيمن ترك الهجرة لأجل أهله وتجارته. سبب نزول الآية: (٢٣) ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا﴾ قال الكلبي: لما أمر رسول الله ﵌ بالهجرة إلى المدينة، جعل الرجل يقول لأبيه وأخيه وامرأته: إنا قد أمرنا بالهجرة، فمنهم من يسرع إلى ذلك ويعجبه، ومنهم من يتعلق به زوجته وعياله وولده، فيقولون: نشدناك الله أن تدعنا إلى غير شيء فنضيع، فيرق، فيجلس معهم ويدع الهجرة، فنزلت يعاتبهم سبحانه ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ﴾ الآية (١). ونزلت في الذين تخلفوا بمكة ولم يهاجروا آية: ﴿قُلْ: إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ﴾ إلى قوله ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ يعني القتال وفتح مكة. أخرج الفريابي عن ابن سيرين عن علي بن أبي طالب قال لقوم قد سماهم: ألا تهاجروا، ألا تلحقوا برسول الله ﵌!! فقالوا: نقيم مع إخواننا وعشائرنا ومساكننا، فأنزل الله: ﴿قُلْ: إِنْ كانَ آباؤُكُمْ﴾ الآية كلها. المناسبة: لما أمر الله تعالى المؤمنين بالتبري عن المشركين ونبذ عهودهم، قالوا: كيف تمكن هذه المقاطعة التامة بين الرجل وبين أبيه وأمه وأخيه، فذكر تعالى أن

стр. 3057

الانقطاع عن الآباء والأولاد والإخوان واجب بسبب الكفر، وهو قوله: ﴿إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ﴾. ثم جاءت الآية التالية: ﴿قُلْ: إِنْ كانَ آباؤُكُمْ﴾ مؤكدة لمضمون الآية السابقة، وأبان تعالى أنه يجب تحمل جميع هذه المضار الدنيوية، ليبقى الدين سليما، إذ سلامة الدين تكون بمباينة الكفار وعدم موالاتهم. والخلاصة: أن الدين يغير المفاهيم، فيجعل رابطة الدين أعلى وأقوى وأولى من رابطة العصبية الجنسية، وصلة القرابة، والانتماء للأسرة، ويقرر أن ثمرة الهجرة والجهاد لا تظهر إلا بترك ولاية المشركين، وإيثار طاعة الله والرسول على كل شيء في الحياة. التفسير والبيان: يا أيها المصدقون بالله ورسوله، لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء تنصرونهم في القتال، وتؤيدون الكفار لأجلهم، أو تطلعونهم على أسرار المسلمين العامة أو الحربية، إن اختاروا الكفر على الإيمان، وآثروا الشرك على الإسلام، ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون لأنفسهم وأمتهم؛ لأنه خالفوا الله ورسوله، بموالاة الكافرين بدلا من التبرؤ منهم. فبعد أن نهى عن مخالطتهم، أوضح أن هذا النهي للتحريم لا للتنزيه، بقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ قال ابن عباس: هو مشرك مثلهم؛ لأنه رضي بشركهم، والرضا بالكفر كفر، كما أن الرضا بالفسق فسق. ويؤيد ذلك آية أخرى هي ﴿إِنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ، وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ، وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ، وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [الممتحنة ٩/ ٦٠].

стр. 3058

ثم أمر تعالى رسوله أن يتوعد من آثر أهله وقرابته وعشيرته على الله ورسوله وجهاد في سبيله، مصدرا ذلك بكلمة ﴿إِنِ﴾ المفيدة للشك؛ لأن حب الكافرين مشكوك فيه من المؤمنين، والمقصود هو تفضيل حبهم على حب الله، أما أصل الحب فهو أمر فطري طبعي لا لوم عليه، ولا مؤاخذة فيه؛ لأن التكليف يتوجه على الأمور المقدورة للإنسان، لا على الأمور الجبلية الفطرية كالحب والبغض. فقال له: قل: إن كنتم تؤثرون هذه الأشياء الثمانية، وتفضلون الآباء، والأبناء، والإخوان، والأزواج، والعشيرة (القرابة القريبة) والأموال، والتجارة، والمساكن، على حب الله ورسوله، أي طاعتهما، والجهاد في سبيله الذي يحقق السعادة الأبدية في الآخرة، فانتظروا حتى يأتي الله بعقابه العاجل أو الآجل. ويمكن تصنيف هذه الأنواع الثمانية بأربعة: وهي مخالطة الأقارب، وذلك يشمل الآباء والأبناء والإخوان والأزواج، ثم بقية العشيرة، والميل إلى إمساك الأموال المكتسبة، والرغبة في تحصيل الأموال بالتجارة، والرغبة في المساكن. وهذا ترتيب حسن، يبدأ بالأشد تعلقا والأدعى إلى المخالطة وهو القرابة، ثم الحرص على المال، ثم طريق اكتسابه بالتجارة، ثم الرغبة في البناء في الأوطان والدور المخصصة للسكنى. ولكن الله تعالى أبان أن رعاية الدين خير من رعاية جملة هذه الأمور. ومن المعروف أن محبة هذه الأمور الثمانية بالطبيعة، فمحبة الآباء غريزة عند الأبناء؛ لأن الولد بضعة من أبيه، والولد يشعر أن أباه سبب في وجوده، والعرب قديما وحديثا يفخرون بالآباء، لهذا حث الله على ذكره في الحج مثل ذكر الآباء أو أشد، فقال: ﴿فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ [البقرة ٢٠٠/ ٢].

стр. 3059

ومحبة الأبناء غريزة أيضا، بل هي أشد من محبة الآباء؛ إذ الولد فلذة من الكبد، وهو محط الأمل، ومفخرة الأهل، كما قال تعالى: ﴿الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف ٤٦/ ١٨]. والأخ يتقوى بأخيه، ويربطهما الانتماء للأصول من الأب والأم، قال تعالى لموسى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص ٣٥/ ٢٨]. وحب الزوجة أمر فطري أيضا، وكل من الزوجين يكمل الآخر، وسكينة له، وبينهما الود والتراحم: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم ٢١/ ٣٠]. وحب العشيرة قائم على الحاجة للتعاون والتناصر، وهو شديد التأثير في المجتمعات القبلية. وحب المال المكتسب قوي عند الإنسان؛ لأنه ثمرة عنائه وجهده، وكذلك حب التجارة أصيل في النفس البشرية؛ لأنه مصدر التمويل، لذا يحرص الشخص على تنمية تجاراته، لتنمو موارده، وتكثر أرباحه، فيستفيد منها. وحب المساكن الطيبة أمر مستكن في النفوس؛ لأنها مهد الراحة والطمأنينة والاستقرار، ووسيلة التفاخر والتظاهر بالنعمة، وربما كانت من المقومات الاجتماعية في الأعراف والعادات. وبالرغم من مظاهر الحب وحقائقه لهذه الأنواع الثمانية، أمر الله تعالى بإيثار حب الله والرسول وطاعتهما والجهاد في سبيله على هذه الأشياء؛ لأن الله تعالى مصدر جميع النعم، وملجأ لدفع كل الكروب والمحن، لذا وصف تعالى المؤمنين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ﴾ [البقرة ١٦٥/ ٢].

стр. 3060

وكذلك حب الرسول واجب بعد محبة الله؛ لأنه صاحب الفضل في إنقاذنا من الضلالة إلى النور، ومن الكفر إلى الإيمان، ولأنه القدوة الحسنة والمثل الأعلى للمؤمنين في تطبيق الشريعة والأخلاق. وقد ثبت في الصحيح عنه ﵌ أنه قال: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين». وروى أحمد والبخاري عن عبد الله بن هشام، قال: كنا مع رسول الله ﵌، وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال: والله يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال رسول الله ﵌: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه» فقال عمر: فأنت الآن والله أحب إلي من نفسي، فقال رسول الله: «الآن يا عمر». وأما الجهاد، وإن كان مكروها لدى بعض الناس: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة ٢١٦/ ٢] فإنه السبيل للحفاظ على كرامة الأمة ومنعة البلاد واستقلالها ومصالح الأفراد، وسبب للذود عن الحرمات والأموال والأعراض، وطريق لدفع العدوان وقمع الأطماع، وأساس لتوفير عزة الأمة ومجدها، وبدونه تكون المصالح العامة والخاصة مهددة بالزوال. لذا فرضه تعالى للضرورة من أجل الحفاظ على هذه المقاصد، ولمنع الفتنة في الدين، وحماية المستضعفين، والتمكين لحرية انتشار الإسلام بالطرق السلمية، وكانت محبته أمرا مطلوبا لحياة المسلمين، لذا قال النبي ﵌-فيما أخرجه الترمذي عن معاذ بن جبل-: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد» وقال فيما يرويه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه عن أنس: «لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها». ثم ختم الله تعالى الآية بوعيد المخالفين وتهديد المعرضين بعقوبة عاجلة أو

стр. 3061

آجلة، فقال: ﴿فَتَرَبَّصُوا..﴾. أي فانتظروا العقاب الآتي عاجلا أو آجلا. قال الزمخشري: وهذه آية شديدة، لا ترى أشد منها، كأنها تنعى على الناس ما هم عليه من رخاوة عقد الدين، واضطراب حبل اليقين (١). وقال البيضاوي: وفي الآية تشديد عظيم وقل من يتخلص منه. ثم قال تعالى: ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ أي لا يرشد العصاة الخارجين عن حدود الدين ومقتضى العقل والحكمة أو عن طاعة الله إلى معصيته. ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ، أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ، وَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ..﴾. [المجادلة ٢٢/ ٥٨]. فقه الحياة أو الأحكام: ظاهر آية: ﴿لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ..﴾. أنها خطاب لجميع المؤمنين، وهي باقية الحكم إلى يوم القيامة في قطع الولاية بين المؤمنين والكافرين. وخص الله سبحانه الآباء والإخوة؛ إذ لا قرابة أقرب منها، فنفى الموالاة بينهم كما نفاها بين الناس بقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ﴾ [المائدة ٥١/ ٥] ليبين أن القرب قرب الأديان، لا قرب الأبدان. ولم يذكر الأبناء في هذه الآية؛ إذ الأغلب من البشر أن الأبناء هم التبع للآباء. والإحسان وهبة الأشياء مستثناة من الولاية، بدليل ما أخرجه البخاري:

стр. 3062

قالت أسماء: يا رسول الله، إن أمي قدمت علي راغبة، وهي مشركة، أفأصلها؟ قال: صلي أمك». وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ تفسير لقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ إما بالمآل وسوء العاقبة، وإما بالأحكام في الدنيا العاجلة، وذلك ظلم، أي وضع الشيء في غير موضعه. وفي آية: ﴿قُلْ: إِنْ كانَ آباؤُكُمْ..﴾. دليل على وجوب حب الله ورسوله، ولا خلاف في ذلك بين الأمة، وأن ذلك مقدم على كل محبوب. ومعنى محبة الله تعالى ومحبة رسوله كما قال الأزهري: طاعته لهما واتباعه أمرهما، قال الله تعالى: ﴿قُلْ: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ، فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران ٣١/ ٣] (١). ورد عن النبي ﵌: «لا يطعم أحدكم طعم الإيمان حتى يحب في الله، ويبغض في الله، حتى يحب في الله أبعد الناس، ويبغض في الله أقرب الناس إليه». وهذه الآية دليل على فضل الجهاد، وإيثاره على راحة النفس وعلائقها بالأهل والمال. وقال المفسرون: هذه الآية في بيان حال من ترك الهجرة، وآثر البقاء مع الأهل والمال.

стр. 3063

نصر المؤمنين في مواطن كثيرة ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾ الإعراب: ﴿فِي مَواطِنَ﴾ امتناعه من الصرف؛ لأنه جمع وعلى صيغة لم يأت عليها واحد. ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ ظرف منصوب بالعطف على موضع ﴿فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ وتقديره: ونصركم يوم حنين. وعطف الزمان وهو ﴿يَوْمَ﴾ على المكان وهو ﴿مَواطِنَ﴾؛ لأن معناه وموطن يوم حنين، أو في أيام مواطن كثيرة ويوم حنين ويجوز أن يراد بالموطن: الوقت كمقتل الحسين، على أن الواجب أن يكون ﴿يَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ منصوبا بفعل مضمر، لا بهذا الظاهر، وموجب ذلك أن قوله: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ بدل من ﴿يَوْمَ حُنَيْنٍ﴾. أما لو جعل ناصبه هذا الظاهر فلم يصح؛ لأن كثرتهم لم تعجبهم في جميع تلك المواطن، ولم يكونوا كثيرا في جميعها، فصار ناصبه فعلا خاصا به، إلا إذا نصبت ﴿إِذْ﴾ بإضمار: اذكر. و ﴿حُنَيْنٍ﴾: اسم منصرف؛ لأنه اسم مذكر، وهي لغة القرآن، ومن العرب من لا يصرفه، يجعله اسما للبقعة. البلاغة: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ عطف خاص على عام للتنويه بشأنه، لمجيء النصر بعد اليأس. ﴿وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ استعارة، شبه ما حل بهم من الكرب والهزيمة بضيق الأرض على سعتها.

стр. 3064

المفردات اللغوية: ﴿مَواطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ أي مواقع الحرب ومشاهدها، مثل بدر وقريظة والنضير، والحديبية، وخيبر، وفتح مكة ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ أي واذكر، وهو واد بين مكة والطائف على ثلاثة أميال من الطائف، كانت فيه الوقعة بين المسلمين، وهم اثنا عشر ألفا، الذين حضروا فتح مكة، منضما إليهم ألفان من الطلقاء، وبين هوازن وثقيف، وهم أربعة آلاف مع من انضم إليهم من أمداد سائر العرب. وتسمى غزوته غزوة أوطاس، وغزوة هوازن، في شوال سنة ثمان، فكانوا الجم الغفير، فلما التقوا قال رجل من المسلمين: «لن نغلب اليوم من قلة» فساء ذلك رسول الله ﵌. ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ بدل من ﴿يَوْمَ﴾. ﴿بِما رَحُبَتْ﴾ ما: مصدرية، و ﴿رَحُبَتْ﴾: اتسعت، والرحب: السعة، والرحب: الواسع، أي ضاقت عليكم الأرض مع رحبها أي سعتها، فلم تجدوا مكانا تطمئنون إليه، لشدة ما لحقكم من الخوف ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ أي هاربين منهزمين، وثبت النبي ﵌ على بغلته البيضاء، وليس معه غير العباس، وأبو سفيان آخذ بركابه ﴿سَكِينَتَهُ﴾ طمأنينته ﴿عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي فردوا إلى النبي ﵌ لما ناداهم العباس بإذنه وقاتلوا. ﴿وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها﴾ أي ملائكة ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالقتل والأسر. ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ﴾ منهم بالإسلام. سبب النزول: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾: أخرج البيهقي في الدلائل أن رجلا قال يوم حنين: «لن نغلب اليوم من قلة» وكانوا اثني عشر ألفا، فشق ذلك على رسول الله ﵌، فأنزل الله: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ الآية. المناسبة: لما ذكر الله تعالى في الآية المتقدمة أنه يجب الإعراض عن مخالطة الآباء وغيرهم، رعاية لمصالح الدين، وعلم الله أن هذا يشق جدا على النفوس، ذكر ما يدل على أن من ترك الدنيا لأجل الدين، فإنه يوصله إلى مطلوبه من الدنيا أيضا، وضرب مثلا لذلك كثرة عسكر المؤمنين وقوتهم يوم حنين، فلما أعجبوا

стр. 3065

بكثرتهم انهزموا، ثم في حال الانهزام لما تضرعوا إلى الله قواهم حتى هزموا عسكر الكفار، وهو يدل على أن الإنسان متى اعتمد على الدنيا فاته الدين والدنيا، ومتى أطاع الله ورجح الدين على الدنيا، آتاه الله الأمرين معا على أحسن الوجوه، فكان ذكر ذلك تسلية عن مقاطعة الآباء ومن عداهم، لمصلحة الدين، وإعلاما للمؤمنين ليتذكروا أن عنايته تعالى لهم بالقوة المعنوية، لا بالكثرة العددية. قال مجاهد: هذه أول آية نزلت من براءة يذكر تعالى للمؤمنين فضله عليهم، وإحسانه لديهم في نصره إياهم، في مواطن كثيرة من غزواتهم مع رسوله، وأن ذلك من عنده تعالى وبتأييده وتقديره، لا بعددهم ولا بعددهم، ونبههم على أن النصر من عنده، سواء قل الجمع أو كثر، فإن يوم حنين أعجبتهم كثرتهم، ومع هذا ما أجدى ذلك عنهم شيئا، فولوا مدبرين إلا القليل منهم، مع رسول الله ﵌، ثم أنزل نصره وتأييده على رسوله وعلى المؤمنين الذين معه، ليعلمهم أن النصر من عنده تعالى وحده، وبإمداده، وإن قل الجمع، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين. أضواء من التاريخ على وقعة حنين: كانت هوازن قوة كبيرة بعد قريش، وكانت تنافسها، فلما بلغها فتح مكة، نادى سيدهم مالك بن عوف النصري بالحرب، واجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلها، ونصر وجشم كلها، وسعد بن بكر، وأجمع السير إلى رسول الله ﵌، وساق مع جيشه أموالهم ومواشيهم ونساءهم وأولادهم، وزعم أن ذلك يحمي نفوسهم به، ويقوي شوكتهم، وكان على ثقيف كنانة بن عبيد، وشهد الحرب دريد بن الصمة، وكان شيخا كبيرا، له رأي وحكمة، ونزلوا بأوطاس: واد في ديار هوازن عند الطائف، كانت فيه وقعة حنين. ولما علم رسول الله ﵌ بأمرهم، خرج إليهم، وكان معه إثنا عشر ألفا من

стр. 3066

المسلمين: عشرة آلاف من أصحابه في المدينة، من المهاجرين والأنصار، وألفان من أهل مكة مسلمة الفتح، وهم الطلقاء. واستعار رسول الله ﵌ من صفوان بن أمية أدراعا وسلاحا. ولما رأى المسلمون كثرتهم، وبلوغ عددهم ما لم يبلغه عدد في غزوة سابقة، اغتروا وقال بعضهم: لن نغلب اليوم من قلة. روى أحمد وأبو داود والترمذي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﵌: «خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن تغلب اثنا عشر ألفا من قلة» قيل: إن القائل: رسول الله ﵌، وقيل: أبو بكر ﵁. واتكل المسلمون على قوتهم في مبدأ الأمر فانهزموا، ثم لما عدلوا عن غرورهم، وتضرعوا إلى ربهم، كان النصر حليفهم. التفسير والبيان: لقد نصركم الله أيها المؤمنون في مواقع حربية كثيرة، كبدر والحديبية ومكة وقريظة والنضير، وأنتم قلة وهم كثرة: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران ١٢٣/ ٣] حيث كنتم متوكلين على الله، معتمدين على أن النصر من عند الله. والمواطن الكثيرة: غزوات رسول الله، ويقال: إنها ثمانون موطنا، فأعلمهم الله تعالى بأنه هو الذي نصر المؤمنين، إما نصرا كاملا وهو الأكثر، وإما نصرا جزئيا للتربية والتعليم، كما حدث في أحد، حينما خالف جماعة من الصحابة أوامر النبي ﵌، فتركوا جبل الرماة، وكما حدث في حنين حينما اعتمدوا على الكثرة العددية، وغاب عنهم أن الله هو الناصر، لا كثرة الجنود، فانهزموا. وذكر بعضهم أن المواطن أقل من ثمانين، روى أبو يعلى عن جابر أن عدد غزواته ﵌ إحدى وعشرون، قاتل بنفسه في ثمان: بدر وأحد والأحزاب والمصطلق وخيبر ومكة وحنين والطائف. وبعوثه وسراياه ست وثلاثون.

стр. 3067

ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ..﴾. أي ونصركم أيضا في يوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فيه، إذ بلغتم اثني عشر ألفا، وكان الكافرون أربعة آلاف فقط، وقيل: ثمانية آلاف في قول الحسن ومجاهد، فكانت الهزيمة عليكم، لاعتمادكم على أنفسكم، وغروركم بقوتكم، وتركتم اللجوء إلى ربكم واهب النصر، فلم تغن كثرتكم عنكم شيئا من قضاء الله، وضاقت عليكم الأرض بما اتسعت من الخوف، ثم وليتم مدبرين منهزمين. وذلك أنهم اقتتلوا اقتتالا شديدا، فانهزموا أمام ثقيف وهوازن، إذ كمنت هوازن في وادي حنين، ثم بادروا المسلمين بالقتال، وحملوا حملة رجل واحد، كما أمرهم سيدهم، فولى المسلمون مدبرين، وثبت رسول الله ﵌، وهو راكب يومئذ بغلته الشهباء يسوقها إلى نحر العدو، والعباس عمه آخذ بلجامها وبركابها الأيمن، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذ بركابها الأيسر، يثقلانها لئلا تسرع في السير. وهذا دليل على تناهي شجاعته ورباطة جأشه ﵌، وما هي إلا من آيات النبوة، ثم قال: «يا رب ائتني بما وعدتني». ثم قال للعباس وكان صيتا: صح بالناس، فنادى الأنصار ثم نادى: يا أصحاب الشجرة (١)، يا أصحاب السمرة، فأجابوه: لبيك لبيك. ويدعو الرسول المسلمين إلى الرجعة قائلا: «إلى عباد الله، إلي أنا رسول الله» ويقول في تلك الحال: أنا النبي لا كذب... أنا ابن عبد المطلب

стр. 3068

فتراجع الناس، وثبت معه من أصحابه قريب من مائة، وقيل: ثمانون، ونزلت الملائكة عليهم البياض على خيول بلق، فنظر رسول الله ﵌ إلى قتال المسلمين، فقال: «الآن حمي الوطيس» (١) ثم أخذ كفا من تراب، فرماهم به، ثم قال: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، انهزموا ورب الكعبة» فانهزموا، قال العباس: «فما زلت أرى حدهم كليلا، وأمرهم مدبرا» «لكأني أنظر إلى رسول الله ﵌ يركض خلفهم على بغلته». وتمت هزيمة هوازن، وكانت هذه آخر غزوة ضد المسلمين، انتصر فيها المسلمون، وانهزم فيها العرب. ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ..﴾. أي أفرغ الله طمأنينته وثباته على رسوله، وعلى المؤمنين الذين كانوا معه، وأنزل جنودا لم تروها، وهم الملائكة، كما روي مسلم في صحيحة، لتقوية روح المؤمنين وتثبيتهم، وإضعاف الكافرين بما يقذفون في قلوبهم من الخوف والجبن من حيث لا يرونهم. إلا أن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر، روي عن بعض من أسلم بعد حنين أنه قال: أين الخيل البلق، والرجال الذين كانوا عليهم، بيض، ما كان قتلنا إلا بأيديهم؟! وعذب الذين كفروا بسيوفكم بالقتل والسبي والأسر، وذلك هو جزاء الكافرين في الدنيا، ونظير الآية: ﴿قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة ١٤/ ٩]. وكان السبي ستة آلاف رأس، والإبل أربعة وعشرين ألفا، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة، وكانت تلك أكبر غنيمة غنمها المسلمون.

стр. 3069

وجريا على عادة القرآن في فتح باب الأمل والتوبة أمام الكفار والعصاة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ، وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي ثم يتوب الله بعد هذا التعذيب الذي حدث في الحرب على من يشاء من الكفار، يعني: ومع كل ما جرى عليهم من الخذلان، فإن الله تعالى قد يتوب على بعضهم، بأن يزيل عن قلبه الكفر، ويخلق فيه الإسلام، كما قال أهل السنة، أو بأن يسلموا ويتوبوا فيقبل الله توبتهم، كما قال المعتزلة. والله غفور لمن تاب، رحيم بمن آمن وعمل صالحا. وقد تاب الله على بقية هوازن، فأسلموا، وقدموا على النبي ﵌ مسلمين، ولحقوه وقد قارب مكة عند الجعرانة (١)، بعد الوقعة بقريب من عشرين يوما، فعند ذلك خيرهم بين سبيهم وبين أموالهم، فاختاروا سبيهم، وكانوا ستة آلاف أسير، ما بين صبي وامرأة، فرده عليهم، وقسم الأموال بين الغانمين، ونفل أناسا من الطلقاء (أهل مكة) لكي يتألف قلوبهم على الإسلام، فأعطاهم مائة مائة من الإبل، وكان من جملة من أعطى مائة: مالك بن عوف النصري، واستعمله على قومه: هوازن، كما كان. روى البخاري عن المسور بن مخرمة: «أن ناسا منهم جاؤوا إلى رسول الله ﵌، وبايعوه على الإسلام، وقالوا: يا رسول الله، أنت خير الناس، وأبر الناس، وقد سبي أهلونا، وأولادنا، وأخذت أموالنا، فقال ﵌: «إن عندي من ترون، إن خير القول أصدقه، اختاروا إما ذراريكم ونساءكم، وإما أموالكم» قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئا، فقام النبي ﵌ فقال: «هؤلاء جاءونا مسلمين، وإنا خيرناهم بين الذراري والأموال، فلم يعدلوا بالأحساب شيئا، فمن كان بيده شيء، وطابت به نفسه أن يرده فشأنه، ومن لا فليعطنا، وليكن قرضا علينا حتى نصيب شيئا فنعطيه مكانه» قالوا: رضينا وسلمنا.

стр. 3070

فقال ﵌: «إنا لا ندري لعل فيكم من لا يرضى، فمروا عرفاءكم، فليرفعوا ذلك إلينا» فرفعت إليه العرفاء أنهم قد رضوا. فقه الحياة أو الأحكام: ١ - الآيات تذكر المؤمنين بنعم الله عليهم، إذ نصرهم في معارك حربية كثيرة، وأن النصر من عند الله، فقد تخطئ الحسابات والاحتمالات، وكثيرا ما تنهزم الكثرة الكاثرة، وتنتصر القلة القليلة، والمعول عليه إنما هو عناية الله بعباده المؤمنين وتأييده لهم، فذلك أقوى تأثيرا من كل القوى العسكرية أو المادية. ٢ - ذكر العلماء أن النبي ﵌ قال في هذه الغزوة فيما رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن أبي قتادة وغيره: «من قتل قتيلا له عليه بينة، فله سلبه» وهذا في رأي الشافعية والحنابلة صادر عنه بطريق التبليغ والوحي، فهو حكم دائم لا يحتاج إلى إذن الإمام، وفي رأي الحنفية والمالكية: هذا الحكم صادر عنه ﵌ بطريق الإمامة والسياسة، فلا يستحق في كل معركة إلا بإذن الإمام، ولا يكون ذلك من الإمام إلا على وجه الاجتهاد. ولم ينقل أن رسول الله ﵌ قال ذلك إلا يوم حنين، وليس في مغازيه كلها. ٣ - في قصة هذه الغزوة استعار النبي ﵌ من صفوان بن أمية وهو مشرك أدراعا وأسلحة. وهذا يدل على جواز استعارة السلاح، وجواز الاستمتاع بما أستعير إذا كان على المعهود مما يستعار مثله، وجواز استلاف الإمام المال عند الحاجة إلى ذلك ورده إلى صاحبه. وفي هذه الغزوة أمر رسول الله ﵌ فيما رواه أبو داود وصححه الحاكم عن أبي سعيد الخدري «ألا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة» وهو يدل على أن السبي يقطع العصمة.

стр. 3071

وفيها أيضا أنه ﵌ استعان بصفوان في الحرب، وقد قال أبو حنيفة والشافعي: لا بأس بالاستعانة بالمشركين على المشركين، إذا كان حكم الإسلام هو الغالب، وإنما تكره الاستعانة بهم إذا كان حكم الشرك هو الظاهر. وقال مالك: لم يكن خروج صفوان إلى حنين والطائف بأمر رسول الله ﵌، ولا أرى أن يستعان بالمشركين على المشركين، إلا أن يكونوا خدما أو نواتية (بحارة). ٤ - أبان الله في هذه الآية أن الغلبة إنما تكون بنصر الله لا بالكثرة، فلا يغلبون بكثرتهم، وقد قال: ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ، فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران ١٦٠/ ٣]. والنصر عند اشتداد المحنة من أعظم النعم الإلهية، والمحنة هي ما طرأ عليهم من الخوف، حتى لكأنهم لا يجدون في الأرض موضعا يصلح لفرارهم من عدوهم. ٥ - أنزل الله في هذه المعركة ما يسكن قلوب المؤمنين ويذهب خوفهم، حتى اجترؤوا على قتال المشركين بعد أن ولوا، وأنزل ملائكة يقوون المؤمنين بما يلقون في قلوبهم من الخواطر والتثبيت، ويضعضعون الكافرين بالتجبين لهم من حيث لا يرونهم ومن غير قتال؛ لأن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر. وروي -كما تقدم-أن رجلا من بني نصر قال للمؤمنين بعد القتال: أين الخيل البلق، والرجال الذين كانوا عليها بيض، ما كنا فيهم إلا كهيئة الشامة، وما كان قتلنا إلا بأيديهم؟! فأخبروا النبي ﵌ بذلك، فقال: «تلك الملائكة». ٦ - عذب الله الكافرين في هذه المعركة بالقتل بأسياف المسلمين، وهو جزاؤهم المستحق في دار الدنيا، ثم تاب الله على من انهزم، فهداه إلى الإسلام، كمالك بن عوف النصري رئيس حنين، ومن أسلم معه من قومه. والخلاصة: حدثت أمور ثلاثة يوم حنين: إنزال الله السكينة على رسوله

стр. 3072

وعلى المؤمنين، وإنزاله جنودا هم الملائكة، وتعذيب الكافرين بالقتل والسبي. ٧ - لما قسم رسول الله ﵌ غنائم حنين بالجعرانة، أتاه وفد هوازن مسلمين، راغبين في العطف عليهم والإحسان إليهم، فخيرهم بين السبي والأموال، فاختاروا السبي، فرد عليهم رسول الله ﵌ نساءهم وأولادهم، واستطاب أنفس الغانمين عما بيدهم من الأموال، وعوض من لم تطب نفسه بترك نصيبه من الغنائم أعواضا رضوا بها. وكان من جملة السبي الشيماء أخت النبي ﵌ من الرضاعة، وهي بنت الحارث بن عبد العزى من بني سعد بن بكر، وبنت حليمة السعدية، فأكرمها رسول الله ﵌، وأعطاها وأحسن إليها، ورجعت مسرورة إلى بلادها بدينها وبما أفاء الله عليها. وحدثت قصة طريفة عند رد السبي، أخرج مسلم عن ابن عباس قال: رأى رسول الله ﵌ يوم أوطاس امرأة تعدو وتصحيح ولا تستقر، فسأل عنها فقيل: فقدت بنيا لها، ثم رآها وقد وجدت ابنها وهي تقبله وتدنيه، فدعاها وقال لأصحابه: «أطارحة هذه ولدها في النار» قالوا: لا، قال: لم؟ قالوا: لشفقتها، قال: «الله أرحم بكم منها». تحريم دخول المسجد الحرام على المشركين ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)﴾

стр. 3073

البلاغة: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ ﴿إِنَّمَا﴾: تفيد الحصر، وقوله: ﴿الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾: تشبيه بليغ أي كالنجس في خبث الاعتقاد، حذفت منه أداة الشبه ووجه الشبه، مثل: ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً﴾ أي كالأرباب في طاعتهم. وقال الزمخشري: ﴿نَجَسٌ﴾: مصدر، ومعناه ذوو نجس؛ لأن معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس، ولأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون النجاسات، فهي ملابسة لهم، أو جعلوا كأنهم النجاسة بعينها مبالغة في وصفهم بها. ﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ﴾ عبر عن الدخول بالقرب للمبالغة، أي إنما نهى عن الاقتراب للمبالغة، أو للمنع عن دخول الحرم. وذهب أبو حنيفة إلى أن المراد به النهي عن الحج والعمرة، لا عن الدخول مطلقا. وقاس مالك سائر المساجد على المسجد الحرام في المنع. المفردات اللغوية: نجس ونجاسة: قذارة وعدم نظافة، وإذا وصف به الإنسان كان المراد أنه شرير خبيث النفس، وإن كان طاهر البدن. والناجس والنجيس: داء خبيث لا دواء له. وفي اصطلاح الفقهاء: ما يجب تطهيره، سواء كان قذرا كالبول أو غير قذر كالخمر مثلا. ﴿الْمَسْجِدَ الْحَرامَ﴾ المراد به في رأي عطاء: الحرم كله وهو مكة. وهو مذهب الشافعية أيضا. ورأى المالكية أن المراد خصوص المسجد الحرام، أخذا بظاهر اللفظ، ولكن بقية المساجد تقاس عليه؛ لأن العلة وهي النجاسة موجودة في المشركين، والحرمة موجودة في كل مسجد، فلا يجوز تمكينهم من دخول المسجد الحرام والمساجد كلها. ومذهب الحنفية: ليس المراد النهي عن دخول المسجد الحرام، وإنما المراد النهي عن أن يحج المشركون ويعتمروا، كما كانوا يعملون في الجاهلية. ﴿بَعْدَ عامِهِمْ هذا﴾ العام التاسع من الهجرة ﴿عَيْلَةً﴾ فقرا بانقطاع تجارتهم عنكم، وفعله: عال يعيل عيلا وعيلة فهو عائل. وأعال: كثر عياله، ويعول عيالا كثيرين، أي يمونهم ويكفيهم معاشهم ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ عطائه وتفضله وقد أغناهم بالفتوح والجزية. سبب النزول: نزول ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان المشركون يجيئون إلى البيت، ويجيئون معهم بالطعام يتجرون فيه، فلما منعوا

стр. 3074

عن أن يأتوا البيت، قال المسلمون: من أين لنا الطعام، فأنزل الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. وأخرج ابن جرير الطبري وأبو الشيخ ابن حيان الأنصاري عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ شق ذلك على المسلمين، وقالوا: من يأتينا بالطعام والمتاع؟ فأنزل الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ الآية. المناسبة: لما أمر النبي ﵌ عليا ﵁ أن يقرأ على مشركي مكة أول سورة براءة، وينبذ إليهم عهدهم، سنة تسع من الهجرة، وأن الله بريء من المشركين ورسوله، قال أناس: يا أهل مكة، ستعلمون ما تلقونه من الشدة؛ لانقطاع السبل، وفقد الحمولات، فنزلت هذه الآية لدفع هذه الشبهة. التفسير والبيان: يا أيها المؤمنون بالله ورسوله، إن المشركين أنجاس، فاسدو الاعتقاد، منغمسون في النجاسة، فهم أنجاس إما لخبث باطنهم وفساد عقيدتهم لعبادة الأصنام والأوثان، أو لأن معهم الشرك الذي هو مثل النجس الذي يجب اجتنابه، أو لأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون النجاسات الحسية. وإذا كانوا أنجاسا، فلا يدخلوا المسجد الحرام، ولا أن يطوفوا به عراة. فهذا نهي للمؤمنين أن يمكنوا المشركين من دخول المسجد الحرام بعد العام التاسع من الهجرة. وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ يدل على الحصر، أي لا نجس إلا المشرك. والمراد بالمشركين في رأي الأكثرين هم عبدة الأوثان، وقال قوم: بل يتناول جميع الكفار، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ

стр. 3075

وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء ٤٨/ ٤]. وهذا هو الأرجح الظاهر من الآية. والمراد بالنجس: النجاسة المعنوية أي نجاسة الاعتقاد. ونقل الزمخشري عن ابن عباس ﵄ أن أعيان المشركين نجسة كالكلاب والخنازير، تمسكا بظاهر هذه الآية (١). ولكن جمهور الفقهاء اتفقوا على خلاف ذلك وعلى طهارة أبدانهم، فليس المشرك أو الكافر نجس البدن والذات؛ لأن الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب. والمقصود بالمسجد الحرام كما تبين في المفردات: الحرم كله في رأي عطاء والشافعية، وخصوص المسجد الحرام في مذهب المالكية أخذا بظاهر اللفظ، ورأى الحنفية أن ليس المراد النهي عن دخول المسجد الحرام، وإنما المراد النهي عن أن يحج المشركون ويعتمروا، كما كانوا يعملون في الجاهلية، بدليل قوله تعالى: ﴿بَعْدَ عامِهِمْ هذا﴾ أي لا يحجوا ولا يعتمروا بعد حج عامهم هذا وهو العام التاسع من الهجرة، ولقول علي ﵁ حين نادى بسورة براءة: «ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك» ولأن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ يدل على أن خشية العيلة بسبب انقطاع مواسم المشركين، لمنعهم من الحج والعمرة، ولإجماع المسلمين على منع المشركين من سائر أعمال الحج وإن لم تكن في المسجد. ثم ألقى الله الطمأنينة في قلوب المسلمين بشأن توافر موارد الأطعمة وأنواع التجارات، فقال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً..﴾. أي وإن خفتم أيها المسلمون فقرا، بسبب قلة جلب الأقوات وأنواع التجارات التي كان المشركون يجلبونها، ومنعوا بعد هذا العام من دخول المسجد الحرام، فسوف يغنيكم الله من فضله وعطائه بوجه آخر، وييسر لكم موارد المعيشة والأرزاق والمكاسب.

стр. 3076

إن الله عليم بأحوالكم وبما يكون في المستقبل من غنى وفقر، حكيم فيما يشرعه لكم من أمر ونهي، كالأمر بقتال المشركين بعد انقضاء عهودهم، والنهي عن قرب المشركين للمسجد الحرام بعد هذا العام، وهو أيضا حكيم فيما يعطي ويمنع؛ لأنه الكامل في أفعاله وأقواله، العادل في خلقه وأمره تعالى. وهذا إخبار عن غيب في المستقبل، وقد تحقق الخبر، وأنجز الله وعده، فأسلم أهل اليمن وأهل جدة وجرش وغيرهم، وصاروا يحملون الأطعمة إلى مكة، وأسلم المشركون أنفسهم، ولم يبق منهم أحد يمنع من الحرم، وأتتهم الثروات والخيرات من كل مكان، وجاءتهم الغنائم وأموال الجزية التي كانوا يأخذونها من أهل الذمة. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية على ما يأتي: ١ - النص صريح في أن المشرك نجس، وفي أن المؤمن طاهر ليس بنجس. لذا كان مذهب المالكية والحنابلة: إيجاب الغسل على الكافر إذا أسلم، وقال الشافعي: أحب إلي أن يغتسل. روى أبو حاتم البستي في صحيح مسنده أن النبي ﵌ مر بثمامة بن أثال يوما، فأسلم، فبعث به إلى حائط (بستان) أبي طلحة، فأمره أن يغتسل، فاغتسل وصلى ركعتين، فقال رسول الله ﵌: «لقد حسن إسلام صاحبكم» وأخرجه مسلم بمعناه. وكذلك أمر النبي ﵌ قيس بن عاصم أن يغتسل بماء وسدر. ٢ - المشرك ممنوع من دخول المسجد الحرام، والمقصود به لدى الشافعية: حرم مكة كله، سواء مساجدها وغيرها، فلا يمكن الكافر من دخول حرم مكة (١). قال الشافعي: الآية عامة في سائر المشركين، وبخاصة في المسجد

стр. 3077

الحرام، ولا يمنعون من دخول غيره، كما دخل في المسجد ثمامة وأبو سفيان، وهما مشركان. وقال المالكية: الآية عامة في سائر المشركين وسائر المساجد، إلا في حالة العذر، كدخول الذمي المسجد للتقاضي أمام الحاكم المسلم. وبذلك كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله، واستدل بهذه الآية، ويؤيدهم قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور ٣٦/ ٢٤] ودخول الكفار فيها مناقض لترفيعها، ولأن قوله : ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ تنبيه على العلة بالشرك والنجاسة (١). وأباح الحنفية للكافر دخول المساجد كلها في الحرم وغيره لحاجة أو لغير حاجة؛ لأن المقصود بالآية النهي عن حج المشركين واعتمارهم، كما تقدم بيانه. فلا يمنع اليهود والنصارى من دخول المسجد الحرام ولا غيره، ولا يمنع دخول المسجد الحرام إلا المشركون وأهل الأوثان. ٣ - قال الرازي: لا شبهة في أن المراد بقوله: ﴿بَعْدَ عامِهِمْ هذا﴾ السنة التي حصل فيها النداء من المشركين، وهي السنة التاسعة من الهجرة (٢) أي أن المنع يبدأ من السنة العاشرة. ٤ - الفضل المذكور في الآية مطلق، يشمل كل ما أغناهم الله به، وهو الأصح، وقيل: المراد به حمل الطعام إلى مكة من البلاد التي أسلم أهلها كجدة وصنعاء وحنين، فإنه سد حاجتهم وأغناهم عما في أيدي المشركين. وقيل: المراد به الجزية، وقيل: الفيء.

стр. 3078

وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ إخبار عن غيب في المستقبل على سبيل الجزم، وقد وقع الأمر مطابقا لذلك الخبر، فكان معجزة. وفي هذه الآية دليل على أن تعلق القلب بأسباب الرزق جائز، ولا ينافي ذلك التوكل، وإن كان الرزق مقدرا، وأمر الله وقسمه مفعولا، ولكنه علقه بالأسباب، لحمل الناس على العمل، والسبب لا ينافي التوكل، بدليل ما أخرج البخاري من قوله ﵌: «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا، وتروح بطانا (١)» فأخبر أن التوكل الحقيقي لا يعارضه الغدو والرواح في طلب الرزق. وقوله تعالى: ﴿إِنْ شاءَ﴾ يدل على أن الرزق ليس بالاجتهاد، وإنما هو فضل من الله تعالى تولى قسمته، وذلك في قوله: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا..﴾. [الزخرف ٣٢/ ٤٣]. ٥ - إقامة الكفار في ديار الإسلام: بلاد الإسلام بالنسبة لدخول الكفار إليها وإقامتهم فيها ثلاثة أقسام: الأول-الحرم المكي: يمنع الكافر من دخول الحرم المكي وهو قول الشافعية والحنابلة، عملا بظاهر الآية، فلا يسمح لكافر بدخول الحرم، ولو كان حاملا رسالة، وإنما يخرج إليه الإمام أو نائبه خارج الحرم ليسمع رسالته. وأجاز المالكية لغير المسلم دخول حرم مكة دون البيت الحرام بأمان لمدة ثلاثة أيام، أو بحسب الحاجة في تقدير المصلحة من قبل الإمام. وأباح أبو حنيفة أيضا للكافر دخول الحرم بإذن الإمام أو نائبه، ثلاثة أيام بلياليها.

стр. 3079

الثاني-الحجاز: وهو ما بين عدن إلى حدود العراق طولا، وما بين جدّه وما والاها من ساحل البحر إلى حدود الشام عرضا. يجوز للكافر دخولها بالإذن لمدة ثلاثة أيام فقط. روى مسلم عن ابن عمر أنه سمع رسول الله ﵌ يقول: «لأخرجنّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب، فلا أترك فيها إلا مسلما» وفي رواية لمسلم: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب». والمراد من جزيرة العرب في رأي الشافعية والحنابلة هو الحجاز خاصة، كما حكى ابن حجر عن الجمهور، بدليل رواية أحمد: «أخرجوا اليهود من الحجاز» ولفعل عمر ﵁ فيما رواه البخاري والبيهقي، حيث أجلى اليهود والنصارى من الحجاز فقط دون جزيرة العرب، وأقرهم في اليمن مع أنها من جزيرة العرب. ولا يجوز عند المالكية لغير المسلم استيطان جزيرة العرب (الحجاز واليمن) لعموم الحديث السابق عن ابن عمر، وحديث عائشة عند أحمد: «لا يترك بجزيرة العرب دينان» وما أخرجه مالك في الموطأ عن الزهري مرسلا: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب». الثالث-سائر بلاد الإسلام: يجوز للكافر أن يقيم فيها بأمان، ولكن لا يدخل المساجد إلا بإذن المسلم، فيجوز للكافر دخول المسجد واللبث فيه، وإن كان جنبا، فإن الكفار كانوا يدخلون مسجده ﵌، ولا شك أن فيهم الجنب، وقد ترجم البخاري: دخول المشرك المسجد (١).

стр. 3080

قتال أهل الكتاب ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (٢٩)﴾ الإعراب: ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ بيان للذين الأولى، وهي بدل. ﴿عَنْ يَدٍ﴾ في موضع حال. المفردات اللغوية: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ لا يؤمنون إيمانا صحيحا بالله لأن اليهود جعلوا عزيرا ابن الله، والنصارى جعلوا عيسى ابن الله، وهو الله، ولا يؤمنون باليوم الآخر على نحو صحيح؛ لأن النصارى يجعلون الدينونة والحساب لعيسى لا لله تعالى، ثم إنهم جميعا كفروا بمحمد ﵌ الذي أمروا في كتبهم بالإيمان به، فلم يبق لهم إيمان صحيح بأحد من الرسل ولا بما جاؤوا به، وإنما يتبعون أهواءهم فيما هم فيه، ولا يتبعون شرع الله ودينه ﴿ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ كالخمر والربا ﴿وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ الثابت الناسخ لغيره من الأديان، وهو دين الإسلام، يقال: دان بكذا: اتخذه دينا وعقيدة ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ بيان للذين الأولى. ﴿أُوتُوا الْكِتابَ﴾ أي اليهود والنصاري ﴿حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ يلتزموا أداء الجزية، وهي ضريبة مفروضة على الأشخاص القادرين، لا على الأرض، كضرائب الدخل اليوم ﴿عَنْ يَدٍ﴾ سعة وقدرة ﴿وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ الصغار: التزام أحكام الإسلام وسيادته. سبب النزول: روى ابن المنذر عن الزهري قال: أنزلت في كفار قريش والعرب:

стр. 3081

﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ﴾ ونزلت في أهل الكتاب: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية، فكان أول من أعطى الجزية أهل نجران قبل وفاته ﵊. وروى ابن أبي شيبة وأبو الشيخ ابن حيان الأنصاري عن الحسن البصري قال: قاتل رسول الله ﵌ أهل هذه الجزيرة من العرب على الإسلام، لم يقبل منهم غيره، وكان أفضل الجهاد، وكان بعده جهاد على هذه الآية في شأن أهل الكتاب: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ الآية. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى حكم المشركين في إظهار البراءة من عهودهم، وفي وجوب مقاتلتهم، وإبعادهم عن المسجد الحرام، أعقبه ببيان حكم أهل الكتاب: وهو أن يقاتلوا إلى أن يعطوا الجزية. وفي ذلك توطئة للكلام عن غزوة تبوك مع الروم من أهل الكتاب، والخروج إليها في زمن العسرة والقيظ، حين طابت الثمار واشتد الحر، وما يتعلق بها من فضيحة المنافقين، وتمحيص المؤمنين. التفسير والبيان: لما كفر اليهود والنصارى بمحمد ﵌، لم يبق لهم إيمان صحيح، ولا شرع ولا دين، وإنما يتبعون أهواءهم؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين بأصل دينهم، لقادهم ذلك إلى الإيمان برسالة الإسلام وبنبوة محمد ﵌؛ لأن جميع الأنبياء بشروا به، وأمروا باتباعه، ولم يعد ينفعهم إيمانهم ببقية الأنبياء؛ لأن الإسلام من عند الله، وختمت به الديانات، فلم يكف الإيمان بالبعض دون البعض، ما داموا قد كفروا بخاتم النبيين وأشرف المرسلين. لهذا أمر الله بمقاتلة أهل الكتاب، إذا كانوا موصوفين بصفات أربع وهي:

стр. 3082

١ - إنهم لا يؤمنون بالله: فإن أكثر اليهود مشبّهة يعتقدون أن الإله جسم، والله منزه عن الجسمية والشبيه، فهم لا يؤمنون بوجود الله وتوحيده حقا، وجودا منزها عن التجسيم. والنصارى يعتقدون بالتثليث ثم التوحيد، فهم يقولون بوجود الأب والابن وروح القدس، ثم يعتقدون أن الإله حل في عيسى، فأصبح هو الرب، والله منزه عن الاتحاد والحلول في غيره، وعن الابن والشريك، فصاروا لا يؤمنون بوجود الإله الحق. ثم إن اليهود يقولون: عزيز ابن الله، وكل من اليهود والنصارى ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ﴾، يشرّعون لهم العبادات ويحرّمون، ويطيعونهم في ذلك، فصاروا بمثابة الرب. ٢ - إنهم لا يؤمنون باليوم الآخر على النحو الصحيح، فهم يعتقدون بأن الأرواح هي التي تبعث دون الأجساد، كالملائكة، وأن أهل الجنة لا يأكلون ولا يشربون، وليس هناك متع مادية، ويرون أن نعيم الجنة وعذاب النار معان روحية فقط كالسرور والهم، فهم لا يؤمنون بحياة كاملة مادية وروحية في عالم الآخرة، وهذا مناف لما أخبر به القرآن، ومن أنكر البعث الجسماني، فقد أنكر صريح القرآن. ٣ - ﴿وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾: فهم لا يحرمون ما حرمه القرآن وسنة الرسول، ولا يحرمون ما حرمه موسى وعيسى ﵉، بل حرفوا التوراة والإنجيل، وشرعوا لأنفسهم أحكاما تخالف أصل دينهم المنسوخ بحكم الإسلام، فترى اليهود يستحلون أكل أموال الناس بالباطل كالربا وغيره، والنصارى استباحوا ما حرم عليهم في التوراة كالشحوم والخمور. ٤ - ولا يدينون دين الحق: أي لا يعتقدون بصحة دين الإسلام الذي هو الدين الحق، وإنما يسيرون على وفق ما وضعه رجال الدين بحسب أهوائهم،

стр. 3083

فبدلوا التوراة والإنجيل، ولم يعد أصل الدين المطابق للإسلام والموحى به إلى موسى وعيسى ﵉ هو المعمول به. فقاتلوا هؤلاء الموصوفين بأنهم من أهل الكتاب، لتمييزهم عن المشركين في الحكم، فالمشركون يجب في حقهم القتال أو الإسلام، وأهل الكتاب يجب فيهم أحد خصال ثلاث: القتال أو الإسلام أو الجزية. وغاية قتالهم حتى يلتزموا الدخول في عهد مصحوب بأداء الجزية، وهم صاغرون أي ملتزمون الخضوع لأحكام الإسلام. وكما أن قتال المشركين واجب إذا حاربوا المسلمين، كما تقدم بيانه عن ابن العربي (١)، كذلك قتال أهل الكتاب عند وجود مقتضيات القتال، كالاعتداء على المسلمين أو بلادهم أو أعراضهم أو فتنتهم عن دينهم أو تهديد أمنهم وسلامتهم، كما حصل من الروم، فكان ذلك سببا لغزوة تبوك، أو حسبما يرى الإمام من المصلحة الحربية معتمدا على التحركات المشبوهة، والاستعدادات الحربية، والحشود العسكرية على حدود دار الإسلام. وقد سموا بأهل الكتاب؛ لأن لهم في الأصل كتابا سماويا، ويعتقدون في الجملة بالإله وبالبعث والحساب والرسل والشرائع والملل. ويسمون أيضا «أهل الذمة» أي أهل العهد والميثاق الذي يوجب الإسلام معاملتهم بالعدل والمساواة بمقتضى ذمة الله ورسوله. ويقال لهم أيضا «المعاهدون» لأنهم يقيمون في دار الإسلام بموجب عهد أو معاهدة معقودة بيننا وبينهم، ويجب تنفيذ أحكامها واحترامها من الجانبين، ويحرم ظلمهم وتكليفهم مالا يطيقون.

стр. 3084

والصغار كما تقدم وذكر بعض الفقهاء كالشافعية وابن القيم: هو التزام الأحكام، وليس الإذلال والإهانة. والجزية ليست من مبتدعات الإسلام، وإنما كانت معروفة لدى الفرس، وأول من سنّها كسرى أنو شروان، فعمل بها عمر حينما افتتح بلاد الفرس. ولم يحدد القرآن مقدارها، فاختلف الفقهاء في تقديرها، فقال الشافعي: هي في السنة دينار على الغني والفقير من الأحرار البالغين لا ينقص منه شيء، لما روى أبو داود وغيره عن معاذ: أن رسول الله ﵌ بعثه إلى اليمن، وأمره أن يأخذ من كل حالم دينارا في الجزية. قال الشافعي: وهو أي الرسول المبيّن عن الله تعالى مراده. وإن صولحوا على أكثر من دينار جاز. وتؤخذ في آخر السنة. وقال المالكية: إنها أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهما على أهل الورق (الفضة)، الغني والفقير سواء، ولو كان مجوسيا، لا يزاد ولا ينقص على ما فرض عمر، لا يؤخذ منهم غيره. وقال الحنفية: مقدار الجزية اثنا عشر درهما على الفقراء، وأربعة وعشرون درهما على الأوساط، وأربعون درهما على الأغنياء. وتؤخذ في أول السنة. ويعامل المجوس في أخذ الجزية معاملة أهل الكتاب، قال ابن المنذر: لا أعلم خلافا أن الجزية تؤخذ منهم. روى مالك في الموطأ أن عمر بن الخطاب ذكر أمر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله ﵌ يقول: «سنّوا بهم سنة أهل الكتاب» قال ابن عبد البر: يعني في الجزية خاصّة. وفي هذا القول دليل واضح على أنهم ليسوا أهل كتاب. أما أهل الأوثان: فقال الشافعي ﵀ وجمهور الفقهاء: لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب على التخصيص، عربا كانوا أو عجما لهذه الآية، فإنهم هم الذين

стр. 3085

خصّوا بالذكر، فتوجه الحكم إليهم دون سواهم؛ لقوله : ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة ٥/ ٩] ولم يقل: حتى يعطوا الجزية، كما قال في أهل الكتاب. فلا تؤخذ الجزية من عبدة الأوثان من العرب. وقال الأوزاعي والمالكية: تؤخذ الجزية من كل عابد وثن أو نار أو جاحد أو مكذّب، عربيا أو عجميا، تغلبيا أو قرشيا، كائنا من كان؛ إلا المرتد. والجزية تؤخذ من الرجال المقاتلين؛ لأنه تعالى قال: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ﴾ إلى قوله: ﴿حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ فيقتضي ذلك وجوبها على من يقاتل، وقد أجمع العلماء على أن الجزية تؤخذ من الرجال الأحرار المقاتلين. وإذا أعطوا الجزية لم يؤخذ منهم شيء من ثمارهم ولا زروعهم ولا تجارتهم، إلا أن يتجروا في بلاد غير بلادهم التي أقرّوا فيها وصولحوا عليها، فحينئذ يؤخذ منهم العشر إذا باعوا أمتعة التجارة، وحصلوا على أثمانها، ولو كان ذلك في السنة مرارا، إلا في حملهم الطعام: الحنطة والزيت إلى المدينة ومكة على التخصيص، فإنه يؤخذ منهم نصف العشر، على ما فعل عمر. ويمنعون من إظهار الخمر والخنزير في أسواق المسلمين، فإن أظهروا شيئا من ذلك أريقت الخمر عليهم، وأدّب من أظهر الخنزير. وإن أراقها مسلم من غير إظهارها فقد تعدّى، ويجب عليه الضمان في مذهبي المالكية والحنفية. وإن امتنعوا من أداء الجزية وغيرها، وامتنعوا من حكم الإسلام من غير أن يظلموا، قوتلوا في رأي الجمهور غير الحنفية. وإن قطعوا الطريق فهم بمنزلة المحاربين المسلمين إذا لم يمنعوا الجزية، أي يطبق عليهم حكم آية المحاربة: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة ٣٣/ ٥].
следующие страницы →