← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ﴾ ونزلت في أهل الكتاب: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية، فكان أول من أعطى الجزية أهل نجران قبل وفاته ﵊. وروى ابن أبي شيبة وأبو الشيخ ابن حيان الأنصاري عن الحسن البصري قال: قاتل رسول الله ﵌ أهل هذه الجزيرة من العرب على الإسلام، لم يقبل منهم غيره، وكان أفضل الجهاد، وكان بعده جهاد على هذه الآية في شأن أهل الكتاب: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ الآية. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى حكم المشركين في إظهار البراءة من عهودهم، وفي وجوب مقاتلتهم، وإبعادهم عن المسجد الحرام، أعقبه ببيان حكم أهل الكتاب: وهو أن يقاتلوا إلى أن يعطوا الجزية. وفي ذلك توطئة للكلام عن غزوة تبوك مع الروم من أهل الكتاب، والخروج إليها في زمن العسرة والقيظ، حين طابت الثمار واشتد الحر، وما يتعلق بها من فضيحة المنافقين، وتمحيص المؤمنين. التفسير والبيان: لما كفر اليهود والنصارى بمحمد ﵌، لم يبق لهم إيمان صحيح، ولا شرع ولا دين، وإنما يتبعون أهواءهم؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين بأصل دينهم، لقادهم ذلك إلى الإيمان برسالة الإسلام وبنبوة محمد ﵌؛ لأن جميع الأنبياء بشروا به، وأمروا باتباعه، ولم يعد ينفعهم إيمانهم ببقية الأنبياء؛ لأن الإسلام من عند الله، وختمت به الديانات، فلم يكف الإيمان بالبعض دون البعض، ما داموا قد كفروا بخاتم النبيين وأشرف المرسلين. لهذا أمر الله بمقاتلة أهل الكتاب، إذا كانوا موصوفين بصفات أربع وهي:

стр. 3082

١ - إنهم لا يؤمنون بالله: فإن أكثر اليهود مشبّهة يعتقدون أن الإله جسم، والله منزه عن الجسمية والشبيه، فهم لا يؤمنون بوجود الله وتوحيده حقا، وجودا منزها عن التجسيم. والنصارى يعتقدون بالتثليث ثم التوحيد، فهم يقولون بوجود الأب والابن وروح القدس، ثم يعتقدون أن الإله حل في عيسى، فأصبح هو الرب، والله منزه عن الاتحاد والحلول في غيره، وعن الابن والشريك، فصاروا لا يؤمنون بوجود الإله الحق. ثم إن اليهود يقولون: عزيز ابن الله، وكل من اليهود والنصارى ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ﴾، يشرّعون لهم العبادات ويحرّمون، ويطيعونهم في ذلك، فصاروا بمثابة الرب. ٢ - إنهم لا يؤمنون باليوم الآخر على النحو الصحيح، فهم يعتقدون بأن الأرواح هي التي تبعث دون الأجساد، كالملائكة، وأن أهل الجنة لا يأكلون ولا يشربون، وليس هناك متع مادية، ويرون أن نعيم الجنة وعذاب النار معان روحية فقط كالسرور والهم، فهم لا يؤمنون بحياة كاملة مادية وروحية في عالم الآخرة، وهذا مناف لما أخبر به القرآن، ومن أنكر البعث الجسماني، فقد أنكر صريح القرآن. ٣ - ﴿وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾: فهم لا يحرمون ما حرمه القرآن وسنة الرسول، ولا يحرمون ما حرمه موسى وعيسى ﵉، بل حرفوا التوراة والإنجيل، وشرعوا لأنفسهم أحكاما تخالف أصل دينهم المنسوخ بحكم الإسلام، فترى اليهود يستحلون أكل أموال الناس بالباطل كالربا وغيره، والنصارى استباحوا ما حرم عليهم في التوراة كالشحوم والخمور. ٤ - ولا يدينون دين الحق: أي لا يعتقدون بصحة دين الإسلام الذي هو الدين الحق، وإنما يسيرون على وفق ما وضعه رجال الدين بحسب أهوائهم،

стр. 3083

فبدلوا التوراة والإنجيل، ولم يعد أصل الدين المطابق للإسلام والموحى به إلى موسى وعيسى ﵉ هو المعمول به. فقاتلوا هؤلاء الموصوفين بأنهم من أهل الكتاب، لتمييزهم عن المشركين في الحكم، فالمشركون يجب في حقهم القتال أو الإسلام، وأهل الكتاب يجب فيهم أحد خصال ثلاث: القتال أو الإسلام أو الجزية. وغاية قتالهم حتى يلتزموا الدخول في عهد مصحوب بأداء الجزية، وهم صاغرون أي ملتزمون الخضوع لأحكام الإسلام. وكما أن قتال المشركين واجب إذا حاربوا المسلمين، كما تقدم بيانه عن ابن العربي (١)، كذلك قتال أهل الكتاب عند وجود مقتضيات القتال، كالاعتداء على المسلمين أو بلادهم أو أعراضهم أو فتنتهم عن دينهم أو تهديد أمنهم وسلامتهم، كما حصل من الروم، فكان ذلك سببا لغزوة تبوك، أو حسبما يرى الإمام من المصلحة الحربية معتمدا على التحركات المشبوهة، والاستعدادات الحربية، والحشود العسكرية على حدود دار الإسلام. وقد سموا بأهل الكتاب؛ لأن لهم في الأصل كتابا سماويا، ويعتقدون في الجملة بالإله وبالبعث والحساب والرسل والشرائع والملل. ويسمون أيضا «أهل الذمة» أي أهل العهد والميثاق الذي يوجب الإسلام معاملتهم بالعدل والمساواة بمقتضى ذمة الله ورسوله. ويقال لهم أيضا «المعاهدون» لأنهم يقيمون في دار الإسلام بموجب عهد أو معاهدة معقودة بيننا وبينهم، ويجب تنفيذ أحكامها واحترامها من الجانبين، ويحرم ظلمهم وتكليفهم مالا يطيقون.

стр. 3084

والصغار كما تقدم وذكر بعض الفقهاء كالشافعية وابن القيم: هو التزام الأحكام، وليس الإذلال والإهانة. والجزية ليست من مبتدعات الإسلام، وإنما كانت معروفة لدى الفرس، وأول من سنّها كسرى أنو شروان، فعمل بها عمر حينما افتتح بلاد الفرس. ولم يحدد القرآن مقدارها، فاختلف الفقهاء في تقديرها، فقال الشافعي: هي في السنة دينار على الغني والفقير من الأحرار البالغين لا ينقص منه شيء، لما روى أبو داود وغيره عن معاذ: أن رسول الله ﵌ بعثه إلى اليمن، وأمره أن يأخذ من كل حالم دينارا في الجزية. قال الشافعي: وهو أي الرسول المبيّن عن الله تعالى مراده. وإن صولحوا على أكثر من دينار جاز. وتؤخذ في آخر السنة. وقال المالكية: إنها أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهما على أهل الورق (الفضة)، الغني والفقير سواء، ولو كان مجوسيا، لا يزاد ولا ينقص على ما فرض عمر، لا يؤخذ منهم غيره. وقال الحنفية: مقدار الجزية اثنا عشر درهما على الفقراء، وأربعة وعشرون درهما على الأوساط، وأربعون درهما على الأغنياء. وتؤخذ في أول السنة. ويعامل المجوس في أخذ الجزية معاملة أهل الكتاب، قال ابن المنذر: لا أعلم خلافا أن الجزية تؤخذ منهم. روى مالك في الموطأ أن عمر بن الخطاب ذكر أمر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله ﵌ يقول: «سنّوا بهم سنة أهل الكتاب» قال ابن عبد البر: يعني في الجزية خاصّة. وفي هذا القول دليل واضح على أنهم ليسوا أهل كتاب. أما أهل الأوثان: فقال الشافعي ﵀ وجمهور الفقهاء: لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب على التخصيص، عربا كانوا أو عجما لهذه الآية، فإنهم هم الذين

стр. 3085

خصّوا بالذكر، فتوجه الحكم إليهم دون سواهم؛ لقوله : ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة ٥/ ٩] ولم يقل: حتى يعطوا الجزية، كما قال في أهل الكتاب. فلا تؤخذ الجزية من عبدة الأوثان من العرب. وقال الأوزاعي والمالكية: تؤخذ الجزية من كل عابد وثن أو نار أو جاحد أو مكذّب، عربيا أو عجميا، تغلبيا أو قرشيا، كائنا من كان؛ إلا المرتد. والجزية تؤخذ من الرجال المقاتلين؛ لأنه تعالى قال: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ﴾ إلى قوله: ﴿حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ فيقتضي ذلك وجوبها على من يقاتل، وقد أجمع العلماء على أن الجزية تؤخذ من الرجال الأحرار المقاتلين. وإذا أعطوا الجزية لم يؤخذ منهم شيء من ثمارهم ولا زروعهم ولا تجارتهم، إلا أن يتجروا في بلاد غير بلادهم التي أقرّوا فيها وصولحوا عليها، فحينئذ يؤخذ منهم العشر إذا باعوا أمتعة التجارة، وحصلوا على أثمانها، ولو كان ذلك في السنة مرارا، إلا في حملهم الطعام: الحنطة والزيت إلى المدينة ومكة على التخصيص، فإنه يؤخذ منهم نصف العشر، على ما فعل عمر. ويمنعون من إظهار الخمر والخنزير في أسواق المسلمين، فإن أظهروا شيئا من ذلك أريقت الخمر عليهم، وأدّب من أظهر الخنزير. وإن أراقها مسلم من غير إظهارها فقد تعدّى، ويجب عليه الضمان في مذهبي المالكية والحنفية. وإن امتنعوا من أداء الجزية وغيرها، وامتنعوا من حكم الإسلام من غير أن يظلموا، قوتلوا في رأي الجمهور غير الحنفية. وإن قطعوا الطريق فهم بمنزلة المحاربين المسلمين إذا لم يمنعوا الجزية، أي يطبق عليهم حكم آية المحاربة: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة ٣٣/ ٥].

стр. 3086

وإذا أسلموا سقطت عنهم الجزية باتفاق الفقهاء، لما رواه أحمد وأبو داود والبيهقي والدارقطني عن ابن عباس من قوله ﵌: «ليس على مسلم جزية» وفي رواية للطبراني عن ابن عمر: «من أسلم فلا جزية عليه». وكما تسقط الجزية بالإسلام تسقط بالموت. لذا فإنها تجب بدلا عن عصمة الدم، وسكنى دار الإسلام. فقه الحياة أو الأحكام: هذه آية الجزية التي تدخل ضمن معاهدة بين المسلمين وغيرهم، ليستوطنوا في دار الإسلام بأمان وسلام، مع إخضاعهم لأحكام الإسلام المدنية والجزائية، وما عدا ذلك فإنا في عباداتهم أمرنا بتركهم وما يدينون. وقتالهم مثل قتال المشركين إذا حاربونا واعتدوا علينا، فإنما القتال لمن قاتلنا كما قال تعالى: ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ، وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة ١٩٠/ ٢]. وربما تكون الإقامة في دار الإسلام من قبل هؤلاء المعقود لهم عقد الذمة سببا في تعرفهم على محاسن الإسلام وقوة دلائله، فيتركون دينهم، وينتقلون من الكفر إلى الإيمان. ومقتضى عقد الذمة: حقن الدماء، ومنع القتال، والتزام أحكام الإسلام، مع تقريرنا البقاء على دينهم؛ إذ لا إكراه في الدين، ولكن ليس يراد بذلك الرضا بكفرهم. ودلت الآية على أن دين الحق هو الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ [آل عمران ١٩/ ٣] والإسلام: هو التسليم لأمر الله وما جاءت به

стр. 3087

رسله، والانقياد له، والعمل به. والدين: يراد به الطاعة، أو القهر، أو الجزاء (١). والكفر: إنكار وجود الله، أو نسبة الشريك له، أو عدم الإيمان برسالة النبي ﵌، أو تكذيب أحد الأنبياء السابقين. وأرى أن المراد بالدين هنا: النظام الموضوع من الله لعباده في العقيدة والعبادة والأخلاق والتشريع. عقيدة أهل الكتاب (اليهود والنّصارى) ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ اِبْنُ اللهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ اِبْنُ اللهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللهُ أَنّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ اِبْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلاّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ (٣١) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ الإعراب: ﴿قالَتِ الْيَهُودُ﴾ هذا لفظ خرج على العموم، ومعناه الخصوص؛ لأنه ليس كلّ اليهود قالوا ذلك.

стр. 3088

﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ﴾ من قرأ بالتّنوين كان ﴿عُزَيْرٌ﴾ مبتدأ، و ﴿اِبْنُ﴾ خبره. ولا تحذف الألف في ابن من الخط، ويكسر التّنوين لالتقاء السّاكنين. ومن قرأه بغير تنوين ففيه ثلاثة أوجه: الأول-أن يكون ﴿عُزَيْرٌ﴾ مبتدأ، و ﴿اِبْنُ﴾ خبره، وحذف التّنوين لسكونه وسكون الباء من ﴿اِبْنُ﴾ كقراءة من قرأ ﴿أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص ١/ ١١٢ - ٢] فحذف التّنوين لسكونه وسكون اللام. الثاني-أن يجعل ﴿اِبْنُ﴾ صفة لعزيز، وابن: إذا كان صفة لعلم مضافا إلى علم، حذف التّنوين من الأول، مثل: زيد بن عمرو. ويكون خبر المبتدأ محذوفا تقديره: وقالت اليهود عزيز ابن الله معبودهم، وحذف الخبر للعلم به، كما يحذف المبتدأ للعلم به. الثالث-أن يكون ﴿عُزَيْرٌ﴾ ممنوعا من الصّرف للعجمة والتّعريف كإبراهيم وإسماعيل، وهذا أضعف الوجوه؛ لأنه عند المحققين عربي مشتق من (عزّره): إذا عظّمه ووقّره. لبلاغة: ﴿يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ﴾ أراد نور الإسلام، فيه استعارة، شبّه الإسلام بوضوح أدلّته وقطعيّتها وإضاءتها بالشّمس السّاطعة في نورها وضيائها. المفردات اللغوية: ﴿عُزَيْرٌ﴾ هو المعروف عند اليهود باسم (عزرا) المنسوب إلى العازار بن هارون. ﴿يُضاهِؤُنَ﴾ يشابهون به في الكفر والشّناعة. ﴿قاتَلَهُمُ اللهُ﴾ لعنهم. ﴿أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ كيف يصرفون عن الحقّ إلى غيره مع قيام الدّليل؟ ﴿أَحْبارَهُمْ﴾ علماء اليهود، جمع حبر. ﴿وَرُهْبانَهُمْ﴾ عبّاد اليهود المنقطعين للعبادة، جمع راهب. ﴿أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي يتّبعونهم في تحليل ما حرّم الله وتحريم ما أحلّ. ﴿أَرْباباً﴾ جمع ربّ: وهو الخالق الذي يختصّ بالتّشريع حلاله وحرامه. ﴿وَما أُمِرُوا﴾ في التّوراة والإنجيل. ﴿إِلاّ لِيَعْبُدُوا﴾ أي بأن يعبدوا. ﴿سُبْحانَهُ﴾ تنزيها له. ﴿يُرِيدُونَ﴾ يقصدون إلى الشيء، أو يفعلون فعلا يفضي إلى المراد، وإن لم يقصدوه. ﴿نُورَ اللهِ﴾ هو دين الإسلام وشرعه وبراهينه. ﴿بِأَفْواهِهِمْ﴾ بأقوالهم فيه. ﴿أَنْ يُتِمَّ﴾ يظهر. ﴿أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ محمدا ﵌. ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ يعليه. ﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ جميع الأديان المخالفة له.

стр. 3089

سبب النّزول: نزول الآية (٣٠): ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس قال: أتى رسول الله ﵌ سلاّم بن مشكم، ونعمان بن أبي أوفى، وشاس بن قيس، ومالك بن الصّيف، فقالوا: كيف نتّبعك وقد تركت قبلتنا؟ وأنت لا تزعم أن عزيزا ابن الله، فأنزل الله في ذلك: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ﴾ الآية. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى في آية الجزية المتقدمة أن اليهود والنّصارى لا يؤمنون بالله، أوضح ذلك في هذه الآية، فنقل عنهم أنهم أثبتوا لله ابنا، وهذا شرك، ومن جوّز ذلك فهو في الحقيقة قد أنكر الإله، وأنهم اتّخذوا علماءهم ﴿أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ﴾ في التّحليل والتّحريم، وأنهم يسعون في إبطال الإسلام وهديه. وهذه الآيات دليل واضح في بيان سبب قتال المؤمنين لأهل الكتاب. التفسير والبيان: قالت اليهود أي بعضهم: عزيز ابن الله، وعزيز: كاهن يهودي سكن بابل حوالي سنة ٤٥٧ ق. م، وأسّس المجمع الكبير، وجمع أسفار الكتاب المقدّس، وألّف أسفار: الأيام، وعزرا، ونحميا، وهو يعدّ ناشر اليهودية، بعد أن نسيت، فقدّسه اليهود ووصفوه بأنه ﴿اِبْنُ اللهِ﴾. والثابت عند المؤرّخين حتى اليهود أنفسهم أن التوراة التي كتبها موسى، ووضعها في تابوت العهد قد فقدت عند ما تغلّب العمالقة على بني إسرائيل، أو بختنصّر قبل عهد سليمان ﵇، فإنه لما فتح التّابوت، لم يجد فيه غير لوحي الوصايا العشر، كما جاء في سفر الملوك الأوّل، وأنّ عزرا هو الذي كتب

стр. 3090

التّوراة بعد السّبي بالحروف الكلدانية مع بقايا العبرانية. ويرى النقّاد-كما جاء في دائرة المعارف البريطانية-أن أسطورة عزرا اختلقها الرّواة اختلاقا. ﴿وَقالَتِ النَّصارى: الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ﴾، وكان قدماؤهم يريدون بالنبوّة معنى مجازيا لا حقيقيا، يعنون به أنه المحبوب المكرّم عند الله، ثم تأثروا بوثنية الهنود، فصاروا يعنون بالبنوّة معنى حقيقيا، وأن ابن الله هو الله، وهو روح القدس، إذ اندمجت هذه الأقانيم الثلاثة وصارت واحدا حقيقة، وكان أول من أعلن ذلك مجمع نيقية ٣٢٥ م أي بعد المسيح بثلاثة قرون، وصارت كلمة (الثّالوث) وهي الأب والابن وروح القدس تطلق على هذه الأقانيم الثّلاثة، التي حلّت في اللاّهوت. وكتبت الأناجيل بعد المسيح ﵇ في مدّة تتراوح بين قرن وثلاثة قرون، وقد تأثّرت بوثنية الرّومان، بعد أن فقد الإنجيل الأصلي الذي نزل على عيسى ﵇. وبما أنّ كلاّ من اليهود والنّصارى لا يعتمدون على أصل صحيح لديانتهم، وأن المكتوب لديهم مخترع موضوع من قبل علمائهم، لذا كذّبهم الله تعالى بقوله: ﴿ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ﴾ أي لا مستند لهم فيما ادّعوه سوى افترائهم واختلاقهم، كما قال تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا: اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً، ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ، كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ، إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِباً﴾ [الكهف ٤/ ١٨ - ٥]. ﴿يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أي يشابهون في كفرهم قول من قبلهم من الأمم، ضلّوا كما ضلّ هؤلاء، وهم الوثنيّون البراهمة والبوذيون في الهند والصين واليابان، وقدماء الفرس والمصريين واليونان والرّومان. كما أن مشركي العرب كانوا يقولون: الملائكة بنات الله. ﴿قاتَلَهُمُ اللهُ﴾ أي لعنهم الله، كيف يصرفون عن الحق وهو توحيد الله

стр. 3091

وتنزيهه إلى غيره وهو الشّرك الباطل، فما المسيح وعزير إلا مخلوقان عبدان لله، ولا يعقل أن يجعل المخلوق خالقا، مع أنه يأكل ويشرب ويتعب ويألم، لذا قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ، كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ..﴾. [المائدة ٧٥/ ٥]، وقال تعالى عن المسيح: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ، وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾ [الزّخرف ٥٩/ ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلّهِ﴾ [النساء ١٧٢/ ٤]. ثم أوضح تعالى وجه مضاهاة من كفروا قبلهم، فقال: ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ﴾ أي اتّخذوا اليهود والنصارى رؤساء الدّين فيهم ﴿أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ﴾، يقومون بحقّ التّشريع، فيحلّون الحرام، ويحرّمون الحلال، ويطيعونهم في ذلك، تاركين حكم الله. أما اليهود فقد أضافوا لأحكام التّوراة ما شرعه رؤساؤهم، وأما النّصارى فقد غيّروا أحكام التّوراة وأوجدوا شرائع أخرى في العبادات والمعاملات. ويوضح ذلك قصة إسلام عدي بن حاتم، روى الإمام أحمد والتّرمذي وابن جرير الطّبري عن عدي بن حاتم ﵁ أنه لما بلغته دعوة رسول الله ﵌ فرّ إلى الشّام، وكان قد تنصّر في الجاهلية، فأسرت أخته وجماعة من قومه، ثم منّ رسول الله ﵌ على أخته، وأعطاها، فرجعت إلى أخيها، فرغّبته في الإسلام، وفي القدوم على رسول الله ﵌، فقدم عدي إلى المدينة، وكان رئيسا في قومه طيء، وأبوه حاتم الطّائي المشهور بالكرم، فتحدّث الناس بقدومه، فدخل على رسول الله ﵌-وفي عنق عدي صليب من فضة-وهو يقرأ هذه الآية: ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ﴾. قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم، فقال: بلى، إنّهم حرّموا عليهم الحلال، وأحلّوا لهم الحرام، فاتّبعوهم، فذلك عبادتهم إيّاهم.

стр. 3092

وقال رسول الله ﵌: «يا عدي ما تقول؟ أيضرّك أن يقال: الله أكبر؟ فهل تعلم شيئا أكبر من الله؟ ما يضرّك؟ أيضرّك أن يقال: لا إله إلا الله، فهل تعلم إلها غير الله؟». ثم دعاه إلى الإسلام، فأسلم وشهد شهادة الحق، قال: فلقد رأيت وجهه استبشر، ثم قال: «إن اليهود مغضوب عليهم، والنّصارى ضالّون». ثم أبان الله تعالى ترك أولئك الرؤساء دينهم، فقال: ﴿وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً﴾ أي والحال أنهم ما أمروا على لسان موسى وعيسى إلا أن يعبدوا إلها واحدا، وهو الله الذي شرّع لهم أحكام الدّين، وهو ربّهم وربّ كلّ شيء، فهو الذي إذا حرّم الشيء فهو الحرام، وما حلّله فهو الحلال، وما شرعه اتّبع، وما حكم به نفذ. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ أي أنه تعالى شرعا وعقلا لا يوجد إله غيره، وأنه تعالى تنزّه وتقدّس عن الشّركاء والنّظراء والأعوان والأضداد والأولاد، لا إله إلا هو، ولا ربّ سواه. ولكن هؤلاء الكفار من المشركين وأهل الكتاب يريدون أن يطفئوا نور الإسلام الذي بعث به رسوله محمدا ﵌، ويطفئوا شعلة الحقّ ومصباح الهداية، فيضلّ الناس أجمعون. ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ بتثبيته وحفظه والعناية به وإكماله وإتمامه، ولو كره الكافرون ذلك بعد تمامه، كما كرهوه حين بدء ظهوره. والكافر: هو الذي يستر الشيء ويغطيه. أما اليهود فكانوا أشدّ الناس عداوة للمؤمنين، فهم كمشركي العرب. وأما النّصارى الرّوم فبدؤوا عدوانهم على المسلمين، ثم استمرّ الأوربيون في عدوانهم على الشرق الإسلامي، ثم جاءت الحروب الصّليبيّة التي مثّلت قمّة

стр. 3093

العدوان على المسلمين، وما زالت السّياسة الاستعمارية والتّبشيرية تحتضن المخططات الرّهيبة لتفريق المسلمين وإبعادهم عن دينهم بمختلف الوسائل الإعلامية والمواقف الحاقدة المتحيّزة ضدّ مصالحهم في أي مكان. وأما النّور الإسلامي فهو الذي أرسل الله به ﴿رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ الذي لا يغيّره ولا يبطله شيء آخر. والهدى: هو ما جاء به من الإخبارات الصادقة والإيمان الصحيح والعلم النافع. ودين الحق: هو الأعمال الصحيحة النافعة في الدّنيا والآخرة. والهدف من ذلك أن يعلي تعالى هذا الدّين على جميع الأديان، ولو كره المشركون ذلك الإظهار. وقد وصفوا بالشّرك بعد الوصف بالكفر للدّلالة على أنهم جمعوا بين الكفر بالرّسول والشّرك. وقد تحقّق وعد الله ونصره، كما ثبت في الصّحيح عن رسول الله ﵌ أنه قال: «إن الله زوي لي الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها». وروى الإمام أحمد عن المقداد بن الأسود يقول: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر إلا دخلته كلمة الإسلام، يعزّ عزيزا، ويذلّ ذليلا، إما يعزّهم الله، فيجعلهم من أهلها، وإما يذلّهم فيدينون لها». وفي مسند أحمد أيضا عن عدي بن حاتم قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «فوالذي نفسي بيده ليتمنّ الله هذا الدّين حتى تخرج الظّعينة من الحيرة، حتى تطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولتفتحنّ كنوز كسرى بن هرمز، قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: نعم كسرى بن هرمز، وليبذلنّ المال حتى لا يقبله أحد».

стр. 3094

فقه الحياة أو الأحكام: أثبتت الآيات أن أكثر اليهود وأكثر النّصارى مشركون؛ لأنهم نسبوا الابن لله، مقلّدين في ذلك من سبقهم من الكفار كمشركي العرب الذين كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، ولا عبرة بإنكار اليهود ذلك، فإن حكاية الله عنهم أصدق، ولعلّ هذا المذهب كان فاشيا فيهم، ثم انتهى. وقال ابن العربي: في هذا دليل من قول ربّنا ﵎ على أن من أخبر عن كفر غيره-الذي لا يجوز لأحد أن يبتدئ به-لا حرج عليه؛ لأنه إنما ينطق به على معنى الاستعظام له، والردّ عليه، فلا يمنع ذلك منه، ولو شاء ربّنا ما تكلّم به أحد، فإذا مكّن من إطلاق الألسن به، فقد أذن بالإخبار عنه؛ على معنى إنكاره بالقلب واللسان، والرّدّ عليه بالحجّة والبرهان (١). وقد كذّبهم الله تعالى بقوله: ﴿ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ﴾ أي أنه قول ساقط باطل لا يتجاوز الفم، ولعنهم بقوله: ﴿قاتَلَهُمُ اللهُ﴾ قال ابن عباس: كلّ شيء في القرآن قتل فهو لعن. ثم وصفهم تعالى بنوع آخر من الشّرك بقوله: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم والمسيح ابن مريم أربابا من دون الله والأكثرون من المفسّرين قالوا: ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا فيهم أنهم آلهة العالم، بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم، مع أن التّوراة والإنجيل والكتب الإلهية ناطقة بألا يعبدوا إلا إلها واحدا، وأنه لا إله إلا هو، تنزّه من أن يكون له شريك في الأمر والتّكليف أو التّشريع، وأن يكون له شريك في كونه مسجودا له أو معبودا، وأن يكون له شريك يستحقّ التّعظيم والإجلال.

стр. 3095

ثم أخبر الله تعالى عن نوع ثالث من الأفعال القبيحة الصادرة عن رؤساء اليهود والنّصارى، وهو سعيهم في إبطال دعوة محمد ﵌، وإمعانهم في إخفاء أدلّة صحّة شرعه وقوّة دينه. والمراد من النّور: الدّلائل الدّالّة على صحّة نبوّته. أوّلها-المعجزات القاهرة التي ظهرت على يده. وثانيها-القرآن العظيم الذي ظهر على لسان محمد ﵌ مع أنه كان أميّا. وثالثها-أنّ حاصل شريعته تعظيم الله والثّناء عليه، والانقياد لطاعته، وصرف النّفس عن حبّ الدّنيا أي الحرص عليها دون الآخرة، والتّرغيب في سعادات الآخرة، والعقل يدلّ على أنه لا طريق إلى الله إلا من هذا الوجه. ورابعها-أن شرعه كان خاليا عن جميع العيوب، فليس فيه دعوة إلى غير الله، وإلى إصلاح حياة البشر (١). ثم إنه تعالى وعد محمدا ﵌ مزيد النّصر والقوة وإعلاء المنزلة، فقال: ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾. ثم بيّن الله تعالى بعد خيبتهم في إبطال دعوة الإسلام كيف يتمّ أمره بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ﴾. وفي هذه الآية الأخيرة دلالة على أن رسالة محمد ﵌ تمتاز بكثرة الدّلائل والمعجزات على صحّتها، وهو الهدى، وأنها دين الحقّ المشتمل على الصّواب والصّلاح ومطابقة الحكمة وموافقة المنفعة في الدّنيا والآخرة، وأن دينه يعلو على كلّ الأديان، ويغلب كلّ الأديان، فلا دين يصمد أمام النّقاش العلمي والعقلي غير دين الإسلام. والتّاريخ على ممرّ الزّمان يؤكّد إنجاز هذه الوعود علانية في

стр. 3096

اقتناع كبار العلماء في كلّ اختصاص إنساني أو علمي بأحقيّته في التّديّن والاعتقاد وإصلاح الحياة البشرية، وظهر الإسلام على كلّ الأديان في الماضي، فاندحر اليهود وأخرجوا من جزيرة العرب، وغلب المسلمون النّصارى في بلاد الشّام وغيرها، وغلبوا المجوس، وعبّاد الأصنام في كثير من بلاد التّرك والهند. والخلاصة: تضمّنت الآيات أوصافا قبيحة لليهود والنّصارى: نسبة البنوّة لله، إطاعة الرؤساء دون إطاعة الله، محاولتهم إبطال دعوة الإسلام وإخفات صوت الحقّ. سيرة الأحبار والرهبان في معاملاتهم مع الناس ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾ الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ﴾ مبتدأ، والخبر: ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ ﴿لَيَأْكُلُونَ﴾ دخلت اللام على يفعل، ولا تدخل على فعل، لأن يفعل تشبه الأسماء. ﴿وَلا يُنْفِقُونَها﴾: إنما قال: ﴿يُنْفِقُونَها﴾ ولم يقل: ينفقونهما؛ لأن عادة العرب أن يخبروا عن أحد الشيئين إذا كان هناك دليل يدل على اشتراك بينهما، كقوله تعالى: ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها﴾ ولم يقل إليهما وإنما أريد التجارة لأنها أعم، وكقوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ، وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾ أريد الصلاة؛ لأنها أهم، وكقوله

стр. 3097

تعالى: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ أريد الرسول لتأكيد الاهتمام بسنته. وقيل: الضمير في «ينفقونها» يعود على الكنوز لدلالة يكنزون عليها، وقيل: يعود على الأموال؛ لأن الذهب والفضة أموال. والخلاصة: أن الضمير يعود إلى الفضة؛ لأنه قصد الأغلب والأعم. ﴿يَوْمَ يُحْمى﴾ ﴿يَوْمَ﴾: منصوب من ثلاثة أوجه: إما بفعل مقدر تقديره: اذكر يوم يحمى، أو بفعل يقال: أي يقال لهم: هذا في يوم يحمى، أو يكون بدلا من ﴿بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ أي عذاب يوم يحمى، فحذف المضاف، فانتصب على الموضع، لا على اللفظ، كما انتصب قوله تعالى: ﴿دِيناً قِيَماً﴾ بالبدل على موضع ﴿إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. البلاغة: ﴿لَيَأْكُلُونَ﴾ عبر تعالى عن أخذ الأموال بالأكل على سبيل الاستعارة؛ لأن المقصود الأعظم من جمع الأموال هو الأكل، فسمي الشيء باسم ما هو أعظم مقاصده. المفردات اللغوية: ﴿الْأَحْبارِ﴾ علماء اليهود. ﴿وَالرُّهْبانِ﴾ عبّاد النصارى، والقسيسون علماؤهم. ﴿لَيَأْكُلُونَ﴾ المراد التصرف فيها بكل أوجه الانتفاع، وعبر عن ذلك بالأكل، والمراد به الأخذ والانتفاع؛ لأنه أهم حالات الانتفاع. ﴿بِالْباطِلِ﴾ بغير حق كالرشاوى في الحكم. ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ يمنعون. ﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ دينه وطريق معرفته الصحيحة وعبادته القويمة. ﴿وَلا يُنْفِقُونَها﴾ الكنوز، والكنز: خزن الأموال في الصناديق دون إعطاء حق الله فيها. ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي لا يؤدون منها حق الزكاة. ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ أخبرهم. ﴿بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ مؤلم، وهو تهكم بهم؛ لأن البشارة تكون في الخير لا في الشر. ﴿فَتُكْوى﴾ تحرق. ﴿فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ أي نالوا جزاءه. سبب النزول: نزول الآية (٣٤): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً..﴾.: قال الواحدي: نزلت في العلماء والقرّاء من أهل الكتاب كانوا يأخذون الرشا من سفلتهم، وهي المأكل الذي كانوا يصيبونه من عوامهم (١).

стр. 3098

نزول الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ..﴾.: روى البخاري عن زيد بن وهب قال: مررت بالرّبذة (موضع قريب من المدينة) فإذا أنا بأبي ذرّ، فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام، فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، وكان بيني وبينه كلام في ذلك، وكتب إلى عثمان يشكو مني، وكتب إليّ عثمان أن: أقدم المدينة، فقدمتها، وكثر الناس علي حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان، فقال: إن شئت تنحيت وكنت قريبا، فذلك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمّروا علي حبشيا لسمعت وأطعت. والمفسرون أيضا مختلفون، فعند بعضهم أنها في أهل الكتاب خاصة. وقال السدّي: هي في أهل القبلة. وقال الضحاك: هي عامة في أهل الكتاب والمسلمين (١)، وهو الأصح. المناسبة: بعد أن وصف الله تعالى رؤساء اليهود والنصارى بالتكبر والتجبر وادعاء الربوبية، لادعائهم حق التشريع للناس، وصفهم في هذه الآية بالطمع والحرص على أخذ أموال الناس تحقيرا لشأنهم، فهم ذوو أطماع وحرص شديد على أخذ أموال الناس بالباطل، وما قاوموا الإسلام إلا خوفا من ضياع مصالحهم المادية، فهم يتخذون الدين مطية لنيل الدنيا. ووصفهم تعالى أيضا بالبخل الشديد، وحب كنز المال في صناديقهم، والامتناع عن أداء الواجبات في أموالهم.

стр. 3099

والوعيد على الكنز لا يقتصر عليهم في الحقيقة، وإنما يشمل المسلمين أيضا، فبعد أن وصفهم الله تعالى بالحرص على أخذ أموال الناس بالباطل، أردفه بوعيد كل من امتنع عن إخراج الحقوق الواجبة من ماله. التفسير والبيان: هذه الآيات بيان لسيرة الأحبار (علماء اليهود) والرهبان (عبّاد النصارى) وكشف لقبائحهم، حتى يعرف أهل الكتاب حقيقتهم، ويتبينوا خطأهم في الاقتداء بهم والثقة فيهم، وليعلم المسلمون سبب عنادهم وبقائهم على كفرهم، ويكون الهدف من الآيات التحذير من التشبه بهم في أقوالهم وأحوالهم. يا أيها المؤمنون بالله ورسوله، اعلموا ﴿إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ﴾ ليأخذون أموال الناس بالباطل، لا بحق شرعي، ونسب ذلك لكثير منهم لا لكلهم إحقاقا للحق، وإنصافا للقلة الصالحة منهم. وأمثلة أخذهم الأموال بالباطل كثيرة منها: قبول الرشاوى في الأحكام القضائية، وأخذ الربا وهو محرم عليهم، وأخذ الهدايا والنذور والأوقاف المخصصة لقبور الأنبياء والصالحين، وأخذ الأرثوذكس والكاثوليك مقابل صكوك الغفران التي شاعت في القرون الوسطى، أو في مقابل الدعاء والشفاعة للمخطئين عند الله. وبيع الفتاوى بالمال لتحليل الحرام وتحريم الحلال، بقصد إرضاء الملوك والأمراء والحكام، كما قال تعالى في حق اليهود: ﴿قُلْ: مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنّاسِ، تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ، تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً، وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ: اللهُ﴾ [الأنعام ٩١/ ٦]. ومنها: استباحة اليهود أخذ أموال كل من عداهم ولو بالخيانة أو السرقة، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً، ذلِكَ﴾ بأنهم ﴿قالُوا: لَيْسَ عَلَيْنا

стр. 3100

فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ، وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران ٣/ ٧٥]. ثم ذكر الله تعالى نوعا آخر من قبائح رؤساء الدين اليهودي والنصراني، وهو صدهم عن سبيل الله، أي وهم مع أكلهم الحرام يصدون الناس ويمنعونهم عن اتباع الحق، إما بتكذيب رسالة الإسلام، أو التشكيك في مبادئها وأحكامها في العبادة والعقيدة والمعاملة، أو الطعن في النبي المصطفى ﵌ أو في القرآن الكريم. وبه يتبين أن ما يحرص عليه الناس في الدنيا وهو المال والجاه، شغف به الأحبار والرهبان، فأخذوا المال بالباطل، ومنعوا الناس من معرفة الله معرفة صحيحة، وعبادته عبادة قويمة، وأمعنوا في المنع من متابعة محمد ﵌، حفاظا على مراكزهم الأدبية ومكاسبهم المادية. ثم وصفهم الله بصفة أخرى هي البخل الشديد ومنع أداء حقوق الله في أموالهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ..﴾. أي والذين يجمعون المال ويدخرونه في بيوتهم ولا يخرجون منه الحقوق الواجبة شرعا كالزكاة، ولا ينفقون منه في سبيل الله، فيستحقون العذاب الشديد المؤلم في نار جهنم. وهذا الوعيد كما هو موجه للأحبار يشمل المسلمين أيضا، فكان المراد به الكل. كما وأن المراد بالنفقة: الواجب؛ لقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ ولا يتوجه العذاب إلا على تارك الواجب. ولا يكون الكنز حراما إلا إذا لم تؤد زكاته، فإن أديت الزكاة فلا يحرم. قال مالك عن ابن عمر ﵁ في الكنز: هو المال الذي لا تؤدى زكاته. وروى الثوري والشافعي وغيرهما عن ابن عمر قال: ما أدّي زكاته، فليس بكنز، وإن تحت سبع أرضين؛ وما كان ظاهرا لا تؤدى زكاته فهو كنز. وهذا مروي أيضا عن عمر وابن عباس وجابر وأبي هريرة موقوفا ومرفوعا. أخرج ابن عدي

стр. 3101

والخطيب عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «أيّ مال أدّيت زكاته فليس بكنز». وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والحاكم عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ كبر ذلك على المسلمين، وقالوا: ما يستطيع أحد منا ألا يبقي لولده مالا بعده، فقال عمر: أنا أفرّج عنكم، فانطلق وتبعه ثوبان، فأتى النبي ﵌ فقال: يا نبي الله، إنه قد كبر على أصحابك هذه الآية، فقال: «إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيّب بها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث عن أموال تبقى بعدكم» فكبّر عمر ﵁، ثم قال له النبي ﵌: «ألا أخبرك بخير ما يكنز؟ المرأة الصالحة التي إذا نظر إليها الرجل سرّته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته». وورد في مدح التقلل من الذهب والفضة وذم التكثر منها أحاديث كثيرة منها ما رواه عبد الرزاق عن علي ﵁ في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ قال النبي ﵌: «تبّا للذهب والفضة» فقال الصحابة: يا رسول الله، فأي المال نتخذ؟ قال: «لسانا ذاكرا، وقلبا شاكرا، وزوجة تعين أحدكم على دينه». ثم أخبر الله تعالى عن نوع العذاب الذي يطبق على أصحاب الكنوز، وهو أنه يحمى على ما جمعوه من الأموال المكنوزة في النار، أي توضع ويوقد عليها في النار حتى تحمى، ثم يحرق بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، وخصت هذه الأعضاء بالذكر؛ لأنهم بالوجوه يستقبلون الناس مغتبطين بالثروة، ويعبسون في وجوه الفقراء كيلا يعطوهم شيئا، ويتنعمون على جوانبهم وظهورهم في أوساط النعمة، ثم إن الكي على الوجه أشهر وأشنع، وعلى الجنب والظهر آلم وأوجع، ويقال لهم

стр. 3102

من قبل الملائكة: هذا جزاء ما كنزتم، فذوقوا وبال ما كنزتم لأنفسكم، أي أن ما توهمتم فيه منفعة أصبح ضررا ووبالا عليكم، وهذه آفة المسلمين اليوم حيث إنهم اكتنزوا الأموال الضخمة ولم ينفقوا بعضا منها في سبيل الله، أي في صالح الأمة والجماعة المسلمة. روى مسلم في صحيحة عن أبي هريرة أن رسول الله ﵌ قال: «ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل له يوم القيامة صفائح من نار، فيكوى بها جنبه وجبهته وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار». وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «من آتاه الله مالا، فلم يؤدّ زكاته، مثّل له يوم القيامة شجاعا (حنشا) أقرع له زبيبتان (نقطتان منتفختان في شدقيه) يطوّقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه -يعني شدقيه-ثم يقول له: أنا مالك، أنا كنزك. ثم تلا: ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ الآية [آل عمران ١٨٠/ ٣]. فقه الحياة أو الأحكام: تضمنت الآيات أحكاما ثلاثة: ١ - تحريم أكل أموال الناس بالباطل، والصد عن سبيل الله تعالى: وهو المبالغة في منع الناس بجميع وجوه المكر والخداع من اتباع النبي ﵌، ومتابعة الأخيار من العلماء والناس. ٢ - تحريم اكتناز المال دون إنفاقه في سبيل الله، والكنز: المال الذي لا تؤدى زكاته.

стр. 3103

٣ - استحقاق الكانز العقاب الشديد في الآخرة في نار جهنم، مع التوبيخ والتهكم والهم. أما الحكم الأول: فهو عام للأحبار والرهبان وغيرهم، إلا أنه كان مستقبحا منهم؛ لأنهم يتاجرون في الدين، ويدعون أنهم مقربون إلى الله، وهم أشد الناس حرصا على جمع المال وطمعا فيه، وبخلا به، فجمعوا بين حب المال والجاه. وقد سبق بيان مظاهر أكل أموال الناس بالباطل. وأما الحكم الثاني: فالمراد به على الصحيح أهل الكتاب وغيرهم من المسلمين؛ لأنه لو أراد أهل الكتاب على التخصيص لقال: ويكنزون، بغير: ﴿وَالَّذِينَ﴾ فلما قال: ﴿وَالَّذِينَ﴾ فقد استأنف معنى آخر يبيّن أنه عطف جملة على جملة، فالذين يكنزون كلام مستأنف، مرفوع على الابتداء، وهذا قول أبي ذرّ وغيره، وعلى هذا القول يكون في الآية دليل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. أما القولان الآخران فضعيفان، أحدهما-ما نقل عن معاوية أن المراد بالآية أهل الكتاب، والثاني-ما قاله السدّي وهو أن المراد مانعو الزكاة من المسلمين. قال ابن خويز منداد: تضمنت الآية زكاة العين (أي النقود) وهي تجب بأربعة شروط: حرية، وإسلام، وحول، ونصاب سليم من الدين. والنصاب مائتا درهم أو عشرون دينارا (١). أو يكمل نصاب أحدهما من الآخر، وأخرج ربع العشر (٢، ٥%) من هذا، وربع العشر من هذا (٢). أما اشتراط الحرية، فلأن العبد ناقص الملك، وأما اشتراط الإسلام فلأن الزكاة تطهير للمال والكافر ليس أهلا للتطهير، وأما اشتراط الحول فلأن النبي ﵌ قال فيما رواه الدارقطني عن أنس بن مالك: «ليس في المال زكاة حتى يحول عليه الحول» وأما اشتراط النصاب فلأن النبي ﵌ قال ما معناه فيما رواه

стр. 3104

أبو داود عن علي ﵁: «ليس في أقل من مائتي درهم زكاة، وليس في أقل من عشرين دينارا زكاة» ويراعى كمال النصاب عند آخر الحول؛ لاتفاق العلماء على أن الربح في حكم الأصل، فيه الزكاة. والصحيح ما نقل عن جماعة من الصحابة السابق ذكرهم: أن ما أدّي زكاته فليس بكنز، وكل ما لم تؤد زكاته فهو كنز. ولا يصح ما نقل عن علي ﵁: أربعة آلاف فما دونها نفقة، وما كثر فهو كنز وإن أدّيت زكاته، فهو خبر غريب. وأما ما نقل عن أبي ذرّ: «الكنز: ما فضل عن الحاجة» فهو رأي خاص به، ومن شدائده، ومما انفرد به ﵁، ويحتمل أن يكون ذلك في وقت شدة الحاجة، ولم يكن في بيت المال ما يكفي المحتاجين، ولا يجوز ادّخار الذهب والفضة في مثل تلك الحال. وأما زكاة الحلي فلم يوجبها الجمهور؛ لأنها غير مقصودة للنّماء لكن بشرط عدم قصد الكنز، وعدم تجاوز القدر المعتاد بين الناس وهو الوسط الذي لا إسراف فيه، كأن يكون دون الكيلوغرام، كما ذكر الشافعية. وأوجبها أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي عملا بعموم الألفاظ في إيجاب الزكاة في النقدين (الذهب والفضة) ولم يفرّق بين حليّ وغيره. قال الرازي: وهو الصحيح عندنا، لظاهر الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ..﴾ .. وأما الحكم الثالث: وهو تعذيب الكانز بعذاب أليم، فقد فسر النبي ﵌ هذا العذاب- فيما يرويه مسلم-بقوله: «بشّر الكنّازين بكيّ في ظهورهم يخرج من جنوبهم، وبكيّ من قبل أقفائهم يخرج من جباههم». ثم إن ظاهر الآية تعليق الوعيد بمن كنز، ولم ينفق في سبيل الله، وهذا أي عدم الإنفاق هو الغالب عرفا، فلذلك خص الوعيد به، أما الصحيح فهو أنه لا بد من توافر صفة الكنز واعتبارها: وهو المال الذي لم تؤدّ زكاته، كما تبين، فمن

стр. 3105

أدّى زكاة المال لا يعد كانزا، ويعد كانزا أيضا في رأي المالكية من لم يكنز ومنع الإنفاق الواجب في سبيل الله، فما فضل عن الحاجة ليس بكنز إذا كان معدا لسبيل الله. وقد رتب الله سوء العقوبة والجزاء بقوله: ﴿يَوْمَ يُحْمى﴾ على حال المعصية الحاصلة من الكانز المسلم والكافر بتعطيله خاصية المال، وهي إنفاقه في سبيل الله، فإن كان المكتنز كافرا فهذه بعض عقوباته، وإن كان مؤمنا، فهذه عقوبته إن لم يغفر له، ويجوز أن يعفى عنه. وتمثيل صورة العذاب في الآية والحديث حقيقة، ففي حال يمثّل المال فيه ثعبانا، وفي حال يكون صفائح من نار، وفي حال يكون رضفا (حجارة محماة) فتتغير الصفات والجسمية واحدة، فالشجاع الأقرع (الحنش) الذي يمثل به المال جسم، والمال جسم. وخص الشجاع بالذكر؛ لأنه العدو الثاني للناس، والشجاع من الحيات: هو الحية الذكر الذي يواثب الفارس والراجل، ويقوم على ذنبه وربما بلغ الفارس، ويكون في الصحاري. والأولى لطالب الدّين ألا يجمع المال الكثير، وإن لم يمنع عنه في ظاهر الشرع؛ لأنه أقرب للتقوى، ولأن تكثير المال سبب لتكثير الحرص في الطلب، والحرص متعب للروح والنفس والقلب وضرره شديد على النفس، ولأن كسب المال شاق شديد، وحفظه بعد حصوله أشد وأشق وأصعب، ولأن كثرة المال والجاه تورث الطغيان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق ٦/ ٦٨ - ٧] ولأنه تعالى أوجب الزكاة بقصد تنقيص المال، ولو كان تكثيره فضيلة لما سعى الشرع في تنقيصه. وكذلك خيرية اليد العليا؛ لأنها تؤدي إلى نقصان المال.

стр. 3106

عدد الشهور في حكم الله وقتال المشركين كافة وتحريم النسيء ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اِثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦) إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٣٧)﴾ الإعراب: ﴿اِثْنا عَشَرَ شَهْراً﴾ اثنا عشر: خبر ﴿إِنَّ﴾، و ﴿شَهْراً﴾: منصوب على التمييز. ﴿فِي كِتابِ اللهِ﴾ ﴿فِي﴾: متعلقة بمحذوف، وهي صفة لاثني عشر، وتقديره: إن عدة الشهور اثنا عشر شهرا كائنة في كتاب الله. ولا يجوز أن تكون متعلقة ب ﴿عِدَّةَ﴾ لأنه يؤدي إلى الفصل بين الصلة والموصول بالخبر، وهو ﴿اِثْنا عَشَرَ﴾. و ﴿كِتابِ﴾: مصدر، أي كتابة الله، ولا يجوز أن يكون اسما للقرآن ولا لغيره من الكتب؛ لأن الأسماء التي تدل على الأعيان لا تعمل في الظروف؛ لأنها ليس فيها معنى الفعل. و ﴿يَوْمَ﴾: منصوب ب ﴿كِتابِ﴾ والتقدير: فيما كتب الله يوم خلق السموات والأرض، ولا يجوز تعلقه ب ﴿عِدَّةَ﴾ لما قدمنا في ﴿فِي كِتابِ اللهِ﴾. والضمير في ﴿مِنْها﴾ يعود إلى الاثني عشر. والضمير في ﴿فِيهِنَّ﴾ يعود إلى الأربعة؛ لأن (ها) تكون لجمع الكثرة، وهن: لجمع القلة. ﴿وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ ﴿كَافَّةً﴾: منصوب على المصدر في موضع الجار، كقولهم:

стр. 3107

عافاه الله عافية، ورأيتهم عامة وخاصة. و ﴿كَافَّةً﴾: إما حال من الفاعل أي قاتلوا المشركين حال كونكم جميعا متعاونين غير متخاذلين كما يفعلون ذلك معكم تماما، وإما من المفعول، أي قاتلوا المشركين حال كونهم جميعا دون تفرقة بين فئة وأخرى. ﴿لِيُواطِؤُا﴾ اللام متعلقة بالفعل الثاني، وهو: ﴿وَيُحَرِّمُونَهُ﴾ أو بما دلّ عليه مجموع الفعلين السابقين. البلاغة: ﴿يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً﴾: بين يحلون ويحرمون طباق. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ وضع الظاهر وهو ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ موضع المضمر (أي معكم) للثناء عليهم بالتقوى ولحث القاصرين عليها، وتبيان أنها سبب الفوز والفلاح. المفردات اللغوية: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ أي عددها المكون للسنة، والشهور: جمع شهر: وهو اسم للهلال سميت به الأيام. ﴿فِي كِتابِ اللهِ﴾ مصدر، وليس اسما للقرآن ولا للوح المحفوظ؛ لأنه نصب كلمة ﴿يَوْمَ﴾. ﴿مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ أي من الشهور أربعة محرمة وهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، والحرم: جمع حرام: من الحرمة بمعنى التعظيم. ﴿ذلِكَ﴾ أي تحريمها. ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ ﴿الدِّينُ﴾: الشرع، و ﴿الْقَيِّمُ﴾: المستقيم الذي لا عوج فيه. ﴿فِيهِنَّ﴾ أي في الأشهر الحرم. ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ أي لا تظلموا في الأشهر الحرم أنفسكم بالمعاصي فإنها فيها أعظم وزرا. ﴿كَافَّةً﴾ أي جميعا، في كل الشهور، ﴿مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ بالعون والنصر. ﴿النَّسِيءُ﴾ أي تأخير حرمة شهر إلى آخر، كما كانت الجاهلية تفعله من تأخير حرمة المحرم إذا هل، وهم في القتال، إلى صفر. و ﴿النَّسِيءُ﴾: من نسأ الشيء ينسؤه نسأ ومنسأة: إذا أخره عن موضعه. ﴿زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ أي زيادة لكفرهم بحكم الله فيه. ﴿يُحِلُّونَهُ﴾ أي النسيء. ﴿لِيُواطِؤُا﴾ يوافقوا بتحليل شهر وتحريم آخر بدله. ﴿عِدَّةَ﴾ عدد. ﴿ما حَرَّمَ اللهُ﴾ من الأشهر، فلا يزيدوا على تحريم أربعة، ولا ينقصوا، ولا ينظروا إلى أعيانها. ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ﴾ فظنوه حسنا. سبب النزول: نزول الآية (٣٧): ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ﴾: أخرج ابن جرير الطبري عن أبي مالك قال: كانوا

стр. 3108

يجعلون السنة ثلاثة عشر شهرا، فيجعلون المحرم صفر، فيستحلون فيه المحرمات، فأنزل الله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾. المناسبة: الآيات عود للكلام عن المشركين في تعداد قبائحهم: وهو إقدامهم على السعي في تغييرهم أحكام الله، وذلك مثل فعل اليهود والنصارى الذين غيّروا حكم الله، فكان الكلام مناسبا عن حكم قتالهم ومعاملتهم، ثم العود إلى أحكام المشركين، فصار هناك تشابه بين المشركين وبين اليهود والنصارى في تعاطي أسباب القتال، وفي إيجاب القتال. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن أشهر السنة، فيقول: إن عدة الشهور في علمه تعالى وحكمه، وفيما كتبه الله وأوجب الأخذ به، وأثبته في نظام دورة القمر، وفي اليوم الذي خلق الله فيه السموات والأرض اثنا عشر شهرا، على هذا النحو المألوف اليوم. والمراد: الأشهر القمرية؛ لأن الحساب بها يسير، يعتمد على رؤية القمر، من كل الناس المتعلمين والعوام. والمراد بقوله: ﴿فِي كِتابِ اللهِ﴾، أي في كتابته ونظامه وحكمه التشريعي على وفق السنن الإلهية في نظام الكون، أو فيما أثبته وأوجبه من حكمه ورآه حكمة وصوابا. وقيل: في اللوح المحفوظ. والمراد بقوله: ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾: الوقت الذي تمّ فيه خلقهما، وهو ستة أيام من أيام التكوين والإيجاد. ﴿مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾: ثلاثة سرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وواحد

стр. 3109

فرد وهو رجب، أي ذات حرمة وتعظيم تمتاز بها عن بقية الشهور، فقد ورد أن المعصية فيها أشد عقابا، وأن الطاعة فيها أعظم ثوابا، ولله تعالى أن يعظم بعض الأزمنة والأمكنة كما يشاء، فقد فضل البلد الحرام عن سائر البلاد، وميّز يوم الجمعة ويوم عرفة وعشر ذي الحجة عن سائر الأيام، وميز شهر رمضان وأشهر الحج عن بقية الشهور كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ﴾ [البقرة ١٩٧/ ٢] وإن كان ذلك محرما في سائر الشهور، وميز بعض الليالي كليلة القدر، وبعض الأشخاص بالرسالة أو النبوة. وكان القتال محرما في هذه الأشهر الأربعة على لسان إبراهيم وإسماعيل ﵉، واستمر العرب على ذلك، ثم نسخت حرمتها؛ عن عطاء الخراساني ﵁ قال: أحلّت القتال في الأشهر الحرم: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾. وجاءت السنة مبينة حرمة الأشهر وثباتها في وقتها الصحيح، روى الإمام أحمد والبخاري في التفسير عن أبي بكرة أن النبي ﵌ خطب في حجة الوداع، فقال: «ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم: ثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» أي رجعت الأشهر إلى ما كانت عليه، وعاد الحج في ذي الحجة، وبطل النسيء الذي كان في الجاهلية. وقد وافقت حجة الوداع ذا الحجة، وكانت حجة أبي بكر ﵁ قبلها في ذي القعدة (١). ثم قال: «أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى، ثم قال: أي شهر هذا؟

стр. 3110

قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس ذا الحجة؟ قلنا: بلى، ثم قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليست البلدة؟ قلنا: بلى؛ قال: فإن دماءكم وأموالكم-وأحسبه قال: وأعراضكم-عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم؛ ألا لا ترجعوا بعدي ضلاّلا يضرب بعضكم رقاب بعض؛ ألا هل بلغت؟ ألا ليبلّغ الشاهد منكم الغائب، فلعلّ من يبلّغه يكون أوعى له من بعض من سمعه». ثم قال الله تعالى: ﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي أن تحريم الأشهر الأربعة هو الدين المستقيم دين إبراهيم وإسماعيل، أي الحكم والشرع الذي لا التواء فيه ولا اعوجاج، فلا يجوز نقل تحريم المحرم مثلا إلى صفر، خلافا لما كان يفعل أهل الجاهلية من تقديم بعض أسماء الشهور وتأخير البعض. وكانت العرب قد تمسكت بتعظيم هذه الأشهر الحرم وراثة عن إبراهيم وإسماعيل، ويحرمون القتال فيها، حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو أخيه، لم يتعرض له. وسموا رجبا: الأصم، حتى أحدث النسيء، فغيروا وبدلوا وأخلّ أهل الجاهلية بحرمة هذه الأشهر. ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي لا تظلموا في الأشهر الحرم أنفسكم، باستحلال حرامها، فإن الله عظّمها، وإياكم أن تعملوا النسيء فتنقلوا الحج من شهره إلى شهر آخر، وتغيروا حكم الله تعالى. والمراد النهي عن جميع المعاصي بسبب ما لهذه الأشهر من تعظيم الثواب والعقاب فيها، كما قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ، فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة ١٩٧/ ٢].

стр. 3111

وهذه الأمور وإن كانت حراما في غير هذه الأشهر، إلا أنه أكد الله تعالى فيها المنع، زيادة في شرفها. ثم أبان الله تعالى حكم قتال المشركين بنحو عام في كل زمان، فقال: ﴿وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ أي قاتلوا المشركين جميعا أي مجتمعين متعاونين، كما يقاتلونكم جميعا مجتمعين متعاونين، وهذا على أن ﴿كَافَّةً﴾ حال من الفاعل، ويصح كونها حالا من المفعول، أي قاتلوا المشركين حال كونهم جميعا، كما يقاتلونكم جميعا من غير تفرقة بين فئة وأخرى. وظاهر الآية: إباحة قتالهم في جميع الأشهر، حتى الأشهر الحرم، فيكون القتال فيها مباحا، ويؤيده قول عطاء الخراساني المتقدم: أحلت القتال في الأشهر الحرم: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي ما فيها من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وقوله: ﴿وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾. فهذه الآية تأذن للمؤمنين بقتال المشركين في الشهر الحرام، إذا كانت البداءة منهم، كما قال تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ [البقرة ١٩٤/ ٢] وقال تعالى: ﴿وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ، فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة ١٩١/ ٢]. وحاصر النّبي ﵌ أهل الطائف في شوال، واستمر الحصار إلى أن دخل الشهر الحرام، وهو بعض ذي القعدة. وأما آيات البقرة الدالة على تحريم القتال في الأشهر الحرم [٢١٧، ١٩٤] وآية المائدة [٢] فهي منسوخة بآيات التوبة؛ لنزولها بعد سورة البقرة بسنتين. وهذا القول بإباحة القتال في الأشهر الحرم هو المعتمد شرعا.

стр. 3112

ويحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً..﴾. منقطعا عما قبله وأنه حكم مستأنف، للتحريض على قتال المشركين، أي كما يجتمعون لحربكم إذا حاربوكم، فاجتمعوا أنتم أيضا لهم إذا حاربتموهم، وقاتلوهم بنظير ما يفعلون. ثم قال الله تعالى مطمئنا المؤمنين بالنصر: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ أي أن الله تعالى مؤيد وناصر الأولياء الأتقياء الذين يتخذون وقاية من مخالفة أمره، وهو معهم بالمعونة والنصر فيما يقومون به من أعمال القتال وغيره. ثم أبان الله تعالى سبب استحقاق المشركين القتال والذم العظيم وهو تصرفهم في شرع الله بآرائهم الفاسدة، وتغييرهم أحكام الله بأهوائهم الخاصة، وتحليلهم ما حرم الله، وتحريمهم ما أحلّ الله، وذلك بالتلاعب في الزمان والوقت بلجوئهم إلى كبس السنة القمرية لتساوي السنة الشمسية، وعملهم النسيء في الأشهر الحرم؛ لأنه كان يشق عليهم ترك القتال وشن الغارات ثلاثة أشهر متواليات. أما كبس السنة القمرية: فهو تكميل النقص الذي في السنة القمرية لتساوي السنة الشمسية، فيزيدون كل ثلاث سنين شهرا في العام، وذلك لأن السنة القمرية تنقص عن السنة الشمسية أحد عشر يوما تقريبا، إذ هي (٣٦٦/ ١٠٠٠ ٣٥٤ يوما) فتنتقل الشهور العربية من فصل إلى فصل، فيكملون النقص بأن يزيدوا في كل ثلاث سنوات شهرا، لتكون السنة قمرية شمسية، وليجعلوا وقت الحج في زمن معين وفقا لمصلحتهم، لينتفعوا بتجاراتهم، فكانوا إذا حضروا للحج حضروا للتجارة، وربما يكون الوقت غير مناسب لحضور التجارات من أنحاء البلاد، فيختل بذلك نظام تجارتهم؛ إذ قد يكون الحج مرة في الشتاء، ومرة في الصيف، فيشق ذلك على العرب أيام الجاهلية، فاختاروا للحج وقتا معينا، وثبّتوا السنة القمرية كالسنة الشمسية لتنتظم علاقاتهم التجارية مع غيرهم من الشعوب الأخرى، مع احتفاظهم بمراعاة نظام السنة القمرية في المعاملات والعبادات الذي توارثوه عن إبراهيم وإسماعيل ﵉.

стр. 3113

وقد تعلموا كبس السنة من اليهود والنصارى الذين يعتمدون على السنة الشمسية، وهي (١/ ٤ ٣٦٥ يوما) وفي كل أربع سنوات يتكون من الكسر عندهم يوم كامل، فتصبح السنة (٣٦٦ يوما) وفي كل مائة وعشرين سنة تزيد السنة شهرا كاملا، فتكون ثلاثة عشر شهرا، وتسمى كبيسة. أما في عصرنا فيقتصر على زيادة يوم في آخر شهر شباط (فبراير) كل أربع سنوات. وأما النسيء في الشهور: فهو تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر ليس له تلك الحرمة، بسبب أنه كان يشق عليهم أداء عباداتهم والقيام بتجاراتهم بالسنة القمرية، حيث كان حجهم يقع مرة في الشتاء، ومرة في الصيف، فيتألمون من مشقة الصيف، ولا ينتفعون بتجاراتهم التي يصطحبونها في موسم الحج، كما أنه كان يشق ترك القتال وشن الغارات ثلاثة أشهر متوالية، فتركوا اعتبار السنة القمرية، واعتمدوا على السنة الشمسية، ولزيادتها عن السنة القمرية احتاجوا إلى الكبس، كما بينت، فنقلوا حرمة شهر المحرم إلى صفر لتبقى الأشهر الحرم أربعة ليوافقوا عدد ما حرمه الله في الاسم دون الحقيقة، اكتفاء بمجرد العدد، ونقلوا الحج من شهر إلى آخر، وإذا كانوا في حرب ودخل شهر رجب مثلا قالوا: نسميه رمضان، ونطلق اسم رمضان على رجب. وذلك لأن دورة القمر الشهرية: (٢، ٨ ثانية+٤٤ دقيقة+١٢ ساعة+ ٢٩ يوما) فتكون السنة القمرية أنقص من السنة الشمسية. وأول من عمل النسيء: نعيم بن ثعلبة الكناني. وكان يفعل النسيء بعده رجل كبير من كنانة يقال له (القلمّس) يقول في أيام منى حيث يجتمع الحجيج: أنا الذي لا يردّ لي قضاء، فيقولون: صدقت، فأخّر عنا حرمة المحرم، واجعلها في صفر؛ فيحل لهم المحرم، ويحرم عليهم صفرا، ثم يجيء العام المقبل بعده، فيقول مثل مقالته: إنا قد حرمنا صفر

стр. 3114

وأخرنا المحرم، ثم صاروا ينسئون غير المحرم، فتتغير حقائق الشهور كلها، حتى رفضوا تخصيص الأشهر الحرم بالتحريم، وحرموا أربعة أشهر من شهور العام اكتفاء بمجرد العدد. لذا ذم الله تعالى تصرفهم وتلاعبهم بالشهور القمرية، فقال: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ أي إن تأخير حرمة شهر إلى آخر، وقلب وضع التحريم والتحليل زيادة في أصل كفرهم القائم على الشرك وعبادة الأصنام، وتغيير لملة إبراهيم بسوء التأويل، ولأن الكافر كلما أحدث معصية ازداد كفرا. ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي يوقع النسيء الذين كفروا في ضلال زيادة على ضلالهم القديم. وعلى قراءة يضل المبني للمعلوم معناه: يضلهم الله، فيحلون الشهر المؤخر عاما، ويحرمونه عاما. ﴿لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ﴾ أي ليوافقوا في مجرد العدد الأربعة الأشهر الحرم. ﴿فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ﴾ أي فيحلوا بهذه المواطأة ما حرمه الله تعالى من القتال، بتأخير هذا الشهر الحرام. ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ﴾ أي حسّن الشيطان لهم أعمالهم السيئة، فظنوا ما كان سيئا حسنا، وتوهموا شبهتهم الباطلة أنها صواب. ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ أي لا يوفق ولا يرشد القوم الضالين الذين يختارون السيئات، إلى الحكمة والخير والصواب وفهم الحكمة من أحكام الشرع، وإنما يخذلهم ولا يلطف بهم؛ لأن الهداية المؤدية إلى السعادة في الدارين من آثار الإيمان والعمل الصالح، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ﴾ [يونس ٩/ ١٠].

стр. 3115

فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيتان على الأحكام التالية: ١ - إن عدد الشهور القمرية في علم الله تعالى وفي حكمه وإيجابه في اللوح المحفوظ يوم خلق السموات والأرض اثنا عشر شهرا، فإنه تعالى وضع هذه الشهور وسماها بأسمائها على ما رتّبها عليه، يوم خلق السموات والأرض، على وفق سنته الإلهية ونظامه البديع المتقن، وأنزل ذلك على أنبيائه في كتبه المنزلة. وحكمها باق على ما كانت عليه، لم يزلها عن ترتيبها تغيير المشركين لأسمائها. والمقصود من ذلك اتباع أمر الله تعالى، ورفض ما كان عليه أهل الجاهلية، من تأخير أسماء الشهور وتقديمها، وتعليق الأحكام على الأسماء التي رتّبوها عليه. ٢ - الواجب في شريعتنا الاعتماد على السنة القمرية في العبادات كالصوم والحج وغيرها، كما عرفتها العرب، دون السنة الشمسية أو العبرية أو القبطية وغيرها، وإن لم تزد على اثني عشر شهرا. وذلك بدليل الآية التي معنا، حيث ذكر فيها: ﴿مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ والأربعة الحرم من الشهور القمرية وهي (ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب) وقال النبي ﵌ عن رجب: «الذي بين جمادى وشعبان» وبدليل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً، وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ، لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾ [يونس ٥/ ١٠] فجعل تقدير القمر بالمنازل علة لمعرفة السنوات والحساب، وهو إنما يصحّ بالاعتماد على دورة القمر. وبدليل قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ، قُلْ: هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة ١٨٩/ ٢] وهو يدل على السنة القمرية واعتبارها في الصيام والزكاة والحج والأعياد والمعاملات وأحكامها.

стр. 3116

٣ - الإسلام دين الحق والصواب والاستقامة؛ لقوله تعالى: ﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي ذلك الشرع والطاعة، والقيّم أي القائم المستقيم. وقيل: ذلك الحساب الصحيح والعدد المستوفى، وقيل: ذلك القضاء، وقيل: الحق. ٤ - تحريم ظلم النفس بارتكاب المعاصي والذنوب في جميع السنة؛ لقوله تعالى: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ على قول ابن عباس: راجع إلى جميع الشهور. وقال الأكثرون: راجع إلى الأشهر الحرم خاصة؛ لأنه إليها أقرب، ولها مزية في تعظيم الظلم؛ لقوله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ﴾ وهذا تعظيم لحرمتها وتأكيد لامتيازها، لا أن الظلم في غير هذه الأيام جائز، وإنما هو حرام في كل الأيام والشهور والسنين، وإذا عظم الله تعالى شيئا عظّمه من جهتين، وصارت حرمته متعددة، فيضاعف فيه العقاب بالعمل السيء، كما يضاعف الثواب بالعمل الصالح، وذلك ثابت في البلد الحرام. وقيل: إن الظلم هو إباحة القتال فيها، ثم نسخ بإباحة القتال في جميع الشهور، كما قال قتادة وعطاء الخراساني والزهري وسفيان الثوري، وهو الصحيح المعتمد؛ لأن النبي ﵌ غزا هوازن بحنين وثقيفا بالطائف، وحاصرهم في شوال وبعض ذي القعدة. ونظرا لتعظيم حرمة الشهر الحرام، قال الشافعي فيمن قتل فيه شخصا خطأ: تغلظ عليه الدية، وقال: تغلظ الدية في النفس وفي الجراح في الشهر الحرام وفي البلد الحرام وذوي الرحم. وقال الأوزاعي: القتل في الشهر الحرام تغلّظ فيه الدية فيما بلغنا، وفي الحرم، فتجعل دية وثلثا. وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما وابن أبي ليلى: القتل في الحلّ والحرم سواء، وفي الشهر الحرام وغيره سواء، قال القرطبي: وهو الصحيح؛ لأن النبي ﵌ سنّ الديات، ولم يذكر فيها الحرم ولا الشهر الحرام. وأجمعوا على أن

стр. 3117

الكفارة على من قتل خطأ في الشهر الحرام وغيره سواء، فالقياس أن تكون الدية كذلك. ٥ - تعظيم حرمة الأشهر الحرم: خصّ الله تعالى الأربعة الأشهر بالذكر، ونهى عن الظلم فيها تشريفا لها، وإن كان منهيا عنه في كل الزمان، كما قال: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ﴾ وهذا رأي أكثر المفسرين، أي لا تظلموا في الأربعة الأشهر أنفسكم. وروي عن ابن عباس قال: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ في الاثني عشر. ٦ - الأمر بقتال المشركين كافة، قال ابن العربي: يعني محيطين بهم من كل جهة وحالة، فمنعهم ذلك من الاسترسال في القتال (١). وهذا ترغيب في قتالهم وتحريض، معاملة بالمثل، وتوحيدا للصف وجمعا للكلمة. وقال بعض العلماء: كان الغرض بهذه الآية قد توجّه على الأعيان (أي أن القتال فرض عين) ثم نسخ ذلك، وجعل فرض كفاية. وفي هذا الكلام بعد؛ لأن النبي ﵌ لم يلزم الأمة جميعا النّفر، وكان القتال قد استقرّ على أنه فرض كفاية بعد أن كان في مرحلة قصيرة فرض عين، وإنما معنى هذه الآية-كما ذكر القرطبي-الحض على قتالهم والتحزب عليهم وجمع الكلمة، ثم قيدها بقوله: ﴿كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ فبحسب قتالهم واجتماعهم لنا يكون فرض اجتماعنا لهم (٢). فليس في هذه الآية إعلان شامل للحرب على المشركين، وإنما هي آمرة بتوحيد المؤمنين، وجعلهم جبهة واحدة عند قتال المشركين، فهي لتحريضهم

стр. 3118

على التعاون والتناصر، وعدم التخاذل والتقاطع، كما أن المشركين جبهة واحدة متعاونون متناصرون أثناء قتالهم المسلمين. ٧ - تحريم النسيء، أي تأخير حرمة شهر ووقته إلى شهر آخر، فذلك يضادّ الحقائق، ويظهر التلاعب بالسنن الإلهية، ويغير أوقات العبادة، وهو أيضا زيادة في كفر المشركين، الذين أنكروا وجود الباري فقالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمنُ؟﴾ [الفرقان ٦٠/ ٢٥] في أصح الوجوه، وأنكروا البعث فقالوا: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ؟﴾ [يس ٧٨/ ٣٦] وأنكروا بعثة الرسل فقالوا: ﴿أَبَشَراً مِنّا واحِداً نَتَّبِعُهُ؟﴾ [القمر ٢٤/ ٥٤]، وزعموا أن التحليل والتحريم عائد إليهم، فحللوا ما حرّم الله وحرموا ما أحل الله على وفق شهواتهم وأهوائهم، وأضلوا الذين كفروا، وحافظوا على مجرد العدد في التحريم: ﴿لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ﴾ أي لم يحلّوا شهرا إلا حرموا شهرا لتبقى الأشهر الحرم أربعة، وذلك كله من تزيين الشيطان لهم هذا العمل السيء، والله لا يرشد كل كفار أثيم. وكان الهدف من النسيء شيئين ماديين لمصالح الدنيا: الأول-ترتيب وقت الحج في زمن يناسب ظروف تجاراتهم، بدلا من تقلّبه تارة في الصيف وتارة في الشتاء، والثاني-شن الغارات والحروب، أو الاستمرار في القتال، على وفق رغباتهم وأهوائهم ومصالحهم. وترتب على النسيء الاعتماد على السنة الشمسية في الواقع؛ لأنهم جعلوا السنة القمرية تساير السنة الشمسية، عن طريق الكبيسة، وأدى ذلك إلى جعل بعض السنين ثلاثة عشر شهرا، ونقل الحج من بعض الشهور القمرية إلى غير وقته المخصص له.

стр. 3119

التحريض على الجهاد والتحذير من تركه ومعجزة الغار في الهجرة ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ اِنْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اِثّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ (٣٨) إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اِثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ الإعراب: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا﴾ بإدغام لا في نون إن الشرطية، ومثلها: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ﴾. ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ﴾ منصوب ب ﴿نَصَرَهُ اللهُ﴾ و ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ أي أحد اثنين، وهو منصوب على الحال من هاء ﴿أَخْرَجَهُ﴾ وهو النبي ﵌. وقيل: هو حال من ضمير محذوف تقديره: فخرج ثماني اثنين. ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ﴾ جواب الشرط. ﴿إِذْ هُما فِي الْغارِ﴾ منصوب على البدل من قوله تعالى: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهو بدل الاشتمال.

стр. 3120

﴿إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ﴾ بدل من قوله: ﴿إِذْ هُما فِي الْغارِ﴾ وهاء ﴿لِصاحِبِهِ﴾ يراد بها أبو بكر. ﴿لا تَحْزَنْ﴾ جملة فعلية في موضع نصب ب ﴿يَقُولُ﴾. وهاء ﴿أَيَّدَهُ﴾ يراد بها النبي ﵊. ﴿وَكَلِمَةُ اللهِ﴾ مبتدأ مرفوع، و ﴿هِيَ الْعُلْيا﴾ خبره. وقرئ كلمة بالنصب، وفيه بعد؛ لأن كلمة الله لم تزل عالية، فيبعد نصبها ب ﴿جَعَلَ﴾ لما فيه من إيهام أنها صارت عالية بعد أن لم تكن. والذي عليه جماهير القراء: هو الرفع. ﴿هِيَ الْعُلْيا﴾ ﴿هِيَ﴾ ضمير فصل أو مبتدأ، وفيها تأكيد فضل كلمة الله في العلو وأنها المختصة به دون سائر الكلم. البلاغة: ﴿ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ﴾ استفهام للإنكار واللوم أو التوبيخ. ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي أرضيتم بنعيم الدنيا بدل نعيم الآخرة. ﴿فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ إظهار الدنيا في مقام الإضمار؛ لزيادة التقرير، والمبالغة في التهوين بشأن الدنيا وبيان حقارتها بالنسبة للآخرة. ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ بينهما جناس اشتقاق. ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى﴾: ﴿كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ استعارة للشرك والدعوة إلى الكفر، ﴿وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا﴾ استعارة للإيمان والتوحيد والدعوة إلى الإسلام. المفردات اللغوية: ﴿اِنْفِرُوا﴾ أقدموا على القتال بخفة ونشاط، والمصدر: النفر والنفور، واستنفر الإمام الناس إلى القتال: أعلن النفير العام، وحثهم ودعاهم إلى جهاد العدو، واسم ذلك القوم الذين يخرجون: النفير. ﴿اِثّاقَلْتُمْ﴾ تباطأتم وملتم عن الجهاد. ﴿إِلَى الْأَرْضِ﴾ قعدتم فيها، والاستفهام للتوبيخ. ﴿مِنَ الْآخِرَةِ﴾ آثرتم الدنيا على الآخرة، وقبلتم بدل نعيمها. ﴿مَتاعُ﴾ ما يتمتع به من لذائذ الدنيا. ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ في جنب متاعها. ﴿إِلاّ قَلِيلٌ﴾ حقير. ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا﴾ إن لم تخرجوا مع النبي ﵌ للجهاد. ﴿أَلِيماً﴾ مؤلما. ﴿وَيَسْتَبْدِلْ﴾ أي يأت بهم بدلكم. ﴿وَلا تَضُرُّوهُ﴾ أي الله
следующие страницы →